← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13605

الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (5 685 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

صَحِيحُ أَبِي عبدِ الله البُخَارِيّ بشرح الكرماني دار إحياء التراث العربي بيروت

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم الحمد لله الذي أنعم علينا بجلال النعم وأعظمها هو نعمة الإسلام, وجعل ديننا أشرف الأديان وملتنا خير الملل وأمتنا أوسط الأمم ونبينا هو أفضل الأنام, بين الحلال والحرام وشرع الشرائع وسن السنن وعلم بالقلم وقد أحكم الأحكام, وأتبع الكتاب بالسنة لتفصيل مجملاته وتجزئة كلياته وشرح مشكلاته رحمة للعالمين , وشفع القرآن بالحديث لتوضيح نصوصه وتبيين فصوصه وتخصيص عمومه رأفة وعناية بالمؤمنين, وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى من مشكاة ميامين وجوده تتوقد جميع أنوار الكمالات والسعادات ومنها الاقتباس' ومن شجرته المباركة ظهرت أصول خيرات الدنيا والآخرة وتبين فروعها الكافيات الشافيات وقد قال تعالى (لتبين للناس) , كلما ذكر الذاكرون والذاكرات وكلما غفل عنه الغافلون والغافلات, ورضي الله عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين الذين نشروا العلوم في الآفاق , وطهروها من دنس الشرك والنفاق , وقد قطعوا عن الدنيا العلائق وزينوا مشارق الأرض ومغاربها بمحاسن الأفعال ومكارم الأخلاق, فأولئك أفاضل الخلائق ما اتصل أسانيد الرواة من الأخلاف إلى الأسلاف , وارتفع الدرجات بشرائف العلوم الأصناف الأشراف أمّا بعد: فإن علم الحديث بعد القرآن هو أفضل العلوم وأعلاها, وأجلّ المعارف وأسناها, من حيث إنه به يعلم مراد الله تعالى من كلامه, ومنه تظهر المقاصد من أحكامه لأن أحكام القرآن جلها بل كلها كليات, والمعلوم منه ليس إلا أمورا إجماليات, كقوله: تعالى (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وإنّ السنة هي المعرفة بجزئياتها كمقادير أوقات الصلاة وكيفياتها وفرائضها ونوافلها وآدابها وأوضاعها وصفاتها, وهي الموضحة لمعضلاتها كأقدار نصب الزكاة وأنواع ما يجب فيها وأوقات الأداء ومن وجب عليه وما وجب منها وهلمّ جرا, وكذلك أعلى العلماء قدرا, وأنورهم بدرا, وأفخرهم خطرا, وأنبلهم شأنا , وأعظمهم عند الله منزلة ومنزلا, وأكرمهم مكانة ومكانا, حملة السنة النبوية وناقلوا أخبارها, وحفظة حديثها وعاقلوا أسرارها , ومحققوا ألفاظها وأرباب رواياتها, ومدققوا معانيها وأصحاب درايتها, وهم الطائفة المنصورة المشيدة لمباني الحق والمسالك, ولن يزالوا ظاهرين عليه حتى يأتي أمر الله وهو على ذلك, وكان

стр. 3

كتاب (الجامع الصحيح) للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل (البخاري) جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا, أجل الكتب الصحيحة نقلا ورواية, وفهما ودراية, وأكثرها تعديلا وتصحيحا وضبطا وتنقيحا, واستنباطا واحتياطا, وفي الجملة هو اصح الكتب المؤلفة فيه على الإطلاق والمقبل عليه بالقبول من أئمة الآفاق, وقد فاق أمثاله في جميع الفنون والأقسام, وخصّ بالمزايا من بين دواوين الإسلام تشهد له بالبراعة والتقدم الصناديد العظام, والأفاضل الكرام, وفوائد هذا الكتاب العظيم الشأن الرفيع المقدار, الذي يستشفى ببركاته ويستسقى بختماته أكثر من أن تحصى وأغزر من أن تستقصى وكيف لا وهو شامل لأكثر أقوال النبي ﷺ وأفعاله وأحواله متناولا لأكثر أخباره وآثاره وأعماله وفيه مشاهده وغزواته, وأخلاقه, ومعجزاته , وكرمه آدابه, ومناقب أصحابه, إلى غير ذلك مما لا يخفى من غموض الاستنباطات التي ترجم عليها في الأبواب والإشارة إلى المذاهب المستخرجة من الأحاديث للأصحاب وإني لم أر له شرحا مشتملا على كشف بعض ما يتعلق من الكتاب فضلا عن كلها, أو مستقلا بما يتعلق بالبحث عن عويصاته فضلا عن جلّها, مع ارتحالي إلى بلاد كثيرة هي مظان وجدانه, ولم أظفر بعد التفتيش والتنقيب إلا على فقدانه , والشروح التي شرحها الشارحون لا تشفي عليلا, ولا تسقي غليلا, وهاهو ذا كتاب الإمام أبي الحسن علي بن خلف المالكي المغربي المشهور بابن بطال إنما هو غالبا في فقه الإمام مالك ﵁ من غير تعرض لما هو الكتاب مصنوع له, وكتاب الشيخ العلامة أبي سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي شكر الله مساعيه فيه نكت متفرقات, ولطائف على سبيل الطفرات ,وأما الذي ألفه الإمام العالم المشهور بمغلطاي التركي المصري فهو بكتب تتميم الأطراف أشبه, وبصحف تصحيح التعليقات أمثل, فكأنه من إخلائه عن مقاصد الكتاب على ضمان, ومن شرح ألفاظه وتوضيح معانيه على أمان, ولا أقول ذلك والله أعلم به غضا من مراتبهم الجليلة العلية. أو وضعا من رفيعات أقدارهم الشريفة السنية, حاشا من ذلك, وكيف وإني مقتبس من لوامع أنوارهم الشارقات, ملتمس من جوامع آثارهم البارقات, فهم القدوة وبهم الأسوة , ﵃ وعن جميع أسلافنا أئمة جابوا في تحصيلها الفلوات, ونسوا في خدمتها اللذات والشهوات, ومارسوا الدفاتر, وسامروا المحابر, فأجالوا في نظم قلائدها أفكارهم وأنفقوا على اقتناص شواردها أعمارهم , ووقفوا لتقييد أوابدها ليلهم ونهارهم فأخذوا وبلغوا , وأصّلوا وفصّلوا, ومهّدوا وأسّسوا, وجمعوا وفننوا, ووضعوا وأتقنوا, وألّفوا وصنّفوا ورتّبوا ودوّنوا, وفرّعوا وبوّبوا, وصحّحوا ونقحوا, صانوها عن

стр. 4

التحريف والفساد وحفظوها عن التصحيف والنقص والازدياد, وكلّما عرض لهم ولها شيء من الفترة, ردّ الله لها الكرّة, وأكمل لهم المعونة والنصرة حتى وصلت إلينا صافية المشارع ضافية المدارع , ورياض صحائفها تصبح ممرعة وحياض لطائفها تضحى مترعة, فعظّم الله تعالى أقدارهم الفاخرة, ورفع أخطارهم الشريفة في الآخرة, وأعلى درجاتهم في أعلى علّيين مع الذين انعم عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداءِ والصالحين وإنما قصدت بذلك إظهار احتياج هذا الكتاب_ الذي هو ثاني كتاب الله تعالى_ إلى شرحٍ مكمّل للفوائد شامل للعوائد عام المنافع تامّ المصالح , جامع لشرح الألفاظ اللغوية الغريبة, ووجه الأعاريب النحوية البعيدة وبيان الخواص التركيبية واصطلاحات المحدثين ومباحث الأصوليين, والفوائد الحديثية والمسائل الفقهية, وضبط الروايات الصحيحة, وتصحيح أسماء الرجال وألقاب الرواة وأنسابهم وصفاتهم, ومواليدهم ووفياتهم, وبلادهم ومروياتهم, والتلفيق بين الأحاديث المتنافية الظواهر, والتوفيق بينها وبين التراجم المستورة عن أكثر الضمائر, ولتوضيح ما صعب من سلوك مناهجها, وتبيين ما لم يظهر من مقدماتها ونتائجها , وتليين ما لم يذلل من صفاتها, ولم يخضع للفهم رقابها وبعض عويصاتها, مما جعل جنابها عن أن يكون شريعة لكل وارد, أو يطلع عليه إلاّ واحد بعد واحد, فاستخرت الله تعالى واستعنت به في تأليف شرح موصوف بالصفات وزيادة, معروف بإفادة ذلك ونعم الإفادة مع اعترافي بالقصور وقلّة البضاعة, والفتور وقصر الباع في هذه الصناعة, فتصديت لذلك وشرحت مفردات اللغة الغير الواضحة, وذكرت توجيه الإعرابات النحوية الغير اللائحة, وتعرّضت لبيان خواصّ التراكيب, بحسب علم المعاني وإظهار أنواع التصرفات البيانية, من المجاز والاستعارة, والكناية والإشارة, إلى ما يستفاد منها من القواعد الكلامية, من أصول الفقه, من العام والخاص والمجمل والمبيّن وأنواع الأقيسة الخلافية والخطابية , والمسائل الفقهية والمباحث الفروعية ومن الآداب والدقائق ونحوها, ولما يتعلق بعلوم الحديث واصطلاحات المحدثين من المتابعة والاتصال, والرفع والإرسال والتعليلات وغيرها, وتصحيح الروايات واختلاف النسخ وترجيحها والتعرض لأسماء الرجال وتعجيم ألفاظها وتوضيح ملتبسها, وتكشيف مشتبهها وتبيين مختلفها ,وتحقيق مؤتلفها وأنسابهم وألقابهم وبلادهم ووفياتهم إلى آخر تراجمهم, ولفقت بين الأحاديث التي بحسب ظواهرها متنافية, والأخبار التي بادئ الرأي مقتضياتها متباينة, وبينت مناسبة الأحاديث التي في كل باب لما ترجم عليه, ومطابقتها بما عقد له وأشير إليه، وهو قسم عجز عنه الفحول البوازل (١) في الأعصار، والعلماء الأفاضل من الأنصار فتركوها واعتذروا عنها

стр. 5

بأعذار، ومن جملتها ما قال القاضي الحافظ أبو الوليد سليمان الباجي (بالموحدة والجيم) المغربي في كتاب (التعديل والتجريح) لرجال البخاري، قال: أخبرنا أبو داود عبيد بن محمد بن أحمد الهروي، حدثنا أبو إسحاق المستملى إبراهيم بن أحمد، قال: انتسخت كتاب البخاري من أصل كان عند محمد بن يوسف الفربري، فرأيته لم يتم بعد, وقد بقيت منه مواضع مبيضة كثيرة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئا، ومنها أحاديث لم يترجم عليها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض، قال: ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق ورواية أبي محمد ورواية أبي الهيثم, ورواية أب زيد وقد نسخوا من أصل واحد فيها التقديم والتقديم والتأخير وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرة أو رقعة مضافة في موضع ما فأضافه إليه ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث , قال: وإنما أوردت هذا لما عني به أهل بلدتنا في طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها, وتكلفهم في ذلك من تعسف التأويل ما لا يسوغ والبخاري ﵀ وإن كان من أعلم الناس بصحيح الحديث وسقيمه فليس ذلك من علم المعاني وتحقيق الألفاظ بسبيل, كيف وفيها روى أبو إسحاق العلة في ذلك وبينها أن الحديث الذي يلي الترجمة ليس بموضوع لها وإنما هو موضوع ليأتي قبل ذلك بترجمته ' ويأتي للترجمة التي قبله من الحديث بما يليق بها, وسعيت فيه في توضيح العبارات وكشف القناع عن المشكلات , ولم أبال عن الإعادة في الإفادة عند الحاجة إلى البيان ولا في تعجيم بعض الأسماء التي هي واضحة عند أهل هذا الشأن, لأني قصدت فيه النفع للمبتدئين والمنتهين , والفائدة للمتقدمين والمتأخرين' وقد جرى في هذه الأيام في بعض أمهات بلاد الإسلام أمر , وهو أن سلطانها مرض وأراد التبرك بقراءة البخاري لاستشفاء علّته واستسقاء غلته, فأشار إلى أهلها بقراءته وأمرهم بتلاوته, فاشتبه عليهم أكثر الأسماء مثل ابن بكير هل هو مصغّر أو مكبر حتى كادوا يتركون قراءته لذلك فصار هذا أيضا مضافا إلى ما كنت قصدته من الزيادة على التوضيح في قسم الأسماء, لاسيما وقد صار هذا الفن مهجورا في أكثر الأمصار, وليس للعقل فيه دخل ولا للقياس فيه اعتبار, فجاء بحمد الله كتابا حافلا بكل ما يحتاج إليه المحتفل به فهو شيخ للطالب, أستاذ للمتعلم, مرشد للمشتغل به فيا لها نعمة عظيمة أخلصت لك نقاوتها , وطعمة جسيمة حببت لك حلاوتها, وغنيمة باردة اخترت صنعها , ولقمة هنيئة أعددت لك نقيها وهكذا تنمي الجدود وتسفر عن مطالعها السعود فعش بجد صاعد , فرب ساع لقاعد فإنك استغنيت به عن ألف كتاب أو أزيد , ولو كان لكتابي هذا نفس ناطقة ولسان مطلقة, لقال بمقال صريح وكلام فصيح لله درّ مؤلف هذا التأليف الرائق الرئيس, ولا شلّت يد مصنف هذا التصنيف الفائق النفيس وهذا الكتاب لابد أن يقع لأحد رجلين: إما عالم منصف فيشهد لي بالخير ويعذرني

стр. 6

فيما كان من العثار, الذي هو لازم الإكثار وإما جاهل متعسّف , فلا اعتبار لوعوعته, ولا اعتداد بوسوسته, ومثله لا يعبأ به لا لمخالفته ,ولا لموافقته وإنما هو الاعتبار بذي النظر الذي يعطي كلّ ذي حقّ حقّه. إذا رضيت عني كرام عشيرتي ... فلا زال غضبانا عليّ لئامها هذا ولا أّدعي العصمة والبشر محل النقصان إلا من عصم الله والخطأ والنسيان من لوازم الإنسان لكن المقصود طلب الإنصاف والتجنب عن الحسد والعناد والإعتساف ' وفّقنا الله تعالى للسداد وثبتنا على السداد والرشاد , وتوصلت به إلى غرض دنيوي , من مال أو جاه أو تقرب إلى سلطان أو خليفة , كما هو عادة أبناء زماننا من أصحاب الهمم القاصرة والعقول الضعيفة, بل جعلته لله ولوجهه خالصا, سائلا أن ينفعني به, حين يكون الظل في الآخرة قالصا وأن يهب عليه قبول القبول فإنه أكرم مسئول وأعز مأمول وشرفت ديباجته باسم حبيبه سيد الأولين والآخرين , محمد عليه أفضل الصلوات وأكملها وأشرف التسليمات وأجلّها وجعلته وسيلة إلى حضرته الشريفة المطهرة المعظمة ووسيطة إلى عتبته الجليلة المقدّسة المكرّمة صلى الله عليه وعلى آله أزكى صلاة وأعلاها وكنت زمان مجاورتي بمكة المشرفة مكملا لهذا الشرح فيها إذا عانقت الملتزم المبارك كنت أجعل الكعبة المعظمة -زادها الله تعالى عظمة وجلالا- شفيعا في أن يتقبلّه الله تعالى منّي أحسن التقبلات ويصير عنده ﷺ من أشرف الوسائط وأحسن الوسيلات , ولكل مثن على من أثنى عليه وكلّ متوسل على من يتوسل إليه مثوبة من جزاء أو عارفة من عطاء فأنا أرجو شفاعته في أن يعفو عن الزلات، ودعوته في أن يرحمني ويرفع الدرجات جائزة وادخارا وعطيّة واستظهارا, اللهم لا تخيب رجانا، واستجب دعانا ولا زلت متفكرا في تسميته، إذ كنت في بعض الليالي في المطاف، بعد فراغي من الطواف، فألهمني ملهم بأنه هو ((الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري)) فسميته به واسأل الله تعالى أن لا يؤاخذنا بما نسينا أو أخطأنا فيه، وان يعفو عنا ويغفر لنا ويرحمنا إنه هو الجواد الكريم، الرءوف الرحيم.

