← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

الواجب، ولكن يحمل على تأكيد السجود فيها، من غير وجوب، كما هو مذهب الجمهور، وهو عدم وجوب سجود التلاوة، وقد وردت نصوص كثيرة بترك السجود، منها الأثر الآتي عن عمر ﵁ أنَّه قال: "إنَّ الله تعالى لم يفرض علينا السجود، إلاَّ أن نشاء". [رواه البخاري]. ٤ - أن وجه النهي عن قراءتها لمن لم يسجدهما، هو أنَّ السجدة شرعت في حق التالي بتلاوته، والإتيان بالسجدة من حق التلاوة، وهي لا تخلو إما أن تكون واجبة فيأثم بتركها، أو سنة فيستضر بالتهاون بها. ***

стр. 912

٢٧٩ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: "يَا أيُّهَا النَّاسُ، إنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَد فَقَدْ أصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَفِيهِ: "إنَّ اللهَ تَعَالَى لَم يَفْرِضِ السُّجُودَ، إلاَّ أنْ نَشَاءَ". وَهِوَ فِي "المُوَطَّأِ" (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الأثر من أمير المؤمنين قاله في خطبة الجمعة، أمام الصحابة كلهم، فلم ينكر عليه أحد منهم؛ فدلَّ على عدم المعارضة، فحينئذٍ يكون قول الصحابي حجة، لاسيما الخليفة الراشد، الذي هو أولى باتباع السنة، وبحضور جميع الصحابة، فيكون إجماعًا، كما أنَّه جاء في بعض ألفاظ الأثر: "يا أيُّها الناس، إنا لم نؤمر بالسجود" وهذا حديث له حكم الرفع، والمؤلف ما ساقه هنا إلاَّ للاستدلال به، على أنَّه ليس بواجب، وإنما هو مستحب. ٢ - إذا كان هذا الأثر ينفي وجوب سجود التلاوة، فإنَّه يدل على استحبابه، وأنه ليس مندوبًا إليه. قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: ولم يأت بإيجابه قرآنٌ، ولا سنةٌ، ولا إجماعٌ، ولا قياسٌ. ...

стр. 913

٢٨٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَقْرأُ عَلَيْنَا القُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بالسَّجْدَةِ كَبَّرَ، وَسَجَدَ، وسَجَدْنَا مَعَهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاودَ بِسَنَدٍ فِيهِ لِيْنٌ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث فيه ضعفٌ، لكن أصله في الصحيحين. قال في "التلخيص": رواه أبو داود، وفيه عبدالله العمري، المكبر، وهو ضعيف، وأخرجه الحاكم (١/ ٤٢١) من رواية عبيد الله العمري، المصغر، وهو ثقة، وقال: إنَّه على شرط الشيخين. قلتُ: وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر بلفظ آخر. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على مشروعية سجود التلاوة. ٢ - يدل على أنَّ المستمع يسجد إذا سجد القارىء. ٣ - يدل على أنَّ القارىء إمام للمستمعين في تلك السجدة. ٤ - يدل على أنَّ القارىء إذا لم يسجد، فإنَّ المستمع لا يسجد. ٥ - يدل على أنَّه يكبر إذا سجد، والظاهر أنَّه يكتفي بتكبيرة واحدة، تجزىء عن تكبيرة الانتقال، ويكون الأصل فيها للإحرام، ولم يذكر في الحديث تكبيرة للرفع من السجود، مما يدل على أنه لم يشرع. ٦ - أما شيخ الإسلام فيقول: ولا يشرع في سجود التلاوة تحريم، ولا تحليل، وهذا هو السنة المعروفة عن النبي ﷺ ، وعليها عامة السلف، وعلى هذا

стр. 914

فليس هو صلاة، فلا يشترط له شروط الصلاة، بل يجوز على غير طهارة، وإلى غير القبلة كسائر الذكر، وكان ابن عمر يسجد على غير طهارة، واختارها البخاري، للكن السجود بشروط الصلاة أفضل. وقال ابن القيم: لم يذكر عنه ﷺ أنَّه كان يكبر للرفع من هذا السجود. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: سجود التلاوة إذا فعل خارج الصلاة، فالصحيح أنَّه لا يجب فيه تكبير ولا تسليم، ولا يشترط فيه الطهارة، ولا استقبال القبلة، ولكنه بشروط الصلاة أكمل، وإن كان في نفس الصلاة، فحكمه حكم سجود الصلاة؛ وهو اختيار الشيخ تقي الدين. ٧ - أما المشهور من مذهب الإمام أحمد: فقال عنه في "شرح الزاد": وإذا أراد السجود فإئَه يكبر تكبيرتين: تكبيرة إذا سجد، وتكبيرة إذا رفع؛ سواء كان في الصلاة أو خارجها، ويجلس إن لم يكن في صلاة، ولا يتشهد، ويسلم وجوبًا، وتجزىء تسليمةٌ واحدة، ويرفع يديه ندبًا إذا سجد، ولو في الصلاة، وسجود من قيام أفضل، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، كما يقول في صلب الصلاة، كان زاد غيره مما ورد فحسن. ٨ - قال الشيخ تقي الدين: وأحاديث الوضوء مختصة بالصلاة، لكن السجود بشروط الصلاة أفضل، ولا ينبغي أن يخل بذلك إلاَّ لعذر، فالسجود بلا طهارة خير من الإخلال به. ***

стр. 915

٢٨١ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إِذَا جَاءَهُ أمرٌ يَسُرُّهُ، خَرَّ سَاجِدًا للهِ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ النَّسَائيَّ (١). ــ * درجة الحديث: أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي، وقال الترمذي: حسن غريب. وفي إسناده: بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة الثقفي، وهو ضعيف عند العقيلي وغيره، وقال ابن معين: صالح، وقال ابن عدي: أرجو أنَّه لا بأس به، وهو من الضعفاء الذين يكتب حديثهم، وذكره العقيلي في "الضعفاء". وللحديث شواهد من حديث عبد الرحمن بن عوف عند أحمد، ومن حديث سعد بن أبي وقاص عند أبي داود، وفي الباب عن جابر وابن عمر وأنس، وقد سجد أبو بكر لما قُتل مسيلمة، وسجد كعب بن مالك لما بُشِّرَ بالتوبة، والله أعلم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث يدل على سجدة يقال لها: "سجدة الشكر"، وهي مستحبة عند تجدد نعمة، أو اندفاع نقمة؛ سواء أكانت النقمة، أو النعمة خاصة بالساجد، أم عامة للمسلمين. ٢ - حكمها حكم سجود التلاوة، فمن اعتبر الأولى صلاة اعتبر هذه صلاة، لها أحكام الصلاة من اشتراط الطهارة، والاستقبال، والتكبير، والتسليم، وغير ذلك من أحكام الصلاة، ومن لم ير سجود التلاوة صلاة -كابن تيمية

