* ما يؤخذ من الحديث:
١ - لدينا ثلاثة أحاديث في صفة الهوي إلى السجود:
(أ) حديث أبي هريرة: "إذا سجد أحدكم، فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه" مرفوعًا.
(ب) حديث ابن عمر: قال نافع: "كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه". رواه البخاري معلقًا موقوفًا.
(ج) حديث وائل بن حجر: "إذَا سجد، وضع ركبتيه قبل يديه" مرفوعًا.
٢ - فأما "حديث أبي هريرة"، و"حديث ابن عمر" -فمتفقان على أنَّ الأفضل هو وصول اليدين قبل الركبتين إلى الأرض، وحديث وائل بن حجر مخالف لهما ففيه أنَّ الأفضل هو وصول الركبتين قبل اليدين.
٣ - بعض العلماء رجحوا حديثي أبي هريرة وابن عمر، على حديث وائل بن حجر، وقالوا: إنَّ ركبتي البعير في يديه، وهما أول ما ينزل إلى الأرض، والإنسان ركبتاه في رجليه، فلا ينبغي أن تصلا قبل يديه، فالنهي منصب على الركبتين، بألا يتقدما في النزول إلى الأرض، وإن اختلف مكانهما من الإنسان ومن البعير، فما دام أنَّ أول ما يصل إلا الأرض هما ركبتا البعير اللتان في يديه، فينبغي أنَّ أوَّل ما يصل إلى الأرض من الإنسان يداه، على ظاهر حديث أبي هريرة وابن عمر.
٤ - أما ابن القيم: فإنَّه يقول: إنَّ في حديث أبي هريرة قلبًا من الراوي؛ حيث قال: "وليضع يديه قبل ركبتيه"، وأنَّ أصله: "وليضع ركبتيه قبل يديه"، ويدل عليه أوَّل الحديث، وهو قوله: "فلا يبرك كما يبرك البعير"؛ فإنَّ المعروف من بروك البعير هو تقديم اليدين على الرجلين، فينهى الإنسان أن يكون أول ما يصل إلى الأرض هو مقدم جسمه، كما هو الحال في البعير، وعليه أن يخالف البعير؛ وذلك بأن ينزل أول ما ينزل من جسمه ركبتاه اللتان
стр. 807
في رجليه، ثم يداه، ثم جبهته وأنفه؛ هذا هو الصحيح مما يفهم من الأحاديث، ويزول ما يوهم من التعارض بينها.
وكما أنَّ هذا هو مقتضى الأثر، فإنَّه مقتضى الطبيعة، وخلقة الإنسان؛ فإنَّ المصلي ينزِّل جسمه من العلو تنزيلاً، فيكون أول ما يصل إلى الأرض من جسمه أقربها إلى الأرض، وهما ركبتاه، ثم يداه، ثم جبهته مع أنفه.
٥ - قال محرره عفا الله عنه: لا شكَّ أنَّ ركبتي البعير في يديه لا في رجليه، وإنَّما الذي في الرجلين عرقوباه، ولا شكَّ أنَّ أوَّل ما يصل إلى الأرض من البعير -عند البروك- ركبتاه اللتان في يديه، والحديث ينهى عن مشابهة بروك البعير في الهيئة التي ينحط بها إلى الأرض من وصول مقدم البعير الذي فيه يداه، عن وصول آخره الذي فيه ركبتاه، ويكون في حديث أبي هريرة قلبٌ، كما قال ذلك ابن القيم ﵀ وإنَّما الذي وهم فيه ابن القيم ظنه أنَّ ركبتي البعير في رجليه لا في يديه، فركبتا البعير لغة وعرفًا في يديه، كما قال المثل العربي: "فلان وفلان في الشرف كركبتي البعير".
وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ الأفضل للساجد أن يضع ركبتيه، ثم يديه؛ لحديث وائل بن حجر.
***
стр. 808
٢٤٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا قَعَدَ للتَّشَهُّدِ، وَضَعَ يَدَهُ اليُسْرَى عَلَى رُكْبتَهِ اليُسْرَى، وَاليُمْنَى عَلَى اليُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلاَثًا وَخَمْسِيْنَ، وأشَارَ بِأَصْبُعِهِ السَّبَّابَهِ". رواهُ مُسْلِمٌ.
وفي رِوَايَةٍ لَهُ: "وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وأَشَارَ بِالَّتي تَلِي الإبْهَام" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- للتشهد: أي في زمنه، وسمي الذكر المخصوص: تشهدًا؛ لاشتماله على كلمتي الشهادة، كما أنَّ فيه دعاء يدعوه؛ فإنَّ قوله: "السلام عليك، السلام علينا"، دعاء عبر عنه بلفظ الإخبار، لمزيد التأكيد.
- عقد ثلاثًا وخمسين: إشارة إلى طريقة حسابية كانت معروفة عند العرب، وصورتها: أنَّ الثلاثة لها حلقة بين الإبهام والوسطى، وللخمسين يقبض الخنصر والبنصر، ويشير بالسبابة عند ذكر الله تعالى.
- السبابة: مؤنثة، يقال: سَبَّهُ سبًّا فهو سبَّاب، بمعنى: شتمه، وسميت الأصبع التي تلي الإبهام: سبابة؛ لأنَّه يشار بها عند السب.
-قبض: يقبض قبضًا، من باب ضرب: ضمَّ أصابعه، فقبض اليد خلاف بسطها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - مشروعية القعود للتشهد في الصلاة الثنائية التي ليس فيها إلاَّ تشهد واحد، وأما الصلاة الثلاثية والرباعية ففيهما تشهدان.
٢ - استحباب وضع اليدين أثناء التشهد على الفخذين.
٣ - أما صفة اليدين أثناء التشهد: فاليسرى يبسطها على فخذه اليسرى، وأما اليد
стр. 809
اليمنى فيقبض الخنصر والبنصر، ويحلق الوسط مع الإبهام، ويدع السبابة على وضعها، مستعدةً للإشارة بالتوحيد والعلو، وهذه الصفة تسمى اصْطلاحًا حسابيًّا قديمًا: "ثلاثًا وخمسين".
٤ - الرواية الأخرى في الحديث: أنَّ المستحب هو قبض الأصابع الأربعة كلها لليد اليمنى، والإشارة بالسبابة.
فهاتان صفتان مشروعتان لوضع الكفين أثناء التشهدين، كما جاء في هذا الحديث.
٥ - جاء في بعض روايات حديث ابن عمر في مسلم (٥٨٠) قال: "كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الصلاة، وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام".
ولكن هذه الرواية المطلقة تحمل على الروايات المقيدة حسب القاعدة الأصولية؛ لما يلي:
أولاً: أنَّها خالفت العديد من الروايات من قبض اليد اليمنى حال التشهد، ففي حديث ابن عمر: "إذا قعد للتشهد، وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، واليمنى على اليمنى، وعقد ثلاثًا وخمسين".
وحديث مقسم مولى عبدالله الحارثي: "إنَّما كان رسول الله ﷺ يصنع ذلك، يوحد بها ربَّه " [رواه البيهقي (٢/ ١٣٣)]، والتوحيد في التشهد.
وحديث عبد الله بن الزبير: "إذا جلس في التشهد، وضع يده اليمنى، وأشار بالسبابة"؛ وغير ذلك من الروايات المقيدة.
ثانيًا: جلوس الصلاة يراد به الجلوس للتشهد، أما الجلسة التي بين السجدتين، فهي تعرف وتقيد بهذا اللفظ: الجلسة بين السجدتين.
ثالثًا: أنَّ الرواية المطلقة تدل على أنَّ ذلك في التشهد؛ فقد روى مسلم (٥٨٥)
стр. 810
وغيره عن علي المعادي قال: "رآني ابن عمر وأنا أعبث بالحصى في الصلاة. . ." الحديث.
والعبث في الحصى لا يكون إلاَّ في الجلسة الطويلة؛ وهي التشهد.
رابعًا: إنَّني لا أعلم أحدًا قال بهذا القول، والسنة المحمَّدية اتباع سبيل المؤمنين وجمهورهم، وعدم الخروج عنهم في الأقوال والأعمال.
* خلاف العلماء:
ذهب الحنفية إلى: أنَّ المستحب هو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، جاعلاً أطراف أصابعه عند حرف ركبته الأعلى، باسطًا أصابعه كلها، فلا يقبض شيئًا منها؛ وذلك لما روى مسلم (٥١٩) من حديث عبدالله بن الزبير بلفظ: "كان رسولُ الله ﷺ إذا قعد يدعو، وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بأصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبتيه". وهناك صفاتٌ أخرى عند الحنفية في قبض الأصابع الثلاثة، مذكورة في الكتب المبسوطة عندهم.
