الطيبة، ولين الجانب، والأفعال الكريمة، وتهذيب النفس، وتقدم الكلام على حسن الخلق مكرِّرًا في عدة أحاديث.
ومن أحسنها هذا الترغيب الكريم من النبي ﷺ بقوله: "إنَّكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسْط الوجه، وحسن الخلق".
يعني: أنَّه لا يتم لكم أن تَسَعُوا الناس بإعطاء المال، لكثرة الناس وقلَّة المال؛ فهو أمر غير داخل في مقدور البشر.
ولكن عليكم أن تسعوهم ببسط الوجه، والطلاقة، والبشاشة، ولين الجانب، وخفض الجناح، ونحو ذلك مما يجلب التحاب بينكم، فإنَّه مراد الله تعالى.
٣ - أما تقوى الله تعالى: فقد فسِّرت بتفسيرين:
أحدهما: أنَّ معناها فعل الطاعات، واجتناب المنهيات.
الثاني: هي اجتناب معاصي الله على نور من الله، خشية عقاب الله، والقيام بطاعة الله على نور من الله، رجاء ثواب الله.
٤ - وتقوى الله تعالى: هي الرقيب على تصرُّفات العبد في علانيته وسرِّه، فمن وقرت تقوى الله في قلبه، صانته، وحفظته من المهالك؛ فإنَّها حصانة تمنعه من أن يقوم على قبيح، أو يقصر في واجب.
أما إذا غابت التقوى: فإنَّ النَّفس الأمَّارة بالسوء تسيِّر بالإنسان إلى الشهوات، ولو كان فيها معصية الله تعالى.
***
стр. 3957
١٣٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "المُؤْمِنُ مِرآة أخِيهِ المُؤْمنِ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
إسناده حسن.
قال الإِمام أحمد: لا بأس به، وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر، كما نصَّ عليه هنا، ونقل المناوي عن الزين العراقي أنَّ إسناده حسن، وله شاهد عن أنس رواه القضاعي والبزار.
* مفردات الحديث:
- مرآة: بكسر الميم، وإسكان الراء، بعدها ألف ممدودة، ثم تاء التأنيث، قال في المحيط: هي ما تراءيت فيه من بلور وغيره، وهو اسم آلة، جمعها مَرَاءٍ ومرايا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في هذا الحديث الشريف وصفٌ نبويٌّ بديعٌ، وتشبيهٌ بليغٌ يبيِّن موقف الأخ المسلم من أخيه، ويحدد مسؤوليته تجاهه، وأنَّه منه كالمرآة الصقيلة التي تريه نفسه على حقيقتها، وعلى ما فيها.
٢ - المسلم الناصح المحب لأخيه ما يحب لنفسه، يطَّلع على عيوب أخيه المسلم، وأخطائه، وزلاَّته، فينبِّهه إليها، ويدلُّه على إصلاحها، ويرشده إلى تقويمها، وينصحه بالتخلي عنها، حتى يزينه عند مولاه الذي ينظر من عباده إلى قلوبهم وأعمالهم؛ كما يجمل المسلم أخاه المسلم عند الخلق
стр. 3958
بإزالة الغلطات والزلات.
وهو من نصيحة المسلم لأخيه المسلم في حديث تميم الداري السابق برقم (١٣٣٨).
***
стр. 3959
١٣٤٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ علَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ" أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإسْنَادٍ حَسَنٍ، وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، إلاَّ أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابِيَّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال المناوي: أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، والترمذي بسند جيد، كلهم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، لكن الترمذي لم يسم الصحابي، بل قال: عن شيخ من أصحاب النبي ﷺ .
قال الحافظ العراقي: والطريق واحد، وقد رمز له بالحسن، وهو كذلك؛ فقد قال الحافظ في الفتح: إسناده حسن، وكذلك هنا في بلوغ المرام.
* خلاف العلماء:
هناك مسلكان هما: اعتزال الناس والبعد عنهم، أو مخالطتهم، وهما قولان لأهل العلم وأهل السير والسلوك، وبعرضنا لهذين القولين يكفي شرحًا لهذا الحديث.
قال الخَطَّابي في كتابه العزلة:
اختلف الناس في العزلة والمخالطة أيهما أفضل؟ مع أنَّ كل واحدة منهما لا تنفك من فوائد وغوائل:
فأهل الزهد اختاروا العزلة، ومنهم: سفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم،
стр. 3960
والفضيل بن عياض، وسليمان الخوَّاص، وبِشْر الحافي، ونحوهم.
وذهب إلى تفضيل المخالطة: سعيد بن المسيب، والشَّعبي، وابن أبي ليلى, وشريح، وشريك، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.
استدل الأوَّلون على استحباب العزلة: بقول إبراهيم الخليل ﵇: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي﴾ [مريم: ٤٨]، وبقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ [مريم]، وبما جاء في البخاري (٦٤٩٤) ومسلم (١٨٨٨)، من حديث أبي سعيد الخدري، قيل: يا رسول الله، أي الناس خير؛ قال: "رجلٌ جاهد بنفسه وماله، ورجلٌ في شعب من الشعاب يعبد ربه، ويدع الناس من شره".
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "خذوا بحظِّكم من العزلة".
وقال سعد بن أبي وقاص: "لوددت أنَّ بيني وبين الناس بابًا من حديد، لا يكلمني أحد ولا أكلِّمه حتى ألقى الله سبحانه".
وفي العزلة: تفرغ للعبادة، وبُعد عن معاصي الله، وعمَّا يعرض من الفتنة، والسلامة من الغيبة، ومن آفة الرياء، وصيانة الدين عن الخوض في ذلك فيما لا يرضي الله تعالى.
ففي ذلك البعد عن شرور الناس، وأذية كثير منهم، والبعد عما يلهي القلب والعين عند النظر إلى زهرة الحياة الدنيا.
وهناك فوائد أخرى يكتسبها المعتزل، إما بتوفير الوقت لاشتغاله بالنافع، وإما بالسلامة من الشرور والآثام.
واستدل الذين فضَّلوا الاجتماع والاختلاط: بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ...﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿فَأَلَّفَ
стр. 3961
بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ...﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وما جاء عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة؛ فإنَّ الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بُحبوحة الجنة فليلزم الجماعة" [رواه الترمذي (٢١٦٥)].
ومن فوائد الاجتماع: التعلم والتعليم، والنفع والانتفاع، والقيام بالحقوق من الاجتماع في العبادات، وإفشاء السلام، ورد التحيات، وعيادة المرض، وشهود الجنائز، وتأدية العادات المستحسنة فيما بين المسلمين، وحصول الائتلاف والأخوة الإيمانية من المحبة في الله، والتآمر بالمعروف، والتناهي عن المنكرات، وقضاء الحاجات؛ فكل هذه الأمور مفقودة مع العزلة.
