← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

١٣٥٤ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبادَةُ" رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: "الدُّعَاءُ مُخُّ العِبادَةِ" (٢). ولَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ رَفَعَهُ: "لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعَاءَ" وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (٣). ــ * درجة الحديث: حديث النُّعمان صحيح، وحديث أنس ضعيف. قال النووي عن حديث النعمان: أسانيده صحيحة. قال الشيخ صديق بن حسن في نزل الأبرار: رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن حبَّان، وصحَّحه الحاكم، والترمذي، أخرجه هؤلاء من حديث النُّعمان بن بشير بلفظ: "الدعاء هو العبادة". وأخرج الترمذي من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء منع العبادة". وقوله: "هُوَ العبادة" المقتضي للحصر، والآيةُ الكريمة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، تدل على أنَّ الدعاء من العبادة.

стр. 3992

وخلاصة القول: هو ما ذكره الحافظ العراقي بقوله: حديث النُّعمان بن بشير: أنَّ الدعاء "هو العبادة" أخرجه أصحاب السنن, والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وقال الترمذي: حسن صحيح. وأما حديث: "الدعاء مخ العبادة" فأخرجه الترمذي من حديث أنس، وقال: غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلاَّ من حديث ابن لهيعة. وضعَّفه السيوطي في الجامع الصغير. وأما حديث أبي هريرة: فرواه أحمد، والترمذي، وصحَّحه ابن حبان، والحاكم. * مفردات الحديث: - مُخُّ العبادة: بضم الميم، وتشديد الخاء، قال في المصباح: خالص كل شيء مخه، ومخ العبادة: خالصها وأصلها؛ لما فيه من امتثال أمر الله تعالى؛ لقوله: ﴿ادْعُونِي﴾. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - اللفظ الأول: "الدعاء هو العبادة" أثبت أنَّ دعاء الله تعالى هو أصل عبادته التي تعبَّد الله بها خلقه، وخَلَقَهم من أجلها؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]. وأما اللفظ الثاني: "الدعاء مخ العبادة" فأثبت أنَّ خالص العبادة وروحها هو دعاء الله تعالى؛ لأنَّ فيها امتثال أمره بقوله: ﴿ادْعُونِي﴾ ذلك أنَّ طالب الحاجة إذا علم أنَّ نجاح أموره لا يكون إلاَّ من الله تعالى، انقطع عما سواه، وأفرده، وأخلص له الدعاء بطلب الحاجات منه. ٢ - وأما قوله: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء": فقد جاء في هذا المعنى الكريم نصوص كثيرة، منها: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

стр. 3993

[البقرة: ١٨٦]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه]. وجاء في سنن أبي داود (١٤٨٨) والترمذي (٣٥٥٦) وابن ماجه (٣٨٦٥) من حديث سلمان الفارسي؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الله تعالى يستحيي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما، فيردهما خائبتين". وجاء في صحيح مسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني". ٣ - الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة؛ ويراد به في القرآن هذا تارةً، وهذا تارةً أخرى، وقد يراد مجموعهما: فدعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعي، من طلب نفع، أو كشف ضر. وأما دعاء العبادة: فهو التوسل إلى الله تعالى لحصول مطلوبه، أو كف الشر عنه؛ بإخلاص العبادة له وحده. ٤ - قال شيخ الإِسلام: الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة. وكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكلٍ دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة؛ قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]. وأمثال هذا في القرآن كثير في دعاء المسألة، وهو يتضمن دعاء العبادة؛ لأنَّ السائل أخلص سؤاله لله، وذلك من أفضل العبادات، وكذلك ذاكر الله، والتالي لكتابه، فهو طالب من الله في المعناة فيكون دعاء عبادة. ٥ - وقال الشيخ -أيضًا-: المنتسب إلى الإِسلام في هذه الأزمان قد يمرق من الإِسلام لأسباب، منها: الغلو في بعض المشايخ، أو الغلو في علي بن أبي طالب، أو الغلو في المسيح، فكلُّ من غلا في نبيٍّ، أو رجلٍ صالحٍ، وجعل فيه نوعًا من الإلهية، حتى إنَّه يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، يستتاب، فإن تاب وإلاَّ

стр. 3994

قُتِل؛ فإنَّ الله سبحانه إنَّما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليُعْبَدَ وحده لا شريك له، ولا يُدْعَى معه آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل: المسيح، والملائكة، والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنَّها تخلق، أو تنزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم، أو يعبدون صورهم، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] , ويقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]؛ فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة. ٦ - وقال ابن القيم: ومن أنواع الشرك: طلب الحوائج من الميت، والاستعانة به، والتوجه إليه؛ وهذا أصل شرك العالم؛ فإنَّ الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، فضلاً عمَّن استغاث به، أو مسألة أن يشفع له إلى الله تعالى. ***

стр. 3995

١٣٥٥ - وَعَنْ أَنَسٍ -رَضِىَ اللهُ عنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ لاَ يُرَدُّ" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ (١). ــ * درجة الحديث: صحيح الإسناد. قال المناوي في فيض القدير: حسَّنه الترمذي، وقال العراقي: رواه النسائي في اليوم والليلة بإسناد جيد، وابن حبان، والحاكم وصححه. * مفردات الحديث: - الدعاء: أصله "دعاو" فألفه واو، فهو من دعوت، إلاَّ أن الواو لما جاءت بعد الألف صارت همزة، والدعاء: واحد الأدعية، ومعنى دعوت الله: ابتهلت إليه بالسؤال. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه الحث على الدعاء، وسؤال الله تعالى حاجات العبد ومطالبه؛ فقد قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى في الحديث القدسي: "مَن يدعوني فَأَسْتَجِيبَ له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" [رواه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨)]. ٢ - ويدل الحديث على أنَّ ما بين الأذان وإقامة الصلاة وقتٌ فاضل يستجاب فيه الدعاء، ويسمع فيه النداء؛ فينبغي اغتنامه وسؤال الله تعالى فيه، لعلَّه أن يستجيب لعبده دعوة لا يشقى بعدها أبدًا.