وذهب المالكية إلى: بسط اليسرى على الفخذ اليسرى، وتحليق الأصابع الثلاثة من اليمنى، وهي الخنصر والبنصر والوسطى، فيحلق هذه الثلاثة مع حرف اليد إلى الجانب الذي يلي البنصر، ويمد أصبعه السبابة كالمشير بها، ويترك الإبهام على طبيعته، وهذه الصفة تشبه اصطلاحًا حسابيًّا قديمًا: "تسعة وعشرين".
وذهب الشافعية والحنابلة إلى: أنَّ المستحب وضع اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطةَ الأصابع مضمومة، وتكون أطرافها دون الركبة، مستقبلاً بجميع أطرافها القبلة، أمَّا اليمنى فيضعها علي فخذه اليمنى، قابضًا منها الخنصر والبنصر والوسطى عند الشافعية، ومحلِّقًا بين الوسطى والإبهام عند
стр. 811
الحنابلة، ومد السبابة للإشارة بها، وهذه الصفة تشير في المصطلح الحسابي القديم إلى عدد: "ثلاث وخمسين".
ودليلهم: حديث ابن عمر (حديث الباب).
واختلاف العلماء في قبض الأصابع وبسطها، راجعٌ إلى اختلاف الروايات في ذلك.
وأشار ابن القيم -رحمه الله تعالى- إلى وجه الجمع بينها؛ فقال: الروايات المذكورة كلها واحدة، فمن قال: "قبض أصابعه الثلاثة"، أراد: أنَّ الوسطى مضمومة، ولم تكن منشورة كالسبابة، ومن قال: "قبض اثنتين" أراد: أنَّ الوسطى لم تكن مضمومة مع البنصر والخنصر، والبنصر والخنصر متساويتان في القبض دون الوسطى.
واختلف الأئمة وأتباعهم في الحال: التي يستحب فيها الإشارة بالإصبع السبابة.
فذهب الحنفية إلى: أنَّه يشير بها عند قوله في التشهد: "لا إله إلاَّ الله"؛ وذلك عند إثبات الإلهية لله تعالى، ونفيها عمن سواه.
ودليلهم: حديث ابن الزبير في مسلم الذي اقتصر على الإشارة بالسبابة.
وذهب المالكية إلا: أنَّ المستحب أن يديم تحريك السبابة تحريكًا وسطًا، ويكون من أول التشهد إلى آخره.
ودليلهم: حديث وائل بن حجر قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ قبض اثنين من أصابعه، وحلق حلقة، ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها" [رواه أحمد (١٨٣٩١) والنسائي (٨٨٩)]. وعقب على هذا القول البيهقي، فقال: يحتمل أن يكون مراده بالتحريك: الإشارة بها، لا تكرير تحريكها، حتى لا يتعارض مع حديث عبدالله بن الزبير عند أبي داود (٩٨٩) بلفظ: "يشير بالسبابة، ولا
стр. 812
يحركها" قال الحافظ: وأصله في مسلم.
وذهب الشافعية إلى: أنَّ المستحب أن يشير بالسبَّابة عند الهمزة من قوله: "إلاَّ الله"؛ لأنَّ هذا هو موطن الإشارة إلى التوحيد، فيجمع في ذلك بين القول والفعل، ولا يحركها؛ لعدم وروده.
ودليلهم: ما جاء في حديث ابن عمر عند مسلم (٥٨٠): "وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام".
وذهب الحنابلة إلى: استحباب الإشارة بالسبَّابة في التشهد في كل مرَّة عند ذكر لفظ "الله"، منبِّهًا على التوحيد، ولا يحركها.
قال في "شرح الإقناع": "ويشير بسبَّابته اليمنى في التشهد مرارًا، كل مرة عند ذكر لفظ "الله"؛ تنبيهًا على التوحيد، ولا يحركها، ويشير بها أيضًا عند دعائه في صلاة وغيرها"؛ وذلك لما روى النسائي (١٢٧٠) من حديث عبد الله ابن الزبير قال: "كان رسول الله ﷺ يشير بأصبعه إذا دعا، ويحركها"
واختلف الفقهاء في هيئة الجلوس:
فذهب مالك وأتباعه إلى: أنَّ المستحب أن يجلس متوركًا؛ وذلك بأن يفضي بمقعدته إلى الأرض، وينصب رجله اليمنى، وَيَثْنِي اليسرى، وذلك في كل جلسات الصلاة، والرجل والمرأة في هذا سواء.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى: أنَّ المستحب هو أن ينصب رجله اليمنى ويقعد على اليسرى، وهذا في كل جلسات الصلاة، فهذان القولان متقابلان.
وذهب الإمام أحمد إلى: أنَّ المستحب: أن يتورك في جلوس التشهد الأخير في الصلاة ذات التشهدين، وما عداه يكون ناصبًا اليمنى جالسًا على اليسرى.
وذهب الإمام الشافعي إلى: أنَّه يتورك في كل تشهد أخير مطلقًا؛ سواء
стр. 813
كانت الصلاة ثنائية، أو أكثر، وينصب اليمنى ويجلس على اليسرى فيما عداه.
قال ابن رشد: وسبب الاختلاف تعارض الآثار.
ولذا ذهب ابن جرير إلى: أنَّ السنة وردت بهذا كله، فعلى أي جلسة جلس، متوركًا، أو ناصبًا اليمنى وجالسًا على اليسرى، فقد أصاب السنة، والأمر فيه سعة، والله أعلم.
* فوائد:
الأولى: الإصبع التي تلي الإبهام تسمى "السباحة"؛ للإشارة بها إلى تسبيح الله تعالى، وتنزيه عن الشريك.
وتسمى "السبابة"؛ لأنَّه يشار بها عند السب إلى الرجل الذي يعاب.
الثانية: للإشارة بالسبَّاحة عند ذكر الله تعالى معانٍ كريمة، فهي تشير إلى وحدانية الله تعالى، وتفرده في الإلهية وعبادته.
كما تشير إلى علوه تعالى على خلقه ذاتًا وصفة، وقدرًا وقهرًا؛ فقد روي عن ابن عباس أنَّه قال في الإشارة: "هو الإخلاص"، فالحكمة في ذلك أن يجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد.
الثالثة: عرض الروايات والجمع بينها:
الإصبع السبَّاحة ورد في حكمها عدة روايات؛ فحديث وائل بن حجر في النسائي (٨٨٩): "وأشار بالسباحة ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها".
وحديث ابن عمر عند أحمد (٥٩٦٤): "وأشار باصبعه، وقال: لهي أشد على الشيطان من الحديد".
وحديث ابن الزبير عند مسلم (٥٧٩): "وأشار بالسبابة".
وحديث ابن عمر عند مسلم (٥٨٠): "وأشار باصبعه السبابة".
وحديث ابن عمر عند البيهقي (٢/ ١٣٢): "تحريك الإصبع مذعرة للشيطان" وليس بالقوي. قال البيهقي: يحتمل أن يكون المراد بالتحريك
стр. 814
الإشارة بها، لا تكرير تحريكها، فيكون موافقًا لرواية ابن الزبير.
قلت: والجمع بين هذه الروايات أن يكون المراد بتحريكها هو: الإشارة بها، وأن تكون الإشارة بلا تكرير للتحريك.
قال في "الروض وحاشيته": لا يوالي حركتين عند الإشارة؛ لأنه يشبه العبث، ولحديث ابن الزبير: "ويشير بسبابته، ولا يحركها".
قال ابن القيم: كان لا ينصبها نصبًا ولا يرخيها، بل يحنيها شيئًا قليلاً.
الرابعة: ما ورد من اختلاف الأئمة في صفة وضع اليدين على الفخذين، والإشارة بالسباحة هي مسائل فرعية، كل واحد من الأئمة قال حسبما وصل إليه اجتهاده من فهم النصوص، والمجتهد له أجران، أو أجر واحد، وهم كلهم -رحمهم الله تعالى- مجمعون على أنَّها من فضائل الصلاة، إن تركها المصلي أو فعلها، لاتبطل الصلاة، ولا يوجب الاختلاف.
لذا فإني أنصح أبناءنا الشباب الراغبين في الخير، ألا تكون هذه الخلافات الفرعية مثار جدل لهم، وعداوة بينهم، وأن يبحثوها، للوصول إلى الصواب منها، أما أن يخطىء بعضهم بعضًا، ويعادي بعضهم بعضًا، فهذا مباين للإسلام، والله الهادي إلى سواء السبيل.