وفصل الخطاب في هذا الباب: أنَّه لكل من العزلة والاختلاط فوائده ومضاره المعروفة، فالعزلة فيها السلامة والبعد عن الشر، إلاَّ أنَّ الاجتماع يحسُنُ ويفضل في حالتين:
الأولى: أن يكون الشخص نافعًا مفيدًا في مجتمعه، نافعاً بعلمه؛ تعليمًا، وإفتاءً، وإرشادًا، وقضاءً، وغير ذلك، مثل أن يكون ذا جاه ونفوذ كلمة، فينفع في الوساطات المحمودة، والشفاعات المرغوبة؛ فهو ملجأ بعد الله تعالى للمظلوم والمهضوم حقه ونحو ذلك، أو يكون صاحب بر وإحسان، فيجد عنده المعوزون قضاء حاجتهم، وسد خلاتهم، وغير هؤلاء ممن هم أركان في المجتمعات؛ فعزلة هؤلاء وأمثالهم: ضرر عليهم بحرمانهم من الأجر المتعدي، وضرر على غيرهم -حيث يفقد ذو الحاجات- من المستفيدين، والمعلِّمين، والمظلومين، والمعوزين مَنْ يعينهم على أمورهم.
وأفضل ما يقال: إنَّ صاحب الكلمة المسموعة، والإشارة النافذة، والنفع المتعدي، من علم، أو جاه، أو فضل، الأفضل أن لا يعتزل، بل يكون
стр. 3962
مع الناس؛ ينفعهم، ويصلحهم، ويرشدهم، ويعلمهم، ويرفع صوتهم بالشفاعة إلى من لا تصل إليه أصواتهم الضعيفة، وأن يجود بفضول ماله، وأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وهذا هو المؤمن القوي المحبوب عند الله.
وأما الذي ليس له من وجوده فائدة إلاَّ بقدر الواجبات والحقوق السارية بين الناس، فهذا يعتزلهم لِيَسْلَم له دينه وعرضه، ويخالطهم بقدر حاجته إليهم، فهو معهم ببدنه، أما قلبه وروحه فمع خلوته، وانفراده بطاعة ربه وذِكره إيَّاه.
وهذا هو المؤمن الضعيف، وفيه خير، فالإيمان بالله، والقيام بطاعته، كل بحسبه نور. والله الموفق.
***
стр. 3963
١٣٤٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
صحَّحه ابن حبان، وقال المنذري: رواته ثقات.
وقال الهيثمي بعد أن ذكر له طريقين قال: رجالهما رجال الصحيح.
* مفردات الحديث:
- حسَّنْتَ: بتشديد السين المهملة، من التحسين والتجميل، وقد جاء بصيغة الخطاب.
- خَلْقِي: بفتح، فسكون، هي صورة الإنسان الظاهرة.
- خُلُقِي: بضمتين، هي الصورة الباطنة في النفس التي تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية.
* ما يؤخذ من الحديث:
قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧)﴾ [الانفطار]، وقال تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: ٣]؛ فالله جلت قدرته خلق الإنسان فأتم خلقه، وأتقن تركيبه؛ لأنَّه على صورة أبيه آدم الذي خلقه الله بيده، فجاء على تلك الصورة الكريمة المثالية.
стр. 3964
والإنسان -وإن تفاوت من حيث الجمال والدمامة وما بينهما- إلاَّ أنَّه صُوِّرَ أحسن تصوير، وركِّب أحسن تركيب؛ فعليه أن يشكر الله تعالى على ذلك.
وأن يسأل الله الذي أحسن صورته الظاهرة، وجمَّلها، وكمَّلها، أن يحسن صورته الباطنة، فَيهَبَهُ خلُقًا كريمًا سمحًا، تكمُلُ به إنسانيته، وتجمل به صورته، فيكون حسن المظهر والمخبر، كريم الظاهر والباطن، حسن الخَلْقِ والخُلُق.
وأهم الصور الباطنة: الإيمان؛ فإنَّ الأخلاق الفاضلة تتبعه، فهو رأسها وأساسها الباطني، والنصوص الشرعية تفرِّق بين الظاهر والباطن؛ ليحصل الكمالان السري والعلني، والجمال الظاهري والباطني:
فإنَّه إذا توضأ المسلم وطهر ظاهره، شرع له أن يسأل الله تعالى أن يطهر باطنه من الالتفات إلى سوى الله تعالى.
وإذا خرج من الخلاء متخفِّفًا من الفضلات المثقلة، سأل الله المغفرة؛ ليخفف عنه أدران الذنوب بعد أن خفَّ من الوساخات.
وهكذا يريد الله تعالى بنا أن نكمِّل أنفسنا، ونزكِّي نفوسنا، فلله الحمد والمنة، وله الشكر والإفضال.
***
стр. 3965
باب الذكر
مقدمة
قال أبو حامد الغزالي: ليس بعد تلاوة كتاب الله عبادة تؤدِّى باللسان أفضل من ذكر الله تعالى، ويدل على فضل الذكر: قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]؛ ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وقال ﷺ : "يقول الله : أنا مع عبدي ما ذكرني، وتحركت شفتاه بي" [رواه أحمد (١٠٥٨٥) وإسناده صحيح].
وقال ابن القيم في مدارج السالكين: ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الذكر، وهي منزلة القوم، والذكر عبودية القلب واللسان، وهي غير مؤقتة، بل هم يأمرون بذكر معبودهم، ومحبوبهم، في كل حال.
والذكر جلاء القلوب وصقالها، وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده، ما لم يغفله العبد بغفلته، وهو روح الأعمال، فإذا خمل العبد عن الذكر، كان كالجسد الذي لا روح فيه.
والذكر ثلاثة أنواع:
ذكر يتواطأ عليه القلب واللسان وهو أعلاه، وذكر بالقلب وحده وهو بالدرجة الثانية، وذكر باللسان المجرد وهو بالدرجة الثالثة.
وأنواع الذكر ثلاثة ثناء، ودعاء، ورعاية، والأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة؛ فإنَّها متضمنة للثناء على الله، والتعرض للدعاء، ومتضمنة لكمال الرعاية، ومصلحة القلب، وفيها تعليم القلب مناجاة الرب؛ تعلُّقًا، وتضرعًا، واستعطافًا، وغير ذلك من أنواع المناجاة.
стр. 3966
١٣٤٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَ ﷺ : "يقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَني، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ" أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَذَكَرَهُ البُخَارِيُّ تَعْلِيقًا (١).
ــ
* درجة الحديث:
صحيح الإسناد.
صحَّحه ابن حبان، وذكره البخاري تعليقًا؛ كما قال المؤلف.
قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: في إسناده محمد بن مصعب القرقساني، قال فيه صالح بن محمَّد: ضعيف، لكن رواه ابن حبان في صحيحه من طريق أيوب بن سويد، وهو ضعيف، وذكره المنذري في الترغيب، وسكت عنه.
