في الخير: وَعَدْتُهُ، وفي الشرِّ: أوعدته.
- أَخْلَف: الإخلاف جعل الوعد خلافًا؛ فهو عدم الوفاء به.
- اؤتمن: على صيغة المجهول، من الائتمان، وهو جعل الشخص أمينًا.
- خَانَ: يُقال: خانه خونًا وخيانة، ورجلٌ خائن وخائنة، والجمع: خانة وخَوَنة، والخيانة: هي التصرف في الأمانة على خلاف الوجه المشروع.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال ابن رجب: النفاق في اللغة: هو جنس الخداع والمكر، وإظهار الخير وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: النفاق الأكبر، وهو أنْ يظهر الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الَّذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن بذمِّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أنَّ أهله في الدرك الأسفل من النَّار.
الثاني: النفاق الأصغر، وهو نفاق العمل، وهو أنْ يظهر الإنسان علانيةً صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك.
وأصول هذا النفاق يرجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث (الأحاديث -ذكرها ﵀ في شرح الأربعين النووية ونحن نوردها لتمام الفائدة).
٢ - قال ﵀:
أحدها: "أنْ يُحدِّث بما يُصَدَّق به وهو كاذب"؛ ففي المسند (١٧١٨٣) عن النَّبيِّ ﷺ قال: "كبرت خيانة أنْ تُحدِّث أخاك حديثًا هو لك مصدِّق وأنت له كاذب".
الثاني: "إذا وعد أخلف"؛ وهو على نوعين:
أحدهما: أنْ يَعِدَ وفي نيته أنْ لا يوفي بوعده، وهذا أشر الخلق.
стр. 3852
الثاني: أنْ يعد وفي نفسه أنْ يفي، ثم يبدو له فيخلف من غير عذرٍ له في الخلف، وقد أخرج أبو داود (٤٩٩٥) والترمذي (٢٦٣٣) من حديث زيد بن أرقم، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا وعد الرجل، ونوى أنْ يفي به فلم يفِ به، فلا جناح عليه".
"إذا خاصمَ فجر"؛ ومعنى الفجور: أنْ يخرج عن الحقِّ عمدًا حتَّى يصير الحق باطلاً، والباطل حقَّا، وهذا ممَّا يدعو إلى الكذب؛ كما قال النَّبيُّ ﷺ : "إيَّاكم والكذب؛ فإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النَّار".
وفي البخاري (٢٤٥٧) ومسلم (٢٦٦٨) عن النَّبيِّ ﷺ : "إنَّ أبغض الرِّجال إلى الله الألد الخصم".
وفي سنن أبي داود (٣٥٩٧) عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من خاصمَ في باطل، وهو يعلمه، لم يزل في سخطٍ من الله حتَّى ينزع".
وفي روايةٍ له: "من أعانَ على خصومةٍ بظلمٍ، فقد جاء بغضبٍ من الله".
الرَّابع: "إذا عاهد غدر" ولم يوف بعهده، وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعهد؛ فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١].
وفي البخاري (٦٩٦٦) ومسلم (١٧٣٦) عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لكلِّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة يُعْرَف به، فيُقال: هذه غدرة فلان".
والغدر حرامٌ في كلِّ عهدٍ بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهَد كافرًا؛ ولهذا جاء في البخاري (٦٩١٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من قتل نفسًا معاهدة بغير حقٍّ، لم يَرَح رائحة الجنَّة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًّا".
стр. 3853
وأمَّا عهود المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثمًا، ومن أعظمها نقض عهد الإمام على من تابعه ورضيَ به.
ففي البخاري (٦٧٨٦) ومسلم (١٠٨) من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "ثلاثةٌ لا يكلِّمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذابٌ أليم ... "، وذكر منهم: "رجلٌ بايع إمامًا لا يبايعه إلاَّ للدنيا، فإنْ أعطاه ما يريد وفَّى له، وإلاَّ لم يفِ له".
ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها، ويحرم الغدر في جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات، والمناكحات، وغيرها من العقود الَّلازمة، التي يجب الوفاء بها، وكذلك ما يجب الوفاء به لله ممَّا يعاهد العبد ربَّهُ عليه من نذر التبرر ونحوه.
الخامس: "إذا اؤتمن خان"؛ فإنَّه إذا أُؤتمن الرَّجل أمانةً، فالواجب عليه أنْ يردَّها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
وقد أخرج الترمذي (١٢٦٤)، وأبو داود (٣٥٣٤) من حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ ... [التوبة: ٧٥] إلى قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة]
قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ الآية [البقرة: ٧٢].
وحاصل الأمر: أنَّ النِّفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية؛ كما قال الحسن البصري، رحمه الله تعالى.
وقال طائفة من السلف: خشوع النفاق أنْ ترى الجسد خاشعًا، والقلب
стр. 3854
ليس بخاشع.
قال عمر ﵁: "إنَّ أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم، قالوا: كيف يكون المنافق عليمًا؟ قال: يتكلَّم بالحكمة، ويعمل بالجور، أو المنكر".
٣ - النِّفاق الأصغر، وسيلة: إلى النِّفاق الأكبر؛ كما أنَّ المعاصي بريد الكفر.
٤ - ومن أعظم خصال النِّفاق العملي: أنْ يعمل الإنسان عملًا يظهر أنَّه قصد به الخير، وإنَّما عمله ليتوصَّل به إلى غرض له سيء؛ فيتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه، ويفرح بمكره وخداعه، وَحَمْدِ النَّاس له على ما أظهره، وتوصل به إلى غرضه السيِّء الَّذي أبطنه.
٥ - لمَّا تقرَّر عند الصحابة أنَّ النِّفاق اختلاف السِّر والعلانية، خَشِيَ بعضهم على نفسه أنْ يكون إذا تغيَّر عليه حضور قلبه، ورقته، وخشوعه عند سماع الذكر، برجوعه إلى الدنيا، والاشتغال بالأهل، والأولاد، والأموال، أنْ يكون نفاقًا؛ حتَّى قال لهم النَّبي ﷺ : "ليس ذاكم من النِّفاق" [رواه أبو يعلى (٦/ ١٠٥)].
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في حكم الوفاء بالوعد على ثلاثة أقوال:
فذهب جمهور العلماء على أنَّ الوفاء به مستحب، وليس بواجب، لا ديانة، ولا قضاء، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشَّافعي، وأحمد.
قال الحافظ: ونَقْل الإجماع في ذلك مردود؛ فإنَّ الخلاف فيه مشهور، لكن القائل به قليل، واستدلوا على ذلك بأدلَّة:
منها: ما أخرجه أبو داود (٤٩٩٥)، والترمذي (٢٦٣٣) وحسنه؛ أنَّه ﷺ قال: "إذا واعد أحدكم أخاه، ومن نيته أنْ يفي له فلم يف، فلا شيءَ عليه".
ومنها: أنَّ الرَّجل إذا وعد وحلف واستثنى بقوله: "إنْ شاء الله"، سقط
стр. 3855
عنه الحنث بالنص والإجماع؛ فهذا دليلٌ على سقوط الوعد منه.
وذهب ابن شبرمة: إلى لزوم الوفاء بالوعد ديانة وقضاء؛ وهو مذهب بعض السلف، منهم عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وإسحاق بن راهويه، والظاهرية.
واستدل أصحاب هذا الرَّأي بنصوصِ من الكتاب والسنَّة؛ منها:
- ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
- وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [البقرة]، وغيرهما من الآيات.
- جاء في البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩)، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "آية المنافق ثلاث" وذكر منها: "إذا وعد أخلف"؛ وبهذا يكون إخلاف الوعد من صفات المنافقين، ويكون محرَّمًا.