стр. 7

مقدمة اعلم أن صحيح البخاري لا حاجة له في بيان حاله، إلى تعديل رجاله. لأنه ينقسم إلى قسمين: رجال بينه وبين رسول الله ﷺ ، واتفق الأمة المكرمة المعظمة الأقدار، على أنهم عدول ثقات أخيار أبرار، فما ذكرنا إلا أنسابهم ووفياتهم، ونحو ذلك مما تميل الخواطر إليها وذلك لتكثير الفوائد، وتغزير العوائد، والاستئناس بها، لا للتعديل والتجريح أو التصنيف والتصحيح، وصححنا أسماءهم احترازا الاختلاط والتحريف، واتقاء عن الاختباط والتصحيف، وذلك أنما هو من كتب متعددة مشهورة عند أبناء الزمان، وصحف متكثرة مذكورة بين أصحاب هذا الشأن وأكثرها من كتاب الشيخ أبي نصر احمد بن محمد بن الحسن المكلاباذي، ومن تقييد المهمل للحافظ أبي علي حسين الغساني ((بالمعجمة وشدة المهملة والنون)) الجياني ((بالجيم وتشديد التحتانية وبالنون)) المغربي، ومن كتاب الإكمال، للأمير أبي نصر ابن ماكولا، ومن جامع الأصول للإمام أبي السعادات ابن الأثير، جزاهم الله خيرا، ورجال بيننا وبين البخاري، ولا حاجة لنا إلى معرفتهم بذواتهم، فضلا عن جرحهم وعدالتهم. لأن صحيحه بالنسبة إلينا متواتر. ولا الى الإسناد إليهم، لكن لما كان الإسناد خصيصة هذه الأمة المباركة ومن جملة شرفها. فلا بد من اعتباره اقتداء بالسلف. وحفظ للشرف. فأقول: فأما إسنادي إليه فهو من شيوخ متوافرة، وعلماء متكاثرة، من أهل الحرمين الشريفين، مكة والمدينة، ضاعف الله شر فهما، والقدس، والخليل فهما، والقدس، والخليل ومصر، والشام، والعراق، وغيرها. ورحلت لأجله خاصة إلى هذه البلاد برها وبحرها. لكن السماع التام الشافي، والاستماع الكامل الكافي، إنما هو من شيوخ ثلاثة: الأول: الشيخ الإمام العامة محدّث الجامع الأزهر من القاهرة المعزّية بالديار المصرية ناصر الدين محمد بن أي القاسم بن إسماعيل بن محمد بن المظفر أبو عبد الله الفارقي , كان شيخا فقيها صوفيا عالما بما يقرأ ضابطا مصنفا كان يأكل من أجرة الكتابة, وكان قد داوم سنين على قراءة شيء من صحيح البخاري صبيحة كل يوم بالجامع الأزهر مات في حدود ستين سنة وسبعمائة فإنه حدثني بأكثره قراءة منه, وأخبرني بالباقي قراءة عليه قال: أخبرني مشايخ جمّة منهم أبو عبد الله محمد بن أبي الحرم ((بالمهملة والراء المفتوحتين)) مكيّ منسوب إلى مكة المشرّفة ابن أبي الذكر ((بكسر المعجمة)) عبد الغني القرشي الغزّي الدمشقي كان شيخا مباركا صحيح السماع مكثرا وكان رقاما بدار الطراز من القاهرة , مات سنة تسع وتسعين وستمائة سماعاً. قال:

стр. 8

أخبرني الشيخ أبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد الربعي ((بفتح الراء الموحّدة والمهملة)) الزبيدي (بفتح الزاي وكسر الموحّدة) البغدادي الفقيه, كان دينا خيرا حنبليا حدث بالعراق والشام, وألحق الأحفاد بالأجداد. ولد سنة ست وأربعين وخمسمائة, ومات سنة إحدى وثلاثين وستمائة سماعا قال: اخبرني أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السنجري (بكسر المهملة) الهروي الصوفي قراءة عليه وكان أبوه قد حمله على رقبته من هراة إلى فوشنج لسماع الحديث, وصار شيخا صالحا, ألحق الصغار بالكبار, وكان حاضر الذهن, مستقيم الرأي وصحب شيخ الإسلام أبا عبد الله الأنصاري, ولد سنة ثمان وخمسين وأربعمائة, ومات سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ببغداد ودفن بالشوينيزية قال: أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود الداودي الفوشنجي (بضم الفاء وسكون الواو وفتح المعجمة وتسكين النون وبالجيم) منسوب إلى بلد بقرب هراة خراسان قراءة عليه ونحن نسمع كان أحد أعيان الشافعية والأئمة أثنوا عليه في علمه وورعه ورسوخ قدمه في التقوى, يحكي أنه ترك أكل اللحم وقت نهي التركمان (١) مكتفيا بالسمك فحكى له أن بعض الأمراء أكل على حافة الموضع الذي يصاد منه السمك له ونفض ما فضلمن سفرته فيه فما أكل السمك منه بعد ذلك مات سنة سبع وستين وأربعمائة قال: أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حموية (بفتح المهملة وشدة الميم المضمومة وإسكان الواو بالتحتانية (السرخي) بفتح المهملة وسكون المعجمة وقد يقال بسكون الراء وفتح المعجمة) سماعا عليه, كان ثقة صاحب أصول حسان ولد ثلاث وتسعين ومائتين ومات سنة إحدى وثمانين وثلثمائة قال: أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح الفربري) بفتح الفاء وكسرها وفتح الراء الأولى وإسكان الموحدة) منسوبا إلى قرية من قرى بخارى قراءة عليه كان ثقة ورعا, سمع الصحيح من البخاري مرتين: مرّة بفربر , ومرّة ببخارى وقيل ثلاث مرات وهو حامل لواء البخاري رواية, ونعم المحمول ولد سنة إحدى وثلاثين ومائتين ومات سنة عشرين وثلاثمائة. الثاني: الشيخ الإمام الحافظ محدث الحرم الشريف النبوي صلى الله على ساكنه أبو الحسن على ابن يوسف بن الحسن الزرندي (بفتح الزاي والراء وإسكان النون وبالمهملة) الأنصاري كان عالم المدينة في أوانه المضروب إليه أكباد المطيّ في زمانه'وكفاه فضلا انه كان من أصحاب الإسماع عند الروضة الشريفة، وأرباب الإفادة عند العتبة الكريمة المنيفة ' صلوات الله وسلامه على صاحبها, مات سنة اثنتين وسبعين وستمائة. قال: أخبرنا الشيخ المعظّم جمال الدين أبو محمد عبد الرحيم بن عبد الله

стр. 9

ابن يوسف الأنصاري, عرف بابن شاهد الجيش ((بالجيم والتحتانية والمعجمة)) كان ثبت العلم وكان رئيسا لديوان الإنشاء بحلب الشام مات بعد ستين وسبعمائة سماعا. قال أخبرنا الشيخ أبو الطاهر إسماعيل بن عبد القوي بن أبي العز بن أبي عزون ((وهو بفتح المهملة وضم الزاي المشددة وبالواو والنون)) الأنصاري الشافعي المصري والشيخ نظام الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن رشيق ((بفتح الراء وكسر المعجمة)) الربعيّ ((بالراء والموحدة المفتوحتين وبالمهملة)) المالكي قراءة عليهما وأنا أسمع خلا شيئا يسيرا وهو من باب المسافر إذا جدّ به السير إلى كتاب الصيام ومن باب ما يجوز من الشروط في المكاتب إلى باب الشروط في الجهاد ومن باب غزوة المرأة في البحر إلى باب دعء النبي ﷺ الناس فإنه بالإجازة قالا أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن علي بن مسعود الأنصاري البويصري ((بضم الموحدة وسكون الواو وكسر المهملة وإسكان التحتانية وبالراء)) قراءة عليه قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن بركات ويقال ابن هلال السعدي النحوي اللغوي سماعا قال: أخبرتنا أم الكرام كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزية سماعا، قالت: اخبرنا الإمام أبو الهيثم ((بفتح الهاء وإسكان التحتانية بالمثلثة)) محمد بن مكي ((بفتح الميم وشدة الكاف والتحتانية)) ابن محمد بن زراع ((بضم الزاي وخفة الراء بالمهملة)) الأديب الكشميهني ((بضم الكاف وتسكين المعجمة وبفتح الهاء وكسرها وقد تمال الألف وقيل الياء على الأصل)) وهي قرية بمرو, سماعا عليه, قال: أخبرنا الفربري سماعا عليه. الثالث: الشيخ الكبير الثقة بقية السلف' قدوة الخلف جمال الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله بن عبد المعطي الأنصاري المكّي, محدّث الحرم الشريف الإلهي كثير الطاعات والعبادات , غزير المناسك والطوافات أخبرنا أنه حج خمسا وسبعين حجّة سمعنا عليه صحيح البخاري بمكّة المشرّفة بالمسجد الحرام بباب الرحمة تجاه الكعبة المعظمة زادها الله عظمة حذاء الركن اليماني إلا من كتاب الشهادات إلى سورة الفتح فإنه كان بداره المباركة التي بقرب الباب المشهور بباب إبراهيم من الحرم الشريف في ثلاثة أشهر آخرها شهر رمضان سنة خمس وسبعين وسبعمائة' قال أخبرنا الشيخ الرواية شيخ علماء الشرق والغرب إمام مقام إبراهيم الخليل صلوات الله تعالى وسلامه عليه رضى الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الطبري مات سنة اثنين وعشرين وسبعمائة سماعا بسماعه على الشيخ الجليل المسند, ركن الدين عبد الرحمن بن أبي حرمى ((بالمهملة والراء المفتوحتين)) ابن بنين (بلفظ جمع الابن)) الكاتب المكيّ ما خلا من باب قول الله تعالى وإلى مدين أخاهم شعيبا إلى باب مبعث النبيّ ﷺ فإنه بالإجازة قال: أخبرنا الشيخ أبو الحسن علي

стр. 10

ابن حميد ((بضم الحاء)) ابن عمار ((بتشديد الميم)) الأطرابلسي ((بفتح الهمزة وإسكان المهملة وبالراء وضم الموحدة وباللام وبالمهملة)) المكي سماعا, قال أخبرنا أبو مكتوم ((بالفوقانبة)) عيسى بسماعه عن والده الحافظ أبي ذرّ ((بفتح المعجمة وشدّة الراء)) عبد بن محمد بن أحمد الهروي, ولد سنة خمس أو ست وخمسين وثلاثمائة, ومات سنة أربع وثلاثين وأربعمائة بسماعه عن الأئمة الثلاثة أب الهيثم الكشميهني وأبي محمد السرخسي المتقدّم ذكرهما وأبي إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن أحمد المستملي ببلخ وكان من الثقاة ' مات سنة ست وسبعين وثلاثمائة هذا وللشيخ رضى الدين إمام المقام طريقة غير طريقة الفربري' وهي من النفائس' وبها يكمل لنا من البخاري في كل مرتبة راوبان' وهو مهتم به معتنى عليه عند أهل هذا الشأن قال: أخبرنا الشيخ ركن الدين عبد الرحمن الكاتب عن الحافظ أب طاهر أحمد بن محمد بن سلفه ((بكسر المهملة وفتح اللام وبالفاء)) وهو أعجمي ومعناه بالعربي: ثلث شفاه لأن شفته كانت مشقوقة وأصله كان بالموحدة فأبدلت بالفاء الأصفهاني ولد سنة ثنين وسبعين وأربعائمة ومات سنة ست وسبعين وخمسمائة فجأة بالإسكندرية قال أخبرني أبو الخطاب ((بالمعجمة وشدّة المهملة)) نصر ((بسكون المهملة)) ابن أحمد بن البطر ((بفتح الموحدة وكسر المهملة)) القارئ من القراءة سماعا ولد في سنة ثمان وتسعين وثلثمائة ومات سنة أربع وتسعين وأربعمائة قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبيد الله بن يحي بن زكريا المؤدب ويعرف بابن البيع ((بفتح الموحدة وكسر التحتانية الشديدة)) ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة , ومات سنة ثمان وأربعمائة قال: أخبرنا القاضي الفقيه أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل الضبي ((بالمعجمة)) المحاملي كان احد أجداده يتبع المحمل الذي يركب عليه وهو آخر من روى عن البخاري ببغداد, وقال بعضهم: سماعه منه إنما هو لبعض صحيحه , ولد سنة خمس وثلاثين ومائتين ومات سنة ثلاثين وثلثمائة.

стр. 11

ترجمة البخاري رضي الله تعالى عنه وأما البخاري فهو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة ((بفتح الموحدة وإسكان الراء وكسر المهملة وتسكين الزاي بالموحدة)) الجعفي ((بضم الجيم وسكون المهملة وبالفاء)) بخاري, أسلم المغيرة وكان مجوسيا على يد اليماني الجعفي والي بخارى , وأبوه إسماعيل كان من خيار الناس ,وأمه كانت مجابة الدعوة وكان البخاري ﵀ قد ذهب بصره وهو صغير ' فرأت أمه في المنام إبراهيم الخليل ﵇ وقال: يا هذه قد ردّ الله على ابنك بصره لكثرة دعائك أو بكائك فأصبح بصيرا, ولد ببخارى سنة أربع وتسعين ومائة' وألهم حفظ الحديث في صغره وهو ابن عشر سنين أو أقلّ ثم حجّ به أبوه فرجع أبوه وهو أقام بمكة المكرمة في طلب العلم, وذلك سنة ثمان عشرة من عمره ورحل رحلات واسعة في طلب الحديث إلى أمصار الإسلام, وكتب عن شيوخ متوافرات وأئمة متكاثرات قال رحمه الله تعالى: كتبت عن ألف وثمانين رجلا ليس فيهم إلاّ صاحب حديث كلّهم كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. حتى صار إمام أئمة الحديث والمقتدى به في هذا الشأن, وأجمع المحققون على أن كتابه أصح كتاب بعد القرآن. وروى عنه خلائق كثيرون نحو من مائة ألف أو يزيدون, أو ينقصون' وعظمه العلماء غاية التعظيم وكرمه الفضلاء نهاية الإجلال والتكريم, حتى أنّ مسلما صاحب الصحيح كلما دخل عليه يسلم ويقول: دعني أقبل رجليك يا طبيب الحديث في علله. ويا أستاذ الأستاذين, ويا سيد المحدّثين, وقال أبو عيسى الترمذي: لم أر مثله وجعله الله زين هذه الأمة. وقال أبو نعيم: إنه فقيه هذه الأمة, وقال محمد بن بشار ((بإعجام الشين)) وكان علماء مكة يقولون هو إمامنا وفقيهنا وفقيه خراسان' وقال ابن المديني: ما هو رأى مثل نفسه. وقال ابن خزيمة ((مصغّر الخزمة ' بالمعجمة والزاي)) ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث منه وأحفظ وقال بعضهم هو آية من آيات الله يمشي على وجه الأرض, ونحو ذلك وكان ﵀ في سعة من الدنيا. وقد ورث من أبيه مالا, وكان يتصدّق به وربما كان يأتي عليه نهار لا يأكل فيه وإنما كان يأكل أحيانا لوزتين أو ثلاثا, وكان يختم في كل ثلاث ليال وكان حفظه الله في غاية الكمال وقال: خرجت هذا الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث وقال: ما وضعت في كتابي هذا حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصلّيت ركعتين وقيل كان ذلك بمكة المشرفة, شرّفها الله تعالى والغسل بماء زمزم والصلاة خلف المقام وقيل كان بالمدينة صلى الله على صاحبها, وترجم أبوابه في الروضة المباركة.