стр. 916

وغيره- اعتبر هذه مثلها. ولذلك قال الشيخ في "الاختيارات": وسجود الشكر لا يفتقر إلى طهارة؛ كسجود التلاوة. ٣ - ذهب إلى استحباب سجود الشكر الشافعية والحنابلة: قال ابن القيم: لو لم تأت النصوص بالسجود عند تجدد النعم، لكان هو محض القياس، ومقتضى عبودية الرغبة. أما الحنفية والمالكية: فلم يستحب عندهم سجود الشكر. ٤ - يختلف سجود الشكر عن سجود التلاوة؛ بأنَّ سجود التلاوة يجوز في الصلاة، حينما يمر القارىء في صلاته بقراءة آية سجدة، أما سجود الشكر فتبطل به الصلاة عند الحنابلة. قال في: "شرح الزاد": يستحب في غير صلاة سجود الشكر، عند تجدد النعم، واندفاع النقم، وتبطل به صلاة غير جاهل وناسٍ، والله أعلم. ***

стр. 917

٢٨٢ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: "سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ، وَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أتانِي فَبَشَّرَنِي، فَسَجَدْتُّ للهِ شُكْرًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: قال الحاكم: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. قال في "التلخيص": رواه أحمد والبزار والعقيلي والحاكم، كلهم من طريق محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد الرحمن بن عوف، وهو لم يسمع منه، ورواه الإمام أحمد من طريق عبد الواحد بن محمَّد بن عبد الرحمن بن عوف، ولم يوثق عبد الواحد إلاَّ ابن حبان، وسيأتي في الحديث الآتي ما يؤيده. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب سجود الشكر عند تجدد نعمة. ٢ - استحباب إطالة السجود، شكرًا لله تعالى، واعترافًا بنعمه، وثناءً عليه، وسؤاله المزيد من فضله وجوده. ٣ - البشارة التي جاء بها جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ ، هو أنَّه أخبره أنَّ من صلَّى عليه ﷺ صلاة واحدةً، فإنَّ الله تعالى يصلي عليه بها عشر مرات، واستبشر النبي ﷺ بهذا الفضل لأمرين: الأول: أنَّ الله تعالى أعلى درجته، ورفع ذكره، وكثَّر أجره بكون المسلمين يصلون عليه ﷺ ، ويدعون له. الثاني: هذا الثواب العظيم لأمته حينما يصلون على نبيهم؛ فإنَّ الله

стр. 918

تعالى من فضله وكرمه يصلي عشر مرات، على من صلَّى صلاة واحدة على نبيه ﷺ . ٤ - الفضل العظيم، والشرف الكبير لنبينا محمَّد ﷺ عند ربه، وعِظم هذه المنزلة عنده. ٥ - فضل الصلاة على النبي ﷺ ، واستحباب الإكثار منها؛ ليحصل للعبد هذا الأجر، وليقوم بشيء من حق نبيه محمَّد ﷺ . ٦ - الصلاة على النبي ﷺ المشروعة هي الصيغة المعروفة بالأحاديث الصحيحة، والتي تؤدى كما كانت تؤدى زمن الصحابة وصدر الإسلام، أما صيغ الصلوات المبتدعة، والاجتماعات التي ما كانت معروفة، ولا أصل لها في الشريعة، فهذه لا تعتبر صلاة شرعية، فقد قال ﷺ : "من أحدث في أمرنا ما ليس منه، فهو ردٌّ" وفي رواية: "من عمل عملاً ليس عليه أمرُنا، فهو ردٌّ". ***

стр. 919

٢٨٣ - وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا إلىَ اليَمَنِ -فَذَكَرَ الحَدِيثَ- قال: فَكَتَبَ عَلِيٌّ بِإسْلاَمِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ الله ﷺ الكِتَابَ، خَرَّ سَاجِدًا". رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ، وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث أصله في البخاري، وهو مؤيد للحديث الذي قبله، وسجود الشُّكر في تمام الحديث صحيح على شرط البخاري، وأيَّد ذلك ابن عبد الهادي في "المحرر". * مفردات الحديث: - خَرَّ: يَخِرّ خَرًّا وَخُرُورًا، من باب ضرب، والمراد هنا: انْكَبَّ؛ على الأرض ساجدًا لله. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ من أعظم نعم الله تعالى على عباده المسلمين، هو عزّ الإسلام، وإعلاء كلمة الله، ونصر دينه؛ فإنَّ حياة المسلمين الحقيقة، وسعادتهم الأبدية هي في عز دينهم ونصرته، فإسلامُ طوائفَ كبيرةٍ، ودخولهم في الإسلام، عزٌّ للمسلمين، وتكثير لسوادهم. ٢ - حرص النبي ﷺ على هداية الخلق، وإنقاذهم من ظلام الكفر إلى نور الإيمان، فهو يبعث البعوث إليهم؛ ليدعوهم إلى دين الله تعالى، ويفرح الفرح العظيم بهدايتهم؛ لأنَّ في هذا أمورًا كثيرة:

стр. 920

أولاً: إنقاذ هذا الجمع البشري من النار، والتسبب في دخولهم الجنة. الثاني: له الأجر الكبير في هدايتهم، ودلالتهم على الخير، فقد قال ﷺ : "لأنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا واحدًا خيرٌ لكَ منْ حُمُرِ النَّعَم". أرواه البخاري (٢٩٤٢)]. الثالث: إنَّ في هذا نجاحًا لدعوته، وامتثالاً لأمر ربه، وأداءً لرسالته. ٣ - في الحديث دليل على أنَّ سجود الشكر يكون من قيام، أفضل من كونه من قعودٍ؛ لقوله: "وخرَّ ساجدً"؛ فإنَّ الخرور لا يكون إلاَّ من قيام، ويحتمل أنَّ البشارة جاءته وهو قائم، فحينئذٍ لا يكون في الحديث دليل على استحباب سجود الشكر من قيام. ٤ - مشروعية هذا السجود عند وجود نعم الله تعالى وفضله، وكمال نعمته وتجددها، والله أعلم. ***

