← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

٢٩٨ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: "لَيْسَ الوِتْرُ بِحَتْمٍ كهَيئَةِ المَكْتُوبةِ، وَلكِنْ سُنَّةٌ سَنَّها رَسُولُ الله ﷺ ". روَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحسَّنَهُ، والنَّسَائِيُّ، والحَاكِم وصَحَّحَهُ (١). ــ * درجَةُ الحديث: الحديث حسنٌ، قال في "التلخيص": رواه النسائي والترمذي من طريق عاصم بن ضمرة عن عليٍّ، وحسَّنه، وصححه الحاكم وابن خُزَيْمَةَ. * مفردات الحديث: - ليس: فعل جامد لا ينصرف، ومعناه: نفي الخبر، وهي من أخوات "كان" ترفع الاسم وتنصب الخبر، والشائع في خبرها جره بالباء. - بحتم: جار ومجرور، وهو خبر "ليس". وحتم يحتم حتمًا، من باب ضرب: أوجب الشيء جزمًا - كهيئة: الهيئة بالفتح والكسر: حال الشيء وكيفيته، وشكله وصورته، جمعها: هيئات. - سنة: السنة: الطريقة، حسنة كانت أو قبيحة، ومن الله حكمه وأمره ونهيه، وسنة النبي ﷺ عند المحدثين هو قوله، وفعله، وتقريره، وعند الفقهاء ما أثيب فاعله، ولم يعاقب تاركه، وجمع السنة -في جميع معانيها-: سنن. * ما يؤخذ من الحديثين: (٢٩٧، ٢٩٨): ١ - الوتر: اسم الركعة المنفصلة عما قبلها، وللثلاث، والخمس، والسبع، والتسع، والإحدى عشرة إذا جمعن، فإذا انفصلت الثلاث بسلامين، أو

стр. 947

الخمس، أو السبع، أو التسع، أو الإحدى عشرة- كان الوتر اسمًا للركعة المفصولة وحدها. قال ﷺ : "فإذا خشيت الصبح، فأوتر بواحدة، توتر لك ما قد صليت". ٢ - حديث أبي أيوب يدل على أنَّ الوتر واجب، ويدل على جواز الإتيان بخمس، أو ثلاث، أو واحدة. ٣ - من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، يعني: لا يقعد إلاَّ في آخرها. * خلاف العلماء: ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين -منهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد- إلى عدم وجوب الوتر؛ لحديث الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ عما فرض الله عليه قال: "خمس صلوات في كل يوم وليلة، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلاَّ أن تطوَّع". [رواه البخاري (٤٦) ومسلم (١١)]. وذهب إلى وجوبه "أبو حنيفة" وطائفة من أصحاب الإمام أحمد؛ لحديث: "الوتر حقٌّ على كل مسلمٍ" [رواه أبو داود (١٤٢٢)]. ولما روى أبو داود (١٤١٩) بإسناده عن بريدة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من لم يوتر، فليس منَّا". وما ذهب إليه الجمهور أرجح من أنَّ الوتر سنة مؤكدة، لا واجب، وحملوا حديث: "الوتر حق" على تأكيد استحبابه، وقد قال علي -رضى الله عنه-: "الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة، ولكن سنة سنَّها رسول الله ﷺ ". وقال شيخ الإسلام: أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل، وآكد ذلك الوتر وركعتا الفجر، ولا ينبغي لأحد تركه، فمن تركه فإنَّه تُرد شهادته. وقال: الوتر أفضل من جميع الصلوات النوافل. واختار الشيخ وجوب الوتر على من له ورد من الليل، واستدل بقوله

стр. 948

- ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" [رواه البخاري (٩٩٨)]. وقوله ﷺ : "أوتروا يا أهل القرآن" [رواه أبو داود (١٤١٦)]. وأهل القرآن هم أهل التهجد وصلاة الليل، لكن قول الجمهور بعدم الوجوب أرجح، وما ورد في الوتر من حثٍّ وحضٍّ، فإنَّما يحمل على التأكيد فيه؛ فإنَّ حديث المعراج صريح في عدم وجوب شيء من الصلوات غير الخمس، وقد سئل ﷺ هل علينا غيرها؟ فقال للسائل: "لا، إلاَّ أن تتطوَّع". قال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد: قد وقع التفاضل بين ركعتي الفجر، والوتر، وصلاة الليل، ففي صلاة الليل ورد هذا الحديث: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل"، وفي ركعتي الفجر ورد هذا الحديث: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها"، ولا تعارض فيه بين الحديثين؛ فإنَّ حديث ركعتي الفجر لم يرد بلفظ الأفضلية. ***

стр. 949

٢٩٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ انْتَظَرُوهُ مِنَ القَابِلَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ، وَقَالَ: إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الوِتْرُ". رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. وأصله في البخاري (١١٢٩)، ومسلم (٧٦١) عن عائشة: "أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى الثانية فكثر الناس، ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة، أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: رأيتُ الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم، إلاَّ أني خشيتُ أن يُفرض عليكم، وذلك في شهر رمضان". وفي سند هذا الحديث: يعقوب القمي، ضعَّفه بعض أئمة الحديث، وقواه بعضهم، ولكن المدار فيه على أصله، فإنَّه صحيحٌ بلا شك. *مفردات الحديث: - القابلة: يقال: أقبل الليل، وأقبل عليه: نقيض أدبر عنه. والقابلة: مؤنث القابل، والمراد بها: الليلة القادمة، وهي الليلة المقبلة. - خشيت: خشيته بمعنى: خفته، فهو خاشٍ، وهي خاشية، وجمعه: خشايا. قال في "الكليات": الخشية أشد من الخوف؛ لأنَّ الخشية تكون من عظمة المخشي، والخوف يكون من ضعف الخائف. - يكتب: يقال: كتب يكتب كتبًا، وله عدة معانٍ، والمعنى هنا: يفرض عليكم

стр. 950

ويوجب، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أي: فُرِضَ. *ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث بتمامه -كما تقدم في الصحيحين عن عائشة ﵂ يدل على أنَّ صلاةَ الليل والوتر ليست مفروضة، وإنما هي سنة. ٢ - فيه دليل على مشروعية صلاة الليل في رمضان جماعة. ٣ - فيه شفقة رسول الله ﷺ على أمته، ورأفته بهم، وخوفه عليهم من أن يُكلَّفوا من العبادات ما يشق عليهم، أو ما لا يقومون به فيأثموا. ٤ - فيه دليل على القاعدة الشرعية التي هي: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح". ***