стр. 12

وصلى لكل ترجمة ركعتين وقيل صنف الجامع في ست عشرة سنة والله أعلم بذلك, ودخل بغداد مرات وانقاد أهلها له في الحديث بلا منازعة ولهم معه حكاية مشهورة في امتحانهم له بقلب الأسانيد والمتون فصحح كلها في الساعة وحين وقعت الفتنة واشتدت المحنة في مسالة خلق القرآن رجع من بغداد إلى بخارى فتلقاه أهلها في تجمل عظيم ومقدم كريم وبقي مدّة يحدّثهم في مسجده فأرسل إليه أمير البلد خالد بن محمد الهذلي يتلطف معه ويسأله أن يأتيه بالصحيح ويحدّثهم به في قصره فامتنع البخاري من ذلك وقال: لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس' فحصلت وحشة بينهما فأمره الأمير بالخروج من البلد ويقال إنّ البخاري دعا عليه فلم يأت شهر حتى ورد أمر دار الخلافة بأن ينادى على خالد في البلد فنودي عليه على أتان وحبس إلى أن مات ,ولما خرج من بخارى كتب إليه أهل سمرقند يخطبونه إلى بلدهم فسار إليهم فلما كان بقرية خرتنك ((بفتح المعجمة وإسكان الراء وفتح الفوقانية وسكون النون)) وهي على فرسخين من سمرقند بلغه أنه وقع بينهم بسببه فتنة فقوم يريدون دخوله وقوم يكرهونه' فأقام بها حتى ينجلي الأمر فضجر ليلة ودعا- وقد فرغ من صلاة الليل-اللهم لقد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك فمات في ذلك الشهر سنة ست وخمسين ومائتين وعمره اثنان وستون سنة , فإن قلت كيف استجاز الدعاء بالموت وقد خرّج هو في صحيحه ((لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به)) قلت: نصوا بأن المراد بالضرّ هو الدّنيوي وأمّا إذا نزل به ضرّ ديني فإنّه يجوز تمنيه خوفا من تطرّق الخلل في الدّين ولماّ دفن رحمة الله عليه فاح من تراب قبره رائحة الغالية أطيب من المسك وظهر سوار بيض في السماء مستطيلة حذاء القبر' وكانوا يرفعون التراب منه للبركة حتى ظهرت الحفرة للناس ولم يكن يقدر على حفظ القبر بالحراّس فنصب على القبر خشبات مشبكات فكانوا يأخذون ما حواليه من التراب والحصيات ودام ريح الطيب أياّما كثيرة حتى تواتر عند جميع أهل تلك البلاد وأمثال هذه الكرامات الإلهية لا يستعظم بالنسبة إلى أمثال هؤلاء العباد, رفع الله تعالى ذكره الشريف وقد فعل وجعل له لسان صدق في الآخرين وقد جعل. واعلم أن الحديث موضوعه: هو ذات رسول الله ﷺ من حيث أنه رسول الله وحده: هو علم يعرف به أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله وأحواله. وغايته: الفوز بسعادة الدارين. وان عدد كتب الجامع مائة وشيء وعدد الأبواب ثلاثة آلاف وأربعمائة وخمسون بابا مع اختلاف قليل في نسخ الأصول وعدد الأحاديث المسندة فيه سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا, والمكررات منه قريب النصف فأحاديثه بدون التكرار تقارب أربعة آلاف وعدد مشايخه الذين خرج عنهم فيه مائتان وتسعة وثمانون وعدد من تفرّد بالرواية عنهم دون

стр. 13

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، آمِينَ: بابٌ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَوْلُ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) ــ مسلم مائة وأربعة وثلاثون , وتفرد أيضا بمشايخ لم تقع الرواية عنهم كبقية أصحاب الكتب الخمسة إلا بالواسطة ووقع له اثنان وعشرون حديثا عاليا رفيعا, ثلاثي الإسناد ' أعلى الله درجته ودرجتنا يوم التناد على رؤوس الأشهاد ورزقنا شفاعة من توسلنا إليه بكلامه ' خير خلائقه وأفضل أنامه, وجمعنا عند حضرته الشريفة ﷺ في دار الكرامة, وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. قال أبو عبد الله البخاري-﵁:- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب كيف كان بدء الوحي. قوله: (باب) يجوز فيه وفي نظائره أوجه ثلاثة احدها رفعه مع التنوين والثاني رفعه بلا تنوين على الإضافة وعلى التقديرين هو خبر مبتدأ محذوف أي هذا باب والثالث باب على سبيل التعداد للأبواب بصورة الوقف فلا إعراب له. فأقول: ((وقول الله)) هو مجرور عطفا على محل الجملة التي هي كيف كان بدء الوحي أو هو مرفوع عطفا على لفظ البدء وأجاز القاضي

стр. 14

الرفع على الابتداء وذكر البخاري الآية الكريمة لأن عادته أن يستدل للترجمة بما وقع له من قرآن أو سنة مسندة وغيرها وأراد أن الوحي سنة الله تعالى في أنبيائه. وقال الإمام أبو الحسن علي بن بطال المالكي المغربي: معنى هذه الآية أن الله تعالى أوحى إلى محمد ﷺ كما أوحى إلى سائر الأنبياء وحي رسالة لا وحي إلهام لأن الوحي ينقسم إلى وجوه. وأقول إنما ذكر نوحا ولم يذكر آدم لأنه أول مشروع عند بعض العلماء أو لأنه أول نبي عوقب قومه فخصصه به تهديدا لقوم رسول الله ﷺ ((بدء الوحي)) البدء على وزن محتمل أن يكون مهموزا فهو بمعنى الابتداء أو أن يكون ناقصا فهو بمعنى الظهور والوحي أصله الأعلام في خفاء وقيل الأعلام بسرعة وكل ما دلت به من كلام أو كتابة أو رسالة أو إشارة فهو وحي ومن الرؤيا والإلهام وأوحى ووحي لغتان والأولى أفصح وبها ورد القرآن وقد يطلق ويراد به اسم المفعول منه أي من الموحي وأما بحسب اصطلاح المتشرعة فهو كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه. وقال الإمام أبو عبد الله التيمي: الأصفهاني الوحي أصله التفهيم وكلما فهم به شيء من الإشارة والإلهام والكتب فهو وحي قيل في قوله: تعالى ((فأوحى إليهم إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا)) أي كتب وفي قوله: ((وأوحى ربك إلى النحل)) وأما الوحي بمعنى الإشارة فكما قال الشاعر: يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحى الملاحظ خيفة الرقباء وقال وأعلم أنه لما كان كتابه معقودا على أخبار الرسول ﷺ طلب تصديره بأول شأن الرسالة والوحي ولم يرد أن يقدم عليه الخطبة. فإن قيل ترجمة لبيان بدء الوحي والحديث لبيان كون الأعمال محتاجة إلى النية قلنا. قال: العلماء: البخاري ﵀ أورد هذا الخبر بدلا من الخطبة وأنزله منزلها فكأنه قال بدأت بهذا الكتاب وصدرته بكيفية بدء الوحي وقصدت به التقرب إلى الله تعالى فإن العمال بالنيات. قال وأعلم أنه لو قال كيف كان الوحي وبدؤه لكان أحسن لأنه تعرض لبيان كيفية الوحي لا بيان كيفية بدء الوحي. وكان ينبغي أن لا يقدم عليه بعقب الترجمة غيره ليكون أقرب إلى الحسن وكذا حديث ابن عباس ﵄ كان رسول الله ﷺ أجود الناس لا على بدء الوحي ولا تعرض له غير أنه لم يقصد بهذه الترجمة تحسين العبارة وإنما مقصوده فهم القارئ والسامع إذا قرأ الحديث علم مقصوده من الترجمة فلم يشتغل بها تعويلا على فهم القارئ. أقول ليس قوله: لكان أحسن مسلما لأنا لا نسلم أنه ليس بيانا لكيفية بدء الوحي إذ يعلم بما في الباب أن الوحي كان ابتداؤه على حال المنام ثم في حال الخلوة بغار حراء على الكيفية المذكورة من الغط ونحوه ثم ما فر هو عنه لازم عليه على هذا

стр. 15

١ - حَدَّثنا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثنا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ــ التقريب أيضا إذ البدء عطف على الوحي كما قرره فيصح أن يقال ذلك إيرادا عليه أيضا وليس قوله: كان ينبغي أيضا مسلما إذ هو بمنزلة الخطبة وقصد التقرب كما قال هو بنفسه والسلف كانوا يستحبون افتتاح كلامهم بحديث النية بيانا لإخلاصهم فيه وليس قوله: وكذا حديث ابن العباس مسلما إذ فيه بيان حال الرسول ﷺ ابتداء نزول الوحي أو عند ظهور الوحي والمراد من حال ابتداء الوحي حاله مع كل ما يتعلق بشأنه أي تعلق كان كما في التعلق الذي للحديث الهرقلي وهو أن القصة وقعت في أحوال البعثة ومبادئها أو المراد من الباب بجملته بيان كيفية بدء الوحي لا كل حديث منه فلو علم من مجموع ما في الباب كيفية بدء الوحي من كل حديث شيء مما يتعلق به لصحت الترجمة قوله: (الحميدي) أُشرف الكتاب أولا بنسب رسول الله ﷺ وما يناسب ثم أشرح الباقي بترتيب الكتاب وهو ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن اليأس (١) بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. إلى هنا إجماع الأمة وما بعد مختلف فيه والنضر هو أبو قريش في قول الجمهور وقيل فهر وقيل غيره. وأمه ﷺ آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب المذكور ومناف بفتح الميم وقصي بصيغة التصغير وكلاب بكسر الكاف وباللام الخفيفة ومرة بضم الميم وتشديد الراء ولؤي بالتصغير وغالب بالغين المنقطة وفهر بكسر الفاء وبالراء وبالنضر بالنون المفتوحة وسكون الضاد المعجمة وخزيمة مصغر الخزمة بالمعجمة والزاي ومدركة بصيغة اسم الفاعل ومضر بضم الميم وفتح الضاد المنقوطة ونزار بكسر النون وبالزاي والراء ومعد بفتح الميم. وأما مولده ﷺ فالصحيح من الأخبار أنه عام الفيل وقيل بعده بثلاثين أو أربعين سنة وأنه في يوم الاثنين من ربيع الأول لثنتي عشرة خلت منه وقيل ثمان أو لليلتين أو لعشر. وبعث رسولا إلى الناس كافة بمكة ابن أربعين سنة ثم أقام بعد النبوة بها ثلاث عشر سنة على الأصح ثم هاجر إلى المدينة فأقام عشرا بالاتفاق فالصحيح غي عمره ثلاث وستون سنة وقدم المدينة يوم الاثنين ضحى لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول وابتدأ التاريخ الإسلامي من هجرته ﷺ . قال الحاكم أبو أحمد ولد ﷺ يوم الاثنين وخرج من مكة مهاجرا يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين صلى الله

стр. 16

الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، ﵁، عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ــ عليه وسلم. وأما الرواة فالحميدي بصيغة التصغير وياء النسبة هو أبو بكر الحميدي عبد الله بن الزبير ابن عيسى بن عبيد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد القرشي الأسدي منسوب إلى جده الأعلى وهو رئيس أصحاب سفيان بن عيينة توفي بمكة سنة تسعة عشر ومائتان ٠واما ((سفيان)) فهو بضم السين على المشهور وحكي فتحها وكسرها أيضا وهو أبو محمد بن عيينة بن أبي عمران الهلالي الكوفي سكن مكة ومات بها قال قرأت القرآن وأنا ابن أربع سنين وكتبت الحديث وأنا ابن سبع سنين وروي عن ابن أخيه الحسن بن عمران بن أبي عيينة قال: قال لي سفيان بمزدلفة قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة أقول في كل مرة اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان وقد استحييت من الله من كثرة ما أسأله فتوفي في السنة الداخلة يوم السبت غرة رجب سنة ثمان وتسعين ومائة وروى سفيان الثوري عن يحيى القطان عن ابن عيينة وهذا من الطرف لأنه من رواية الأكابر عن الأصاغر أما ((يحيى)) فهو أبو سعيد بن سعيد بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة الأنصاري تابعي اتفق العلماء على جلالته وحفظه وعدالته قال احمد بن حنبل ﵁ يحيى بن سعيد اثبت الناس توفي سنة أربع أو ثلاث أو ست وأربعين ومائة بالعراق وقيل بالهاشمية مكان والأنصاري نسبة إلى الأنصار الذي هو كالعلم للقبيلتين الأوس والخزرج ولهذا أجاز النسبة إلى لفظ الجمع وسموا أنصارا لأنهم نصروا رسول الله ﷺ قال تعالى ((والذين آووا ونصروا وواحد)) الأنصار نصير كشريف وأشراف وأما ((محمد)) فهو أبو عبد الله بن إبراهيم بن الحارث بن محمد بن خالد بن صخر ابن عامر بن كعب بن سعيد بن تيم بن مرة المدني القرشي التيمي تابعي توفي سنة عشرين أو إحدى وعشرين ومائة وأما ((علقمة)) فهو بفتح العين المهملة ((والوقاص)) بتشديد القاف ((والليثي)) بالياء المثناة من تحت والثاء المثلثة توفي بالمدينة في خلافة عبد الملك وأما ((عمر ﵁) فهو أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بالمثناة التحتانية ابن عبد الله بن قرط بضم القاف وبالطاء المهملة ابن رزاح براء مفتوحة ثم زاي والحاء المهملة بن عدي ابن كعب القرشي العدوي اسلم ﵁ بمكة قديما وشهد مع رسول الله ﷺ بدرا ولمشاهد كلها وهو أول من سمي بأمير المؤمنين من الخلفاء ولى الخلافة عشرة سنين وخمسة