стр. 921

باب صلاة التطوع مقدمة التطوع: تفعل، من: طاع يطوع، إذا انقاد. والتطوع لغة: فعل الطاعة. وشرعًا واصطلاحًا: طاعة غير واجبة، من صلاة، وصدقة، وصوم، وحج، وجهاد، والمراد هنا بصلاة التطوع: الصلوات التي ليست واجبة. قال شيخ الإسلام: التطوع تكمل به الفرائض يوم القيامة، إن لم يكن المصلي أتمها. وقال الإمام الغزالي في "الإحياء": أمرُ الله فرائض، ونوافل؛ فالفرائض رأس المال، وهو أصل التجارة، وبه تحصل النجاة، والنوافل هي الربح، وبها الفوز في الدرجات. وفي هذا الباب يبحث الفقهاء في الأعمال الصالحة أيها أفضل. قال في "شرح الإقناع": أفضل التطوع الجهاد في سبيل الله، فقد قال الإمام أحمد: لا أعلم شيئًا بعد الفرائض أفضل من الجهاد. ومن الجهاد النفقة، والإعانة عليه. ثم يلي الجهاد العلم، تعلُّمه وتعليمه من تفسير، وحديث، وتوحيد.، وفقه، ونحوها.

стр. 922

قال أبو الدرداء: العالم والمتعلم سواء في الأجر. ونقل مُهَنَّا عن الإمام أحمد: طلب العلم أفضل الأعمال لمن صحت نيته، بأن ينوي به نفي الجهل عن نفسه، وإفادة غيره. ونقل منصور عن الإمام أحمد: أن تذاكر بعض ليلة أفضل من إحيائها. والمراد بالعلم: الذي ينتفع به الناس في أمور دينهم. وقال الإمامان: أبو حنيفة ومالك: أفضل ما تُطُوِّعَ به العلم: تعلمه، وتعليمه. وقال الشيخ تقي الدين: تعلم العلم وتعليمه يدخل بعضه في الجهاد، والعلم خير ما أنفقت فيه الأنفاس، وبذلت فيه المُهج. وقال الإمام النووي: اتَّفق السلف على أنَّ الاشتغال بالعلم أفضل من الاشتغال بنوافل الصلاة، والصيام، والتسبيح، ونحو ذلك، فهو نور القلب، ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، فهو أفضل الأعمال، وأقربها إلى الله، وأفضل العلوم أصول الدين، ثم التفسير، ثم الحديث، ثم أصول الفقه ثم الفقه. وقال الغزالي: أيها المقبل على اقتباس العلم، إن كنت تقصد بطلب العلم المنافسة، والمباهاة، واستمالة وجوه الناس إليك، وجمع حطام الدنيا، فصفقتك خاسرة، وإن كانت نيتك وقصدك من طلب العلم الهداية، دون مجرد الرواية -فأبشر؛ فإنَّ الملائكة تبسط لك أجنحتها -إذا مشيتَ- رضًا بما تطلب. ***

стр. 923

٢٨٤ - وَعَنْ رَبِيْعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: "قَالَ لِي النَّبيُّ ﷺ : سَلْ، فَقُلْتُ: أسْألكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ، فَقَالَ: أوَغَيْرَ ذلِكَ؟ فَقُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي علَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - سَلْ: من السؤال، بتخفيف الهمزة، فلما تحركت السين، لم يحتج لهمزة الوصل. - أوَغَير ذلك: الواو بالسكون والفتح، وهمزة الاستفهام تستدعي فعلاً، فيكون المعنى على الأول: سل غير ذلك، لكنه أجاب: هو ذاك، أي: مسؤولي ذاك، لا أريد غيره، وعلى الثاني فالتقدير: أتسأل هذا وهو شاق، وتترك ما هو أهون منه، فأجاب: مسؤولي ذلك، لا أتجاوز عنه. - ذلك: هذه الإشارة للبعيد؛ لينتهي السائل عن سؤاله امتحانًا منه ﷺ . - ذاك: هذه الإشارة جاء بها السائل؛ ليفيد أنَّ ما مسالة غير مستبعد. - أعنِّي على نفسك: أعني على بلوغ مرادك. - السجود: يراد به: الصلاة، فعبر عن كلها ببعضها؛ لكون هذا البعض هو أهم أفعالها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - ربيعة بن كعب الأسلمي أحد المتشرفين بخدمة النبي ﷺ ، وكان يبيت عند النبي ﷺ يأتيه بوضوئه، فاراد ﷺ أن يكافئه على عمله وخدمته، فقال له:

стр. 924

سل واطلب مني حاجة أقضيها لك، وإذا بنفسى الرجل كبيرة عالية، فقال: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال له ﷺ : أو غير ذلك، من حاجة أخرى غير هذه؟ فقال: هو ذاك، يعني: ليس لي حاجة إلاَّ هذه الحاجة، فأجابه ﷺ إلى ما طلب، ولكنه قال: أعنِّي على نفسك؛ أي: ساعدني على قضاء هذه الحاجة الكبيرة، ونيل هذا المرام العظيم بكثرة الصلاة، فإنَّها سبب لعلو الدرجات في الجنة، فإنَّ الله تعالى لما ذكر المحافظين على الصلاة، قال: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون]. ٢ - المراد من السجود: هو الصلاة؛ فإنَّ الشيء يسمى ببعضه، لاسيما إذا كان بعض الشيء أهم ما فيه، فالسجود أهم ما في الصلاة؛ لما فيه من كمال الخضوع، والاستكانة لله تعالى، والقُرب منه. ٣ - المراد بالصلاة هنا: نوافلها؛ لأنَّها التي يمكن تكثيرها، فدلَّ على أنَّ نوافل الصلوات من أعظم الطاعات، وأنها سبب قوي لنيل أعلى درجات الجنان. ٤ - التطوع في الصلاة على أربعة أقسام: (أ) تطوع مطلق لا يتقيد بسبب، ولا بوقت، ولا بفرض. (ب) تطوع مقيد بالوقت؛ كالوتر، وصلاة الضحى. (ج) تطوع مقيد بفرض؛ كرواتب الصلوات الخمس. (د) تطوع مقيد بسبب؛ كتحية المسجد، وركعتي الوضوء. ٥ - فيه دليل على سمو نفس ربيعة ﵁ وإلى شرف مطلبه، وعلو همته على الدنيا وشهواتها؛ فإنَّ نفسه توَّاقة إلى أعلى المراتب. ٦ - فيه دليل على هذا الخُلقُ العظيم للنبي ﷺ ، فإنَّ خدمته شرف، وإنها لأجر عظيم يعود على الخادم بالخير والبركة، ومع هذا فإنه أحب أن يكافىء من يخدمه، ولم يقل: إنَّ حقًّا عليكم أن تخدموني. ٧ - فيه بيان أنَّ السجود في الصلاة هو أفضل أفعالها، وهو موطن خلاف بين