стр. 951

٣٠٠ - وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الله -أمَدَّكُمْ بِصَلاَةٍ هِيَ خَيرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، قُلْنَا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ الله؟ قالَ: الوِتْرُ مَا بَيْنَ صَلاَةِ العِشَاءِ إِلى طُلُوعِ الفَجْرِ". روَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). وَرَوَى أَحْمَدُ عَن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيْهِ عَنْ جَدِّهِ نَحْوَهُ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح؛ قال في "التلخيص" ما خلاصته: أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني (٢/ ٣٠) والحاكم من حديث خارجة ابن حذافة، وضعفه البخاري، أما شواهده فهي: ١ - عن معاذ: عند أحمد (٢١٥٩٠)، وفيه ضعف وانقطاع. ٢ - حديث عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر: في الطبراني (٨/ ٦٥)، وفيه ضعف. ٣ - حديث أبي بصرة: رواه أحمد (٢٦٦٨٧)، والحاكم (٣/ ٦٨٧)، والطحاوي، وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف. ٤ - حديث ابن عباس: رواه الدارقطني (٢/ ٣٠)، وفيه أبو عمر الخزاز، وهو ضعيف متروك. ٥ - حديث ابن عمر: رواه ابن حبان في "الضعفاء"، وادَّعى أنَّه موضوع. ٦ - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: رواه أحمد (٦٨٨٠)، والدارقطني

стр. 952

(٢/ ٣٠) وإسناده ضعيف. قال الشيخ الألباني: للحديث شواهد كثيرة يقطع الواقف عليها بصحته. *مفردات الحديث: - أمدكم: يقال: مدَّ يمد مدًّا، والمد: الزيادة في العطاء. - حُمر: بضم الحاء وسكون الميم آخره راء، مفرده: حمراء، ومذكره: أحمر، وهو ما لونه الأحمر. - النعم: بفتحتين، جمع لا واحد له من لفظه، وهو يشمل: الإبل، والبقر، والغنم، ولكنه أكثر ما يطلق على الإبل، وحمر النعم: أشرف الأموال عند العرب. *ما يؤخذ من الحديث: ١ - فضل صلاة الوتر، وأنَّها تعدل في قيمتها وغلائها أفضل أموال العرب، وهي الإبل الحمر، وما هو إلاَّ مثال تقريبي من النبي ﷺ لأصحابه فيما يعرفون من نفائس الحياة، وفيما هو أغلى في النفس من المال، وإلاَّ فإنَّ متاع الدنيا كلها قليل بجانب الآخرة. ٢ - أنَّ وقت الوتر هو ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر؛ لأنَّه ختم صلاة الليل، فلو أوتر قبل العشاء فقد أوتر قبل دخول وقته، ولو أوتر بعد طلوع الفجر، لأوتر بعد خروج وقته. ٣ - عمومه أنَّه يدخل بعد صلاة العشاء، ولو جمعت مع المغرب جمع تقديم، وهذا ما صرح به العلماء. قال في "شرح الإقناع": ووقت الوتر بعد صلاة العشاء، ولو كانت صلاة العشاء في جمع تقديم؛ بأن جمعها مع المغرب في وقت صلاة المغرب. ٤ - فيه دليل على أنَّ الله تعالى يَمُنُّ على عباده بطاعته وعبادته زيادة في حسناتهم، ورفعة في درجاتهم، وقربًا لهم عند ربهم، فالله تعالى غنيٌّ عنهم

стр. 953

وعن عباداتهم، وإنَّما نَفْعُ ذلك عائدٌ عليهم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦]. قال ابن الجوزي: من علم أنَّ الدنيا دار سباق وتحصيل فضائل، وأنَّه كلما عَلَتْ مرتبته في علم وعمل، زادت مرتبته في دار الجزاء، انتهب الزمان، ولم يترك فضيلة تمكِّنه إلاَّ حصلها. ***

стр. 954

٣٠١ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيْهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الِوْتُرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوْتِرْ، فَلَيْسَ مِنَّا". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وصَحَّحَهُ الحَاكِم (١). وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عِنْدَ أَحْمَدَ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث حسنٌ، كما ذهب إلى هذا الكمال بن الهمام، وممن صححه الامام السيوطي في "الجامع الصغير"، قال المنذري في "تهذيب السنن": في إسناده عبيد الله بن عبد الله أبو منيب المروزي، وثَّقه ابن معين، وقال أبو حاتم الرازي: صالح الحديث، وتكلَّم فيه البخاري والنسائي وغيرهما، لكن كلام النسائي فيه مضطرب، فمرَّة قال عنه: ثقة، ومرَّة ضعَّفه، وتقدم توثيق ابن معين له، ولهذا ذهب ابن الهمام إلى أنَّ الحديث حسن. وأما الشاهد من حديث أبي هريرة: ففيه الخليل بن مرة ضعفه البخاري، وقال الحافظ: منكر الحديث، وفي الإسناد انقطاع بين معاوية بن مرة وأبي هريرة، قاله أحمد، وله شاهد عن أبي أيوب رواه الدارقطني، وقال: ليس بمحفوظ. * مفردات الحديث: - الوتر: -بكسر الواو على الأشهر- هو الفرد والفذّ، ومن العدد: ما ليس

стр. 955

بشفعٍ، ومنه صلاة الوتر. - حق: مصدر معناه: الشيء الثابت، جمعه: حقوق. فليس منَّا: أي: ليس على هدينا الكامل. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث من أدلة القائلين بوجوب الوتر، وتقدم أنَّه من الأحاديث التي اختُلف في حجيتها، وبناء على تحسينه، فإنَّه محمول على تأكيد سنية الوتر لا على وجوبه، كما هو مذهب جمهور العلماء. ٢ - ساق ابن المنذر هذا الحديث بلفظ: "الوتر حقٌّ، وليس بواجب" وهذا صريح أنَّ معنى "حق" يعني: ثابت في الشرع، لا بمعنى الواجب، وبهذا فلا دلالة فيه على وجوب الوتر. ٣ - مما يستدل به على عدم وجوب الوتر، وأنَّه نافلة مؤكدة ما يأتي: (١) أنَّ النَّبيَّ ﷺ يخبر وفود العرب، وأفراد القبائل عن فرائض العبادات التي منها الصلاة، فما كان يخبرهم بما يجب عليهم إلاَّ الصلوات الخمس المفروضة. (ب) ما جاء في البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩) من بعثه ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن، وقوله له: "أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات كل يوم وليلة". (ج) ما جاء في خطبته ﷺ في حجة الوداع من ذكر عدد الصلوات المفروضات الخمس، لا أكثر من ذلك، وفي ذلك اليوم نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. (د) ثبت أنَّ أبا بكر وعليًّا ﵄ أخبرا بعد وفاة النبي ﷺ : "أنَّ الوتر ليس بحتم كالصلاة المكتوبة، ولكنه سنة"، فهل يجهلان هذا؟. (هـ) صحت السنة بأنَّ الوتر يكون بركعة واحدة، وثلاث، وخمس،

стр. 956

وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وكل ذلك جائز، وقد أخذ به جمهور العلماء؛ لثبوت أخباره. ولو كان الوتر فرضًا، لكان محددًا معروفًا عدده، لا تجوز الزيادة فيه، ولا النقص منه؛ كالصلوات الخمس المكتوبة. أما الإمام أبو حنيفة الذي يرى وجوبه فيقول: إنَّ الوتر ثلاث ركعات، فلا يجوز بواحدة ولا أكثر من ثلاث، ولا يجوز للمسافر عنده أن يوتر على راحلته؛ لأنَّه عنده واجب يشبه الفرض. ولكن أصحابه الأقدمين خالفوه في وجوب الوتر، ولم يرض مذهبه في وجوبه إلاَّ بعض المتأخرين، والأدلة المتقدمة وغيرها تنصر القول بعدم وجوبه. ***

