* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث الشريف يدل على أنَّ المؤمن لا يجمع هاتين الخصلتين الذميمتين، وهما: البخل، وسوء الخلق، ومفهوم الحديث: أنَّهما قد يجتمعان فيمن حُرِمَ نعمة الإيمان، فإنَّه قد يكون فيه البخل وسوء الخلق معًا؛ لأنَّه فقد الإيمان الذي ينها صاحبه عن سيِّء الأخلاق، كما يأمره بالجود والكرم.
٢ - البخل: أحسن ما يعرَّف به: بأنَّه التقصير بالنفقات الواجبات، والنفقات المستحبات، وعدم التوسعة على الأهل والأولاد، والتقصير في بر الجار، والقريب، والضعيف، ونحو ذلك.
٣ - جاء ذم البخيل والبخل في كثير من نصوص الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ [الحاقة]، وقال تعالى عن أهل النار: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾ [الليل]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر]، وقد جاء في صحيح مسلم (٢٥٧٨)، من حديث جابر؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "اتَّقوا الشح، فإنَّ الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم".
٤ - البخل مذموم شرعًا، وعقلاً، وعرفًا؛ فهو إمساك عن الواجبات، فيحصِّل صاحبه الإثم، والإمساك عن الفضائل والمرواءت، فيحصِّل صاحبه المذمة والعار، وضد ذلك: القيام بالنفقات الواجبة، والنفقات التي تجلب حمدًا وأجرًا.
٥ - أما سوء الخلق فضله حسن الخلق؛ من حسن العشرة، ولين الجانب، والحلم، والعفو، والسماح، والصبر، والرحمة، والشفقة، والإحسان، والبر.
стр. 3887
٦ - والآيات والأحاديث في ذم سوء الخلق، ومدح حسن الخلق كثيرة جدًّا؛ ويكفي منها قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف]، وقوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤].
وجاء في الترمذي (٢٠٠٢) عن أبي الدرداء؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الله يبغض الفاحش البْذِيءَ" وجاء في أبي داود (٤٧٩٨) عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم".
***
стр. 3888
١٣٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "المُسْتَبَّانِ مَا قَالاَ فَعلَى البَادِىءِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- المُسْتبَّان: بتشديد الباء الموحدة، اسم فاعل، من باب الافتعال، يقال: سابَّه مسابَّةً وسبابًا: شتمه، والمراد: المتشاتمان اللذان تبادلا الشتائم بينهما.
- فعلى الباديء: أي: فعلى الذي بدأ بالشتم الإثم، دون المجيب المنتصر.
- ما لم يعتد: أي: يتجاوز حد ما شتمه الباديء.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - السباب: فسوق لما يصدر فيه من الكلام الفاحش، واللفظ البذيء، وقد يجر الفسوق إلى ما هو أعظم منه؛ من سفك الدماء، وإثارة الفتن، وأقل ما فيه إشعال العداوة والبغضاء بين المسلمين؛ ولذا كان محرَّمًا؛ فإنَّ الله يكره الفاحش البذيء.
٢ - ومن اعتدي عليه بالسباب، فله مجازاة الساب بمثل سبه من غير ذلك زيادة على ذلك؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦].
ولكن أفضل من المجازاة: الحلم، والصبر، والعفو: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل]، وقال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر]، وقال: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]،
стр. 3889
وقال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران].
٣ - دلَّ الحديث على أنَّ إثم السباب يقع على الذي بدأ بالسباب: إما مباشرة، أو تسبب له بأفعاله، أو أحواله.
ولا يقع على المجازي إلاَّ إذا زاد على حقه، فيصير ظالمًا.
٤ - السباب ليس من خلق ذوي الهيئات والمرواءات، وإنما هو خلق السفهاء، ومن ليس لديهم حياء يردهم عن هُجْرِ الكلام، وفاحشه، والبذاءة؛ لذا فإنه يُجمل بالمسلم أن يبتعد عن هذه الأخلاق، وأن ينأى عمن ليس عنده خلق حسن؛ فليتأدب معه بآداب القرآن من الإعراض عن الجاهلين، والصفح الجميل، والصبر، والعفو، والمغفرة؛ لينال درجة المتخلقين بالقرآن، والله الموفق.
***
стр. 3890
١٣١٠ - وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ اللهُ، وَمَنْ شَاقَّ مُسْلِمًا شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
فقد حسَّنه الترمذي.
قال المناوي في شرح الجامع الصغير: رمز لحسنه المؤلف، أي السيوطي.
ورواه أبو داود، وسكت عنه هو والمنذري، وعزاه لابن ماجه والنسائي، فهو حديث مقبول، والله أعلم.
وهناك شواهد كثيرة للحديث؛ منها ما في صحيح مسلم: "اللَّهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم، فاشقق عليه" وغيره.
* مفردات الحديث:
- من ضارَّ مسلمًا: أي: من أدخل على مسلم مضرة في ماله، أو نفسه، أو عِرضه بغير حق، أدخل الله عليه المضرة؛ مجازاة له من جنس فعله.
- من شاقَّ مسلمًا: يقال: شاقه مشاقة وشقاقًا: خالفه، وعاداه، وحقيقته: أن يأتي كل واحد منهما بما يشق على صاحبه، فيكون كل واحد منهم في شق صاحبه، والمعنى هنا: من نازع مسلمًا ظلمًا، أنزل الله عليه المشقة.
стр. 3891
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أذية المسلم وغيره بغير حق حرام، سواء أكانت الأذية في بدنه، أو عرضه، أو ماله، أو ولده، أو أهله، أو أي شيء يلحقه الضرر به؛ فمن أدخل الضرر على مسلم، أو ذمي، أو معاهد، جازاه الله تعالى من جنس عمله، بأن يدخل عليه المضرة والمشقة.
٢ - جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد (٢٢٢٧٢)؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار"؛ وهذا الحديث جعله علماء الأصول قاعدة شرعية عامة كبرى، استقوا منها عددًا كبيرًا من المسائل الفرعية.