стр. 925

العلماء، فهل القيام أفضل أو السجود؟ فالمذهب عندنا، كما قال في "شرح الزاد": "وكثرة ركوع وسجود أفضل من طول قيام"، فيما لم يرد تطويله، واستدلوا بحديث الباب. وقال الشيخ تقي الدين: التحقيق أنَّ ذكر القيام -وهو القراءة- أفضل من ذكر الركوع والسجود، وأما نفس الركوع والسجود فأفضل من نفس القيام، فاعتدلا، ولهذا كانت صلاته ﷺ معتدلة. ***

стр. 926

٢٨٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، ورَكعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكعَتَيْن بَعْدَ المَغْرِبِ فِي بيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ فِي بيْتِهِ، ورَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: "وَرَكعَتَيْنِ بعدَ الجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ" (١). ولِمسْلِمٍ: "كانَ إذَا طَلَعَ الفَجْرُ لاَ يُصَلِّي إِلاَّ رَكعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ" (٢). ٢٨٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لاَ يَدَعُ أرْبَعًا قَبْل الظُّهْرِ، ورَكعَتَيْنِ قَبل الغَدَاةِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣). ــ * مفردات الحديث (٢٨٦): - يدَع: يقال: ودعته أدعه ودعًا: تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثم حذفت الواو، ثم فتح لمكان حرف الحلق، ويندر استعمال ماضيه، ومصدره، واسم فاعله، حتى قال بعضهم: إن العرب أماتت ذلك، إلاَّ أنَّه وجد في بعض الجمل. ...

стр. 927

٢٨٧ - وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: "لَمْ يَكُنِ النَّبيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوافِلِ أشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَى الفَجْرِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَلِمُسْلِمٍ: "رَكعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا" (٢). ــ * مفردات الحديث: - تعاهدًا: يقال: تعاهد تعاهدًا، وحقيقة التعهد: تجديد العهد به، والمراد هنا: المحافظة عليها. - النوافل: جمع "نافلة"، قال في "النهاية": سميت النوافل في العبادات؛ لأنَّها زائدة على الفرائض. ...

стр. 928

٢٨٨ - وَعَنْ أُمِّ حَبِيْبَةَ أُمِّ المُومِنِيْنَ ﵂ قَالَتْ: "سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقُولُ: "مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بنُيَ لَهُ بِهِنَّ بيْتٌ فِي الجَنَّةِ". رَوَاهُ مُسْلمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: "تَطَوُّعًا". وللتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ: وَزَادَ: "أرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَركعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَينِ بَعْدَ العِشَاءِ، ورَكعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الفَجْرِ (١) ". ولِلْخَمْسَةِ عَنْهَا: "مَنْ حَافَظَ عَلَى أرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبعٍ بَعْدَهَا، حَرَّمَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّار" (٢) ــ * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ، أصله في مسلم، وأما زيادة الخمسة فهي صحيحة أيضًا، ورجالها رجال الصحيحين، وأما زيادة الترمذي التفسيرية: فقد جاءت عن أم حبيبة بنحو ما رواه مسلم عنه، وقال الترمذي عنها: إنه حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم (١/ ٤٥٦). * ما يؤخذ من الأحاديث السابقة: (٢٨٥، ٢٨٦، ٢٨٧، ٢٨٨): ١ - في مجموع هذه الأحاديث الأربعة حكم السنن المعروفة برواتب الصلوات الخمس، عدا صلاة العصر، تلك الرواتب التي كان ﷺ يواظب عليها،

стр. 929

ويحض على فعلها. ٢ - من مجموع الأحاديث والأخذ بجميع الروايات، يتحصل لنا من الرواتب ست عشرة ركعة، أربع منها قبل الظهر، وأربع بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الصبح، وركعتان بعد الجمعة. ٣ - في الأحاديث تأكيد المحافظة على هذه الرواتب، وعدم الإخلال بها، وإن من فضلها وفوائدها وأحكامها ما يأتي: (أ) الأفضل أن تكون رواتب المغرب، والعشاء، والصبح، والجمعة، في البيت، ففي صحيح مسلم (٧٣٠) عن عائشة: "كان النبي ﷺ يصلي قبل الظهر أربعًا في البيت، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يرجع إلن البيت ليصلي ركعتين"، ففيه أنَّ الصلاةَ الراتبة في البيتِ أفضل منها في المسجد، مع شرف مسجده ﷺ ؛ لأنَّ فعلها في البيت فضيلة تتعلق بها لمزيد الإخلاص. (ب) إنَّ ركعتي الفجر خفيفتان، حتى إنَّ عائشة تقول: "أقرأ ﷺ بأم القرآن أم لا؟ ". (ج) إنَّ ركعتي الفجر هي أفضل الرواتب، فإنَّهما خير من الدنيا وما فيها، فقد كان ﷺ لا يدعهما حضرًا، ولا سفرًا. (د) أما نوافل الصلوات عدا الرواتب، فكان يصليها في السفر، فكان يصلي الوتر، ويقوم الليل، ويصلي الضحى، ويصلي صلاة الاستخارة، ويصلي النفل المطلق حتى على الراحلة، وإنما الذي لم ينقل عنه صلاتها فيه الرواتب التابعة للصلاة المقصورة المخففة، التي يقول عنها عبد الله بن عمر: "لو كنتُ مسبِّحًا، لأتممت". ٤ - قوله: "أربعًا قبل الظهر" هذا لا ينافي حديث ابن عمر، الذي فيه: "ركعتين قبل الظهر"، ووجه الجمع بينهما أنه تارةً يصلي ركعتين، وتارةً أربعًا، فأخبر كل منهما عن أحد الأمرين، وهذا موجود في كثير من نوافل العبادات