والحديث هو معنى الحديث الذي في البخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥) عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفس، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم".
وله شاهد، قال الحافظ العراقي: أخرجه الحاكم (١/ ٦٧٣)، من حديث أبي الدرداء، وقال: صحيح الإسناد.
...
стр. 3967
١٣٤٥ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ عَمَلاً أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ، مِنْ ذِكْرِ الله" أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال الحافظ العراقي: أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف، والطبراني من حديث معاذ، بإسنادٍ حسن.
وكذلك حسَّنه المصنِّف هنا.
وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
* مفردات الحديث:
- أنجى: نجا من كذا ينجو نجاءً ونجاةً: خلص، والمراد هنا: أنَّ ذكر الله تعالى منجٍ ومخلِّص من عذابه.
...
١٣٤٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ القِيَامَةِ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَسَنٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
صحَّحه الحاكم، ووافقه الذَّهبي.
وقال الحافظ ابن حجر: أخرجه الترمذي، وقال: حسن.
وقال الحافظ العراقي: أخرجه الترمذي، وحسَّنه من حديث أبي هريرة.
وللحديث طريقان عن أبي هريرة عند أحمد، وابن حبان، ورجالهما رجال الصحيح.
* مفردات الحديث:
- حَسْرة: يقال: حسر عليه: تلهف وأسف، فالحسرة هي: شدة التلهف، والتأسف، والحزن على ما فرط فيه.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - هذه الأحاديث الشريفة كلها في بيان فضل ذكر الله تعالى:
فإنَّ الحديث رقم (١٣٤٤) يدل على أنَّ الله تعالى مع عبده بالعون والتسديد والتوفيق، ما دام عبده يذكره في قلبه، ويعلم قربه منه، ومراقبته إيَّاه، واستماعه لذكره، وقربه من مناجاته، وما دامت شفتاه تنطقان بذكره،
стр. 3970
وترفَّان بتمجيده.
٢ - وأما الحديث رقم (١٣٤٥) فإنَّه يدل على أنَّ أنجى عمل ينجي العبد من عذاب الله هو ذكر الله تعالى؛ فإنَّه وقاية تامة، وحصن حصين من العذاب يوم القيامة، فملازمة ذكر الله تعالى أمان من عذاب الله، وحرز من غضبه ونقمته.
٣ - وأما الحديث رقم (١٣٤٦) فيدل على فضل مجالس الذكر، وأنَّها المجالس التي تحفها الملائكة وتحضرها، رضًا بها، ومحبةً لأهلها, وليخبروا ربهم عنها، وهو أعلم بها منهم، ويذكُرهم الله تعالى فيمن عنده في الملأ الأعلى، فيباهي بهم ملائكته، ويُشْهدهم على أنَّه غفر لعباده، وأعطاهم سؤالهم من مرضاته، وأنجاهم مما حذروا منه من عذابه، وأعطاهم ما أمَّلوه من جنته.
٤ - وأما الحديث رقم (١٣٤٧) فإنَّه يدل على ندامة وخسارة القوم الذين يقعدون مقعدًا، ثم يقومون منه، ولم يجر على قلوبهم ولا على ألسنتهم ذكر الله تعالى، ولا ذكر رسوله والصلاة عليه ﷺ ؛ فإنَّ هذه المجالس الخالية من ذكر الله، والصلاة والسلام على رسوله محمَّد ﷺ ، ستكون عليهم حسرة يوم القيامة؛ لأنَّهم خسروه، ولم يستفيدوا منه.
هذا إن كان مجلسًا مباحًا لم تجر فيه غِيبةٌ، ولا سَبٌّ، ولا شتمٌّ، ولم يُؤتَ فيه بألفاظ محرَّمة.
وأما إن كان مجلس شرٍّ ولهو، فهي الطامَّة الكبرى على أهله.
٥ - معية الله تعالى مع خلقه نوعان: عامة وخاصة:
فأما المعية العامة: فهي التي بمعنى الإحاطة، والاطلاع، والمراقبة، والعلم، وهذه هي المعية التي مع جميع خلقه.
وأما المعية الخاصة: فهي التي بمعنى النصر، والحفظ، والإعانة؛ وهذه معية خاصة بعباده المؤمنين.
стр. 3971
٦ - ومذهب أهل السنة والجماعة: أنَّ معيَّة الله تعالى لا تقتضي أن يكون الله تعالى حالاًّ في أمكنة من هو معهم، ولا أنَّه مختلط بهم؛ فهذا معنى باطل يذهب إليه الحلولية.
فأهل السنة يرون أنَّه تعالى: عالٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، له العلوُّ الكامل: علو الذات، وعلو الصفة، وعلو القدر، ولا تكاد تحصر أدلة هذه المسألة.
٧ - أنَّ أفضل الذكر هو ما نطق به اللسان، واستحضره القلب، وإلاَّ فيكون ذكر في القلب فقط، أو في اللسان فقط، ولكن هذا هو أفضلها.
٨ - إنَّ ذكر الله تعالى من أقوى الأسباب في النجاة من عذاب الله.
٩ - يدل الحديث (١٣٤٥) على أنَّ أفعال العباد من الطاعات والمعاصي وغيرها، أنَّها كلها واقعة بإرادتهم وقدرتهم، وأنَّهم لم يُجبروا عليها، بل هم الذين فعلوها بما خلق الله لهم من القدرة، والإرادة، والأعضاء.
وأنَّ الأمور كلها واقعة بقضاء الله وقدره، فلا يخرج شيء عن مشيئته، وإرادته، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
وأنَّه لا منافاة بين الأمرين، فالحوادث كلها بمشيئة الله وإرادته، والعباد هم القائمون بأفعالهم المختارون لها.
١٠ - ويدل الحديث رقم (١٣٤٦) على أنَّ الملائكة يطوفون في الأرض لسماع القرآن، وحضور مجالس الذكر، وإعلام ربهم عن ذلك لحكمته، وإلاَّ فهو أعلم منهم بخلقه، وأنّهم يحفُّون مجالس الخير، وحِلَقَ العلم، وبيوتَ الله تعالى.
١١ - ويدل الحديث على فرح الله تعالى بطاعة خلقه له، وعبادتهم إيَّاه، مع غناه عنهم وعن عباداتهم، ولكنه يرضى ذلك لعباده؛ لكمال فضله ورحمته بعباده، وتحقيق حكمته من خلق عباده.
стр. 3972
١٢ - ويدل الحديث رقم: (١٣٤٧) على فضل ذكر الله تعالى، وفضل الصلاة على رسوله ﷺ ، وأنَّ المجلس الذي يفقد ذلك، فهو مجلس مشؤوم على أهله، وبالٌ عليهم.