ومعناه: نفي الضرر من الرجل لأخيه ابتداءً وجزاءً.
فالحديث: "لا ضرر ولا ضرار" وأخوه "حديث الباب": نص في تحريم الضرر بأنواعه كلها؛ لأنَّ النفي بـ"لا" للاستغراق، فيفيد تحريم جميع أنول الضرر؛ لأنَّه الظلم الذي حرَّمه الله تعالى على نفسه، وجعله بين عباده محرَّمًا.
٣ - الضرر قد يكون بحق؛ كإقامة الحدود، والعقوبات، والإكراه على استخلاص الحقوق المستحقة الواجبة.
٤ - المضارة المحرَّمة هي المضارة المقصودة، أما غير المقصودة فلا تحرم، قالط شيخ الإسلام: المضارة معناها القصد والإرادة، أو على فعل فيه ضرر، فمتى قصد الإضرار، أو الفعل بالإضرار من غير حاجة، فهو مضار.
وأما إذا فعل الضرر المستحق للحاجة لا لقصد الضرر، فليس بمضار؛ ومن ذلك قوله ﷺ لصاحب النخلة التي تضر صاحب الحديقة لما طلب صاحبها المعاوضة عنها بعدة طرق فلم يفعل، قال: "إنما أنت مضار" [أبو داود: ٣٦٣٦]، ثم أمر بقلعها؛ فدل على أنَّ الضرر محرَّم لا يجوز تمكين صاحبه منه.
стр. 3892
١٣١١ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَبْغَضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ" أَخْرَجَهُ التِّرمِذِيُّ وصَحَّحَهُ (١).
وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَةَ: "لَيْسَ المُؤْمنُ بِالطَّعَّانِ، وَلاَ اللَّعَّانِ، وَلاَ الفَاحِش، وَلاَ البَذِيءِ" وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقْفَهُ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
لكن اختلف في رفعه ووقفه، ورُجِّح وقفه.
قال المؤلف: أخرجه الترمذي وصحَّحه، وله شاهد من حديث ابن مسعود يرفعه: "ليس المؤمن بالطعَّان، ولا اللعَّان، ولا الفاحش، ولا البذيء"، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم، ولكن رجح الدارقطني وقفه.
قال الشيخ شعيب الأرناؤط في تعليقه على رياض الصالحين: أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وإسناده صحيح، وصحَّحه ابن حبان، والحاكم، ووافقه الذَّهبي.
وقال العراقي: أخرجه الترمذي بإسناد صحيح، من حديث ابن مسعود، وروي موقوفًا، قال الدارقطني: والموقوف أصح.
وهو -وإن كان موقوفًا- لكن له حكم الرفع، حيث هو إخبار عن الله تعالى، وهذا لا مدخل للرأي فيه.
стр. 3893
* مفردات الحديث:
- الفاحش: الفحش: هو القبح الشنيع من قول أو فعل؛ فالفاحش هو الذي يأتي الفاحشة، من قول، أو فعل.
البذيء: البذيء على وزن فعيل، قال: بذأ الرجل يبذأ بذاء وبذاءة: فحش، فهو بذيء وهي بذيئة، والبذاء هو الكلام القبيح.
- الطعَّان: يقال: طعن فيه طعنًا: قدحه وعابه؛ فالطعن هو السب، والطعَّان صيغة مبالغة معناه: كثير السب للناس.
- اللعان: يقال: لعنه يلعنه لعنًا: طرده وأبعده من الخير؛ فهو لعَّان، صيغة مبالغة من اللعن، معناه؛ كثير اللعن للناس، قال في التعريفات: اللعن من الله هو إبعاد العبد بسُخطه، ومن الإنسان الدعاء بسُخطه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه النهي الأكيد عن هذه الخصال القبيحة، وأنَّها ليست من صفات المؤمن الكامل الذي يمنعه إيمانه من المنكرات، وفاحش القول، وبذيء الكلام، وإنما هذه صفات وأخلاق ضعفاء الإيمان وسَيِّيء الأخلاق، ممن لم يذوقوا حلاوة الإيمان، ولم تخالط بشاشته قلوبهم.
٢ - أنَّ الله يبغض الفاحش في قوله، ممن فاه بفاحش القول: من السب، والشتم، واللعن، والقذف، والكذب، وجميع الألفاظ النابية المحرَّمة.
٣ - البذيء: صاحب منطق السوء، وقبيح اللفظ ممن يؤذي بهجره، وسفاهة منطقه، فلا يخاطب الناس إلاَّ باللفظ المستكره، ولا يناديهم إلاَّ بالألقاب المستقبحة، ولا يشافههم إلا بخشن الكلام؛ فهذا مكروه يبغضه الله تعالى؛ كما يبغضه خلقه في السموات والأرض.
٤ - أما الطَّعَّان: فهو الذي يطعن الناس في أعراضهم، وأنسابهم، ويعيبهم في أقوالهم، وأفعالهم، ويوجِّه إليهم انتقاده المُرَّ الذي لم يقصد به التوجيه،
стр. 3894
وإنما يقصد به إظهار العيب والفضيحة.
٥ - وأما اللَّعَّان: فهو كثير اللعن والشتم، بسبب، وبدون سبب، وإنما اللعن والشتم سجية قبيحة، طُبعَ على أصلها، ونمت عنده، وزادت من إهماله تهذيبَ نفسه وتزكيتَهَا.
٦ - وبالجملة: فليست هذه الأخلاق من أخلاق من نوَّر الإيمانُ بالله تعالى قلوبهم، وزيَّنت التقوى سمتهم، وعدلت العبادة سلوكهم، وهذَّب الذكر ألسنتهم، وإنما هي أخلاق السفلة من الفسقة والمنافقين.
نسأل الله العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة.