стр. 930

وأذكارها. وكان -والله أعلم- يأتي بالعبادة كاملة في حال الفراغ والرغبة والإقبال، ويقللها في أحوال العذر، فضلاً من الله تعالى على العباد أن يأتوا بالعبادة على السنة، والوجه المشروع في كلا الحالين. ٥ - قال الإمام ابن القيم: إنَّ من هدي النبي ﷺ في سفره الاقتصار على الفرض، ولم يحفظ عنه أنَّه صلَّى سنة الصلاة قبلها، ولا بعدها إلاَّ ما كان من الوتر، وسنة الفجر، فإنَّه لم يكن ليدعهما حضرًا ولا سفرًا. أما إذا كان التنفل نفلاً مطلقًا، فقد سئل الإمام أحمد، فقال: أرجو ألا يكون بالتطوع بأس. ٦ - فضل الأربع قبل الظهر والأربع بعدها، فمن حافظ عليها، حرَّمه الله تعالى على النار. ٧ - أنَّ من حافظ على هذه الرواتب عمومًا، بنى الله له قصرًا في الجنة. ٨ - أنَّ صلاة العصر ليس لها راتبة لا قبلها، ولا بعدها، وسيأتي أنَّه نُدب لصلاة أربع قبلها. ٩ - استحباب هذه الرواتب المذكورة، وتأكد المحافظة عليها. ١٠ - بعض هذه الرواتب تكون قبل الفريضة؛ لتهيئة نفعس المصلي للعبادة قبل الدخول في الفريضة، وبعض الرواتب بعدها. ولعل من حكمة الله تعالى: كون راتبتي الصبح والظهر قبلها؛ لبُعد العهد، فالصلاة قبل وقتهما؛ لتهيئة النفس، وتكييفها للصلاة المفروضة، التي هي أجل شعيرة، بخلاف المغرب والعشاء، فالمصلي حديث عهد بالصلاة. ١١ - للرواتب فوائد عظيمة، وعوائد جسيمة، من زيادة الحسنات، وتكفير السيئات، ورفع الدرجات، وترقيع خلل الفرائض، وجَبْر نقصها؛ لذا

стр. 931

ينبغي العناية بها، والمحافظة عليها. ١٢ - فيه دليل على أنَّ هذه الرواتب ليست واجبة، وإنما هي مستحبة؛ ذلك أنَّه ذكر ثواب المحافظة عليها، ولم يذكر عقاب تاركها. ***

стр. 932

٢٨٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمرَ ﵄ قالَ: قَالَ -رسُولُ الله ﷺ : "رَحِمَ اللهُ امْرَءًا صَلَّى ارْبَعًا قَبْلَ العَصْرِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَهَ وَصَحَّحَهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيفٌ، وقد حسَّنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة وَابن حبان، وأعلَّه ابن القطان، ولكنه حسن بالشواهد الآتية: ١ - حديث عليٍّ: أخرجه أحمد، وأبو داود، وحسَّنه الترمذي، وصحَّحه ابن حبان. ٢ - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أخرجه الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط". ٣ - حديث أبي هريرة: عند أبي نعيم. ٤ - حديث أم سلمة: عند الطبراني في "الكبير". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذه الركعات الأربع -قبل العصر- ليست من الرواتب، وإنما هي من السنن النوافل، التي ليس لها مرتبة الرواتب في الفضل والمحافظة. ٢ - قال ابن القيم: وأما الأربع قبل العصر، فلم يصح عنه ﷺ في نقلها شيء من الأحاديث، على أنَّه ﷺ كان يصلي في النَّهار ست عشرة ركعة، وسمعت شيخ الإسلام ينكر هذا الحديث، ويدفعه جدًّا، ويقول: إنَّه موضوع، ثم ساق حديث ابن عمر عن النبي ﷺ : "رحم الله امرأً صلَّى أربعًا قبل العصر"، وقال: قد اختلف في هذا، فصححه ابن حبان وأعلَّه غيره.

стр. 933

٣ - الحديث صالح للعمل به بشواهد، وعلى فرض قبول الطعن فيه، فإنَّ الحديث إذا لم يشتد ضعفه، وكان داخلاً تحت قاعدة عامة -فإنه يجوز العمل به في فضائل الأعمال. ٤ - فيه الترغيب في صلاة أربع ركعات تطوعًا قبل صلاة العصر، وأنَّ هذه الصلاة من أسباب حصول رحمة الله تعالى. ***

стр. 934

٢٩٠ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ"، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: "لِمَنْ شَاءَ"، كَرَاهِيَةَ أَنْ يتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. رَواهُ البُخَارِيُّ. وفِي رِوَايَةٍ لابنِ حِبَّانَ: "أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى قَبْلَ المَغْرِبِ رَكعَتَيْنِ" (١). وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرَانَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنا" (٢). ــ * مفردات الحديث: - صلوا قبل المغرب: الجملة الثانية مؤكدة للجملة الأولى، وهذا هو التوكيد اللفظي، الذي هو تكرير لفظ، يراد به تثبيت أمر في نفس السامع. - كراهية: منصوب على أنَّه مفعول من أجله، والمفعول من أجله: مصدر قلبي، يذكر علة لحدث شاركه في الزمان، والفاعل. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب صلاة ركعتين بعد الغروب، وقبل الصلاة، ولكنهما ليستا من السنن الرواتب المؤكدة.

стр. 935

٢ - يستحب عدم المداومة عليها؛ خشية أن يُظَنَّ أنَّها سنة راتبة، فتأخذ حكم الرواتب من التزامها، وعدم التخلف عنها، فالكراهة ليست في فعلها؛ إذ لا يجتمع استحباب وكراهة في فعل واحد، وإنما الكراهة في المداومة واتخاذها سنة دائمة، وقد فرَّق العلماء بين الشيء الراتب، الذي يتَّخذ سنة راتبة، وبين الشيء العارض الذي يؤتى به في بعض الأحيان والأحوال، ولكنه لا يأخذ حكم السنة الراتبة التي لا ينبغي الإخلال بها. ٣ - أنَّ صلاتهما لا تؤخر صلاة المغرب عن أول وقتها، فقد قال النووي: إنَّ قول من قال: "فعلهما": "يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها" -خيال فاسد، منابذ للسنة، ومع ذلك فزمانهما يسير، لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها. ٤ - صلاة هاتين الركعتين ثبتت عن النبي ﷺ بأقسام السنة الثلاثة، فقد أمر بها بقوله: "صَلُّوا قبل المغرب"، وفعَلَهُما كما في رواية ابن حبان، ورأى الصحابة يصلونها فأقرَّهم عليها. ٥ - قال ابن القيم ﵀: ثبت أنَّه كان يحافظ في اليوم والليلة على أربعين ركعة: سبع عشرة الفرائض، واثنتي عشرة راتبة في حديث أم حبيبة، وإحدى عشر صلاة الليل، فكانت أربعين ركعة. ٦ - قال شيخ الإسلام: ما ليس براتب لا يلحق بالراتب، ولا تستحق المواظبة عليه؛ لئلا يضاهي السنن الراتبة، فما قبل العصر، والمغرب، والعشاء، من شاء أن يصلي تطوعًا فهو حسن، لكن لا يتَّخذ ذلك سنة راتبة.