стр. 957

٣٠٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلاَ فِي غَيْرِهِ، عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً: يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسْأَلْ عَنْ حُسْنهِنَّ وَطُولِهنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا، قالَتْ عَائشِةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوْتِر؟ قَالَ: يَا عَائشِةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنامَانِ، وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي". مُتَّفَقٌ علِيْه. وفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْهَا: "كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوْتِرُ بِسَجْدَةٍ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، فَتِلْكَ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً" (١). ــ * مفردات الحديث: - فَلا تَسْألْ عَنْ حُسْنهِنَّ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُنَّ فِي نِهَايَةِ الحسن والطول، فيقصر عن وصف حسنهنَّ وطولهن. - أتَنَام؟: الهمزة للاستفهام، على سبيل الاستخبار والاستعلام. - عينيَّ: بفتح النون وتشديد الياء المفتوحة، تثنية "عين"، مضافة إلى ياء المتكلم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - عائشة ﵂ تصف صلاة النبي ﷺ في الليل؛ سواء كان ذلك في رمضان أو غيره؛ بأنه لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، يظهر أنَّها متصلات، فيحسنهن بإطالة القراءة والركوع والسجود، ثم يصلي

стр. 958

أربعًا مثلهنَّ بالطول والحسن، ثم ثلاثًا، لم تصفهنَّ بما وصفت به الصلاة التي قبلها، فهذه إحدى عشرة ركعة، والوتر هو الثلاث الأخيرات. ٢ - يحتمل أنَّ الأربع منفصلات، وأنه يصليها ركعتين ركعتين، ويوافقه حديث: "صلاة الليل مثنى"، ويؤيده أيضًا الأحاديث التي تشتمل على تفصيل صلاته ﷺ بالليل، بأنَّها كانت ركعتين ركعتين، فلعلها ذكرت أربع ركعات مجموعة، ثم الأربع الأُخر مجموعة؛ لأنَّه كان لا يمكث بعد التسليم من الركعتين الأوليين، بل كان يقوم للركعتين الأُخريين، فإذا أتمَّ أربع ركعات مكث طويلاً، وفصل بينها، وبين الأربع الآتية فصلاً طويلاً. ٣ - ذكرت أنَّه ينام، فتسأله هل ينام قبل الوتر؟ مما يدل على أنَّ نومه بعد الركعات الثمانية، وأنَّه يصلي الثلاثة بعد النوم، فأجابها بأنَّ الذي ينام هو عيناه، أما قلبه فإنَّه لا يستغرق بالنوم لتعلقه بالله، وطاعته له، وقد قال البخاري: إنَّ الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم. وقد رُوي عن عائشة ﵂ في صفة صلاة النبي ﷺ وقَدْرِها عدة روايات، منها ما تقدم، ومنها: (أ) رواية الصحيحين؛ أنَّه يصلي من الليل عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، وتلك ثلاث عشرة ركعة. (ب) وجاء عنها في الصحيحين: قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، ويوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلاَّ في آخرهن". (ج) وجاء عنها: "سبع ركعات". (د) وجاء عنها: "تسع ركعات". (هـ) وجاء عنها في البخاري: "أنَّه كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالفجر ركعتين خفيفتين".

стр. 959

وجاء عنها غير هذه الروايات، مما حكم به بعضهم؛ بأنَّها روايات مضطربة، ولكن يمكن حملها على تعدد الأوقات، واختلاف الحالات، فلا موجب للحكم بالاضطراب. (و) حديث ابن عباس أنَّه ﷺ : "صلَّى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاء المؤذن، فقام فصلَّى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح" [رواه البخاري (٧٣١) ومسلم (٧٨١)]. (ز) وقد جاء من حديث عائشة ﵂: "أنَّ رسول الله ﷺ خرج ذات ليلة من جوف الليل، فصلَّى رجالٌ بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضي الفجر أقبل على الناس، فتشهد ثم قال: أما بعد، فإنَّه لم يَخْفَ علي مكانكم، لكني خشيتُ أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها". ٤ - الظاهر أنَّه لم يحفظ عدد الركعات التي صلى بها النبي ﷺ تلك الليلتين، أو الثلاث، وإنما الثابت ما أمره الله به وامتثله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣)﴾ [المزمل]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، وقال تعالى عن المؤمنين الصالحين: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ [الذاريات]، وقال ﷺ : "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه" [مُتفق عليه]. ٥ - مضى زمن النبي ﷺ ، وخلافة أبي بكر ﵁، فلما جاءت خلافة عمر ﵁ دخل المسجد النبوي، ومعه عبدٌ القارىء، فوجد أهل المسجد أوزاعًا متفرقين، يصلي الرجل بنفسه، ويصلي الرجل ويصلي بصلاته الرهط، فأمر أُبي بن كعب أن يقوم بهم في رمضان.

стр. 960

وقد جاءت الروايات المتكاثرة أنَّ عمر ﵁ جمع الناس على أُبيِّ بن كعب، فكان يصلي بالناس عشرين ركعة، ويوتر بثلاث ركعات، وكان هذا بمشهد، وعمل من الصحابة ﵃ كلهم جميعًا؛ فكان إجماعًا على صفة وعددِ هذه الصلاة المروية الثابتة. قال في "المغني": التراويح هي سنة سنها النبي ﷺ ، وليست محدثة في عهد عمر، وهي من أعلام الدين، وهي عشرون ركعة في قول أكثر العلماء، والمختار عند أحمد وأبي حنيفة والشافعي: أنَّها عشرون ركعة، وقال مالك: ست وثلاثون، وتعلق بعمل أهل المدينة، ولنا أنَّ عمر لما جمع الناس على أُبيِّ بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة. وعن عليِّ-﵁: أنَّه أمر رجلاً يصلي بهم في رمضان عشرين ركعة، وهذا كالإجماع. قال في "سبل السلام": وروى البيهقي أنَّ عليًّا كان يؤمهم بعشرين ركعة، ويوتر بثلاث، وفيه قوة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنَّ نفس قيام رمضان لم يؤقت فيه النبي ﷺ ، فكان لا يزيد على ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يطيل الركعات، فلما جمعهم عمر ﵁ على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة، ثم يوتر بثلاث، وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من الركعات؛ لأنَّ ذلك كان أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة، ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة، ويوترون بثلاث ركعات، وآخرون قاموا بست وثلاثين، وأوتروا بثلاث. وهذا كله شائع، فكيفما قام بهم في رمضان من واحدة من هذه فقد أحسن، ومن ظنَّ أن قيام رمضان فيه عدد مؤقت عن النبي ﷺ لا يزاد فيه، ولا ينقص -فقد أخطأ.