- ما أخرجه الترمذي (١٩٩٥)؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا تمار أخاكَ، ولا تمازحه، ولا تعده موعدًا فتخلفه".
وذهب المالكية: إلى التفصيل فقالوا: يجب الوفاء به إذا كان الوعد على سبب، كأن يأمر بأنْ يدخل لشراء سلعةٍ، أو القيام بمشروع، فإذا تورَّط الموعود، رجع الواعد بوعده؛ فهذا يجب عليه الوفاء ديانةً وقضاء.
وأمَّا إنْ لم يحصل ضررٌ على الموعود من الرجوع بالوعد، فلا يلزم الوعد.
وحجَّة هؤلاء في تفصيلهم هذا: أنَّ النصوص الشرعية في هذه المسألة تعارضت، وهذا أحسن جمع بينها.
قال الشنقيطي في تفسيره: اختلف العلماء في لزوم الوفاء بالعهد:
فقال بعضهم: يلزم الوفاء به مطلقًا.
وقال بعضهم: لا يلزم مطلقًا.
وقال بعضهم: إن أدخله بالوعد في ورطةٍ لزم الوفاء به، وإلاَّ فلا.
стр. 3856
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والأوزاعي، والشَّافعي، وسائر الفقهاء: إنَّ العِدَة لا يلزم منها شيء؛ لانَّها منافع لم يقبضها كالعارية؛ لأنَّها طارئة.
والَّذي يظهر لي: أنَّ إخلاف الوعد لا يجوز؛ لكونه من علامات المنافقين، ولكن الواعد إذا امتنع من إنجاز الوعد لا يحكم عليه به، ولا يلزم به جبرًا، بل يؤمر به، ولا يجبر عليه.
وممَّن اختار القول بلزوم الوعد من علماء العصر: الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وعبد الرحمن بن قاسم، ومصطفى الزرقاء، ويوسف القرضاوي، وغيرهم.
قال الشيخ القرضاوي: الَّذي ينبغي ألاَّ يقبل الخلاف فيه هو الوعد في شؤون المعاوضات، والمعاملات التي يترتَّب عليها التزامات وتصرفات مالية واقتصادية.
ويترتَّب على جواز الإخلاف فيها إضرارٌ بمصالح النَّاس وتغريرهم؛ فالوفاء بالوعد هنا كالوفاء بالعهد؛ ولذا وصفت الأحاديث: "إذا عاهدَ غدر" مكان "إنْ وعَد أخلف".
وقرَّر مجمَّع الفقه الإسلامي بجدَّة بقراره رقم (٤٠) في الدورة الخامسة المنعقدة في الكويت فيما بين ١ - ٦/ ٥/ ١٤٠٩ هـ ما يلي:
الوعد بالوفاء يكون ملزمًا للواعد ديانة إلاَّ لعذر، وهو ملزم قضاء إذا كان معلَّقًا على سبب، ودخل الموعود في كلفة نتيجة الوعد، ويتحدَّد أثر الالتزام في هذه الحالة إمَّا بتنفيذ الوعد، وإمَّا بالتعويض عن الضرر الواقع فعلًا، بسبب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر.
***
стр. 3857
١٢٩٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- سِبَاب: مصدر سبَّ يسب سبًّا، وسبَابًا، بكسر السين، وتخفيف الباء، وهو الشتم، وهو التكلُّم في عرض الإنسان بما يعيبه.
قال إبراهيم الحربي: السباب أشد من السب، وهو أنْ يقول في الرَّجل ما فيه، وما ليس فيه.
- فُسوق: يُقال: فسق يفسق فسقًا وفسوقًا، مصدر، أي: فجور وخروج عن الحق، وهو خبر، والمبتدأ "سباب".
- قتاله: أي مقاتلته، وهو مبتدأ، خبره "كفر".
- كفر: لم يُرد حقيقة الكفر الَّذي هو خروجٌ عن الملَّة، بل إنَّما أُطلق عليه الكفر زجرًا؛ للتحذير، فالإجماع منعقدٌ من أهل السنَّة على أنَّ المؤمن لا يكفر بالقتال، ولا بفعل معصيةٍ أخرى.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الفسوق هو الخروج عن طاعة الله تعالى إلى معصيته، وأنَّ سباب المسلم من معاصيه التي نهى عنها وحرَّمها.
٢ - مفهوم الحديث: أنَّ سباب الكافر جائز، ولكن إنْ كان كافرًا معاهدًا فهو أذيةٌ له، وقد نُهيَ عن أذيته؛ فلا يعمل بمفهوم الحديث في حقِّه من أدلَّة واعتبارات أَخر.
стр. 3858
٣ - المراد هنا تحريم سباب المسلم المستور الَّذي ظاهره العدالة والاستقامة، أمَّا الَّذي خلع جلباب الحياء، وجاهر بالمعاصي، فهذا لا غيبة له، ولا لسبابه حرمة؛ فقد أخرج مسلم أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "كل أمَّتي معافى إلاَّ المجاهرين" [رواه البخاري (٦٥٦٩) ومسلم (٢٩٩٥)]، وهم الَّذي جاهروا بمعاصيهم، فهتكوا ما ستر الله عليهم.
٤ - وقوله: "وقتاله كفر" فمعناه: أنَّه إن استحل قتال المسلم، فهو كافر كفرًا يخرج من الملَّة؛ ذلك لأَنَّه مكذِّبٌ للنصوص الصحيحة الصريحة، وأمَّا إذا لم يستحل قتاله، فالمراد بالكفر هنا كفر النعمة، والإحسان، والأخوَّة الإسلامية، فإنكار هذه المعاني الإسلامية الكريمة جحودٌ لها، فهو كفر نعمة لا يخرج من الإسلام، والله أعلم.
***
стр. 3859
١٢٩٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- إيَّاكم والظن: إيَّاكم في محل نصب، مفعول به لفعلٍ محذوف، تقديره: احذروا الظن، و"الكاف" للخطاب، والظن معطوف على إيَّاكم، أو مفعول به لفعلٍ محذوف تقديره -أيضًا-: "احذروا"، وتقدير الكلام من جهة المعنى: حذِّروا أنفسكم من الظن، واحذروا الظَّن، والمراد: لا تظنوا بالمسلم شرًّا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الظن: هو ما يخطر بالنفس من تجويز الأمور المحتملة للصحة والبطلان؛ فيحكم بهذا الظن الَّذي لم يبن على قرائن قويَّة، وأمارات صحيحة، ويعتمد عليه، ويُجري عليه أحكام الحقائق الواقعة، وهذا هو الَّذي حذَّر منه هذا الحديث الشريف: "إياكم والظن".
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، قال المفسرون: هو أنْ يظن بأهل الخير سوءًا.
فالظن القبيح عمَّن ظاهره الخير لا يجوز، وهو المراد بقوله: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
٢ - أمَّا أهل السوء والفسوق، فلنا أنْ نظنَّ بهم مثل الَّذي ظهر لنا منهم؛ فلا يضر الظن السيِّء لمن بدت منه مخايله، وظهرت منه أماراته؛ فقد أخرج الطبراني في الأوسط (١/ ١٨٩) والبيهقي (١٠/ ١٢٩) من حديث أنس؛ أنَّ
стр. 3860
النَّبيَّ ﷺ قال: "احترسوا من النَّاس بسوء الظن".
٣ - قال النووي: المراد: التحذير من تحقيق التهمة، والإصرار عليها، وتقررها في النَّفس دون ما يعرض ولا يستقر؛ فإنَّ هذا لا يكلف به؛ فقد ثبت عن النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الله تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عمَّا حدَّثت به أنفسها مالم يتكلَّموا، أو يعملوا به" [رواه البخاري (٥٢٦٩) ومسلم (١٢٧)].