١٣ - ويدل على حفظ الوقت والحرص عليه، وعدم إضاعته فيما لا ينفع ولا يفيد، وأنَّ الواجب هو المحافظة عليه، وأن لا يمر إلاَّ بحصول فائدة وإيداعها فيه، وأنَّ أفضل ما تنفق فيه الأوقات، ويصرف فيه هو ذكر الله تعالى، وأنَّ مِنْ ذكر الله: مجالسَ العلم، وتعلَّمَ أحكام الله تعالى من أصول الدين وفروعه.
***
стр. 3973
فوائد ذكر الله تعالى
هذه الفوائد ملَّخصة من كتاب "الوابل الصيب" لابن القيم، ﵀ تعالي:
١ - أنَّه يطرد الشيطان، ويقمعه، ويكسره.
٢ - أنَّه يرضي الرحمن، .
٣ - أنَّه يزيل الهم والغم عن القلب.
٤ - أنَّه يجلب للقلب الفرح، والسرور، والنشاط، والحبور.
٥ - أنَّه يقوِّي القلب والبدن.
٦ - أنَّه ينوِّر القلب والوجه.
٧ - أنَّه يجلب الرزق.
٨ - أنَّه يكسو الذاكر الجلالة، والمهابة، والنضرة.
٩ - أنَّه يورث المحبة التي هي روح الإِسلام، وقطب رحى الدين، ومدار السعادة والنجاة؛ فقد جعل الله لكل شيءٍ سببًا، وجعل سبب المحبة دوام الذكر؛ فمن أراد أن ينال محبة الله، فليلهج بذكره.
١٠ - أنَّه يورث الإنابة، وهي الرجوع إلى الله، فمن أكثر الرجوع إلى الله بذكره، أورثه ذلك رجوعه بقلبه في كل أحواله، فيبقى الله مفْزَعه، وملجأه، وملاذه، ومهربه عند النوازل والبلايا.
١١ - أنَّه يورث القُرْبَ من الله تعالى، فعلى قدر ذكره لله يكون قربه منه، وعلى قدر غفلته يكون بُعْده عنه.
١٢ - أنَّه يفتح له بابًا من أبواب المعرفة، وكلما أكثر من الذكر، ازداد من المعرفة.
стр. 3974
١٣ - أنَّه يورث ذكر الله لعبده؛ كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
ولو لم يكن في الذكر إلاَّ هذه وحدها, لكفى به شرفًا وفضلاً.
١٤ - أنَّه يحطُّ الخطايا ويذهبها؛ فإنَّه من أعظم الحسنات، والحسنات يُذهبن السيئات.
١٥ - أنَّه يزيل الوحشة التي بين العبد وربه، وهي لا تزول إلاَّ بالذكر.
١٦ - أنَّه منجاة من عذاب الله، وأنه سبب نزول السكينة وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة بالذكر.
١٧ - أنَّه سبب اشتغال اللسان عن الغِيبة، والنميمة، والكذب، والفحش، والباطل، وسائر معاصي اللسان؛ فمن عوَّد لسانه ذكر الله، صان لسانه عن الباطل واللغو، ومَن يبس لسانه عن ذكر الله، ترطَّب بكل لغو وباطل وفحش، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله.
وفي حديث أم حبيبة قالت: قال رسول الله ﷺ : "كل كلام ابن آدم عليه إلاَّ أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله" [رواه الترمذي (٢٤١٢) وابن ماجه (٣٩٧٤) وقال الترمذي: هذا حديث غريب].
١٨ - أنَّه أيسر العبادات، وهو مِن أجَلِّها، وأفضلها، وأكرمها على الله؛ فإنَّ حركة اللسان أخف حركات الجوارح، ولو تحرَّك عضو من أعضاء الإنسان في اليوم والليلة بقدر حركة اللسان، لَشَقَّ عليه غاية المشقة، بل لا يمكنه ذلك.
١٩ - أنَّه غِرَاس الجنة؛ ففي حديث ابن مسعود يرفعه: "إنَّ الجنَّةَ طيبة التربة عذبة الماء، وإنَّها قيعان، وإنَّ غِراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إلهَ إلاَّ الله، والله أكبر" [رواه الترمذي (٣٤٦٢) وقال: حديث حسن غريب].
وعند الترمذي (٣٤٦٤) من حديث جابر مرفوعًا: "من قال: سبحان الله وبحمده، غُرِست له نخلة في الجنة" وقال: حديث صحيح.
стр. 3975
٢٠ - أنَّ العطاء والفضل الذي رُتِّب عليه لم يرتب على غيره من الأعمال؛ كما دلت على ذلك أحاديث فضل التسبيح، والتحميد، والتهليل، وغيرها.
٢١ - أنَّ دوام ذكر الرب يوجب الأمان من نسيانه الذي هو شقاء العبد في معاشه ومعاده؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر]، فلو لم يكن في فوائد الذكر وإدامته إلاَّ هذه الفائدة، لكفى بها.
قال في الكلم الطيب: سمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ يقول: إنَّ في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، يعني: ذكر الله وامتلاء القلب بمحبته، والفرح والسرور به.
ففيه: ثواب عاجل، وجنة حاضرة، وعيشة مرضية، لا نسبة لعيش الملوك إليها ألبتة، وفي النسيان والإعراض عنه: هموم، وغموم، وأحزان، وضيق، وعقوبات عاجلة، ونار دنيوية، وجهنَّم حاضرة، أعاذنا الله منها.
٢٢ - أنَّ الإتيان بالذكر عمل يسير يأتي به العبد، وهو قاعد على فراشه، وفي سوقه، وفي حال صحته وسقمه، وفي حال نعيمه، ولذته، ومعاشه، وقيامه، وقعوده، واضطجاعه، وسفره، وإقامته، فليس في الأعمال شيء يعم الأوقات والأحوال مثله؛ حتى إنَّه يسيرٌ على العبد، وهو نائم على فراشه، فيسبق القائمَ مع الغفلة؛ وذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء.
٢٣ - أنَّ مجالس الذكر مجالس الملائكة، فليس لهم في مجالس الدنيا مجلس إلاَّ هذا المجلس، وفيه حديث أبي هريرة في البخاري (٦٤٠٨) ومسلم (٢٦٨٩) وفيه: "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم".
ومجالس الغفلة مجالس الشياطين، وكلٌّ يضاف إلى شكله وأشباهه.
٢٤ - أنَّ الله يباهي ملائكته بالذاكرين؛ كما في حديث أبي سعيد
стр. 3976
الخدري عند مسلم، وهذه المباها؛ دليلٌ على شرف الذكر عنده، ومحبته له، وأنَّ له مزية على غيره من الأعمال.
٢٥ - أنَّ جميع الأعمال إنَّما شرعت لإقامة ذكر الله؛ فالمقصود بها تحصيل ذكر الله؛ قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه:]، والأظهر: أنَّها لام التعليل، أي: لأجل ذكري.
