← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قوله: "وتحليلها التسليم" [رواه أبو داود (٦١)]. وأقله: "السلام عليكم" قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أنَّ صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة. أما دليل الحنفية على أنَّه ليس بفرض: فحديث ابن مسعود: "إذا قضيت هذا، تمت صلاتك" [رواه أبو داود (٨٥٦)، والترمذي (٣٠٢)]. أما دليل الحنابلة: فما رواه أبو داود (٩٩٦)، والنسائي (١٣١٩) عن ابن مسعود "أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، ويلتفت حتى يرى بياض خده". وأجابوا عن حديث ابن مسعود: ". . . تمت صلاتك": بأنَّ هذا التعبير معناه: أنَّك وصلت إلى نهايتها، وهو السلام، الذي به تخرج منها. ***

стр. 842

٢٥٦ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ: "لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ". مُتَّفقُّ عَليْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - دُبُر: -بضم الدال المهملة، وضم الباء الموحدة، ويجوز سكونها-: ضد القبل، فالقبل: وجه كل شيء، والدبر: عقبه ومؤخره. - صلاة مكتوبة: أي: فريضة، وجاءت مطلقة في إحدى روايات البخاري: "كان يقولها في دبر كل صلاة"، والمطلق يحمل على المقيد. - لا إله إلاَّ الله: "لا" نافية للجنس، "إله" اسمها، أما خبرها فمحذوف، تقديره "حق"، واسم الجلالة بدل منه، وهي كلمة التوحيد بالإجماع، وهي مشتملة على النفي والإثبات؛ فقوله: "لا إله" نفي للألوهية، و"إلاَّ الله" تأكيد لإثبات الألوهية لله تعالى، وبهاتين الصفتين صارت هذه هي كلمة التوحيد والشهادة. - وحدَه: منصوب على الحال، تقديره: ينفرد وحده، وأوَّلناه هكذا؛ لأنَّ الحال لا تكون إلاَّ نكرة. - لا شريك له: تصلح أن تكون تأكيدًا لـ"وحده"؛ لأنَّه المتَّصف بالوحدانية، وأن تكون توكيدًا لنفي الشريك، فكلمة الإخلاص تضمنت إثباتًا ونفيًا. - له الملك: بضم الميم؛ ليعم، ويكون له جل وعلا مطلقُ الملكوت.

стр. 843

- وله الحمد: جميع أصناف المحامد؛ بناء على أنَّ الألف واللام لاستغراق الجنس. - وهو على كل شيء قدير: من باب التتميم والتكميل؛ لأنَّ الله تعالى لما كانت لى الوحدانية، وله الملك، وله الحمد، فبالضرورة يكون قادرًا على كل شيء، وذكره يكون للتتميم والتكميل. - القدير: اسم من أسماء الله، وصفة من صفاته تعالى، فله القدرة الكاملة الباهرة في السموات والأرض. - لما أعطيت، ولما منعت: أي: الذي أعطيته، والذى منعته بِحِكمتك. - الجَدّ: بالفتح في جميع الروايات، ومعناه: الغنى. - منك: متعلق بقوله: "ينفع"، ولا يصلح أن يكون متعلقًا بـ"الجد"؛ قاله ابن دقيق العيد. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب هذا الذكر بعد الصلوات الخمس المكتوبات كلها، ويكون بعد السلام مباشرة؛ فإنَّ دبر الشيء ما يليه، وظاهره يأتي به مرَّة واحدة بعد الصلاة، ويأتي تمام البحث. ٢ - شُرِعَ هذا الذكر الجليل بعد الصلوات المكتوبات التي هي أفضل الطاعات؛ لما اشتمل عليه من إثبات الوحدانية لله تعالى، ونفي الشريك له في ذاته وصفاته وعبادته، وإثبات كمال القدرة، وشمولها له وحده، ثم إثبات التصرف له وحده من العطاء والمنع، وأنَّ أي مخلوق لا ينفعه جده، ولا حظه، ولا غناه، عن الله تعالى، فهو صاحب الملكوت والسلطان، فإذا عرف العبد ذلك تعلَّق قلبه بربه تعالى، وصرف نظره عن غيره. ٣ - ترتيب هذا الذكر المشروع بعد الصلوات الخمس المكتوبات-: أن يستغفر الله ثلاثًا، ثم يقول: "اللَّهُمَّ أنت السلام ومنك السلام. . . إلخ"، ثم يأتي بذكر

стр. 844

هذا الحديث، وهو أن يقول: "لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك. . . " مرَّة واحدة، إلاَّ في المغرب والفجر فعشر مرات، ثم يقول: "سبحان الله" و"الحمد لله" و"الله أكبر" ثلاثًا وثلاثين مرة، فتكون تسعة وتسعين، وتكمل المائة: بـ"لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له. . . ". ثم يقرأ آية الكرسي، والإخلاص، والمعوذتين، ثم يقول في المغرب، والفجر خاصة: "اللَّهمَّ أجرني من النار" سبع مرات. فهذا الذكر ورد في فضله نصوص عظيمة معروفة، لا يتسع المقام لنقلها؛ بعد الذكر يدعو مخلصًا في دعائه، لأنَّ الدعاء هو العبادة، والإخلاص ركنها. قال الشيخ تقي الدين: إذا لم يخلص الداعي في الدعاء، ولم يتجنَّب الحرام، تبعد إجابته، إلاَّ مضطرًا مظلومًا. والحاصل أنَّه عقب أذكار الصلاة، يستحب أن يصلي على النبي ﷺ ، ويدعو بما شاء؛ فإنَّ الدعاء عقب هذه العبادة من أحرى أوقات الإجابة، لا سيَّما بعد ذكر الله، وحمده، والصلاة على نبيه محمَّد ﷺ . ***

стр. 845

٢٥٧ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: "انَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبر كُلِّ صَلاَةٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - يتعوذ: عاذ بالله يعوذ عوذًا وعياذًا: لاذ والتجأ واعتصم، تقول: أَعُوذُ بالله من الشيطان؛ أي: التجأ واعتصم به. - البخل: يقال: بخل الرجل يبخل بخلاً، من بابي كرم وعلم، والاسم: البخل. فالبخل -بضم الخاء وإسكانها-: هو الإمساك والشح، وهو ضد الجود والسخاء والكرم. وقيل: البخل هو نفس المنع، والشح حالة نفسية تقتضي المنع. والبخل في الشرع: منع الواجب. واسم الفاعل: "بخيل"، والجمع: "بخلاء". - الجبن: يقال: جبن الرجل يجبن جبنًا، من بابي نصر وكرم، والجبان جمعه: جبناء، وهو الهيوب للأشياء، فلا يقدم عليها. قال في "المصباح": هو جبان؛ أي: ضعيف القلب. - أُردّ: بالبناء للمجهول، يقال: رددت الشيء: أرجعته، وأعدته إلى ما كان عليه. - أرذل: يقال: رذل رذلاً: كان رذيلاً. والرذيل: الخسيس، أو الرديء من كل شيء، جمعه: أرذال ورذلاء،