стр. 3996

٣ - الحكمة في استجابة الدعاء في هذا الوقت -والله أعلم- أنَّ الإنسان ما دام ينتظر الصلاة فهو في صلاة، والصلاة موطن استجابة الدعاء؛ لأنَّ العبد يناجي ربه فيها. ٤ - قال شيخ الإِسلام: الدعاء في آخر الصلاة قبل الخروج منها مشروع بالسنة المستفيضة، وإجماع المسلمين، وعامة الأدعية المتعلِّقة بالصلاة إنَّما فعلها ﷺ فيها، وأمر بها فيها، وهو اللائق بحال المصلي المقبل على ربه يناجيه، فيستحيب من الدعاء أحبه إليه، وليكن بخشوع وأدب، فإنَّه لا يستجاب الدعاء من القلب الغافل. ***

стр. 3997

١٣٥٦ - وَعنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ رَبكمْ حَييٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا" أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إِلاَّ النَّسَائيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: صحيح الإسناد. قال صديق بن حسن: أخرجه أبو داود، والترمذي وحسَّنه، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه, والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين من حديث سلمان، وأخرجه أيضًا البيهقي، وقال الحاكم: صحيح الإسناد من حديث أنس. وقال الذَّهبي: هذا حديث مشهور رواه عن النبي ﷺ عدد من الصحابة، منهم: علي، وابن عمر، وأنس. * مفردات الحديث: - حَييٌّ: يقال: حَيِيَ منه حياءً، فهو حَيِيٌّ، والحياء: صفة ثابتة لله تعالى، نؤمن بحقيقتها على ما يليق بجلاله، ونكل علم كيفيتها إلى الله. - صِفْرًا: بكسر الصاد، أي: خالية، والمعنى: لم يعطه ما مسألة. قال في المصباح: صِفْر وزانُ حِمْلٍ، وهو صفر اليدين ليس فيهما شيء، مأخوذ من الصفير: وهو الصوت الخالي عن الحروف. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على مشروعية رفع اليدين في الدعاء، ورفع اليدين بالدعاء من

стр. 3998

المسائل التي تواترت فيها الأحاديث تواترًا معنويًّا؛ فقد روي منها عن النبي ﷺ نحو مائة حديث، لكنَّها في مواضع مختلفة، فكل واحد منها لم يتواتر لفظًا، وإنما القدر المشترك بينها هو رفع اليدين في الدعاء؛ فهو متواتر باعتبار مجموع الطرق الدال كل منها على مسألة بعينها. ٢ - حكمة رفع اليدين أثناء الدعاء: إظهار الافتقار والفاقة أمام الغني الكريم، وتفاؤلاً في أن يضع فيهما جلَّ وعلا الحاجة المطلوبة منه. ٣ - لذا فإنَّه من كرمه، وجوده، وعطفه على عبده السائل يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا خاليتين من العطاء؛ فإنَّه يجود عليه، فيعطيه حاجته، ومطلبه؛ فهو الكريم الجواد. ***

стр. 3999

فصل في اداب الدعاء قال النووي في الأذكار: إنَّ المذهب المختار الذي عليه الفقهاء، والمحدِّثون، وجماهير العلماء من الطوائف كلها، من السلف والخلف: أنَّ الدعاء مستحبٌّ؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. ١ - فمن آدابه -وهو آكدها-: تجنب الحرام مأكلًا، وملبسًا، ومشربًا، ووجه ذلك: أنَّ ملابسة المعصية مقتضية لعدم الإجابة، إلاَّ إذا تفضَّل الله على عبده، وهو ذو الفضل العظيم. ٢ - ومنها: الإخلاص لله، وهذا الأدب هو أعظم الآداب في إجابة الدعاء؛ لأنَّ الإخلاص هو الذي تدور عليه دوائر الإجابة، وقال : ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، فمتى دعا ربه غير مخلص، فهو حقيق بأن لا يُجاب له، إلاَّ أن يتفضل الله عليه، فهو ذو الفضل العظيم. ٣ - ومنها: الوضوء. ٤ - ومنها: استقبال القبلة؛ ووجه ذلك: أنَّها الجهة التي يتوجه إليها العابدون لله ، والعابدات له، والمتقربات، والمتقربون إليه. ٥ - ومنها: الثناء على الله . ٦ - ومنها: الصلاة على نبيه ﷺ . ٧ - ومنها: بسط اليدين، ورفعهما حذو المنكبين. ٨ - ومنها: التأدب، والخشوع، والمسكنة، والخضوع، وهذا المقام أحق المقامات بهذه الأوصاف؛ لأنَّ المدعو هو رب العالم، وخالق الخلق، ورازق الكل، وفي ذلك تسبُّب للإجابة؛ لأنَّ العبد إذا خشع وخضع، رحمه

стр. 4000

الله، وتفضل عليه بالإجابة ومن ذلك: قول الله : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]. ٩ - ومنها: أن يسأل الله بأسمائه العظام الحسنى، وبالأدعية المأثورة؛ ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ١٠ - ومنها: الاعتراف بالذنوب. ١١ - ومنها: أن يسأل بعزمٍ ورغبةٍ، وجدٍّ واجتهادٍ. ١٢ - ومنها: إحضار القلب، وتحسين الرجاء. ١٣ - ومنها: تكرير الدعاء، والإلحاح فيه. ١٤ - ومنها: أن لا يستعجل، فيقول: قد دعوت فلم يُسْتجب لي، ووجهه ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله ﷺ قَال: "يُسْتَجَابُ لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي". ١٥ - ومنها: أن يترصد الأوقات الشريفة. ١٦ - ومنها: أن يغتنم الأحوال الشريفة؛ كحالة السجود، ونزول الغيث. ١٧ - ومنها: أن يدعو بلسان الذلَّة والافتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق. ***

стр. 4001

فصل في أوقات الإجابة وأحوالها منها: ليلة القدر، ومنها: يوم عرفة، ومنها: شهر رمضان، ومنها: ليلة الجمعة، ومنها: يوم الجمعة، وساعة الجمعة. ومنها: جوف الليل؛ يدل عليه ما أخرجه الترمذي (٣٤٩٩) وحسنه من حديث أبي أمامة قال: "قيل: يا رسول الله! أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل، ودبر الصلوات". والدبر يشمل الدعاء بعد التشهد الأخير في نفس الصلاة، وبعد التحلل منها بالسلام. ومنها: عند النداء بالصلاة؛ لما أخرج مالك في الموطأ (١٥٥)، وأبو داود (٢٥٤٠) من حديث سهيل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : "اثنتان لا تردان: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلتحم بعضهم بعضًا". وبين الأذان والإقامة، ودبر الصلوات المكتوبات، وفي السجود. ***

стр. 4002

١٣٥٧ - وَعنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا مَدَّ يَدَيْهِ في الدُّعَاءِ، لَمْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (١)، وَلَهُ شَواهِدُ مِنْهَا: حَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ (٢)، وَمَجْمُوعُهَا يَقْضِي بِأَنَّهُ حَدِيث حَسَنٌ. ــ * درجة الحديث: قال الحافظ: حديث حسن، وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: ضعيف. قال الشيخ صديق بن حسن: أخرجه الترمذي من حديث عمر بن الخطاب، قال: كان ﷺ ... الحديث، وفي سنن أبي داود عن ابن عباس عن النبي ﷺ نحوه. قال النووي: في إسناد كل واحد رجل ضعيف، وقول الحافظ عبد الحق: إنَّ الترمذي قال في الحديث الأول: إنَّه حديث صحيح، فليس في النسخ المعتمدة من الترمذي أنَّه صحيح، بل قال: حديث حسن غريب. قلتُ: ولكن الغريب قد يكون من أنواع الصحيح، وله شواهد مجموعها يعضد بعضها بعضاً، وبهذا يقوى الحديث بمجموع طرقه، واختار قوته جمع من العلماء، منهم: إسحاق، والنووي في أحد قوليه، وابن حجر، والمناوي، والصنعاني، والشوكاني، وغيرهم.

