قال ابن نجيم: ويخالف القصاصُ الحدودَ في سبع مسائل، منها:
١ - الحدُّ لا يُورَث، والقصاصُ يُورث.
٢ - يصح العفو في القصاص، ولا يصحُّ في الحد إلاَّ حدَّ القاذف.
٣ - تصح الشفاعةُ في القصاص دون الحد.
٤ - يتوقَّف القصاصُ على الدَّعوى، بخلاف الحد، إلاَّ حد القذف.
القاعدة الحادية والثلاثون: (الوجوب يتعلَّق بالاستطاعة؛ فلا واجب مع العجز، ولا محرَّم مع الضرورة):
الشرح: كل من عجز عن شيء من الواجبات، فإنها ساقطة عنه غير واجبة عليه:
كأركان الصلاة، وشروطها، وواجباتها، فيصلِّي المريض حسب قدرته.
وكسقوط الصوم عمَّن عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى شفاؤه.
وكسقوط الجهاد عن الأعمى والأعرج ونحوهما.
وكدرجات النهي عن المنكر.
وهذه القاعدة الجليلة مأخوذةٌ مِنْ مثل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وحديث: "إذا أمرتكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم"، ونصوصُ أدلَّتها كثيرة.
أما الجزء الثاني من القاعدة: فإن الممنوع شرعًا يباح عند الضرورة؛ فقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]؛ وهذه قاعدةٌ أصولية فقهية.
القاعدة الثانية والثلاثون: (الشريعة مبنية على أصلين: الإخلاص لله، والمتابعة للرسول ﷺ -):
الشرح: هذان الأصلان شرطان لكل عملٍ دينيٍّ ظاهرٍ أو باطنٍ، فأقوال اللسان، وأعمالُ الجوارح، وأعمالُ القلوب منوطٌ صلاحها وقبولها بتحقيقِ
стр. 72
هذَيْن الأصلين كليهما؛ فإن فُقِدَا أو فُقِدَ أحدهما في العبادة، فهي مردودة.
ومن أدلة هذه القاعدة: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات"، وقوله ﵊: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ"، وغير ذلك من النصوص؛ فأعمالُ المرائين وأعمالُ المبتدعين باطلة.
وهذه القاعدة كما أنها تشمل جميع العبادات فإنها أيضًا تشمل المعاملات؛ فأي عقدٍ أو شرط ليس على وفق الشرع، فإنه محرَّم باطل.
فائدة:
قال الشيخ مصطفى الزرقا:
لا تنحصر العقودُ في المعاملات المعروفة في صدر الإِسلام من بيع، وإجارة، وهبةٍ، ورهنٍ، وشركةٍ، وصلحٍ، وقسمةٍ، وإعارةٍ، وإيداع، وسائر العقود الأخرى؛ فيباح للناس إيجادُ أنواع أخر من العقود غير داخلةٍ في أحد الأنواع السابقة، فيمكنهم أن يتعارفوا على أنواع جديدة إذا دعتهم حاجتهم إلى نوعٍ جديدٍ متى توفَّرتِ الأركان العامَّة التي تعتبر من النظام العامِّ في الإِسلام، بحيث لا يخالفُ العقدُ قواعدَ الشريعة التي عبَّر عنها النبيُّ ﷺ بقوله: "كل شرطٍ ليس في كتاب الله تعالى، فهو باطل"، والله أعلم.
وفي صباح يوم الأربعاء الموافق ٢٦ من شهر ربيع الأول عام ألف وأربعمائة وعشرة تمَّت هذه المقدِّمة الثالثة، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 73
الأصل الرابع
في
المقاصد الشرعية
стр. 74
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي شرع لعباده من الأحكام ما فيه السداد، وجنَّبهم طرق الغي والفساد، والصلاة والسلام على من أُرْسِلَ رحمةً للعباد، وعلى آله وأصحابه ذوي البصائرِ والرشاد.
أما بعد:
فإن التفقُّه بمقاصد الشريعة، ومعرفة حِكَمِ الله في أحكامه، ومعرفة أسرارِهِ في أوامره ونواهيه: مِنْ أنفع العلوم وأجلّها؛ ذلك أن الأحكام الشرعية في أصولها وفروعها معلَّلةٌ برعاية مصالح العباد في عاجلهم وآجلهم.
فمعرفة أسرار الله تعالى في أحكامه، والتبصَّر فيها: هو كشف عن كنوز ثمينة تزيد المؤمن إيمانًا بربه، ورغبةً في القيام بشرعه، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتخفِّف عليه مشقةَ العبادة، وتعينه على اجتناب المعصية، وتقوِّي ثقته بربِّه جل وعلا؛ حينما يتفقَّه بشرعه، ويحصُلُ له المعرفة واليقين: أنه تعالى لم يأمر إلاَّ بما يصلح خلقه، ولا ينهى إلاَّ عما يضرُّهم في حياتهم الأولى والآخرة.
لذا فإني بعد أن قَرَأْتُ الكتابَ القيِّم "الموافقات" للإمام الشاطبي، ذلك الكتاب الذي هو ومؤلِّفه غنيَّان عن الإشادة والتعريف، لمَّا قرأْتُ غالبَ فصوله، استخَرْتُ الله تعالى أن ألخِّص منه نبذةً في المقاصد الشرعية، وأجعلها مقدِّمة لشرحي على "بلوغ المرام" لتكون رابعة للمقدمات الثلاث التي هي أصولُ العلوم الشرعية؛ فهو أصلٌ كبيرٌ، وعلم جليل، جاءت الإشارة إليه، والدلالةُ عليه من الكتاب والسنة بنصوص أكثر من أن تحصى:
منها قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾، وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ
стр. 75
وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة"، وأشباه ذلك.
ولعل أوَّل من ألَّف فيه: الغزالي بكتابه "شفاء الغليل، في مسالك التعليل"، والعزُّ بن عبد السلام في كتابه "قواعد الأحكام"، ولابن القيِّم في كتابه القيِّم "إعلام الموقِّعين" فصولٌ جيَّدةٌ في هذا الباب، بيَّن فيها حِكَمَ الله وأسرارَهُ في كثيرٍ من الأحكام؛ لا سيَّما في المسائل التي قال المعارضون: "إنها جاءت على خلافِ القياس".
وأما أبو إسحاق الشاطبي: فقد أجاد فيه وأعطاه حقّه من التحقيق والتدقيق في كتابه الجليل "الموافقات"؛ ممَّا دفعني إلى أن ألخِّص منه جملة كافية لطالب العلم، وفِقَرًا مفيدة تدرِّبه على التوسُّع في هذا العلم العظيم، والله الموفق.
стр. 76
المقاصد
إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا، وهذا ما يدلُّ عليه مثلُ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ فدلَّ الاستقراء من الشريعة أنها وضعَتْ لمصالح العباد.
المقاصد قسمان:
أحدهما: يرجع إلى قصد الشارع مِنْ وضعه الشريعة.
الثاني: يرجع إلى قصد المكلَّف من أفعاله.
стр. 77
القسم الأول فيما يرجع إلى قصد الشارع من وضع الشريعة
وهو أنواع:
النوع الأول: في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق:
وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام:
الأول: مقاصد ضرورية
الثاني: حاجية.
الثالث: تحسينية.
فأما الضروريات فإنه لا بُدَّ منها في قيام مصالح الدين والدنيا؛ بحيث إذا فُقِدَتْ لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد، وفي الآخرة تؤدِّي إلى فواتِ النجاة والنعيم، وحصول الخسران المبين.
والحفظ الها يكون بالقيام بأركانِهَا، وتثبيتِ قواعدها، كما يكون بما يَدْرَأُ عنها الاختلالَ الواقعَ أو المتوقَّع فيها:
فأصولُ العبادات: راجعةٌ إلى حفظ الدين.
والعادات: راجعةٌ إلى حفظ النفس، والعقل.
والمعاملات: راجعةٌ إلى حفظ النسل، والمال.
ومجموع الضرورات خمسة: هي حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل.
وأما الحاجيَّات: فإنه يفتقر إليها مِنْ حيثُ التوسعة، ورفع الضيق المؤدِّي -غالبًا- إلى الحرج، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد، وهي جارية في العبادات، والعادات، والمعاملات، والجنايات:
стр. 78
ففي العبادات: كالرخص في الطهارة والتيمُّم والمسح على الخف، وفي الصلاة، كالقصر والجمع للمسافر، وفي الحج؛ كالحج عن العاجز.
وفي العادات: كالصيد والتمتُّع بالطَّيِّبات.
وفي المعاملات: كالقرض والعارية.
وفي الجنايات: كالحكم باللوث ووضع الدية على العاقلة.
وأما التحسينيات: فهي من الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنُّب الأحوال المدنِّسات، ويجمع ذلك قسمُ مكارمِ الأخلاق:
ففي العبادات كإزالة النجاسة، وفي العادات كأدب الأكل، وفي المعاملات كالمنع من بيع فضل الماء، وفي الجنايات: كمنع قتل الحر بالعبد، فهذه الأمورُ راجعةٌ إلى محاسنَ زائدةٍ على أصل المصالح الضروريَّة والحاجيَّة؛ إذ ليس فقدانها بمُخِلٍّ بأمر ضروري ولا حاجي، وإنما جرت مجرى التحسين والتزيين.