стр. 961

وقال الإمام أحمد: إنَّه لا يتوقف في قيام رمضان عدد، وكان النبي ﷺ لم يؤقت فيه عددًا، وحينئذٍ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: ذهب أكثر أهل العلم -كالأئمة أبي حنيفة والشافعي وأحمد- إلى أنَّ صلاة التراويح عشرون ركعة؛ لأنَّ عمر جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي عشرين ركعة، وكان هذا بحضور الصحابة، فكان كالإجماع، وعليه عمل الناس. قال في "طرح التثريب": لم يبين في الحديث عدد الركعات التي صلاها النبي ﷺ تلك الليالي في المسجد، وقد قالت عائشة: "ما زاد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة"، لكن عمر لما جمع الناس على صلاة التراويح في شهر رمضان مقتدين بأبي بن كعب، صلَّى بهم عشرين ركعة غير الوتر ثلاث ركعات، وعدوا ما وقع في زمن عمر ﵁ كالإجماع. وقال العيني: اختلفت الأحاديث الواردة في عدد صلاته: ففي حديث زيد بن خالد وابن عباس وجابر وأم سلمة ثلاث عشرة ركعة، وفي حديث الفضل وصفوان بن المعطل ومعاوية بن الحكم وابن عمر إحدى عشرة، وفي حديث أنس ثماني ركعات، وفي حديث حذيفة سبع ركعات، وفي حديث أيوب أربع ركعات، وأكثر ما فيها حديث عليٍّ ست عشرة ركعة. والجواب: أنَّ ذلك بحسب ما شاهد الرواة، كذلك ربما زاد، وربما نقص، وربما أذن بقيام الليل مرتين أو ثلاثًا. ولهم أجوبة كثيرة عفا ذكرته عائشة ﵂ عن عدد صلاة النبي ﷺ لا يتسع المقام لنقلها، والإطالة في ذكرها. والذي نقوله ما قاله جمهور العلماء من أنَّ صلاة الليل، ومنها التراويح

стр. 962

في رمضان، لم تقيد بعدد معيَّن، فلا يُنْكر على من زاد، ولا على من نقص فيها، فالكل سنة واتباع، والغرض ألا يكون مثار جدل وفتنة بين المسلمين، لاسيما أهل الدين والصلاح منهم، الذين هم القدوة في الخير، فما دام الأئمة أجمعوا على مشروعية القيام، واختلفوا في الأفضل في عدد الركعات، وهي مسألة اجتهادية، فكلٌّ يعمل بما وصل إليه اجتهاده، أما التضليل والتجهيل فليس خُلُقَ العلماء، والله أعلم. ٦ - قال شيخ الإسلام: تسن التراويح في رمضان باتفاق السلف، وأئمة المسلمين، وتسمى قيام رمضان، وكونها أول الليل؛ لأنَّ الناس كانوا يقومون أوله على عهد عمر، ولا تصح قبل صلاة العشاء، ومن صلاها قبل العشاء، فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفة للسنة، وإذا طلع الفجر فات وقتها إجماعًا. ٧ - روى الإمام أحمد (٢٠٩١٠) والترمذي، (٨٠٢) وصححه؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة". وهذا ترغيب في قيامها مع الإمام، وروى الإمام مالك (٢٥٣)؛ أنَّ عمر ابن الخطاب أمر أُبي بن كعب وتميمًا الداري ﵃، أن يقوما للناس، قال الراوي: وما كنَّا ننصرف إلاَّ في فروع الفجر. ٨ - استحب الشيخ تقي الدين: إحياء الليالي العشر الأخيرة، فقد جاء في البخاري (٢٠٢٤) ومسلم (١١٧٤): "أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا دخل العشر أَحْيَا ليله، وأيقظ أهله، وشدَّ المئزر"، وكان الصحابة والتابعون يمدون الصلاة في العشر الأواخر إلى قرب طلوع الفجر، كما جاء ذلك من غير وجه. قال المجد: ولو تنفلوا جماعة بعد رقدة، أو من آخر الليل -لم يكره، نصَّ عليه الإمام أحمد. ٩ - قال شيخ الإسلام: قراءة القرآن في التراويح سنة باتفاق المسلمين، فهي جل

стр. 963

المقصود، وليسمع المسلمون كلام الله؛ فإنَّ شهر رمضان أنزل فيه القرآن. قال النووي: يحسن صوته بالقرآن ما استطاع، ولا يخرج مناجي ربه عن حد القراءة إلى حد التمطيط، ويستحب البكاء عند القراءة، وهي صفة العارفين، وشعار الصالحين، وطريقة التأمل في القرآن عند التهديد، والوعيد، والمواثيق، والعهود، ثم يفكر في تقصيره فيها. قال الشيخ: أهل القرآن هم العالمون به، العاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن قلب، وقال: يستحب استماع القرآن، ويكره التحدث عنده بما لا فائدة فيه. ١٠ - قال أوس: سألت أصحاب النبي ﷺ كيف تحزبون القرآن؟ فقالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل واحد. قال الشيخ: تحزيبهم بالسور معلوم متواتر، واستحسنه على التحزيبات المحدثة بالأجزاء. ***

стр. 964

٣٠٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ ثَلاَثَ عشْرَةَ رَكْعَةً، يُؤْتِرُ مِنْ ذلِكَ بِخَمْسٍ، لا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ فِي آخِرِهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذه إحدى روايات عائشة ﵂ في صفة صلاة النبي ﷺ في الليل، بأنَّه صلَّى ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس ركعات، يسردها، فلا يجلس إلاَّ في آخرها. ٢ - إعمال ما ثبت عن النبي ﷺ على وجه العموم، فالأفضل العمل بجميع الروايات الثابتة، فهو أفضل وأكمل، وهذه طريقة رجال الفقه والحديث، أنَّهم يعملون بكل ما صحَّ عنه ﷺ من العبادات والأذكار؛ ليحصل العمل بالسنة كلها، وليحصل الاقتداء الكامل به ﷺ ، وما ثبت على غير وجه العموم والشمول مما يحتمل الخصوصية، لاسيَّما إذا عارضته نصوص صحيحة؛ كقوله ﷺ :"صلاة الليل مثنى مثنى"- فهذا حكم عام أجاب به السائل عن صلاة الليل، ولو اقتصر على ما ثبت من فعله، وهو الحكم العام، لبيَّنه للسائل، وهدذا يدلك على ما قاله الجمهور، من أنَّ صلاة التراويح لا تحد بهذا العدد. ٣ - فيه أنَّ الوتر إذا كان بخمس ركعات؛ أنَّ الأفضل أن يكون بسلام واحد، لا يجلس في شيء من الركعات إلاَّ في آخرها، فيتشهد ويسلم، ويكون الوتر حينئذٍ اسمًا للخمس كلها، ما دامت الركعات متصلات بسلام واحد.