٢٦ - أنَّ إدامة الذكر تنوب عن التطوُّعات، وتقوم مقامها، سواء أكانت بدنية، أو مالية، أو بدنية مالية؛ كحج التطوع، وقد جاء ذلك صريحًا في حديث أبي هريرة وفيه: "ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى" [رواه البخاري (٨٤٣) ومسلم (٥٩٥)]؛ فجعل الذكر فيه عوضًا لهم عما فاتهم من الحج، والعمرة، والجهاد، والصدقة، أنهم يسبقون بهذا الذكر.
٢٧ - أنَّ الذكر يسهِّل الصعب، وييسِّر العسير، ويخفِّف المشاق، فقلَّما ذكر الله على صعب إلاَّ هان، ولا عسير إلاَّ تيسر، ولا مشقة إلاَّ خفت، ولا شر إلاَّ زال، ولا كربة إلاَّ انفرجت، فذكر الله هو الفرج بعد الشدة، واليُسر بعد العسر، والفرج بعد الهم أو الغم.
٢٨ - أنَّ الذكر يُذهب عن القلب مخاوفه، وله تأثير عجيب في حصول الأمن, فليس للخائف الذي اشتد خوفه أنفع من ذكر الله، حتى كأنَّ المخلوق يجدها أمانًا له، والغافل خائف مع أمنه، حتى كأنَّ ما هو فيه من الأمن كله مخاوف، ومن لَهُ أدنى حسٍّ شعر بهذا؛ فقد جُرِّب هذا.
٢٩ - أنَّ الذكر يعطي الذاكر قوَّة؛ حتى إنَّه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه.
قال ابن القيم: وقد شاهدت من قوَّة شيخ الإِسلام ابن تيمية -قدَّس الله روحه- أمرًا عجيبًا؛ فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر، وقد شاهد العسكر من قوَّته في الحرب أمراً عظيمًا، وقد
стр. 3977
علَّم النَّبِيَّ ﷺ ابنَتَه فاطمةَ وعليًّا التسبيح، والتكبير، والتحميد، كل واحد منها ثلاثًا وثلاثين، لمَّا شكَت إليه ما تلقى من الطحن، والسقي، والخدمة، وقال: "إنَّه خير لكما من خادم".
٣٠ - أنَّ في دوام الذكر في الطريق، والبيت، والحضر، والسفر، والبقاع، تكثيرَ الشهود للعبد يوم القيامة؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ [الزلزلة]، وفي حديث أبي هريرة يرفعه: "أخبارها: أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا" [أخرجه الترمذي (٢٤٢٩) وقال: الحديث حسن صحيح].
إلى غير ذلك من الفوائد.
***
стр. 3978
١٣٤٨ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ: لاَ إِللهَ إلاَّ اللهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، عَشْرَ مَرَّاتٍ، كانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِن وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - "لا إلله إلاَّ الله": هي نفي الإلهية عن كل ما سوى تعالى كائنًا من كان، وإثبات الإلهية لله وحده دون أحد سواه.
وهذا هو التوحيد الذي أُرْسِلَت به الرسل، ونزلت من أجله الكتب. قال الوزير: وجملة الفائدة في ذلك: أنْ تَعْلَمَ أنَّ هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله؛ فإنَّك لما نفيت الإلهية وأثبت الإيجاب لله سبحانه، كنتَ ممن كفر بالطاغوت، وآمن بالله.
وقد أجمع العلماء على أن من قال: لا إله إلاَّ الله، ولم يعلم معناها، ولم يعمل بمقتضاها: أنه يقاتل حتى يعمل بما دلَّت عليه من النفي والإثبات.
٢ - "وحده لا شريك له": هذا تأكيد وبيان لمضمون معنى لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله.
٣ - قال شيخ الإِسلام: وقد علم بالاضطرار من دين الإِسلام، واتَّفقت عليه الأمة: أنَّ أصل الإِسلام، وأول ما يؤمن به الخلق: شهادة أن لا إلله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلمًا، والعدو وليًّا، والمباح دمه معصوم الدم والمال، ثم إن كان ذلك من قلبه، فقد دخل في الإيمان,
стр. 3979
وإن قاله بلسانه دون قلبه، فهو في ظاهر الإِسلام دون باطن الإيمان.
وأما إذا لم يتكلم بها مع القدرة، فهو كافر باتفاق المسلمين باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة، وأئمتها، وجماهير العلماء.
وقال الشيخ أيضًا: التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمَّن إثبات الإلهية، بأن يشهد أن لا إلله إلاَّ الله؛ فلا يعبد إلاَّ إيَّاه، ولا يتوكل إلاَّ عليه، ولا يوالي إلاَّ له، ولا يعادي إلاَّ فيه، ولا يعمل إلاَّ لأجله.
وليس المراد بالتوحيد مجرَّد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أنَّ الله وحده خلق العالم؛ كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف، ويظن هؤلاء أنَّهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل، فقد أثبتوا غاية التوحيد؛ فإنَّ الرجل لو أقرَّ بما يستحقه الرب من الصفات، ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقرَّ بأنَّه وحده خالق كل شيء، لم يكن موحدًا حتى يشهد أن لا إلله إلاَّ الله وحده.
٤ - هذه الكلمة العظيمة: إذا قالها العبد المسلم في صباحه عشر مرات، وفي مسائه عشر مرات، كما جاء في المسند (٢٣٠٠٧): "من قال إذا صلى الصبح لا إله إلاَّ الله عشر مرَّات كانت تعدل أربع رقاب، وإذا قالها بعد المغرب، فمثل ذلك" -نال هذا الأجر العظيم، وهو ثواب عِتْق أربعة أنفس من ولد إسماعيل، ﵇.
٥ - وفي الحديث جواز استرقاق العرب الرق الشرعي.
٦ - وفي الحديث إثبات فضيلة ذوي الأنساب الرفيعة؛ كما جاء في صحيح البخاري (٣٣٧٤)، ومسلم (٢٣٧٨): "خياركم في الجاهلية خياركم في الإِسلام إذا فَقُهُوا".
٧ - وفي الحديث فضيلة هذا الذكر الذي هو أساس الإِسلام وأصله، والذي هو الباب الوحيد إلى الدخول في الإِسلام.
***
стр. 3980
١٣٤٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، مِائه مَرَّةٍ، حُطَتْ عَنهُ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
- حُطَّتْ خطاياه: مبني للمجهول، يعني: وُضِعت عنه ذنوبه، ومحيت، وأزيلت، بالعفو والمغفرة.
- زَبَد البحر: بفتحتين، رغوته عند هيجانه، وهو كناية عن الكثرة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه فضل هذا الذكر المشتمل على تسبيح الله تعالى، وتنزيهه عما لا يليق به من النقائص والعيوب ومشابهة المخلوقات.