***
- الطيبات: تعميمٌ بعد تخصيص، فجميع الأقوال، والأفعال، والأوصاف الطيبة هي مستحقة لله تعالى.
- السلام: قال النووي: يجوز في "السلام" في الموضعين حذف اللام وإثباتها، والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات الصحيحين.
والأصل: سلمت عليك، ثم حذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء؛ للدلالة على ثبوت المعنى.
أما التعريف في الموضعين، فهو إمَّا للتعريف التقديري الموجَّه إلى عباد الله الصالحين السابقين علينا، وعلى إخواننا، وإما للجنس، والمعنى: أنَّ حقيقة السلام المعروف هو عليك.
- السلام عليك أيُّها النبي: أي: السلام من النقص والعيب، وأي آفة أو فساد، فهو دعاء من المصلي لرسول الله ﷺ .
وقال النووي: السلام اسم من أسماء الله تعالى، يعني: السالم من النقائص، والسالم من المكاره، والآفات والعيوب وغيرها، فمبدأ السلام منه تعالى.
- عليك: لم يقصد بهذه الكاف المخاطب الحاضر، وإنَّما قصد بها مجرد السلام، سواء كان حاضرًا أو غائبًا، بعيدًا أو قريبًا، حيًّا أو ميتًا؛ ولذا فإنَّها تقال سرًّا، وانَّما اختصَّ النبي ﷺ بهذا الخطاب؛ لقوَّة استحضار المرء هذا السلام، الذي كان صاحبه حاضرًا، واختص ﷺ بكاف الخطاب بالصلاة، وكل هذا من علو شأنه، ومن رفع ذكره واسمه.
- النبي: إما مشتق من "الإنباء": وهو الإخبار، وإما من "النبوَّة"، وهي الرفعة، وهو إما بمعنى -مفعل- اسم فاعل، فهو منبىء عن الله، وإما بمعنى "مفعل" اسم مفعول فهو مَنَبَّأ من الله، وكلا المعنيين صالح.
-رحمة الله: صفة حقيقية لله تعالى، تليق بجلاله، بها يرحم عباده، ويُنْعِم عليهم.
стр. 817
- وبركاته: جمع "بركة"، وهو الخير الكثير من كل شيء، قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، تنبيهًا على ما تفيض عنه الخيرات الإلهية.
- السلام علينا: أراد به: الحاضرين من الإمام، والمأمومين، والملائكة.
- أشهد. . . إلخ: أي: أقطع بالإخبار، فالشهادة هي العلم القاطع.
قال الراغب: الشهادة قولٌ صادرٌ عن علمٍ حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر.
- الرسول: أصل الإرسال: الابتعاث، ومنه: الرسول المبتعث، ويطلق على الواحد والجمع، وجمع الرسول رسل، ورسول الله من البشر: رجل أوحي إليه وأمر بالتبليغ، والرسول: له جهتان: جهة من أرسله، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر] وجهة من أُرسل إليهم؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٨٣].
- مُحمَّدًا: قال علماء اللغة: محمَّد ومحمود اسم مفعول، من: "حمَّد" بالتشديد، لخصاله الحميدة.
قال ابن فارس: وبذلك سمي نبينا: محمَّدًا ﷺ ؛ لعلم الله تعالى بكثرة خصاله المحمودة.
وللنبي ﷺ أسماء متعددة هي أسماء من حيث دلالتها على الذات، وأوصاف من حيث دلالتها على المعنى.
ولا شبهة للنصارى في أنَّ اسمه في الإنجيل: "أحمد"، فأحمد اسم تفضيل من اسم الفاعل، ومحمد اسم مفعول، فهو أحمد الناس لربه، وهو محمَّد لخصال الخير فيه، وهما متصرفان من مادة واحدة.
- أيُّها النَّبي: فيه عدول عن الغيبة إلى الخطاب، مع أنَّ لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق بهما، على أنَّهم لم ينالوا هذا الخير إلاَّ بواسطته، فوجهوا إليه الخطاب تصريحًا، لا عمومًا فقط، وعُدِلَ عن الرسالة إلى النبوة، مع أنَّ الرسالة أفضل؛ ليُجْمَع له الوصفان.
стр. 818
- الصالحين: هم القائمون بحقوق الله وحقوق خلقه، ودرجاتهم متفاوتة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الذكر يسمى "التشهد" مأخوذٌ من لفظ الشهادتين فيه، فهما أهم ما فيه.
٢ - يقال هذا التشهد في الصلاة الثنائية مرَّة واحدةً، أما الصلاة الثلاثية والرباعية ففيها تشهدان:
الأول: بعد الركعة الثانية.
والأخير: الذي يعقبه السلام، وسيأتي قريبًا.
٣ - التشهد الأول: واجب عند الحنفية والحنابلة، مستحب عند غيرهم، وسيأتي تفصيل الخلاف فيه.
٤ - التشهد ورد عن النبي ﷺ عن أربعة وعشرين صحابيًّا بألفاظ مختلفة، وكلها جائزة.
قال شيخ الإسلام: كلها سائغة باتِّفاق المسلمين، وأصل الإمام أحمد استحسان كل ما يثبت عنه ﷺ ، ومع هذا فقد قال العلماء: أثبتُها تشهد ابن مسعود، وهو الوارد في هذا الباب.
٥ - قال البزار: أصح حديث عندي في التشهد حديث ابن مسعود، يروى عنه ﷺ بنيف وعشرين طريْقًا، ولا يعلم فيما روي عن النبي ﷺ في التشهد أثبت منه، ولا أصح إسنادًا، ولا أثبت رجالاً، ولا أشد تضافرًا بكثرة الأسانيد والطرق.
وقال مسلم: إنَّما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود؛ لأنَّ أصحابه لا يخالف بعضهم بعضًا، وغيره قد اختلف فيه عن أصحابه.
وقال الذهلي: هو أصح ما روي في التشهد.
وقال الترمذي: العمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين.
وقال مسلم: اتَّفق عليه الناس.
стр. 819
وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء: تشهد ابن مسعود أفضل، له مرجحات كثيرة، منها الاتفاق على صحته وتواتره، وهو أصح التشهدات وأشهرها، ولأمره ﷺ أن يعلمه الناس، وكونه محفوظ الألفاظ.
٦ - شرح ألفاظ التشهد بأوسع من شرحه في المفردات؛ لأجل أن يلاحظ المصلي معانيه:
- التحيات لله: جمع "تحية"، والتحية هي: التعظيم، فهي تعظيمات مستحقة ومملوكة لله تعالى، ومختصة به، وهي تشمل كل التحايا، التي قدمها المسلمون المصلون لله تعالى، في هذه الجلسة الخاشعة.
- الصلوات: هي الصلوات الفرائض والنوافل، وسائر العبادات التي يراد بها تعظيم الله، كلها لله تعالى، فهو المستحق لها، المعبود بها، ولا تليق لأحدٍ سواه.
- الطيبات: هي جميع الأعمال والأقوال الصالحة، فهي كلها لله تعالى، فجميع ما صدر منه تعالى من فعل وقول فهو طيب، وجميع ما صدر من خلقه من أفعال، وأقوال طيبة، فهو المستحق لها؛ فإنَّه طيِّبٌ لا يقبل إلاَّ طيبًا.
ولا يكون العمل والقول طيبًا حتى يتحقق فيه أمران:
الإخلاص لله تعالى، ومتابعة الرسول ﷺ .
- السلام: اسمٌ من أسماء الله الحسنى، فهو السالم من النقائص والعيوب، المسلم خلقه من المصائب والآفات، فهذا الاسم الكريم الجامع للخيرات يكون: "عليك أيُّها النبي"، فهو دعاء له ﷺ بالسلام من كل نقص وآفة، وخوطب بالنبوة التي هي مأخوذة، إما من إخباره وإنبائه عن الله تعالى، وإما أن تكون من رفعته ومقامه، وهما متلازمان.
- ورحمة الله وبركلاته: جمع "بركة"، وهي الزيادة والنماء؛ لما خصَّه الله تعالى به، وحباه إياه، وخصَّ بذلك ﵊.
стр. 820
- والبركة: كثرة الخير وزيادته، وسعة الإحسان والإفضال، واستمرار ذلك وثبوته لعظيم حقه عليهم، فأعظم خير وصل إليهم من ربهم كان بواسطة دعوته المباركة، فصلوات الله وسلامه عليه.
- السلام علينا: نحن المصلين، والملائكة.
- عباد الله الصالحين: هم من صلح باطنه وظاهره، وهم القائمون بما أوجب عليهم من حقوقه، وحقوق عباده.