٤ - الزمخشري قسَّم الظنَّ إلى أربعة أقسامٍ، وهو تقسيمٌ حسن، فقال:
- محرَّم: هو سوء الظن بالله تعالى، وسوء الظن بكلِّ مَنْ ظاهره العدالة من المسلمين، فمن عرفت منه الأمانة في الظاهر، فظنُّ الفساد والخيانة به محرَّم، بخلاف من اشتهر بتعاطي الريب.
- واجب: حُسْن الظن بالله تعالى.
- مندوب: حُسْن الظن بمن ظاهره العدالة من المسلمين.
- مباح: من ظهرت أمارات فسقه، ودخل في مداخل السوء.
٥ - إنَّما كان الظن أكذب الحديث؛ لأنَّ الكذب: مخالفة الواقع من غير استنادٍ إلى أمارة.
***
стр. 3861
١٢٩٨ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- ما: حرف نفي.
- مِنْ: بكسر الميم وسكون النون، حرف جر زائد جاء للتأكيد.
- يسترعيه: رعى الماشية يرعاها رعيًا، فهى راعية: إذا سرحت بنفسها، والفاعل راعٍ، والجمع رعاة.
ويُقال: رعى الأمير رعيته رعاية: ولي أمرها وساسها؛ فالأمير الرَّاعي، والأمة راعية.
- رعية: الرعية: عامَّةُ النَّاس الَّذين عليهم راعٍ، والجمع رعايا.
- غاش: غشَّهُ يغشُّهُ غشًّا: لم يمحضه النصح؛ والغاش اسم فاعل، جمعه غُشَّاش.
وجملة: "وهو غاش لرعيته" محلها النصب على الحال.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث يتضمن وعيدًا شديدًا للولاة الَّذين لا يهتمون بأمور رعيتهم، ولا ينظرون إلاَّ لما يعود على مصالحهم الخاصَّة، والسياسة التي تخدم مصالحهم وأغراضهم، حتَّى ولو كانت هذه السياسة فيما يضر بمصالح الرعية في دينها ودنياها.
стр. 3862
٢ - الوعيد الأكيد، والعذاب الشديد مُنْصَبٌّ على هؤلاء الرعاة الغاشِّين، بأنَّهم إذا ماتوا على هذه الحالة، فإنَّ الله قد حرَّم عليهم الجنَّة التي هي السعادة الأبدية؛ لأنَّهم لم يغشوا رعاياهم إلاَّ لأجل سعادتهم في الدنيا باستعبادهم، وجعلهم يشقون لحساب سعادتهم في حياتهم؛ فكان جزاؤهم أنَّ اللهَ حرمهم من السعادة الحقيقية الخالدة الدَّائمة.
٣ - من الغش: ظلمُهُمْ بأخذ أموالهم بالضرائب والمكوس، واستيلائهم على حقوقهم الخاصَّة بأدنى الحيل من اختلاق ضرائب غير مباشرة، ومن غشِّهم: الاحتجابُ عن مصالحهم وحاجاتهم، ومن غشهم: تركُ المفسدين يعيثون فيهم بالفساد، بالنَّهب، والسطو، بدون إقامة الحدود وردع المجرمين، ومن غشِّهم: توليةُ الأمراء، والقضاء، والرؤساء، ممَّن لا كفاءة لهم، ولا أمانة، وإنَّما ولوا من أجل القرابات والصِّلات.
٤ - الأحاديث كثيرة تدل على أنَّ الغش من الولاة من الكبائر، وأنَّه من المعاصي المتعدِّي ضررها وشرها.
قال ابن بطال: هذا وعيدٌ شديدٌ على أئمة الجور؛ فمن ضيَّع من استرعاه الله عليهم، أو خانهم، فقد توجَّه إليه الطلب بمصالح العباد يوم القيامة؛ فكيف يقدر على التحلل من الظلم من أمَّةٍ عظيمة؟
٥ - قال شيخ الإسلام في السياسة الشرعية: وقد دلَّت السنَّة على أنَّ الولاية أمانة، يجب أداؤها؛ فقد جاء في البخاري (٥٩) عن أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إِذَا ضيعت الأمانة فانتظر السَّاعة، قيل: وما إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله، فانتظر السَّاعة".
٦ - ثمَّ قال ﵀: الولاة نواب الله تعالى على عباده، وهم وكلاء العباد على أنفسهم، والمقصود بالولاية: إصلاح دين الخلق الَّذي متى فاتهم، خسروا خسرانًا بينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدِّين إلاَّ
стр. 3863
به من أمر دنياهم.
وهو نوعان:
- قَسْم المال بين مستحقيه.
- وعقوبات المعتدين.
فإذا اجتهد الرَّاعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان، فإنَّه أفضل أهل زمانه، وكان من المجاهدين في سبيل الله.
فقد رويَ: "يومٌ من إمامٍ عادلٍ أفضل من عبادة ستِّين سنة" [رواه الطبراني (١١/ ٣٣٧)].
وفي مسند الإمام أحمد (١٠٧٩٠) عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أحب الخلق إلى الله إمامٌ عادل، وأبغضهم إليه إمامٌ جائر".
٧ - ومن الولاية: النظارة على الوقف، والقيام على الوصية، والولاية على الصغير والقاصر، والوكالة عن الحي، والرَّجل في أسرته، والمرأة في بيت زوجها وغيرهم؛ فكل هؤلاء ولاة فيما تحت أيديهم، وهم مشمولون بدلالة عموم الحديث: "كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته" [رواه البخاري (٨٩٣) ومسلم (١٨٢٩)].
***
стр. 3864
١٢٩٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا، فَشَقَّ عَلَيْهُمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- اللهم: هي بمعنى "يا الله" حذفت ياء النِّداء، وعوِّض عنها الميم.
- شق: شق عليهم يشق شقَّا ومشقَّة: صعَّب عليهم الأمر؛ فأوقعهم في المشقَّة.
- فاشقق عليه: جملة دعائية من جنس عمل الشاق.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه وعيدٌ شديدٌ على الولاة، والأمراء، والعمَّال، والموظفين الَّذين يشقون على أصحاب الحاجات، والمراجعين في قضاياهم، وأعمالهم ومعاملاتهم؛ فالنَّبي ﷺ دعا على هؤلاء وأمثالهم، فمن جعل الله حاجاتِ النَّاس وأعمالُ الخلق عندهم، فشقوا عليهم، فقد دعا عليهم بأن يشُقَّ الله تعالى يشق عليهم، كما شَقُّوا على النَّاس، وعلى المراجعين، وذوي الحاجات.
٢ - يوجد -والعياذ بالله- كثير من الموظفين ذوي القلوب الميتة، والنفوس المريضة، ممَّن يرتاحون لأذية الخلق بالمشقَّة عليهم، فتجدهم يضيعون الوقت بالقيل والقال، ولا يهمهم أعمال النَّاس، طالت مدَّة مراجعتهم فيها أم قصَّرت، ويصرفون النَّاس عنهم بالوعود الكاذبة.
٣ - ومن المشقَّة على النَّاس: فرض ما يسمَّى "روتين العمل ونظامه"؛ ممَّا يعقد
стр. 3865
المسائل، ويطيل المراجعات، ويضيع الحقوق؛ فالواجب تخفيفه ما أمكنَ الحال، وتسهيل مهمَّة سير الأعمال.
٤ - ومن المشقَّة على الخلق تولية من ليس فيه كفاءة على العمل، ولا قدرة له عليه، ولا معرفة له فيه.
٥ - قال شيخ الإسلام: فيجب على الوالي أنْ يستعمل الأصلح الموجود، ويختار الأمثل، فالأمثل في كل منصب بحسبه.
والقوَّة في كلِّ ولاية بحسبها، فالقوَّة في إمارة الحرب ترجع إلى الشجاعة، وإلى الخبرة في الحروب، والقوَّةُ في الحكم بين النَّاس: ترجع إلى العلم والعدل، وإلى القدرة على تنفيد الأحكام.