٢ - كما يشتمل على إثبات المحامد له تعالى في أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فهو الحي الكامل الحياة التي لم يسبقها عدم، ولا يلحقها زوال.
٣ - فمن سبَّح الله وحمده مائة مرَّة في اليوم والليلة، نال هذا الأجر الكبير؛ وذلك بأن تحط عنه ذنوبه وخطاياه، وإن كانت كثيرة مثل زيد البحر؛ وهذا فضل عظيم، وعطاء جزيل.
٤ - العلماء يقيِّدون هذا وأمثاله بصغائر الذنوب، وأما الكبائر فيقولون: إنَّها لا يمحوها, ولا يكفرها إلاَّ التَّوبة النصوح.
أما النووي فقال: إنه إذا لم يوجد صغائر، فإنَّه يرجى أن تخفف الكبائر.
...
стр. 3981
١٣٥٠ - وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبعَ كلِمَاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مِنْذُ اليَوْمِ، لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَد خَلقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كلِمَاتِهِ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- بعدك: بكسر الكاف؛ لأنَّ الخطاب لجويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ ومعنى بعدك، أي: بعد خروجي من عندك.
- لو وُزِنَت: بالبناء للمفعول بصيغة الغائبة.
- لوزَنتْهُنَّ: بالبناء للمعلوم، أي: لرجحت عليهن في الوزن.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تمام الحديث: أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرج من عند زوجه أم المؤمنين جويرية بنت الحارث حين صلَّى الصبح، وهي في مسجد بيتها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فيه، فقال: "ما زلتِ على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، فقال ﷺ : لقد قُلتُ بعدكِ أربع كلمات ثلاث مرات، لو وُزنت بما قلتِ، لوزنتهنَّ".
٢ - قوله: "لوزنتهن" يعني: لعدلتهن وغلبتهن؛ فهي أكثر وأرجح مما قلتِ باعتبار معنى ما قلت؛ إذ هي واقعة على أذكار كثيرة جدًّا، وشاملة لأعداد كبيرة.
٣ - قال العز بن عبد السلام عن الذي يأتي في التسبيح بلفظ يفيد عددًا كثيرًا؛
стр. 3982
كقوله: "سبحان الله عدد خلقه"، هل يستوي أجره في ذلك، وأجر من كرر التسبيح قدر ذلك العدد؟
فأجاب: قد يكون بعض الأذكار أفضل من بعض لعمومها وشمولها، واشتمالها على جميع الأوصاف السلبية، والذاتية، والفعلية؛ فتكون السلبية من هذا النوع أفضل من الكثير من غيره.
قال ابن علان: وصريح كلام العز بن عبد السلام: أنَّ أجر التكرار إذا اتَّحد النوع أفضل، ولا إشكال فيه؛ لئلا يلزم الأوصاف، وذلك مما تأباه قواعد الشرع الشريف.
وقال الجويني: لو نذر أن يصلي مائة ألف صلاة، لا يخرج من عهدة نذره بصلاة واحدة بالحرم المكي، وإن كانت تعدلها من حيث الثواب.
ومثله سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، فلا يخرج من عهدة نذره لو قرأها ثلاث مرَّات، عن نذره قراءة القرآن كله.
٤ - قوله: "سبحان الله وبحمده" جملة جمعت بين تنزيه الله ﵎ عن النقائص والعيوب، وإثبات الكمال المطلق لله تعالى، وذلك بالإقرار بمحامده التي لا نهاية لعدها وإحصائها.
٥ - قوله: "ورضا نفسه" يعني: يسبح ويحمد الله تعالى تسبيحًا وحمدًا -لكمالهما وإخلاصه فيهما- رِضا نفس الباري تعالى؛ فإنَّه تعالى لا يرضى من الأعمال إلاَّ ما ابتغي به وجه الله تعالى.
٦ - قوله: "وزنة عرشه" يعني: سبحان الله وبحمده تسبيحًا وحمدًا لو وزن لكان بكثرته وعظمته بقدر العرش العظيم.
٧ - قوله: "ومِدَاد كلماته" يعني: وله التسبيح والتحميد بعدد كلماته التي لو جعلت البحار مدادًا، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات الله تعالى وحكمته، ولو جيء بمثل البحر مدادًا، فكلامه وحكمته جلَّ وعلا لا تنفد؛ فله الحمد
стр. 3983
والتنزيه عن كل ما يزيد عدد، وقدر هذه الأعداد الكثيرة، والعظيمة، والساحات الواسعة.
٨ - حصل الترقي من عدد الخلق إلى رضا النفس، ومن زنة العرش إلى مداد الكلمات.
قال القرطبي: ذكر ﷺ هذه على جهة الكثرة التي لا تنحصر فيها؛ على أنَّ الذاكر لله تعالى بهذه الكلمات ينبغي له أن يكون بحيث لو تمكَّن من تسبيح الله، وتحميده، وتعظيمه عددًا لا يتناهى, ولا ينحصر، لفعل ذلك، فيحصل له من الثواب ما لا يدخل في حساب.
***
стр. 3984
١٣٥١ - وَعنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "البَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ: لاَ إِلهَ إلاَّ اللهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللهِ" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
صحَّحه ابن حبان، والحاكم في المستدرك، ووافقه الذَّهبي، والسيوطي في الجامع الصغير؛ لكن فيه درَّاج عن أبي الهيثم وهو ضعيف، لكن له شواهد عند الطبري، وذكرها السيوطي في الدر المنثور, فجعل الحديث حسنًا؛ ولذا قال الهيثمي: إسنادهُ حسن.
* مفردات الحديث:
- الباقيات الصالحات: هي الأعمال الصالحة التي لصاحبها أجرها وثوابها أبد الآباد.
- لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله: قال أهل اللغة: الحول: الحركة والحيلة، أي: لا حركة، ولا استطاعة، ولا حيلة إلاَّ بمشيئة الله تعالى؛ فلا حول في دفع شر، ولا قوَّة في تحصيل خير، إلاَّ بالله تعالى.
...
стр. 3985
١٣٥٢ - وَعنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَحَبُّ الكَلاَمِ إِلَى اللهِ أَرْبعٌ، لاَ يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلاَ إِلهَ إلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
١٣٥٣ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ، أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ؟ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
زَادَ النَّسَائيُّ: "لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إلاَّ إلَيْهِ" (٢).
ــ
* درجة الحديث:
زيادة النسائي صحيحة.
قال الحافظ ابن حجر: أخرجه النسائي، وصحَّحه ابن حبان، والحاكم.
وقال الحافظ العراقي: أخرجه النسائي، وابن حبان، والحاكم، وصحَّحه من حديث أبي سعيد، والنسائي، والحاكم، من حديث أبي هريرة دون قوله: "ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله".