***
стр. 3895
١٣١٢ - وَعَنَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهُ ﷺ : "لاَ تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا" أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أَفْضَوْا إلى ما قدموا: يقال: أفضى فلان إلى فلان: وصل إليه، وأفضى به إلى كذا، أي: بلغ وانتهى به إليه، ومعناه: أنَّهم صاروا إلى ما قدموا من أعمالهم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على تحريم سب الأموات، وعمومه: يفيد أنَّه سواء أكانوا مسلمين أو كفارًا.
وحكمة النَّهي جاءت من قوله ﷺ في بقية الحديث: "قد أفضوا إلى ما قدَّموا" يعني: أنَّهم وصلوا إلى ما قدموه من الأعمال، سواء أكانت صالحة، أو طالحة.
٢ - الأموات لا فائدة في سبهم، والتفكه في أعراضهم، وتعداد مساويهم وأعمالهم؛ فإنَّ ذلك قد يؤذي الحي من أقاربهم.
قال ابن الأثير في أسد الغابة: لما أسلم عكرمة بن أبي جهل، صار الناس يقولون: هذا ابن عدو الله أبي جهل، فساءه ذلك، فشكى إلى رسول الله ﷺ ؛ فقال النبي ﷺ : "لا تسبوا أباه؛ فإنَّ سبَّ الميت يؤذي الحي".
٣ - يستثنى من النَّهي عن سب الأموات إذا كان في ذكر معايبهم فائدة، ولم يقصد به التنقيص منهم، واغتيابهم، وإنما يقصد من ذلك بيان الحقيقة،
стр. 3896
وتحذير الناس؛ وذلك مثل جرح رواة الحديث.
٤ - قال النووي: اعلم أنَّ الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي، لا يمكن الوصول إليه إلاَّ بها، ثم ذكر منها: تحذير المسلمين من الشر ونصحهم؛ وذلك من وجوه: منها: جرح المجرحين من الرواة والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين، بل واجب، ومنها: التعريف إذا كان الإنسان معروفًا بلقب؛ كالأعمش، والأعرج، والأصم، ونحوهم، ويحرم إطلاقه على جهة التنقيص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك، كان أولى.
٥ - مذهب أهل السنة والجماعة في أموات المسلمين: أننا نرجو للمحسن أن يوفيه الله أجره، ويرحمه، ولا يعذبه، ونخاف على المسيء بأن يؤخذ بذنوبه وإساءته، ولا نشهد لأحد بجنة ولا نار، إلاَّ لمن شهد له النبي ﷺ .
ويحرم سوء الظن بمسلم ظاهره العدالة، بخلاف من ظاهره الفسق؛ فلا حرج بسوء الظن به.
***
стр. 3897
١٣١٣ - وعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- قتَّات: يقال: قَتَّ الأحاديثَ يقتها قتًّا: نَمَّها وبثها، فهو قتات، بالفتح والتشديد، وهو النمام الذي ينقل حديث رجل أو قوم، إلى رجل أو قوم، على طريق الوشاية؛ لإفساد ما بينهما.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - القتات: هو النمام الذي ينقل كلام الناس بعضهم إلى بعض؛ لغرض الإفساد بينهم، وإثارة العداوة والبغضاء فيما بينهم، وكلما عظم أمرها، واشتد خطرها، كانت أكبر إثمًا، وأعظم جرمًا؛ فهي بين الأقارب وذوي الرحم والأصحاب والجيران أشد منها بين الناس البعيدين.
٢ - النميمة من كبائر الذنوب؛ لما يحصل فيها من الأثر السَّيِّء، والعاقبة الوخيمة.
قال المنذري: أجمعت الأمة على أنَّ النميمة محرَّمة، وأنها من أعظم الذنوب عند الله.
٣ - جاء في النميمة نصوص مخيفة؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب].
وجاء في البخاري (٢١٨)، ومسلم (٢٩٢)، من حديث ابن عباس قال: مرَّ النبي ﷺ بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان بكبير، أما أحدهما:
стр. 3898
فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر: فكان يمشي بالنميمة بين الناس".
وأخرج الإمام أحمد (١٧٦٣٧)؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "شر عباد الله المشاؤون بالنميمة".
***
стр. 3899
١٣١٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ، كَفَّ اللهُ عَنْهُ عَذَابَهُ" أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ (١)، وَلَهُ شَاهدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (٢).
ــ
* درجة الحديث:
إسناده ضعيف.
قال الهيثمي: رواه أبو يعلى، وفيه الربيع بن سليمان الأزدي، وهو ضعيف.
وقال ابن كثير في التفسير (١/ ٤٠٦): هذا حديث غريب، وفي إسناده نظر.
* مفردات الحديث:
- كفَّ: يقال: كفَّ يكف كفًّا، أي: منع؛ فالكفّ المنع، والمراد منع نفسه حين الغضب.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الغضب: هو غليان القلب، وثورة النفس لأجل الانتقام، وإذا جاءت الأسباب المهيجة للغضب، شق على الإنسان منع نفسه، وقهرها، وكفها.
٢ - من هذا صار للذي يجاهد نفسه ويكفها أجر عظيم من جنس عمله، وهو أن يكف الله عنه عذابه يوم القيامة، ولا شكَّ أنَّ هذا جزاءٌ كبيرٌ؛ فإنَّ من زُحْزِح عن النَّار وأُدخل الجنَّة، فقد فاز.
стр. 3900
٣ - تقدمت وصية النبي ﷺ للرجل الذي قال له: علِّمني، ولا تكثر عليَّ؛ لعلي أعيه، فقال ﷺ : "لا تغضب"، ومعنا كما تقدم أحد أمرين:
- إمَّا لا تنفذ غضبك إذا غضبت، بل حاول إطفاء الغضب.
- أو اجتنب الأسباب الذي تجلب لك الغضب.
