Полный текст (5 685 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
كَلَاّ وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ
ــ
الاحتمال الثاني ضعيف لأنه خلاف تصريح الحديث فإن هذا كان بعد غط الملك وإتيانه باقرأ باسم ربك قال وقلت ألا أن يكون معنى خشيت على نفسي أنه يخبرها بما حصل له أولا من الخوف لا أنه خاف في حال الأخبار فلا يكون ضعيفا. الطيي: إخراج قوله: لقد خشيت على القسمية بعد قوله: يرجف يدل على إنفعال حصل له من الضغط فخشى على نفسه من ذلك أمرا توهم منه كما يحصل للبشر إذا دهمه أمر لم يعهد به ومن ثمة قال زملوني. وأقول ويحتمل وجة رابع وهو أن يكون المراد أني خفت شبه جنون على نفسي لما روى صاحب الغريبين في باب العين والدال والميم أن رسول الله ﷺ قال لخديجة أظن أنه عرض شبه جنون على نفسي فقالت كلا إنك تكسب المعدوم وتحمل الكل فإن قلت من أين علم رسول الله ﷺ أن الجائي إليه جبريل لا الشيطان وبم عرف أنه حق لا باطل قلت كما نصب الله لنا الأدلة على أن الرسول صادق لا كاذب وهو المعجزة كذلك نصب للنبي ﷺ دليلا على أن الجائي إليه ملك لا شيطان وأنه من عند الله لا من عند غيره قوله: (كلا) معناه الردع والنفي عن ذلك الكلام والمراد هنا التنزيه قوله: (ما يجزيك الله) بضم الياء وبالخاء المعجمة من الخزى وهو الفضيحة والهوان ورواه مسلم ((يحزنك)) بالحاء المهملة والنون من الحزن ويجوز على هذا فتح النون وضمها يقال أحزنه وحزنه لغتان فصيحتان قرئ بهما في السبع و (أبدا) منصوب على الظرف. قوله: (لنصل الرحم) معناه وتحسن إلى قراباتك وصلة الرحم الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول إليه فتارة تكون بالمال وتارة تكون بالخدمة وتارة تكون بالزيارة والسلام وغير ذلك. و (الكل) بفتح الكاف وتشديد اللام الثقل وهو من الكلال الذي هو الإعياء أي يرفع الثقل أي يعين الضعيف المنقطع به والكل من لا يستقل بأمره قال تعالى ((وهو كل على مولاه)) قوله: (تكسب المعدوم) بفتح التاء هو المشهور وروي بضمها ومعنى المضموم تكسب غيرك المال المعدوم أي تعطيه المال المعدوم فحذف احد المعولين وقيل تعطى الناس ما لا يجدونه عند غيرك من مكارم الأخلاق وأما المفتوح فقيل معناه كمعنى المضموم يقال كسبت الرجل مالا واكسبته مالا واتفقوا على أن اكسبه مالا أفصح وقيل معناه تكسب المال المعدوم وتصيب منه مايعجز غيرك عن تحصيله وكانت العرب تتمادح بكسب المال لاسيما قريش. كان النبي à محظوظ في تجارته. وقال النووي: هذا ضعيف لأنه لا معنى لهذا القول في هذا الموطن إلا أن يصحح بان يضم إليه زيادة وهو انه كان يجود به وينفقه في وجوه المكرمات وقيل المعدوم
стр. 37
وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِه
ــ
عبارة عن الرجل المحتاج المعدوم العاجز عن الكسب وسماه معدوما لكونه كالمعدوم الميت حيث لم يتصرف في المعيشة أي تسعى في طلب عاجز لتعيشه والكسب هو الاستفادة فكما يرغب غيرك أن مالا ترغب أنت أن تستفيد عاجزا تعاونه. قال الخطابي: صوابه المعدم بحذف الواو لان المعدوم لا يدخل تحت الانفعال تريد انك تعطي العامل الفقير الذل لا يجد المال. أقول ولقوله: تكسب المعدوم تقريرات خمسة. التيمي: لم يصب الخطابي اذحكم علىللفظة الصحيحة بالخطافان الصواب ما اشتهر بين أصحاب الحديث ورواه الرواة. قوله: (تقري) بفتح التاء تقول قريت الضيف اقريه قرىبكسر القاف والقصر وقراء بفتح القاف والمد. قوله: (نوائب الحق) النوائب جمع نائبة وهي الحادثة خيرا أو شرا وإنما قال نوائب الحق لأنها تكون في الحق والباطل قال لبيد:
نوائب من خير وشر كلاهما ......... فلا الخير محدود وإلا الشر لازب