стр. 4003

* ما يؤخذ من الحديث: يدل الحديث على مشروعية مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء؛ وفي هذا تفاؤل بأنَّ الله تعالى استجاب دعاء السائل مطلوبه، فإعطاء مسؤوله بيديه الممدودتين، وبعد امتلائهما من عطاء الله تعالى وجُووِهِ، أفرغ خير الله على وجهه، والله عند حسن ظن عبده به. ***

стр. 4004

١٣٥٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَليَّ صَلاَةً" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال صديق بن حسن خان في كتابه "نُزُل الأَبْرَار": أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن، وأخرجه ابن حبان، وقال: صحيح، وفي إسناده موسى بن يعقوب الزمعي، وقد وثقه ابن معين، وأبو داود؛ فلا يضر وجوده في السند بصحته حيث وثق. قال الترمذي: وفي الباب عن ابن عوف، وعامر، وعمار، وأبي طلحة، وأنس، وأبي بن كعب، ﵃. * مفردات الحديث: - أولى الناس بي: أقربهم إليَّ، وأحقهم بشفاعتي. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قوله ﷺ : "إنَّ أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة" معناه: إنَّ أولى الناس بشفاعة النبي ﷺ ، وأحقهم بالقرب منه أكثرهم عليه صلاة في الدنيا. ٢ - وقد جاء في فضل الصلاة على النبي ﷺ نصوص كثيرة؛ فمن القرآن: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب].

стр. 4005

٣ - ما جاء في الترمذي (٣٥٤٦) وابن حبان (٣/ ١٨٩)، من حديث الحسين بن علي؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "البخيل من ذُكِرْتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ". فهذا كامل البخل بما لا نقص عليه فيه ولا مؤنة، مع كون الأجر عظيمًا. ٤ - وجاء في الترمذي (٣٥٤٥) وابن حبان (٣/ ١٨٩)، من حديث أبي هريرة أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: "رغم أنف رجل ذكرتُ عنده فلم يصل عليَّ". ومعناه: لصق أنف امرىء بالتراب، وهان وذل رجل -أو امرأة- ذُكرتُ عنده فلم يجلَّني، ولم يقدرني بالصلاة والسلام عليَّ، وإنَّما أعطى إعراضًا وتغافلاً. ٥ - وجاء في مسلم (٣٨٤)، من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَن صلى عليَّ صلاة واحدة، صلى الله عليه بها عشرًا". ففي الحديث الفضيلة العظيمة والمنقبة الكبيرة لمن صلى على النبي ﷺ مرَّة واحدة، بأنَّ الله تعالى يجازيه من جنس عمله، ولكنه أكثر وأفضل، وهو أنَّ الله يصلِّي عليه، ويعطيه بدل الصلاة الواحدة عشر صلوات من عنده تعالى. ٦ - وما أخرجه النسائي (١٢٨٢)، وابن حبان (٣/ ١٩٥)، من حديث ابن مسعود أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ لله ملائكة سياحين، يبلغوني عن أمتي السلام"؛ ففيه دليل على أنَّ سلام أمته يبلغه ﷺ من البعيد عنه؛ كما يبلغه من القريب. ٧ - وجاء في الطبراني من حديث علي: "كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد"، والحديث جاء مرفوعًا وموقوفًا, ولكن الموقوف له حكم الرفع، لأنَّ هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه. * الفوائد الحاصلة بالصلاة على النبي ﷺ : قال ابن القيم في كتابه: "جلاء الأفهام، في الصلاة والسلام، على خير الأنام": في الصلاة على النبي ﷺ فوائد: الأولى: امتثال أمر الله تعالى بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ

стр. 4006

وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب]. الثانية: حصول عشر صلوات من الله على المصلِّي مرَّة. الثالثة: أنه يرجى إجابة دعائه إذا قدَّمها أمامه، وكان موقوفًا بين السماء والأرض قبلها. الرابعة: أنَّها سبب لغفران الذنوب، وسبب لكفاية الله عبده ما أهمه. الخامسة: أنَّها سبب لقضاء الحاجات. السادسة: أنَّها سبب لطيب المجلس، وأن لا يعود حسرة على أهله يوم القيامة. السابعة: أنَّها سبب لدوام محبته وزيادتها. الثامنة: أنَّها سبب لهداية العبد، وحياة قلبه. التاسعة: أنَّها أداء لأقل القليل من حقه الذي له علينا. العاشرة: أنَّها تنفي عن العبد اسم البخل إذا صلى عليه عند ذكره ﷺ . ثم قال أيضًا -رحمه الله تعالى-: الصلاة من الله على عباده نوعان: عامة، وخاصة: أما العامة: فهي صلاته على عباده المؤمنين؛ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]. أما الخاصة: فهي صلاته على أنبيائه ورسله. واختلف العلماء في معنى الصلاة منه سبحانه، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّها رحمته؛ وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين. الثاني: أنَّها مغفرته؛ وهذا القول من جنس الذي قبله، وهما ضعيفان. الثالث: أنَّ معنى الصلاة عليه من الله: هو الثناء على الرسول، والعناية به، وإظهار شرفه، وفضله، وحرمته. وهذا حاصل من صلاة العبد، لكن يريد ذلك من الله ، والله سبحانه يريد ذلك من نفسه أن يفعله برسوله.