***
стр. 3901
١٣١٥ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يَدْخُلُ الجنَّةَ خَبٌّ، وَلاَ بَخِيلٌ، وَلاَ سَيِّءُ المَلَكَةِ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفَرَّقَهُ حَدِيثَيْنِ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
قال المؤلف: أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب، ولكن في إسناده ضعف؛ لأنَّ فيه صدقة بن موسى، قال عنه الذَّهبي: إنَّه ضعيف، لكن شواهده كثيرة؛ فقد رواه أحمد، وأبو يعلى، وغيرهما، قال الحافظ المنذري، والعراقي، والذَّهبي: وهو ضعيف.
* مفردات الحديث:
- خَبَّ: يقال خب الرجل يخب خبًّا: كان خدَّاعًا خبيثًا غشَّاشًا، فالخَبّ -بفتح الخاء، وتشديد الباء الموحدة-: هو الخدَّاع.
- الملكة: بفتح الميم واللام، يقال: ملكه يملكه ملكًا وملكةً: احتواه قادرًا على الاستبداد به، يقال: فلان حسن الملكة، أو سَىِّءُ الملكة.
قال في المحيط: الملكة عند العلماء: هي صفة راسخة في النفس، وتحقيقه: إن كانت هذه الصفة سريعة الزوال فهي حالة، فإذا تكررت رسخت تلك الكيفية، فصارت ملكة وخُلُقًا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يشتمل على ثلاث خصال قبيحة حُرِم صاحبها والمتخلِّق بها من
стр. 3902
دخول الجنة، مما يقتضي أنَّها من كبائر الذنوب؛ فإنَّ من نُفِيَ عنه دخوله الجنة، فقد أتى كبيرة، كما تقدم تعريفها.
الأولى: الخبّ مخادع المحتال على الناس، فلا يعيش إلاَّ بالخديعة، والحيلة الذميمة، فيسلب أموال الناس بطرق الخداع؛ من الكذب في المعاملة، والتغرير فيها، والتدليس، والاحتيال، أو يخادع الناس بالمصاهرة منهم؛ بإظهار الدين، والغنى، والخصال المرغبة في إجابة خطبته، أو تظهر المرأة صفات بها ترغب مكرًا منها، وخداعًا، أو غير ذلك.
فالخداع لا تعد أساليبه وطرقه، وإنما يشمله: أنَّ كل من خادع الناس لأي غرض من الأغراض، فخداعه محرَّم مسبب للحرمان من الجنة.
الثانية: البخل: تقدمت النصوص من الكتاب والسنة، وكلام العلماء، وإجماع الناس على ذمه وقبحه، وإجماع العلماء على تحريمه إذا وصل إلى منع الزكاة، والنفقات الواجبة، والتقصير في حق من يمونه، فكفى بالمرء إثمًا يمنع عمن يمونه قوته.
الثالثة: سيِّء الملكة: هو الذي فقد الشفقة والرحمة، فصار يسيء إلى مماليكه، فيكلفهم من العمل ما يشق عليهم، ولا يطيقونه، ويترك ما وجب عليه من الإنفاق عليهم، والقيام بحقوقهم.
ثم مع هذا يتجاوز الحد في تأديبهم، فيعاقبهم على أتفه الأشياء عقاب المجرمين، بلا رحمة، ولا شفقة، ولا هوادة، ومثل المماليك: البهائم التي تحت يده، يقصر عليها بالنفقة، ويكلفها من العمل والحمل ما يشق عليها.
٢ - فهؤلاء الثلاثة الموصوفون بهذه الصفات حرَّمت عليهم الجنة؛ لأنَّ الجنَّة لا تكون للمخادع، ولا للكذاب، ولا للبخيل الشحيح، ولا للقاسي الذي خلا قلبه من الرحمة.
***
стр. 3903
١٣١٦ - وعَنِ ابْنِ عَبَاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَسَمَّعَ حَدِيثَ قَوْمٍ، وَهُمْ لهُ كَارِهُونَ، صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيَامَةِ" يَعْنِي: الرَّصَاصَ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- من تسمَّع: فعل ماض من التفعُّل، وهو يقتضي التكلُّف، والمعنى: من اجتهد في سماع حديث قوم.
- صُبَّ: مبني للمجهول، من باب نصر، بمعنى: انسكب.
- الآنك: يقال: أنك الشيء يأنك أنكًا: عظم وغلظ، والآنك بمد الهمزة، وضم النون، آخره كاف: هو الرصاص الخالص.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث دليل على تحريم الاستماع إلى حديث من يكره سماع حديثه، ويعرف هذا بالتصريح من المتكلم، أو بقرائن الأحوال.
قال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يدخل على اثنين في حال تناجيهما.
٢ - الوعيد الذي في الحديث يدل على أنَّ استماع حديث من لا يرغب في سماع حديثه: أنَّه من كبائر الذنوب؛ ذلك أنَّ فيه وعيدًا شديدًا في الآخرة، وهو لا يكون إلاَّ على كبيرة.
٣ - من أدب المجالسة أن لا يدخل الإنسان في حديث اثنين لم يدخلاه فيه، ما لم يكن الحديث من المجالس العامة، أو يكون من مسائل العلم.
٤ - وكما يحرم استماع كلام الاثنين المتناجِيَيْن، فأشد منه حرمة: أن يطلع من
стр. 3904
الأماكن المرتفعة، أو من خلال الأبواب والجدران على عورات الناس في منازلهم.
٥ - ولو أنَّ صاحب المنزل أصابه في عينه، أو في أذنه، أو في غيرهما لمعاقبته على نظره وسمعه، لم يكن ضامنًا ما تلف بذلك من أعضائه؛ فقد تقدم حديث أبي هريرة في البخاري (٦٩٠٢) ومسلم (٢١٥٨)؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "لَو أنَّ امرأَ اطَّلع عليك بغير إذن، فخذفته بحصاة، ففقأت عينيه، لم يكن عليك جناح" زاد أحمد (٨٧٧١) والنسائي (٨٤٦٠): "فلا فدية له، ولا قصاص".