وإذا كانت في الولاية أشد، قُدِّم الأمين، مثل حفظ الأموال ونحوها، ويقدم في ولاية القضاء الأعلم، والأشد ورعًا.
وأهم ما في هذا الباب: معرفة الأصلح، وذلك إنَّما يتم بمعرفة مقصود الولاية.
٦ - بهذه الطريقة في التعيين على الأعمال تحصل السهولة في أعمال النَّاس، ويبعد عنهم العسر والمشقَّة.
***
стр. 3866
١٣٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - المشاجرات مع النَّاس، والخصومات، محرَّمة؛ لما يتولَّد منها من الإضرار، ولما تحدث من القطيعة والبغضاء، وإذا حصلت أو حصل تأديب لمن يستحق التَّأديب من خادمٍ، أو ولدٍ، أو زوجة، أو وجب حدّ لله تعالى، فإنَّ الضارب عليه أنْ يجتنب الوجه فهو أشرف الأعضاء، وهو الَّذي تحصل به المواجهة، وضربه عليه إمَّا أن يتلف منه عضوًا، وإمَّا أنْ يُحْدِثَ فيه شَيْئًا؛ فالواجب اجتنابه، ويحرم الضرب معه، سواء أكان الضرب بحقً، أو عن طريق الاعتداء.
٢ - ومثل الوجه المواطن الَّتي يحدث ضربها موتًا؛ فيجب اجتنابها.
٣ - قال في شرح الإقناع: ويجتنب الضَّارب الرَّأس، والوجه، والفرج، والبطن، من الرجل والمرأة، ومواضع القتل فيجب اجتنابها؛ لأنَّ ضربها يؤدِّي إلى القتل، وهو غير مأمور به.
٤ - قال شيخ الإسلام: على مقيم الحدود أنْ يقصد بإقامتها النفع والإحسان، كما يقصد الوالد بعقوبة ابنه، والطبيب بداوء المريض، فلم يأمر الشرع إلاَّ بما هوَ أنفع للعباد، وعلى المؤمن أنْ يقصد ذلك.
...
стр. 3867
١٣٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: "يَارَسُولَ اللهِ! أَوْصِنِي، قَالَ: لاَ تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: لاَ تَغْضَبُ" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- لا تغضب: الغضب: استجابة لانفعال يتميز بالميل إلى الاعتداء، والمعنى: تجنَّب أسباب الغضب، وإذا غضبت، فلا تنفذ غضبك.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الغضب جماع الشر، وجاءت النصوص الكثيرة في البعد عنه؛ ففي المسند (٦٥٩٧) من حديث ابن عمرو؛ أنَّه سأل النَّبيَّ ﷺ : "ماذا يباعدني من غضب الله ؛ قال: لا تغضب"، قال الصحابي: ففكَّرت فإذا الغضب يجمع الشر كله.
٢ - قال في الإحياء: حقيقة الغضب: هو غليان الدم لطلب الانتقام، والنَّاس في قوَّة الغضب على درجات، فمن قويت نار الغضب في وجهه، أعمته، وأصمَّته عن كلِّ موعظةٍ وإرشاد.
٣ - وهذا الرَّجل جاء إلى النَّبيَّ ﷺ فقال: "علِّمني شيئًا ولا تكثر عليَّ، فقال: لا تغضب"؛ ردد عليه ذلك مرارًا كل ذلك يقول: "لا تغضب".
٤ - قال ابن رجب: قوله: "لا تغضب" يحتمل أمرين:
أحدهما: أنْ يكون مراده الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق من الحلم، والحياء، والأناة، والاحتمال، وكف الأذى، والصفح، والعفو،
стр. 3868
وكظم الغيظ، والطَّلاقة، والبشر، ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة؛ فإنَّ النَّفس إذا تخلقت بهذه الأخلاق وصارت لها عادةً، أوجبَ لها ذلك دفع الغضب عند وصول أسبابه.
الثاني: أنَّ المراد: لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك، بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه، والعمل بما يأمر به الله؛ فإنَّ الغضب إذا ملك ابن آدم، كان الآمر النَّاهي له.
٥ - قال في مختصر الإحياء: علاج الغضب يكون بحسم مادته التي تهيجه، وأسبابه التي تثيره، وأمَّا إذا هاج فيعالج بأمورٍ منها: أنْ يفكِّر بأمورٍ منها: أنْ يفكِّر في الأخبار الواردة في فضل كظم الغيظ، والحلم، والاحتمال.
وقد جاء في الحديث: "ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الَّذي يملك نفسه عند الغضب" [رواه البخاري (٦١١٤) ومسلم (٢٦٠٩)]، وفي البخاري (٦١١٥) ومسلم (٢٦١٠) من حديث سليمان بن صرد قال: "استبَّ رجلان عند النَّبي ﷺ ، ونحن عنده، وأحدهما يسب صاحبه مغضبًا قد احمر وجهه، فقال ﷺ : إنِّي لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرَّجيم".
***
стр. 3869
١٣٠٢ - وَعَنْ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ رِجَالاً يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- يتخوضون في مال الله: قال في النهاية: أصل الخوض: المشي في الماء، ثمَّ استعمل في التلبس بالأمر، والتصرف فيه، والمعنى: رُبَّ متصرِّفٍ في مالِ الله تعالى بما لا يرضاه الله.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - المال جعله الله تعالى قوامًا ومتاعًا في هذه الحياة الدنيا؛ فقال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان]؛ فالمال ذو فائدةٍ كبيرةٍ في الدِّين والدنيا.
٢ - وإنفاقه في غير سبيل الخير، والطرق النَّافعة المفيدة سفهٌ، وإسرافٌ، وتبذير؛ وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧].
٣ - المال بيد المسلمين، وبيد ولاتهم هو مال الله تعالى، استخلفهم عليه؛ لينفقوه في طرقه المشروعة النَّافعة، والمفيدة في أمور الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]، أي: جعلكم خلفاء في التصرف فيه؛ فالمال مال الله، والعباد خلفاء الله في أمواله، فعليهم أنْ يصرفوها فيما يرضيه.
стр. 3870
٤ - أمَّا التخوُّض فيه والتصرف بالباطل، وفى غير الطرق المشروعة، فهذا حرام، وأكلٌ لمال الله تعالى بالباطل.
٥ - وهذا يشمل أموال النَّاس التي بأيديهم وتخصهم، فلا يجوز لهم أنْ يتصرفوا فيها إلاَّ بما يحبه الله تعالى؛ لتكون عونًا لمرضاته فيما يقيم دينه، وفيما ينفع عباده في دنياهم.
٦ - كما يشمل الولاة فَعَلَيْهِمْ أنْ يصرفوا مال الله تعالى فيما يعزِّز دينه، ويعلي كلمته، وعلى ما ينفع الرعية والبلاد، من المشاريع النافعة، والزراعة، والصناعة، والتعليم، والمرافق العامة التي تنفع عموم الرعية، وفيما ينفع عباده في دنياهم.
٧ - الحديث يشمل من أخذ من مال لا يستحق أخذه منه بأنْ يكون للمال مصرف ليس هو من أهله، ولكنَّه يعمل الحيل، والطرق التي تمكنه من الأخذ منه؛ فهذا أخذٌ بالباطل.
***
стр. 3871
١٣٠٣ - وَعَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁ عَن النَّبيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ -قَالَ: "يَاعِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلاَ تَظَالَمُوا" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث قطعةٌ من حديثٍ عظيمٍ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وأخرجه غيره.
قال الإمام أحمد: هو أشرف حديثٍ لأَهل الشَّامِ، وكان أبو إدريس الخولاني إذا حدث به جثا على ركبتيه.