стр. 4007

١٣٥٩ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ العَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي، وَأنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ" أَخْرَجَهُ البُخَاريُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - سيِّد الاستغفار: السيد يقال في الأصل للرئيس الذي يُقْصَد للحوائج، وصار هذا الاستغفار سيدًا؛ لأنَّ فيه الإقرار لله وحده بألوهيته، وعلى نفسه بالعبادة، والاعتراف بالخالق، والإقرار بالعهد، والرجاء بما وعد به، والاستعاذة مما جنى به على نفسه، وإضافة النعم إلى مُوجِدِها، وإضافة الذنب إلى نفسه، واعترافه بأنَّه لا يقدر على ذلك إلاَّ هو، إلى غير ذلك من بديع المعاني. - على عهدك: أي: ما عاهدتك عليه، وواعدتك من الإيمان, وإخلاص الطاعة لك، وقيل: العهد ما أخذ في عالم الذر. - ما استطعت: أي: مدَّة دوام استطاعتي، وفيه اعتراف بالعجز والقصور. - أبوء بنعمتك، وأبوء بذنبي: أعترف وألتزم لك، قال الطيبي: اعترف بأنه أنعم عليه، ولم يقيده؛ ليشمل كل الإنعام، ثم اعترف بالتقصير، وأنَّه لم يقم بأداء شكر النعم عليه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - سمى النبي ﷺ هذا الحديث العظيم: سيد الاستغفار؛ لما احتوى عليه من

стр. 4008

معاني التوبة والتذلل، مما ليس في غيره من أحاديث التوبة والاستغفار. ٢ - قال الطيبي: لما كان هذا الدعاء جامعًا لمعاني التوبة، استعير له اسم السيد الذي هو في الأصل الرئيس الذي يُقصد إليه في الحوائج، ويُرجع إليه في الأمور. ٣ - وقال ابن أبي جمرة: جمع هذا الحديث من بديع المعاني، وحسن الألفاظ ما يحق له أن يسمى بسيِّد الاستغفار. ٤ - اشتمل هذا الحديث السيد الشريف على اعترافات ترجع إلى الله تعالى بما يستحقه من العظمة والإجلال، وترجع إلى العبد بما يجب عليه من الذل، والخضوع، والانكسار. ٥ - فيه الإقرار لله تعالى بالربوبية، وذلك أنه تعالى هو الخالق، الرازق، المعطي، المانع، القابض، الباسط، المحيي، المميت، المدبِّر لجميع الأمور. ٦ - وفيه الإقرار له بالعبودية، والإلهية، والوحدانية، وأنَّه المألوه المعبود المقصود. ٧ - وفيه الإقرار والاعتراف من العبد لربه ومعبوده، بأنَّه العبد، المطيع، الخاضع، الذليل أمام ربه، وخالقه، ورازقه، ومعبوده. ٨ - وفيه إقرار العبد بأنَّه ملتزم بالوفاء بالعهد الذي أخذه ربه عليه بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ [الأعراف]. ٩ - قوله: "ما استطعت" وعد بالقيام بعهد الله تعالى بقدر الاستطاعة والطاقة، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم" [رواه البخاري ومسلم]؛ فلا يكلف الله نفسًا إلاَّ وسعها. وهو أيضًا: إقرار واعتراف من العبد لربه بالعجز والتقصير، بأن يعبده حق عبادته.

стр. 4009

١٠ - قوله: "أعوذ بك من شر ما صنعت" قال ابن القيم: أعوذ، بمعنى: ألتجيء وأعتصم وأتحرز، فالمستعيذ مستتر بمُعَاذ، ومستمسك به، ومعتصم به، والاستعاذة بقلب المؤمن معنى قائم وراء هذه العبارة التي ليست إلاَّ إشارة وتفهيمًا، وإلاَّ فما يقوم بالقلب حينئذٍ من الالتجاء، والاعتصام، والانطراح بين يدي الرب، والافتقار إليه، والتذلل بين يديه، أمرٌ لا تحيط به العبارة. ١١ - وقال أيضًا: المستعاذ به هو الله وحده الذي لا ينبغي الاستعاذة إلاَّ به، فلا يُستعاذ بأحد من خلقه؛ فهو الذي يعيذ المستعيذين ويعصمهم ويمنعهم من شر ما استعاذوا من شره، وقد أخبر الله تعالى في كتابه عمن استعاذ بخلقه أن استعاذته زادته طغيانًا. ١٢ - أنواع الشرور المستعاذ منها لا تخلو من قسمين: إما شر وقع به من غيره، وإما ذنوب وقعت منه يعاقب عليها؛ فيكون وقوع ذلك بفعله وقصده وسعيه، ويكون هذا الشر هو الذنوب وموجباتها، وهو أعظم الشرين، وأدومهما، وأشرهما اتصالاً بصاحبه. والذنوب التي يستعيذ منها بهذا الحديث الشريف: هي من فعل العبد وقصده؛ فهو يستعيذ من شرها؛ لأنَّها موجبة للعقاب وللعقوبة، إلاَّ أن يعيذه ربه، ويغفر له، ويرحمه، وأقوى سبب لمنع شرها: التوبة النصوح. ١٣ - قوله: "أبوء لك بنعمتك عليَّ" هذا إقرارٌ واعتراف بنعم الله تعالى على عباده، بأنَّه وحده المنعم المتفضل، وأنَّه المستحق للحمد والشكر على نعمه التي لا تحصى، وإفضاله الذي لا يحد ولا يعد. ١٤ - وفي الحديث دليل على أنَّ المقاصد لا ينبغي أن تطلب إلاَّ بوسائلها الصحيحة, وأسبابها الموصلة، أما التعلُّل بالخرافات، والبدع، والتوسُّلات الشركية والبدعية، فهي لا تزيد الإنسان من ربه إلاَّ بعدًا.

стр. 4010

١٣٦٠ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَعُ هَؤلاَءِ الكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ العَافِيةَ في دِينِي، وَدُنْيَايَ، وَأَهْلِي، وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، وَاحْفَظْنِي مِنْ بيْنِ يَدَيَّ، وَمنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال الشيخ صديق حسن: أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. قال النووي في الأذكار: روي بالأسانيد الصحيحة. وأخرجه ابن حبان، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. * مفردات الحديث: - العافية: الصحة التامة في البدن، والسلامة التامة في أمر الدين، والسلامة من المعاصي والبدع، والسلامة في الدنيا من شرورها ومصائبها. - عَوْرَاتي: جمع عورة، والعورة: كل ما يُسْتَحْيَا منه إذا ظهر من الذنوب والعيوب. - روعاتي: جمع روعة، يقال: راعه يروعه روعًا: أفزعه؛ فالروع: الفزع. - عظمتك: عظمة الله تعالى: صفة جليلة من صفاته العلى؛ فهو موصوف