стр. 936

٢٩١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: أقْرَأ بِأُمِّ الكِتَابِ؟ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - إني: بكسر الهمزة. - أم الكتاب: سميت الفاتحة بـ"أم الكتاب"؛ لأنَّ أم الشيء: أصله، وهي مشتملة على كليات معاني القرآن. - أقرَأَ: قال القرطبي: ليس هذا شكًّا من عائشة، وإنما كانت عادته ﷺ إطالة النوافل، فلما خفَّف في ركعتي الفجر، صار كأنَّه لم يقرأ بالنسبة إلى غيرها من الصلوات. ...

стр. 937

٢٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي رَكعَتَي الفَجْرِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رواه مسلم (١). ٢٩٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ". رَوَاه البُخَارِيُّ (٢). ــ *مفردات الحديث (٢٩٣): - اضطجع: ضجع من باب نفع، يقال: ضجعت جنبي وأضجعته، والأصل: افتعل، لكن بعض العرب يقلب التاء طاء، ويظهرها عند الضاد، فيقول: اضطجع، وبعضهم يقلب التاء ضادًا، ويدغمهما في الضاد تغليبًا للحرف الأصلي، وهو الضاد، فيقول: اضجع. - شِقّه الأيْمَن: بكسر الشين وتشديد القاف المثناة؛ أي: جنبه، وهو ما تحت إبطه إلى كشحه. وحكمة تخصيص الأيمن -والله أعلم، كما قال الكرماني-: لئلا يستغرق في النوم؛ لأنَّ القلب من جهة اليسار، متعلق حينئذ غير مستقر، وإذا نام على اليسار كان في دَعَة واستراحة، فيستغرق. ...

стр. 938

٢٩٤ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ". رواهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرمذِيُّ وَصَحَّحهُ (١). ــ *درجة الحديث: الحديث صحيحٌ، وسنده جيد. قال الترمذي: حسن صحيح، وقال النووي في "شرح مسلم": إسناده على شرط الشيخين. وقال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح. أما شيخ الإسلام: فلم يصحح الأمر وأنكره، وإنما قال: الصحيح أنَّ هذا ثابت من فعله ﷺ ، لا من قوله. * ما يؤخذ من الأحاديث: (٢٩١، ٢٩٢، ٢٩٣، ٢٩٤): ١ - هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بأحكام راتبة صلاة الفجر. ٢ - حديث عائشة يدل على استحباب تخفيف ركعتي الفجر، فقد كان ﷺ يصليها أمام عائشة، فتقول: "أقرأ بأم القران (الفاتحة)؟ " كل هذا من شدة تخفيفهما؛ فإنَّه يخفف القراءة، وإذا خفف القراءة، فإنه يخفف بقية الأقوال والأفعال. ٣ - يدل أيضًا على أنَّه ﷺ يصليهما أمام عائشة في البيت، فعائشة هي التي تحزر صلاته. ٤ - حديث أبي هريرة يدل على أنَّه يستحب قراءة هاتين السورتين بعد الفاتحة:

стр. 939

﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ في الركعة الأولى، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ في الركعة الثانية. ٥ - قال ابن القيم: كان ﷺ يصلي سنة الفجر بسورتي "الإخلاص"، و"الكافرون" وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد، فسورة "الإخلاص" متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرب من الأحدية المنافية لمطلق المشاركة، والصمدية المثبتة لجميع صفات الكمال، ونفي الولد والوالد، ونفي الكفء المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل والتنظير، فتضمنت هذه السورة إثبات كل كمال له، ونفي كل نقص عنه. وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي، فأخلصت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ قارئها المؤمن بها من الشرك العلمي. أما ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾: فأخلصت قارئها من الشرك العملي، الإرادي القصدي، ولما كان العلم قبل العمل، كانت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن، والأحاديث في ذلك تبلغ حد التواتر، ولما كان الشرك العملي الإرادي أغلب على النفوس؛ لأجل متابعتها هواها، وكثير منها ترتكبه مع علمها بمضرته وبطلانه؛ لما لها فيه من حظ في نيل أغراضها، جاء في التأكيد والتكرار في سورة "الكافرون"، المتضمنة لإزالة الشرك العملي مما لم يجيء مثله في: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. ٦ - لما كان لهاتين السورتين العظيمتين من الأهمية، وما جمعتاه من العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة -كان ﷺ يقرأ بهما في ركعتي الفجر، وفي الوتر، اللَّتين هما فاتحة العمل وخاتمته؛ ليكون مبتدأ النهار توحيدًا، وخاتمة الليل توحيدًا. ٧ - جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: "أنَّ النبيَّ ﷺ قرأ الآيتين في

стр. 940

ركعتي الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ...﴾ [البقرة: ١٣٦] إلخ الآية عوضًا عن: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، و ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا ...﴾ [آل عمران: ٦٤]، وهاتان الآيتان من أصول الإيمان، وأصول التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبادة، ونفي كل شريكٍ عنه. ٨ - أما حديث عائشة رقم (٢٩٣): فيدل على استحباب الاضطجاع على الشق الأيمن، بعد راتبة الفجر، وقبل فريضتها. ٩ - قال ابن القيم: وفي اضطجاعه على الشق الأيمن سرٌّ، هو أنَّ القلب معلق في الجانب الأيسر، فإذا نام الرجل على الجانب الأيسر، استثقل نومًا؛ لأنَّه يكون في دعة واستراحة، فيثقل نومه، فإذا نام على شقه الأيمن، فإنَّه يقلق ولا يستغرق في النوم؛ لقلق القلب. قلت: وفي هذه الاستراحة اليسيرة راحة واستجمام لصلاة الفجر، والله أعلم. ١٠ - أما حديث أبي هريرة، رقم (٢٩٤): فيدل على استحباب الضجعة على الجانب الأيمن، قبيل صلاة الصبح. لكن قال ابن القيم عن هذا الحديث في "زاد المعاد": سمعت ابن تيمية يقول: هذا باطلٌ، وليس بصحيحٍ، وإنما الصحيح العمل لا الأمر بهما، والأمر تفرد به عبد الواحد بن زياد، وغلط فيه. ولكن قال الحافظ في "فتح الباري" (٣/ ٢٩): الحق أنَّه تقوم به الحجة، ويحمل الأمر على الندب. وقال النووي: إسناده على شرط الشيخين. وقال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح. ***