المسألة الثانية: المقاصد عامة في جميع التكاليف والأزمان والأحوال:
وإذا ثبت أن الشارع قد قصَدَ بالتشريع إقامةَ المصالح الأخرويَّة والدنيويَّة على وجهٍ لا يُخِلُّ لها به نظام، فلابد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديًّا، وكليًّا، وعامًّا في جميع أنواع التكليف، وجميع الأحوال، وكذلك وجدنا الأمر فيها، ولله الحمد.
المسألة الثالثة: المقاصد المعتبرة في الشريعة:
المقصدُ: هو جَلْبُ المصلحة أو تكميلُها، ودفعُ المفسدة أو تقليلُهَا، والمصالحُ المجتلبة شرعًا والمفاسدُ المستدفعة إنما تعتَبَرُ من حيثُ تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيثُ الأهواءُ والنفوسُ في جَلْبِ مصالحها العادية أو دَرْءِ مفاسدها العادية؛ ذلك أن الشريعة إنما جاءت لتخرج الناس من دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادًا لله، قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١].
стр. 79
المسألة الرابعة: الدليل على اعتبار مقاصد الشريعة الكلية:
الدليلُ على أنَّ الشارع قصَدَ المحافظةَ على القواعد الثلاثة: الضروريَّة، والحاجيَّة، والتحسينيَّة، هو استقراءُ الشريعة، والنظر في أدلَّتها الكليَّة والجزئية، فقد تضافَرَ بعضها مع بعض، فصار من مجموعها التواتُرُ المعنويُّ؛ فإن العلماء لم يعتمدوا في إثبات قصد الشارع في هذه القواعد على دليلٍ مخصوصٍ؛ لأنَّ في جزئيات الأدلَّة نوعَ ظنٍّ عند بعض الأصوليين، وإنما أَلْفَوْا أدلة الشريعة كلَّها دائرةً على خطورة تلك القواعد، فمن كان مِنْ حملة الشريعة يسهُلُ عليه إثبات مقاصد الشارع مِنْ هذه القواعد الثلاث.
стр. 80
النوع الثاني: في بيان قصد الشَّارع في وضع الشريعة للتكليف بالمقدور وما لا حرج فيه ، ويحتوي على مسائل:
المسألة الأولى: ثَبَتَ في الأصولِ أنَّ شَرْطَ التكليف أوسَبَبَهُ قدرةُ المكلَّف عليه، فما لا قدرةَ للمكلَّف عليه لا يصحُّ التكليفُ به شرعًا، وإنْ جاز عقلاً.
فالأوصاف التي طُبعَ عليها الإنسانُ؛ كالشَّهوة إلى الطَّعام أو الشَّراب، لا يطلب رفعها، فإنَّه من تكليف ما لا يُطاق.
المسألة الثانية: لا تكليفَ بما لا يطاق:
الأوصاف التي لا قدرةَ للإنسان على جَلْبِها ولا دفعها على قسمين:
أحدهما: ما كان نتيجةَ عمل؛ كالعلم، والحب.
الثاني: ما كان فطريًّا، ولم يكن نتيجة عمل؛ كالشجاعة، والجبن، والحلم.
فالأول: ظاهر أنَّ الجزاء يتعلق بها في الجملة من حيث كونُهَا مسبّبات مِنْ أسباب مكتسبة.
أما الثاني -وهو ما كان منها فطريًّا- فينظر فيه من جهتين:
إحداهما: أنَّها محبوبةٌ للشَّارع أو غيرُ محبوبة له.
الثانية: مِنْ وقوع الثواب عليها أو عَدَمِ وقوعه.
فالنظر الأوَّل: ظاهرُ الدليل النَّقليِّ أنَّ الحبَّ والبغض يتعلَّق بها.
والنظر الثاني: أنَّهما يصح تعلُّقهما بالذوات، وهي أبعدُ عن الأفعال من الصفات؛ كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ولا يسوغُ في هذا الموضع أن يقال: إنَّ المراد حبُّ الأفعال فقط، فكذلك لا يقال في الصفات إذا توجَّه الحبُّ إليها في الظاهر: إن المراد الأفعال.
وإذا ثبت هذا، فيصح -أيضًا- أن يتعلَّق الحب والبغض بالأفعال؛ كقوله تعالي: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦]، وقوله ﷺ : "أبغض الحلال إلى الله
стр. 81
الطلاق".
فإذًا الحب والبغض مطلَقٌ في الذوات والصفات والأفعال.
المسألة الثالثة: لا تكليفَ بما فيه حرج:
الشَّارع لم يقصدْ إلى التكليفِ بالمقدور عليه الشَّاقِّ الذي خرَجَ عمَّا جَرَتْ به العاداتُ قبل التكليف؛ والدليلُ على ذلك أمور:
أحدها: النصوصُ؛ قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال ﷺ : "بُعثت بالحنيفية السمحة".
الثاني: ما ثبت من مشروعيَّة الرخص؛ كرُخَصِ القصر، والفِطْرِ، وتناوُلِ المحرمات في الاضطرار؛ فإنَّ هذا يدل قطعًا على مطلق رَفْعِ الحرجِ والمشقَّة.
وكذلك ما جاء من النَّهي عن التعمُّق والتكلُّف في الانقطاع عن دوام الأعمال، ولو كان الشَّارع قاصدًا للمشقَّة في التكليف، لَمَا كان ثَمَّ ترخيصٌ ولا تخفيف.
الثالث: الإجماعُ على عدم وقوعِهِ في التكاليف، وهو يَدُلُّ على عدم قصد الشَّارع إليه، ولو كان واقعًا، لحصل في الشريعة التناقُضُ والاختلافُ؛ وذلك منفيٌّ عنها.
لكن ليس معنى هذا نفي المشقَّة عن التكليف؛ فإنَّه لا نزاع في أنَّ الشَّارع قاصد للتكليف بما يلزم فيه مشقَّةٌ ما، ولكن لا تسمَّى في العادة المستمرَّةِ مشقَّةً، كما لا يُسمَّى مشقَّةً طلبُ المعاشِ بالتحرُّف؛ لأنَّه مُمكن معتاد، وأربابُ العادات يعدُّون المنقطعَ عنه كسلان.
وإلى هذا المعنى يرجع الفرقُ بين المشقَّةِ التي لا تُعَدُّ مشقَّةً عادةً والتي تعد مشقَّة، وهو: إنْ كان العمل يؤدِّي الدوامُ عليه إلى الانقطاع عنه، أو عن بعضه، أو إلى وقوعِ خَلَلٍ في صاحبه في نفسه أو ماله أو حَالٍ من أحواله-:
стр. 82
فالمشقَّة هنا خارجةٌ عن المعتاد.
وإنْ لم يكن فيها شيءٌ من ذلك في الغالب، فلا يعد في العادة مشقَّة، وَإنْ سميت كُلْفَةً، فأحوالُ الإنسان كلُّها كلفةٌ في هذه الدَّار.
إذا تقرَّر هذا، فإنَّ التكليفَ الشاقَّ المعتاد على العباد ليس مقصودُ الشارعِ به المشقَّةَ على عباده، وإنَّما قصَدَ به المصالح العائدةَ عليهم.
وإذا لم تكنِ المشقَّةُ مقصودةَ الشَّارع في الأعمال المعتادة، فأولى أنْ لا تكونَ مقصودةً منه في غير المعتادة.
المسألة الرابعة: الحكمة من نفي الحرج في التكليف:
الحرَجُ مرفوعٌ عن المكلَّف لوجهين:
أحدهما: الخوفُ من الانقطاعِ من الطريقِ وبُغْضِ العبادة.
الثاني: خوفُ التقصيرِ عند مزاحمةِ الوظائفِ المتعلِّقةِ بالعَبْدِ المختلفةِ الأنواع؛ مثل قيامه على أهله وولده إلى تكاليف أُخَر.
فالأول: حفظ به على الخلق قلوبهم، وحبَّب إليهم تلك التكاليف، فلو عملوا على غير السهولة، لدخل عليهم فيما كلِّفوا به ما لا تخلص به أعمالهم.
الثاني: أنَّ المكلَّف مطالَبٌ بأعمالٍ ووظائف شرعيَّةٍ لا بدَّ له منها، فإذا أوغَلَ في عملٍ شاقٍّ فربَّما قطعه عن غيره، ولا سيَّما حقوقُ الغير التي تتعلَّق به، فيكونُ بذلك ملومًا غير معذور؛ إذ المرادُ منه القيامُ بجميعها على وجهٍ لا يخل بواحدٍ منها، وهذا في العمل الشاقِّ المأذونِ فيه، فأمّا إنْ كان غيرَ مأذون فيه، فهو أظهر في المنع.
المسألة الخامسة: مخالفةُ ما تهوى النَّفْسُ شاقٌّ عليها وَصَعْبٌ خروجُهَا منه، وكفى ذلك شاهدًا عليه حَالُ المشركين وأهل الكتاب ممَّن صمَّموا على بقاءِ ما هم عليه، حتَّى رَضُوا بهلاكِ نفوسِهِمْ وَأَحوالِهِمْ، ولم يَرْضَوْا بمخالفة الهوى.