قال الترمذي: من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة، فليكن عبدًا صالحًا، وإلاَّ حُرمَ هذا الفضل العظيم، وقد جاء في الحديث: "فإنَّكم إذا فعلتم ذلك، فقد سَلَّمتم على كلِّ عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض". [رواه البخاري (٨٣١) ومسلم (٤٠٢)].
فعلى المصلي أن يلاحظ هذا المعنى العام.
- أشهد أن لا إله الاَّ الله: أي: أجزم وأقطع أن لا معبود بحق إلاَّ الله، فالشهادة خبر قاطع، والقطع من فعل القلب، واللسان مخبِرٌ بنالك، وهذه الكلمة هي كلمة التوحيد، وهي كلمة التقوى والصراط المستقيم، والمراد معرفتها والعمل بها، لا مجرد نطقها.
- أشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله: بصدق ويقين ومحبة ومتابعة، فهو عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسيأتي عن هذه الشهادة كلمة أوسع من هذا.
- عبده ورسوله: فهو عبد لله تعالى، أكمل الخلق عبادةً لربه، بلَّغ الرسالة، ونصح الأمَّة، وجاهد في الله حقَّ جهاده.
وكلمتا "عبد , ورسول" فيهما الرد على طائفتين ضالتين:
إحداهما: طائفة الغلاة ممن أعطوا النبي ﷺ شيئًا من عبادة الله، وبعضهم أعطاه حقًّا من الربوبية والتصرف في الكون، فقالوا: إنَّه يعلم
стр. 821
الغيب، والله جلَّ وعلا يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وأمره تعالى أن يتلو على الناس قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وجعلوا له قدرة على الضر والنفع، والله يامره أن يبلغ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١)﴾ [الجن]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)﴾ [الجن].
الطائفة الثانية: ملاحدة، كذبوه في بعض ما أتى به، وكذبت رسولَنا اليهودُ؛ بأنَّ الرسول الذي يأتي في آخر الزمان المذكور في التوارة، لا يأتي الاَّ بعد عيسى، وعيسى حتى الآن لم يأتِ، فهم كذبوا عيسى، ومحمَّدًا عليهما الصلاة والسلام.
والنصارى: كذبوا رسولَنا، وقالوا: إنَّ الذي بشَّر به عيسى لم يأت.
وفي هذه العصور الأخيرة ظهرت طوائف تكيد لرسالة محمَّد ﷺ ، وتكيد للإسلام بالطعن فيه، منها "الماسونية" التي تقول: إنَّ محمَّدًا نبيٌّ مزعوم، وإنَّه لم يأت بجديد، وإنَّ القرآن فرعٌ من التوراة، أخَذ من أحكامها وتعاليمها.
و"الماسونية" مذهب خبيثٌ ماكرٌ، له أساليب -في الدهاء والخداع والمكر- يضل بها بسطاء العقول.
ومن ذلك النِّحلة الكاذبة المنحرفة "القاديانية"، وما تفرغ عنها من "البابية" و"البهائية"، فكل نِحلة من هذه النِّحل تدعي أنَّها طائفة إسلامية، وأنَّ الرسالة لم تختم بمحمَّد، وأنَّ زعيمها المسمى "غلام أحمد القادياني" نبيٌّ يوحى إليه.
والقصد أنَّ هاتين الكلمتين الطيبتين "عبد الله، ورسوله" هما ردٌّ وإنكارٌ لمثل هذه الطوائف من الغلاة والجفاة، وإنَّهما نور وسعادة لمن دان بهما
стр. 822
عقيدة، وسلوكًا، وقولاً، وعملاً.
فنسأل الله تعالى أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يثبِّت قلوبنا على دينه، وألا يزيغ قلوبنا عن الحق، إنَّه سميع مجيب.
٧ - قوله: "ثم ليتخيَّر من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو":
لا شكَّ أنَّ المراد بالدعاء هو الدعاء في الصلاة، بعد التشهد وقبل السلام، وهو المكان الذي يشرع فيه، بعد حمد الله وتمجيده في التشهد، وبعد الصلاة على نبيه محمَّد ﷺ ، وفي حال مناجاة المصلي ربه قبل انصرافه عنه، فالدعاء المشروع يكون في سجوده، وبعد التشهد وقبل السلام منها، وغير ذلك من مواطنه فيها، فالمشروع بعد السلام هو الذكر لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣].
أما رفع اليدين بالدعاء بعد الصلاة النافلة؛ سواء كانت قبل الفريضة أو بعدها -فإنَّه لم يرد فيه شيء، فإن فعل أحيانًا فلا باس، أما أن يتخذ عبادةً راتبةً فلا ينبغي؛ لأنَّ الواجب في العبادات كلها الاتباع، وألا يتعبد الإنسان إلاَّ بما شرعه الله ورسوله.
وقد اعتاد كثير من الناس هذا الفعل، فكلما سلموا من نافلة رفعوا أيديهم، فبعضهم لا يدعو، وإنَّما يمسح وجهه بيديه.
ومسح الوجه باليدين بعد الدعاء فيه حديثان ضعيفان، لا تقوم بهما حجة، والله أعلم.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على مشروعية التشهد الأول، والجلوس له في الصلاة ذات التشهدين، واختلفوا في وجوبهما:
فذهب الإمام أحمد، والليث، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، والشافعي في إحدى الروايتين عنه: إلى وجوبهما؛ مستدلين بالأحاديث الواردة في التشهد
стр. 823
والأمر به، من غير تقييد بتشهد آخر، ولأنَّ النبيَّ ﷺ فعله وداوم عليه، وقال: "صلوا كما رأيتموني أُصلي" [رواه البخاري (٦٠٨)]، ولأنَّه قال لابن مسعود: "فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات لله. . . إلخ".
والأصل في الأمر الوجوب.
وذهب الحنفية إلى: أنَّ القعود الأول والثاني، للتشهد واجب، ويجب بتركه سجود السهو.
وذهب مالك والشافعي وأتباعهما إلى: استحبابه دون وجوبه.
ودليلهم: أنَّ النبيَّ ﷺ تركهما سهوًا، ولم يرجع لهما، ولم ينكر على الصحابة حين تابعوه على تركها.
والجواب عن هذا: أنَّ الرجوع إليهما إنَّما يجب إذا ذكر المصلي تركهما، قبل أن يستتم قائمًا، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو؛ لما روى أبو داود (١٠٣٦) عن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ : "إذا قام أحدكم في ركعتين، فلم يستتم قائمًا، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو".
وهذا الحديث وإن كان في سنده "جابر الجعفي" وهو شيعيٌّ , إلاَّ أنَّ الحديث لا يَمُتُّ إلى التشيع بشيء.
وعلى ضعفه بهذا الرجل الذي لم يرو أبو داود عنه إلاَّ هذه المرة، فإنَّه يؤيد الأدلة الأخر، والله أعلم.
***
стр. 824
٢٥١ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: "سَمعَ رَسُولُ الله ﷺ رَجُلاً يَدْعُو فِي صَلاَتِهِ، ولَمْ يَحْمَدِ اللهَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: عَجلَ هَذَا، ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلاَثَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وابنُ حِبَّانَ والحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح؛ فقد جاء في السنن الثلاث من أربع روايات متفقة المعنى، وفي بعض ألفاظها اختلاف، وكلها روايات جيدة، إلاَّ إحدى روايتي الترمذي، ففيها رِشْدِينَ ابن سعد وهو ضعيف، ولكن ضعفه منغمر بتلك الأسانيد الثلاثة الجيدة.
قُلْتُ: رِشْدِين: بكسر الراء وسكون الشين المعجمة، ثم دال مهملة مكسورة، ثم ياء، آخره نون.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - سمع النبي ﷺ رجلاً في تشهد صلاته الأخير شرع يدعو ربه، قبل أن يحمد الله تعالى ويثني عليه، ويصلي على نبيه، فقال ﷺ : "عجل هذا بدعائه"؛ حيث لم يقدم قبل دعائه هذين الأمرين الهامين.
стр. 825
٢ - أرشد ﷺ أمَّته إلى أدب الدعاء، فقال: "إذا صلَّى أحدكم، فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة"، ولم يقيده، والأفضل الدعاء بالمأثور.
٣ - في الحديث دليلٌ على تقديم الوسائل بين يدي المقاصد، وسورة الفاتحة مثالٌ كريمٌ في ذلك؛ فهي بدأت بتحميد الله وتمجيده، وإثبات الوحدانية والعبادة له، وإثبات ربوبيته بطلب إعانته، وذلك كله متضمن لإثبات رسالة نبيه محمَّد ﷺ ، ثم الشروع في الدعاء بعد هذا كله؛ لتكون وسيلة أمام الدعاء.