стр. 941

٢٩٥ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أحَدُكُمُ الصُّبحَ، صلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى". مُتَّفقٌ عليه. وللخَمسَةِ، وَصَحَّحهُ ابنُ حِبَّانَ بلَفْظِ: "صَلاَةُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى". وَقَالَ النَّسَائِيُّ: هَذا خَطَأٌ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ، بدون ذكر "النهار". رواه أحمد، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان، وأصله في الصحيحين بدون ذكر "النهار". قال الترمذي: الصحيح ما رواه الثقات عن ابن عمر، فلم يذكروا فيه "صلاة النهار". وقال الدارقطني: ذكر "النهار" فيه وَهمٌ. وقال النسائي والحاكم: خطأ. وممن ضعف زيادة "النهار" ابن سعيد، والترمذي، والنسائي، وشيخ الإسلام ابن تيمية. * مفردات الحديث: - صلاة الليل: أي: عددها، وهو مبتدأ، خبره "مثنى". - مثنى مثنى: مرفوع بانه خبر المبتدإ، وبلا تنوين؛ لأنَّه غير منصرف؛ للوصف والعدل؛ فإنَّه معدول عن "اثنين اثنين"، وفائدة التكرار التأكيد،

стр. 942

ومعناه: أن يسلِّم من كل ركعتين. - فإذا خشي أحدكم الصبح: أي: فوات الليل بطلوع الصبح. - توْتِر له: على صيغة المجهول، والمعنى: تُصيِّر تلك الركعة صلاته وترًا. والوتر -بكسر الواو-: الفرد، وهو ضد الشفع. ***

стр. 943

٢٩٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ الله ﷺ : "أفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - حديث ابن عمر برواية الصحيحين، يدل على مشروعية صلاة الليل اثنتين اثنتين، فيسلم من كل ركعتين. قال شيخ الإسلام: وحمله الجمهور على أنَّه لبيان الأفضلية، وممن ذهب إلى استحباب التثنية في صلاة الليل الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد. أما الإمام مالك: فيرى عدم الزيادة على اثنتين؛ لأنَّ مفهوم الحديث فيه الحصر، وقد عارض هذا الحديث ثبوت إيتاره ﷺ بخمس، كما فى الصحيحين، والفعل دليل على عدم إرادة الحصر. ٢ - أما رواية الخمسة بلفظ: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"-: فقد اختلف المحدثون في صحة لفظ "النهار"؛ فقد أنكرها الإمام أحمد، وقال النسائي: هذا الحديث خطأ، وكذا قال الحاكم، وقال الدارقطني: ذكر النهار فيه وهمٌ، وقال الترمذي: الثقات لم يذكروا النهار. وقال البيهقي: هذا حديث صحيح، وقال البارقي: احتج به مسلم، والزيادة من الثقة مقبولة. قال في "سبل السلام": لعلَّ الأمرين جائزان. وقال أبو حنيفة: يخير في النهار بين أن يصلي ركعتين ركعتين، أو أربعًا أربعًا، ولا يزيد على ذلك. والمشهور من مذهب الحنابلة: أنَّ صلاة الليل والنهار تكون مثنى مثنى،

стр. 944

قال في "شرح الإقناع": وصلاة الليل والنهار مثنى مثنى؛ أي: يسلم فيها كل ركعتين؛ لحديث ابن عمر مرفوعًا: "وصلاة الليل والنهار مثنى مثنى" [رواه الخمسة]، وليس بناقضٍ للحديث الذي خصَّ فيه الليل بذلك، وهو قوله: "صلاة الليل مثنى مثنى" [متفق عليه]؛ لأنَّه وقع عن سؤال عيَّنه السائل، والنصوص بمطلق الأربع لا تنفي فضل الفصل بالسلام. ٣ - أما حديث أبي هريرة: ففيه أنَّ أفضل الصلوات النوافل هي صلاة الليل، للبعد عن الرياء، ولما ورد فيها من صفاء المناجاة، ولأنَّها وقت الراحة والسكون في الفراشِ، فإتيان طاعة الله تعالى في هلذا الوقت فيه أجرٌ كبير، قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، وفيه ساعة الإجابة. قال شيخ الإسلام: أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل؛ لما روى مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل". ولما روى الترمذي (٣٥٩٤)، والنسائي (٥٧٢)، والحاكم (١/ ٣٩٥) أنَّه ﷺ قال: "أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل؛ فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة، فكُنْ". ولمسلم (٧٥٧) أنه ﷺ قال: "إنَّ من الليل ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ يسأل الله خيرًا، إلاَّ أعطاه إياه". ***

стр. 945

٢٩٧ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "الوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَنْ أحَبَّ أنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيفْعَلْ، وَمَنْ أحَبَّ أنْ يُؤْترَ بِثَلاَثٍ فَليْفَعَلْ، وَمَنْ أحَبَّ أنْ يُوْترَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيفْعَلْ". رَوَاهُ الأرْبَعَةُ إِلاَّ التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحهُ ابْنُ حبَّانَ، وَرجَّحَ النَّسَائِيُّ وقْفَهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح موقوف؛ قال في "التلخيص": رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والدارقطني (٢/ ٢٣)، والحاكم (١/ ٣٠٢) من طريق أبي أيوب، وله ألفاظ، وصحح أبو حاتم، والذهلي، والدارقطني، والبيهقي، وغير واحد وقفه، وهو الصواب. قال الصنعاني في "سبل السلام": وله حكم الرفع؛ إذ لا مسرح للاجتهاد فيه، وضعَّف الحديث ابن الجوزي؛ لوجود محمَّد بن حسان في سنده، ولكن خطَّأه الحافظ في ذلك، وقال: إنَّه ثقة. * مفردات الحديث: - الوتر: بكسر الواو: الفرد، وهو ضد الشفع. - حق: يقال: حق يحق حقًّا، من بابي ضرب ونصر، بمعنى: وجب وثبت بلا شك، وله معانٍ عدة، والمراد هنا: تأكد مشروعيته.