стр. 4011

بالعظمة الكاملة، والقدرة النافذة، فله الكبرياء والعظمة المطلقة، فالسائل يستعيذ ويلتجيء من الشرور، بعظمة الله تعالى، وقدرته المحيطة بكل شيء. - أَنْ أَغْتَال: اغتاله: أخذه من حيث لا يدري فأهلكه، من الاغتيال، وهو: أخذ الشيء خفية. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذه الأدعية الكريمات كان ﷺ لا يدعها صباحًا ولا مساءً؛ لتكون حصنًا من الآفات، وحرزاً من الشرور، وأمانًا من المكاره؛ فعلى المسلم أن يلازمها، ولا يدعها؛ اقتداء بنبيه ﷺ ، وحفظًا لنفسه من الشرور وأسبابها. ٢ - ففيها سؤال الله تعالى العافية في الدين؛ من المعاصي، والابتداع، وترك الواجبات. أما العافية في الدنيا: فالسلامة من شرورها، ومصائبها، وغوائلها، والانهماك فيها، والغرور بها، وما تجرّه من الغفلة ونسيان الآخرة. وأما العافية في الأهل: فسلامة أديانهم من الشهوات والشبهات، وسلامة أبدانهم من الأمراض والأسقام، وسلامة قلوبهم من فتنة الدنيا، والانهماك فيها دون غيرها، مما ينقصهم في حياتهم الأبدية. ٣ - "استر عوراتي": يسأل ربه ستر عورته، بأن يستر أعماله القبيحة عن الناس، ثم يمن عليه بالتوبة منها، والسلامة من فضيحتها، وخزيها في الدنيا والآخرة، ويشمل طلب الرزق بكسوة يتجمَّل بها. ٤ - "وآمن روعاتي": يكون التأمين من فجائع الدنيا، ومصائبها، وحوادثها المروعة، ويكون من روعات يوم القيامة، وهو أعظم الأمرين، ففي أهوال يوم القيامة ما يذهل كل مرضعة عما أرضعت: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ٢].

стр. 4012

٥ - ويسأله حفظًا كاملًا، وصيانةً تامةً، تحيط به من جميع الجهات؛ فلا تخلص إليه الشرور، ولا تصل إليه المصائب، فيحاط بحصن الله تعالى من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه. ٦ - ويستعيذ ويلتجيء إلى ربه بأن لا يغتال من تحته من حيث لا يشعر، فيخسف به كما خسف بقارون، أو يغرق كما أغرق فرعون، أو يأتيه حادث مروِّع من حوادث المعدات الثقيلة أو الخفيفة، والله أعلم. ***

стр. 4013

١٣٦١ - وَعنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - زوال نعمتك: الزوال: التحول والانتقال، وأما النعمة: فهي المنفعة المعمولة للغير على جهة البر والإحسان. - تحَوُّل عافيتك: تحول العافية: هو انتقالها، فلا تنتقل إلى ضدها، وهو المرض. - فَجْاَة نِقْمَتِكَ: بفتح الفاء، وسكون الجيم، مقصور، ويقال: بضم الفاء، وفتح الجيم، والمد "فُجَاءَة"، وهي: الأخذ بغتة من غير توقُّع. ...

стр. 4014

١٣٦٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبْةِ الدَّيْنِ، وَغَلَبْةِ العَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ" رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذَّهبي، وقال الحافظ زين الدين العراقي في حاشيته على الإحياء: أخرجه النسائي، والحاكم من حديث عبد الله بن عمر، وقال: صحيح على شرط مسلم. * مفردات الحديث: - غلبة: يقال: غلبه يغلبه غلبًا، وغلبه: قهره واعتزَّ عليه. - شماتة: يقال: شمت بعدوه يشمت شماتة: فرح ببليَّته، فهو شامت. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - هذان الحديثان اشتملا على أدعية نبوية شريفة، والأدعية النبوية هي أشرف الأدعية؛ لما تشتمل عليه من المعاني السامية، والمطالب العالية، وما فيها من شرف الألفاظ، وجمع المعاني الكثيرة بالجمل القليلة. ٢ - قوله: "اللَّهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك": الأمور كلها بيد الله تعالى؛ فهو المعطي، وهو المانع، لا رادَّ لأمره، فالاستعاذة والاعتصام من زوال النعم هي في موقعها؛ وواقعة موضعها، فهو يسأل معطيها أن لا يزيلها، وزوالُ النعم يكون غالبًا بسبب الذنوب، فهو يسأل ضمنًا العصمة من الذنوب التي هي سبب زوال النعم.

стр. 4015

قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]. ٣ - قوله: "وتحوُّل عافيتك" فيه الاستعاذة بالله تعالى من أن ينقل العافية منه إلى غيرها، ويسأله بقاءها سابغة عليه، وهي تشمل العافية في الدين، والبدن، والوطن، والأهل، والمال، بأن تبقى سالمة مما يطرأ عليها فيزيلها، أو يهلكها، أو يذهبها. ٤ - وقوله: "وفجأة نقمتك" الفجأة: هي البغتة التي تأخذ الإنسان من حيث لا يكون عنده سابق إنذارٍ وإخطارٍ وتحذير، فيؤخذ من مأمنه، حينما تفجؤه النقمة، ويبغته العذاب، ولات حين مناص ولا مفر. ٥ - قوله: "وجميع سَخَطِك" تعميم بعد تخصيص، فهو يستعيذ بالله تعالى، ويعتصم من جميع الشرور والأمور التي توجب سخط الله تعالى، والذي يسخطه جلَّ وعلا على عباده: هو عموم المعاصي والذنوب، من انتهاك المحرَّمات أو ترك الواجبات، والله أعلم. ٦ - وقوله: "اللَّهمَّ إني أعوذ بك من غلبة الدَّين" الدَّيْنُ الغالب الظاهر هو الدين الذي ليس عند المدين ما يقضيه به، أما إذا كان عند المدين ما يفي به الدين، فهذا دين ليس بغالب. ٧ - الدَّيْنُ إذا غلب يسبِّب الهم والغم، ويكون صاحبه في قلق وتعب بدني وقلبي وفكري، وهذا هو ما استعاذ منه؛ لأنَّ حقوق الآدميين مبنية على الشح. ولذا استعاذ النبي ﷺ من المَغْرَم وهو الدَّين، وقال ﷺ مبينًا آثار الدين السيئة، وعواقبه الوخيمة: "إنَّ الرجل إذا غرم، حدث فكذب، ووعد فأخلف" [رواه البخاري (٨٣٢) ومسلم (٢٥٨٩)]. ٨ - أما غلبة العدو: فهي تسبب لصاحبها الذلَّة، والمهانة، والحقارة؛ فإنَّ العدو لا يرحم، ولا يشفق، وإنما يقسو ويعثو.