***
стр. 3905
١٣١٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ" أَخْرَجَهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
حسَّنه الحافظ ابن حجر.
قال المناوي: رواه العسكري عن أنس، ورواه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي، والبزار من حديث أنس، قال العراقي: وكلها ضعيفة.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: (١٠/ ٢٢٩)، فيه النضر بن محرز وغيره من الضعفاء.
وحسَّن إسناده المصنف، وذلك بمجموع طرقه، والله أعلم.
* مفردات الحديث:
- طُوبَى: بضم الطاء، آخره ألف التأنيث المقصورة، اسم شجرة في الجنة، وقيل: عيش طيب له في الآخرة، وحياة طيبة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث الشريف فيه توجيه رشيد لمن يريد السير إلى الله تعالى، فيقطع المفاوز المعوِّقة حتى يجد طعم الوصول، وذلك باتباع الآثار المحمَّدية، والتعاليم الإسلامية فمِن ذلك:
أولًا: من شغله عيبه، فصار جادًّا في التخلص من رذائل الذنوب، ومعوِّقات المعاصي، والآثام، فمثل هذا يرجى أن يتخلى منها، فيصبح
стр. 3906
بهذه المجاهدة نقيًّا صافيًا من أدران الذنوب.
ثانيًا: من تخلى من وضر الذنوب، فإنَّه سيتحلى بفضائل الأخلاق، التي أولها طاعة الله تعالى، وفعل ما يجمِّله، ويهذبه، ويقربه.
ثالثًا: هو بجهاد نفسه وعسفها للتخلِّي من الرذائل، والتحلي بالفضائل، قد شغل وقته بإصلاح نفسه، فَسَلِمَ من تبعة تتبع الناس.
٢ - بهذا السلوك المستقيم، والسير إلى الله تعالى بهذا الاتجاه الحميد، استحق جائزة "طوبى" التي هي:
إما شجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها.
وإما درجة عالية في الجنة، والله الموفق.
***
стр. 3907
١٣١٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ، وَاخْتَالَ فِي مِشْيِتَهِ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبانٌ" أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال العراقي: أخرجه أحمد، والطبراني، والحاكم وصحَّحه، وأخرجه الحاكم في شعب الإيمان من حديث ابن عمر.
قال المؤلف: رجاله ثقات.
وقال المنذري: رواته محتج بهم في الصحيح.
وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
* مفردات الحديث:
- من: بفتح الميم، وسكون النون، اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ.
- تعاظم: عظُم الشيء يعظُم -من باب كرم- عِظَمًا، فهو عظيم، وتعاظم: بمعنى تصنَّع العظمة، وتكبر، وأرى نفسه الكبر؛ فالعظمة: الكبرياء.
- اختال: تخايل الرجل تخايلاً، واختال في مشيته اختيالاً: تكبر وأعجب بنفسه؛ فالخائل: المتكبر، جمعه خالة.
- مشيته: مشي يمشي مشيًا: إذا كان على رجليه، فهو ماشٍ، والجمع مشاة.
والمِشية بكسر الميم، وسكون الشين: مصدر نوعي، جاء لبيان نوع الفعل وصفته.
стр. 3908
- غضبان: غضب يغضب -من باب علم- غضبًا، فهو غضبان، جمعه غضاب، سخط عليه وأراد الانتقام منه.
هذا من حيث التصريفُ اللغويُّ، أما غَضَبُ الله تعالى: فهو صفة، نثبت حقيقتها على المعنى اللائق بجلاله، ونفوِّض كيفية الصفة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على ذم الكبر والتعاظم، ويظهر هذا التعاظم وهذا التكبر في مِشيته،؛ فيختال فيها، وفي لباسه فَيُسبِله، وفي كلامه؛ فيتشدق فيه ويتقعر، وفي نظره؛ فلا ينظر إلى الناس إلاَّ ببعض عينيه، ويصعَّر خده للناس، فيميله كبرًا؛ فمن اتَّصف بهذه الصفات الذميمة الكريهة، فهو ممقوت عند الناس، وثقيل لديهم، ومحل سخريتهم، واستهزائهم به.
٢ - أما عند الله تعالى: فإنَّه يلقى ربه يوم القيامة، وهو عليه غضبان، وغضبه مستوجب لعقابه؛ فالكِبر والتعاظم من كبائر الذنوب.
٣ - جاءت نصوص كثيرة في ذم الكبر وأهله، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾ [النحل]، وقال تعالى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾ [غافر]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [لقمان].
وجاء في مسَلم (٩١) من حديث ابن مسعود؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كِبر".
وروى مسلم (٤٠٩٥) أنَّ النَّبىَّ ﷺ قال: "قال الله تعالى: العزُّ إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما، عذبته".
٤ - قال في مختصر الإحياء: الكبر والعجب داءان مهلكان، والمتكبر والمعجب سقيمان مريضان، وهما عند الله ممقوتان بغيضان، وقد ذم الله الكبر في مواضع من كتابه؛ فقال: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ
стр. 3909
الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
وحقيقة الكبر ينقسم إلى ظاهر وباطن: فالباطن: خلق في النفس، والظاهر: هو أعمال تصدر من الجوارح، والأعمال ثمرات لذلك الخلق، وخلق الكبرياء موجب للأعمال، فالأصل هو الخلق الذي في نفسه فوق غيره من صفات الكمال؛ فعند ذلك يكون متكبرًا.
***
стр. 3910
١٣١٩ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "العَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال المؤلف: أخرجه الترمذي، وحسَّنه، وقد ذكر له السخاوي في المقاصد الحسنة طرقًا كثيرة تقوِّي حسنه، والله أعلم.
وقال المنذري: رجاله رجال الصحيح.
* مفردات الحديث:
- العَجَلَة: بفتحتين: السرعة في المشي، وفي المثل: "رُبَّ عجلة تهب ريثًا" مدحًا في التأني.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الأناة والرفق أصل كبير في سياسة الأمور وعلاجها؛ ولذا جاء في صحيح مسلم (٢٥٩٤)؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ما كان الرفق في شيء إلاَّ زانه".