стр. 846

والأرذل: اسم تفضيل من الرذالة؛ بمعنى الأردأ. - الفتنة: جمعها: فتن، يقال: فتنه يفتنه فتنًا وفتونًا، من باب ضرب، استماله، وفُتن في دينه: مال عنه. وأصل الفتنة: الاختبار؛ لتمييز الخبيث من الطيب، وللفتنة معانٍ كثيرة، وهي هنا إغواء المسلم عن دينه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - فيه استحباب الدعاء دبر الصلوات المكتوبات؛ لأنَّ الدعاء فيه مظنة الإجابة، والصلاة عند الإطلاق يراد بها الصلوات الخمس المفروضة. ٢ - فيه استحباب الاستعاذة بالله تعالى من هذه الأخلاق الذميمة، وهي البخل، والجُبْن، والخوف، وفتنة الدنيا، وعذاب القبر، فهذه الأمور إما عذاب، وإما أسباب قوية تجلب العذاب. ٣ - مساوىء هذه الأخلاق هي: الجُبنْ: يمنع صاحبه من الإقدام في المواطن الشريفة، من بذل النفس في الجهاد في سبيل الله، والتأخر عن القيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحو ذلك من المواقف التي فيها عز الإسلام والمسلمين. البخل: يمنع صاحبه من أداء الزكاة المفروضة، والنفقات الواجبة، والمستحبة، وبذل الخير، وصلة الأقارب، والجيران، وأصحاب الحقوق. أرذل العمر: هو أردؤه وأخسه، حينما تضعف قوى الإنسان العقلية، ويكون بمنزلة الطفل والمجنون، من سخف العقل وقلَّة الإدراك. فتنة الدنيا: الانهماك في شهواتها وملذاتها، وجمعها من طرق الحلال والحرام، والافتتان بها؛ بحيث تصده عن ذكر الله تعالى، وتلهيه عما فيه نجاته وسعادته، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥]. عذاب القبر: صحت الآثار أنَّ الإنسان إما أن يعذب. في قبره، وإما أن

стр. 847

ينعَّم، فالقبر إما روضة من رياض الجنة، أو حُفرة من حفر النار، وهو أوَّل منازل الآخرة. فهذه دعوات طيبات، واستعاذات مستحبات، يحسن الاستعاذة بها في المواطن التي حري للعبد أن يستجاب له فيها، والله سميع مجيب، وهي لم تذكر في حديث المسيء، ولكن ثبتت بأدلة أخر، والله أعلم. ٤ - قوله: "دبر كل صلاة" يحتمل أن يكون بعد التشهد الأخير، وقبل السلام، ويحتمل أن يكون بعد السلام؛ فدبر الشيء ضد قبله وضد آخره. وصنيع المؤلف في ترتيب الأحاديث، يُفهم منه أنَّ مشروعية هذا الدعاء يكون بعد السلام. أما شيخ الإسلام: فذهب إلى أنَّ مشروعية الدعاء وفضيلته تكون بعد التشهد، وقبل السلام، فقد قال: والدعاء في آخر الصلاة قبل الخروج منها مشروع بالسنة المستفيضة، وإجماع المسلمين، فقد كان غالب دعائه ﷺ بعد التشهد قبل السلام، وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة، فإنَّه فعلها فيها، وأمَرَ بها فيها، وهو اللائق بحالة المصلي، فإنَّه مقبل على ربه يناجيه ما دام في الصلاة، فلا ينبغي للعبد أن يترك سؤال مولاه في حالة مناجاته، والقرب منه، والإقبال عليه، وآكده قرب إنهاء هذه العبادة الجليلة التي فيها شرع له استعطافه بكلمات التحيَّة، ثم تبعها بالصلاة على من نالت أمته هذه النعمة على يديه، ثم قيل له: تخيَّر من الدعاء أحبه إليك. فهذا الحق الذي عليك، وهذا الحق الذي لك، وليكن بأدبٍ، وخشوعٍ، وحضور قلبٍ، ورغبةٍ، ورهبةٍ؛ فإنَّه لا يستجاب الدعاء من قلب غافل. اهـ. قلتُ: دبر الصلاة يراد به ما بعد السلام، كما سيأتي في حديث أبي هريرة قريبًا برقم (٢٥٩)، ولكن الراجح أنَّ المراد بالدبر -هنا- هو: ما قبل السلام، والله أعلم.

стр. 848

٢٥٨ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتهِ اسْتَغْفَرَ اللهَ ثَلاَثًا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلاَمُ، وَمِنْكَ السَّلاَمُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ." روَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - اللَّهمَّ أنت السلام: السالم من التغيرات والآفات، والسالم من جميع النقائص، ومن كل ما ينافي كماله، أو معطي السلامة لمن يشاء. - ومنك السلام: أي: منك يُرجى السلام، ويستوهب السلام، فمبدؤه منك يا رب. - السلام: يقال: سلم يسلم سلامًا، من باب علم، إذا نجا وبرىء، والسلام: مصدر من "سَلِمَ" بالتخفيف، وهو التحيَّة في الإسلام، فهو دعاء لهم بالسلامة من الآفات في الدين، والعقل، والنفس. - الجلال: يقال: جلَّ يجل جلالاً: عظم قدرًا وشأنًا، وضد صغر ودقّ، فهو جليل وجلال. والجلال: التناهي في عظم القدر والشأن. - يا ذا الجلال والإكرام: فسر بعضهم الجلال بالصفات الجليلة، فهو يجل عن النقص، والعيب، ومشابهة المخلوقين، والإكرام بالصفات الثبوتية، فهو مقابل له. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تقدم بيان الأذكار وترتيبها بعد الصلوات الخمس المفروضات، وهذا

стр. 849

الحديث يؤخذ منه الدلالة على أنَّ المصلي -بعد الفراغ من الصلاة- يقول: "أستغفر الله" ثلاث مرات. ثم يقول: "اللَّهمَّ أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". ٢ - المراد بالانصراف منها هنا "السلام"، وبيانه سيأتي إن شاء الله. ٣ - قيل لأحد رواة هذا الحديث، وهو الأوزاعي: كيف الاستغفار؟ فقال: يقول: "أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله". ٤ - الاستغفار هو طلب المغفرة، وطلبها لا يكون إلاَّ من شعور بالتقصير، فالاستغفار إشارة منه إلى أنَّه لم يقم بحق عبادة ربِّه، لما يعرض له من الوساوس والخواطر والمنقصات، فشرع له الاستغفار تكميلاً لهذا النقص، واعترافًا بالعجز والتقصير. ٥ - فيه إثبات اسم السلام لله تعالى وصفته، فهو السالم من كل نقص وعيب، وهو واهب السلامة لعباده من شرور الدنيا والآخرة. ٦ - أما الجلال والإكرام فهما من صفات الغنى المطلق، والفضل التام، الثابتة والمستحقة لله تعالى، وهو جلَّ ذكره وفضله يكرم عباده المتَّقين، وينعِم على عباده المخلصين. وذو الجلال والإكرام اسمان عظيمان، وصفتان كريمتان، قال ﷺ : "ألِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام"، ومرَّ ﷺ برجل يصلي ويقول: يا ذا الجلال والإكرام قال: "استُجيب لَك". ٧ - يستحب في حق الإمام أن يبقى بعد السلام متَّجهًا إلى القبلة، حتى يفرغ من هذا الذكر، الذي في هذا الحديث. قال في "شرح الإقناع": ويستحب للإمام ألا يطيل الجلوس مستقبل القبلة؛ لحديث عائشة قالت: "كان النبي ﷺ إذا سلم، لم يقعد إلاَّ مقدار ما

стр. 850

يقول: اللَّهمَّ أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام". [رواه مسلم (٥٩٢)]. ٨ - قال شيخ الإسلام: الإسرار بالذكر، والدعاء، والصلاة على النبي ﷺ هو الأفضل مطلقًا، إلاَّ لمعارض راجح. أما مراءاة الناس في العبادات؛ كالصلاة، والصيام، وقراءة القرآن، والذكر -فمن أعظم الدنوب، ولا يكفي أن يبطل عمله، بل هو مستحق للعذاب. ***

стр. 851

٢٥٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَبَحَّ اللهَ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِيْنَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلاَثًا وَثَلاَثِيْنَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلاَثًا وَثَلاَثِيْنَ، فَتِلْكَ تِسْعٌ وتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ المِائه: لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيْرٌ -غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَلَوْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْر". روَاهُ مُسْلِم (١). وفَي رِوَايَةٍ أُخْرَى: "أَنَّ التَّكْبِيْرَ أَرْبَعٌ وَثَلاَثُونَ" (٢). ــ * مفردات الحديث: - دبر كل صلاة: منصوب على الظرفية، وهو -بضم الدال- نقيض القبل، وهو من كل شيء عقبه ومؤخره. - سبحان الله: "سبحان" اسم مصدر منصوب بفعل محذوف، تقديره: سبَّحت الله، ولا يستعمل غالبًا إلاَّ مضافًا، والمصدر هو "التسبيح"، وهو التنزيه، وهو التخلية التي تكون مقدمة على الحمد، الذي هو التحلية. - حمِد الله: الحمد: هو الثناء على الله بصفات الكمال الوجودية، فهي تحلية بكماله، بعد تنزيهه عن صفات النقص السلبية. - لا إله إلاَّ الله: "لا" نافية لكل معبود بحقٍّ، وهذه الجملة هي أفضل الذكر، فالإيمان لا يصح إلاَّ بها، وهي كلمة التوحيد، وكلمة الإخلاص.