стр. 4016

والقسوة قد تسبب جلاء عن الديار، أو هلاكًا في الأعمار، أو استيلاءً على الأموال، أو غير ذلك من أنواع المضار التي يتعسفها العدو الغالب. وتأمل -أيها القاريء الكريم- ما تفعله دولة إسرائيل العدو في المسلمين من استيلاء على بلدانهم، وتشريد لزعمائهم، وقتل لأبريائهم، وتعذيب لما تحت أيديهم منهم، وانظر إلى الأقليات الإِسلامية؛ كيف هم مضطهدون تحت سيطرة أعدائهم؛ نسأل الله أن يعز الإِسلام والمسلمين. ٩ - "شماتة الأعداء" هو فرحهم بما يصيب الإنسان من نكبة في بدنه، أو أهله، أو ماله، أو سُمعته، أو غير ذلك من نكبات الحياة ومصائبها؛ فإنه ﷺ يستعيذ بالله تعالى، ويرشد أمته إلى الاستعاذة من هذه الشرور التي تسبب وينتج عنها هذه الأمور السيئة. ***

стр. 4017

١٣٦٣ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: "سَمعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أنَّك أَنْتَ اللهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ، الأَحَدُ، الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَقَدْ سَأَلَ الله بِاسْمِهِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أُعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ" أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال الشوكاني في تحفة الذاكرين: أخرجه أهل السنن الأربع، وابن حبان، وهو من حديث بريدة، وحسَّنه الترمذي، وصحَّحه ابن حبان، وأخرجه أيضًا من حديث بريدة الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما. قال المنذري: قال شيخنا أبو الحسن المقدسي: إسناده لا مطعن فيه. وقال ابن حجر: إنَّ هذا الحديث أرجح ما ورد في الاسم الأعظم من حيث السند. وحسَّنه السخاوي كما في الفتوحات الربانية. * مفردات الحديث: - الأحد: أي: الواحد الذي ليس له شريك في الألوهية، والربوبية، والأسماء، والصفات؛ فهو منزه الذات والصفات جلَّ وعلا. - الصمد: هو السيد الذي يَصْمُدُ إليه الخلق في الحوائج، ويقصدونه في

стр. 4018

المطالب، مِن صَمَدَ إليه، بمعنى قصده؛ فهو فَعَلٌ بمعنى مفعول. - كُفُوًا أحد: الكفء: هو الشبيه، والمثيل، والنظيرة فهو جلَّ وعلا ليس له من خلقه مكافئىٌ، ولا مماثلٌ، ولا نظيرٌ، ولا شبيهٌ. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قوله: "أسألك بأنَّي أشهد أنك أنت الله" هذا قسم استعطافي وتضرعي، ومعناه: أسألك باستحقاقك لهذه الصفات، ولم يذكر المسؤول والمطلوب بهذه التوسِّلات؛ لعدم الحاجة إلى ذكره. ٢ - قوله: "بأني أشهد أنَّك أنت الله لا إله إلاَّ أنت" هذا من باب التوسُّل بالأعمال الصالحة، وهو منع التوسل الجائز، بل المستحب؛ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وليس في الذكر أفضل من هذه الجملة الكريمة؛ لما اشتملت عليه من الشهادة بإفراده تعالى بالعبادة، ونفي الشريك عنه. وتقدم شرح هذه الجملة العظيمة. ٣ - "الأحد" الواحد وحدانيةً حقيقيةً في ربوبيته، وفي ألوهيته، وفي ذاته، وفي صفاته، فقد انحصرت فيه الأحدية، فهو الأحد المنفرد بالكمال المطلق. ٤ - "الصمد" الذي تصمُدُ إليه جميع الخلائق، وتقصده لقضاء حوائجها؛ فالعالم العلوي والسفلي مفتقرون إليه غاية الافتقار، ويرغبون إليه في مهماتهم؛ لأنَّه القادر على قضائها. قال الشيخ محمد رشيد رضا: فلو أنَّ مبتدعة عُبَّاد القبور، وأسرى الخرافات يفقهون معنى هذه الحكمة، ويؤمنون بها إيمانًا صحيحًا يملك قلوبهم، لَمَا صَمَدَ أَحَدٌ منهم إلى قبر أحد من الصالحين، ولا إلى دَجَّالٍ يدَّعي استخدام الجن، وتسخير الشياطين؛ ليقضي له ما عجز عنه من منافعه ومصالحه، أو من دفع الأذى عن نفسه وأهله، فإنَّ هؤلاء -أحياءً وأمواتًا-

стр. 4019

عاجزون كلُّهم عما يظنه الجاهلون بهم من التصرُّفِ في عالم الغيب والشهادة. ٥ - "لم يلد ولم يولد"؛ فهو جلَّ وعلا لكمال غناه، وعدم افتقاره إلى غيره، لم يصدر عنه ولد، ولم يصدر هو عن شيء؛ لاستحالة نسبة العلم إليه سابقًا ولاحقًا؛ ولو كان مولودًا، لكان مسبوقًا بالعلم؛ لأنَّ المولود حادث، ولو كان والدًا، لوجب أن يكون له أولادٌ، وللزم أن يكونْ للخلق آلهة متعددة؛ وهذا مستحيل. ٦ - "لم يكن له كفوًا أحد" الكُفُؤ: النظير المكافيء، والله تعالى لا نظير له، ولا شبيه؛ لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهذه السورة الجليلة -التي تعدل في معانيها الشريفة ثلث القرآن- قد أبطلت جميع الشرك؛ لاشتمالها على جميع أنواع التوحيد الثلاثة. ٧ - "لقد سأل الله باسمه الذي إذا سُئِل به أعطى، وإذا دُعِي به أجاب"، وفي رواية: "لقد سأل الله باسمه الأعظم": إعطاء السؤال والإجابة على الدعاء دليل على شرف السائل والداعي، ووجاهته عند المعطي والمجيب، حيث أجاب سؤاله، ولبى دعاءه ونداءه. كما يدل على فضل هذا الدعاء وحسنه؛ فإنَّه وسيلة قوية، وسبيل قويم إلى حصول المطالب من الله تعالى، وتلبية نداء عبده. ٨ - أما الاسم الذي إذا سئل به أعطى، أو كما جاء في رواية أخرى أنَّه "الأعظم" -فهذا هو أحد أسماء الله تعالى، ولكن اختلف العلماء في تعيينه؛ فقد أخفاه الله تعالى لِحكم عظيمة، لعلَّ منها أن يتلمَّسه العباد في جميع أسماء الله، فيدعوه بها، فيكثر عملهم، ليكثر ثوابهم، كما أخفى ليلة القدر، وساعة الجمعة، وساعة الليل، للاجتهاد في طلبها، وكثرة العمل في تلمُّسها.