والشَّارع قصد بوضع الشريعة إخراجَ المكلَّفِ من اتِّباعِ هواه حتَّى يكون
стр. 83
عبدًا لله، وإذًا فمخالفةُ الهوَى ليستْ من المشقَّات المعتبرة في التكليف، وإنْ كانت شاقَّةً في مجاري العادات؛ إذ لو كانت معتبرةً حتَّى يشرع التخفيف لأجل ذلك، لكان ذلك نقضًا لما وُضِعَتِ الشريعةُ له؛ وذلك باطل.
المسألة السادسة: الاعتدال في التكاليف والدعوة إلى امتثالها:
الشريعةُ جاريةٌ في التكليف على الطريق الوسط، الآخذ من الطرفَيْن بقِسْطٍ لا ميل فيه، الدَّاخلِ تحت كَسْب العبد من غير مشقَّةٍ عليه ولا انحلال؛ كتكليف الصلاة والزكاة والصيام والحَج ابتداءً من غير سبب ظاهر، أو لسببٍ يرجع إلى عدم العلم؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وأشباه ذلك.
فإِنْ كان التشريعُ لأجلِ انحراف المكلَّف إلى أحد الطرفَيْن، كان التشريع رادًّا إلى الوسط؛ لكن على وجهٍ يميل فيه إلى الجانب الآخر؛ ليحصُلَ الاعتدال فيه؛ فعلى الطبيب الرفيق حَمْلُ المريض على ما فيه صلاحُهُ بحسب حاله، حتَّى إذا استقلَّتْ صحَّته، هيأ له له طريقًا في التدبير وسطًا لائقًا به في جميع أحواله.
فإذا نظرت في كليَّة شرعية، فتأملها تجدها حاملةً على التوسُّط، فإنْ رأيت ميلاً إلى جهة طرفٍ من الأطراف، فذلك في مقابلة واقع أو متوقع في الطرف الآخر:
فطرف التشديد وعامَّةُ ما يكون في التخويف والترهيب يُؤْتَى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدِّين.
وطرَفُ التَّخفيفِ وعامَّةُ ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص يُؤْتَى به في مقابلة مَنْ غَلَبَ عليه الحرجُ الشديد.
فإذا لم يكنْ هذا ولا ذاك، رأيت التوسُّط لائحًا، ومسلَكَ الاعتدال واضحًا، وهو الأصلُ الذي يُرْجَعُ إليه.
стр. 84
النوع الثالث: في بيان قصد الشَّارع في دخول المكلَّف تحت أحكام الشريعة:
ويشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: المقصدُ الشرعيُّ من وضع الشريعة إخراجُ المكلَّف من داعية هواه؛ حتَّى يكونَ عبدًا لله اختيارًا، كما هو عَبْدٌ لله اضطرارًا، ومن أدلَّة ذلك:
الأول: النَّصُّ الصَّريح على أنَّ العباد خُلِقُوا للتعبُّدِ لله، والدخولِ تحت أمر الله تعالى ونهيه؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]،،، إلى غيرها من الآيات الآمرة بالعبادة في عمومها وتفاصيلها، فكله راجعٌ إلى طاعة الله في جميعِ الأحوالِ، والانقيادِ إلى أحكامه على كلِّ حالٍ، وهو معنى التعبد.
الثاني: ما دلَّ على ذمِّ مخالفة هذا القصد مِنَ النَّهْي عن مخالفة أمر الله، وذَمِّ من أعرَضَ عن شرع الله، وإيعاده بالعذاب العاجل والآجل.
الثالث: من علم التجارب والعادات مِنْ أنَّ المصالحَ الدينيَّة والدنيوية لا تحصُلُ مع الاسترسال في اتباع الهَوَى، والمَشْيِ مع الأغراضِ، وهذا معروفٌ؛ ولذا اتفقوا على ذمِّ من اتبع شهواته، وما اتفقوا عليه إلاَّ لصحَّته عندهم.
وإذًا: فلا يصح لأحدٍ أنْ يدَّعي على الشريعة أنَّها وُضِعَتْ على مقتضى تشهِّي العباد وأغراضهم.
وإذا علمنا أنَّ وَضْعَ الشريعة إنَّما جاء لمصالح العباد، فهي عائدةٌ عليهم بحَسَبِ أمرِ الشارع، وعلى حَدِّه الذي حَدَّه، لا على مقتضى أهوائهم وشهواتهم؛ ولذا كانت التكاليف الشرعية ثقيلةً على النفوس.
وإذا تقرَّر هذا، انبنى عليه قواعد:
الأولى: أنَّ كلَّ عملٍ كان المتَّبَعُ فيه الهوَى مين غير التفاتٍ إلى الأمر أو النَّهي أو التخيير، فهو باطل؛ لأنَّه لابدَّ للعمل مِنْ حاملٍ يَحْمِلُ عليه، وداعٍ
стр. 85
يدعو إليه.
فأمَّا بطلانُ العباداتِ: فظاهر.
وأمَّا العادات: فذلك من حيث عدم ترتُّب الثواب على مقتضى الأمر والنَّهي؛ فوجودُهَا في ذلك وعدَمُهَا سواء.
الثانية: أنَّ اتباع الهوى طريقٌ مذمومٌ وإنْ جاء في ضمن المحمود؛ لأنَّه إذا تبيَّن أنَّه مضادٌّ بوضعه لوضعِ الشريعة، فحيثما زاحَمَ مقتضاها في العمل، كان مخوفًا؛ لأنَّه سبَبُ تعطيلِ الأوامر وارتكابِ النَّواهي؛ ولأنَّه إذا اتُّبعَ رُبَّما أحدث للنَّفْسِ ضراوة.
الثالثة: أنَّ اتباع الهوَى في الأحكام الشرعية مَظِنَّةٌ لأنْ يَحْتالَ بها على أغراضه.
المسألة الثانية: تقسيم المقاصد إلى أصلية وتبعية:
المقاصد الشرعية ضربان: مقاصد أصلية، ومقاصد تبعية:
فأمَّا المقاصد الأصلية فهي التي لا حظَّ فيها للمكلَّف، وهي الضروريَّات المعتبرة في كلِّ ملة، وإنَّما قلنا: إنَّها لا حظَّ فيها للعبد؛ لأنَّها قيامٌ بمصالحَ عامَّةٍ.
وأمَّا المقاصد التَّابعة: فهي التي رُوعِيَ فيها حَظُّ المكلَّف، فمن جهتها يحصُلُ له مقتضى ما جُبِلَ عليه من نَيْلِ الشَّهوات، والاستمتاعِ بالمباحاتِ، وَسَدِّ الخلات.
وذلك أنَّ حكمة الله حَكَمَتْ أنَّ قيامَ الدِّين والدنيا إنَّما يصلُحُ ويستمرُّ بدواعٍ من قِبَلِ الإنسانِ تَحْمِلُهُ على اكتساب ما يحتاجُ إليه؛ فخلَقَ له شهوةَ الطعام والشَّراب إذا مسَّه الجوعُ ليحرِّكه ذلك الباعث إلى التسبُّب في سدِّ هذه الخلَّة بما أمكنه، وهكذا بقيَّةُ الشهواتِ هي الأسبابُ الموصِّلة إليها.
ثُمَّ خَلَق الجنَّة والنَّار، وأرسل الرُّسُلَ؛ ليبيِّنوا أنَّ الاستقرار ليس هنا،
стр. 86
وإنَّما هذه مزرعةٌ لدارٍ أخرى، وأنَّ السعادةَ الأبديَّة أو الشقاوة الأبديَّة هناك؛ لكنَّها تُكْتَسَبُ أسبابها هنا بالرجوع إلى ما حدَّه الشَّارعُ أو بالخروجِ عنه، فيأخُذُ المكلَّفُ في استعمالِ الأمورِ الموصِّلة إلى تلك الأغراض.
المسألة الثالثة: العملُ إذا وَقَعَ على وَفْقِ المقاصد الشرعيَّة:
فإمَّا أنْ يكون على المقاصد الأصلية أو المقاصد التَّابعة:
فإذا وقع على مقتضى المقاصد الأصلية بحيث راعاها، فلا إشكال في صحته وسلامته؛ ذلك أنَّ المقصود الشرعي من التشريع إخراج المكلَّف عن داعية هواه حتَّى يكون عبدًا لله، ويبنى عليه قواعد:
من ذلك: أنَّ المقاصد الأصلية إذا رُوعِيَتْ، كان العبد أقرب إلى إخلاص العمل وصيروررتهِ عبادةً، وأبعد عن مشاركة الحظوظ التي تغيِّر في وجه محض العبودية.
المسألة الرابعة: الإنسان قد يدع حظَّ نفسه في أمر إلى حظ ما هو أعلى منه:
كما ترى النَّاس يبذلون المال في طلب الجاه؛ لأنَّ حظَّ النَّفس في الجاه أعلى، ويبذلون النفوس في طلب الرئاسة حتَّى يموتوا في طريق ذلك، وهكذا الرهبان قد يتركون لذَّات الدنيا للذَّة الرئاسة والتعظيم فإنَّها أعلى، وحظُّ الذِّكْرِ والتعظيم والرئاسة والاحترام والجاه: أعظم الحظوظ التي يستحقر متاع الدنيا في جنبها عندهم.