стр. 17

صَلى الله عَلَيهِ وسَلمَ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ ــ أشهر أو ستة أشهر طعنه أبو لؤلؤة المجوسي يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة أو لثلاث سنة ثلاث وعشرين وتوفي في مستهل المحرم لسنة أربع وعشرين وهو ابن ثلاث وستين سنة مثل سن النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ على الصحيح ودفن مع رسول الله صلى الله وعليه وسلم وأبي بكر ﵁ في حجرة عائشة ﵂ صلى عليه صهيب ومناقبه أكثر من أن تحصى وقد ذكر البخاري طرفا منها كما سيجيء بشرحه أن شاء الله تعالى٠واعلم أن البخاري ﵁ على ما في بعض النسخ ذكر الثلاثة الأول من السند بلفظ التحديث والثلاثة الأخر بلفظ السماع والرابع بلفظ الأخبار وعلى ما سيذكره هو عن الحميدي في كتاب العلم لا تفاوت بينها قال ثمة قال الحميدي كان عند أبي عيينة حدثنا واخبرنا وأنبأنا بين المفرد والجمع كما قال في الأخبار بلفظ اخبرني مفردا وفي التحديث بلفظ حدثنا جمعا وقيل بغير ذلك أيضا ٠ثم اعلم أن في هذا الإسناد لطيفة وهوان فيه ثلاثة من التابعين المدنيين يروي يعضهم عن بعض وهم يحيى ومحمد وعلقمة وقد يقع ما هو ألطف منه وهو ما عن أربعة من التابعين قوله: ((على المنبر)) بكسر الميم وهو مشتق من النبر وهو الارتفاع وهو بلفظ الآلة لأنه آلة الارتفاع واللام فيه للعهد يعني به منبر رسول الله ﷺ الذي بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام قوله: ((إنما الأعمال بالنيات)) هذا التركيب مفيد للحصر اتفاقا من المحققين أي لا عمل إلا بالنية فقيل لأن الأعمال جمع محكي باللام مفيد للاستغراق وهو مستلزم للقصر إذ معناه كل عمل بالنية فلا عمل إلا بالنية وإلا فلا يصدق كل عمل بالنية وأما إنما فلا تفيد إلا التأكيد وعليه بعض الأصوليين , وقيل إنما للحصر فقيل إنما إفادته له بالمنطوق وقيل بالمفهوم ووجهه بأن إنّ للإثبات وما للنفي فيجب الجمع بينهما وليس كلاهما متوجهين إلى المذكور ولا إلى غير المذكور بل الإثبات متوجه إلى المذكور والنفي إلى غير المذكور إذ لا قائل بالعكس اتفاقا واعترض عليه بأنه لا يجوز إجماع ما المنفية بان المثبتة لاستلزام اجتماع المتصدرين على صدر واحد ولما يلزم من إثبات النفي لأن النفي هو مدخول الكلمة المحققة فلفظ ما هي ما المؤكدة لا النافية فتفيد الحصر لأنه يفيد التأكيد على التأكيد ومعنى الحصر ذلك وأقول المراد بذلك التوجيه أن إنما كلمة موضوعة للحصر وذلك سر الوضع فيه لأن الكلمتين والحالة هذه باقيتان على أصلهما مرادتان بوضعهما فلا يريد الاعتراض وأما توجيهه بكونه تأكيدا على تأكيد

стр. 18

كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ , يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ. ــ فهو من باب إيهام العكس إذ لما رأى الحصر فيه تأكيد على تأكيد ظن أن كل ما فيه تأكيد على تأكيد حصر وليس كذلك وإلا لكان والله إن زيدا لقائم للحصر وهو باطل. قوله: ((بالنيات)) هو جمع النية وهو القصد إلى الفعل. قال الشيخ أبو سليمان الخطابي: معنى النية قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له وقيل هي عزيمة القلب التيمي: النية ههنا وجهة القلب. القاضي البيضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالا, أو مآلا. والشرع خصصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله تعالى وامتثالا لحكمه والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه لما بعده تقسيمه إلى من كانت هجرته إلى كذا وكذا فغنه تفصيل لما أجمله واستنباط للمقصود عما أصله وقال والحديث متروك الظاهر لأن الذوات غير منتفية والمراد به نفي أحكامها كالصحة والفضيلة والحمل على نفي الصحة أولى لأنه أشبه بنفي الشيء نفسه ولأنّ اللفظ يدل بالتصريح على نفي الذات وبالتبع على نفي جميع الصفات فلما منع الدليل دلالته على نفي الذات بقي دلالته على نفي جميع الصفات. قال النووي: النية القصد وهو عزيمة القلب أقول ليس هو عزيمة القلب لما قال المتكلمون القصد إلى الفعل هو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد العزم قد يتقدم عليه ويقبل الشدة والضعف بخلاف القصد ففرقوا بينهما من جهتين فلا يصح تفسيره به وكلام الخطابي أيضا يشعر بالمغايرة بينهما. فإن قلت النيات جمع قلة كالأعمال وهي للعشرة فما دونها لكن المعنى أن كل عمل إنما هو بنية سواء كان قليلا أو كثيرا. قلت الفرق بالقلة والكثرة إنما هو في النكرات لا في المعارف. قوله: ((لكل امرئ ما نوى)) الامرؤ الرجل وفيه لغتان امرئ نحو زبرج ومرء نحو فلس ولا جمع له من لفظه وهو من الغرائب لأن عين فعله تابع للام في الحركات لثلاث دائما وكذا في مؤنثه أيضا لغتان امرأة ومرآة وفي هذا الحديث استعمل اللغة الأولى منهما من كلا النوعين إذ قال ((لكل امرئ وإلى امرأة)) قوله: ((هجرته)) الهجرة الترك وههنا أراد ترك الوطن ومفارقة الأهل وسمى الذين تركوا مكة وتحولوا إلى المدينة من الصحابة بالمهاجرين لذلك قوله: ((إلى دنيا)) لفظة دنيا مقصورة غير منونة لأنها فعل من الدنو وموصوفها محذوف أي الحياة الدنيا قال الشيخ ابن مالك في كتاب الشواهد في استعمال دنيا منكرا إشكال لأنها افعل التفضيل فكان حقها أن تستعمل باللاء كالكبرى والحسنى إلا أنها خلعت عنها الوصفية رأسا وأجريت مجرى ما لم يكن وصفا ونحوه قول الشاعر:

стр. 19

وإن دعوت إلى جلى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا فإن الجلى مؤنث الأجل فخلعت عنها الوصفية وجعلت اسما للحادثة العظيمة. أقول والدليل على جعلها اسما قلب الواو ياء لأنه لا يجوز القلب إلا في الفعلى الاسمية. التيمي: الدنيا مؤنث الأدنى لا ينصرف مثل حبلى لاجتماع أمرين فيها احدهما الوصفية والثاني لزوم التأنيث. أقول ليس ذلك لاجتماع أمرين فيها إذ لا وصفية ههنا بل لامتناع صرفه للزوم التأنيث للألف المقصورة وهو قائم مقام العلتين فهو سهو منه. قوله: ((إلى دنيا)) هو إما متعلق بالهجرة إن كان لفظ كانت تامة أو خبر لكانت إن كانت ناقصة. فإن قلت لفظ كانت إن كان باقيا في المضي فلم يعلم أن الحكم بعد صدور الكلام من الرسول أيضا لذلك أم لا وان نقل العكس فيها بسبب تضمين من لحرف الشرط إلى معنى الاستقبال ففي الجملة الحكم إما للماضي وإما للمستقبل, قلت جاز أن يراد به أصل الكون أي الوجود مطلقا من غير تقييد بزمان من الأزمنة الثلاثة أو يقاس أحد الزمانين على الآخر أو يعلم من الإجماع أن حكم المكلفين على السواء لا لعارض. قوله: ((إلى ما هاجر إليه) إما أن يكون متعلقا بالهجرة والخبر محذوف أي هجرته إلى ما هاجر إليه غير صحيحة أو غير مقبولة وإما أن يكون خبر فهجرته والجملة خبر المبتدأ الذي هو من كانت وادخل الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط. فإن قلت المبتدأ والخبر بحسب المفهوم متحدان فما الفائدة في الإخبار. قلت لا اتحاد إذ الخبر محذوف وهو فلا ثواب له عند الله والمذكور مستلزم له دال عليه أو فهي هجرة قبيحة خسيسة لأنه الخبر وكذا الشرط والجزاء إذا اتحدا صورة يعلم منه التعظيم نحو أنا أنا وشعري شعري ومن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله أو التحقير نحو فهجرته إلى ما هاجر إليه ثم لا يخفى أن إنما الأعمال بالنيات لقصر المسند إليه على المسند وإنما لكل امرئ ما نوى قصر المسند على المسند إليه إذ المراد إنما لعمل كل امرئ ما نوى إذ القصر بإنما لا يكون إلا في الجزء الآخر وإذا قلنا تقديم الخبر على المبتدأ يفيد القصر ففي إنما لكل امرئ ما نوى نوعان من الحصر. واعلم انه تقرر في الأصول أن الجمع إذا ذكر في مقابلة الجمع يفيد التوزيع فمعناه كل عمل إنما هو بنية. فإن قلت النية عمل لأنه من أعمال القلب فإن احتاج كل عمل إلى نية فالنية أيضا تحتاج إلى نية وهلم جرا. قلت المراد بالعمل عمل الجوارح نحو الصلاة والزكاة فإذ ذاك خارج عنه بقرينة العقل دفعا للتسلل. فإن قلت المتروك أيضا عمل لأن الأصح أن الترك كف النفس فيحتاج إلى النية. قلت نعم إذا كان المقصود منه امتثال أمر الشارع وتحصيل الثواب أما في إسقاط العقاب فلا فالتارك للزنا يحتاج فيه لتحصيل الثواب إلى النية وما اشتهر أن المتروك لا يحتاج إليها يريدون به في الإسقاط وههنا بعدما ذكرنا من اللغة والإعراب والبيان والأصول والفقه يستفاد منه مسالة أخرى أصولية وهي أنه لا يجوز تكليف الغافل فإن الفعل

стр. 20

امتثالا يعتمد العلم ولا يكفي مجرد الفعل فإن قلت فما قولك في إيجاب معرفة الله تعالى للغافل عنه قلت لا مدخل له في المبحث لان المراد تكليف الغافل عن تصور التكليف لا عن التصديق بالتكليف ولهذا كان الكفار مكلفين لأنهم تصوروا التكليف لما قيل لهم إنهم مكلفون وإنما كانوا غافلين عن التصديق الخطابي. صدر أبو عبد الله البخاري كتابه بحديث النية وهو حديث كان المتقدمون من شيوخنا يستحبون تقديمه أمام كل شيء ينشأ ويبتدأ من أمور الدين لعموم الحاجة إليها في جميع أنواعها ووقع في روايتنا وجميع نسخ أصحابنا مخروما قد ذهب شطره وهو قوله: ((فمن كانت هجرته إلى الله وإلى ورسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله)) ولست ادري كيف وقع هذا الإغفال ومن جهة من عرض من روايته وقد ذكره البخاري في هذا الكتاب في غير موضع من غير طريق الحميدي فجاء به مستوفى مذكورا بشطريه ولا شك في أنه لم يقع من جهة الحميدي فقد رواه لنا الأثبات من طريقه تاما غير ناقص قال وقوله: ((إنما الأعمال بالنية)) لم يرد به أعيان الأعمال لأنها حاصلة حسا وعيانا بغير نية وإنما معناه أن صحة أحكام الأعمال في حق الدين إنما يقع بالنية وان النية هي الفاصلة بين ما يصح وما لا يصح وكلمة إنما عاملة بركنيها إيجابا ونفيا فهي تثبت الشيء وتنفي ما عداه فدلالتها أن العبادة إذا صحبتها النية صحت وإذا لم تصحبها لم تصح. أقول علم من تقريره أن الباء للمصاحبة وإنها متعلقة بيقع صحيحا أي بيصح قال ومقتضى حق العموم فيها يوجب أن لا يصح عمل من الأعمال الدينية أقوالها وأفعالها فرضها ونفلها قليلها وكثيرها إلا نية ودخل فيها التوحيد الذي هو رأس أعمال الدين فلا يصح إلا بقصد الإخلاص فيه أقول ليس قوله: ودخل فيها التوحيد مسلما لأن التوحيد من الاعتقادات لا من العمليات اللهم إلا أن يراد بالتوحيد قول كلمة الشهادة وبالعمل ما يتناول عمل اللسان وقال قوله: ((لكل امرئ ما نوى)) تفصيل لبيان ما تقدم وفيه معنى خاص لا يستفاد من إنما لا أعمال بالنيات وهو إيجاب تعيين النية للعمل الذي يباشره فلو نوى أن يصلي ركعتين يكونان عن فرضه أن فاته وإلا فهي تطوع لم تجزه عن فرضه لأنه لم يمحض النية له وإنما داول في النية بين الفرض وبدله فلم تجد النية قرارا وأما مواضع النية فمنها ما يجب مقارنتها للعمل كنية الصلاة ومنها ما يجوز تقديمها عليه كالصيام وقد يقع في بعض الأحوال على إبهام ثم يقع التعيين فيما بعد كمن عليه كفارتان من قتل وظهار فأعتق رقبة ونوى بعده لأحدهما وعلى كل حال فلا ينفك عمل من العبادات عن نيتها وإنما جاز التقديم والتأخير لأسباب ليس هذا موضع ذكرها وقد يستدل من هذا الحديث في مواضع من المعاملات وما يتصل بهما كمن أكره على الكفر فتكلم به وهو ينوي خلافه فإنه لا يكفر وككنايات الطلاق فإنه لو لم ينو الطلاق لم يقع وزعم قوم أن الاستدلال به في غير العبادات غير صحيح لأن الحديث إنما جاء في اختلاف مصارف وجود العبادات لكن عوام الفقهاء ينظرون إلى اتساع اللفظ واحتمال الاسم

стр. 21

لما يصلح صرفه إليه من المعاني ولا يراعون الأسباب التي يخرج عليها الكلام ولا يقصرونه عليها. وأقول حاصله أن العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال وقوله: ((فمن كانت هجرته)) إلى آخره معناه أن قصد بالهجرة القربة إلى الله فهجرته مقبولة إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا فهي حظه ولا حظ له في الآخرة وقالوا إنما جاء هذا الحديث في رجل كان يخطب امرأة بمكة فهاجرت إلى المدينة فتبعها الرجل رغبة في نكاحها فسمي مهاجر أن قيس. التيمي: إن قيل قد روى البخاري هذا الحديث في مواضع من كتابه فلم قدم هذا الطريق وصدر به كتابه قلنا لروايته إياه عن الإمام الكبير المقدم الحميدي عن سفيان ومعناه أن العمل إنما يكمل عملا ويرجى فيه القبول إذا وجهت قلبك وقصدت به التقرب إلى الله. وأقول وحاصله أن التقرير إنما الأعمال تكمل بالنيات أو تقبل بالنيات والباء للاستعانة قال والنية أبلغ من العمل ولهذا تقبل النية بغير عمل فإذا نوى حسنة فإنه يجزى عليها ولو عمل حسنة بغير نية لا يجزى عليها. فإن قيل فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال ((من همّ بحسنة ولم يعملها كتبت له واحدة ومن عملها كتبت له عشرا)) وروي أيضا أنه قال ((نية المؤمن خير من عمله)) فالنية في الحديث الأول دون العمل وفي الثاني فوق العمل وخيرٌ منه. قلنا أما الحديث الأول فلأن الهام بالحسنة إذا لم يعملها خلاف العمل لأنّ الهام لم يعمل والعامل لم يعمل حتى هم ثم عمل وأما الثاني فلأن تخليد الله تعالى العبد في الجنة ليس لعمله وإنما هو لنيته لأنه لو كان لعمله لكان خلوده فيها بقدر مدّة عمله أو أضعافه إلا أنه جازاه بنيته لأنه كان ناويا أن يطيع الله تعالى أبدا لو بقي أبدا فلما اخترمته منيته دون نيته جزاه الله عليها وكذلك الكافر لأنه لو كان مجازى بعمله لم يستحق التخليد في النار إلا بقدر مدة كفره غير أنه نوى أن يقيم على كفره أبدا لو بقي فجازاه الله على نيته. وأقول يحتمل أن يقال إن المراد منه أن النية خير من العمل بلا نية إذ لو كان المراد خير من عمل مع نية يلزم أن يكون الشيء خيرا من نفسه مع غيره أو أن النية خير من جملة الخيرات والواقعة بعمله أو أن النية فعل القلب وفعل الأشرف أشرف أو أن المقصود من الطاعات تنوير القلوب وتنوير القلب بها أكثر لأنها صفته أو نية المؤمن خير من عمل الكافر لما قيل ورد ذلك حين نوى مسلم بناء قنطرة فسبق كافر إليه. فغن قيل قلت هذا في الحسنة فما حكمه في السيئة. قلت المشهور أنه لا يعاقب عليها بمجرد النية واستدلوا عليها بقوله: تعالى ((لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)) فإن اللام للخير فجاء فيها بالكسب الذي لا يحتاج إلى تصرف بخلاف عليها فإنها لما كانت للشر جاء فيها بالاكتساب الذي لا بد فيه من التصرف والمعالجة ولكن الحق أن السيئة يعاقب عليها أيضا بمجرد النية لكن على النية لا على الفعل حتى لم همّ أحد على