стр. 965

٤ - لما ذكر الشيخ شيبة الحمد الروايات المتعددة في صفة صلاة النبي ﷺ في الوتر -قال: وجملة هذه الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ تشعر بأنَّ الأمر في عدد ركعات الوتر على السعة، وأنَّ الوتر داخل في صلاة الليل، وأنَّه لا بأس على من صلى الوتر خمسًا، لا يجلس إلاَّ في آخرهن، ولا بأس على من صلَّى الوتر سبعًا، لا يجلس إلاَّ في السابعة، وأنَّ من صلى الوتر تسعًا لا يجلس إلاَّ في التاسعة، وأنَّ من صلَّى الوتر ثلاثًا أن يسلم على رأس الركعتين، وله أن يجعل التشهد والسلام في الثالثة، فالأمر في ذلك كله على السعة، والله أعلم. ٥ - جاء في صحيح مسلم (٧٣٦) عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة"، وفي لفظٍ: "يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة". قال في "شرح الزاد": هذا هو الأفضل. قال في "الحاشية" لابن القاسم: لأمره ﷺ ، ولاستمرار فعله له، ولأنَّه أكثر عملاً، وفي ذلك دلالة على أنَّ أقلَّ الوتر ركعة، وهو مذهب الجمهور. قال في "كشاف القناع": ويسن فعل الركعة عقب الشفع بلا تأخير. قال في "شرح الزاد": وأدنى الكمال في الوتر ثلاث ركعات بسلامين، ويجوز أن يسردها بسلام واحد. قال أحمد: إن أوتر بثلاث لم يسلم فيهن، لم يُضَيَّق عليه عندي. وقال الشيخ تقي الدين: يخيَّر بين فصله ووصله، وصحح أنَّ كليهما جائز، ومفهوم كلام أحمد لا يجوز كالمغرب، ولكن جوَّزه في "الإقناع".

стр. 966

٣٠٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَانتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (١). ــ *مفردات الحديث: - انتهى وتره: وصل نهايته في صلاة الوتر إلى وقت السحر ﷺ . - السَّحرَ: بفتحتين، جمعه "أسحار"، وهو الجزء الأخير من الليل الذي قبيل طلوع الفجر الثاني. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تقدم أنَّ وقت الوتر يدخل إذا صليت العشاء، ولو قدمت مع المغرب جمعًا، وأنَّه يمتد إلى طلوع الفجر الثاني، فأي وقت أوتر المصلي من هذا الوقت جاز. ٢ - في هذا الحديث دليل على أنَّ النَّبيَّ ﷺ أوتر أوَّل الليل، وأنَّه أوتر نصف الليل، وأنه أوتر في آخر الليل وقت السحر، وقد انتهى وتره إلى هذا الوقت، الذي داوم عليه آخر حياته. ٣ - جاء في مسند الإمام أحمد (٢١٨٣٦) عن أبي مسعود قال: "كان رسول الله ﷺ : يوتر من أول الليل، وأوسطه، وآخره". قال عتيبة بن عمرو: ليكون في ذلك سعة للمسلمين، فأي ذلك أخذوا به كان صوابًا. ٤ - الترغيب في تأخير الوتر إلى وقت السحر لمن يثق من نفسه بالانتباه؛ لأنَّه آخر الأمور من فعله ﷺ .

стр. 967

* فوائد: الأولى: الوتر لا تشرع له الجماعة، إلاَّ إذا كان بعد التراويح. الثانية: قال شيخ الإسلام: الوتر أفضل من جميع تطوعات النهار، فأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل، وأوكد صلاة بعد الوتر ركعتا الفجر. الثالثة: أجمع العلماء على أنَّ وقت الوتر لا يدخل إلاَّ بعد صلاة العشاء، ويصح قبل سنة العشاء، لكن خلاف الأولى، ولكن لو جمعت العشاء تقديمًا مع المغرب فقد خالف أبو حنيفة في دخول وقت الوتر؛ لأنَّه يرى أنَّ دخوله بعد غيوب الشفق الأحمر. والجمهور على خلافه؛ فيرون دخول وقت الوتر بعد صلاة العشاء، ولو جمعت تقديمًا مع المغرب. ***

стр. 968

٣٠٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ لِيْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَبْدِ اللهِ، لاَ تَكُنْ مِثْل فُلاَنٍ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ، فترَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - مثل فلان: لم يدر من هو، والظاهر أنَّ الإبهام من أحد الرواة؛ لقصد الستر عليه، والقصد هو تنفير عبد الله من الغفلة، وترغيبه بقيام الليل. - من الليل: قال العيني: وليس في رواية الأكثرين لفظ "من" موجود، بل اللفظ: "كان يقوم الليل"؛ والمراد: في جزء من أجزائه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - فضيلة قيام الليل، وأنَّه لا ينبغي تركه؛ لما فيه من الفضل العظيم، فصلاة الليل أفضل من صلاة النهار؛ لما فيها من السرية، والبُعد عن الرياء، ولما فيها من صفاء المناجاة مع الله تعالى، وحضور القلب، ولما فيها من إيثار طاعة الله تعالى على الراحة والفراش والمنام، ولما جاء في فضلها من الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة التي لا تخفى. ٢ - صلاة الليل: قال السَّفَّارِينِي في "شرح منظومة الأداب": مطلب في التهجد وما ورد في فضله: التهجد لا يكون إلاَّ بعد النوم، والناشئة لا تكون إلاَّ بعد رقدة، وصلاة الليل بعد ذلك، وصلاة الليل سنة مرغَّبٌ فيها، وأفضل من صلاة النهار، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا

стр. 969

مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء]. وروى مسلمٌ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل". وجاء في الترمذي (١٨٥٨)، وابن ماجه (١٣٣٤) من حديث عبد الله بن سلام قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أيُّهَا النَّاسُ، أفْشُوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام". والأحاديث والآثار كثيرة، وإنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار؛ لأنَّه أبلغ في الإسرار، وأقرب إلى الإخلاص، فكان السلف يجتهدون في الدعاء، ولا يُسْمع لهم صوت. ولأنَّ صلاة الليل أشق على النفوس، وأفضل الأعمال ما أوثرت فيه طاعة الله على محاب النفوس، ولأنَّ القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التدبر؛ لقطع الشواغل عن القلب، وليتواطأ القلب واللسان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل: ٦]، وقد مدح الله تعالى المستيقظين بالليل لذكره ودعائه واستغفاره ومناجاته؛ فقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة]. ٣ - قال الإمام أحمد: قيام الليل من المغرب إلى طلوع الفجر، فالنافلة بين العشاءين من قيامِ الليل، أما الناشئة فلا تكون إلاَّ بعد النوم، قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل]. وأفضل صلاة الليل ثلث الليل بعد نصفه، فهو قيام داود الذي حث النبي ﷺ عليه. وقال شيخ الإسلام: النصف الأخير أفضل من الأول، ومن الثلث