٢ - قوله: "ياعبادي! إنِّي حرَّمت الظلمَ على نفسي"، يعني: أنَّه منعه تعالى عن نفسه فلا يظلم عباده؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾ [ق]، وقال تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨)﴾ [آل عمران] وقال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت]، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة.
قال النووي: تقدس وتنزَّه عن الظلم، فالظلم وضع الشيءِ في غير موضعه، وله الحكمة التَّامَّة من أنْ لا يجري الأمور إلاَّ في مجاريها، ووفق مصالحها.
٣ - قوله: "جعلته بينكم محرَّمًا؛ فلا تظالموا":
قال ابن رجب: حرَّم الظلم على عباده، ونهاهم أنْ يتظالموا فيما بينهم؛ فحرامٌ على كلِّ عبدٍ أنْ يظلم غيره.
٤ - والظلم نوعان:
стр. 3872
أحدهما: ظلم النَّفس، وأعظمه الشرك؛ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [القمان]؛ فالمشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق، وبهذا فقد وضع الأشياء في غير مواضعها، وأكثر ما ورد في القرآن وعيدًا للظَّالمين إنَّما أريد به المشركون، ثمَّ يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر.
الثاني: ظلم العبد غيره، وهو المذكور في الحديث؛ وقد قال النَّبي ﷺ في خطبته في حجة الوداع: "إنَّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" [رواه البخاري (٦٧) ومسلم (٦٧٩١)].
٥ - الحديث صريحٌ بتحريم الظلم بين النَّاسِ في كلِّ حقٍّ من حقوقهم حتَّى القليل منها؛ فقد قال ﷺ : "وإنْ كان عودًا من أراك" [رواه مسلم (١٣٧)]؛ فالواجب البراءة من حقوق الخلق، ففي البخاري (٦٥٣٤) عن أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من كانت عنده مظلمة لأَخيه، فليتحلَّل منها قبل أنْ تؤخذ من حسناته، فإنْ لم يكن له من حسناتٌ، أُخِذَ مِن سيئات أخيه، فَطُرِحَت عليه".
***
стр. 3873
١٣٠٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ؟ قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ. قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أتدرون: الهمزة للاستفهام، وهي الأصل فيه، وجاءت -هنا- بمعنى التقرير؛ لانَّها جاءت -هنا- ممَّن يعلم لمن يعلم.
- الغيبة: غاب عنه يغيب غَيبة -بفتح الغين- والغِيبة -بكسر الغين-: ذكر الغائب بما يكرهه.
- ذكرك: ذكر يذكر ذكرًا، فالذكر -بكسر الذَّال- خاصٌّ باللسان، ومعناه -هنا- قال عنه ما يكره.
- أفرأيت: الهمزة -هنا- للاستفهام حقيقة، والتاء مفتوحة للمخاطب، وقد وردت لطلب التصور، بمعنى: أخبرني.
- بهته: بهته يبهته بهتًا وبُهتانًا، قال عنه مالم يفعل، والاسم البهتان، واسم الفاعل باهِت، والجمع بُهْت.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الغِيبة: بيَّنها النَّبيُّ ﷺ بأنَّها ذكرك أخاك المسلم بما يكره، سواءٌ أكانَ في خَلْقه أو خُلُقه، فأي كلمة تقولها فيه ممَّا يكره أنْ تقال فيه، فهذه غيبة، سواءٌ أكانت كبيرةً أو صغيرةً، ولكن يتفاوت الإثم بقدر ما قيل في الشخص، حتَّى
стр. 3874
ولو كانت فيه تلك الصفة.
٢ - أمَّا إذا لم تكن الصفة -التي ذكرت- فيه، فقد جمعت بين أمرين: الغيبة، والبهتان والكذب على الإنسان بما ليس فيه.
٣ - قال النووي: الغيبة: ذكر المرء ما يكره سواءٌ أكان في بدن الشخص، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خلقه، أو ماله، أو ولده، أو زوجته، أو خادمه، أو حركته، أو طلاقته، أو عبوسه، أو غير ذلك ممَّا يتعلَّق به ذكر سوء، وذكر ذلك باللفظ، أو بالرمز، أو بالإشارة.
وقال أيضًا: ومن ذلك التعريضُ في كلام المصنِّفين؛ كقولهم من يدعي العلم، أو بعض من ينسب إلى الصَّلاح، أو نحو ذلك، ومنه قولهم عند ذكره: "الله يعافينا"، "الله يتوب علينا"، "نسأل الله السَّلامة"، ونحو ذلك، فكل ذلك من الغيبة.
٤ - قوله: "ذكرك أخاك"، قال ابن المنذر: في الحديث دليلٌ على عدم غيبة اليهودي، والنصراني، وسائر أهل الملل، ومَنْ قد أخرجته بدعته عن الإسلام لا غيبة له.
٥ - قال القرطبي: أجمع العلماء على أنَّ الغيبة من كبائر الذنوب، واستدل على ذلك بقوله ﷺ : "إنَّ دماءَكُمْ، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام".
٦ - استثنى العلماء من الغيبة ستَّة أمور جائزة؛ لأَنَّها لم يقصد بها الغيبة، وإنَّما قصد بها أمر آخر لا يتحقَّق إلاَّ بها:
الأوَّل: التظلُّم.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر.
الثالث: الاستفتاء.
الرَّابع: تحذير المسلمين من الاغترار بشخص.
الخامس: المجاهر بالفسق والبدعة.
السَّادس: التعريف بالشخص؛ كالأعمى والأعرج.
стр. 3875
١٣٠٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ يَبِعْ بعْضُكُمْ عَلَى بيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، المُسْلِمُ أَخُو المسلم: لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، وَلاَ يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا -وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمِ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، ومَالُهُ، وعِرْضُهُ" أخرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
هذه المنهيات الأربعة جاءت على صيغة التفاعل، الَّذي تقع المشاركة فيه بين اثنين فأكثر؛ فالنَّهي، والتوجيه، والإرشاد منصب على كلِّ مسلمٍ عن هذه الأفعال.
- لا تحاسدوا: يعني: لا يحسد بعضكم بعضًا، والحسد مرضٌ قلبيٌّ مركوزٌ في طباع البشر، والمذموم منه تمنِّي، أو السعي في ذلك، زوال نعمة المحسود، وتقدَّم الكلام عن أسبابه وعلاجه.
- ولا تناجشوا: النَّجْش -بفتح فسكون- لغة: بعث الصيد، وإثارته من مكانه، وشرعًا: هو الزيادة في السلعة بدون قصد شرائها، إمَّا لنفع البائع، أو لمضرَّة المشتري، أو العبث.
- ولا تباغضوا: أي: لا تفعلوا الأمور التي توجب البغضاء بينكم.
стр. 3876
- ولا تدابروا: قال أبو عبيد: التدابر: هو الإعراض والهجر، مأخوذٌ من أنْ يولِّي الرجل صاحبه دبره، ويعرض عنه بوجهه؛ فهو التقاطع.
- ولا يبع بعضكم على بيع بعض: معناه: أنْ يكون قد باع شيئًا، فيأتي آخر، ويبذل للمشتري سلعته؛ ليشتريها، ويفسخ بيع الأوَّل.
- لا يظلمه: الظلم: هو التعدي على الحقِّ، والميل إلى الباطل، وأنواعه كثيرةٌ وصوره لا تحصر، وسيأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى.
- ولا يَخذُله: هو ترك نصرته، وذلك بأنْ يهان المسلم، أو يذلَّ، أو ينقص من حقه، ثمَّ يتأخَّر أخوه المسلم فلا ينصره، وهو يقدر على ذلك؛ فهذا خذلانه.
- ولا يحقره: يُقال: حقر الرجلَ يحقره حقرًا: أذلَّه، والمراد: أنْ يتكبَّر عليه، ويترفَّع عنه، ويعظم نفسه بجانبه.