стр. 852

- له الملك: المطلق الحقيقي الدائم، الذي لا انتهاء لوجوده، ثابت له لا لغيره، كما يدل على ذلك تقديم الجار والمجرور. - له الحمد: فالحمد: هو الوصف بالجميل الاختياري على قصد التعظيم، ثابت له تعالى، وتقديم المعمول يفيد الحصر. - الله أكبر: أي: أجلُّ وأعظم من كل ما عداه، وحُذِفَ المعمول للتعميم. - زبد البحر: بفتحتين آخره دال، وزبد البحر: رغوته عند هيجانه؛ أي: في الكثرة، قال ابن حجر: هو كناية عن المبالغة في الكثرة. - وحده لا شريك له: تأكيد لمعنى "لا إله إلاَّ الله". - وهو على كل شيء قدير: صاحب القدرة العامة الشاملة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب هذا الذكر بعد الصلوات الخمس المكتوبة. قال في "فتح الباري": حمله أكثر العلماء على الفرض، وقد رفع في حديث كعب بن عجرة عند مسلم على التقيد بالمكتوبة، وكأنَّهم حملوا المطلقات عليها. ٢ - إذن لا يستحب التقيد به في غير الصلوات المكتوبات، ومنها الجمعة، ولو كانت صلاة جامعة؛ كالعيدين، والكسوف، والاستسقاء، والتراويح، وقوفًا عند الوارد. ٣ - ورد الإتيان بهذا الذكر بأن يقال: "سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر". وورد بأن يقال: "سبحان الله" ثلاثًا وثلاثين، ثم يقال: "الحمد لله" كذلك، و"الله أكبر" كذلك، والأفضل فعل هذا مرَّة، وفعل هذا مرَّة؛ ليحصل العمل بالسنة؛ فإنَّ القاعدة أنَّ العبادات الواردة على وجوه متنوعة، ينبغي أن تفعل على كل وجه؛ ليحصل العمل بالسنة كلها. ٤ - ترتيب هذه الجمل على هذه الصيغة بغاية المناسبة:

стр. 853

"فسبحان الله" تنزيه عن كل نقص وعيب، "والحمد لله" وصفه تعالى بجميع المحامد، والتنزيه والتخلية تكون قبل التحلية. ثم إذا وصف العبد ربه بالنزاهة عن النقص والعيب، ووصفه بالكمال، جاءت صفات التكبير والتعظيم المستحقة لمن تنزه عن العيوب، ووفى بالمحامد. ٥ - قوله: "غفرت خطاياه" ظاهر الحديث العموم، ولكن جمهور العلماء يقولون: إنَّ جميع الأحاديث الواردة بمغفرة الذنوب، أو تكفير السيئات من أجل القيام بالأعمال الصالحة، مقيَّدة باجتناب الكبائر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، وقوله ﷺ "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهنَّ، ما اجتنبت الكبائر". [رواه مسلم (٢٣٣)]. فإذا كانت هذه الفرائض العظام -ومنها الصلوات الخمس- لا تقوى على تكفير الكبائر، فما دونها من فضائل الأعمال من باب أولى، وقال النووي: إن لم تكن صغائر رجي التخفيف من الكبائر، فإن لم تكن رفعت له به درجات. أما شيخ الإسلام فقال: إنَّ إطلاق التكفير بالعمرة متناول الكبائر. ٦ - يقال هذا الذكر بعد الفراغ من الصلاة المكتوبة، وكما ورد في الأخبار، والظاهر أنَّ المراد أن يقول ذلك وهو قاعد، ولو قاله بعد قيامه وفي ذهابه، فالظاهر أنَّه مصيب للسُّنَّة أيضًا؛ إذ لا تحجير في ذلك، ولو شُغِلَ عن ذلك ثم تذكره فذكره، فالظاهر حصول أجره الخاص له أيضًا، إذا كان قريبًا لعذر. أما لو تركه عمدًا، ثم استدركه بعد زمن طويل، فالظاهر فوات أجره الخاص، وبقاء أجر الذكر المطلق له. ٧ - أنَّ هذا الذكر سببٌ لمغفرة الذنوب، وتكفير السيئات، والمراد: تكفير صغائر الذنوب، أما الكبائر فلا يكفرها إلاَّ التوبة منها، قال تعالى: ﴿إِنْ

стр. 854

تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. قال شيخ الإسلام: الذكر من أفضل العبادات، ولذا قالت عائشة: "الذكر بعد الانصراف من الصلاة هو مثل مسح المرآة بعد صقالها؛ فإنَّ الصلاة تصقل القلب". والذكر عقب الصلاة ليس بواجب، فمن أراد أن ينصرف فلا ينكر عليه، ولكن ينبغي للمأموم ألا يقوم حتى ينصرف الإمام عن القبلة، ولا ينبغي للإمام أن يقعد بعد السلام مستقبل القبلة، إلاَّ بمقدار ما يستغفر ثلاثًا، ويقول: "اللَّهمَّ أنت السلام، ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام". ٨ - عَدُّ التسبيح بالأصابع سُنة، فقد قال ﷺ للنساء: "سبحن، واعقدن بالأصابع؛ فإنَّهنَّ مسؤولات مستنطقات" [رواه أحمد (٢٦٥٤٩) والترمذي (٣٥٨٣)]. ٩ - جاء في بعض روايات الصحيحين: "أنَّ تمام المائة هي: لا إله إلاَّ الله ... " إلخ، وجاء في بعضها: "أنَّ التكبير أربع وثلاثون"، وفي رواية لمسلم من هذا الحديث: "تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، إحدى عشرة، وإحدى عشرة، واحدى عشرة؛ فذلك كله ثلاث وثلاثون". وفي رواية للبخاري (٦٣٢٩) من هذا الحديث: "تسبحون دبر كل صلاة عشرًا". وقال في "فتح الباري": جمع البغوي في "شرح السنة" بين هذا الاختلاف باحتمال أن يكون، لك صَدَرَ في أوقات متعددة، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل التخيير، أو يختلف باختلاف الأحوال. قال محرره عفا الله عنه: وما دام أنَّ الأحاديث صحَّت بهذه الأعداد، فينبغي أن يفعل هذا مرَّة، وهذا مرة أخرى، ولعلَّ العدد القليل يؤتى به في الأزمنة الضيقة، حتى لا يفوت المصلي السنة والفضيلة، والله لطيف بخلقه. أما العمل بالروايات كلها، أو بأكثر من واحدة منها في صلاة واحدة، فلا يستحب.