قال المنذري: رواته ثقات محتج بهم، وقال الحافظ في الفتح: سنده قوي.
* مفردات الحديث:
- كنز: يقال: كنز المال يكنزه كنزًا: جَمَعَهُ وادَّخره، والكنز: هو المال
стр. 3986
المدخر، جمعُهُ: كنوز.
- لا ملجأ: يقال: لجأ يلجأ لجأً: لاذ واعتصم، فالملجأ هو مكان اللجوء.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - قوله: "الباقيات الصالحات" يعني: الأعمال الصالحة من أعمال الخير يبقى ثوابها محفوظًا عند الله تعالى لصاحبها أبدًا، بخلاف زينة الحياة الدنيا؛ فإنَّها زائلة.
جاء هذا الحديث في مسند الإِمام أحمد، برواية أخرى، عن أبي سعيد الخدري؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: "استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير، والتهليل، والتسبيح، والتحميد، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله".
٢ - قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله تعالى-: "الباقيات الصالحات تشمل جميع الطاعات الواجبة والمستحبة، من حقوق الله، وحقوق عباده؛ من صلاة، وزكاة، وصدقة، وصيام، وحج، وعمرة، وتسبيح، وتهليل، وقراءة، وطلب علم نافع، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وصلة رحم، وبرِّ الوالِدين، وقيام بحقوق الزوجات، وجميع وجوه الإحسان إلى الخلق، كل هذا من الباقيات الصالحات، فثوابها يبقى، ويتضاعف بعد الإدبار، ويؤمَّل أجرها، ونفعها عند الحاجة ... ".
٣ - فقوله: "لا إلله إلاَّ الله، وسبحان الله، والله أكبر، والحمد لله، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله" نموذجٌ كريمٌ للأعمال الصالحة، ومثالٌ طيِّبٌ لأحسن ما يدخل فيها من عملٍ كريمٍ؛ لأنَّ هذه الكلمات الطيبات أحب الكلام إلى الله تعالى، "ولا حول ولا قوَّة إلاَّ باللهِ" كنز من كنوز الجنة الثمينة.
٤ - هذه الجمل الكريمة تكاثرت الأحاديث في فضلها، وجاءت الأخبار الصحيحة في ثمارها، التي منها أنَّها رضا الرحمن، وأنَّها تسبب للعبد
стр. 3987
القرب من ربه، وأنَّ ربه يذكره في نفسه، وفي الملأ الأعلى، فيباهي ملائكته بالذاكرين، وأنَّها أفضل الذكر، وأنَّها غِراس الجنة، وهي سهلة النطق، كثيرة الأجر، عظيمة النفع.
٥ - أما معانيها: "فسبحان الله": هي تقديسه وتنزيهه عن العيوب والنواقص، وأعظم ما في ذلك: نفي الشريك له في ربوبيته، وإلاهيته، ونفي الشبيه له في أسمائه الحسنى وصفاته العلى.
وأما "الحمد لله": فإثبات جميع المحامد له، التي أهمها إثبات وحدانيته في إلاهيته وربوبيته، وإثبات ما جاء في كتابه وعلى لسان رسوله من الصفات الذاتية والفعلية، من غير تأويل لها, ولا تحريف، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا تشبيه، وإنما نثبت حقيقة الصفة له، وندع علم كيفيتها إليه تعالى.
وأما "لا إلله إلاَّ الله": فهي الكلمة العظيمة التي هي مفتاح الإِسلام وبابه، وهي عنوانه، وعلامته، وشارتُهُ، وهي الكلمة التي تنفي كل العبادة عن جميع المخلوقات، وتثبتها لله وحده لا شريك له؛ فلا معبود بحق سوى الله تعالى.
وأما "الله أكبر": فهي تثبت استحقاق الله وحده لصفات الجلال والعظمة والكبرياء.
٦ - قوله: "لا يضرك بأيهنَّ بدأت": فهذا دليل على جواز البداءة بأية جملة منهنَّ؛ لكن بالنظر إلى معاني هذه الجمل، فلعلَّه يحسن أن يقدِّم الذاكر: "سبحان الله"؛ لأنَّه تنزيه الله عن النقائص؛ فهو تخلية.
ثم "الحمد لله"؛ فهذا تحلية بعد تخلية، وهو إثبات المحامد، بعد التخلية من النقص.
ثم "لا إله إلاَّ الله"؛ فهذه نفي للمشاركة في المحامد الثابتة لله تعالى.
ثم "الله أكبر" فهو بعد التنزيه، وإثبات المحامد، ونفي الشريك:
стр. 3988
يستحق الإجلال، والإكبار، والتعظيم.
٧ - أما "لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله": فهي أنَّ العبد يتبرأ من كل حول، ومن كل قوَّة، ومن أي استطاعة، إلاَّ أن يكون المعين هو الله ؛ فهو صاحب الحول الكامل، وصاحب الطَّوْل والقوَّة.
وهذه الجملة الكريمة تثبت أنَّ للعبد إرادةً وقدرة حقيقتين، وفعلاً حقيقةً يفعل بها ما يشاء، ولكنها إرادة ومشيئة لا تخرج عن إرادة الله تعالى ومشيئته؛ فالله يطلب من عبده العمل الصالح، والعبد يريده ويعلمه، ويسأل الله الإعانة عليه، ويتبرأ من حوله وقوَّته وحده، ويضيفها إلى الله تعالى.
***
стр. 3989
باب الدعاء
مقدمة
الدعاء: بالمد، قال في المصباح: دعوتُ الله أدعوه دعاءً: ابتهلتُ إليه بالسؤال، ورغبتُ فيما عنده من الخير.
والدعاء نوعان:
١ - دعاء مسألة.
٢ - دعاء عبادة.
والمراد هنا هو الأول.
قال ابن القيم في الجواب الكافي:
الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه إذا نزل، أو يخفِّفه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن.
فإذا اجتمع مع الدعاء حضورُ القلب، وجمعيَّته بكليته على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة، وصادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الرب، وذُلًّا له، وتضرعًا، ورقةً، واستقبال القبلة، وكان على طهر، ورفع يديه إلى الله تعالى، وبدأ بالحمد، والثناء عليه، ثم ثنَّى بالصلاة على محمَّد عبده ورسوله ﷺ ، ثم قدَّم بين دعاء رغبة ورهبة، وتوسل إليه بأسمائه، وصفاته، وتوحيده، وقدم بين يدي دعائه صدقة-: فإنَّ هذا الدعاء لا يكاد يرد.
стр. 3990
لاسيَّما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي ﷺ أنَّها مظنة الإجابة، وأنَّها متضمنة للاسم الأعظم.