واعلم أن معنى كلام حديجة ﵂ أنك لا يصيبك مكروه لما جعله الله فيك من مكارم الأخلاق وجميل الصفات وذكرت ضروبا منهاوفيه أن خصال الخير سبب للسلامة من مصارع السوء والمكارم سبب لدفع المكاره وفيه جواز مدح الإنسان في وجهه لمصلحة تطرا وليس بمعارض لقوله: احثوا في وجوه المادحين التراب اذ هو فيما مدح بباطل أو يؤدي إلى باطل وفيه أنه ينبغي تأنيس من حصلت له مخافة وتبشيره وذكر أسباب السلامة له وفيه أبلغ دليل على كمال خديجة وجزالة رأيهاوقوة نفسها وعظم فقهها وقد جمعت ﵂ جميع أنواع أصول المكارم أمهاتها فيه ﷺ لأن الإحسان إما إلى الأقارب وإما إلى الأجانب وإما بالمال وإما بالبدن وإما على من يستقل بأمره وإما على غيره. قوله: (فانطلقت به) أي انطلقنا إلى ورقة لأن الفعل اللازم إذا عدى بالباء يلزم فيه المصاحبة فيلزم ذهابهما بخلاف ما عدى بالباء يلزم فيه المصاحبة فيلزم ذهابهما بخلاف ما عدى بالهمزة نحو أذهبته فانه لا يلزم ذلك. قوله: (ورقة) بفتح الحروف الثلاثة. و (نوفل) بفتح النون والفاء و (العزى) تأنيث الأعز وهو اسم الصنم. قوله: (ابن عم) قال النووي على انه بدل من ورقة فانه ابن عم خديجة لأنها بنت خويلد بن أسد وهو ورقة بن نوفل ابن أسد ولا يجوز جر ابن ولا كتابته بغير الألف لأنه يصير صفة لعبد العزى فيكون عبد العزى ابن عم خديجة وهو باطل وأقول كتابة الألف وعدمه لا يتعلق بكونه متعلقا بورقة أو بعبد العزى بل علة إثبات الألف عدم وقوعه بين بين علمين لان العم ليس علما ثم الحكم بكونه بدلا غير
стр. 38
وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ - وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِىَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخاً كَبِيراً قَدْ عَمِىَ - فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِى مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِى نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى ﷺ يَا لَيْتَنِى فِيهَا
ــ
لازم لجواز أن يكون صفة أو بيانا له. قوله: ((تنصر)) أي صار نصرانيا وترك الجاهلية. و ((الجاهلية)) المدة التي كانت قبل نبوة رسول الله ﷺ لما كانوا عليه من فاحش الجهالات وقيل هو زمان الفترة مطلقا. قوله: ((العبراني)) كذا وقع هنا العبراني وبالعبرانية ووقع في كتاب التعبير العربي وبالعربية بدل هذين اللفظين. قال النووي: حاصله على رواية العبراني والعربي أنه تمكن من معرفة دين النصارى وكتابهم بحيث يتصرف في الإنجيل فيكتب إن شاء بالعربية وان شاء بالعبرانية وأقول ويفهم منه أن الإنجيل ليس عبرانيا وهو المشهور. التيمي: الكلام العبراني هو الذي أنزل به جميع الكتب كالتوراة والإنجيل ونحوهما وأقول فهم منه أن الإنجيل عبراني قال صاحب الصحاح العبري بالكسر العبراني وهو لغة اليهود. قوله: ((يا ابن العم)) وفي زاوية مسلم يا عم وكلاهما صحيح أما الأول فلأنه ابن عمها حقيقة وأما الثاني فسمته عما مجازا للإحترام وهذه عادة العرب يخاطب الصغير الكبير بيا عم احتراما له ورفعا لمرتبته قوله: ((من ابن أخيك)) انما أطلقت الأخوة لأن الأب الثالث لورقة هو أخو الأب الرابع لرسول الله ﷺ كأنه ابن أخي جدك على سبيل الإضمار وفي ذكر لفظ الأخ استعطاف أو جعلته عما لرسول الله صلى عليه وسلم أيضا احتراما له على سبيل التجوز. قوله: ((الناموس)) بالنون والسين المهملة جبريل ﵇ قالوا الناموس صاحب سر الخير والجاسوس صاحب سر الشر ويقال نمست السر بفتح النون والميم أنمسه بكسر الميم نمسا أي كتمه كتما ونامسته أي ساررته ويسمى جبريل بذلك لأن الله خصه بالغيب والوحي. قوله: ((على موسى)) فان قلت الأنسب أن يقول على عيسى لأنه نصراني قلت ذكر موسى تحقيقا