стр. 855

٢٦٠ - وَعَنْ مُعَاذِ بْن جَبَل ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "أُوْصِيكَ يَا مُعَاذُ: لاَ تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ". رَوَاهُ أَحْمَد وأَبُو دَاودَ والنَّسائي بِسَنَدٍ قَوِيٍّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال الإمام النووي في "الأذكار": إسناده صحيح، وقال الشيخ صديق حسن في "نزل الأبرار": رواه أبو داود والنسائي، وابن حبان (٥/ ٣٦٤) وابن خزيمة (١/ ٣٦٩) في صحيحيهما، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقد احتج به المنذري. * مفردات الحديث: - لا تدعن: بفتحات ثلاث، من "ودعه": إذا هجره وتركه؛ أي: لا تتركن. - أعِنِّي: -بفتح الهمزة وكسر العين وتشديد النون: صيغة دعاء من: الإعانة، إذا أدغمت نون الفعل في نون الوقاية، فصارت مشددة؛ أي: انصرني ووفقني. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب هذا الدعاء بعد الصلوات المكتوبة، وتقييده بعد المكتوبة؛ لأنَّها هي المرادة عند الإطلاق. ٢ - قوله: "دبر كل صلاة" اختلف في دبر الصلاة، هل المراد به قبيل السلام، أو المراد بعد السلام؟.

стр. 856

أكثر العلماء على الثاني، وطائفة على الأول، ومنهم شيخ الإسلام. أما النصوص: فجاء في حديث معاذ في بعض ألفاظه: "لا تدعن أن تقول في صلاتك" مما يدل على أنَّ المراد بدبر الصلاة: قبل السلام. وجاء في حديث أبي هريرة: "من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثًا وثلانين ... ". وجاء فيما رواه النسائي في الكبرى (٦/ ٣٠) وغيره: "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة"؛ والمراد بهذين الحديثين: بعد السلام. فصار الدبر يراد به: آخر جزء من الصلاة، ويراد به: ما بعد السلام. والأفضل أن يكون الدعاء فيما قبل السلام، وأما الذكر ففيما بعد السلام؛ وتقدم الكلام عليه. ٣ - قال في "الشرح": دبر الصلاة يشمل ما بعدها، وبعد التشهد، والظاهر هنا الأول. أما شيخ الإسلام: فيرجح أنَّ الدعاء يكون في الصلاة قبل السلام منها، فقد قال -رحمه الله تعالى:-، والدعاء في آخر الصلاة قبل الخروج منها مشروع بالسنة المستفيضة، وإجماع المسلمين، وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها ﵇ فيها، وهو اللائق بحال المصلي المقبل على ربه يناجيه. ٤ - فضيلة هذه الكلمات المباركات الطيبات، الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، ففيهن طلب الإعانة من الله تعالى على إقامة ذكره، والقيام بشكره، وإحسان عبادته، بأن يعبد المسلم ربه كأنه يراه. فمن قام بذكر الله تعالى على الوجه المطلوب، وأدى شكر الله على نعمه وإحسانه، وأتى بالعبادة محسنًا فيها، متقنًا لها -فقد أدى عبادة ربه بقدر طاقته، ومن الله القبول والثواب. ٥ - الحديث فيه فضيلة ومنقبة لمعاذ بن جبل ﵁ فقد جاء فيه: "يا

стр. 857

معاذ، إني أحبك، فلا تدعن دبر كل صلاة. . . " الحديث، ومحبة الرسول للعبد عنوان سعادته في الدنيا والآخرة، وأما الحديث فهو من الأحاديث المسلسلة، بهذه الكلمة اللطيفة الكريمة. ٦ - الحديث فيه التأكيد على الإتيان بهذه الدعوات الكريمات، بما جاء فيهنَّ من النهي عن تركهن، مما قد يحمل على القول بالوجوب. قال شيخ الإسلام: الحاصل أنَّه يستحب للعبد إذا فرغ من صلاته، واستغفر الله، وذكره، وهلَّله، وسبَّحه، وحمده، وكبَّره، بالأذكار المشروعة عقب الصلاة -أن يصلي على النبي ﷺ ، ويدعو بما شاء؛ فإنَّ الدعاء عقب هذه العبادة أحرى الأوقات بالإجابة، لا سيما بعد ذكر الله وحده، والثناء عليه، والصلاهَ على رسوله، وهو أبلغ الأسباب لجلب المنافع، ودفع المضار، ويستحب إخفاء الدعاء، ففي إخفائه فوائد منها: - الإخلاص لله تعالى، والبعد عن الرياء. - وحضور القلب، وخشوعه عند مناجاة الله تعالى. - والبعد عن القواطع والمشوشات. - وغير ذلك مما تجلبه السرية مع الله تعالى. فالإسرار بالذكر، والدعاء، والصلاة على النبي ﷺ هو الأفضل مطلقًا، إلاَّ لعارض راجح. ٧ - "وحسن عبادتك": المطلوب من هذه الجملة هو التجرد عما يشغله عن الله، ويلهيه عن ذكره وعبادته؛ ليتفرغ لمناجاته الله، فتكون قرة عينه في الصلاة، ويرتاح بها من همومه وغمومه، وليحقق كمال الإحسان، الذي دلَّ عليه النبى ﷺ بقوله: "أن تعبد الله كأنَّك تراه". [رواه مسلم (١)]. ٨ - فيه حرص النبي ﷺ على ما ينفع أمته، ويرفع درجاتهم، ويعلي مراتبهم عند ربهم، فصلوات الله وسلامه عليه، فقد بلغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة.

стр. 858

٩ - فيه الحرص على مجالسة العلماء والصالحين، الذين يزيدون الإنسان من العلم النافع، ويقوون فيه الإيمان، ويقربونه من ربه. ١٠ - إذا ضعف الإنسان عن العدد الكثير، أو كان له ما يشغله عنه، فيكون القليل من باب الترخيص؛ فإنَّ الشرع جاء بالرفق في حال السفر والعذر، والله أعلم. ١١ - ما جاء في هذه النصوص الصحيحة هو الذكر المشروع، أما ما استحدث من أذكار، وما جعل له من هيئات وصفات، فهو من البدع، التي قال عنها ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد" [رواه مسلم (١٧١٨)]، ومن ذلك الاستغفار جماعة بصوت واحد بعد السلام، وقولهم بعده: "يا أرحم الراحمين، ارحمنا"، وتدوير أصابع اليد اليمن مبسوطة على الرأس، وجمع رؤوس أصابع اليدين، وجعلها على العينين بعد الصلاة، وقراءة ثلاث آيات من سورة آل عمران، والصلاة على النبي ﷺ بعد الصبح والمغرب، ونحو ذلك من أذكار لم ترد بها سنة، فلا يجوز، والواجب الاقتصار على الوارد، وعبادة الله تعالى تكون بما شرعه. ١٢ - يُسْأَل الله الإعانة على هذه المطالب الثلاثة، وهي ذِكْره، وشكره، وحسن عبادته، فهي غايات في بلوغ طاعة الله تعالى، التي هي مراده من إيجاد خلقه، وهي وسائل إلى الحصول على فضله ورحمته. * خلاف العلماء: اختلفت أقوال العلماء فيما إذا زاد الإنسان على العدد المحدود في هذه الأذكار: فقال بعضهم: إذا زاد على العدد المذكور لا يحصل له ذلك الثواب المخصوص؛ لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة، وخاصية تفوت لمجاوزة ذلك العدد، وبالغ القرافي في "القواعد" فقال: من البدع المكروهة الزيادة في

стр. 859

المندوبات المحددة شرعًا، ومثَّله بعضهم بالدواء إذا تخلَّف الانتفاع به. وبعض العلماء قال: إذا أتى بالمقدار الذي رتِّب الثواب على الإتيان به -حصل الثواب بعد حصوله. قال الحافظ: وعليه أن تفترق الحال فيه بالنية، فإن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد، ثم أتى بالزيادة، فلا تكون الزيادة مزيلة للثواب المخصوص، وإن زاد بغير نية فيتجه للقول الأول. ***