المسألة الخامسة: الرهبان ومن أشبههم ينقطعون في الصوامع والديارات، ويتركون الشهوات واللذات، ويسقطون حقوقهم؛ في التوجُّه إلى معبودهم، وَيَعْمَلون في ذلك غايةَ ما يمكنهم من وجوه التقرُّب إلى معبودهم، وما يظنُّون أنَّه سببٌ إليه، إلاَّ أنَّ كلَّ ما يعملون مردودٌ عليهم لا ينفعهم الله بشيءٍ منه في الآخرة؛ لأنَّهم بنوا على غير أصل كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ
стр. 87
نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٢ - ٤]؛ والعياذ بالله!.
ودونهم في ذلك أهل البدع والضلال من أهل هذه الملَّة؛ فقد جاء في الخوارج قوله ﷺ : "يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم ... " الحديث.
وعلى الجملة: فالإخلاص في الأعمال إنَّما ينفع إذا كان مبنيًّا على أصلٍ صحيح، فإنْ كان على أصلٍ فاسد، فبالضد.
стр. 88
العادة إذا قصد بالإتيان بها وجه الله:
ومن المعلوم: أنَّ البناء على المقاصد الأصليَّة يصيِّر تصرُّفات المكلَّف كلها عبادات، سواءٌ كانت من قبيل العبادات أو العادات؛ لأنَّ المكلَّف إذا فهم مراد الشَّارع من قيام أحوال الدنيا، وأخذ في العمل على مقتضى ما فهم، فهو إنَّما يعمل من حيثُ طُلِبَ منه العمل، ويترك إذا طُلِبَ منه الترك، فهو أبدًا في إعانة الخلق على ما هم عليه من إقامة المصالح باليد واللسان والقلب، فأمَّا باليد: ففي وجوه الإعانات، وأمَّا باللسان: فبالوعظ، والتذكير بالله، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وبالدعاء، وبالقلب: لا يضمر لهم شرًّا؛ بل يعتقد لهم الخير ويعرِّفهم بأحسن أوصافهم ولو بمجرَّد الإِسلام، ويَحْتَقِرُ نفسه بالنسبة إليهم،،، إلى غير ذلك من الأمور القلبية المتعلِّقة بالعباد.
فالعامل بالمقاصد الأصلية: عاملٌ في هذه الأمور في نفسه؛ امتثالاً لأمر ربه، واقتداءً بنبيه ﷺ ، فكيف لا تكون تصرُّفات من هذه سبيلُهُ عبادةً كلها؛ بخلاف من كان عاملاً على حظِّه، فإنَّه إنَّما يلتفت إلى حظِّه، أو ما كان طريقًا إلى حظِّه، وهذا ليس بعبادة على الإطلاق، بل عاملٌ في مباح إنْ لم يُخِلّ بحقِّ الله أو بحقِّ غيره فيه، والمباحُ لا يُتَعَبَّد إلى الله به.
لا يكون العمل صحيحًا أو مقبولاً إلاَّ إِذا رَاعَى وجه الله في القصد التابع:
أما المقصدُ الأوَّل: إذا تحرَّاه المكلَّفُ يتضمَّن القصد إلى كلِّ ما قصده الشَّارع في العمل من حصول مصلحة أو درء مفسدة؛ فإنَّ العامل به إنَّما قصد تلبية أمر الشَّارع، إمَّا بعد فهم ما قصد، وإمَّا لمجرَّد امتثال الأمر؛ وعلى كلِّ تقدير: فهو قاصدٌ ما قصده الشَّارع.
وإذا ثبت أنَّ قصد الشَّارع أعمُّ المقاصد وأوَّلها وَأَوْلاَهَا، وأنَّه نورٌ صِرْفٌ لا يشوبه غرضٌ ولا حظ، كان المتلقِّي له على هذا الوجه قد أخذه وافيًا كاملاً غير منسوبٍ ولا قاصرٍ عن مراد الشَّارع؛ فهو حريٌّ أنْ يترتَّب الثواب فيه
стр. 89
للمكلَّف على تلك النسبة.
وأمَّا القصد التابعُ: فلا يترتَّب عليه ذلك كله؛ لأنَّه حين أخذ الأمر والنَّهي بالحظ، أو أخذ العمل بالحظ؛ قد قصر الحظ عن إطلاقه، وَخَصَّ عمومه؛ فلا ينهض نهوض الأوَّل، وشاهده قاعدة: "الأعمال بالنيات".
يعظم الأجر بقصد المصلحة العامة:
العمل على المقاصد الأصليَّة يصيِّر الطَّاعةَ أعظَمَ، وإذا خُولِفَتْ، كانت معصيتها أعظَمَ.
أمَّا الأوَّل: فلأنَّ العاملَ على وَفْقها عاملٌ على الإصلاح لجميع الخلق، والدَّفْعِ عنهم على الإطلاق؛ لأنَّه إمَّا قاصدٌ لجميع ذلك بالفعل، وإمَّا قاصرٌ نفسَهُ على امتثال الأمر الذي يدخُلُ تحت قصده كُلُّ ما قصده الشَّارع بذلك الأمر، وإذا فعل، جُوزِيَ على كلِّ نفسٍ أحياها، وعلى كلِّ مصلحةٍ عامَّة قصدها، ولا شكَّ في عِظَمِ هذا العمل؛ ولذلك كان من أحيا النَّفس، فكأنَّما أحيا الناس جميعًا؛ بخلاف ما إذا لم يعمَلْ على وفقه، فإنَّما يبلغ ثوابُهُ مبلَغَ قصده؛ لأنَّ الأعمال بالنِّيات، فمتى كان قصده أعمَّ كان أجره أعظم، ومتى لم يعم قصده لم يكن أجره إلاَّ على وزن ذلك، وهو ظاهر.
وأمَّا الثاني: فإنَّ العامل على مخالفتها عاملٌ على الإفسادِ العامِّ، وهو مضادٌّ للعامل على الإصلاحِ العامِّ، وقد مرَّ أنَّ قصد الإصلاحِ العامِّ يعظُمُ به الأجر، فالعاملُ على ضدِّه يعظُمُ به وزره؛ ولذلك كُتِبَ على ابن آدم الأوَّل كِفْلٌ من وِزْرِ كلِّ من قَتَلَ النفسَ المحرمة؛ لأنَّه أوَّلُ من سنَّ القتل، وكان من قتل النفس فكأنَّما قتل النَّاس جميعًا، ومن سنَّ سنَّة سيئةً كان عليه وِزْرُها وَوِزْر من عمل بها.
стр. 90
العادات إذا كانت مصلحتها تعبُّدية، جازت فيها النيابة:
المطلوب الشرعي ضربان:
أحدهما: ما كان مِنْ قبيل العادات الجارية بين الخلق في الاكتساب وسائر المعاملات الدنيويَّة، التي هي طرقُ الحظوظِ العاجلة؛ كالعقود على اختلافها، والتصاريف المالية على تنوُّعها-: فهذه النيابة فيها صحيحةٌ؛ فيجوز أنْ ينوب عن غيره منابَهُ في استجلاب المصالح له، ودرء المفاسد عنه، بالإعانة، والوكالة ونحو ذلك، ممَّا هو في معناه؛ لأنَّ الحِكْمَةَ التي يطلب بها المكلَّف في ذلك كلِّه صالحةٌ أنْ يأتي بها سواه، كالبيع، والشراء، والأخذ، والإعطاء، ما لم يكن مشروعًا لحكمةٍ لا تتعدَّى المكلَّفَ عادةً أو شرعًا؛ كالأكل، واللبس، وغير ذلك ممَّا جرت به العادة، وكالنكاح وأحكامه التَّابعة له مِنْ وجوه الاستمتاع التي لا تصحُّ النيابة فيه شرعًا؛ فإنَّ هذا مفروغٌ من النظر فيه؛ لأنَّ حكمته لا تتعدَّى صاحبها إلى غيره.
الحاصل: أنَّ حكمة العادات إنِ اختصَّتْ بالمكلَّف، فلا نيابة؛ وإلاَّ صحَّت النيابة.
الثاني: التعبُّدات الشرعية؛ فلا يقوم فيها أحدٌ عن أحد، ولا يغني فيها عن المكلَّف غيرُهُ، وعمل العامل لا يجزى بها غيره، ولا ينتقل بالقصد إليه.
والدليل على صحَّة هذه الدعوى أمور:
أحدها: النصوص؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ١٨].
الثاني: المعنى، وهو أنَّ مقصودَ العبادات الخضوعُ لله، والتوجُّهُ إليه والانقياد تحت حكمه؛ حتَّى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرًا مع الله، ومراقبًا له غير غافلٍ عنه. والنيابة تنافي هذا المقصود.
стр. 91
الثالث: أنَّه لو صحَّت النيابةُ في العبادات البدنية، لصحَّت في الأعمال القلبية؛ كالإيمان وغيره من الصبر، والشكر، والرضا، والتوكل، والخوف، والرجاء، وما أشبه ذلك، ولم تكن التكاليف محتومةً على المكلّف عينًا؛ لجواز النيابة.
وما تقدَّم من الآيات كلُّها عموماتٌ نزلَتِ احتجاجًا على الكفَّار، وردًّا عليهم في اعتقادهم حَمْلَ بعضِهِمْ وِزْرَ بعض.
خير العمل ما وُوظِبَ عليه:
مِنْ مقصود الشَّارع في الأعمال: دوامُ المكلَّف عليها؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ [المعارج: ٢٣]. وفي الحديث: "أحبُّ العمل إلى الله ما داوَمَ عليه صاحبُهُ وإنْ قَلَّ".