стр. 946

٢٩٨ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: "لَيْسَ الوِتْرُ بِحَتْمٍ كهَيئَةِ المَكْتُوبةِ، وَلكِنْ سُنَّةٌ سَنَّها رَسُولُ الله ﷺ ". روَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحسَّنَهُ، والنَّسَائِيُّ، والحَاكِم وصَحَّحَهُ (١). ــ * درجَةُ الحديث: الحديث حسنٌ، قال في "التلخيص": رواه النسائي والترمذي من طريق عاصم بن ضمرة عن عليٍّ، وحسَّنه، وصححه الحاكم وابن خُزَيْمَةَ. * مفردات الحديث: - ليس: فعل جامد لا ينصرف، ومعناه: نفي الخبر، وهي من أخوات "كان" ترفع الاسم وتنصب الخبر، والشائع في خبرها جره بالباء. - بحتم: جار ومجرور، وهو خبر "ليس". وحتم يحتم حتمًا، من باب ضرب: أوجب الشيء جزمًا - كهيئة: الهيئة بالفتح والكسر: حال الشيء وكيفيته، وشكله وصورته، جمعها: هيئات. - سنة: السنة: الطريقة، حسنة كانت أو قبيحة، ومن الله حكمه وأمره ونهيه، وسنة النبي ﷺ عند المحدثين هو قوله، وفعله، وتقريره، وعند الفقهاء ما أثيب فاعله، ولم يعاقب تاركه، وجمع السنة -في جميع معانيها-: سنن. * ما يؤخذ من الحديثين: (٢٩٧، ٢٩٨): ١ - الوتر: اسم الركعة المنفصلة عما قبلها، وللثلاث، والخمس، والسبع، والتسع، والإحدى عشرة إذا جمعن، فإذا انفصلت الثلاث بسلامين، أو

стр. 947

الخمس، أو السبع، أو التسع، أو الإحدى عشرة- كان الوتر اسمًا للركعة المفصولة وحدها. قال ﷺ : "فإذا خشيت الصبح، فأوتر بواحدة، توتر لك ما قد صليت". ٢ - حديث أبي أيوب يدل على أنَّ الوتر واجب، ويدل على جواز الإتيان بخمس، أو ثلاث، أو واحدة. ٣ - من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، يعني: لا يقعد إلاَّ في آخرها. * خلاف العلماء: ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين -منهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد- إلى عدم وجوب الوتر؛ لحديث الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ عما فرض الله عليه قال: "خمس صلوات في كل يوم وليلة، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلاَّ أن تطوَّع". [رواه البخاري (٤٦) ومسلم (١١)]. وذهب إلى وجوبه "أبو حنيفة" وطائفة من أصحاب الإمام أحمد؛ لحديث: "الوتر حقٌّ على كل مسلمٍ" [رواه أبو داود (١٤٢٢)]. ولما روى أبو داود (١٤١٩) بإسناده عن بريدة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من لم يوتر، فليس منَّا". وما ذهب إليه الجمهور أرجح من أنَّ الوتر سنة مؤكدة، لا واجب، وحملوا حديث: "الوتر حق" على تأكيد استحبابه، وقد قال علي -رضى الله عنه-: "الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة، ولكن سنة سنَّها رسول الله ﷺ ". وقال شيخ الإسلام: أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل، وآكد ذلك الوتر وركعتا الفجر، ولا ينبغي لأحد تركه، فمن تركه فإنَّه تُرد شهادته. وقال: الوتر أفضل من جميع الصلوات النوافل. واختار الشيخ وجوب الوتر على من له ورد من الليل، واستدل بقوله

стр. 948

- ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" [رواه البخاري (٩٩٨)]. وقوله ﷺ : "أوتروا يا أهل القرآن" [رواه أبو داود (١٤١٦)]. وأهل القرآن هم أهل التهجد وصلاة الليل، لكن قول الجمهور بعدم الوجوب أرجح، وما ورد في الوتر من حثٍّ وحضٍّ، فإنَّما يحمل على التأكيد فيه؛ فإنَّ حديث المعراج صريح في عدم وجوب شيء من الصلوات غير الخمس، وقد سئل ﷺ هل علينا غيرها؟ فقال للسائل: "لا، إلاَّ أن تتطوَّع". قال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد: قد وقع التفاضل بين ركعتي الفجر، والوتر، وصلاة الليل، ففي صلاة الليل ورد هذا الحديث: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل"، وفي ركعتي الفجر ورد هذا الحديث: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها"، ولا تعارض فيه بين الحديثين؛ فإنَّ حديث ركعتي الفجر لم يرد بلفظ الأفضلية. ***

стр. 949

٢٩٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ انْتَظَرُوهُ مِنَ القَابِلَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ، وَقَالَ: إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الوِتْرُ". رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. وأصله في البخاري (١١٢٩)، ومسلم (٧٦١) عن عائشة: "أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى الثانية فكثر الناس، ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة، أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: رأيتُ الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم، إلاَّ أني خشيتُ أن يُفرض عليكم، وذلك في شهر رمضان". وفي سند هذا الحديث: يعقوب القمي، ضعَّفه بعض أئمة الحديث، وقواه بعضهم، ولكن المدار فيه على أصله، فإنَّه صحيحٌ بلا شك. *مفردات الحديث: - القابلة: يقال: أقبل الليل، وأقبل عليه: نقيض أدبر عنه. والقابلة: مؤنث القابل، والمراد بها: الليلة القادمة، وهي الليلة المقبلة. - خشيت: خشيته بمعنى: خفته، فهو خاشٍ، وهي خاشية، وجمعه: خشايا. قال في "الكليات": الخشية أشد من الخوف؛ لأنَّ الخشية تكون من عظمة المخشي، والخوف يكون من ضعف الخائف. - يكتب: يقال: كتب يكتب كتبًا، وله عدة معانٍ، والمعنى هنا: يفرض عليكم

стр. 950

ويوجب، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أي: فُرِضَ. *ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث بتمامه -كما تقدم في الصحيحين عن عائشة ﵂ يدل على أنَّ صلاةَ الليل والوتر ليست مفروضة، وإنما هي سنة. ٢ - فيه دليل على مشروعية صلاة الليل في رمضان جماعة. ٣ - فيه شفقة رسول الله ﷺ على أمته، ورأفته بهم، وخوفه عليهم من أن يُكلَّفوا من العبادات ما يشق عليهم، أو ما لا يقومون به فيأثموا. ٤ - فيه دليل على القاعدة الشرعية التي هي: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح". ***
следующие страницы →