стр. 22

ترك صلاة بعد عشرين سنة يأثم في الحال لانّ العزم من أحكام الإيمان ويعاقب على العزم لا على ترك الصلاة والفرق بين الحسنة والسيئة أنّ بنية الحسنة يثاب الناوي على الحسنة وبنية السيئة لا يعاقب عليها بل على نيتها. فإن قلت من جاء بنية الحسنة فقد جاء بالحسنة ومن جاء بالحسنة ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فيلزم أنّ من جاء بنية الحسنة فله عشر أمثالها فلا يبقى فرق بين الحسنة ونفس الحسنة. قلنا لا نسلم أن من جاء بنية الحسنة فقد جاء بالحسنة بل يثاب على نية الحسنة فظهر الفرق. النووي: وقع الحديث هنا ثم في الإيمان مختصر وهو طويل مشهور ذكره البخاري في سبعة مواضع من كتابه فذكر ههنا ثم في الإيمان وفي النكاح والعتق والهجرة وترك الحيل والنذور وروى في الصحيح إنما الأعمال بالنيات وإنما الأعمال بالنية والأعمال بالنيّة والعمل بالنية قال واعلم أن مدار هذا الحديث على يحي ابن سعيد الأنصاري. قال الحفاظ لا تصح روايته عن النبيّ ﷺ إلا من جهة عمر ولا من جهة عمر ﵁ إلا من جهة علقمة ولا عن علقمة إلا من محمد بن إبراهيم ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من يحي بن سعيد وعن يحي انتشر فرواه عنه أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة فهو حديث مشهور بالنسبة إلى آخره غريب بالنسبة إلى أوله وليس متواترا لعقد شرط التواتر في أوله ولكنه مجمع على صحته وعظم موقعه وجلالته وكثرة فوائده وهو أول الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. قال الإمامان الشافعي وأحمد ﵄: يدخل فيه ثلث العلم. قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي: لان كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه والنية أحد الأقسام الثلاثة وهي أرجحها لأنها تكون عبادة بانفرادها بخلاف القسمين الآخرين ولذلك كانت نية المؤمن خيرا من عمله لان القول والعمل يدخلهما الفساد بالرياء بخلاف النية. قال النووي في شرح مسلم تقدير الحديث أنّ الأعمال تحسب إذا كانت بنية ولا تحسب إذا كانت بلا نية. أقول وهذا وجه ثالث لتعلق لفظ بالنيات قال وفيه دليل على أن الطهارة وسائر العبادات لا تصح إلا بنية وأما إزالة النجاسة فالمشهور عندنا أنها لا تفتقر إليها لأنها من باب المتروك والمتروك لا يحتاج إلى نية وشذّ بعض أصحابها فأوجبها وهو باطل. أقول ليس بباطل بل هو الحق أما أولا فلان الترك أيضا فعل وهو كف النفس وثانيا بأن التروك إن أريد بها تحصيل الثواب وامتثال أمر الشارع لا بد فيها من قصد الترك امتثالا لأمر الشارع فتارك الزنا مثلا إن قصد تركه لامتثال الأمر يحسب ويثاب وإلا فلا. نعم في إسقاط العقاب لا حاجة إلى النية قال وقوله: ((لكل امرئ ما نوى)) فائدته بيانا أن تعيين المنوي شرط فلا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة بل يشترط كونها ظهرا ولولاه تصح النية بلا تعيين أو أوهم ذلك وذكره المرآة مع الدنيا يحتمل وجهين أحدهما أنه جاء أن سبب هذا الحديث أن رجلا هاجر ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس فقيل

стр. 23

له مهاجر أم قيس والثاني أنه للتنبيه على زيادة التحذير من ذلك وهو من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيها على مرتبته وأقول ليدل أن النساء أعظمها ضررا وأكثرها تبعة, قال الطيبي كل الأعمال والنيات جمع محلى باللام الاستغراقية فأما أن يحملا على عرف اللغة فيكون الاستغراق حقيقيا أو على عرف الشرع وحينئذ إما أن يراد بالأعمال الواجبات والمندوبات والمباحات وبالنيات الإخلاص والرياء وان يراد بالأعمال الواجبات ومالا يصح إلا بالنية كالصلاة ولا سبيل إلى اللغوي لأنه ما بعث إلا لبيان الشرع فكيف يتحدّى بما لا جدوى له فيه فحينئذ يحمل إنما الأعمال بالنيات على ما اتفقت عليه أصحابنا أي ما الأعمال محسوبة بشيء من الأشياء كالشروع فيها والتلبس بها إلا النيات وماخلا عنها لم يعتدّ بها فإن قيل لم خصصت متعلقي الخبر والظاهر العموم كمستقر أو حاصل فالجواب أنه حينئذ يكون بيانا للغة لا إثباتا لحكم الشرع وقد سبق بطلانه ويحمل وإنما لكل امرئ ما نوى على ما تثمره النيات من القبول والرد والثواب والعقاب ففهم من الأول أن الأعمال لا تكون محسوبة ومسقطة للقضاء إلا إذا كانت مقرونة بالنيات ومن الثاني أن النيات إنما تكون مقبولة إذا كانت مقرونة بالإخلاص فالأول قصر المسند إليه في المسند والثاني عكسه ويقرب منها الصلاة في الأرض المغصوبة فإنها محسوبة ومسقطة للقضاء لكن إيقاعها فيها حرام يستحق العقاب وتحريره أنّ ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) دلّ على أنّ الأعمال تحسب بحسب النيّة إن كانت خالصة لله فهي لله وإن كانت للدنيا فهي لها وإن كانت لنظر الخلق فكذلك وعلى هذا المعنى ينبغي أن يحمل ما بعد الفاء التفصيلية لأنه لن يكون المفصل خلاف المجمل وكذا عكسه فإن المعنى بالهجرة هي الهجرة المعروفة في عهد النبيّ ﷺ بقوله: لا هجرة بعد الفتح ومعلوم أن هذه الهجرة لا تقتضي إلا الإخلاص لأنّ الهجرة إلى الدنيا لا تقتضي النية التي في الطهارة مثلا وأقول حاصله مبني على ثبوت المغايرة بين النية بمعنى الإخلاص والنية بمعنى القصد وهو غير مسلم ولئن سلمنا ذلك لا نسلم أن الهجرة لا تقتضي النية التي في الطهارة مثلا إذ لا بد للمهاجر أن يقصد الهجرة حتى يثاب ويكون ممتثلا لأمر الشارع كما لا نسلم وإلى رسوله في الشرط والجزاء تعظيم لمعنى تلك الهجرة وتفخيم لشأنها أي هي الهجرة الكاملة وما سواها ليست بهجرة ولهذا السر غير العبارة في متعلق الجزاء الثاني بلفظة ما حطاّ لمنزلتها, وأقول وإنما أورد البخاري هذا الحديث قبل الشروع في أبواب الكتاب وقد وافق ما ثبت في علم الكلام أن أول ما يجب على المكلف هو القصد إلى النظر في معرفة الله تعالى إعلاما بأن هذا المصنف منوي فيه الإخلاص لله تعالى مجنب عن الأغراض الدنيئة والرياء ولما صحح فيه النيّة وصفى فيه الطوية جعل الله تعالى كتابه علما من أعلام

стр. 24

٢ - حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخبَرَنا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ ــ الإسلام رفع الله درجته في دار السلام ونحن اقتفينا أثره وتلونا تلوه نرجو من فضل الله تعالى وكرمه أن يتقبل منا ويجعله سببا للنجاة ورفعة الدرجات يوم الدين في أعلى عليين فإنه جواد كريم رءوف رحيم قال البخاري ﵁ ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) أقول هو أبو عبد الله التنيسي بالتاء المثناة الفوقانية قم النون المكسورة الشديدة ثم الياء المثناة التحتانية والسين المهملة أصلاه من دمشق قال البخاري في تاريخه لقيته بمصر وقيل مات سنة سبع أو ثمان عشرة ومائتين وفي يوسف ستة أوجه: ضم السين وفتحها وكسرها مع الهمز وتركها قوله:: (مالك) هو إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك ابن أنس بن مالك بن انس بن أبي عامر الأصبحي المدني مناقبه أكثر من أن تعدّ وفضائله أظهر من أن تحد روى الترمذي بإسناده عن رسول الله ﷺ يوشك أن يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة وحمل سفيان بن عيينة وغيره هذا الحديث على مالك وقالوا هو العالم المذكور وهو جدير به كما قالوا , وقال البخاري أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر, وقال وهيب مابين المشرق والمغرب رجل آمن على حديث رسول الله ﷺ من مالك وأعلم أنه أحد الأئمة الستة أصحاب المذاهب المتبوعة في الأمصار وهم: هو وأبو حنيفة والشافعي واحمد وسفيان الثوري وداود الأصبهاني الظاهري وقد جمعهم الإمام أبو الفضل يحي الحصكفي الخطيب الشافعي فقال: وإن شئت أركان الشريعة فاستمع ... لتعرفهم واحفظ إذا كنت سامعا محمد والنعمان مالك أحمد ... وسفيان واذكر بعد داود ... تابعا ولد في خلافة سليمان بن عبد الملك وحمل ثلاث سنين يعني بقي في البطن هذه المدة ومات سنة تسع وسبعين ومائة بالمدينة ودفن بالبقيع ﵁ , قوله: ((عن هشام)) هو ابن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي القرشي الأسدي أبو المنذر وهو بكسر الهاء والشين المخففة وهو تابعي ولد سنة إحدى وستين وتوفي ببغداد زمن المنصور سنة ست وأربعين ومائة وأبوه هو عروة بضمّ العين المهملة التابعي الجليل المجمع على جلالته وإمامته وكثرة علمه وبراعته وهو أحد فقهاء المدينة السبعة وهم سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ' والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق وسليمان بن يسار وخارجة بالخاء المعجمة والراء ثم الجيم ابن زيد بن ثابت وفي السابع أقوال هل هو أبو سلمة بن سالم أم أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام وقد جمعهم الشاعر على هذا القول الأخير فقال:

стр. 25

عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، ﵂، أَنَّ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، ﵁، سَأَلَ ــ فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه وأم عروة أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة ﵃ وقال سفيان بن عيينة أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة القاسم بن محمد وعروة وعمرة ولد سنة عشرين وتوفي سنة سبع أو أربع وتسعين قوله: ((عن عائشة)) هي الصدّيقة بنت أب بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرّة القرشية التيمية كنيتها أم عبد الله كناها رسول الله قلى الله عليه وسلم بابن أختها أسماء عبد الله بن الزبير وقيل بسقط لها تزوجها رسول الله ﷺ بمكّة قبل الهجرة وهي بنت ست سنين وبنى بها بالمدينة بعد منصرفه من بدر في شوال سنة اثنتين وقيل بعد سبعة أشهر من الهجرة وهي بنت تسع سنين والأحاديث الصحيحة في فضلها كثيرة وهي أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله ﷺ روى لها عن رسول الله ﷺ ألف ومائتا حديث وعشرة أحاديث ذكر البخاري منها في كتابه مائتين وثمانية وعشرين حديثا ومما أجتمع لها من الفضائل أنها زوج رسول الله ﷺ وبنت خليفته ﵁ وتوفي رسول الله ﷺ في بيتها ورأسه في صدرها وجمع الله بين ريقه وريقها ودفن في بيتها وكان ينزل عليه الوحي وهو في فراشها بخلاف غيرها ونزلت براءتها من السماء وخلقت طيبة ووعدت مغفرة ورزقا كريما ولم يتزوج النبي ﷺ بكرا غيرها وقال عروة كانت عائشة أعلم الناس بالقرآن وبالحديث وبالشعر وقال أبو موسى الأشعري ما أشكل على أصحاب رسول الله ﷺ شيء فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما وقال القاسم بن محمد اشتغلت عائشة بالفتوى زمن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان فمن بعدهم ﵃ , توفيت بالمدينة ودفنت بالبقيع سنة ثمان وخمسين وصلى عليها أبو هريرة قوله: ((أم المؤمنين)) هو مقتبس من قوله: تعالى ((وأزواجه أمهاتهم)) قال العلماء أزواج النبي ﷺ أمهاتهم في وجوب احترامهن وتحريم نكاحهن لا في جواز الخلوة والنظر وتحريم نكاح بناتهن وهل يقال لإخوتهن أخوال المؤمنين ولأخواتهن خالاتهن ولبناتهن أخواتهم فيه خلاف ولا يقال لآبائهن وأمهاتهن أجداد المؤمنين وجداتهم وهل يقال إنهن أمهات المؤمنات مبني على الخلاف المعروف في أصول الفقه أن النساء لا يدخلن في خطاب الرجال وعن عائشة ﵂ أنها قالت أنا أم رجالكم لا أم نسائكم وهل يقال للنبي ﷺ أبو المؤمنين الأصح الجواز ومعنى قوله: ((ماكان محمد أبا أحد