فالمكلَّف إذا أراد الدخول في عملٍ غير واجب، فمن حقه أنْ لا ينظر إلى سهولة الدخول فيه ابتداءً حتَّى ينظر في مآله فيه؛ فإنَّ المشقَّة التي تدخل على المكلَّف من وجهين:
أحدهما: من جهَّة شدَّة التكليف نفسه، بكثرته، أو ثقل في نفسه.
الثاني: من جهة المداومة عليه، وإنْ كان في نفسه خفيفًا.
الشريعة عامَّة ما لم يقم دليل الخصوصية:
الشريعةُ بحسب المكلَّفين كليَّةٌ عامَّة، فلا يختصُّ بالخطاب بحكمٍ من أحكامها الكليَّة بعضٌ دون بعضٍ؛ والدليلُ على ذلك أمور:
أحدها: النَّصوص؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقال ﷺ : "بُعثت إلى الأحمر والأسود"، وأشباه هذين النَّصَّين مما يدل على أن البِعْثَةَ عامَّة لا خاصَّة.
الثانى: أنَّ الأحكامَ إذا كانَتْ موضوعةً لمصالح العباد، فَهُمْ بالنسبة إلى ما تقتضيه مِنَ المصالح سواءٌ، فلو وضعت على الخصوص، لم تكن موضوعة
стр. 92
لمصالح العباد بإطلاق.
الثالث: إجماعُ العلماء المتقدِّمين من الصحابة والتَّابعين ومَنْ بعدهم؛ ولذلك صيَّروا أفعال النَّبي ﷺ حجَّةً للجميع في أمثالها.
القياس يدل على عموم الأحكام ولا خصوصية للصوفية:
وهذا الأصلُ المتقدِّم يتضمَّن قواعدَ عظيمة:
منها: أنَّه يعطي قوَّةً عظيمةً في إثبات القياس على منكريه؛ مِنْ جهة أنَّ الخطابَ الخاصَّ ببعض الناس يَعُمُّ أمثالها من الوقائع.
ومنها: أنَّ كثيرًا ممَّن لم يتحقَّق بفهمِ مقاصد الشريعة يَظُنُّ أنَّ الصوفية جرَتْ على طريقةٍ غير طريقة الجمهور، وأنَّهم امتازوا بأحكامٍ غيرِ الأحكام المبثوثة في الشريعة، مستدلِّين على ذلك بأمور مِنْ أقوالهم وأفعالهم.
أحكام العادات:
العادات المستمرَّة ضربان:
أحدهما: العاداتُ الشرعية التي أقرَّها الدليلُ الشرعيُّ أو نفاها.
ومعنى ذلك: أنَّ الشرع أمَرَ بها إيجابًا أو ندبًا، أو نهى عنها كراهة أو تحريمًا.
الثاني: العاداتُ الجارية بين الخلق بما ليس في نفيِهِ ولا إثباتِهِ دليلٌ شرعي.
فالأوَّل: ثابتٌ أبدًا؛ كسائر الأمور الشرعية، كما قالوا في سَلْبِ العبد أهلية الشهادة، والأمرِ بإزالة النجاسة، وسَتْرِ العورة، وما أشبه ذلك من العوائد الجارية في النَّاس، إمَّا حسنة عند الشَّارع، أو قبيحة؛ فإنَّها من جملة الأمور الدَّاخلة تحت أحكام الشرع، فلا تبديل لها، ولا يصح أنْ ينقلب الحسن فيها قبيحًا ولا القبيح حسنًا.
وأمَّا الثاني: فقد تكونُ تلك العوائدُ ثابتةً، وقد تتبدَّل، ومع ذلك فهي أسبابٌ لأحكامٍ تترتَّب عليها، فالثابتةُ: كوجود شَهْوةِ الطعامِ، والوقاعِ، والنظر، والكلام، وأشباه ذلك، والمبتدِّلة: منها ما يكون متبدلاً في العادة من
стр. 93
حسن إلى قبح، وبالعكس، مثل: كشف الرأس؛ فإنَّه يختلف بحسب البقاع في المواقع؛ فهو لذوي المروءات قبيحٌ في البلاد الشرقية، وغيرُ قبيح في البلاد الغربية؛ فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك.
واعلم: أنَّ ما جرى ذكره هنا من اختلافِ الأحكامِ عند اختلافِ العوائد ليس في الحقيقةِ اختلافًا في أصل الخطاب؛ لأنَّ الشرع موضوع على أنَّه دائم أبدًا، وإنما معنى الاختلاف أنَّ العوائد إذا اختلفَتْ، رَجعَتْ كلُّ عادة إلى أصل شرعيٍّ يحكم به عليها.
الأصل في العبادات التعبد، وفي العادات التعليل:
الأصل في العبادات: التعبُّدُ، دون الالتفاتِ إلى المعاني؛ والدليل على ذلك أمور:
منها: الاستقراء؛ فإنا وجدنا الطهارة لا تتعدَّى محل موجبها، وكذلك الصلواتُ خُصَّتْ بأفعالٍ مخصوصة إن خرجَتْ عنها لم تكن عبادة، وأنَّ الذكر المخصوصَ في هيئةٍ ما مطلوبٌ، وفي هيئة أخرى غيرُ مطلوب، وأنَّ الطهارة من الحدثِ مخصوصةٌ بالماء الطهور وإن أمكنتِ النظافةُ بغيره.
ومنها: أنَّ وجود التعبُّدات لم يهتد إليها العقلاءُ اهتداءهم لوجوه معاني العادات، فقد رأيتُ الغالبَ فيها الضلال، ومن ثمَّ حصل التغيير فيما بقي من الشرائع المتقدِّمة، وهذا ما يَدُلُّ على أنَّ العقل لا يستقلُّ بدرك معانيها ولا بوصفها، فافتقرنا إلى الشريعة في ذلك.
ولما كان الأمر كذلك، عَذَرَ اللهُ أهلَ الفترات في عدم اهتدائهم؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
وإذا ثبت هذا، لم يكن بُدٌّ من الرجوع في هذا الباب إلا مجرَّد ما حده الشارع، وهو معنى التعبد، ولذلك كان الواقف مع مجرَّد الاتباع فيه أولى بالصواب وأجدى على طريقة السلف الصالح.
стр. 94
وأما العادات: فالأصلُ الالتفاتُ فيها إلى المعاني؛ وذلك لأمور:
الأوَّل: الاستقراء، فإننا وجدنا الشَّارع قاصدًا لمصالح العباد، والأحكام العادية تَدُورُ حيثما دار، فترى الشيء الواحد يُمْنَعُ في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحةٌ، جاز كالدرهم بالدرهم إلى أجل: يمتنعُ في المبايعة، ويجوز في القرض، وبيع الرطب باليابس: يمتنع حيث يكون مجرد ربا وغرر مِنْ غير مصلحة، ويجوز إذا كان مصلحة راجحة، ولم يوجد هذا في باب العبادات مفهومًا، كما فهمناه في العادات.
وقال تعالي: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]،،، إلى غير ذلك مما لا يحصى، وجميعه يشير إلى اعتبار المصالح للعباد.
الثاني: أنَّ الشَّارع توسَّع في بيان العلل في تشريعِ بابِ العادات؛ بخلاف باب العبادات: فإنَّ المعلومَ فيه خلاف ذلك.
الثالث: أنَّ الالتفات إلى المعاني قد كان معلومًا في الفترات، واعتمد عليه العقلاء حتى جرَتْ بذلك مصالحهم.
إذا تقرر أنَّ الغالب في العادات هي المعاني، فإنَّه إذا وجد فيها التعبُّد، فلابد من الوقوف مع المنصوص؛ كطلب الصداق في النكاح، والذَّبْحِ في المحل المخصوص في الحيوان المأكول، والفروضِ المقدرة في المواريث، وعَدَدِ الأشهر في العِدَدِ الطلاقية، وما أشبه ذلك.
стр. 95
القسم الثاني فيما يرجع إلى مقاصد المكلّف في التكليف
وفيه مسائل:
الأولى: إنَّما الأعمال بالنيات، والمقاصد معتبرة في التصرُّفات من العبادات والعادات، والأدلة على هذا المعنى لا تنحصر، ويكفيك منها: أنَّ المقاصد تفرِّق بين ما هو عادة وما هو عبادة، وفي العبادات بين ما هو واجب وغير واجب.
وفي العادات بين ما هو واجب ومندوب، ومباح، ومكروه ومحرم، وصحيح وفاسد، والعمل الواحد يقصد به أمر فيكون عبادة، ويقصد به شيء آخر، فلا يكون كذلك.
والأعمال قسمان: عادات، وعبادات:
فأما العادات: فلا تحتاج في الامتثال بها إلى نية، بل مجرد وقوعها كاف؛ كرد الودائع والمغصوب، والنفقة على الزوجات ونحو ذلك.
وأما العبادات: فتحتاج إلى النية.
والأعمال الداخلة تحت الاختيار لا تصير تعبدية إلاَّ مع القصد إلى ذلك، فأما ما وضع على التعبد؛ كالصلاة، والحج وغيرهما، فلا إشكال فيه، وأما العادات، فلا تكون تعبديات إلاَّ بالنيات.