стр. 860

٢٦١ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ، لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ إلاَّ المَوْتُ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَزَادَ فِيهِ الطَّبَرَانِيُّ: "و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ " (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال الشيخ صديق حسن في "نزل الأبرار": أخرجه النسائي وابن حبان، وفي إسناده: الحسن بن بشر، قال النسائي: لا بأس به، قال أبو حاتم: وبقية رجاله رجال الصحيح، وأخرجه الطبراني، بإسنادين: أحدهما صحيح. وأما زيادة الطبراني: "و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ " فقال المنذري: وإسناده بهلذه الزيادة جيد. وقال في "مجمع الزوائد": لهذه الزيادة إسنادان: أحدهما جيد. * مفردات الحديث: - إلاَّ الموت: هو على حذف مضاف تقديره: "إلاَّ عدم موته"، حذف لدلالة المعنى عليه. - مكتوبة: كتب يكتب كتابًا، مصدر سيال، له عدة معانٍ: منها: فرض، وهي المرادة هنا، فمعنى المكتوبات؛ أي: المفروضات. - آية الكرسي: هيِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ

стр. 861

وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة]. أما الكرسي: فقد جاءت الأحاديث أنه موضع القدمين للرب ﵎. - آية: أصلها "أوية" قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والنسبة إليه: أوي، جمعها: آيات وآي، قال أبو البقاء: الأصل في الآية: العلامة الظاهرة، وتطلق على طائفة حروف من القرآن، علم بالتوقيف انقطاعها عما قبلها، وعما بعدها من الكلام. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - فضل هذه الآية العظيمة؛ لما اشتملت عليه من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والوحدانية، والحياة الكاملة، والقيومية الدائمة، والعلم الواسع، والملكوت المحيط، والقدرة العظيمة، والسلطان القويم، والإرادة النافذة. وقد روى الإمام أحمد (٢٠٧٧١) ومسلم (٨١٠): "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سأل أُبَيَّ ابن كعب: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، فرددها عليه مرارًا. قال أبىٌّ: اَية الكرسي، قال: ليهنك العلم، يا أبا المنذر! ". ٢ - من معاني الآية العظيمة: ﴿اللَّهُ﴾: لفظة الجلالة جمعت معاني الألوهية التي لايستحقها إلاَّ هو، فعبادة غير الله باطلة، وهو -جلَّ وعلا- صاحب الحياة الكاملة من السمع والبصر، والقدرة، والإرادة، وغيرها من الصفات الحميدة. ﴿الْقَيُّومُ﴾ الذي قام بنفسه، واستغنى عن جميع خلقه، وقامت به جميع الموجودات، فهو الذي أوجدها، وأبقاها، وأمدها بجميع ما تحتاج إليه في وجودها، وبقائها. ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ السِّنة: النعاس في العين، وأما النوم: فهو

стр. 862

الاسترخاء والثقل، الذي يصل إلى القلب فيزول معه الذهن، فالسِّنة والنوم إنما يعرضان للمخلوق الناقص، الذي يعتريه الضعف والعجز، ويحتاج للراحة والاستجمام، أما صاحب القوة الكاملة والقيومية التامة فلا يعرضان له. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: فالكل عبيده، والجميع ملكه، لا يخرج أحدٌ منهم عن ذلك. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: فمن تمام ملكه، ومن عظمة سلطانه، ومن جلال أمره-: أنه لا يتجرأ أيُّ مخلوق على أن يشفع لأحد، إلاَّ بإذنه ورضاه عن الشافع والمشفع فيه، وإذن منه في الشفاعة، فكل وجيه، وشفيع من عبيده لا يشفع إلاَّ بإذنه؛ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ فعلمه المحيط الواسع، واطلاعه على شؤون خلقه، وعلمه بماضيهم، وحاضرهم، ومستقبلهم -لا يحتاج معه إلى الوسطاء والشفعاء في أمر خلقه، إلاَّ في حالة هو يرضاها، فيأذن فيها إكرامًا للشافع، ورحمة للمشفوع له. ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أما خلقه العلوي والسفلي فلا يحيطون بقليل، أو بكثير من علم الله تعالى، معلوماته، إلاَّ أن تقتضي حكمته تعالى إطلاعهم على شيء مما ينفعهم من معاشهم ومعادهم، من الأمور الشرعية والأمور القدرية، وهي نسبة ضئيلة قليلة في جانب علم الله الواسع، وإحاطته الشاملة؛ ولذا قالت الملائكة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، وتقول الرسل يوم القيامة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ [المائدة]. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ مما يدل على ملكه الواسع، وجلاله العظيم، وسلطانه القويم، وإحاطته الكاملة، وقدرته التامة، وإرادته

стр. 863

النافذة، وأنَّه الحافظ للسموات ومن فيها، والأرض ومن فيها، بالأسباب القوية، والنظام المحكم، والترتيب العجيب. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ بذاته على جميع مخلوقاته، والعلي بعظمته وصفاته، والعلي بقهره لمخلوقاته، فقد عنت له الوجوه، وخضعت له الرقاب، وذلَّت له الصعاب، ودانت له الموجودات، سبحانه ما أعظم شأنه. ﴿الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ الجامع لصفات العظمة والكبرياء، والمجد والبهاء، فهو المحبوب المعظم، الكريم الممجد. فآية اشتملت على هذه المعاني الجليلة، والصفات الإلهية الحميدة، والمعارف الربانية العظيمة -لهي أعظم آية في كتاب الله، فالكلام يشرف، ويعظم بشرف وعظم معانيها، ومعارف الله تعالى، وصفاته العلى، وأسماؤه الحسنى هي أشرف العلوم، وأجل المعارف. وإنَّ العارفين بالله تعالى أصحاب القلوب الواعية، ليدركون من هذه الآية العظيمة، وأمثالها من كتاب الله تعالى -مما يتعرض لبيان أسماء الله وصفاته- ما لا يدركه غيرهم. ٣ - أما سورة الإخلاص: فقد جاء في فضلها أحاديث كثيرة صحيحة، لا يسع المقام إلاَّ لنقل بعضها، ففي صحيح البخاري (٥٠١٥) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أيعجز أحدكم أن يقرأ ثُلثَ القرآن في ليلة؟ فقالوا: أيُّنا يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: الله الواحد الصمد ثلث القرآن". وفي صحيح مسلم (٨١١) من حديث أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الله جزَّأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ جزءًا من أجزاء القرآن". ٤ - قال شيخ الإسلام: وأما السؤال عن معنى هذه المعادلة، مع الاشتراك في

стр. 864

كون الجميع كلام الله تعالى، فقد قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ فأخبر أنَّه يأتي بخير منها، أو مثلها، فدلَّ ذلك على أنَّ الآيات تتماثل تارة، وتتفاضل تارة أخرى. وأيضًا: التوراة والإنجيل والقرآن، جميعها كلام الله، مع علم المسلمين، بأنَّ القرآن أفضل الكتب الثلاثة، فالقول بأنَّ كلام الله بعضه أفضل من بعض هو القول المأثور عن السلف، وهو الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم، وكلام القائلين بذلك كثير منتشر في كتب كثيرة، والمثبت لتفاضل كلام الله معتصم بالكتاب والسنة والآثار، ومعه من المعقولات الصريحة التي تبين ما ذهب إليه، وإثبات تفضيل بعض الكلام على بعض، ليس فيه ما يوهم أنَّ المفضول معيب، أو ناقص. فإذا علم ما دلَّ عليه الشرع، مع قول السلف من أنَّ بعض القرآن أفضل من بعض، بقي الكلام في كون: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن، ما وجه ذلك؟. الجواب: قيل في ذلك وجوه: أحسنها -والله أعلم-: ما قاله ابن سُريج وهو: أنَّ القرآن أنزل على ثلاثة أقسام: ثُلُثُ أحكام، وثلثٌ وعدٌ ووعيد، وثلثُ الأسماء والصفات، وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات. ٥ - أما الإشارة إلى معاني هذه السورة الجليلة، فهي: ﴿قُلْ﴾ انطق جازمًا، معتقدًا عارفًا بما تقول: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فهو صاحب الأحدية، والفردية المطلقة، وهو صاحب الصفات الكاملة، والأسماء الحسنة، والأفعال الحكيمة. ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ الذي تقصده جميع المخلوقات لقضاء حوائجها وأمورها، فلا معطي ولا مانع إلاَّ هو.