٤ - قال ابن القيم ﵀ في "الجواب الكافي": الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، فإذا صادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الرب، وذلاًّ وتفرغًا ورِقَّة، واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورَفع يديه إلى الله، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثَنَّى بالصلاة على محمد ﷺ ، ثم قدَّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله، وألحَّ في الدعاء عليه في المسألة، ودعاه رغبةً ورهبةً، وتوسَّل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدَّم بين يدي دعائه صدقة، فإنَّ هذا الدعاء لا يكاد يُردُّ أبدًا، لاسيَّما إذا صادف الأدعية التي أخبر النبي ﷺ أنَّها مظنة الإجابة، ومن الآفات التي تمنع ترتيب أثر الدعاء عليه أن يستعجل العبد، ويستبطيء الإجابة، فيَدَع الدعاء.
***
стр. 826
٢٥٢ - وَعنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ بَشِيْرُ بْنُ سَعْدٍ: "يَا رَسُولَ الله، أمَرَنَا اللهُ أنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وبَارِكْ عَلَى مُحمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيْمَ فِي العَالَمِينَ، إنَّكَ حَميدٌ مَجِيْدٌ. والسَّلاَمُ كَمَا عَلِمْتُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَزَادَ ابنُ خُزَيْمَةَ فِيه: "فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ، إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صلاَتِنَا؟ " (١).
ــ
* مفردات الحديث؛
- كيف: اسم مبني على الفتح، والغالب فيه أن يكون استفهامًا، كما هو هنا.
- نصلي عليك: الصلاة من المؤمنين لنبيهم دعاؤهم له؛ أي: طلب زيادة الثناء والكمال، الموجود أصل له بنص القرآن.
- آل: أصله: "أهل"، فأبدلت الهاء همزة، ثم الهمزة ألفًا، ويدل على ذلك تصغيره على "أُهَيْل".
- وبارك: أي: أثبت له دوام ما أعطيته من التشريف والكرامة، فهو مأخوذ من: "برك البعير"؛ إذا أناخ في موضعه ولزمه، كما أنَّ البركة تطلق على الزيادة، ولكن الأصل هو الأول.
- في العالمين: العالمون جمع "عالَم"، بفتح اللام، ويراد به: جميع الكائنات؛
стр. 827
أي: أظهر الصلاة والبركة على محمَّد وآله في العالمين، كما أظهرتها على إبراهيم وآله في العالمين.
- حميد: فعيل من: "الحمْد"، يعني: المحمود، وهو أبلغ منه، والحميد: هو من حصل له من صفات الحمد أكملها ذاتًا وصفاتًا.
- مجيد: فعيل من: "المَجْدِ"، مبالغة من ماجد، وهو صفة الكمال في الشرف والكرم، يقال: مجُدَ الرجل -بضم الجيم وفتحها- يمجُد -بالضم- مجدًا، واعتبار المبالغة في صفات الله تعالى باعتبارها في نفسها، لا فيمن تعلَّقت به؛ لأنَّ صفات الله تعالى لا تختلف.
- إنَّك حميد مجيد: جملة كالتعليل لما قبلها، وحكمة الختم بهذين الاسمين الكريمين: أنَّ المطلوب تكريم الله تعالى لنبيه، وثناؤه عليه، والتنويهُ به، وزيادةُ تقريبه، ففيهما إشارة وتعليل للمطلوب؛ فإنَّ الحميد فاعل ما يستوجب به الحمد من النعم المتكاثرة المتوالية.
والمجيد كثير الإحسان إلى جميع خلقه الصالحين، ومن محامدك، وإمجادك، وإحسانك أن توجه صلواتك، وبركاتك، وترحمك على رسولك، وإلى آله.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال الصحابة لرسول الله ﷺ : إن الله تعالى أمرنا أن نصلي عليك، بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ فكيف نصلي عليك؟ فسكت ﷺ ، حتى تمنَّوا أنَّ السائل لم يسأله، مخافة أن يكون كره السؤال، وشقَّ عليه.
وعند الطبراني: فسكت حتى جاءه الوحي، فقال: "قولوا: اللَّهمَّ صلِّ على محمَّد. . ." إلى آخر الصلاة المذكورة في الحديث.
٢ - قولهم: "أمرَنَا الله أن نُصَلي عليك" دليل وجوب الصلاة، فإنَّ الأمر-أصوليًّا- يقتضي الوجوب، وقوله ﵊: "قولوا" أمر آخر أيضًا،
стр. 828
وسيأتي الخلاف في ذلك.
٣ - الحديث يدل على أنَّ المسؤول عنه هو كيفية الصلاة، لا حكمها، فإنَّ حكمها معروف لديهم من الآية الكريمة، وكذلك هم عارفون بلغتهم ولسانهم العربي أنَّ مطلق الأمر يكفي فيه أي صيغة كانت، وإنَّما أرادوا أن يبيِّن لهم الصيغة الكاملة المفصَّلة، ولذا بيَّن لهم ﵊ الكيفية والصيغة المختارة في الصلاة ﷺ .
٤ - استحباب هذه الصفة المذكورة في الصلاة، فرضًا كانت أو نافلة.
٥ - أنَّ من حق نبينا علينا أن نُصلي عليه وندعو له، فإنَّ هذا الدين العظيم وهذه المِنَّة الكبرى لم تصلنا من الله تعالى إلاَّ عن طريقه، وعلى يديه، فمن حقه علينا الصلاة، وصلاتنا وصلاة الملائكة عليه هي الدعاء له والثناء عليه، فمن صلَّى عليه مرَّة واحدة، صلَّى الله عليه بها عشرًا، فينبغي الإكثار من الصلاة عليه، لاسيَّما في يوم الجمعة، وأن تكون بالصيغ والألفاظ المشروعة.
٦ - أنَّ من أسباب علو شأن النبي ﷺ ، ورفع منازله ودرجاته دعاء أمته له، وصلاتهم وسلامهم عليه.
٧ - وردت الصلاة على النبي ﷺ بألفاظ مختلفة وروايات متنوعة، وقد أجمع العلماء على جواز كل ثابت من الصلاة على نبينا، وجواز الإتيان به، ولكن في غير صلاة واحدة، وإنَّما يأتي في الصلاة بواحدة من تلك الصيغ؛ ليعمل بجميع النصوص، ويحيي روايات السنة كلها، ولكن المختار منها للإتيان به أكثر الأحيان هو الصيغة التي معنا.
٨ - شرح بعض الجمل:
- اللَّهمَّ صلِّ على محمَّد: الصلاة من الله: الثناء على عبده في الملأ الأعلى؛ كما رواه البخاري عن أبي العالية.
стр. 829
- آل محمد "آل" بمعنى "أهل"، تأتي بمعنى الأتْبَاع، وبمعنى القرابة، والذي يحدد المعنى، هو السياق، ففي قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر] المراد بهم: الأتباع.
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، المراد بهم: القرابة.
- كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم: وهم إسحاق وإسماعيل، ومن ذرية إسماعيل محمَّد، عليهم جميعًا الصلاة والسلام، كما جاء في بعض الروايات: "وآل إبراهيم" ومن أجل هذا صلح تشبيه الصلاة على محمَّد وحده بالصلاة على إبراهيم، ومعه ابنه محمَّد ﷺ ، وعليهم أجمعين.
- إنَّك حميد: كثير المحامد المستحق لها على كل حال.
- مجيد: كثير الأمجاد، والمجد هذا كمال الشرف، والكرم، والصفات المحمودة.
- بارك على محمَّد: أي: ثبت له، وأدم عليه، وزده مما أعطيته من الشرف والكرامة؛ فإنَّك حميد مجيد.
* خلاف العلماء:
ذهب الشافعي وأحمد إلى: وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، سواء كانت الصلاة ذات تشهدين أو تشهد واحد، ولو تركت لم تصح الصلاة، مستدلين بالآية الكريمة، وقوله ﵊: "قُولُوا: اللهمَّ صلِّ. . . " إلخ.
وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنَّ الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير سُنَّةٌ؛ لقوله ﷺ بعد أن ساق التشهد: "إذا فعلتَ ذلك فقد قضيت صلاتك".
والراجح: هو الأول، وقد بحثَ وجوب الصلاة على النَّبي ﷺ في التشهد الأخير الإمامُ ابن القيم في كتابه "جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام"، ورد قول الذين لم يروا وجوبه، بما لا مزيد عليه من الاستدلال عليهم.