стр. 970

الأوسط. ٤ - ويتأكد الإكثار من الدعاء والاستغفار آخر الليل للآيات والأخبار، وعمل السر أفضل من عمل العلانية، والإخلاص ركن العبادة الأعظم. ٥ - قال شيخ الإسلام: الصلاة إذا قام من الليل أفضل من القراءة في غير صلاة، نص على ذلك أئمة الإسلام؛ لقوله ﷺ :"اعلموا أنَّ خير أعمالكم الصلاة" [رواهُ ابن ماجه (٢٧٧)]، لكن إن حصل له نشاط، وتدبر، وتفهم للقراءة دون الصلاة- فالأفضل في حقه ما كان أنفع له. هناك صلوات مبتدعة ما أنزل الله بها من سلطان، منها: أولاً: الاجتماع ليلة النصف من شعبان، وصلاتها جماعة، وإحياء تلك الليلة بدعة في الدين، فلا دليل على إحيائها، وصلاة خاصة لها. ثانيًا: قال الشيخ تقي الدين: وإنشاء صلاة بعدد مقدر، وقراءة مقدرة، في وقت معيَّن، تصلى جماعة راتبة -عمل غير مشروع، باتفاق علماء المسلمين، ولا ينشىء هذا إلاَّ جاهل مبتدع. ثالثاً: صلاة الرغائب، وهي اثنتا عشرة ركعة في أول ليلة جمعة من شهر رجب، فهي بدعة محدثة، فلا تستحب لا جماعة، ولا فرادى. رابعًا: صلاة الألفية بدعة ضلالة، قال النووي: صلاة الرغائب، وصلاة الألفية، هاتان الصلاتان بدعتان مذمومتان ومنكرتان، فلا تغتروا بذكرهما في الحديث المذكور فيهما؛ فإنَّ ذلك باطل. خامسًا: صلاة التسبيح: قال شيخ الإسلام: نص أحمد وأئمة الصحابة على كراهتها، ولم يستحبها إمام، وأما أبو حنيفة ومالك والشافعي فلم يسمعوا بها بالكلية. سادسًا: قال شيخ الإسلام: قاعدة الإسلام أنَّ الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلاَّ ما شرعه الله ورسوله.

стр. 971

وقال ابن القيم وغيره: الأصل في العبادات البطلان، حتى يقوم دليل على الأمر؛ فإنَّ الله لا يُعْبَدُ إلاَّ بما شرعه على ألسنة رسله. وقال شيخ الإسلام -أيضًا-: العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع؛ فإنَّ الإسلام مبني على أصلين: ١ - ألا نعبد إلاَّ الله وحده. ٢ - وألا نعبده إلاَّ بما شرعه على لسان رسوله ﷺ . وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: اعلم أنَّ العبادات توقيفية، وترك الشارع الفعل مع قيام مقتضيه دليل على الترك، كما أنَّ فعله دليل لطلب الفعل، وهذه القواعد الهامة عن هؤلاء الأئمة الأعلام مستقاة من قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] وأمثالها من الآيات، ومما ثبت في مسلم (١٧١٨) من حديث عائشة ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد". ***

стр. 972

٣٠٦ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَوتِرُوا يَا أَهلَ القُرْآنِ؛ فإنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. فقد رواه أصحاب السنن الأربع، وحسَّنه الترمذي، وصححه الحاكم وابن خزيمة، ورجاله ثقات. * مفردات الحديث: - فإنَّ الله وتر: بكسر الواو وفتحها، هو الفرد، فالله تعالى واحد في ذاته، واحد في صفاته، فلا شبه له ولا مثل، واحد في أفعاله، فلا شريك له ولا معين. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب الوتر والإتيان به، وعدم التهاون به؛ لأنَّه من الصلوات المؤكدات. ٢ - نُدِبَ المسْلِمُونَ كلهم إلى الإتيانِ بالوتر، ولكن يتأكَّد على حملة القرآن وحفَّاظه، وأهل العلم أكثر مما يتأكد في حق غيرهم. ٣ - أنَّ صلاة الوتر محبوبة إلى الله تعالى، فهي أفضل الصلوات بعد الصلوات المكتوبات. ٤ - إثبات صفة المحبة لله تعالى، إثباتًا حقيقيًّا يليق بجلاله، بلا تكييف، ولا تمثيل، ولا تشبيه، فكما نثبت أنَّ له تعالى ذاتًا لا تشبه الذوات، فنثبتُ

стр. 973

-أيضًا- أنَّ له صفات لا تشبه الصفات: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى]. ٥ - قال شيخ الإسلام: الوتر سنة مؤكدة باتفاق المسلمين، ومنهم من أوجبه، ولا ينبغي لأحد تركه، ومن أصرَّ على تركه ردت شهادته. ٦ - ليس المراد بقوله: "إنَّ الله وِتر يُحب الوتر"؛ أنَّه يقصد الإيتار في كل شيءٍ، فلا يأكل إلاَّ وترًا، ولا يشرب إلاَّ وترًا، ولا يلبس إلاَّ وترًا؛ لأنَّ الإيتار من أمور العبادة، والعبادة تتوقف على ورود شرع بها، فما ورد من العادات وقصد الشارع أن يقطعه على وتر، فهذا القصد داخل في مسمى العبادة، كأكله تمرات وترًا عند ذهابه لصلاة عيد الفطر، أما أن يتخذ الوتر في جميع العادات عبادة، فهذا يتوقف على ورود الشرع به، والشرع مبني على التوقيف، فلا يشرع منه إلاَّ ما شرعه الله ورسوله. ***

стр. 974

٣٠٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الوتر هو الذي تختم به صلاة الليل؛ سواء كان في أول الليل، أو وسطه، أو آخره، فكما أنَّ صلاة المغرب وتر، ويختم بها صلاة النهار، فكذلك الوتر يكون آخر صلاة الليل. ٢ - لو وقع بعد الوتر صلاة نفل، ما نُقض الوتر، لاسيَّما الصلوات ذوات الأسباب من سنة مسجد، أو ركعتي طواف، أو ركعتي وضوء، أو نحو ذلك؛ فالوتر باق بحاله ختمت به صلوات الليل. فقد جاء في صحيح مسلم (٧٣٨) عن عائشة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : "كَانَ يُصَلِّي من الليل ركعتين بعد الوتر، وهو جالسٌ". وقد حمله النووي على أنَّه ﷺ فعل ذلك؛ لبيان جواز النفل بعد الوتر. ٣ - قال الفقهاء -واللفظ لـ"شرح الزاد وحاشيته"-: ولا يكره التعقيب وهو الصلاة بعد التراويح، والوتر في جماعة. لقول أنس: لا ترجعوا إلاَّ إلى خير ترجونه. قال المجد وغيره: ولو تنفلوا جماعةً، أو بعد رقدة، أو من آخر الليل، لم يكره. نص عليه، واختاره جمع. ...