стр. 865

﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لكمال غناه عن الولد، والمعين. ﴿وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ لأزليته المطلقة، فهو الأول فليس قبله شيء. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ فليس له شبيه، ولا نظير، ولا مثيل، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. ٦ - وفي الحديث استحباب قراءة تلك الآية العظيمة، وهذه السورة الشريفة بعد كل صلاة مفروضة؛ ليكتمل بهما ذكره لربه، ويرفع بهما ما نقص من صلاته، وليجدد إيمانه كل يوم خمس مرات، بتلاوة أسماء الله الحسنى، وصفاته العلى. ٧ - فيه إثبات الجزاء الأخروي، وأنَّ أوله نعيم القبر، أو عذابه، وأنَّ نعيم القبر جزء من نعيم الجنة، كما أنَّ عذاب القبر جزء من عذاب النار؛ لقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر]. وفيه انَّ الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة، كما قال تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة]، ولا يعارض ذلك ما جاء في البخاري (٥٦٧٣) ومسلم (٢٨١٦) أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لن يُدخل أحدكم الجنة عملُه، فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟ فقال: ولا أنا، إلاَّ أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضل" وقد أشار إلى ذلك ابن القيم في النونية بقوله: وتأمَّل الباء التي قد عينت ... سبب الفلاح لحكمة الفرقان وأظن باء النفي قد غرتك في ... ذاك الحديث أتى به الشيخان لن يدخل الجنات أصلاً كادح ... بالسعي منه ولو على الأجفان والله ما بين النصوص تعارضٌ ... والكل مصدرها عن الرحمن لكن "بـ" الإثبات للتسبيب ... و"الباء" التي للنفي بالأثمان

стр. 866

والفرق بينهما ففرقٌ ظاهرٌ ... يدريه ذو حظ من العرفان والفرق بين الباءين معناه: أنَّ الجنَّة إنَّما تنال وتدخل برحمة الله تعالى، والباء في النصوص سبب. ونفى رسول الله ﷺ دخولها بالأعمال بقوله: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله" [رواه البخاري (٥٣٤٩) ومسلم (٢٨١٦)]: على أن الباء ثمنية، فلا تنافي بين الأمرين. ***

стр. 867

٢٦٢ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أصلين عظيمين: الأصل الأول: دلالة الحديث على أنَّ أفعال النبي ﷺ في الصلاة وأقواله فيها بيان لما أجمل من الأمر بها في القرآن الكريم، وفي الأحاديث الشريفة. الأصل الثاني: وجوب اقتداء الناس به ﷺ ، فيما يفعله من الصلاة، فكل ما حافظ عليه من أفعالها، وأقوالها، وجب على الأمة فعله، أو قوله، إلاَّ لدليل يخص شيئًا من ذلك. هذا الأصل الثاني مستقيم، لو لم يعارضه حديث المسيء في صلاته، الذي قال العلماء فيه: إنَّ ما لم يذكر فيه من أحكام الصلاة فهو غير واجب، إلاَّ بدليل خاص، فحينئذ يقال في حديث مالك بن الحويرث: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ما كان الأمر فيه للوجوب يجب، وما كان الأمر فيه للاستحباب يُستحب، وهو يدل على المشروعية المطلقة للرسول ﷺ . ٣ - أنَّ صلاة النبي ﷺ هي الصلاة التامة والكاملة، التي من احتذاها، فقد أكمل صلاته، وأتم عبادة ربه، وما دام المسلم مأمورًا بالاقتداء بالنبي ﷺ في صلاته، فإنَّه لا يمكن ذلك إلاَّ بتعلمها، فيجب أن يتعلم كيف كانت صلاة النبي ﷺ . ٤ - وجوب الاهتمام والعناية بالصلاة، وإجادتها وإتقانها؛ ذلك أنَّه ﷺ هو

стр. 868

القدوة والأسوة في الأفعال كلها، ولم تخص قدوته في الصلاة هنا، إلاَّ لما لها من الأهمية. ٥ - متعلم الصلاة من غيره بالاقتداء لا يضره، ولا يُخِلّ بصلاته أن يلاحظ صلاة من يتعلم منه الصلاة، ويراقبه في ذلك. ٦ - أنَّ المصلي إذا أراد أن يُعلِّم بصلاته غيره، فإنَّ هذه النيَّة لا تُنقِصُ من صلاته، ولا تُخِلُّ بها. ٧ - أنَّ ثناء الإنسان على عمله، وتزكيته إياه إذا كان لمصلحة، ولي يقصد الرياء، فإنَّه جائز، كما قال يوسف ﵇: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف]. وقال ابن مسعود: لو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله، لرحلتُ إليه. ***

стр. 869

٢٦٣ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: "قَالَ لِي النَّبيُّ ﷺ : صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطعْ فَقَاعِدًا، فَإِن لَمْ تَسْتَطعْ فَعَلَى جَنْب". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - جَنْب: الجنب مصدر، ويطلق على عدة معانٍ متعددة، ومنها: شق الإنسان، الذي هو ما تحت إبطه إلى كشحه، وجمعه: جنوب وأجناب، وهو المراد هنا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على مراتب صلاة المريض المكتوبة، فيجب عليه القيام إن قدر عليه؛ لأَنَّه ركن من أركان الصلاة المكتوبة، ولو معتمدًا، أو مستندًا إلى شيء من عصا، أو جدار، أو نحو ذلك. فإن لم يستطع القيام، أو شقَّ عليه، فتلزمه قاعدًا، ولو مستندًا، أو متكئًا، ويركع ويسجد مع القدرة عليه، فإن لم يستطع القعود، أو شقَّ عليه فيصلي على جنبه، والجنب الأيمن أفضل، فإن صلى مستلقيًا إلى القبلة صحَّ، فإن لم يستطع أومأ إيماء برأسه، ويكون إيماؤه للسجود أخفض من إيمائه للركوع، للتمييز بين الركنين، ولأنَّ السجود أخفض من الركوع. ٢ - لا ينتقل من حال إلى حال أقل منها إلاَّ عند العجز، أو عند المشقة عن الحالة الأولى، أو في القيام بها؛ لأنَّ الانتقال من حال إلى حال مقيد بعدم الاستطاعة. ٣ - حد المشقة التي تبيح الصلاة المفروضة جالسًا، هي المشقة التي يذهب معها

стр. 870

الخشوع؛ ذلك أنَّ الخشوع هو أكبر مقاصد الصلاة، كما أشار إلى ذلك إمام الحرمين الجويني. ٤ - الأعذار التي تبيح الصلاة المكتوبة قاعدًا كثيرة، فليس خاصًّا بالمرض فقط، فقِصر السقف الذي لا يستطيع الخروج منه، والصلاة في السفينة، أو الباخرة، أو السيارة، أو الطيارة عند الحاجة إلى ذلك، وعدم القدرة على القيام، كلها أعذار تبيح ذلك. ٥ - مذهب جمهور العلماء أنَّ الصلاة لا تسقط ما دام العقل ثابتًا، فالمريض إذا لم يقدر على الإيماء برأسه أومأ بعينيه، فيخفض قليلاً للركوع، ويخفض أكثر منه للسجود، فإن قدر على القراءة بلسانه قرأ، وإلاَّ قرأ بقلبه، فإن لم يستطع الإيماء بعينه صلَّى بقلبه. وأما الشيخ تقي الدين فقال: متى عجز المريض عن الإيماء برأسه سقطت عنه الصلاة، ولا يلزمه الإيماء بطرفه، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: أما صلاة المريض بطرفه، أو بقلبه فلم تثبت، ومفهوم الحديث يدل على أنَّ الصلاة على جنبيه مع الإيماء هي آخر المراتب الواجبة. قال محرره: إنَّ مذهب الجمهور بعدم سقوطها مع الوعي وثبات العقل أحوط، والأصل في الصلاة الوجوب على المسلم، فإنَّه مطالب بها بأصل الشرع، فسقوطها عنه هو الذي يحتاج إلى الدليل، والله أعلم. ٦ - مقتضى إطلاق الحديث أنَّه يصلي قاعدًا، على أيَّةِ هيئة شاء، وهو إجماع، والخلاف في الأفضل، فعند الجمهور أنَّه يصلي متربعًا في موضع القيام، وبعد الرفع من الركوع، ويصلي مفترشًا في موضع الرفع من السجود؛ لما روى النسائي (١٦٦١)، والحاكم (١/ ٣٨٩) عن عائشة ﵂-