ينبغي أن يكون قصد المكلف من عمله موافقًا لقصد الشَّارع من تشريعه ذلك العمل:
قصد الشَّارع من المكلَّف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في
стр. 96
التشريع، والدليل على ذلك ظاهرٌ من وضع الشريعة.
إذ قد مرَّ أنَّها موضوعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أعماله، وأن لا يقصد خلاف ما قصده الشارع.
ولأنَّ المكلف خُلِقَ لعبادة الله، وذلك راجع إلى العمل على وفق القصد في وضع الشريعة، وهذا محصول العبادة؛ فينال بذلك الجزاء في الدنيا والآخرة.
وأيضًا: فإن قصد الشَّارع المحافظة على الضروريات وما رجع إليها من الحاجيات والتحسينيَّات، وهو علة ما كلف به العبد، فلابد أن يكون مطلوبًّا بالقصد إلا ذلك، وإلاَّ لم يكن عاملاً على المحافظة؛ لأنَّ الأعمال بالنيات.
من قصد من العمل غير ما قصده الشارع بطل عمله وأهدر ثوابه:
كل من ابتغى في تكليف الشريعة غير ما شرعت له، فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها، فعمله في المناقضة باطل؛ فإنَّ المشروعات إنما وضعت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، فإذا خولفت، لم تكن في تلك الأفعال التي خولف بها جلب مصلحة ولا درء مفسدة.
أما من ابتغى في الشريعة ما لم توضع له، فهو مناقض لها.
والدليل عليه من أوجه:
أحدها: أنَّ الأفعال والتروك متماثلة عقلاً بالنسبة إلى ما يقصد بها؛ إذ لا تحسين للعقل ولا تقبيح، فإذا جاء الشارع بتعيين أحد المتماثلين للمصلحة وتعيين الآخر للمفسدة، فقد بيَّن الوَجْهَ الذي منه تحصُلُ المصلحة؛ فأمر به أو أذن فيه، وبيَّن الوجه الذي تحصل به المفسدة فنهى عنه رحمة بالعباد، فإذا قصد المكلَّف عين ما قصده الشارع، فقد قصد وجه المصلحة على أتم وجهه؛ فهو جدير بأن تحصل له، وإن قصد غير ما قصده الشارع، وذلك إنما يكون في الغالب لتوهُّم أن المصلحة فيما قصدة لأنَّ العاقل لا يقصد وجه المفسدة
стр. 97
كفاحًا-: فقد جعل ما قصَدَ الشارعُ مهمَل الاعتبار، وما أهملَ الشارعُ مقصودًا معتبرًا وذلك مضادة للشريعة ظاهرة.
الثاني: أنَّ حاصل هذا القصد يرجع إلا ما رآه الشارع حسنًا، فهو عند هذا القاصد ليس بحسن، وما لم يره الشارع حسنًا، فهو عنده حسن؛ وهذه مضادَّة أيضًا.
الثالث: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء، الآية: ١١٥]؛ قال عمر بن عبد العزيز: سنَّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننًا؛ من أخذ بها فهو مهتد، ومن خالفها اتَّبع غير سبيل المؤمنين.
الرابع: الآخذ بالمشروع من حيث لم يقصد به الشارع ذلك القصد آخِذٌ في غير مشروع حقيقة؛ لأنَّ الشارع إنما شرعه لأمر معلوم بالفرض، فإذا أخذ بالقصد إلى غير ذلك الأمر المعلوم، لم يأت بذلك المشروع أصلاً، وإذا لم يأت به، ناقضِ الشارعَ في ذلك الأخذ من حيث صار كالفاعلِ لغير ما أمر به والتاركِ لما أَمَرَ به.
قصد المكلف العمل أقسام:
التكاليف إذا علم قصد المصلحة فيها، فللمكلَّف في الدخول تحتها ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقصد بها ما فهم من مقصد الشارع في شرعها؛ فهذا لا إشكال في موافقته، ولكن ينبغي أن لا يخليه من قصد التعبد، فكم من فهم المصلحة فلم يلو على غيرها من قصد التعبد، فهي غفلة تفوِّت خيرات كثيرة، بخلاف ما إذا لم يهمل التعبد.
الثاني: أن يقصد بها ما عسى أن يقصده الشارع مما اطَّلع عليه أو لم يطَّلع عليه، كأن ينوي من هذا العمل ما قصده الشارع من شرعه، وهذا أكمل
стр. 98
من الأول، إلاَّ أنَّه ربَّما فاته النظر إلى التعبد والقصد إليه في التعبد.
الثالث: أن يقصد مجرد الامتثال، فَهِمَ قصد المصلحة أو لم يفهم، فهذا أكمل وأسلم:
أما كونه أكمل: فإنه نصب نفسه عبدًا ممتثلًا ملبيًا؛ إذْ لم يعتبر إلاَّ مجرد
الأمر.
وأما كونه أسلم: فلأنَّ العامل بالامتثال عامل بمقتضى العبودية، فإن عرض له قصد غير الله، رده قصد التعبد، بخلاف ما إذا عمل على جلب المصالح، فإنه عد نفسه هنالك واسطةً بين العباد ومصالحهم، وإذا رأى نفسه واسطة، فربَّما دخله شيء من اعتقاد المشاركة.
وأيضًا: فإنَّ حظه -هنا- محمود، والعمل على الحظ طريق إلى دخول الدواخل، والعمل على إسقاطها طريق إلى البراءة منها.
ليس لأحد أن يسقط حق الله في نفسه أو ماله أو عمله:
كل ما كان من حقوق الله، فلا خيرة فيها للمكلَّف، ولا يملك إسقاطها؛ وذلك كالطهارة والصلاة والزكاة ... إلخ.
وما يتعلق بذلك من الكفارات والمعاملات، والأكل والملبس، وغير ذلك من العبادات والعادات التي ثبت أنَّ فيها حقًّا لله تعالى، وكذلك الجنايات كلها على هذا الوزان جميعها لا يسقط حق الله فيها ألبتة، فلو طمع أحد أن يسقط الطهارة، بقي مطلوبًا بها حتى يقوم بها، ولو استحلَّ أكل ما حرَّمه الشارع، أو استحلال نكاح بلا ولي، أو استحلال الربا، أو بيعًا فاسدًا، أو إسقاط حد الزنى، أو الحرابة ونحوها، لم يصح شيء منه.
وإذا كان الحكم دائرًا بين حق الله وحق العبد، لم يصح للعبد إسقاط حقِّه إذا أدى إلى إسقاط حق الله؛ وذلك مثل أنَّ حق العبد ثابت له في حياة العبد وكمال جسمه وعقله وبقاء ماله في يده، فإذا أسقط ذلك بأن سلط يد الغير عليه
стр. 99
فقد خالف الشرع؛ إذ ليس لأحد أن يقتل نفسه، ولا أن يفوِّت عضوًا من أعضائه ولا مالاً من ماله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء، الآية: ٢٩]، وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة، الآية: ١٨٨].
سكوت النبي ﷺ عن الزيادة على المشروع مع الداعية إلى الزيادة نهي عن الزيادة:
السكوت عن شرعية الحكم على ضربين:
أحدهما: أن يسكت عنه؛ لأنَّه لا داعية له تقتضيه، ولا مُوجِبَ يقدِّر لأجله؛ كالنوازل التي حدثت بعد رسول الله ﷺ ، فإنَّها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها، وإنما حدثت بعد ذلك، فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها، وإجرائها على ما تقرَّر في كُلِّيَّاتها، وما أحدثه السلف الصالح راجعٌ إلى هذا القسم؛ من جمع المصحف، وتدوين العلم، وتضمين الصناع، وما أشبه ذلك مما لم يجر له ذكر زمن النبي ﷺ ، ولم تكن من نوازل زمانه، ولا عرض للعمل بها مُوجبٌ يقتضيها.
فهذا القسم جاريةٌ فروعه على أصوله المقررة شرعًا بلا إشكال، والقصد الشرعي فيها معروف.
الثاني: أن يسكت عنه، وموجبه المقتضي له قائم، فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمن.
فهذا الضرب السكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص؛ لأنَّه لما كان هذا المعنى المُوجِبُ لشرع الحكم العملي موجودًا، ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه، كان ذلك صريحًا في أنَّ الزائد على ما كان هناك بدعةٌ زائدة، ومخالفة لما قصده الشَّارع؛ إذ فهم من قصده الوقوف عندما حد -هنالك- لا الزيادة عليه ولا النقصان منه.
وذلك مثل سجود الشكر عند من لم يثبت ذلك عنده كمالك ﵀-
стр. 100
فالبدع هي فِعْل ما سكَتَ الشارع عن فعله، أو تَرْكُ ما أَذِنَ في فعله.
فالأول كسجود الشكر عند مالك، والدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلوات، والاجتماع للدعاء بعد العصر يوم عرفة في غير عرفة.
والثاني: كالصيامِ مع ترك الكلامِ، ومجاهدةِ النفس بترك مأكولات معينة.
فالبدع إنما أحدثت لمصالحَ يدَّعيها أهلها، ويزعمون أنَّها غيرُ مخالفة لقصد الشَّارع، ولا لوضعِ الأعمال.
وإلى هنا تمَّ ما اخترته وما لخَّصته من كتاب -الموافقات- للإمام الشاطبي، وقد جرى اختياره في عدة مجالس، آخرها ليلة السبت الموافق (٢٨/ ٥/ ١٤١٠ هـ).