стр. 26

رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يَاتِيكَ الوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ ــ من رجالكم)) أي لصلبه والله أعلم وأما إسناده في الأول حدثنا عبد الله والثاني أخبرنا مالك والبواقي بلفظة ((عن)) المسماة بالعنعنة واختلف في المعنعن فقال بعض العلماء هو مرسل والصحيح الذي عليه الجماهير انه متصل إذا أمكن لقاء الراوي المروي عنه , النووي شرح مسلم: ادعى مسلم إجماع العلماء على أن المعنعن وهو الذي فيه فلان عن فلان محمول على الاتصال والسماع إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضا يعني براءتهم من التدليس ونقل أي مسلم عن بعض أهل عصره أنه قال لا يحمل على الاتصال حتى يثبت أنهما التقيا في عمرهما مرة أو أكثر ولا يكفي إمكان تلاقيهما وقال وهذا قول ساقط واحتج عليه بأن المعنعن محمول على الاتصال إذا ثبت التلاقي مع احتمال الإرسال فكذا إذا أمكن التلاقي قال النووي: والذي رده هو المختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا الفن البخاري وغيره وقد زاد جماعة عليه فاشترط القابسي أن يكون قد أدركه إدراكا بينا وأبو المظفر السمعاني طول الصحبة بينهما ودليل المذهب المختار الذي ذهب إليه البخاري وموافقوه أن المعنعن عند ثبوت التلاقي إنما حمل على الاتصال لأن الظاهر ممن ليس بمدلس أنه لا يطلق ذلك إلا على السماع ثم الاستقراء يدل عليه فإن عادتهم أنهم لا يطلقون ذلك إلا فيما يسمعونه إلا المدلس فإذا ثبت التلاقي عليه غلب على الظن الاتصال والباب مبني على غلبة الظن فاكتفينا به وليس هذا المعنى موجودا فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبت فإنه لا يغلب على الظن الاتصال. وأقول وهذا من جملة مرجحات صحيح البخاري على صحيح مسلم حيث لم يحمل البخاري الحديث على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما. وقوله: آخرا قالت عائشة يحتمل أن يكون داخلا تحت هذا الإسناد سيما إذا جوزنا العطف بدون حرف العطف طاهرا كما هو مذهب بعض النحاة صرح ابن مالك بالشواهد به ويحتمل أن لا يكون داخلا تحته بل كان ثابتا بإسناد آخر والبخاري إنما ذكره ههنا على سبيل التعليق تأييدا لأمر الشدة وتأكيدا له لما هو عادته في تراجم الأبواب حيث يذكر ما وقع له من قرآن أو سنة مساعدا لها, قوله: ((والحارث بن هشام)) هو أخو أبي جهل عدو الله تعالى وقد يكتب الحارث بدون ألف تخفيفا وهشام بكسر الهاء وبالشين الخفيفة مات في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة من الهجرة, قوله: ((كيف يأتيك الوحي)) إسناد الإتيان إلى الوحي من باب المجاز ومثله تارة يسمى بالمجاز العقلي والمجاز في الإسناد وأصله كيف يأتيك حامل الوحي للملابسة التي بين الحامل والمحمول وتارة يسمى بالاستعارة بالكناية أي شبه الوحي برجل مثلا وأضيف إلى المشبه الإتيان الذي هو من خواص

стр. 27

اللهِ ﷺ : أَحْيَانًا يَاتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي، فَأَعِي مَا يَقُولُ. قَالَتْ عَائِشَةُ، ﵂: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ، عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ ــ التشبيه ثم لعل المراد منه السؤال عن كيفية ابتداء الوحي أو عن كيفية ظهور الوحي لتوافق ترجمة الباب ,قوله: ((أحيانا)) جمع حين وهو الوقت يطلق على الكثير والقليل حتى على لحظة وانتصب على الظرف وعامله يأتيني مؤخرا عنه قوله: ((مثل صلصلة)) الصلصلة بفتح الصادين صوت كل شيء مصوت كصوت السلسلة وقيل هو الصوت المتدارك ومثل هو حال أي يأتيني مشابها صوته صلصلة الجرس والجرس بفتح الراء شبه ناقوس صغير أو سطل في داخله قطعة نحاس يعلق منكوسا على البعير فإذا تحرك تحركت النحاسة فأصابت السطل فتحصل صلصلة والعامة تقول جرص بالصاد وليس في كلام العرب كلمة اجتمعت فيها الصاد والجيم إلا الصمج وهو القنديل وأما الجص فمعرب قوله: ((فيفصم)) فيه ثلاث روايات فتح الياء وكسر الصاد وضم الياء وفتح الصاد من الفصم وهو القطع قال تعالى ((لا انفصام لها)) أي لا انقطاع لها, ويقال الفصم الصدع أو الشق من غير إبانة فمعناه حينئذ فيفارقني على أنه يعود والقصم بالقاف الكسر مع الإبانة وأقول هذا معنى يدعيه الاشتقاقيون من مناسبة المعنى للفظ الموضوع له إذ لما كان القاف من الحروف الرخوية والرواية الثالثة ضم الياء وكسر الصاد من أفصم المطر إذا أقلع والمراد من القطع أي قطع الوحي أي مفارقة الملك مثلا وغما قطع الشدة أي ينجلي عني ما يتغشاني من الكرب والشدة ويحتمل أن يكون مفعول ما لم يسم فاعله لفظة عني فيكون من تتمة الشدة أي هو أشده علي بحيث ينقطع من بدني شيء, قوله: ((وعيت)) أي حفظت وجمعت ((يتمثل)) مشتق من المثال أي يتصور وهو أن يكلف أن يكون مثلا لشيء وشبيها له, و (الملك) اللام فيه للعهد أي جبرئيل ﵇ ورجلا منصوب إما بالمصدرية أي يتمثل تمثل رجل وإما بالمفعولية أن ضمن تمثل معنى اتخذ أي اتخذ الملك رجلا مثالا وغما بالحالية, فإن قلت الحال لابد أن يكون دالا على الهيئة والرجل ليس بهيئة قلت: معناه على هيئة رجل فإن قلت ليس التمثيل في حال هيئة الرجل ومن شرط الحال أن يكون حالا عند صدور الفعل قلت يكون حالا مقدرة وذلك كثير وإما بالتمييز ((فأعي)) أي أحفظ ((والجبين)) طرف

стр. 28

فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. ٣ - حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثنا اللَّيْثُ ــ الجبهة وللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة و ((يتفصد)) أي يسيل والتفصد السيلان والفصد قطع العرق لإسالة الدم وشبه جبينه بالعرق المفصود مبالغة في كثرة العرق كما أن باب التفعل يدل عليها وكذا ذكر التمييز وهو عرقا لأنه توضيح بعد إبهام وتفصيل بعد إجمال وكذا قولها في اليوم الشديد كما أن فيه دلالة على كثرة معاناة التعب والكرب عند نزول الوحي قوله: ((وهو أشده)) يعلم منه لأنه أفعل التفضيل أن الوحي كان إذا ورد عليه ﷺ أصابته مشقة وشدة ويغشاه كرب لثقل ما يلقى عليه قال تعالى ((إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا)) لكن النوع الأول أشد عليه من النوع الثاني وذلك لأن الفهم من كلام مثل صلصلة الجرس أشكل من الفهم من كلام الرجل المتكلم على الطريقة المعهودة عند التخاطب أو لأن سنة الله لما جرت من أنه لا بد من مناسبة بين القائل والسامع حتى يصح بينهما التحاور والتعليم والتعلم فتلك المناسبة إما باتصاف السامع بوصف القائل لغلبة الروحانية عليه وهو النوع الأول أو باتصاف القائل بوصف السامع وهم النوع الثاني والدليل عليه تمثله رجلا كما أن الدليل على الأول كونه قسيما له ثم لا شك أن الأول أشد وقد تبين وجه الحصر فيهما من هذا التقدير ويمكن أيضا أن يقال لا يخلو إما أن يرى القائل متمثلا بشرا سويا أو لا أولا يخلو من أن يكون المقول كلاما ظاهرا مفهوما بلا زيادة مشقة أم لا. فإن قلت ههنا نوع آخر من وهو الرؤيا الصالحة. قلت المقصود من السؤال كان طلب بيان ما يختص به ويخفى ولا يعرف والرؤية معروفة فلا دخل لها فيه أو كان ظهور ذلك على النبي ﷺ في المنام أيضا إما بصلصلة الجرس وإمّا بتمثل الملك أو كان السؤال عن كيفية الوحي حال اليقظة أو كان عند السؤال نزول الوحي على هذين الوجهين إذ الوحي على سبيل الرؤيا إنما هو في أول البعثة لأن أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا ثمّ حبب إليه الخلاء كما روي في الحديث إلى آخره وقيل ذلك في ستة أشهر فقط وأن الوجود بعد إرسال الملك منغمر في الوحي فلم يحسب. قوله:: ((يتمثل)) فيه أن الملك جاز له أن يتشكل بشكل البشر قال المتكلمون الملائكة أجسام علوية لطيفة تتشكل بأي شكل شاءوا. فإن قلت السؤال عن كيفية إتيان الوحي والجواب على النوع الثاني عن كيفية الحامل للوحي. قلت: لا نسلم أن السؤال عن كيفية إتيان الوحي بل عن كيفية حامله ولئن سلمنا فبيان كيفية الحامل مشعر بكيفية الوحي حيث قال: فيكلمني أي تارة يكون كالصلصلة وتارة يكون كلاما صريحا ظاهر الفهم والدلالة. فإن قلت فلم قال في الأول وعيت ما قال بلفظ الماضي

стр. 29

وفي الثاني بلفظ المضارع قلت لأن الوعي في الأول حصل قبل الصم ولا يتصور بعده وفي الثاني الوحي حالة المكالمة ولا يتصور قبلها أو لأنه كان الوعي في الأول عند غلبة التلبس بالصفات الملكية فإذا عاد إلى حالته الجبلية كان حافظا فأخبر عن الماضي بخلاف الثاني فإنه على حالته المعهودة أو تقول لفظة قد تقرب الماضي من الحل وأعي فعل مضارع للحال فهذا لما كان صريحا يحفظه في الحال وذاك يقرب من أن يحفظه إذ يحتاج فيه إلى استثبات والله أعلم. الخطابي فيفصم عني أي ينجلي ما يتغشاني من الكرب والشدة والمعنى أن الوحي كان إذا ورد عليه ﷺ تغشاه كرب وذلك لشدّة ما يلقى عليه من القول وشدة ما يأخذ به نفسه من جمعه في قلبه وحسن حفظه فيعتريه لذلك حالة كحالة المحموم وهو معنى ما يروى أنه كان يأخذه عند الوحي الرحصاء أي العرق وجملة الأمر فيما كان يناله من الكرب عند الوحي هي شدّة الامتحان له ليبلو صبره ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كلف من أعباء النبوة أو ذلك لما يستشعره من الخوف لوقوع تقصير فيما أمر به من حسن ضبطه أو اعتراض خلل دونه وقد أنذر ﷺ بما ترتاع له النفوس ويعظم به وجل القلوب في قوله: تعالى ((ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين)) وأقول حاصله أن الشدة إمّا لحسن حفظه وإمّا لابتلاء صبره وإما للخوف من التقصير قال وأما قوله: ((يأتيني مثل صلصلة)) فإنه يريد أنّه صوت متدارك بسمعه ولا يستثبته عند أول ما يقرع سمعه حتى يتفهم ويستثبت فيتلقنه حينئذ ويعيه فكذلك قال هو أشدّه علي وقيل الحكمة في ذلك أن يتفرغ سمعه ﷺ ولا يبقى فيه مكان لغير صوت الملك ولا في قلبه قال الشيخ شهاب الدين رحمه الله تعالى في شرح المصابيح هذا حديث يغالط فيه أبناء الضلالة وحاصل القول فيه أن نقول كان النبي ﷺ معتنيا بالبلاغة مكاشفا للعلوم الغيبية وكان يوفر على الأمة حصتهم بقدر الاستعداد فإذا أريد أن ينبئهم بما لا عهد لهم به من تلك العلوم صاغ لها أمثلة من عالم الشهادة ليعرفوا مما شاهدوا ما لم يشاهدوه فلما سأله الصحابي عن كيفية الوحي وكان ذلك من المسائل العويصة ضرب لها في المشاهد مثلا بالصوت المتدارك الذي يسمع ولا يفهم منه شيء تنبيها على إثبات ما يرد على القلب في لبسة الجلال فيأخذ هيبة الخطاب حين ورودها لمجامع القلب ويلاقي من ثقل القول مالا علم له بالقول مع وجود ذلك فإذا وجد القول المنزل بينا فيلقى في الروع واقعا موقع المسموع وهذا معنى قوله: فيفصم عني وهذا الضرب من الوحي شبيه بما يوحى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله: كأنها سلسلة على الحجر فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير هذا وتبين لنا من الحديث أن الوحي كان يأتيه على

стр. 30

عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا ــ صفتين أولاهما أشد من الأخرى وذلك لأنه كان يرد فيها من الطباع البشرية إلى الأوضاع الملكية فيوحي إليه بما يوحي إلى الملائكة والآخر يرد فيها الملك إلى شكل البشر وشاكلته وكانت هذه أيسر والله أعلم. وقال القاضي عياض ما جاء من مثل ذلك يجري على ظاهره وكيفيته مما لا يعلمه إلا الله تعالى قال البخاري ﵁ (حدثنا يحيى بن بكير) بصيغة مصغر البكر وهو أبو زكريا يحيى بن عبد الله ابن بكير القرشي المخزومي المصري ولد سنة أربع وقيل خمس وخمسين ومائة وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين روى البخاري عنه البخاري في مواضع وروى عن محمد بن عبد الله في مواضع. وروى عن محمد بن عبد الله عنه في مواضع. وغرضي من التنبيه أن لا يتوهم من رأى البخاري يروي عن واحد عن ابن بكير أنه غلط من الناسخ. قوله: (أخبرنا الليث) هو ابن الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري اتفق العلماء على وصفه بالإمامة والجلالة والعبادة وغير ذلك من الكرامات الظاهرات والمحاسن الباهرات ووصفه الشافعي بكثرة الفقه وقال إلاّ أنه ضيعه أصحابه يعني لم يعتنوا بكتبه ونقلها والتعليق عنها ففات الناس معظم علمه قال ابن نكير رأيت من رأيت فلم أر مثل الليث كان فقيه البدن عربي اللسان ومازال يعقد خصالا جميلة حتى عقد عشرة وقال قتيبة كان دخل الليث كل سنة ثمانين ألف دينار وما وجبت عليه زكاة قط ومناقبه كثيرة ولد سنة ثلاث أو أربع وتسعين وتوفي في شعبان سنة سبع وخمسين ومائة. قوله: (عقيل) بضم المهملة الأولى وفتح القاف وهو عقيل بن خالد الأيلي بفتح الهمزة والياء المثناة التحتانية في جميع هذا الصحيح وهو أبو خالد الأموي مولى عثمان بن عفان ﵁ توفي بمصر فجأة سنة أربع أو إحدى وأربعين ومائة. قوله: (ابن شهاب) هو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله ابن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب الزهري المدني سكن الشام هو تابعي كبير سمع عشرة من الصحابة بل أكثر قال الليث: ما رأيت عالما أجمع من الزهري ولا أكثر علما منه وقال عمرو ابن دينار ما رأيت أتقن للحديث من الزهري وما رأيت أحدا الدينار والدرهم أهون عنده منه أن كانت الدراهم والدنانير عنده بمنزله البعر. قال البخاري في التاريخ إنه أخذ القرآن في ثمانين ليلة وعلى الجملة العلماء متفقون على إمامته وجلالته وحفظه وإتقانه وضبطه وعرفانه وقد وصفوه بأنه جمع علم جميع التابعين توفي بالشام سابع عشر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة ابن اثنين وسبعين سنة وأما ((عروة بن الزبير)) بضم الزاي فهو أحد فقهاء المدينة السبعة وأمه أسماء وعائشة خالته ﵃ وقد تقدّم ذكره. قال النووي هذا حديث من مراسيل الصحابة فإن عائشة لم