- التقوى: فتقوى الله تعالى: هي فعل أوامره؛ رجاء ما عنده، واجتناب نواهيه؛ خوفًا من عقابه، وأصل التقوى في القلب، وأثرها يظهر في الأعمال.
- بحسب امرىءٍ من الشرِّ: يعني: حسبه وكافيه من خلال الشرور، ورذائل الأخلاق ... احتقار أخيه، فقوله: "بحسب امرىءٍ" مبتدأ، والباء فيه زائدة، وقوله: "أنْ يحقر أخاه ... إلخ" هو الخبر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا حديثٌ عظيمٌ فيه جملةٌ من آداب الإسلام الكريمة، التي من شأنها أنْ يتحبَّب المسلم لأخيه المسلم، حتَّى تُوَحَّد كلمة المسلمين، وتُجمع صفوفهم، ويُلمَّ شملهم، ويكونوا أمَّةً واحدةً، وإخوةً مسلمين.
أولها: "لا تحاسدوا": يعني: لا يحسد بعضكم بعضًا، والحسد مركوز في طباع البشر؛ فالإنسان يكره أنْ يفوقه أحد من جنسه في شيءٍ من الفضائل، والمنهي عنه هنا منه: هو أنْ يتمنَّى زوال نعمة العبد عنه، سواءٌ تمنَّاها أنْ تنتقل إليه، أو تمنَّى مجرَّد زوالها عن المحسود.
стр. 3877
وهذا خلقٌ ذميم نهى عنه الشَّارع الحكيم، بما يسببه من الشرور في الدنيا، ولأَنَّه يأكل الحسنات، كما تأكل النَّار الحطب.
ثانيها: "لا تناجشوا": والنجش معناه: أنْ يزيد الإنسان في السلعة، لا لقصد شرائها، وانَّما لقصد الإضرار بالمشتري برفع ثمنها عليه، أو لنفع البائع بزيادة الثمن له، وهو حرام، وإذا تحقَّق، خيِّر المشتري بين الإمساك ورد البيع؛ لما ناله من الخديعة، والمكر، وزيادة الثمن.
ثالثها: "لا تباغضوا": نهى عن التباغض بين المسلمين؛ فإنَّ المسلمين جعلهم الله إخوة؛ قال ﵊: "والَّذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنَّة حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابوا، أفلا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السَّلام بينكم" [أخرجه مسلم (٥٤)].
ولهذا المعنى حرَّم الله تعالى المشي بالنميمة؛ لما فيها من إيقاع العداوة والبغضاء، ورخَّص في الكذب في الإصلاح بين النَّاس.
أمَّا البغض في الله تعالى، فهو من أوثق عرى الإيمان، وليس داخلاً في النَّهي.
وعن ابن عباس: "من أحبَّ في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنَّما تُنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان -وإنْ كثرت صلاته وصومه- حتَّى يكون كذلك، وقد صارت عامَّة مؤاخاة النَّاس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي أهله شيئًا" رواه ابن جرير.
رابعها: "لا تدابروا": مأخوذٌ من أنْ يوليَ الرَّجل صاحبه دبره، ويعرض عنه بوجهه، فقد جاء في صحيح البخاري (٦٢٣٧)، وصحيح مسلم (٢٥٦٠) من حديث أبي أيوبٍ الأنصاري؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يحل لمسلمٍ أنْ يهجر أخاه فوق ثلاث، وخيرهما الَّذي يبدأ بالسَّلام".
فالهجر فوق ثلاث محرَّم لا يجوز، ويحصل إنهاء الهجر بالسَّلام، وأمَّا
стр. 3878
الهجر لأجل دين، فتجوز الزيادة من غير تحديد، حتَّى يزول المانع من الهجر؛ واستُدل على ذلك بقصَّة الثلاثة الَّذين خُلِّفوا، ويباح على أهل البدع المغلَّظة والدعاة إلى الأهواء والمبادىء الهدَّامة، وأصحاب المذاهب المضللة.
خامسها: "ولا يبع بعضكم على بيع بعض": قال الفقهاء: معناه أنْ يكون قد باع عليه شيئًا، فينزل للمشتري سلعته بأرخص ليشتريها، ويفسخ بيع الأوَّل، وهذا إذا كان في خيار المجلس، أو خيار الشرط، وكذلك على الصحيح يشمل فيما إذا تمَّ البيع بينهما، ولم يبق خيار؛ وذلك لئلا يحتال المشتري، أو البائع على فسخ العقد، ويكون في نفسه عداوة وبغض للعاقد معه.
قوله: "ولا يبع بعضكم على بيع بعض": قد تكاثر النَّهي عن ذلك، ففي البخاري (٢١٤٠) ومسلم (٤١٣) عن أبي هريرة، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يبع المؤمن على بيع أخيه المؤمن" وفي روايةٍ لمسلم: "لا يسم على سوم أخيه".
وفي البخاري (٢١٣٩) ومسلم (٢٠٣٢) من حديث ابن عمر؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يبع الرجل على بيع أخيه"، هذا دليلٌ على اختصاص ذلك بالمسلم دون الكافر، وهو مذهب أحمد والأوزاعي.
وذهب كثيرٌ من الفقهاء: إلى أن النَّهْيَ عامٌّ في حقِّ المسلم والكافر.
وأصح القولين أنَّ النَّهي للتحريم.
٢ - "وكونوا عبادًا إخوانًا": ذكره النَّبي ﷺ كالتعليل لما تقدَّم؛ فإنَّ في هذه الجملة اللطيفة إشارةً إلى أنَّهم إذا تركوا التحاسد، والتناجش، والتباغض، والتدابر، ولم يبع بعضهم على بيع بعض، صاروا إخوةً متحابين متآلفين.
٣ - فيه الأمر باكتساب الأشياء التي تجلب المحبَّة، والمودة، والألفة: من ردِّ السَّلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، ونحو ذلك من الحقوق التي سنَّها الإسلام بين المسلمين؛ لتمكِّن المودَّة، والألفة
стр. 3879
بينهم، وتوحد كلمتهم.
٤ - قوله: "المسلم أخو المسلم":
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، فالأخوَّة الإسلامية هي أوثق رابطةٍ وأقوى صلة بين المسلم وأخيه المسلم، وهي تقتضي حقوقًا بينهما، إنْ قاما بها نمت وزكت، وإلاَّ ضعفت وذوت حتى تموت؛ فعلى المسلمين مراعاتها، وإحياؤها بالقيام بالحقوق والصلات.
٥ - قوله: "لا يظلمه": هذا أقل ما يجب للمسلم على أخيه، والظلم يكون في النفس، والعِرض، والمال؛ فعلى المسلم: تجنب غلط أخيه، فالمسلم على المسلم حرامٌ: دمه، وماله، وعرضه.
٦ - قوله: "ولا يخذله":
الخذلان هو أنْ يُظْلَمَ المسلم وتقدر على نصره فلا تفعل، بل تتخلَّى عنه؛ فإنَّ المؤمنَ مأمورٌ بنصر أخيه المسلم، سواء أكان ظالمًا فتنصره على نفسه، وتمنعه من الظلم، أو مظلومًا فتمنع الظلم عنه، فقد أخرج أبو داود (٤٨٨٤) من حديث أبي طلحة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ما من امرىءٍ مسلم يخذل امرأ مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه، إلاَّ خذله الله في موضعٍ يحب فيه نصرته، وما من امرىءٍ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه، وتنتهك فيه حرمته، إلاَّ نصره الله في موضعٍ يحب فيه نصرته".