٢ - الأمور التي تحتاج إلى تبصر وتفكير وتروٍّ، لا ينبغي السرعة والعجلة فيها؛ بل لابد فيها من التروي والتأني، وبحث الأمور من جميع طرقها ووجوهها، حتى تظهر أمارات العاقبة، وعلامات المستقبل في الرغبة في الأمور والإقبال، أو بضد ذلك.
٣ - سلوك الحكمة في الأمور سببٌ لنجاحها، وسبب لتوقِّي مخاطرها؛ ولهذا
стр. 3911
فإن الشارع الحكيم حث على الشورى؛ فقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] , وشرع الله تعالى صلاة الاستخارة ودعاءها؛ ليجمع المسلم بين استخارة الله تعالى في الأمور، وبين مشاورة الخلق، وأخذ ما لديهم من الشورى والنصيحة في ذلك.
٤ - هناك أمور واضحة المعالم بينة السبل، فلا ينبغي التأني فيها؛ لئلا يضيع الوقت عنها والمبادرة إليها فتفوت الفرصة.
ومن أهمها: طاعة الله تعالى، والمسارعة في الخير والعبادات؛ قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] وقال تعالى: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون]، وجاء في البخاري (١٤١٩) ومسلم (١٠٣٢) من حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النَّبي ﷺ فقال: "أي الصدقات أعظم أجرًا؟ قال: أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل البقاء، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان"، والنصوص في هذا كثيرة.
نسأل الله تعالى أن يمن علينا بالاستعداد.
***
стр. 3912
١٣٢٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الشُّؤْمُ سُوءُ الخُلُقِ" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
إسناده ضعيف.
قال العراقي: حديث: "الشؤم سوء الخلق" أخرجه أحمد من حديث عائشة، ولأبي داود (٥١٦٢)، من حديث رافع بن مَكِيث: "سوء الخلق شؤم"، وكلاهما لا يصح، أما المؤلف فقال: في إسناده ضعف.
ورافع بن مكيث: صحابي شهد الحديبية، والفتح، ومعه لواء.
* مفردات الحديث:
- الشُّؤْم: بضم الشين، وسكون الهمزة، وقد تسهَّل، هو ضد اليمن والبركة.
- سوء الخلق: الخلق: عبارة عن هيئة للنفس راسخة، تصدر عنها الأخلاق بسهولة ويُسر، من غير حاجة إلى فكر وروية، فإذا كانت الأفعال الصادرة سيئة، قيل لصاحبها: سَيِّىء الخلق.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الخلق الحسن هو خلق المصطفين من عباد الله تعالى، الذين قال الله عنهم: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]؛ فهو رأس الأخلاق الفاضلة، ودليل السعادة الأبدية.
فقد قال ﷺ : "البر حسن الخلق" [رواه مسلم ٢٥٥٣].
стр. 3913
وقال ﵊: "إنَّ خياركم أحسنكم خلقًا" [البخاري (٦٠٣٥) ومسلم (٢٣٢١)].
وقال: "إنَّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" [رواه أبو داود (٤٧٩٨)].
فهو سعادة، وفلاح، ونجاح في أمور الدنيا والآخرة.
٢ - أما سوء الخلق فهو عذاب على صاحبه، وعلى من حوله من أهلٍ، وأصحابٍ، وعملاء، وزملاء، فسوء خلقه شؤم عليه؛ لأنَّه ممقوت، مكروه، مستثقل، بغيض إلى كل أحد، منبوذ من مجتمعه، فمضارُّ سوء خلقه وبالٌ عليه في دنياه وأخراه.
***
стр. 3914
١٣٢١ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّعَّانِينَ لاَ يَكُونُونَ شُفَعَاءَ، وَلاَ شُهَدَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على تحريم اللعن، وأنَّه لا يجوز للمسلم أن يتفوَّه به؛ لأنَّه من السباب المحرم، ومن اللفظ القبيح.
٢ - نفى النبي ﷺ عن مكثر اللعن قبول شهادته؛ لأنَّ الشهادة لا تكون إلاَّ من عدل؛ كما قال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فمن لم نرضَهُمْ لا يكونون شهداء، ولا شفعاء، وكثيرو اللعن ليسوا بمرضيِّين عند الله، ولا عند خلقه.
٣ - الظاهر أنَّ نفي قبول شهادة كثيري اللعن عامَّة في الحياة الدنيا وفي الآخرة:
ففي الدنيا: هم ساقطو العدالة؛ فلا يصلحون شهودًا في الخصومات لإثبات الحقوق.
ولا في الآخرة أيضًا حينما تشهد الأمم أنَّ رسلهم بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة؛ فهؤلاء اللَّعانون ليسوا من هؤلاء الشرفاء، الذين قاموا بأداء الشهادة، والتزكية لأنبيائهم.
***
стр. 3915
١٣٢٢ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ، لَمْ يَمُتْ حَتَى يَعْمَلَهُ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَسَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
قال المؤلف: أخرجه الترمذي، وحسَّنه، وسنده منقطع.
قال الصنعاني: إنَّما حسَّنه الترمذي لشواهده؛ فلا يضره انقطاعه.
وحسَّنه السيوطي في الجامع الصغير، وذكر المناوي بعض الشواهد مع بيان انقطاع سند الترمذي، وفيه محمَّد بن الحسن بن أبي زيد، قال أبو داود وغيره: كذاب.
* مفردات الحديث:
- عيَّر أخاه: بفتح العين، وتشديد الياء، بمعنى: عابه لمجرد التعيير؛ فإنَّه الذي يسبب العقوبة في الآخرة، وحرمان الحياة الطيبة في الدنيا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه التحذير من عيب الإنسان أخاه المبتلى بذنب من الذنوب، أو عيب من العيوب؛ فإنَّه لم يعب أحدًا بعينه إلاَّ لِما يجد في نفسه من العجب بسلامته من ذلك العيب, والعُجب ناشيء من نفسه؛ لأنَّه يرى أنَّ عصمته من العيب جاءته من قوته وإرادته، لا من الله تعالى الذي صرف عنه السوء.