стр. 4020

٩ - قال ابن علَّان: الأظهر أنَّ الاسم الأعظم أنَّه لفظ الجلالة "الله"؛ فهو الأعظم عند أكثر العلماء، ومعناه أنَّه امتاز على غيره من الأسماء والصفات بخصوصية ليست في البقيَّة. ١٠ - قال محرره: اختلف في تعيينه على نحو من "أربعين قولًا"، وقد أفردها السيوطي في مصنف. قال ابن حجر: أرجحها من حيث السند: "الله لا إلله إلاَّ هو، الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد". ***

стр. 4021

١٣٦٤ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا أَصْبَحَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ، وَإذَا أَمْسَى قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: وَإِلَيْكَ المَصِيرُ" أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال صديق حسن: أخرجه أهل السنن, وابن حبان. قال الترمذي: هذا الحديث صحيح، وصححه ابن حبان، والنووي، وأخرجه أحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح. وحسَّنه الترمذي، وابن حجر، والسيوطي، والمناوي. قال الشيخ الألباني: سنده جيد، ورجاله كلهم ثقات، فهم من رجال مسلم. * مفردات الحديث: - بك أصبحنا: الباء للاستعانة بكل هذه المتعلقات، وقدِّم الجار والمجرور؛ لإفادة الاختصاص والحصر، و"أصبحنا" أي: دخلنا في الصباح وأعماله. - وإليك النشور: النشور: هو البعث بعد الموت، وفيه مناسبة؛ لأنَّ النوم أخو الموت، فالإيقاظ كالإحياء بعد الإماتة. - وإليك المصير: المصير: هو المرجع، وفيه مناسبة ذكر المصير في المساء؛

стр. 4022

لأنَّه ينام فيه، والنوم أخو الموت. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - "اللهمَّ بك أصبحنا" أي: بسبب نعمة إيجادك، وإمدادك، دخلنا في الصباح؛ فأنت الموجد لنا وللصباح. "وبك أمسينا" مثله. قال النووي: اعلم أنَّ أشرف أوقات الذكر في النهار بعد صلاة الصبح. قال ابن علَّان: إنَّما فضِّل الذكر هذا الوقت؛ لكونه تشهده الملائكة. ٢ - قوله: "وبك نحيا، وبك نموت" فما نعمله في حال الحياة من الأعمال الصالحة، وما يلحقنا ثوابه وأجره من أعمال الخير: من قربات، وصدقات، ومبرات، وآثار صالحة؛ من علم موروث، وعين جارية، وغير ذلك، فكل هذا خالص لوجهك، ومتقرَّب به إليك؛ لأنَّك أنت المستحق له، والهادي إليه، والموضِّح سبله، والميسِّر طرقه، فأعمالنا الصالحة في الحياة والممات منك وإليك. ٣ - "إليك النشور" تقال في الصباح لمشابهة الاستيقاظ من النوم بحال البعث والنشور من القبور؛ فكل من الموت والنوم فقدٌ للإحساس، فالأولى الموتة الكبرى، والنوم الموتة الصغرى، والبعث منهما رجوع إلى الحياة من جديد. ٤ - "إليك المصير" تقال في المساء حين إقبال النوم المشابه للموت بمفارقة الروح لجسدها، ورجوعها إلى خالقها، وإن اختلفا في نوع المفارقة والانفصال، فيمسك التي قضى عليها الموت، وأما روح الحي: فيرسلها إلى أجل مسمًّى. ***

стр. 4023

١٣٦٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الدعاء هو آية كريمة في القرآن الكريم، كان ﷺ يكثر من الدعاء به، فهي آية كريمة، وحديث شريف. قال القاضي عياض: إنما كان ﷺ يدعو بهذه الآية لجمعها معاني الدعاء كله من أمر الدنيا والآخرة، فإنَّ الحسنة هاهنا النعمة، فسأل نعيم الدنيا والآخرة؛ والوقاية من النار، وهذا كمال السعادة في الحياتين: الأولى والثانية. ٢ - هذا الدعاء من أجمع الأدعية، وأشملها، وأكملها، ومن أنفع الأدعية، وأجلها، وأحسنها؛ ذلك أنَّه جمع خيري الدنيا والآخرة، والوقاية من الشر وأسبابه، فشمل من حسنة الدنيا سؤال كل مطلوب ومرغوب: من حصول العلوم النافعة، والأعمال الصالحة، والعافية من الأمراض والأسقام، والسلامة من المشاكل والأزمات والنكبات، والتوفيق بالزوجة الصالحة التي تعجبه إن نظر إليها، وترضيه إن حضر عندها، وتحفظه في نفسها وولدها وماله إن غاب عنها، وحصول الأولاد البررة الصلحاء، الذين بهم تقر العين، وترضى النفس، ويُسر القلب، وحصول الأمن في الأوطان، والاستقرار في البيوت والدور، وحصول الرضا والقناعة بما قسم الله تعالى

стр. 4024

وأعطى، مِنَ الحياة السعيدة، والمعيشة الهنية الرغيدة. ٣ - أما حسنة الآخرة فهي النعمة الكبرى، والسعادة العظمى، والحياة الباقية، والنعيم المقيم، وأعلاها رضا الرب، ودخول جنته التي فيها النظر إلى وجهه الكريم، والحظوة بيوم المزيد، وما في الجنة من نعيم لا يفنى، وشباب لا يبلى، وحياة سعيدة لا تنتهي، وتمتُّع دائم بملاذَّ لا تنقطع، مما لا يدور في الخيال، ولا يحيط به البال؛ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة]، مما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على بال بشر. ٤ - أما الوقاية من عذاب النار: فإنَّها كمال النعيم، وتمام الأنس، والحصول على الأمن, وزوال الهم والغم، وذهاب الخوف والكرب؛ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وبأنَّه الله الذي لا إله إلاَّ هو الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، أن يجعلنا من الفائزين بجنته ورضاه، الناجين من عذابه وغضبه، ووالدينا، وأقاربنا، ومشايخنا، وإخواننا المسلمين أجمعين، الأوَّلين منهم والآخرين، وصلى الله على نبيِّنا وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. ***

стр. 4025

١٣٦٦ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي، وَهَزْلي، وَخَطَئِي، وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ مفردات الحديث: -الخطيئة: الذنب. -جهلي: الجهل: ضد العلم، ويحتمل أنَّ المراد به هنا: الخطيئة المتعمَّدة. -إسرافي: الإسراف: مجاوزة الحد في كل شيء. -جِدِّي: بكسر الجيم، ضد الهزل. -خطئي وعَمْدي: من عطف الخاص على العام؛ لأنَّ الخطيئة تكون عن هزل وعن جد، وتكرير ذلك لتعدد الأنواع التي تقع من الإنسان من المخالفات. -أنت المقدِّم: أي: تقدِّم من تشاء من خلقك، فيتَّصف بصفات الكمال، ويتحقق بحقائق العبودية بتوفيقك. -أنت المؤخِّر: لمن تشاء من عبادك بخذلانك وتبعيدك له عن درجات الخير. ...

стр. 4026

١٣٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - أصلح لي ديني: بأن تُوفِّقني للقيام بآدابه على الوجه الأكمل. - عِصمة أمري: العصمة المنع والحفظ، أي: ما أعتصم به في جميع أموري. - معاشي: أي: مكان عيشي، وزمان حياتي، بإعطاء الكفاف. - معادي: أي: زمان إعادتي؛ باللطف، والتوفيق على العبادة، والإخلاص. - راحة لي من كل شر: أي: راحة لي من الفتن، والمِحن، والابتلاء بالمعصية والغفلة. وخلاصة آخر هذا الدعاء: اجعل عمري مصروفًا فيما تحب، وجنِّبني ما تكره. ...