٧ - قوله: "ولا يحقره": احتقار المسلم لأخيه ناشيءٌ عن الكِبْر؛ فقد أخرج مسلم (٩١) من حديث ابن مسعود؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الكِبْر بَطَر الحقَّ، وغَمْط النَّاس" فالمتكبِّر ينظر إلى نفسه بعين الكمال، وإلى غيره بعين النقص؛ فيحتقرهم، ويزدريهم، ولا يراهم أهلاً لأن يقوم بحقوقهم، ولا أنْ يقبل من أحدهم الحق إذا ردوه عليه.
٨ - قوله: "التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ثلاثًا":
стр. 3880
فيه إشارةٌ إلى أنَّ أكرم الخلق عند اللهِ من اتصف بالتقوى لا بالجاه والرئاسة والمال؛ فرُبَّ من يحقره النَّاس -لضعفه، وقلَّة حظه من الدنيا- هو أعظم قدرًا ممَّن له قدرة في الدنيا؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [لحجر ات: ١٣].
والتقوى أصلها في القلب، فلا يطلع على حقيقتها إلاَّ الله تعالى؛ وحينئذٍ فقد يكون ممَّن له صورة حسنة، أو جاه، أو رئاسة في الدنيا، قلبه خالٍ من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك، قلبه مملوءٌ من تقوى الله؛ فيكون أكرم عند الله تعالى.
قال ﷺ : "إنَّ اللهَ لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" [رواه مسلم (٢٥٦٤)].
٩ - قوله: "بحسب امرىءٍ من الشرِّ أنْ يحقر أخاه المسلم":
يعني: أنَّ احتقار المسلم أخاه المسلم هو كفايته من الشرِّ؛ فإنَّه إنَّما يحقره لتكبره عليه، والكبر أعظم خصال الشر؛ ففي صحيح مسلم (٩١) أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنَّة من كان في قلبه مثقال ذرَّةٍ من كبر".
١٠ - قوله: "كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه".
النصوص في تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم كثيرة صحيحة صريحة؛ فهو ممَّا عُلِمَ من الدِّين بالضرورة.
إنَّما المتعيِّن على المسلم أنْ يحترز عن حقوق المسلمين، فلا يعتدى عليها، وإذا حصل بيده منها شيءٌ فليردها إنْ قدر على ذلك، وإلاَّ استحل أهلها منها قبل أنْ يأتي يومٌ لا يستطيع أداءها إلا من أعماله الصَّالحة، فإذا نفذت أعماله، وضع عليه من سيئات أصحاب الحقوق، ونسأل الله العافية والمعافاة.
***
стр. 3881
١٣٠٦ - وَعَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يقُولُ: "اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي مُنْكرَاتِ الأَخْلاَقِ، وَالأَعْمَالِ، وَالأَهْوَاءِ، وَالأَدْوَاءِ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَاللَّفْظُ لَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
صحَّحه ابن حبان، والحاكم، وأخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، وحسَّنه السيوطي في الجامع الصغير.
واعتمد الشيخ الألباني تصحيحه في صحيح الجامع الصغير، وقال: أخرجه الترمذي، والطبراني، والحاكم.
* مفردات الحديث:
- جنبِّني: دعاء من التجنب، أي: باعدني.
- منكرات الأخلاق: هي الأوصاف المذمومة؛ كالبخل، والكبر، والحسد، والحقد، ونحوها مما ينكر شرعًا وعادةً.
- منكرات الأهواء: هي ما تشتهيه النفس، وتميل إليه من غير نظر إلى مقصد يحمد عليه شرعًا.
- منكرات الأدواء: هو الأسقام البدنية المنفرة من المرض، أو الأمراض المزمنة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه دعوات كريمات يقولها صاحب الخلق العظيم -صلوات الله وسلامه عليه- يزود بها نفسه الشريفة؛ فإنَّ الله تعالى وصفه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ
стр. 3882
لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم].
وكان خلقه ﷺ القرآن.
٢ - "اللهمَّ جنبني منكرات الأخلاق":
فالتجنب المباعدة، ومنكرات الأخلاق هي الأخلاق الذميمة المستقبحة؛ كالحسد، والحقد، والغش، وقسوة القلب، والبخل، والجُبن، والهلع، ونحو ذلك من الأخلاق المكروهة، شرعًا وعقلاً، وإذا تخلى المسلم عن هذه الأخلاق القبيحة، وتحلى بعدها بالأخلاق المحمودة، شرعًا وعقلاً؛ من الحلم، والعفو، والجود، والصبر، والرحمة، والشفقة، وتحمل الأذى، وقضاء الحوائج، والبر، والإحسان، ونحوها، فقد كمل خلقه.
ومنكرات الأخلاق تنشأ عن مرض القلب؛ كما أنَّ كرائم الأخلاق تنشأ عن صحته.
٣ - أما منكرات الأعمال: فهي كبائر الذنوب، والإصرار على صغائرها؛ فالمسلم يتخلى عنها، ويستعين بالله تعالى على ذلك، ويتحلى بفضائل الأعمال من أداء الواجبات، والحرص على المستحبات، والتزود من الباقيات الصالحات، فإذا فعل ذلك، كمل إيمانه.
٤ - أما الأهواء: فهي الشهوات المهلكات، من ارتكاب المعاصي، والإقدام على الآثام، التي تهواها النفوس، ولكن في هذا الهوى والمشتهى هلاكها.
فعلى المسلم مقاومة نفسه الأمارة بالسوء، لتكون له مطيعة، مطمئنة، يسهل قيادها؛ لتكون رغبتها في طاعة الله تعالى، من الإيمان الكامل، والإسلام الشامل، والإحسان المقرب.
٥ - أما الأدواء: فهي الأسقام، وتكون للأبدان، كالأمراض الشنيعة؛ من الجذام، والسرطان، وذات الجنب، وتكون أسقام القلوب بالشَّهوات، كالمعاصي، وبالشبهات، كالبدع، نسأل الله السلامة.
стр. 3883
١٣٠٧ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ تُمَارِ أَخَاكَ، وَلاَ تُمَازِحْهُ، وَلاَ تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفَهُ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
سنده ضعيف.
قال المصنف: أخرجه الترمذي بسند فيه ضعف، لكن في معناه أحاديث، فقد روى الطبراني أنَّ جماعة من الصحابة قالوا: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتمارى، فذكر حديثًا طويلاً، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وتتأيد صحة معناه بما أخرج الشيخان مرفوعًا: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم".
* مفردات الحديث:
- لا تمار أخاك: بضم التاء، المماراة: هي المجادلة بغير حق، أو أن تطعن في كلامه تحقيرًا له وإظهارًا لخلله وقصوره.
- ولا تمازحه: الممازحة: هي المداعبة لأجل المباسطة، والتلطف؛ ولذا فإنَّ المراد بها هنا هو الممازحة التي تجلب البغض، والنفرة، وتكدر النفس.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الإسلام بتوجيهاته الرشيدة، وتعاليمه الحكيمة، يحث على الألفة والأخوَّة الإيمانية، التي تجمع القلوب، وتؤلف النفوس، وتشرع الأسباب الجالبة للأخوَّة. والمحبة والمودة في الله، هو أساس الاجتماع، والتعاون على
стр. 3884
البر والإحسان، ونهى عما يسيء إلى الأخوَّة والألفة.
٢ - المماراة: هي الجدال والخصومة، التي قد يفعلها الإنسان مع جليسه؛ ليظهر الخلل في كلامه، أو العيب في فكرته؛ فهذا خلق ذميم، ويسبب التنافر والتباغض بين الأصحاب والإخوان، والواجب بين الإخوان والحضور: هو احترام كل واحد منهم صاحبه، وإذا كان هناك نقاش وبحث مسألة؛ فيكون بالتفاهم فيها، وبحثها بأدب واحترام، فإن وجد فكرةَ صاحبه جيدة، حبذها وقبلها وأيَّدها، وإن كانت خاطئة، أو فيها أخطاء، عدَّلهاَ تعديلاً بسياسة كلام، ولطف مدخل، لا يشعر فيه بالعيب والتخطئة.