стр. 31

قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَاّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ وَكَانَ ــ تدرك زمان وقوع هذه القصة ومرسل الصحابي حجة عند جميع العلماء إلا ما انفرد به الإسناد أبو إسحاق الإسفرايني الطيبي: الظاهر أنها سمعت من النبي ﷺ لقولها: قال فأخذني فغطّني فيكون قولها: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ حكاية ما تلفظ به صلوات الله عليه ((قل للذين كفروا سيغلبون)) بالياء والتاء. قوله: ((من الوحي)) كلمة من إما لبيان الجنس أو للتبعيض والرؤيا مصدر كالرجعي مصدر رجع ويختصّ برؤيا المنام كما اختصّ الرأي بالقلب والرؤية بالعين وفيه تصريح من عائشة ﵂ بأنّ رؤيا النبي ﷺ من جملة أقسام الوحي وهذا متفق عليه. و ((الصالحة)) روى البخاري في كتاب التعبير الصادقة وهما هنا بمعنى والصالحة إمّا صفة موضحة للرؤيا لأن غير الصالحة تسمى بالحلم كما ورد الرؤيا من الله والحلم من الشيطان وإما مخصصة أي الرؤيا الصالحة لا الرؤيا السيئة أو لا الكاذبة المسماة بأضغاث أحلام والصلاح إما باعتبار صورتها وإمّا باعتبار تعبيرها قال القاضي عياض يحتمل أن يكون معنى الرؤيا الصالحة والحسنة حسن ظاهرها ويحتمل أن المراد صحتها قال ورؤيا السوء تحتمل الوجهين أيضا سوء الظاهر وسوء التأويل. قوله: ((لا يرى رؤيا)) لفظ رؤيا بغير تنوين لأنه مثل حبلى. و ((فلق الصبح)) وفرقه بفتح أولهما وثانيهما ضياؤه وإنما يقال هذا في الشيء البين الواضح قيل هو مصدر كالانفلاق والصحيح أنه بمعنى المفلوق وهو اسم للصبح وأضيف أحدهما إلى الآخر لاختلاف اللفظين وقد جاء الفلق منفردا عن الصبح قال تعالى ((قل أعوذ برب الفلق)) وقيل الفلق الصبح لكنه لما كان مستعملا في هذا المعنى وفي غيره أضيف إليه التخصيص والبيان إضافة العام إلى الخاص كقوله: م عين الشيء ونفسه وقال العلماء إنّما ابتدئ بالرؤيا لئلا يفجأه الملك ويأتيه بصريح النبوة بغتة فلا تحملها القوى البشرية فبدئ بأوائل خصال النبوّة وتباشير الكرامة من صدق الرؤيا وحب العزلة والتعبد ومواظبة الصبر عليه وحقيقة الرؤيا الصالحة أن الله تعالى يخلق في قلب النائم أو في حواسّه الأشياء كما يخلقها في اليقظان وهو يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا غيره عنه فربّما يقع ذلك في اليقظة كما رآه النبي ﷺ في المنام وربما جعل ما رآه علما على أمور أخر يخلقها في ثاني الحال أو كان قد خلقها فيقع ذلك كما جعل الله تعالى الغيم علامة للمطر. قوله: (الخلاء) بالمد هو الخلوة

стр. 32

يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ، اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى ــ وهو شأن الصالحين وعباد الله العارفين. الخطابي: حببت العزلة إليه لأنّ فيها فراغ القلب وهي معينة على التعبد وبها ينقطع عن مألوفات البشر ويخشع قلبه وهي من جمله المقدمات التي أرهصت لنبوته وجعلت مبادئ لظهورها. قوله: (بغار) الغار هو الثقب في الجبل وهو قريب من معنى الكهف و (حراء) بكسر الحاء وتخفيف الراء وبالمد جبل بينه وبين مكة ثلاثة أميال على يسار المسافر من مكة إلى منى وهو غير مصروف لأنه مذكّر ومنهم من أنثه ومنع صرفه وهذه قاعدة كليّة أن جعلت اللفظ علما للبقعة فهو غير مصروف وإن جعلته للمكان فهو منصرف. الخطابي: العوام يخطئون في حراء في ثلاثة مواضع يفتحون الحاء وهي مكسورة ويكسرون الراء وهي مفتوحة ويقصرون الألف وهي ممدودة. التيمي: العاملة لحنت في ثلاث مواضع فتح الحاء وقصر الألف وترك صرفه وهو مصروف في الاختبار لأنه اسم جبل وأقول إذا جمعنا بين كلاميهما يلزم اللحن في أربعة مواضع وهو من الغرائب إذ بعدد كل حرف لحن ولقائل أن يقول كسر الراء ليس بلحن لأنه بطريق الإمالة والله أعلم. قوله: (وهو (أي التحنث والضمير راجع إلى ما دل عليه لفظ فيتحنث وهو قوله: ((اعدلوا هو أقرب للتقوى)) والتحنث بالحاء المهملة والنون ثم الثاء المثلثة التعبد وحقيقته التجنب عن الحنث وهو الإثم فكان المتعبد يلقى الإثم عن نفسه بالعبادة. الخطابي: ونظيره في الكلام التحوب والتأثم أي ألقى الحوب والإثم عن نفسه قالوا وليس في كلامهم تفعل بهذا المعنى غير هذه وأقول هذه شهادة نفي وكيف وقد ثبت في الكتب الصرفية أن باب تفعل يجئ للتجنب كثيرا نحو تخرج وتخون أي اجتنب الحرج والخيانة وغير ذلك. التيمي: هذا من المشكلات ولا يهتدى إليه سوى الحذّاق وسئل ابن الأعرابي عن قوله: يتحنّث فقال لا أعرفه وسألت أبا عمرو الشيباني فقال لا أعرف يتحنث إنما هو يتحنف من الحنيفية. قوله: (الليالي) منصوب على الظرف والعامل فيه يتحنّث لا التعبد وإلاّ فسد المعنى فإنّ التحنّث لا يشترط فيه الليالي بل هو مطلق التعبّد وهذا التفسير اعترض بين كلام عائشة وهو أيضا من كلامها ظاهر. الطبي: ويحتمل أن يكون التفسير من قول الزهري أدرجه في الحديث وذلك من دأبه قال وأطلق الليالي وأراد بها الليالي مع أيامهن على سبيل التغليب لأنها أنسب للخلوة وذوات العدد عبارة عن القلة نحو دراهم معدودة , وأقول ويحتمل أن يراد بها الكثرة إذ الكثير يحتاج إلى العدد لا القليل وهو المناسب للمقام. فإن قلت التعبد في الغار أهو بسبب أنه كان ﷺ متعبدا بشرع من قبله أم لا. قلت يحتمل أن يكون من الشرع السابق إذ المختار عند الأصوليين أنه

стр. 33

أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَا، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَا، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حتى ــ متعبد قبل البعثة بالشرع السابق فقيل بشرع نوح وقيل بشرع لإبراهيم وقيل موسى وقيل عيسى وقيل ما ثبت أنه شرع ويحتمل أن يكون بمقتضى العقل على قول من يقول بقاعدة الحسن والقبح العقلية ويحتمل أن يكون من شرع نفسه الحاصل من الرؤيا بدليل ثم حبب إليه الخلاء حيث ذكره بلفظ ثمّ الدّال على التراخي ولو حملناه على اجتنابه عن الحرج الذي كان يرتكبه أهل الجاهلية لكان أظهر والله أعلم. قوله: (ينزع)) أي يرجع يقال نزع إلى أهله إذا حنّ واشتاق إليهم فرجع إليهم وفي تفسير اقرأ في صحيح مسلم قبل أن يرجع. قوله: (يتزود) هو برفع الدال عطف على يتحنث والزاد هو الطعام الذي يستصحبه المسافر يقال زودته فتزوّد. و (لذلك) أي الخلو أو التعبّد. قوله: (خديجة) أم المؤمنين هي بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي القرشية تزوّجها رسول الله ﷺ وهو ابن خمس وعشرين سنة وهي أم أولاد رسول الله ﷺ كلهم إلاّ إبراهيم فإنه من مارية ولم يتزوج رسول الله ﷺ قبلها ولا في حياتها وأقامت مع رسول الله ﷺ أربعا وعشرين سنة وأشهرا ثم توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين على المشهور وكانت وفاتها بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام ولخديجة مناقب كثيرة ذكر البخاري طائفة منها في باب مناقبها وأفضل أزواج رسول الله ﷺ خديجة وعائشة ﵄ واختلفوا في أيتهما أفضل والله أعلم. قوله: ((لمثلها)) أي لمثل الليالي. و (جاءه الحق) أي الوحي الكريم. و (فجاءه الملك) أي جبريل ﵇. فإن قلت مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي بل هو نفسه إذ المراد بمجيء الوحي مجيء حامل الوحي أي فما معنى الفاء التعقيبية. قلت هذه الفاء تسمى بالفاء التفسيرية نحو قوله: تعالى ((فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم)) إذ القتل نفس التوبة على أحد التفاسير وتسمى بالفاء التفصيلية أيضا لأن مجيء الملك إلى آخره تفصيل للمجمل الذي هو مجيء الحق ولا شك أن المفصل هو نفس المجمل وفي رواية مسلم فجئه الحق بكسر الجيم من الفجأة أي جاءه الحق بغتة ومفاجأة فإنه لم يكن متوقعا للوحي. الطيبي: معنى حتى جاءه الحق جاء أمر الحق وهو الوحي ورسول الحق وهو جبريل ﵊. قوله: (ما أنا

стр. 34

بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَا، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَا وَرَبُّكَ ــ بقارئ)) كلمة ما نافية وقيل استفهامية وهو غلط لدخول الباء في خبرها واحتج من قال بأنها استفهامية بأنه جاء في رواية ما أقرأ. وقال النووي: لا دلالة عليه فيه لأنه يجوز أن تكون ما ههنا أيضا نافية قوله: (فغطّني) بالغين المعجمة والطاء المهملة الشديدة أي ضغطني وعصرني. قوله: (الجهد) يروى فيه فتح الجيم وضمها ونصب الدال ورفعها ومعناه الطاقة والغاية والمشقة فعلى الرفع معناه بلغ الجهد مبلغه فحذف مبلغه وعلى النصب معناه بلغ الملك مني الجهد والحكمة في الغط شغله عن الالتفات والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقول له وكرره ثلاثا مبالغة في التثبت وفيه أنه ينبغي للمعلم أن يحتاط في تنبيه المتعلم والإحضار بمجامع قلبه. الثوبستي: لا أرى الذي يروى بنصب الدال إلا قد وهم فيه أو جوّزه بطريق الاحتمال فإنه إذا نصب الدال عاد المعنى إلى أنه غطه حتى استفرغ قوته في ضغطته وجهد جهده بحيث لم يبق فيه مزيد وهذا قول غير سديد فإن البنية البشرية لا تستدعي استنفاد القوة الملكية لا سيما في مبدأ الأمر وقد دلّت القصة على أنه اشمأزّ من ذلك وتداخله الرعب. الطيبي: لا شك أن جبريل في حالة الضغط لم يكن على صورته الحقيقية التي تجلى بها عند سدرة المنتهى وعندما رآه مستويا على الكرسي فيكون استفراغ جهده لا بحسب صورته التي تجلّى له بها وغطّه وإذا صحّت الرواية اضمحل الاستبعاد. قوله: ((أرسلني)) أي أطلقني (وبها) أي بالآيات وهو قوله: اقرأ باسم ربّك إلى آخرهن واستدلّ بهذا الحديث من يقول أن البسملة ليست بقرآن في أوائل السورة لكونها لم تذكر ههنا والجواب أنها لم تنزل أولا بل نزلت البسملة في وقت آخر كما نزل باقي السورة في وقت آخر. الطيبي: قوله: فرجع بها أي صار بسبب تلك الضغطة يضطرب فؤاده. قوله: (اقرأ) أمر بايجاد القراءة مطلقا وهو لا يختصّ بمقروء دون مقروء قوله: (باسم ربك) حال أي اقرأ مستفتحا باسم ربك أي قل بسم الله الرحمن الرحيم ثم اقرأ وهذا يدلّ على أنّ البسملة مأمور بقراءتها في ابتداء كل قرآن فتكون قراءتها مأثورة في هذه السورة أيضا وقوله: (الذي خلق) وصف مناسب مشعر بغلبة الحكم بالقراءة والإطلاق في خلق أولا على منوال يعطي ويمنع وجعله توطئة لقوله: خلق الإنسان إيذانا بأنّ علية الإنسان أشرف المخلوقات ثم الامتنان بقوله: علم الإنسان يدلّ على أنّ العلم أجلّ النعم و (العلق) جمع العلقة وهو الدم المنعقد

стр. 35

الأَكْرَمُ﴾ فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، ﵂، فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: ــ فإن قلت قد تقرر أن مثل ما أنا بقارئ يفيد الاختصاص. أقول مثل هذا التركيب لا يلزم أن يفيد الاختصاص بل قد يكون للتقوية والتوكيد أي لست بقارئ البتة وهو الظاهر هنا والمناسب للمقام وهو يستدعي أن يكون حكم المخاطب مشوبا بصواب وخطأ فيرد خطؤه إلى الصواب فأين هذا من جبريل. قلت أنه لما سمع منه اقرأ تصور أنه اعتقد أن حكمه ليس كحكم سائر الناس ي أن حصول القراءة والتمكن منها إنما هو بطريق التعليم والتعلم ومدارسة الكتب فرده بقوله: ما أنا بقارئ أي حكمي كحكم الناس من أن حصول القراءة إنما هو بالتعلم وعدمه بعدمه فلذلك أخذه وغطه مرارا ليخرجه من حكم سائر الناس وسيتفرغ منه البشرية ويفرغ فيه من الصفات الملكية فحينئذ يعلم معنى إقرأ ويخاطب بقوله: ففي المقروء أيضا إشارة إلى رد ما تصوره من أن القراءة إنما هي تيسر بطريق التعليم ففقط بل إنها كما تحصل من التعليم بواسطة المعلم فقد تحصل بتعليم الله بلا واسطة فقوله: (علم بالقلم) إشارة إلى العلم التعليمي. و (علم الإنسان ما لم يعلم) إشارة إلى العلم اللدني. قوله: (يرجف فؤاده) أي يخفق ويضطرب والرجفان شدة الحركة والفؤاد هو القلب وقيل إنه غير القلب وقيل باطن القلب وقيل غشاء القلب وسمي القلب قلبا لتقلبه وأما علم خديجة برجفان الفؤاد فالظاهر أنها رأته حقيقة ويجوز أنها لم تره وعلمته بالقرائن وصورة الحال أو أخبرها النبي ﷺ . قوله: (زملوني زملوني) هكذا هو الرواية أي مرتين والتزميل هوالتلفيف والتدثير. و (الروع) بفتح الراء الفزع (والخبر) أي الخبر المذكور من مجيء الملك والغط إلى آخره واللام في (لقد خشيت) جواب القسم المحذوف أي والله لقد خشيت وهو مقول قال وقال القاضي عياض ليس معناه الشك في أن ما أتاه من الله لكنه كأنه خشى أن لا يقوى على مقاومة هذا الأمر ولا يطيق حمل أعباء الوحي فتزهق نفسه لشدة ما لقيه أولا عند لقاء الملك أو يكون هذا أول ما رأى التباشير في النوم واليقظة وسمع الصوت قبل لقاء الملك وتحققه رسالة ربه فقد خاف أن يكون من الشيطان فأما بعد أن جاءه الملك بالرسالة فلا يجوز عليه الشك ولا يخشى تسلط الشيطان عليه. قال النووي