٢ - من عاب أخاه بعيب مثاره الإعجاب بنفسه، والشماتة بأخيه، لن يموت حتى يصاب به ويعمله؛ ذلك أنَّه لم يتكل على الله تعالى بالتوقي من الشر، وإنما
стр. 3916
اعتمد على نفسه، فخذله الله تعالى، وخانته نفسه، فعمل ما عيَّر به أخاه.
٣ - فهذا دليل على تحريم الشماتة بالناس، ووجوب الغفلة عن عيوبهم اشتغالاً بعيب نفسه؛ فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس.
٤ - وقد جاءت النصوص التي تنهى عن هذا الخلق الرذيل؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩] , وقد جاء في سنن الترمذي (٢٥٠٦) من حديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُظهر الشماتة بأخيك، فيرحمه الله ويبتليك"؛ فإنَّ إظهار الشماتة ليس من خلق المسلم الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه؛ فإنَّ خلق المسلمين أن يتألم بعضهم لبعض، ويفرح بعضهم لفرح بعضهم الآخر.
والله المستعان.
***
стр. 3917
١٣٢٣ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ، فَيَكْذِبُ؛ لِيُضْحِكَ بِهِ القَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ! " أَخْرَجَهُ الثَّلاَثَةُ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال المناوي: رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم، من حديث معاوية بن حيدة، وقد حسَّنه الترمذي، وقواه المنذري.
وقال المؤلف: رواه الثلاثة، وإسناده قوي.
* مفردات الحديث:
- ويل: الويل الهلاك، وقيل: واد في جهنم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه الوعيد بالهلاك لمن يحدث الناس فيكذب عليهم؛ وذلك ليضحكهم ويفكِّههم، بأكاذيبه، وأقواله الباطلة.
٢ - جاء تحريم الكذب في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة:
من الكتاب:
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق].
стр. 3918
ومن السنة:
جاء في البخاري (٢٣٤) ومسلم (٥٨) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا"، وذكر منها: "وإذا حدَّث كذَّب".
وجاء في البخاري (٦٠٩٤) ومسلم (٢٦٠٧)، من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، وإنَّ الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا".
٣ - قال النووي: اعلم أنَّ الكذب، وإن كان أصله محرَّمًا، فيجوز في بعض الأحوال:
كل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه.
- وإن لم يمكن تحصيله إلاَّ بالكذب، جاز الكذب.
- ثم إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحًا، كان الكذب مباحًا.
- وإن كان واجبًا، كان الكذب واجبًا.
فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله أو أخذ ماله، وسئل إنسان عنه، وجب الكذب بإخفائه، ومثله الوديعة المخفاة عن ظالم، والأحوط التورية، ومعناها: أن يقصد بعبارته مقصودًا صحيحًا ليس هو كاذبًا بالنسبة إليه، وإن كان كاذبًا في ظاهر اللفظ، وبالنسبة إلى ما يفهمه المخاطب.
والدليل على ذلك: ما جاء في البخاري (٢٦٩٢) ومسلم (٢٦٠٥) عن أم كلثوم؛ أنَّها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرًا، أو يقول خيرًا" ورواية مسلم عنها قالت: لم أسمعه يرخِّص في الكذب إلاَّ في ثلاث: "في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها".
قال عياض: لا خلاف في جواز الكذب في هذه الأمور الثلاثة.
стр. 3919
١٣٢٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "كفَّارَهُّ مَنِ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ" رَوَاهُ الحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ بِإسنَادٍ ضَعِيفٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
قال في فيض القدير: أخرجه ابن أبي الدنيا عن أنس، ورمز له السيوطي بالصحة، وحكم ابن الجوزي بوضعه، وتعقبه السيوطي بأنَّ البيهقي قال: إسناده ضعيف، وبأنَّ العراقي في تخريج الإحياء اقتصر على تضعيفه.
قال السخاوي في المقاصد الحسنة: ضعيف، لكن له شواهد.
* مفردات الحديث:
- الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره، وإن كان ما اغتبته فيه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الغيبة من المحرَّمات، ومن كبائر الذنوب، ومعناها: ذكرك أخاك بما يكره، وإن كان ما قلته موجودًا فيه؛ فهو هتك لعرضه, ولا يمكن التوبة منه، ولا من أي حق من حقوق العباد إلاَّ باستحلاله منه.
وطلب الحِلِّ ممن اغتيب قد يزيد الأمر شرًّا، وقد يثير فتنًا وعدوانًا؛ فصار الواجب بحق المغتاب أن يستغفر لمن اغتابه، ويدعو له ويذكر محاسنه في المجالس التي اغتابه فيها، وعند الأشخاص الذين عابه عندهم؛ فهذا العمل مع الندم والعزم على عدم العودة يكون سببًا للتوبة النصوح،
стр. 3920
وبراءة الذمة من عِرض المسلم، والله أعلم.
٢ - قال الغزالي في الإحياء: اعلم أنَّ الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب، ويتأسف على ما فعله؛ ليخرج من حق الله تعالى، ثم يستحل المغتاب؛ ليحلله فيخرج من مظلمته.
قال الحسن البصري: يكفيه الاستغفار دون الاستحلال.
قال مجاهد: كفارة أكلك لحم أخيك أن تُثني عليه، وتدعو له بخير.
***
стр. 3921
١٣٢٥ - وَعَن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الألد: اللدود: هو من اشتدت خصومته، وألده: غلبه في الخصومة، وهي لداء، جمعه لُدٌّ؛ قال تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ [مريم] أي: مجادلين بالباطل.