стр. 830
٢٥٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا تَشَهَّدَ أحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِالله مِنْ أرْبعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنهِ المَسِيح الدَّجَّالِ". مُتَّفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لِمُسْلِمٍ: "إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَخِيْرِ" (١)
ــ
* مفردات الحديث:
فليستعذ بِالله: أصل "أعوذ" بسكون العين وضم الواو، فنقلت الضمة إلى العين؛ لاستثقالها على الواو، فسكنت، ويقال: استعذت بالله، وعذت به معاذًا، أو عياذًا: اعتصمت واستجرت به؛ فالاستعاذة في كلام العرب، هي: الاستجارة والاعتصام.
- جهنَّم: هي النار، أو طبقة من طبقاتها، سميت بذلك؛ لجهمتها وظلامها، وبُعد قعرها.
- فتنة: عبارة عن الامتحان والابتلاء، في حال الحياة وعند الموت، وكثر استعمال الفتنة فيما آخره الاختيار للمكروه، ثم كثر استعماله بمعنى الإثم، والكفر، والقتال، ونحو ذلك.
- المحيا والممات: كلاهما مصدران ميميان؛ لأنَّ ما كان معتلاًّ من الثلاثي يأتي منه المصدر، واسما الزمان والمكان بلفظ واحد، والمراد: ما يعرض للإنسان في حال الحياة، وعند الوفاة، وفي القبر، فأمَّا الفتنة حال الحياة فهي ما يخشى من الزيغ والضلال، وما يتعرض له الإنسان من فتنة الدنيا وزينتها.
стр. 831
وأما فتنة الممات: فعند الاحتضار، وفي القبر عند سؤال الملكين، كما جاء في البخاري (٨٦): "إنَّكم تفتنون في قبوركم مثل، أو قريبًا من فتنة الدجال".
- المسيح: بفتح الميم وكسر السين المهملة المخففة في آخره حاء مهملة، وسمي الدجال بالمسيح؛ لأنَّ الخير مسح منه، أو لأنَّ عينَه الواحدة ممسوحة، أو لأنَّه يمسح الأرض بمروره عليها.
وقد وردت الأخبار الصحيحة بخروجه آخر الزمان، علامة كبرى من علامات الساعة.
- الدجال: على وزن فعَّال، من: "الدَّجل" وهو الكذب، والتمويه، وخلط الحق بالباطل، فكل من ظهر على الناس يريد إضلالهم، وإغواءهم عن الحق فهو دجال، وأول من يدخل في ذلك أصحاب المبادىء الهدَّامة، والمذاهب الباطلة، والاعتقادات الفاسدة، الذين يقدمونها للناس ولشعوبهم باسم الإصلاح، فهؤلاء ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ [العنكبوت].
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - مشروعية التشهد الأخير في الصلاة، وتقدم أنَّ الصحيح وجوبه، ووجوب الصلاة على النبي ﷺ فيه.
٢ - استحباب الدعاء بعد التشهد، والصلاة على النبي ﷺ في هذه الجلسة، التي هي دبر الصلاة.
قال شيخ الإسلام: الدعاء آخر الصلاة قبل الخروج منها مشروع بالسنة المستفيضة، وإجماع المسلمين، وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنَّما فعلها ﵇ فيها، وأمر بها فيها، ما دام مقبلاً على ربه يناجيه، فلا ينبغي أن يترك سؤال مولاه في حال مناجاته، والقرب منه.
стр. 832
٣ - يستحب الدعاء بهذا الماثور، والتعوذ بالله تعالى من الشرور الأربع، فإنَّها أساس البلاء والشر؛ فإنَّ الشر نوعان:
إما عذاب البرزخ، وإما عذاب في الآخرة، وأسبابه فتنة المحيا، أو فتنة الممات، أو فتنة المسيح الدجال.
والدعاء بهذا مندوب إليه بالإجماع، ولم يوجبه إلاَّ طاوس والظاهرية.
٤ - عذاب جهنم: هو عذاب في شدَّته، واستمراره لا يتصور ولا يتخيل؛ لأنَّه فوق الطاقة، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾ [غافر]، وهو مستمر في شدَّته.
٥ - أن هذا دعاء خاص بالتشهد الأخير؛ لِما في رواية مسلم: "إذَا فرغ أحدكم من التشهد الأخير. . . "، ولا يقال إلاَّ بعد التشهد، والصلاة على النبي ﷺ .
٦ - القعود الأخير في الصلاة رتِّب فيه الذكر والدعاء أحسن ترتيب، ترتيبًا يوافق آداب الدعاء، فبدىء بالثناء على الله تعالى، وذكر محامده، ثم بالصلاة والسلام على نبيه محمَّد ﷺ ، ثم الدعاء، والدعاء لا يوصل إلى ثمرته إلاَّ بهذه المقدمات.
قال شيخ الإسلام: شرع للعبد استعطاف ربه أمام الدعاء بالتحيات لله، ثم بالشهادة له بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، ثم بالصلاة على رسوله، ثم قيل له: تخيَّر من الدعاء أحبه إليك، وليكن بخشوع وأدب؛ فإنَّه لا يستجاب لدعاء من قلب غافلٍ.
٧ - شرح بعض الألفاظ:
- أعوذ بالله من عذاب جهنَّم: التعوذ هو: اللجوء، والاعتصام، والاحتماء، وجهنَّم: أحد طبقات النار، سميت بذلك؛ لجهومتها، وظلامها، وبعد قعرها.
- ومن عذاب القبر: تواترت الأخبار بثبوت عذاب القبر، ونعيمه، فهو
стр. 833
من عقيدة أهل السنة والجماعة.
وقال الشيخ تقي الدين: إنَّه يقع على الأبدان والأرواح جميعًا، وقد ينفرد أحدهما، وقد أخفى الله تعالى عذاب القبر عن الإنس والجن، لِحِكمٍ بالغة، فلو ظهر عذابه، لحصل ما يلي:
أولاً: لا يكون الإيمان بالعذاب والنعيم من الإيمان بالغيب، وإنَّما كان مشاهدة، فبطل الاختبار، والامتحان، والفضل بالإيمان بالغيب.
ثانيًا: لصار في ذلك فضيحة، وخزي للميت، ولأهله، في حال الحياة الدنيا.
ثالثًا: لو اطَّلع الناس على شقاء الميت لما تدافنوا، ولَنَفَر منهم الأحياءُ، ولكنَّ الله تعالى أخفاه حكمةً ورحمةً.
أمَّا العذاب؛ فثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع.
- ومن فتنة المحيا: الفتنة هي الابتلاء، والامتحان، والاختبار، وفتنة الحياة: هي ما يعرض للإنسان، من مِحنٍ، وفتنٍ، وابتلاءٍ بالشبهات، والشهوات وغيرها، وأعظمها سوء الخاتمة عند الموت.
- الممات: إما أن تكون الفتنة عند موته، وخروجه من الدنيا، وإما أن تكون في قبره؛ فقد جاء في البخاري (٨٦): "إنَّكم تفتنون في قبوركم مثل، أو قريبًا من فتنة الدجال"، ومنه سؤال الملكين.
- ومن فتنة المسيح الدجال: سمي مسيحًا؛ إمَّا لأنَّه يجوب الأرض طولاً وعرضًا، وإما لأنَّه أعور بمسح عينه اليمنى، وسمي دجالاً؛ لخداعه وكذبه، وتمويهه على الناس، وتلبيسه عليهم، وتغطيته الحق بباطله.
٨ - قال السبكي: ظهرت العناية بالدعاء بهذه الأمور؛ حيث أُمرنا بها في كل صلاةٍ، وهي حقيقة بذلك؛ لعظم الأمر فيها، وشدَّة البلاء في وقوعها.
٩ - استعاذة النبي ﷺ من هذه الأمور، مع أنَّه معاذٌ منها قطعًا، فائدته إظهار
стр. 834
الخضوع والاستكانة، والعبودية والافتقار، وليقتدي به غيره في ذلك، ويشرع لأمته.
١٠ - إثبات خروج المسيح الدجال، الذي هو أحد علامات الساعة الكبار، يخرج ويمكث في الأرض، ويفسد فيها، ويخدع الناس، ويغوي من اتَّبعه منهم، حتى ينزل عيسى ابن مريم ﵊ فيقتله.
***
стр. 835
٢٥٤ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁: "أنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ الله ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاَتِي، قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كثَيِرًا، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وارْحَمْنِي، إِنَّك أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ" مُتَّفقٌ عَلَيهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أدعو به: جملة فعلية محلها النصب؛ لأنَّها صفة لقوله: "دعاء" الذي هو منصوب على أنَّه مفعول ثانٍ لقوله: "علِّمني".