стр. 36

كَلَاّ وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ ــ الاحتمال الثاني ضعيف لأنه خلاف تصريح الحديث فإن هذا كان بعد غط الملك وإتيانه باقرأ باسم ربك قال وقلت ألا أن يكون معنى خشيت على نفسي أنه يخبرها بما حصل له أولا من الخوف لا أنه خاف في حال الأخبار فلا يكون ضعيفا. الطيي: إخراج قوله: لقد خشيت على القسمية بعد قوله: يرجف يدل على إنفعال حصل له من الضغط فخشى على نفسه من ذلك أمرا توهم منه كما يحصل للبشر إذا دهمه أمر لم يعهد به ومن ثمة قال زملوني. وأقول ويحتمل وجة رابع وهو أن يكون المراد أني خفت شبه جنون على نفسي لما روى صاحب الغريبين في باب العين والدال والميم أن رسول الله ﷺ قال لخديجة أظن أنه عرض شبه جنون على نفسي فقالت كلا إنك تكسب المعدوم وتحمل الكل فإن قلت من أين علم رسول الله ﷺ أن الجائي إليه جبريل لا الشيطان وبم عرف أنه حق لا باطل قلت كما نصب الله لنا الأدلة على أن الرسول صادق لا كاذب وهو المعجزة كذلك نصب للنبي ﷺ دليلا على أن الجائي إليه ملك لا شيطان وأنه من عند الله لا من عند غيره قوله: (كلا) معناه الردع والنفي عن ذلك الكلام والمراد هنا التنزيه قوله: (ما يجزيك الله) بضم الياء وبالخاء المعجمة من الخزى وهو الفضيحة والهوان ورواه مسلم ((يحزنك)) بالحاء المهملة والنون من الحزن ويجوز على هذا فتح النون وضمها يقال أحزنه وحزنه لغتان فصيحتان قرئ بهما في السبع و (أبدا) منصوب على الظرف. قوله: (لنصل الرحم) معناه وتحسن إلى قراباتك وصلة الرحم الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول إليه فتارة تكون بالمال وتارة تكون بالخدمة وتارة تكون بالزيارة والسلام وغير ذلك. و (الكل) بفتح الكاف وتشديد اللام الثقل وهو من الكلال الذي هو الإعياء أي يرفع الثقل أي يعين الضعيف المنقطع به والكل من لا يستقل بأمره قال تعالى ((وهو كل على مولاه)) قوله: (تكسب المعدوم) بفتح التاء هو المشهور وروي بضمها ومعنى المضموم تكسب غيرك المال المعدوم أي تعطيه المال المعدوم فحذف احد المعولين وقيل تعطى الناس ما لا يجدونه عند غيرك من مكارم الأخلاق وأما المفتوح فقيل معناه كمعنى المضموم يقال كسبت الرجل مالا واكسبته مالا واتفقوا على أن اكسبه مالا أفصح وقيل معناه تكسب المال المعدوم وتصيب منه مايعجز غيرك عن تحصيله وكانت العرب تتمادح بكسب المال لاسيما قريش. كان النبي à محظوظ في تجارته. وقال النووي: هذا ضعيف لأنه لا معنى لهذا القول في هذا الموطن إلا أن يصحح بان يضم إليه زيادة وهو انه كان يجود به وينفقه في وجوه المكرمات وقيل المعدوم

стр. 37

وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِه ــ عبارة عن الرجل المحتاج المعدوم العاجز عن الكسب وسماه معدوما لكونه كالمعدوم الميت حيث لم يتصرف في المعيشة أي تسعى في طلب عاجز لتعيشه والكسب هو الاستفادة فكما يرغب غيرك أن مالا ترغب أنت أن تستفيد عاجزا تعاونه. قال الخطابي: صوابه المعدم بحذف الواو لان المعدوم لا يدخل تحت الانفعال تريد انك تعطي العامل الفقير الذل لا يجد المال. أقول ولقوله: تكسب المعدوم تقريرات خمسة. التيمي: لم يصب الخطابي اذحكم علىللفظة الصحيحة بالخطافان الصواب ما اشتهر بين أصحاب الحديث ورواه الرواة. قوله: (تقري) بفتح التاء تقول قريت الضيف اقريه قرىبكسر القاف والقصر وقراء بفتح القاف والمد. قوله: (نوائب الحق) النوائب جمع نائبة وهي الحادثة خيرا أو شرا وإنما قال نوائب الحق لأنها تكون في الحق والباطل قال لبيد: نوائب من خير وشر كلاهما ......... فلا الخير محدود وإلا الشر لازب واعلم أن معنى كلام حديجة ﵂ أنك لا يصيبك مكروه لما جعله الله فيك من مكارم الأخلاق وجميل الصفات وذكرت ضروبا منهاوفيه أن خصال الخير سبب للسلامة من مصارع السوء والمكارم سبب لدفع المكاره وفيه جواز مدح الإنسان في وجهه لمصلحة تطرا وليس بمعارض لقوله: احثوا في وجوه المادحين التراب اذ هو فيما مدح بباطل أو يؤدي إلى باطل وفيه أنه ينبغي تأنيس من حصلت له مخافة وتبشيره وذكر أسباب السلامة له وفيه أبلغ دليل على كمال خديجة وجزالة رأيهاوقوة نفسها وعظم فقهها وقد جمعت ﵂ جميع أنواع أصول المكارم أمهاتها فيه ﷺ لأن الإحسان إما إلى الأقارب وإما إلى الأجانب وإما بالمال وإما بالبدن وإما على من يستقل بأمره وإما على غيره. قوله: (فانطلقت به) أي انطلقنا إلى ورقة لأن الفعل اللازم إذا عدى بالباء يلزم فيه المصاحبة فيلزم ذهابهما بخلاف ما عدى بالباء يلزم فيه المصاحبة فيلزم ذهابهما بخلاف ما عدى بالهمزة نحو أذهبته فانه لا يلزم ذلك. قوله: (ورقة) بفتح الحروف الثلاثة. و (نوفل) بفتح النون والفاء و (العزى) تأنيث الأعز وهو اسم الصنم. قوله: (ابن عم) قال النووي على انه بدل من ورقة فانه ابن عم خديجة لأنها بنت خويلد بن أسد وهو ورقة بن نوفل ابن أسد ولا يجوز جر ابن ولا كتابته بغير الألف لأنه يصير صفة لعبد العزى فيكون عبد العزى ابن عم خديجة وهو باطل وأقول كتابة الألف وعدمه لا يتعلق بكونه متعلقا بورقة أو بعبد العزى بل علة إثبات الألف عدم وقوعه بين بين علمين لان العم ليس علما ثم الحكم بكونه بدلا غير

стр. 38

وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ - وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِىَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخاً كَبِيراً قَدْ عَمِىَ - فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِى مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِى نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى ﷺ يَا لَيْتَنِى فِيهَا ــ لازم لجواز أن يكون صفة أو بيانا له. قوله: ((تنصر)) أي صار نصرانيا وترك الجاهلية. و ((الجاهلية)) المدة التي كانت قبل نبوة رسول الله ﷺ لما كانوا عليه من فاحش الجهالات وقيل هو زمان الفترة مطلقا. قوله: ((العبراني)) كذا وقع هنا العبراني وبالعبرانية ووقع في كتاب التعبير العربي وبالعربية بدل هذين اللفظين. قال النووي: حاصله على رواية العبراني والعربي أنه تمكن من معرفة دين النصارى وكتابهم بحيث يتصرف في الإنجيل فيكتب إن شاء بالعربية وان شاء بالعبرانية وأقول ويفهم منه أن الإنجيل ليس عبرانيا وهو المشهور. التيمي: الكلام العبراني هو الذي أنزل به جميع الكتب كالتوراة والإنجيل ونحوهما وأقول فهم منه أن الإنجيل عبراني قال صاحب الصحاح العبري بالكسر العبراني وهو لغة اليهود. قوله: ((يا ابن العم)) وفي زاوية مسلم يا عم وكلاهما صحيح أما الأول فلأنه ابن عمها حقيقة وأما الثاني فسمته عما مجازا للإحترام وهذه عادة العرب يخاطب الصغير الكبير بيا عم احتراما له ورفعا لمرتبته قوله: ((من ابن أخيك)) انما أطلقت الأخوة لأن الأب الثالث لورقة هو أخو الأب الرابع لرسول الله ﷺ كأنه ابن أخي جدك على سبيل الإضمار وفي ذكر لفظ الأخ استعطاف أو جعلته عما لرسول الله صلى عليه وسلم أيضا احتراما له على سبيل التجوز. قوله: ((الناموس)) بالنون والسين المهملة جبريل ﵇ قالوا الناموس صاحب سر الخير والجاسوس صاحب سر الشر ويقال نمست السر بفتح النون والميم أنمسه بكسر الميم نمسا أي كتمه كتما ونامسته أي ساررته ويسمى جبريل بذلك لأن الله خصه بالغيب والوحي. قوله: ((على موسى)) فان قلت الأنسب أن يقول على عيسى لأنه نصراني قلت ذكر موسى تحقيقا

стр. 39

جَذَعاً، لَيْتَنِى أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَوَمُخْرِجِىَّ هُمْ». قَالَ نَعَمْ، لَمْ يَاتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَاّ عُودِىَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِى يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّىَ وَفَتَرَ الْوَحْىُ ــ للرسالة لأن نزوله على موسى متفق عليه بين اليهود والنصارى بخلاف عيسى فان بعض اليهود ينكرون نبوته أو لأن النصارى يتبعون أحكام التوراة ويرجعون اليها والله اعلم مع أنه روى في غير هذا الصحيح بدل موسى عيسى وكلاهما صحيح. قوله: ((فيها)) الضمير راجع الى أيام النبوة أو الدولة او الدعوة وجذعا بالذال المعجمة المفتوحة يعني شابا فتيا حتى أبالغ في نصرتك والجذع في الأصل للدواب ثم استعيرالانسان وجذعا المشهور فى الصحيحين النصب نحو قول الشاعر: يا ليت أيام الصبا راجعا وفي بعض الروايات الرفع وهو ظاهر ووجه النصب أنه خبر كان المقدرة تقديره يا ليتني أكون جذعا وهو قول الكسائي وقال القاضي عياض هو منصوب على الحال وهو قول النحاة البصرية وخبر ليت حينئذ قوله: فيها وأقول أو يكون ليت بمعنى أتمنى فينصب الجزءين وهو قول الفراء. قوله: ((أو مخرجي هم)) بفتح الواو وتشديد الياء وهو جمع مخرج فالياء الأولى ياء الجمع والثانية ضمير المتكلم فأدغمت الياء وفتحت تخفيفا لاجتماع الكسرتين والياءين استبعد النبي ﷺ أن يخرجوه من غير سبب فانه ﷺ ليس فيه فيما مضى ولا فيما بعده سبب يقتضي اخراجها بل كانت المحاسن الظاهرة المتظاهرة لا كرامه وانزاله بأعلى الدرجات انفسا له الفداء ﷺ : قوله: ((عودى)) هو فوعل من المعادلة. و ((يومك)) أي يوم ... إخراجك أو وقت انتشار نبوتك و ((مؤزرا)) هو بميم مضمومة ثم همزة مفتوحة ثم زاي مفتوحة مشددة ثم راء أي قويا والأرز القوة. قوله: ((لم ينشب)) بياء مفتوحة ثم نون ساكنة ثم شين معجمة أي لم يلبث. قوله: ((أن توفي)) بدل اشتمال من ورقة أي لم يلبث وفاته ((وفتر الوحي معناه احتبس وقال ورقة فيه: فانك حقا يا خديجة فاعلمي ... حديثك ايانا فأحمد مرسل وجبريل يأتيه وميكال معهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل فان قلت ما قولك في ورقة أتحكم بإيمانه ... . قلت لا شك انه كان مؤمنا بعيسى وأما

стр. 40

الايمان بنبينا ﷺ فلم يعلم انه زمن عيسى قد نسخ عند وفاته أم لا ولئن ثبت أنه كان منسوخا في ذلك الوقت فالأصح أن الإيمان التصديق وهو صدقه من غير أن يذكر ما ينافيه والله اعلم. قال ابن مالك في الشواهد ظن اكثر الناس أن يا التي تليها ليت حرف نداء والمنادى محذوف تقديره يامحمد ليتني كنت حيا نحو ياليتني كنت معهم أي ياقوم ليتني وهو عندي ضعيف لأن قائل ليتني يكون وحده فلا يكون معه منادى كقول مريم ((ياليتني مت قبل هذا)) أو لأن الشيء إنام يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادعى فيه حذفه مستعملا فيه ثبوته كحذف المنادي قبل أمر أو دعاء فإنه يجوز حذفه لكثرة ثبوتته ثمة فمن ثبوتته قبل الأمر يا يحيى خذ الكتاب وقبل الدعاء يا موسى أدع لنا ربك ومن حذفه قبل قبل الأمر ألا يا أسجدو في فراءة الكسائي أي يا هؤلاء أسجدو وقبل الدعاء ألا يا اسلمي يا دار مي على البلا .............. ولا زال منهلا بجرعائك القطر أي يا دار اسلمي فحسن المنادى قبلها اعتبار ثبوته بخلاف ليت فإن المنادى لم تستعمله العرب قبلها ثابتا فادعاء حذفه باطل فتعيين كون يا هذه لمجرد التنبيه مثل ألا في نحو * ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة * قوله: (إذ يخرجك قومك) استعمل فيه إذ موافقة لاذا في إفادة الاستقبال وهو استعمال صحيح غفل عن التنبيه عليه أكثر النحاة ومنه قوله: تعالى ((وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر)) وكما استعملت إذ بمعنى إذا استعملت إذا بمعنى إذ كقوله: تعالى ((وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها)) لأن الانفضاض واقع فيما مضى وأقول ليس التنبيه عليه من وظيفة النحاة بل هو وظيفة أهل المعاني وذلك إما وضعا للآتي موضع الماضي قطعا بوقوعه كاخبار الله تعالى عن المستقبل أو استحضارا للصورة الآتية في مشاهدة السامع تعجبا وتعجيبا ولذلك قال أو مخرجيّ استبعادا للاخراج وتعجبا منه. وقوله: ((أو مخرجيّ هم)) الأصل في أمثاله تقديم صرف العطف على الهمزة كما يقدم على غيرها من أدوات الاستفهام جزء من جملة الاستفهام وهي معطوفة على ماقبلها من الجمل والعاطف لا يتقدّم عليه جزء بما عطف عليه ولكن خصّت الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيها على أنه أصل أدوات الاستفهام لأنّ الاستفهام له صدر الكلام وقد خولف هذا الأصل في غير الهمزة فأرادوا التنبيه عليه وكانت الهمزة بذلك أولى لأالتها وقد غفل الزمخشري عن هذا المعنى فادّعى أنّ بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة معطوفا عليها بالعاطف ما بعده. وأقول لا يجوز فيما نحن فيه أن يقدّر تقديم حرف العطف على الهمزة لأنّ أومخرجيّ هم جواب ورد على قوله: إذ يخرجك على سبيل الاستبعاد والتعجب فكيف يستقيم العطف ولأنّ هذه إنشائيّة وتلك خبرية والحق أنّ الأصل أو مخرجيّ هم فأريد مزيد استبعاد وتعجب فجيء بحرف العطف على مقدّر تقديره أمعاديّ هم ومخرجي هم
следующие страницы →