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه
عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح البسَّام
مكة المكرمة
стр. 101
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فقد ذكرنا -في "المقدمة الأولى" من مقدمات هذا الشرح -بيانَ أهمية "بلوغ المرام"، وعظم قدره، وجليل فائدته، والميزات الطيبة التي انفرد بها عن الكتب المصنفة في بابه، مما دعا العلماء إلى العنايةِ به، والإقبالِ عليه، والاستفادةِ منه، واختيارِهِ على غيره في حلقات الدروس، وقاعات المعاهد والجامعات، حتى صار هو العمدة في الاستظهار والاستنباط والاستفادة، فتعدَّدت طباعته، وكثر تداوله، وكما قيل: "المورد العذب كثير الزحام".
كما ذكرت في تلك "المقدمة" صِلَتي بهذا الكتاب، وطول صحبتِي إيَّاه، فإنَّها ألفة قديمة، وعلاقة وثيقة، وصلة عريقة، تطلب مني الوفاء لماضيه، وخدمة قارئيه، والقيام بحق مؤلفه، وذلك بشرح يقرِّب معانيه، ويكشف عن مطاويه، ويستخرج درره ويجلو أصدافه ويبرز محاسنه، فحدَّثْتُ نفسي بأني -بعد أن توفَّرَتِ المصادر، وَكَثُرَتِ المراجع، وتيسَّرت الأمور- أستطيعُ أن أقدِّم لطلاب العلم شرحًا يلائم أذواقهم، ويشاكل مناهجهم، ويناسب ما يُلقى عليهم من دروس مادة الحديث، وزاد في إقدامي على شرح هذا الكتاب أمران:
أحدهما: ما لمسته من إقبال على شرحي على "العمدة" المسمى "تيسير العلَّام"، واختياره لتدريس مادة الحديث في كثير من دور العلم، وحلقات الدروس في المساجد، وإعجاب الكثير في جمعه وترتيبه وتنسيقه وتبويبه.
الثاني: أنَّ الشروح المتداولة لـ"بلوغ المرام" غير مرتَّبة ولا منسَّقة،
стр. 102
وطريقة تأليفها تخالف النهج الذي تسير عليه المعاهد والجامعات الآن.
فأقدمت على تأليف هذا الشرح الذي أرجو أن يكون مناسبًا لوقته، ملائمًا لقرَّائه، كافيًا في بابه، وافيًا في مقصوده، وما في هذا الكتاب من فوائد وأحكام، فهي قسمان:
أحدهما: ما استخرجته من خزين الحافظة ثمرة دراسات سابقة صاغتها الملكة حتى صار من إعدادها.
الثاني: نقولٌ من تلك المراجع؛ إما بنصِّها، وإما باختصار لا يخل بمعناها؛ فإني لا أحذف من الكلام إلاَّ استطرادات خارجة عن الموضوع، أو زيادات عن الخلاصة المختارة.
وبعد: فقد حَلَّيْتُ هذا الشرح بأمورٍ تزيدُ في حسنه، وترغِّبُ في قراءته، وأوجزها بما يأتي:
أولًا: فَصَّلْتُ مواضيعَ الكتاب ونسقتها، ليأخذ كلُّ طالب علم بغيته ومراده؛ ففيه الكلام عن درجة الحديث، وتفسير غريبه، وبيان أحكامه، وتفصيل الخلاف في مسائله، فكل موضوع من هذه المواضيع له فصله الخاص به وحده.
ثانيًا: أنني لم أنتصر لأي إمامٍ، ولم أتعصَّب لأي مذهب، وإنما وجَّهت قصدي إلى ما يرجِّحه الدليل من أقوال العلماء، رحمهم الله تعالى.
ثالثًا: أنني ألحقت به ما يناسبه من القرارات التي صدرت من المجامع الفقهية، وهي: مجمَّع الفقه الإِسلامي -التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي، ومقره جدة، والمجمَّع الفقهي الإِسلامي التابع لرابطة العالم الإِسلامي، ومقره مكة المكرمة، ومجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، ومجمَّع البحوث الإِسلامية بالقاهرة.
وهذه القرارات قسمان:
إما مسائل قديمة بحثها علماء المجلس؛ فقيمة القرار منها دراسته من
стр. 103
أحد هذه المجامع، أو منها كلها، وإعطاء المسلمين فيه رأيًا جماعيًّا من نخبة ممتازة من علماء المسلمين.
وإما مسائل مستجدة اقتضاها العصر الحاضرة فدرسها أحد هذه المجامع الكبيرة، وخرج منها برأي شرعي جماعي، طبقت عليه النصوص الشرعية، مما أبان عن عظمة هذه الشريعة وشمولها وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
رابعًا: أنني حرصتُ على تتبع الحقائق العلمية التي توصَّل إليها العلم في هذه الأزمنة، التي تطوَّرَتْ فيها العلوم الطبيعية والعلوم الكونية؛ مما له صلة في نصوص هذا الكتاب ومسائله؛ لأبرز بقدر علمي واستطاعتي ما تحمله هذه النصوص الكريمة من إعجاز علمي باهر، طابَقَ بكلِّ وضوحٍ وجلاء ما في تلك الحقائق العلمية الجديدة؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت، الآية: ٥٣]، وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ [ص، الآية: ٨٨]، فبظهور هذا التطابق بين النصوص الكريمة وما أودعه الله في هذا الكون من حقائق، يُعْلَمُ أنَّه كله جاء من لدن حكيم خبير، فيزداد الذين آمنوا إيمانًا، وتقوم الحجة الظاهرة القوية على المعاندين.
خامسًا: أنَّ هذا الشرح بالرغم من حرصي على تقريبه لطالب العلم المبتدىء، إلاَّ أنِّي توسَّعْتُ فيه اتساعًا، فبحثتُ جميعَ جوانب الحديث روايةً ودراية، فقد تكلَّمْتُ على درجة الحديث من حيثُ القبولُ والرَّدُّ، وذلك في الأحاديث التي ليست في الصحيحَيْنِ أو أحدهما، ثم شرحتُ مفرداتِ الحديث وغريبَ لفظه لغةً ونحوًا وصرفًا، واصطلاحًا، وتعريفًا عمليًّا، ثم إني استنبطتُ الأحكام والآدابَ بطريقةٍ موسَّعة، وَعُنِيتُ عنايةً تامَّةً بعِلَلِ الأحكام وأسرارها؛ لأظهر محاسن الإِسلام وأحكامه أمام القارىء لا سَيَّما الناشئة منهم؛ ليزيد تعلقهم بدينهم، فيأخذوه عن قناعة ويقين.
سادسًا: تتميمًا لفائدة هذا الشرح، فإني ألحقتُ -غالبًا- في كل حديث
стр. 104
ما يشابه أحكامه ويناسبها من الفوائد مما يعد أحكامًا زائدةً عما يفهم من الحديث أو من الباب؛ لِذا فإني جعلتها بعنوان مميِّز لها حينما أقول: "فائدة" أو "فوائد".
اصطلاحات خاصة في هذا الشرح:
- إذا قلتُ: "الشيخ" فمرادي: شيخ الإِسلام أحمد بن تيمية.
- وإذا قلتُ: "قال ابن عبد الهادي" فمن كتابه المحرَّر.
- وإذا قلتُ: "في التلخيص" فمرادي التلخيص الحبير؛ للحافظ ابن حجر.
- وإذا قلتُ: "قال الصنعاني" فهو من سبل السلام.
-وإذا قلتُ: "قال الشوكاني" فأعني من نيل الأوطار.
- و"قال صديق حسن" يعني: من الروضة الندية.
- وإذا قلتُ: "قال الألباني" فهو من إرواء الغليل، وقليل من حاشيته على المشكاة.
- ومرادي بـ"الروض" الروض المربع، ومرادي بـ"الحاشية" حاشية الروض؛ للشيخ عبد الرحمن بن قاسم.
- قد يتكرر شرح اللفظة الواحدة من الحديث أو أكثر من مرة؛ وقصدي إراحة القارىء بإعادة شرحها عن الإحالة إلى مكانها.
وبعد:
فإنني مغتبط أشدَّ الاغتباط بهذه الصحوة الإِسلامية المباركة، وهذا الوعي المديني الذي جُلَّ أمره صار في الشباب والشابات، فأسأل الله تعالى أن يبارك فيه، وأن يؤيِّده ويقوِّيه، وأن يقيه شر الآفات، ومكايد الأشرار، وتدبير الأعداء.
والذي أنصح إخواني وأخواتي وأبنائي وبناتي به: أن يحرصوا على جمع الكلمة، وتوحيد الصف وَلَمِّ الشمل، ولا يكون ذلك إلاَّ بتناسي الخلافات الفرعية في المسائل الاجتهادية.
стр. 105
فلا يكن بحثهم لها مصدر عداوة وبغضاء، وإنما يكون بحث استفادة ووصول إلى الحق: فإن وصلوا إلى إجماع بينهم عليها، فذاك، وإلاَّ عَمِلَ كلُّ منهم بما أوصله إليه اجتهاده بلا عداوة ولا بغضاء، ولا تهاجر ولا تقاطع؛ فقد سبقهم إلى الخلاف فيها علماء أجلَّاء، فلم يحدث بحثهم فيها ونقاشهم مسائلها عداوةً ولا بغضاء، وإنما كل منهم يعمل على شاكلته، وما رأى أنَّه الحق.