стр. 871

قالت: "رأيتُ النبي ﷺ يصلي متربعًا". ٧ - فيه الدلالة على أنَّ أوامر الله تعالى يؤتى بها حسب الاستطاعة والقدرة، فلا يكلف الله نفسًا إلاَّ وسعها، وقال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر، فأْتوا منه ما استطعتم". [رواه البخاري (٧٢٨٨)]. ٨ - فيه سماحة ويُسر هذه التشريعة المحمدية، وأنَّها كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] , ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء]، فرحمة الله تعالى بعباده واسعة. ٩ - ما تقدم هو حكم الصلاة المكتوبة، أما النافلة فتصح قاعدًا، ولو من دون عذر، لكن بعذر أجرها تام، وبدون عذر على النصف من أجر صلاة القائم؛ لما جاء في صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين قال: سألت النبي ﷺ عن صلاة الرجل وهو قاعد، فقال: "من صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلت نائمًا فله نصف أجر القاعد". قال في "فتح الباري": حكى ابن التين وغيره، عن أبي عبيد وابن الماجشون وإسماعيل القاضي وغيرهم؛ أنَّ هذا الحديث محمول على المتنفل، وكذا نقله الترمذي عن الثوري. ***

стр. 872

٢٦٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمَرِيْضٍ صَلَّى عَلَى وِسَادَةٍ، فَرَمَى بِهَا، وَقَالَ: صَلِّ علَى الأَرْضِ إِنِ اسْتَطَعْتَ، وَإِلاَّ فَأَوْمِ إِيْمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَك اخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ". رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وَلكِنْ صَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَقْفَهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح موقوفًا. أخرجه البيهقي من طريق الثوري، قال البزار: لا يعرف أحدٌ رواه عن الثوري غير أبي بكر الحنفي، وقد سئل عنه أبو حاتم فقال: الصواب أنَّه موقوف، ورفعه خطأ، وقد روى الطبراني في الكبير من حديث طارق بن شهاب عن ابن عمر فذكره، وفي إسناده ضعفٌ. وقد صحَّحه الحافظ عبد الواحد في "المختارة"، وقال في "مجمع الزوائد": رجاله رجال الصحيح. قلتُ: والحديث له حكم الرفع؛ لأنَّه تشريع لا مجال للرأي فيه. * مفردات الحديث: - وسادة: بكسر الواو ثم سين مهملة مفتوحة، وقال بعضهم: إنَّ سينها مثلثة، وهي المخدة، وكل ما يوضع تحت الرأس، والجمع: وسد. - فرمى بها: قذف بها منكرًا على صاحبها. - فأومِ: فعل أمر أصله "ومأ" وماضيه "أومأ"، والمصدر "إيماء"، والمراد بالإيماء هنا: الخفض في حالي الركوع والسجود.

стр. 873

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أنَّ للمريض -الذي لا يستطيع القيام- أن يصلي قاعدًا، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. ٢ - يدل على أنَّه يوميء إيماء، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه؛ ليميز بين الركنين في أفعاله، ولأنَّ السجود شرعًا أخفض من الركوع. ٣ - يدل على أنَّه يكره للمصلي أن يرفع له شيء يسجد عليه، وأنَّ هذا من التكلف، الذي لم يأذن الله به، وإنما يصلي الإنسان حسب استطاعته، وإذا لم يستطع الوصول إلى الأرض أومأ في حالة الركوع، وفي حالة السجود، وقد اتَّقى الله ما استطاع. ٤ - في الحديث مشروعية عيادة المريض، وإرشاد إلى ما يصلح دينه. ٥ - وفيه كمال خُلقِ رسول الله ﷺ ، وعيادته أصحابه، وتفقده أحوالهم، فيكون في هذا قدوة للزعماء والرؤساء، فهذا مما يحبب الناس فيهم، ويجعلهم قدوة في الخير، والتواضع، وحسن الخلق، يزيد الإنسان رفعة وعزَّا. ٦ - فيه أنَّ الداعية الموفق لا يدع النصح والإرشاد في كل مكان يحل فيه، على أيَّةِ حال يكون فيها، لكن بحكمة، وحُسْن تصرف. ***

стр. 874

باب سجود السهو وسجود التلاوة والشكر مقدمة - سها عن الشيء سهوًا: ذهل عنه، وغَفل قلبه عنه إلى غيره، فالسهو: ذهولٌ وغفلة عما كان في الذكر. قال القاضي عياض: السهو في الصلاة: النسيان فيها. يقال: سها عن الشيء سهوًا: ذهل عنه، وغَفَلَ قلبه عن ذكره. قال ابن الأثير: السهو في الشيء: تركه من غير علم، والسهو عن الشيء: تركه مع العلم به. وقال بعضهم: السهو، والنسيان، والغفلة ألفاظ مترادفة، ومعناها: ذهول القلب عن المعلوم في الحافظة. وقال الحافظ: فرَّق بعضهم بينها، وليس بشيء. وقال ابن القيم: كان سهو النبي ﷺ في الصلاة من تمام نعمة الله تعالى على أمته، وإكمال دينهم؛ ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو. قال محرره: ومن حكمة سهوه ﷺ تحقق بشريته؛ لئلا يكون للغلاة مدخل في إعطائه شيئًا من صفات الإلهية، والربوبية باسم التعظيم، ولذا قال ﷺ : "إنَّما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكِّروني". [رواه البخاري (٤٥١) ومسلم (٥٧٢)]، أما حكمة سجود السهو فهو إرغام

стр. 875

للشيطان، الذي هو سبب النسيان والسهو، وجبر للنقصان الذي طرأ في الصلاة، وإرضاء للرحمن بإتمام عبادته، وتدارك طاعته، والله أعلم. - سجود التلاوة: سجود التلاوة سنة مؤكدة ليس بواجب عند الجمهور، وهي واجبة عند الحنفية للأمر بها: ﴿فَاسْجُدُوا﴾. ويسجد القارىء والمستمع، دون السامع الذي لا يقصد الاستماع، ويقول في سجود التلاوة ما يقول في سجود صلب الصلاة، وان زاد فيه فَحسَن. - سجود الشكر: وهو يُستحب عند تجدد النعم، واندفاع النقم؛ سواء أكانت عامة، أم خاصة بالساجد، ولا يسجد لدوام النعم؛ لأنَّ نعم الله لا تنقطع. وصفته وأحكامه كسجود التلاوة، وستأتي إن شاء الله. ***

стр. 876

٢٦٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بنُ بُحَيْنَةَ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاَةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، وَسَجَدَ سَجْدَتَينِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ". أَخْرَجَهُ السَّبعَةُ وَهَذا لَفْظُ البُخَارِيِّ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: "يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ، وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ منَ الجُلُوسِ" (١). ــ * مفردات الحديث: - الأوليين: تثنية "أُولى"، والأولى مؤنث "الأول"، وجمع أولي: أوليات. - ولم يجلس: أي: بين هاتين الركعتين الأوليين، وبين الركعتبين الأخريين، وذلك في صلاة الظهر، كما في مسند السراج. - قضى: يقضي قضاءً، فقضى صلاته، بمعنى: فرغ منها، وأوشك على السلام، والقضاء له عدة معانٍ، منها: الفراغ من الشيء، وهو المراد هنا. - وهو جالس: جملة اسمية وقعت حالاً من الضمير في "سجد". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - فيه دليل على أنَّ النبىَّ ﷺ سهى في صلاة الظهر، فقام عن التشهد الأول، ولم يجلس، فتبعه أصحابه على ذلك، ولعلهم هابوا التسبيح به، إذ ظنوا