стр. 975

٣٠٨ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ". رَواهُ أَحْمَدُ والثَّلاَثَةُ، وَصحَّحهُ ابنُ حِبَانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسنٌ؛ رواه أحمد وأصحاب السنن الثلاثة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان وعبد الحق وغيرهم، وحسَّنه الترمذي. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على كراهية الإيتار في الليلة الواحدة مرتين فأكثرة لأنَّ تكرير الوتر في ليلة واحدة عبادة لم تُشرع، ولا يعبد الله تعالى إلاَّ بما شرع. ٢ - من أوتر ثم أراد الصلاة بعد الوتر، فقد تقدم جوازه، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ بعد أن أوتر صلى ركعتين، وأنَّ الشفع بعد الوتر لا ينقضه. ٣ - من أراد أن يصلي مع الإمام حتى تنتهي صلاته؛ تحصيلاً لفضيلة قوله ﷺ : "من قام مع الإمام حتى ينصرف، فكأنما قام ليله"، وأراد أن يحصل على فضيلة الوتر آخر الليل، فإنَّه إذا سلم الإمام قام وأتى بركعة، تشفع له صلاته مع الإمام. قال في "شرح الزاد وحاشيته": فإن تبع إمامه فأوتر معه، أو أوتر منفردًا، ثم أراد التهجد، فلا يُنْقَض وتره، ويصلي ما شاء إلى طلوع الفجر الثاني، ولا يوتر مرَّة أخرى؛ لأَنَّه ثبت عنه ﷺ أنَّه كان يصلي بعد الوتر ركعتين، ولايوتر بعدها. وإن شفعه بركعة جاز، وتحصل له فضيلة متابعة إمامه وجعل وتره آخر صلاته.

стр. 976

٣٠٩ - وَعَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوْتِرُ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ: "ولاَ يُسَلِّمُ إِلاَّ فِي آخِرِهِنَّ" (١). وَلأبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَفِيْهِ: "كُلُّ سُورَةٍ فِي رَكعَةٍ، وَفِي الأَخِيْرَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ وَالمُعَوِّذَتَيْنِ" (٢). ــ * درجة الحديث: حديث عائشة فيه ضعف، وله شاهد، وقال العقيلي: إسناده صالح، قال ابن حجر: حديثُ أُبَي أصح من حديث عائشة. وقد ساق المؤلف حديثين فيما يقرأ في الوتر. أحدهما: عن أبي بن كعب؛ أنَّه يقرأ ﴿سبح﴾ و ﴿الكافرون﴾، و ﴿الإخلاص﴾ الثاني: عن عائشة: بزيادة المعوذتين. فأما حديث أُبي بن كعب؛ فقال عنه في "التلخيص": حديث أُبَي بن كعب بإسقاط -المعوذتين- أصح. وقال ابن الجوزي: أنكر أحمد وابن معين زيادة المعوذتين، وحديث أُبَي رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم.

стр. 977

قال الشوكاني: حديث أُبَي رجاله ثقات إلاَّ عبد العزيز بن خالد، وهو مقبول أيضًا. وأما حديث عائشة: فرواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عنها، وفيه ضعف، وقد تفرَّد به يحيى بن أيوب، وفيه مقال، ولكنه صدوق. وقال الترمذي: فيه انقطاع، كما أنَّ فيه خصيفًا، وهو بين الحديث، وكأنَّه لشواهده، قال الترمذي: حديث حسن غريب *مفردات الحديث: - المعوذتين: بكسر الواو وتشديدها، ومن فتحها فقد أخطأ. *ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب قراءة هذه السور الثلاثة في الركعات الثلاثة من الوتر وهي: (١) سورة الأعلى؛ لما تضمنته من حث على الآخرة، وتزهيد في الدنيا، ولأنَّها تضمنت مواعظ ذُكرت في الصحف الأولى، وُعِظَ بها الأوَّلونَ والآخرون. (ب) سورة الكافرون؛ لكونها تعدل ربع القرآن، وتضمنها البراءة التامة من الكفار ودينهم، ولاشتمالها على التوحيد العملي الإرادي. (ج) سورة الإخلاص؛ لكونها تعدل ثلث القرآن الكريم، وتضمنها صفات الله، وتوحيده التوحيد الخبري العلمي. ٢ - الأفضل عدم المداومة على هذه السور؛ لئلا يظن العامة وجوبها، فترك الفاضل أحيانًا لبيان الحكم، أفضل من المداومة عليه؛ لأنَّ تعليم الناس أمرَ دينهم من أفضل الأعمال. ٣ - قراءة المعوذتين جاءت في رواية ضعيفة، ولكن لم يشتد ضعفها، وفقهاء أهل الحديث إذا جاءهم الحكم الشرعي برواية لم يشتد ضعفها، وكانت تندرج تحت قاعدة شرعية، وكانت -أيضًا- في فضائل الأعمال -فإنَّهم يعملون بها، ومنه هذا الحديث.

стр. 978

٣١٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَوْتِرُوا قَبْلَ أنْ تُصْبِحُوا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلابنِ حِبَّانَ: "مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يُوتِرْ، فَلاَ وِتْرَ لَهُ" (١). ــ * درجة الحديث: رواية ابن حبان إسنادها صحيح، وصححها -أيضًا- ابن خزيمة والحاكم (١/ ٤٤٣)، ووافقه الذَّهبي، وذكر له الحاكم شاهدًا من حديث ابن عمر وصححه، ووافقه الذهبي. *ما يؤخذ من الحديث: ١ - الوتر من صلاة الليل، ولكنه يختم به صلاتها؛ ليوترها، كما تختم صلاة النهار بصلاة المغرب؛ لتوترها. ٢ - أنَّ آخر وقت الوتر هو طلوع الفجر الثاني، فإذا طلع الفجر، فقد فات وقت الوتر، فمن أوتر بعد طلوع الصبح فلا وتر له، قال ابن المنذر: أجمعوا على على أنَّ ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر. أما أول وقته فتقدم أنَّه بعد صلاة العشاء، ولو كانت مجموعة تقديمًا مع المغرب. ٣ - وذكر ابن المنذر عن جماعة من السلف: أنَّ للوتر وقتين: اختياري واضطراري، فالاختياري ينتهي بطلوع الفجر الثاني، والاضطراري لا ينتهي إلاَّ بصلاة الصبح. ٤ - ظاهر الحديث: أنَّ الوتر الذي فات وقته إذا كان تركه من عمد، فإنَّ تاركه فوَّت أجره، أما النائم أو الناسي فهما موضوع الحديث الآتي إن شاء الله تعالى.

стр. 979

٣١١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنِ الوِتْرِ، أَوْ نَسِيَهُ، فَلْيُصَلِّ إِذَا أصْبَحَ، أوْ ذَكَرَ". روَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ النَّسَائِيَّ (١) ــ * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني (٢/ ٢٢)، والحاكم (١/ ٤٤٣)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. قال العراقي: إنَّ الحديث جاء من طريقين: من طريق أبي داود، وهي صحيحة. والأخرى: من طريق الترمذي وابن ماجه، وهي ضعيفة. *ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أن من نام عن الوتر فلم يستيقط حتى طلع الصبح الثاني، أو نسيه فلم يذكره حتى طلع الفجر -أنه يصليه، ولو بعد طلوع الصبح الثاني. ٢ - الحديث صحيح، فقد قال الحاكم والذهبي: إنه على شرط الشيخين، وأيدهما الشيخ الألباني؛ فيكون حجة في هذا الحكم. ومع هذا فإنه مشمولٌ بالحديث الذي في البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٢) عن أنس؛ أن النبي ﷺ قال: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلاَّ ذلك".