فليحذر أولادنا الأعزَّاء من التفرُّق والاختلاف؛ فإنَّه سبب الفرقة وإضاعة الجهد؛ ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال، الآية: ٤٦]، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران، الآية: ١٠٣].
بارك الله في أعمالهم، وسدَّد أقوالهم، ونجَّح مساعيهم، وجعلهم هداة مهتدين، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المؤلف
стр. 106
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الحافظ ابن حجر لكتابه بلوغ المرام
الحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة قديمًا وحديثًا، والصلاة والسلام، على نبيه ورسوله محمَّد وآله وصحبه الذين ساروا في نصرة دينه سيرًا حثيثًا، وعلى أتباعهم الذين وَرِثُوا علمهم و"العلماء ورثة الأنبياء" أكرم بهم وارثًا وموروثًا.
أما بعد: فهذا مختصَرٌ يشتمل على أصول الأدلَّةِ الحديثيَّة، للأحكامِ الشرعيَّة، حرَّرته تحريرًا بالغًا؛ ليصيرَ من يحفظه بين أقرانه نابغًا، ويستعينَ به الطالبُ المبتدي، ولا يستغنيَ عنه الراغبُ المنتهي، وقد بَيَّنْتُ عَقِبَ كُلِّ حديث مَنْ أخرجَهُ من الأئمَّة، لإرادة نُصْحِ الأمَّة.
فالمرادُ بالسبعة: أحمدُ، والبخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داود، وابن ماجَهْ، والترمذيُّ، والنَّسائيّ.
وبالستة: مَنْ عدا أحمد، وبالخمسة: مَنْ عدا البخاريَّ ومسلمًا، وقد أقولُ: الأربعة وأحمد، وبالأربعة: مَنْ عدا الثلاثةَ الأُوَل، وبالثلاثةِ: من عداهم وعدا الأخير، وبالمتَّفق عليه: البخاريُّ ومسلم، وقد لا أذكر معهما غيرهما، وما عدا ذلك فهو مبيَّن، وسمَّيته: "بُلُوغَ المرام، من أدلة الأحكام".
واللهَ أسأل أن لا يجعَلَ ما علِمْنَا علينا وبالاً، وأن يرزقنا العمَلَ بما يُرْضِيهِ .
стр. 107
كتاب الطهارة
باب المياه
الكتاب: لغة: مدار مادة -كتب- على الجمع، فسمِّي كتابًا؛ لجمعه الحروف والكلمات والجمل، وهو هنا بمعنى المكتوب.
واصطلاحًا: ما خُطَّ على القرطاس لإبلاغ الغير، أو ما خُطَّ لحفظه عن النسيان، واستعمل العلماء الكتاب فيما يجمع شيئًا من الأبواب والفصول.
الطهارة:
لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسيَّة والمعنوية.
وشرعًا: ارتفاعُ الحَدَثِ بالماءِ أو الترابِ الطهوريْنِ المُباحَيْنِ، وزوال النجاسة.
فالطهارة -باتفاق المسلمين-: هي زوالُ الوصف القائم بالبدن.
وحكم هذا الوصف: المنعُ من الصلاة ونحوها، ووجهُ التعبيرِ في جانب الحَدَثِ بالارتفاع؛ لأَنَّه أمر معنوي، ووجه التعبير بالإزالة في النجاسة؛ لأنَّه جرم حسي، والإزالة لا تكون إلاَّ في الأجرام.
الباب: لغة: المدخل إلى الشيء.
واصطلاحًا: اسم لجملة متناسبة من العلم تحته فصول ومسائل غالبًا.
المياه: جمع ماء، وهو المائع المعروف، ويتركَّب كيميائيًّا من غاز الأيدروجين وغاز الأوكسيجين، ومصادره مياه الأمطار والينابيع والعيون والبحيرات والأنهار.
стр. 108
مناسبة البدء بالطهارة هو أنَّ الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في بيان شعائر الإِسلام بُدِئَتْ بالصَّلاة، ثم بالزكاة، ثم بالصوم، ثم بالحج، وكما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١٠٠٩) وأبو داود (٦١) والترمذي (٢)، وابن ماجه (٢٧٥)؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مفتاح الصلاة الطهور"، والمفتاح شأنه التقديم على ما جعل مفتاحًا له، فصار المناسب هو البدء بالطهارة؛ لأنَّ الطهارة من الحدث والخبث من شروط الصلاة، وشرط الشيء يسبقه.
وقال الغزالي في الإحياء: قال الله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال، الآية: ١١].
وروى مسلم (٢٢٣) عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "الطهور شطر الإيمان".
والطهارة لها أربع مراتب:
الأولى: تطهير الظاهر من الأحداث والأنجاس.
الثانية: تطهير الجوارح من الجرائم والآثام.
الثالثة: تطهير القلب من الأخلاق المذمومة.
الرابعة: تطهير السرِّ عما سوى الله تعالى.
وهذا هو الغاية القصوى لمن قويت بصيرته فسَمَت إلى هذا المطلوب، ومن عميت بصيرته، لم يفهم من مراتب الطهارة إلاَّ المرتبة الأولى.
والأصل: أنَّ الطهارة تكون بالماء؛ ذلك أنَّه أحسن المذيبات، فكل المواد تذوب فيه، وقوَّة تطهيره ترجع إلى بقائه على خلقته الأصلية؛ فإنه إذا خالطه ما غيَّر مسماه، ضعُفَتْ قوة إزالته وتطهيره؛ لأنَّه يفقد خفته ورقته وسيلانه ونفوذه.
стр. 109
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْبَحْرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ". أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ. (١)
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ.
قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح، سألت عنه البخاري فقال: صحيح، وقال الزرقاني في شرح الموطأ: هذا الحديث أصلٌ من أصول الإِسلام تلقته الأمَّة بالقبول، وقد صحَّحه جماعةٌ: منهم البخاري والحاكم وابن حبَّان وابن المنذر والطحاوي والبغوي والخطابي وابن خزيمة والدَّارقطني وابن حزم وابن تيمية وابن دقيق العيد وابن كثير وابن حجر، وغيرهم ممَّن يزيد على ستَّة وثلاثين إمامًا.
* مفردات الحديث:
- البحر: هو خلاف البر، وهو المساحات الشاسعة من الماء المالح، يجمع على أبحر وبحار وبحور، سُمِّي بحرًا لعُمْقِهِ واتساعه.
- الطَّهُور: بفتح الطَّاء المشدَّدة، من صيغ المبالغة: اسمٌ للماء الطَّاهر بذاته المطهِّر لغيره، واللام ليست للقصر؛ فلا ينفي طهورية غيره لوقوعه جواب سؤال، فـ "أل" جاءت لبيان الحقيقة هنا، و"ماؤه" فاعلٌ للطهور، والضمير عائدٌ إلى البحر.
стр. 110
وماء البحر حوى أملاحًا معدنية عديدة، ومحلول الأملاح فيه موصِّل كهربائي، يكوِّن أكبر نسبة من الموادِّ الذَّاتية في ماء البحر، وبهذا يكون أقدر مِنْ غيره على إزالة الأنجاس ورفع الأحداث، ولله في خلقه أسرار.
- الحِلُّ: بكسر الحاء وتشديد اللَّام، وصفٌ من حَلَّ يحل -من باب ضرب- ضد حرم، أي: الحلال؛ كما في رواية "الدَّارقطني".
- مَيْتَتُهُ: بفتح الميم، ما لم تلحقه الذكاة الشرعية، وبكسرها: الهيئة كالجِلْسة، والمراد الأول.
و"ميتته" فاعل لِلْحِلّ، والمراد هنا ما مات فيه من دوابِّه، مما لا يعيش إلاَّ فيه، لا ما مات فيه مُطْلَقًا.
* ما يُؤخَذُ مِنَ الحديث:
١ - قال الشّافعي: هذا الحديث نصف علم الطهارة.
وقال ابن الملقِّن: هذا الحديث حديثٌ عظيمٌ، وأصلٌ من أصول الطهارة، مشتملٌ على أحكامٍ كثيرة، وقواعدَ مهمَّة.
٢ - في الحديث طهورية ماء البحر؛ وبه قال جميع العلماء.
٣ - أنَّ ماء البحر يرفع الحدث أكبر والأصغر، ويزيل النجاسة الطارئة على محلٍّ طاهر، من بدنٍ، أو ثوب، أو بقعة، أو غير ذلك.
٤ - أنَّ الماء إذا تغيَّر طعمه أو لونه أو ريحه بشيءٍ طاهرٍ، فهو باقٍ على طهوريته، ما دام ماءً باقيًا على حقيقته، ولو اشتدت ملوحته أو حرارته أو برودته ونحوها.
٥ - يدل الحديث على أنَّه لا يجب حمل الماء الكافي للطهارة مع القدرة على حمله؛ لأنَّهم أخبروا أنَّهم يحملون القليل من الماء.
٦ - قوله: "الطهور ماؤه" تعريفه بالألف والَّلام المفيد للحصر لا ينفي طهورية غيره؛ لوقوعِهِ جوابَ سؤال عن "ماء البحر"؛ فهو مخصَّصٌ بنصوصٍ أُخرى.