أما إذا كان المجلس عامًّا، وفيه الملَحُ والفكاهات، وأخطأ أحد في حكاية، أو سوق فكاهة، أو طرفة، فالأولى تركها؛ إذ لا يترتب عليها شيء.
٣ - أما المزاح: فليكن مزاحًا خفيفًا لطيفًا بأدب واحترام، وأن لا يطول، ولا يثقل حتى يتعدى، ويسبب الغضب، والعداوة، والبغضاء.
٤ - أما الوعد: فإنَّك لا تعِد أخاك عِدَةً تمنِّيه في قضائها، وترجيه في إنهائها، ثم لا تفي له بذلك؛ فإنَّ هذا يضره من ناحية، ويثير حقده عليك أيضًا، فإما أن لاتعِده، وإلاَّ فإذا وعدته فأوف بوعدك.
٥ - تقدم الخلاف بين العلماء في حكم الوفاء بالوعد، وأنَّ أصح الأقوال وجوبه إذا أوقع الموعود في ورطة أو ضرر، فإما أن يفي له بالوعد، وإما أن يضمن له خسارته التي كانت بسبب وعده؛ وهذا ما قرَّره مجمع الفقه الإسلامي.
***
стр. 3885
١٣٠٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَصْلَتَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ: البُخْلُ، وَسُوءُ الخُلُقِ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن بغيره.
قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد، وقال: غريب، قلت: وفي الباب أحاديث يعضد بعضها بعضًا، منها:
١ - ما رواه البيهقي مرفوعًا بلفظ: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصبر والسماحة وحسن الخلق" قال العراقي: إسناده صحيح، وصححه السيوطي في الجامع الصغير.
٢ - ما أخرجه الديلمي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "خلقان يحبهما الله، وخلقان يبغضهما الله، فأما اللذان يحبهما الله: فحسن الخلق والسخاء".
* مفردات الحديث:
- خصلتان: تثنية خصلة، والخصلة: خلق في الإنسان يكون فضيلة، أو رذيلة.
- البخل: البخل في الشرع: منع الواجب.
- سوء الخلق: الخلق بضمَّتين: عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأخلاق بسهولة ويسر، من غير حاجة إلى فكر وروية، فإذا كانت الأفعال الصادرة، سيئة قيل لصاحبها سيِّءُ الخلق.
стр. 3886
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث الشريف يدل على أنَّ المؤمن لا يجمع هاتين الخصلتين الذميمتين، وهما: البخل، وسوء الخلق، ومفهوم الحديث: أنَّهما قد يجتمعان فيمن حُرِمَ نعمة الإيمان، فإنَّه قد يكون فيه البخل وسوء الخلق معًا؛ لأنَّه فقد الإيمان الذي ينها صاحبه عن سيِّء الأخلاق، كما يأمره بالجود والكرم.
٢ - البخل: أحسن ما يعرَّف به: بأنَّه التقصير بالنفقات الواجبات، والنفقات المستحبات، وعدم التوسعة على الأهل والأولاد، والتقصير في بر الجار، والقريب، والضعيف، ونحو ذلك.
٣ - جاء ذم البخيل والبخل في كثير من نصوص الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ [الحاقة]، وقال تعالى عن أهل النار: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾ [الليل]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر]، وقد جاء في صحيح مسلم (٢٥٧٨)، من حديث جابر؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "اتَّقوا الشح، فإنَّ الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم".
٤ - البخل مذموم شرعًا، وعقلاً، وعرفًا؛ فهو إمساك عن الواجبات، فيحصِّل صاحبه الإثم، والإمساك عن الفضائل والمرواءت، فيحصِّل صاحبه المذمة والعار، وضد ذلك: القيام بالنفقات الواجبة، والنفقات التي تجلب حمدًا وأجرًا.
٥ - أما سوء الخلق فضله حسن الخلق؛ من حسن العشرة، ولين الجانب، والحلم، والعفو، والسماح، والصبر، والرحمة، والشفقة، والإحسان، والبر.
стр. 3887
٦ - والآيات والأحاديث في ذم سوء الخلق، ومدح حسن الخلق كثيرة جدًّا؛ ويكفي منها قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف]، وقوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤].
وجاء في الترمذي (٢٠٠٢) عن أبي الدرداء؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الله يبغض الفاحش البْذِيءَ" وجاء في أبي داود (٤٧٩٨) عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم".
***
стр. 3888
١٣٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "المُسْتَبَّانِ مَا قَالاَ فَعلَى البَادِىءِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- المُسْتبَّان: بتشديد الباء الموحدة، اسم فاعل، من باب الافتعال، يقال: سابَّه مسابَّةً وسبابًا: شتمه، والمراد: المتشاتمان اللذان تبادلا الشتائم بينهما.
- فعلى الباديء: أي: فعلى الذي بدأ بالشتم الإثم، دون المجيب المنتصر.
- ما لم يعتد: أي: يتجاوز حد ما شتمه الباديء.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - السباب: فسوق لما يصدر فيه من الكلام الفاحش، واللفظ البذيء، وقد يجر الفسوق إلى ما هو أعظم منه؛ من سفك الدماء، وإثارة الفتن، وأقل ما فيه إشعال العداوة والبغضاء بين المسلمين؛ ولذا كان محرَّمًا؛ فإنَّ الله يكره الفاحش البذيء.
٢ - ومن اعتدي عليه بالسباب، فله مجازاة الساب بمثل سبه من غير ذلك زيادة على ذلك؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦].
ولكن أفضل من المجازاة: الحلم، والصبر، والعفو: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل]، وقال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر]، وقال: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]،
стр. 3889
وقال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران].
٣ - دلَّ الحديث على أنَّ إثم السباب يقع على الذي بدأ بالسباب: إما مباشرة، أو تسبب له بأفعاله، أو أحواله.
ولا يقع على المجازي إلاَّ إذا زاد على حقه، فيصير ظالمًا.
٤ - السباب ليس من خلق ذوي الهيئات والمرواءات، وإنما هو خلق السفهاء، ومن ليس لديهم حياء يردهم عن هُجْرِ الكلام، وفاحشه، والبذاءة؛ لذا فإنه يُجمل بالمسلم أن يبتعد عن هذه الأخلاق، وأن ينأى عمن ليس عنده خلق حسن؛ فليتأدب معه بآداب القرآن من الإعراض عن الجاهلين، والصفح الجميل، والصبر، والعفو، والمغفرة؛ لينال درجة المتخلقين بالقرآن، والله الموفق.
***
стр. 3890
١٣١٠ - وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ اللهُ، وَمَنْ شَاقَّ مُسْلِمًا شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
فقد حسَّنه الترمذي.
قال المناوي في شرح الجامع الصغير: رمز لحسنه المؤلف، أي السيوطي.
ورواه أبو داود، وسكت عنه هو والمنذري، وعزاه لابن ماجه والنسائي، فهو حديث مقبول، والله أعلم.
وهناك شواهد كثيرة للحديث؛ منها ما في صحيح مسلم: "اللَّهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم، فاشقق عليه" وغيره.
* مفردات الحديث:
- من ضارَّ مسلمًا: أي: من أدخل على مسلم مضرة في ماله، أو نفسه، أو عِرضه بغير حق، أدخل الله عليه المضرة؛ مجازاة له من جنس فعله.
- من شاقَّ مسلمًا: يقال: شاقه مشاقة وشقاقًا: خالفه، وعاداه، وحقيقته: أن يأتي كل واحد منهما بما يشق على صاحبه، فيكون كل واحد منهم في شق صاحبه، والمعنى هنا: من نازع مسلمًا ظلمًا، أنزل الله عليه المشقة.