- في صلاتي: ظاهره عموم الصلاة، ولكن المراد به: حالة القعود بعد التشهد، وقبل السلام.
- ظلمًا كثيرًا: بالثاء المثلثة، ويروى بالباء الموحدة؛ كما في مسلم:
"ولا يغفر الذنوب إلاَّ أنتَ": جملة معترضة بين قوله: "ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا"، وبين قوله: "فاغفر لي مغفرة من عندك"، ويصلح أن تكون جملة حالية.
- مغفرة: إشارة إلى مزيد ذلك التعظيم؛ لأنَّ ما يكون عنده لا يحيط به وصف الواصفين.
- إنَّك أنت: ضمير منفصل، وفائدته التوكيد، والحصر، والتمييز بين الخبر والصفة، يقال: "زيدٌ الفاضل" فيُحتمل في "الفاضل": الخبر، والصفة، وأما: "زيد هو الفاضل" فلا يحتمل إلاَّ الخبر، وهذا الضمير لا محلَّ له من الإعراب، ولذا لم يغير صيغة: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ [الشعراء].
- الغفور الرحيم: لفٌّ ونَشر، مرتب مع: "اغفر لي وارحمني" قبله.
стр. 836
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - من فقه الصديق ﵁ أنَّه علِمَ أنَّ الصلاة هي أقرب صلة بين العبد وبين ربه، وأنَّها إحدى الأحوال التي يستجاب فيها الدعاء، فطلب من النبي ﷺ أن يعلمه أنفع دعاء، وأنسب دعاء في هذا المقام، فعلَّمه النبي ﷺ هذا الدعاء، الذي يرفع صاحبه إلى أعلى الدرجات، وعلَّمه الوسيلة القريبة التي تستوجب قبول هذا الدعاء.
٢ - قال في "الشرح": الحديث دليل على شرعية الدعاء في الصلاة على الإطلاق، من غير تعيين محل له، ومن محلاته بعد التشهد والصلاة عليه ﷺ ؛ لقوله: "فليختر من الدعاء ما شاء".
٣ - في الحديث اعتراف العبد بذنبه من تقصيره بالواجبات، أو ارتكابه المنهيات، وفيه التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى، عند طلب الحاجات، واستدفاع المكروهات، وأنَّ الداعي يأتي من صفات الله تعالى بما يناسب المقام؛ فلفظ: "الغفور الرحيم" عند طلب المغفرة والرحمة، وختم الآيات الكريمة بأسماء الله مناسبة غاية المناسبة؛ لما في الآية من معنًى كريمٍ، وكذلك الأدعية النبوية مختومة بأسماء الله تعالى بما يناسبها.
٤ - وفي الحديث الترغيب في طلب العلم، وسؤال العلماء، لا سيَّما في المسائل الهامة، والأشياء المطلوبة.
٥ - وفيه وجوب نصح العالم المتعلم، وتوجيهه إلى ما هو أنفع له، وإعطاؤه قواعد العلم وأصول الأحكام؛ لتكون الفائدة أتم وأكمل.
٦ - وردت أدعية أُخر يستحب الإتيان بها قبيل السلام من الصلاة، منها: "ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة. . . إلخ" [رواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٦٤) عن ابن مسعود موقوفًا].
ومنها: "اللَّهمَّ اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت. . . " [رواه
стр. 837
أبو داود (٧٦٠)].
ومنها وصيته ﵇ لمعاذ: "لا تدعنَّ دبر كل صلاة أن تقول: اللَّهم أعنِّي على ذِكرك، وشكرك، وحسن عبادتك" [رواه أبو داود (١٥٢٢)].
٧ - ولا يتعيَّن دعاء خاص؛ لقوله ﷺ : "ثُمَّ ليتخيَّر من الدعاء أعجبه إليه"، ولكن الدعاء الوارد المأثور أفضل من غيره، والله أعلم.
٨ - ظلم الإنسان يكون في أحد أمرين:
إما تقصير في الواجبات، أو تعدَّ على المحرمات، أو بهما جميعًا.
٩ - قوله: "ولا يغفر الذنوب إلاَّ أنت" استفهام بمعنى الإنكار، ومعناه: أنَّ الخلق جميعًا، لا يستطيعون أن يغفروا زلة واحدة من الزلاَّت، وإنَّما هذا إلى الله تعالى، فلا يطلب إلاَّ منه جلَّ وعلا.
١٠ - "اغفر لي وارحمني": المغفرة فيها زوال المكروه، والرحمة فيها حصول المطلوب.
١١ - قال ابن الملقن: ما أحسن هذا الترتيب؛ فإنَّه قدم اعترافه بالذنب، ثم بالوحدانية، ثم سأل المغفرة؛ لأنَّ الاعتراف أقرب إلى العفو، والثناء على المسؤول أقرب لقبول مسألته.
***
стр. 838
٢٥٥ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِيْنِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وَبركَاتُهُ، وَعَنْ شِمَالِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ الله [وَبركَاتُهُ] ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإسْنَادٍ صَحيحٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح؛ أخرجه أبو داود بسند صحيح، وقد صحَّحه عبدالحق، والنووي، وابن حجر، وإسناد رجاله ثقات منهم رجال الصحيح.
قال الألباني: الأَوْلى عدم المداومة على زيادة "وبركاته"؛ لكونها لم تأت في أحاديث السلام الأُخر.
قال الشيخ المباركفوري: اعلم أنَّ أكثر نسخ أبي داود خالية من زيادة "وبركاته" مع التسليمة الثانية، وإنَّما هي مع التسليمة الأولى فقط، حتى توهم البعض أنَّ الحافظ ابن حجر وهم في نقل هذه الزيادة مع التسليمة الثانية، وإنَّما الواهم هو ذلك البعض؛ فإنَّ هذه الزيادة مع التسمليمتين موجودة في بعض النسخ الصحيحة المعتمد عليها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الصلاة عرفها العلماء شرعًا: بأنَّها أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، قال ﷺ : "وتحليلها التسليم". [رواه أحمد (١٠٠٩)].
٢ - صيغة التسليم: "السلام عليكم ورحمة الله" مرتان، واحدة عن اليمين،
стр. 839
والأخرى عن الشمال، وسيأتي بحث "وبركاته" إن شاء الله تعالى.
٣ - هذا هو السلام الذي كان يقوله ﷺ ، ويخرج به من الصلاة، ولم ينقل عنه خلافه، وقد قال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي" [رواه البخاري (٦٠٥)]، وعلى المصلي أن ينوي به الخروج من الصلاة استحبابًا، وإن لم ينو جاز، والأولى كافية.
٤ - الابتداء باليمين بالسلام، والالتفات في التسليمتين، كل ذلك سنة، ليس بواجب.
٥ - زيادة "وبركاته" قال في: "شرح الإقناع": وإن زاد "وبركاته" جاز؛ لفعله ﷺ ، كما رواه أبو داود.
وقال الألباني: وكان أحيانًا يزيد في التسليمة الأولى: "وبركاته" [رواه أبو داود بسند صحيح]، فالأولى الإتيان بهذه الزيادة أحيانًا؛ لأنَّها لم ترد في أحاديث أُخر، فثبت أنَّ النبيَّ ﷺ لم يداوم عليها.
٦ - السلام. . . إلخ: دعاء بالسلامة من النقائص، والعيوب، والآفات، وسؤال الرحمة للحاضرين من المصلين، والملائكة الكرام الحاضرين، فهو دعاء مناسب، ينبغي للمصلي أن يستحضر هذه المعاني، وأن يستحضر أدب الدعاء.
٧ - قال في "الروض وحاشيته": "ويكره للإمام إطالة قعوده بعد السلام مستقبل القبلة، لما روى مسلم (٥٩٢) عن عائشة قالت: "كان رسولُ الله ﷺ إذا سلم، لم يقعد إلاَّ بمقدار ما يقول: اللَّهمَّ أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام"؛ لأن في انحرافه إلى المأمومين إعلامًا بأنه قد انتهى من صلاته، فلا ينتظر".
وحكى النووي وغيره: أنَّ عادته ﷺ إذا انصرف استقبل المأمومين جميعهم بوجهه.
стр. 840
٨ - قال الشيخ تقي الدين: المصافحة بعد السلام من الصلاة لا أصل لها، لا بنص ولا عمل من الشارع، ولا من الصحابة، ولو كانت مشروعة لتواترت، ولكان السابقون أحق بها، أما إذا كانت أحيانًا؛ لكونه لقيه عقب الصلاة، لا لأجل الصلاة فجائز.