стр. 4027

١٣٦٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَارْزُقْنِي عِلْمًا يَنْفَعُنِي" رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالحَاكِمُ (١). ١٣٦٩ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ، وقَالَ فِي آخِرِهِ: "وَزِدْنِي عِلْمًا، الحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَعُوذُ بِالله مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ" وإِسْنَادُهُ حسَنٌ (٢). ــ * درجة الحديث: إسناده حسن قاله المصنف والسيوطي. والحديث أخرجه النسائي، والترمذي، وصححه الحاكم، فقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذَّهبِي. أما الحافظ ابن كثير في تفسيره فقال: أخرجه ابن ماجه، والبزار، وأخرجه الترمذي عن أبي كريب، عن عبد الله بن نمير، به، وقال: غريب من هذا الوجه. * مفردات الأحاديث الأربعة السابقة بتوسع أكثر: - الخطيئة: هي الذنب الكبير أو الصغير. - الجهل: ضد العلم؛ قال ابن عباس: "كل من عمل السوء فهو جاهل، فمن جهالته عمل السوء".

стр. 4028

- إسرافي في أمري: مجاوزة الحد في كل شيء، والمراد هنا: الإفراط في المعاصي، والاستكثار منها. - وما أنت أعلم به مني: يعني: إنَّ الله ﵎ وكَّل بعباده ملائكته، يحصون عليهم سيئاتهم من أقوال وأفعال؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾ [المجادلة]. فالعبد يسأل ربه غفران ذنوبه التي يعلمها، والتي نسيها، وعلمها الله تعالى، وأحصاها، وحفظها عنده. - اغفر لي جِدِّي وهزلي: الجِد: الاجتهاد في الأمر، والاهتمام به، والهزل ضده، لم يجدّ فيه. - خطئي وعمدي: الخطأ: ما وقع من الإنسان من غير قصد، والعمد: قصد عين الفعل بعلم. - اللَّهمَّ اغفر لي ما قدَّمت وما أخَّرت: الذنوب المتقدمة على طلب المغفرة واضحة معروفة، وأما الذنوب المتأخرة فقيل: معناها أنَّ الله يحفظه، فلا يقع منه ذنب في بقية عمره، وقيل: معناه أنَّه لا يؤاخذ بما سيقع منه من الذنوب المستقبلة، بحيث يوفِّقه للتوبة التي تمحوها. وقد صنَّف الحافظ ابن حجر رسالة سماها: "الخصال المكفِّرة للذنوب" تتبع فيها الأحاديث التي ورد فيها الوعد بغفران الذنوب "ما تقدم منها وما تأخَّر"، وخرَّج أحاديثها وحقَّقها. - أنت المقدِّم: أي: تقدِّم من تشاء من خلقك، فيتَّصف بصفات الكمال، ويتحقق بحقائق العبودية بتوفيقك. - أنت المؤخِّر: تؤخِّر من تشاء من خلقك بخذلانك وتبعيدك إيَّاه عن درجات

стр. 4029

الخير. - وأنت على كل شيء قدير: عموم بعد خصوص؛ لئلا يتوهَّم الحصر والعدد. - اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري: فوصف الدِّين بأنَّه عصمة الأمر، وهو عين الحقيقة. لأنَّ صلاح الدين هو رأس مال العبد، وغاية ما يطلبه. - وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي: وأما صلاح الدنيا -لأنَّها مكان وموضع معاشه- فحقيقةٌ لابد منها في حياته، فمن لم تستقم معيشته، لا تتم له آخرته. - وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي: وأما صلاح آخرته، التي هي المرجع والمصير -فحول ذلك يسعى العباد بفعل الطاعات، وترك المنهيات، وقد استلزمها سؤال صلاح الدين؛ لأنَّه إذا أصلح الله دين الرجل، فقد أصلح له آخرته التي هي دار المعاد. - واجعل الموت راحةً لي من كل شرٍّ: لأنَّه إذا كان الموت دافعًا للشرور قاطعًا لها، ففيه الخير الكثير للعبد. وليس في الحديث دلالة على جواز الدعاء بالموت، وإنما دلَّ على سؤال أن يجعل الموت -في قضائه عليه، ونزوله به- راحةً من شرور الدنيا، ومن شرور القبر؛ لعموم الدعاء من جميع الشرور، والذي ينبغي أن يقوله المسلم الخائف من المِحَن والفتن: "اللَّهمَّ أحيني ما كانت الحياة خيرًا، وتوفني إذا كان الموت خيرًا" [رواه البخاري (٥٦٧١) ومسلم (٢٦٨٠)]. - الَّلهُمَّ علِّمني ما ينفعني، وارزقني علمًا ينفعني: سؤال الله علمًا نافعًا، والعلم النافع هو العلوم الشرعية أصولها وفروعها؛ فهي من أجَلِّ النعم وأفضل القسم؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].

стр. 4030

وقال ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" [رواه البخاري (٧١) ومسلم (١٠٣٧)]. والنصوص في فضلِ العلم والحثِّ عليه كثيرة جدًا. قال الإِمام أحمد: طلب العلم أفضل الأعمال لمن صحَّت نيته. وقال الإمامان أبو حنيفة، ومالك: أفضل ما تطوِّع به العلم، تعلمه وتعليمه. وقال الإِمام النووي: اتَّفق السلف على أنَّ الاشتغال بالعلم أفضل من الاشتغال بنوافل الصلاة، والصيام، والتسبيح، ونحو ذلك؛ فهو نور القلوب، والميراث النبوي، ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، فهو أفضل الأعمال وأقربها إلى الله. وأفضل العلوم: أصول الدين، ثم التفسير، ثم الحديث، ثم أصول الفقه، ثم الفقه. - وانفعني بما علَّمتني: هذا هو ثمرة العلم، وزبدته، وفائدته؛ فالعلم الذي لا ينفع صاحبه، وبَال عليه، وحجة قائمة عليه، وقد قال ﷺ : "اللَّهمَّ أعوذ بك من علمٍ لا ينفع". وثمرة العلم تتلخَّص في أمرين: في الإخلاص لله تعالى في طلبه وتحصيله. وفي العمل به، فمن ضيَّع هذين الأمرين، أو أحدهما، فقد خسر. قال الإِمام الغزالي: أيها المقبل على العلم، إن كنت تقصد بطلب العلم المنافسة، والمباهاة، والتقدم على الأقران، واستمالة وجوه الناس إليك، وجمع حطام الدنيا -فصفقتك خاسرة، وتجارتك بائرة. وإن كانت نيتك من طلب العلم الهداية، فأبشر؛ فإنَّ الملائكة تبسط لك أجنحتها إذا مشيت؛ رضًا بما تطلب.
следующие страницы →