стр. 980

٣ - لا تعارض بين هذا الحديث والحديث الذي قبله: "من أدرك الصبح ولم يوتر، فلا وتر له"، فهذا في حق الذاكر والمستيقظ، فإن وقت الوتر عنده ينتهي بطلوع الفجر الثاني؛ بخلاف حديث الباب، فهو في حقِّ النائم والغافل، فإن هذا هو وقت الصلاة في حقه. ٤ - ظاهر الحديث، ومعه حديث الصحيحين أيضًا: أن من نام عن وتره حتى أصبح، أو نسيه -أنه يصليه بعد طلوع الفجر، وأن هذا هو وقته الشرعي، أداءً لا قضاءً، والله أعلم. ٥ - قال في "الإقناع": ويقضيه مع شفعه إذا فات وقته؛ لحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "من نام عن الوتر أو نسيه، فليصله إذا أصبح أو ذكره" [رواه أبو داود]، قال في "الحاشية": المذهب يقضيه على هيئته. قال شيخ الإسلام: صح عنه ﷺ أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها؛ فإن ذلك وقتها"، وهذا يعم الفرض وقيام الليل والسنن الرواتب. ٦ - هناك طائفة من العلماء يرون عدم قضاء الوتر على صفته، وأن من طلع عليه الصبح ولم يوتر، فقد فاته الوتر، ولا وتر له؛ كما جاء ذلك في رواية ابن حبان. ويستدلون على ذلك -أيضًا- بما رواه مسلم (٧٤٦) من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل، صلَّى من النهار اثنتي عشرة ركعة". وذلك أنه كان يوتر بإحدى عشرة ركعة، فيصليها بالنهار شفعًا بزيادة ركعة، فمن كان عادته أن يوتر بثلاث، ونسي، فالأفضل أن يصليها أربعًا، ومن كان عادته خمسا فليصل ستًّا، ومن كان عادته سبعًا فليصل ثمانياً، ومن كان عادته تسعًا فيصل عشرًا، ومن كان عادته إحدى عشرة فليصل اثنتي عشرة. ويعتبر هذا كالقضاء للوتر، إلاَّ أنه يصليها شفعًا.

стр. 981

وقال الشيخ في موضعٍ آخر: لا يقضي الوتر، ومراده على صفته؛ لأن المقصود به أن يكون آخر الليل، على أن وتر النهار المغرب. والراجح قضاء الوتر نهارًا شفعًا، كما اختاره الشيخ تقي الدين، رحمه الله تعالى. ***

стр. 982

٣١٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ خَافَ ألاَّ يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ أوَّلَهُ، وَمَنْ طَمعَ أنْ يَقُومَ آخِرَهُ، فَليُوتِرْ آخِرَ اللَّيْل؛ فَإنَّ صَلاَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذلِكَ أَفْضَلُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - طمع: في الشيء طمعًا وطماعة، فهو طامع، والطمع: الأمل والرجاء، وأكثر ما يستعمل فيما يقرب حصوله، جمعه: أطماع. - مشهودة: يقال: شهد يشهد شهودًا، بمعنى: حضر واطلع على الشيء، فهو شاهد بمعنى: حاضر، وشاهد ذلك أنَّ الله تعالى ينزل آخر الليل، فينادي خلقه ويجيب أسئلتهم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أنَّ الوتر يجوز في أول الليل وفي آخره، فوقته من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثاني، ومن كل الليل أوتر النبي ﷺ . ٢ - أنَّ تأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل لمن قوي على القيام، وطمع في أن يستيقظ قبل الفجر؛ لقول عائشة: "وانتهى وتره إلى السحر" [رواه مسلم (٧٤٥)]، ولأنَّ صلاة آخر الليل تشهدها الملائكة، وهذه ميزة كبرى، ولأنَّ هذا هو وقت المناجاة، حينما ينزل الرب جلَّ وعلا إلى السماء الدنيا، كما جاء في البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨)؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني

стр. 983

فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له"، ولأنَّ الوتر آخر الليل هو التهجد الذي ذكره الله فى كتابه العزيزة فإنَّ التهجد لا يكون إلاَّ بعد نوم، وهو وقت الناشئة التي قال تعالى فيها: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل] فإنَّ النَّاشئة لا تكون إلاَّ بعد رقدة. ٣ - أما من يخشى ألا يقوم آخر الليل؛ فيلوتر قبل أن ينام؛ لحديث أبي هريرة: "أوصاني خليلي رسول الله ﷺ بثلاث: وذكر منهنَّ: وأن أوتر قبل أن أنام" فأبو هريرة كان يشتغل أول الليل بدراسة الأحاديث وحفظها، فكان ممن لا يستيقظ إلاَّ بعد أن يصبح، فأوصاه النبي ﷺ بأن يوتر قبل أن ينام، وتكون لأبي هريرة، ولمن هو على مثل حاله. ***

стр. 984

٣١٣ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ، فَقَدْ ذَهَبَ وَقْتُ كُلِّ صَلاَةِ اللَّيْلِ وَالوِتْرِ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح، صححه ابن خزيمة والحاكم، ووافقه الذهبي. فأما صدره: فلا ينافي حديث أبي سعيد المتقدم (٣١١)، فالذي معنا في حق المستيقظ الذاكر، والذي قبله في حق النائم، أو الناسي. وأما آخره: -وهو قوله: "فأَوترُوا قبل طلوع الفجر"- فقد جاء في صحيح مسلم (٧٥٤) من حديث جابر؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "أوترُوا قبل أن تصبحوا"، وقد صححه النووي في "الخلاصة". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث تقدم معناه في عدة أحاديث، وهو أنَّ وقت الوتر من صلاة العشاء، ويمتد حتى طلوع الفجر الثاني، وأنَّ من ترك الوتر متعمدًا حتى طلع عليه الفجر -فقد فاته الوتر، الذي هو من صلاة الليل، فأمر ﷺ بالوتر قبل طلوع الفجر؛ لئلا يفوت وقته. ٢ - وتقدم أنَّ الصحيح أنَّ فوات الوتر في حق تاركه عمدًا حتى طلع الفجر، أما من نام عنه أو نسيه، فإنَّ وقته أداء إذا استيقظ أو ذكر؛ فيكون هذا الحديث مخصوصًا بالحديث المتقدم: "من نام عن الوتر، أو نسيه، فليصل إذا أصبح أو ذكر".

стр. 985

وهذا القول يجمع الأحاديث المتعارضة في فوات الوتر، في حق النائم والناسي، وأدائه في وقته. ٣ - روى مسلم (٧٤٦) عن عائشة ﵂ قالتْ: "كان رسول الله ﷺ إذا لم يصل من الليل، منعه من ذلك النوم، أو غلبته عيناه- صَلَّى من النهار اثنتي عشرة ركعة". ***
следующие страницы →