* خلاف العلماء
أجمع العلماء على مشروعية السلام في الصلاة، والخروج منها به، واختلفوا في حكمه:
فذهب المالكية والشافعية إلى: وجوب التسليمة الأولى، وأما التسليمة الثانية فسنة ليست بواجبه لديهم.
وذهب الحنفية إلى: أنَّه يجب لفظ "السلام" مرتين، في اليمين واليسار، دون "عليكم ورحمة الله" فسنة، وعلى هذا فهو واجب، وليس بفرض، فيجوز الخروج من الصلاة بسلام أو كلام، أو غير ذلك مما ينافي الصلاة، لكن مع الكراهة التحريمية، وإذا جازت الصلاة مع الكراهة التحريمية فتجب إعادتها.
والمشهور عند الحنابلة: أنَّ التسليمتين فرضان، فلا تكفي الأولى عن الثانية إلاَّ في صلاة الجنازة، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، فيخرج منها بتسليمة واحدة، لأنَّ هذه العبادات مبنية على التخفيف، فاكتفي بتسليمة، ولو سلم الثانية جاز.
قال العقيلي: الأسانيد ثابتة في حديث ابن مسعود في التسليمتين، ولا يصح عنه تسليمة واحدة.
ونصَّ الطحاوىُّ وغيره على تواتر التسليمتين عنه ﷺ .
وقال البغوي وغيره: التسليمة الثانية زيادة من ثقات يجب قبولها، والواحدة غير ثابتة عن أهل النقل.
واستدلَّ الشافعية والمالكية على أنَّ الفرض هو تسليمة واحدة: بعموم
стр. 841
قوله: "وتحليلها التسليم" [رواه أبو داود (٦١)].
وأقله: "السلام عليكم" قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أنَّ صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة.
أما دليل الحنفية على أنَّه ليس بفرض: فحديث ابن مسعود: "إذا قضيت هذا، تمت صلاتك" [رواه أبو داود (٨٥٦)، والترمذي (٣٠٢)].
أما دليل الحنابلة: فما رواه أبو داود (٩٩٦)، والنسائي (١٣١٩) عن ابن مسعود "أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، ويلتفت حتى يرى بياض خده".
وأجابوا عن حديث ابن مسعود: ". . . تمت صلاتك": بأنَّ هذا التعبير معناه: أنَّك وصلت إلى نهايتها، وهو السلام، الذي به تخرج منها.
***
стр. 842
٢٥٦ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ: "لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ". مُتَّفقُّ عَليْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- دُبُر: -بضم الدال المهملة، وضم الباء الموحدة، ويجوز سكونها-: ضد القبل، فالقبل: وجه كل شيء، والدبر: عقبه ومؤخره.
- صلاة مكتوبة: أي: فريضة، وجاءت مطلقة في إحدى روايات البخاري: "كان يقولها في دبر كل صلاة"، والمطلق يحمل على المقيد.
- لا إله إلاَّ الله: "لا" نافية للجنس، "إله" اسمها، أما خبرها فمحذوف، تقديره "حق"، واسم الجلالة بدل منه، وهي كلمة التوحيد بالإجماع، وهي مشتملة على النفي والإثبات؛ فقوله: "لا إله" نفي للألوهية، و"إلاَّ الله" تأكيد لإثبات الألوهية لله تعالى، وبهاتين الصفتين صارت هذه هي كلمة التوحيد والشهادة.
- وحدَه: منصوب على الحال، تقديره: ينفرد وحده، وأوَّلناه هكذا؛ لأنَّ الحال لا تكون إلاَّ نكرة.
- لا شريك له: تصلح أن تكون تأكيدًا لـ"وحده"؛ لأنَّه المتَّصف بالوحدانية، وأن تكون توكيدًا لنفي الشريك، فكلمة الإخلاص تضمنت إثباتًا ونفيًا.
- له الملك: بضم الميم؛ ليعم، ويكون له جل وعلا مطلقُ الملكوت.
стр. 843
- وله الحمد: جميع أصناف المحامد؛ بناء على أنَّ الألف واللام لاستغراق الجنس.
- وهو على كل شيء قدير: من باب التتميم والتكميل؛ لأنَّ الله تعالى لما كانت لى الوحدانية، وله الملك، وله الحمد، فبالضرورة يكون قادرًا على كل شيء، وذكره يكون للتتميم والتكميل.
- القدير: اسم من أسماء الله، وصفة من صفاته تعالى، فله القدرة الكاملة الباهرة في السموات والأرض.
- لما أعطيت، ولما منعت: أي: الذي أعطيته، والذى منعته بِحِكمتك.
- الجَدّ: بالفتح في جميع الروايات، ومعناه: الغنى.
- منك: متعلق بقوله: "ينفع"، ولا يصلح أن يكون متعلقًا بـ"الجد"؛ قاله ابن دقيق العيد.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب هذا الذكر بعد الصلوات الخمس المكتوبات كلها، ويكون بعد السلام مباشرة؛ فإنَّ دبر الشيء ما يليه، وظاهره يأتي به مرَّة واحدة بعد الصلاة، ويأتي تمام البحث.
٢ - شُرِعَ هذا الذكر الجليل بعد الصلوات المكتوبات التي هي أفضل الطاعات؛ لما اشتمل عليه من إثبات الوحدانية لله تعالى، ونفي الشريك له في ذاته وصفاته وعبادته، وإثبات كمال القدرة، وشمولها له وحده، ثم إثبات التصرف له وحده من العطاء والمنع، وأنَّ أي مخلوق لا ينفعه جده، ولا حظه، ولا غناه، عن الله تعالى، فهو صاحب الملكوت والسلطان، فإذا عرف العبد ذلك تعلَّق قلبه بربه تعالى، وصرف نظره عن غيره.
٣ - ترتيب هذا الذكر المشروع بعد الصلوات الخمس المكتوبات-: أن يستغفر الله ثلاثًا، ثم يقول: "اللَّهُمَّ أنت السلام ومنك السلام. . . إلخ"، ثم يأتي بذكر
стр. 844
هذا الحديث، وهو أن يقول: "لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك. . . " مرَّة واحدة، إلاَّ في المغرب والفجر فعشر مرات، ثم يقول: "سبحان الله" و"الحمد لله" و"الله أكبر" ثلاثًا وثلاثين مرة، فتكون تسعة وتسعين، وتكمل المائة: بـ"لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له. . . ".
ثم يقرأ آية الكرسي، والإخلاص، والمعوذتين، ثم يقول في المغرب، والفجر خاصة: "اللَّهمَّ أجرني من النار" سبع مرات.
فهذا الذكر ورد في فضله نصوص عظيمة معروفة، لا يتسع المقام لنقلها؛ بعد الذكر يدعو مخلصًا في دعائه، لأنَّ الدعاء هو العبادة، والإخلاص ركنها.
قال الشيخ تقي الدين: إذا لم يخلص الداعي في الدعاء، ولم يتجنَّب الحرام، تبعد إجابته، إلاَّ مضطرًا مظلومًا.
والحاصل أنَّه عقب أذكار الصلاة، يستحب أن يصلي على النبي ﷺ ، ويدعو بما شاء؛ فإنَّ الدعاء عقب هذه العبادة من أحرى أوقات الإجابة، لا سيَّما بعد ذكر الله، وحمده، والصلاة على نبيه محمَّد ﷺ .
***
стр. 845
٢٥٧ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: "انَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبر كُلِّ صَلاَةٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- يتعوذ: عاذ بالله يعوذ عوذًا وعياذًا: لاذ والتجأ واعتصم، تقول: أَعُوذُ بالله من الشيطان؛ أي: التجأ واعتصم به.
- البخل: يقال: بخل الرجل يبخل بخلاً، من بابي كرم وعلم، والاسم: البخل.
فالبخل -بضم الخاء وإسكانها-: هو الإمساك والشح، وهو ضد الجود والسخاء والكرم.
وقيل: البخل هو نفس المنع، والشح حالة نفسية تقتضي المنع. والبخل في الشرع: منع الواجب. واسم الفاعل: "بخيل"، والجمع: "بخلاء".
- الجبن: يقال: جبن الرجل يجبن جبنًا، من بابي نصر وكرم، والجبان جمعه: جبناء، وهو الهيوب للأشياء، فلا يقدم عليها.
قال في "المصباح": هو جبان؛ أي: ضعيف القلب.
- أُردّ: بالبناء للمجهول، يقال: رددت الشيء: أرجعته، وأعدته إلى ما كان عليه.
- أرذل: يقال: رذل رذلاً: كان رذيلاً.
والرذيل: الخسيس، أو الرديء من كل شيء، جمعه: أرذال ورذلاء،