стр. 877

أنَّ أمرًا قد طرأ في حكم الصلاة. ٢ - ذَكر ﷺ تركه لهذه الجلسة، والتشهد فيها وهو في الصلاة، فلما أنهى الدعاء الذي بعد التشهد الأخير، سجد قبل السلام سجدتين، هما سجدتا السهو. ٣ - أنَّ سجدتي السهو كسجود صلب الصلاة، من حيث التكبير والهيئة وما يقال فيهما، فهما داخلتان في عموم الأمر بأذكار السجود، ولو كان لهما ذكر خاص لبيَّنه ﷺ ، فهذا وقت الحاجة إلى بيانه. ٤ - أنَّ سجود السهو يكون قبل السلام، وسياتي له تمام بحث إن شاء الله تعالى. ٥ - أنَّ سجود السهو هو مكان ما ذهل عنه، ونسيه في صلاته. ٦ - لم يذكر في هذا الحديث أنَّه بعد سجدتي السهو تشهَّد أو دعا، بل يشعر قوله: "قبل أن يسلم" أنَّه سلم بعدها، بلا تشهد ولا فصل. ٧ - فيه طروء السهو والنسيان على رسول الله ﷺ المحفوف بالعصمة، مما يدل على أنَّ الأمور البشرية الطبيعة لا تُخِلُّ بعصمته، ولا تقدح في رسالته، وإنَّما هو تشريع وتعليم وتوجيه لأمته، وأنه ما دام السهو يطرأ على رسول الله ﷺ ، فإنَّه لا يكون نقصًا في دين غيره، وتقصيرًا في عبادته. ٨ - مشروعية سجود السهو لمن نسي التشهد الأول. ٩ - أنَّ سجود السهو سجدتان. ١٠ - وجوب متابعة الإمام في ترك الجلوس للتشهد الأول، وإن لم يكن المأموم ناسيًا. ١١ - أنَّ التَّشهد الأول ليس من أركان الصلاة؛ إذ لو كان منها لتعين الإتيان به. ١٢ - أنَّ التكبير في سجود السهو هو تكبير انتقال، حتى في الأولى منها. ١٣ - كونه ﷺ سجد سجدتين فقط دليلٌ على أنه إذا سها سهوًا واحدًا، أو أكثر أنه تكفيه سجدتان فقط.

стр. 878

* فوائد: الأولى: اتَّفق العلماء على مشروعية سجود السهو، لكن عند الشافعي سنة وليس بواجب، وعند أبي حنيفة ومالك واجب في النقصان، وعند أحمد واجب في الزيادة، والنقصان، والشك. الثانية: قال الخطابي: المعتمد عند أهل العلم في السهو هذه الأحاديث الخمسة: حديثا ابن مسعود، وحديث أبي سعيد، وحديث أبي هريرة، وحديث عبد الله بن بحينة. الثالثة: أجمع العلماء على أنَّ الصلاة لا تبطل بعمل القلب ولو طال، نقل الإجماع النووي وغيره؛ وذلك لما في البخاري (٦٢٨٧)، ومسلم (١٢٧): "إنَّ الله تجاوز لأمتي ما حدَّثت به نفسها، ما لم تعمل أو تتكلم". قال شيخ الإسلام: إذا غلب الوسواس على أكثر الصلاة لا يبطلها. الرابعة: قال شيخ الإسلام: أجمع العلماء على بطلان الصلاة بالقهقهة؛ لأنَّ فيها أصواتًا عالية تنافي حال الصلاة، وفيها أيضًا من الاستخفاف بالصلاة والتلاعب بها ما يناقض مقصودها، لا لكونه كلامًا. وحكى ابن المنذر والوزير الإجماع على بطلان الصلاة بالضحك. ***

стр. 879

٢٦٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ إِحْدَى صَلاَتَيِ العَشِيِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبهٍ فِي مُقَدَّمِ المَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ علَيْهَا، وَفِي القَوْمِ أبُو بكرٍ وَعُمَرُ ﵄ فَهَابَا أنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فقَالُوا: أقَصُرَتِ الصَّلاَةُ؟ وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ ﷺ ذَا اليَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاَةُ؟ فَقَالَ: لَمْ أنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ؟ قَالَ: بلَى، قَدْ نَسِيْتَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأسَهُ فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثمَّ رَفَعَ رَأسَهُ وَكبَّرَ". مُتَّفَقٌ عليهِ، وَاللَّفْظُ للبُخَارِيِّ. وَفي رِوَايَةٍ لمُسْلِمٍ: "صَلاَةَ العَصْرِ". ولأبي داوُدَ، فقَالَ: "أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟ فَأَوْمَؤُوا: أَيْ نَعَمْ". وَهِيَ فِي الصَّحِيْحَينِ، لكِنْ بِلَفْظِ: "فَقَالُوا". وفي رِوَايَةٍ لَهُ: "وَلَمْ يَسْجُدْ، حَتَّى يَقَّنَهُ الله تَعَالَى ذلِكَ" (١). ــ * مفردات الحديث: - العَشِي: -بفتح العين المهملة، وكسر الشين المعجمة، وتشديد المثناة التحتية- قال الأزهري: هي ما بين زوال الشمس وغروبها، وقال الراغب: العشي من زوال الشمس إلى الصباح، والصلاة التي وقع فيها السهو، قيل:

стр. 880

الظهر، وقيل: العصر، لكن جاء في الصحيحين أنَّها الظهر من غير شكٍّ. - هابا أن يكلماه: هابه يهابه من باب تعب يتعب، قال ابن فارس: الهيبة: الإجلال، فهابا أن يكلماه: أجلاَّه وأعظماه، قال الصنعاني: "ووجهه أنَّ هذا أمر مهم ليس من الأمور العادية". - سَرَعَان الناس: -بفتح السين المهملة وفتح الراء-: وهم أوائل الناس المسرعون إلى الخروج، ويلزم الإعراب نونه في كل وجه من ضبطه. - قصرت الصلاة: روي بضم القاف مبني للمجهول، وبفتحها وضم الصاد. - ذا اليدين: صاحب يدين فيهما طول، فلقب بذلك، واسمه: الخرباق بن عمرو، قيل: من بني سليم، وقيل: من خزاعة. - أنسيتَ أم قصرت الصلاة؟: الاستفهام هنا على بابه، ولم يخرج عن موضوعه؛ لأنَّ الزمان زمان نسخ. - لم أَنْسَ، ولم تقصر: أي في ظنه ﷺ . - لم أَنْسَ، ولم تقصر: هذا مثل قوله: "كل ذلك لم يكن"، والمعنى: كلٌّ من القصر والنسيان لم يكن، على شمول النفي وعمومه؛ لوجهين: أحدهما: أنَّ السؤال عن أحد الأمرين بـ "أَمْ"؛ وذلك لطلب التعيين، بعد ثبوت أحدهما عند المتكلم. الثاني: أنَّ قوله ﷺ في بعض الروايات: "كل ذلك لم يكن" أشمل من لو قيل: "لم يكن كل ذلك"؛ لأنَّه من باب تقوي الحكم، فيفيد التأكيد في المسند، والمسند إليه، بخلاف الثاني؛ إذ ليس فيه تأكيدٌ أصلاً، فإنَّه يصح أن يقال: لم يكن كل ذلك، بل كان بعضه، ولا يصح أن يقال: كل ذلك لم يكن، بل كان بعضه، ولذا قال المتكلم: "قد كان بعض ذلك"، ومعلوم أنَّ الثبوت للبعض إنَّما ينافي عن كل فردٍ، لا النفي عن المجموع. - بلى: حرف جواب، يختص وقوعه بعد النفي، فتجعله إثباتًا؛ فإنَّه لما قال:
следующие страницы →