- الخَصِم: بفتح الخاء المعجمة، وكسر الصاد المهملة، ومعناه: الذي يحج من يخاصمه، وذلك يكون محرمًا إذا كان في باطل.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الألد: هو الخصم الشديد الخصومة، وشديد التأبي، قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة]، وقال: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ [مريم].
فاللدود: الشديد الخصومة، يبغضه الله تعالى؛ لأنَّ مثل هذا لا يريد بلجاجه طلب الحق، والوصول إلى الصواب، وإنما يريد أن يظهر على مجادله ومخاصمه، ولو بالباطل، وقد أخرج الترمذي (١٩٩٤)، من حديث ابن عباس أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "كفى بك إثمًا أن لا تزال مخاصمًا".
٢ - قال الغزالي: إنَّ الذم إنما هو لمن خاصم بباطل وبغير علم، كالذي يتوكل في الخصومة قبل أن يعرف الحق في أي جانب؛ وكالذي لا يقتصر على قدر الحاجة؛ بل يظهر الكذب لإيذاء خصمه.
٣ - أما الذي يحاجُّ عن حق له هو مظلوم فيه بطرق الحجاج الشرعي، وأصولِ
стр. 3922
المرافعات المشروعة، فلا بأس بها، ولا تدخل في باب الخصومة المذمومة.
٤ - ومثل ذلك الذي يجادل لإظهار دين الله تعالى، وإعلاء كلمته، والظهور على أعداء الإسلام بدحض حججهم، ورد شبههم، وإبطال ضلالهم؛ فهذا محمود مثاب صاحبه، وهو ممن جاهد بلسانه، ودافع ببيانه؛ وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
والآيات والأحاديث في الباب كثيرة، والله الموفق.
***
стр. 3923
باب الترغيب في مكارم الأخلاق
مقدمة
الترغيب: قال في الوسيط: رغب رغبًا ورغبةً: حرص على الشيء، وطمع فيه.
قال في المصباح: رغبت في الشيء: إذا أردته، ورغبتُ عنه: إذا لم ترده.
والمؤلف -رحمه الله تعالى- أورد كثيرًا من الأحاديث الشريفة المرغِّبة والحاثَّة على المُثُل الكريمة، والأخلاق الفاضلة، والآداب النبوية الرفيعة، وهو بهذا الترتيب اللطيف أحسن صنعًا، وأجاد ترتيبًا وتبويبًا؛ لك أنَّ هناك مبدأ عند أهل السَّير والسلوك إلى الله تعالى، هذا المبدأ يسمى: "التخلي والتحلي" ومعناه: أنَّ مريد السير إلى الله يتخلى عن مساويء الأخلاق وقبائحها، ثم يتحلى بمحامدها ومكارمها؛ فإنَّه قدم الباب الذي فيه: "الترهيب عن مساويء الأخلاق"، ثم أتبعه بهذا الباب الذي فيه: "الترغيب في مكارم الأخلاق"؛ لملاحظة التخلي ثم التحلي.
وستأتي هذه الآداب النبوية، والأخلاق الإسلامية، والكلام عليها إن شاء الله تعالى.
***
стр. 3924
١٣٢٦ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلى الجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، ويَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- عليكم بالصدق: أي: الزموا الصدق، وهو الإخبار على وفق ما في الواقع.
- البر: اسم جامع للعقيدة الصحيحة، والإيمان المثمر، ولكل ما هو طيب من أعمال القلوب، وأعمال الجوارح؛ فيشمل فعل جميع المأمورات، وترك جميع المنهيات.
- صِدِّيقًا: من أبنية المبالغة، والمعنى: البالغ في الصدق غايته، والتنكير فيه جاء للتعظيم والتفخيم.
- الفُجُور: بالضم، فجر فجرًا فجُورًا: انبعث في المعاصي غير مكترث بممارسة الفسق والفساد، والانبعاث في الآثام.
قال في المصباح: فجر العبد فجورًا: فسق وزنى، وفجر الحالف فجورًا: كذب.
- يكتب عند الله: هو في الموضعين بمعنى: يحكم له.
стр. 3925
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الصدق: هو مطابقة الخبر للواقع، والكذب: عدم مطابقة الخبر للواقع؛ هذه حقيقتهما عند جمهور العلماء.
٢ - الحديث فيه الأمر بالصدق؛ لأنَّه يدل ويوصل إلى البر الذي هو جمَاع الخير، والبر هو الطريق المستقيم إلى الجنة؛ ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ [الانفطار].
٣ - إنَّ الصدق خلق كريم يحصُلُ بالاكتساب والتحصيل والمجاهدة؛ فإنَّ الرجل ما يزال يصدق في أقواله وأفعاله ويتحرى الصدق فيهما حتى يكون الصدق خلقًا له متأصلاً في نفسه، وسجية من طبعه؛ فيكون عند الله تعالى من الصِّدِّيقين والأبرار.
٤ - قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]؛ فالصدق خلق كريم يتضمن الصدق في القول، والنية، والإرادة، فمن اتَّصف الصدق في جميع ذلك فهو صِدِّيق؛ لأنَّه صيغة مبالغة من الصدق، وبقدر ما يتمكن من هذه المقامات، فهو صادق بالنسبة إليه، والله أعلم.
٥ - أما الكذب: فهو خلق ذميم يكتسبه صاحبه من طول ممارسته، وتخلقه به، وتحريه قولًا وفعلاً، حتى يصبح خلقًا وسجيَّة قبيحةً فيه، ثم يُكتب عند الله كثير الكذب، عديم الصدق.
٦ - ويدل الحديث على التحذير من الكذب؛ لأنَّ الكذب يوصل إلى الفسق والفجور، فتصير أعماله وأقواله كلها على خلاف الحقيقة، خارجة عن طاعة الله تعالى، والخروج عن طاعته هو الهاوية التي تقود صاحبها، وَتَزُجُّ به في نار جهنم.
***