ولكن يهمنا أمر يجب التفطُّن له، وهو أنَّ الدعاء قد يتخلَّف أثره عن الداعي: إما لضعفه في نفسه، بأن يكون الدعاء لا يحبه الله؛ لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب، وعدم إقباله على الله وقت الدعاء، وإما لحصول مانع من الإجابة، من أكل الحرام، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والشَّهوة.
ومن الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء: أن يستعجل العبد، فيتباطأ الإجابة، فيحسر، ويدع الدعاء؛ ففي صحيح البخاري (٦٣٤٠) وصحيح مسلم (٢٧٣٥)؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: دعوت فلم يُسْتَجَبْ لي".
نسأل الله تعالى أن يقبل دعاءنا، ويصلح أعمالنا، إنَّه حميد مجيب، وصلى الله على نبيِّنا محمَّد، وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
***
стр. 3991
١٣٥٤ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبادَةُ" رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١).
وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: "الدُّعَاءُ مُخُّ العِبادَةِ" (٢).
ولَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ رَفَعَهُ: "لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعَاءَ" وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (٣).
ــ
* درجة الحديث:
حديث النُّعمان صحيح، وحديث أنس ضعيف.
قال النووي عن حديث النعمان: أسانيده صحيحة.
قال الشيخ صديق بن حسن في نزل الأبرار: رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن حبَّان، وصحَّحه الحاكم، والترمذي، أخرجه هؤلاء من حديث النُّعمان بن بشير بلفظ: "الدعاء هو العبادة".
وأخرج الترمذي من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء منع العبادة".
وقوله: "هُوَ العبادة" المقتضي للحصر، والآيةُ الكريمة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، تدل على أنَّ الدعاء من العبادة.
стр. 3992
وخلاصة القول: هو ما ذكره الحافظ العراقي بقوله: حديث النُّعمان بن بشير: أنَّ الدعاء "هو العبادة" أخرجه أصحاب السنن, والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وأما حديث: "الدعاء مخ العبادة" فأخرجه الترمذي من حديث أنس، وقال: غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلاَّ من حديث ابن لهيعة.
وضعَّفه السيوطي في الجامع الصغير.
وأما حديث أبي هريرة: فرواه أحمد، والترمذي، وصحَّحه ابن حبان، والحاكم.
* مفردات الحديث:
- مُخُّ العبادة: بضم الميم، وتشديد الخاء، قال في المصباح: خالص كل شيء مخه، ومخ العبادة: خالصها وأصلها؛ لما فيه من امتثال أمر الله تعالى؛ لقوله: ﴿ادْعُونِي﴾.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - اللفظ الأول: "الدعاء هو العبادة" أثبت أنَّ دعاء الله تعالى هو أصل عبادته التي تعبَّد الله بها خلقه، وخَلَقَهم من أجلها؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات].
وأما اللفظ الثاني: "الدعاء مخ العبادة" فأثبت أنَّ خالص العبادة وروحها هو دعاء الله تعالى؛ لأنَّ فيها امتثال أمره بقوله: ﴿ادْعُونِي﴾ ذلك أنَّ طالب الحاجة إذا علم أنَّ نجاح أموره لا يكون إلاَّ من الله تعالى، انقطع عما سواه، وأفرده، وأخلص له الدعاء بطلب الحاجات منه.
٢ - وأما قوله: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء": فقد جاء في هذا المعنى الكريم نصوص كثيرة، منها: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
стр. 3993
[البقرة: ١٨٦]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه].
وجاء في سنن أبي داود (١٤٨٨) والترمذي (٣٥٥٦) وابن ماجه (٣٨٦٥) من حديث سلمان الفارسي؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الله تعالى يستحيي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما، فيردهما خائبتين".
وجاء في صحيح مسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني".
٣ - الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة؛ ويراد به في القرآن هذا تارةً، وهذا تارةً أخرى، وقد يراد مجموعهما:
فدعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعي، من طلب نفع، أو كشف ضر.
وأما دعاء العبادة: فهو التوسل إلى الله تعالى لحصول مطلوبه، أو كف الشر عنه؛ بإخلاص العبادة له وحده.
٤ - قال شيخ الإِسلام: الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة.
وكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكلٍ دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة؛ قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١].
وأمثال هذا في القرآن كثير في دعاء المسألة، وهو يتضمن دعاء العبادة؛ لأنَّ السائل أخلص سؤاله لله، وذلك من أفضل العبادات، وكذلك ذاكر الله، والتالي لكتابه، فهو طالب من الله في المعناة فيكون دعاء عبادة.
٥ - وقال الشيخ -أيضًا-: المنتسب إلى الإِسلام في هذه الأزمان قد يمرق من الإِسلام لأسباب، منها: الغلو في بعض المشايخ، أو الغلو في علي بن أبي طالب، أو الغلو في المسيح، فكلُّ من غلا في نبيٍّ، أو رجلٍ صالحٍ، وجعل فيه نوعًا من الإلهية، حتى إنَّه يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، يستتاب، فإن تاب وإلاَّ
стр. 3994
قُتِل؛ فإنَّ الله سبحانه إنَّما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليُعْبَدَ وحده لا شريك له، ولا يُدْعَى معه آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل: المسيح، والملائكة، والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنَّها تخلق، أو تنزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم، أو يعبدون صورهم، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] , ويقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]؛ فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة.
٦ - وقال ابن القيم: ومن أنواع الشرك: طلب الحوائج من الميت، والاستعانة به، والتوجه إليه؛ وهذا أصل شرك العالم؛ فإنَّ الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، فضلاً عمَّن استغاث به، أو مسألة أن يشفع له إلى الله تعالى.
***
стр. 3995
١٣٥٥ - وَعَنْ أَنَسٍ -رَضِىَ اللهُ عنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ لاَ يُرَدُّ" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
صحيح الإسناد.
قال المناوي في فيض القدير: حسَّنه الترمذي، وقال العراقي: رواه النسائي في اليوم والليلة بإسناد جيد، وابن حبان، والحاكم وصححه.
* مفردات الحديث:
- الدعاء: أصله "دعاو" فألفه واو، فهو من دعوت، إلاَّ أن الواو لما جاءت بعد الألف صارت همزة، والدعاء: واحد الأدعية، ومعنى دعوت الله: ابتهلت إليه بالسؤال.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه الحث على الدعاء، وسؤال الله تعالى حاجات العبد ومطالبه؛ فقد قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى في الحديث القدسي: "مَن يدعوني فَأَسْتَجِيبَ له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" [رواه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨)].
٢ - ويدل الحديث على أنَّ ما بين الأذان وإقامة الصلاة وقتٌ فاضل يستجاب فيه الدعاء، ويسمع فيه النداء؛ فينبغي اغتنامه وسؤال الله تعالى فيه، لعلَّه أن يستجيب لعبده دعوة لا يشقى بعدها أبدًا.