стр. 39
جَذَعاً، لَيْتَنِى أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَوَمُخْرِجِىَّ هُمْ». قَالَ نَعَمْ، لَمْ يَاتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَاّ عُودِىَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِى يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّىَ وَفَتَرَ الْوَحْىُ
ــ
للرسالة لأن نزوله على موسى متفق عليه بين اليهود والنصارى بخلاف عيسى فان بعض اليهود ينكرون نبوته أو لأن النصارى يتبعون أحكام التوراة ويرجعون اليها والله اعلم مع أنه روى في غير هذا الصحيح بدل موسى عيسى وكلاهما صحيح. قوله: ((فيها)) الضمير راجع الى أيام النبوة أو الدولة او الدعوة وجذعا بالذال المعجمة المفتوحة يعني شابا فتيا حتى أبالغ في نصرتك والجذع في الأصل للدواب ثم استعيرالانسان وجذعا المشهور فى الصحيحين النصب نحو قول الشاعر: يا ليت أيام الصبا راجعا
وفي بعض الروايات الرفع وهو ظاهر ووجه النصب أنه خبر كان المقدرة تقديره يا ليتني أكون جذعا وهو قول الكسائي وقال القاضي عياض هو منصوب على الحال وهو قول النحاة البصرية وخبر ليت حينئذ قوله: فيها وأقول أو يكون ليت بمعنى أتمنى فينصب الجزءين وهو قول الفراء. قوله: ((أو مخرجي هم)) بفتح الواو وتشديد الياء وهو جمع مخرج فالياء الأولى ياء الجمع والثانية ضمير المتكلم فأدغمت الياء وفتحت تخفيفا لاجتماع الكسرتين والياءين استبعد النبي ﷺ أن يخرجوه من غير سبب فانه ﷺ ليس فيه فيما مضى ولا فيما بعده سبب يقتضي اخراجها بل كانت المحاسن الظاهرة المتظاهرة لا كرامه وانزاله بأعلى الدرجات انفسا له الفداء ﷺ : قوله: ((عودى)) هو فوعل من المعادلة. و ((يومك)) أي يوم ...
إخراجك أو وقت انتشار نبوتك و ((مؤزرا)) هو بميم مضمومة ثم همزة مفتوحة ثم زاي مفتوحة مشددة ثم راء أي قويا والأرز القوة. قوله: ((لم ينشب)) بياء مفتوحة ثم نون ساكنة ثم شين معجمة أي لم يلبث. قوله: ((أن توفي)) بدل اشتمال من ورقة أي لم يلبث وفاته ((وفتر الوحي معناه احتبس وقال ورقة فيه:
فانك حقا يا خديجة فاعلمي ... حديثك ايانا فأحمد مرسل
وجبريل يأتيه وميكال معهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل
فان قلت ما قولك في ورقة أتحكم بإيمانه ... . قلت لا شك انه كان مؤمنا بعيسى وأما
стр. 40
الايمان بنبينا ﷺ فلم يعلم انه زمن عيسى قد نسخ عند وفاته أم لا ولئن ثبت أنه كان منسوخا في ذلك الوقت فالأصح أن الإيمان التصديق وهو صدقه من غير أن يذكر ما ينافيه والله اعلم. قال ابن مالك في الشواهد ظن اكثر الناس أن يا التي تليها ليت حرف نداء والمنادى محذوف تقديره يامحمد ليتني كنت حيا نحو ياليتني كنت معهم أي ياقوم ليتني وهو عندي ضعيف لأن قائل ليتني يكون وحده فلا يكون معه منادى كقول مريم ((ياليتني مت قبل هذا)) أو لأن الشيء إنام يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادعى فيه حذفه مستعملا فيه ثبوته كحذف المنادي قبل أمر أو دعاء فإنه يجوز حذفه لكثرة ثبوتته ثمة فمن ثبوتته قبل الأمر يا يحيى خذ الكتاب وقبل الدعاء يا موسى أدع لنا ربك ومن حذفه قبل قبل الأمر ألا يا أسجدو في فراءة الكسائي أي يا هؤلاء أسجدو وقبل الدعاء
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلا .............. ولا زال منهلا بجرعائك القطر
أي يا دار اسلمي فحسن المنادى قبلها اعتبار ثبوته بخلاف ليت فإن المنادى لم تستعمله العرب قبلها ثابتا فادعاء حذفه باطل فتعيين كون يا هذه لمجرد التنبيه مثل ألا في نحو * ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة *
قوله: (إذ يخرجك قومك) استعمل فيه إذ موافقة لاذا في إفادة الاستقبال وهو استعمال صحيح غفل عن التنبيه عليه أكثر النحاة ومنه قوله: تعالى ((وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر)) وكما استعملت إذ بمعنى إذا استعملت إذا بمعنى إذ كقوله: تعالى ((وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها)) لأن الانفضاض واقع فيما مضى وأقول ليس التنبيه عليه من وظيفة النحاة بل هو وظيفة أهل المعاني وذلك إما وضعا للآتي موضع الماضي قطعا بوقوعه كاخبار الله تعالى عن المستقبل أو استحضارا للصورة الآتية في مشاهدة السامع تعجبا وتعجيبا ولذلك قال أو مخرجيّ استبعادا للاخراج وتعجبا منه. وقوله: ((أو مخرجيّ هم)) الأصل في أمثاله تقديم صرف العطف على الهمزة كما يقدم على غيرها من أدوات الاستفهام جزء من جملة الاستفهام وهي معطوفة على ماقبلها من الجمل والعاطف لا يتقدّم عليه جزء بما عطف عليه ولكن خصّت الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيها على أنه أصل أدوات الاستفهام لأنّ الاستفهام له صدر الكلام وقد خولف هذا الأصل في غير الهمزة فأرادوا التنبيه عليه وكانت الهمزة بذلك أولى لأالتها وقد غفل الزمخشري عن هذا المعنى فادّعى أنّ بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة معطوفا عليها بالعاطف ما بعده. وأقول لا يجوز فيما نحن فيه أن يقدّر تقديم حرف العطف على الهمزة لأنّ أومخرجيّ هم جواب ورد على قوله: إذ يخرجك على سبيل الاستبعاد والتعجب فكيف يستقيم العطف ولأنّ هذه إنشائيّة وتلك خبرية والحق أنّ الأصل أو مخرجيّ هم فأريد مزيد استبعاد وتعجب فجيء بحرف العطف على مقدّر تقديره أمعاديّ هم ومخرجي هم
стр. 41
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ، قَالَ، وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا
ــ
وأمّا إنكار الحذف في مثل هذا الموضع فمستعد لأنّ مثل هذه الحروف من حيلة البلاغة لاسيما حيث الأمارة قائمة عليها والدليل عليها ههنا وجود وجود العاطف ولا يجوز العطف على المذكور فيجب أن يقدّر بعد الهمزة ما يوافق المعطوف تقريرا للاستبعاد ومخرجي خبر مقدّم وهم مبتدأ مؤخر ولا يجوز العكس لأنّ مخرجيّ نكرة فإن إضافته لفظية إذ هو اسم فاعل بمعنى الاستقبال ولو روى مخرجي مخفف الياء على أنه مفرد لجاز وجعل مبتدأ وما بعده فاعل سد مسد الخبر لأنّ مخرجيّ صفة معتمدة على الاستفهام مستندة إلى ما بعدها لأنّه وإن كان ضميرا فهو منفصل والمنفصل من الضمائر يجري مجرى الظاهر. قال البخاري ﵁ ((قال ابن شهاب)) هو الإمام أبو بكر المشهور بالزهري ومثل هذا أي ما لم يذكر من أول الإسناد واحدا أو أكثر يسمّى تعليقا ولا يذكره البخاري إلاّ إذا كان مسندا عنده إما بالإسناد المتقدّم كأنّه قال حدثنا يحي ابن بكير حدّثنا الليث عن عقيل أنّه قال ابن شهاب أو بإسناد آخر وقد ترك الإسناد ههنا لغرض من الأغراض المتعلقة بالتعليق لكون الحديث معروفا من جهة الثقات كونه مذكورا في مواضع أخر أو نحوه. النووي: قال العلماء إذا كان الحديث ضعيفا لا يقال فيه قال لأنه من صيغ الجزم بل يقال حكي أو قيل أو يقال بصيغة التمريض وقد اعتنى البخاري وهذا مما يزيدك معرفة للفرق في صحيحه فيقول تارة بلفظ الجزم وأخرى بلفظ التمريض وهذا مما يزيدك اعتقادا في جلالته وتحقيقه. قوله:) واخبرني) إنما جاء بحرف العطف ليعلم أنه معطوف على أمر آخر ومسبوق بغير ذلك كله قال أخبرني عروة على ما تقدّم وأخبرني أبو سلمة بكذا أو كأمثاله. قوله: (أبو سلمة) بالسين المهملة واللام المفتوحة هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشّرة وهو قرشي زهري تابعي مدني إمام جليل أحد الفقهاء السبعة على قول من الأقوال توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين ومائة. قوله: (جابر بن عبد الله) هو ابن عبد الله بن عمر لبن حرام بفتح المهملة والراء الخزرجي الأنصاري المدني هو من كبار الصحابة وفضلائهم روى له عن رسول الله ﷺ ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثا نقل البخاري منها أربعة وثمانين شهد مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة توفي بالمدينة سنة ثلاث وتسعين وهو ابن أربع وتسعين وصلى عليه أبن بن عثمان والي المدينة يومئذ. قوله: (وهو يحدث عن فترة الوحي) جملة حالية أي قال
стр. 42
مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى قوله:: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ
ــ
في حال التحديث عن احتباس الوحي عن النزول وقال جابر في حالة التحدث أن رسول الله ﷺ قال: بينا أنا أمشي إذ سمعت) وبينا أصله بين فأشبعت الفتحة فصارت ألفا وهو من الظروف الزمانية اللازمة للإضافة إلى الجملة الاسمية والعامل فيه الجواب إذا كان مجرّدا من كلمة المفاجأة وإلاّ فمعنى المفاجأة المتضمنة هي إياها وتحتاج إلى جواب يتم به المعنى وقيل اقتضى جوابا لأنه ظرف متضمن المجازاة والأفصح في جوابه أن يكون فيه إذ وإذا خلافا للأصمعي والمعنى أن في أثناء أوقات المشي فاجأني السماع. قوله: ((كرسي)) الكرسي فيه لغتان ضم الكاف وكسرها والضمّ أفصح وجمعه كراسي بتشديد الياء وتخفيفها قال ابن السكيت كل ما كان من هذا النحو مفرده مشدد كعارية وسورية جاز في جمعه التشديد والتخفيف. قوله: ((فرعبت)) هو بضمّ الراء وكسر العين المهملة بمعنى فزعت. قوله: ((زمّلوني زملوني)) في أكثر الأصول مرتين وفي بعضها مرة. قوله: ((يا أيها المدثر)) لفظ المدثر والمزمل والمتلفف بمعنى واحد والجمهور أن معناه المدثر بثيابه وعن عكرمة أن معناه المدثر بالنبوة وأعبائها و ((قم فانذر)) معناه قم حذّر العذاب من لم يؤمن (وربك فكبر) أي عظمه ونزهه عما لا يليق به (وثيابك فطهر) قيل من النجاسة وقيل قصّرها وقيل المراد بالثياب النفس أي طهرها من كل نقص أي اجتنب النقائص (والرجز)) هو بكسر الراء في قراءة الأكثرين وروي عن عاصم بضمها وفسّر في الحديث بالأوثان والرجز في اللغة العذاب وسمى عبادة الأوثان والرجز في اللغة العذاب وسمى عبادة رجزا لأنها سبب العذاب وقيل المراد في الآية الشرك وقيل الذنب وقيل الظلم قوله: (فحمى) هو بفتح الحاء وكسر الميم معناه كثر نزه له وازداد من قوله: م حميت الشمس أي كثرت حرارتها وحمى وتتابع هما بمعنى واحد فأكد أحدهما بالآخر. النووي: زعم جماعة أن أول ما نزل من القرآن يا أيها المدثّر وقيل فاتحة الكتابة والصواب الذي عليه الجمهور أنّ الأول هو ((اقرأ باسم ربّك)) والقولان الأولان باطلان بطلانا ظاهرا ولا يغترّ بجلالة من نقلا عنه فإن المخالفين له هم الجماهير ثم ليس إبطالنا لقوله: تقليدا للجماهير بل تمسكا بالدلائل الظاهرة ومن أصرحها حديث عائشة ﵂ أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة إلى
стр. 43
يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ. وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ
ــ
قوله: ثم قال ((اقرأ باسم ربّك)) وأمّا ((يا أيّها المدثر)) فإنها نزلت بعد فترة الوحي وبعد نزول اقرأ كما صرح به في مواضع من هذا الحديث في قوله: وهو يحدّث عن فترة الوحي إلى فأنزل الله يا أيّها المدثّر وفي قوله: فإذا الملك الذي جاء ني بحراء وفي قوله: فحمي الوحي أي بعد فترته والله أعلم. قوله: قوله:. (تابعه عبد الله) أي التنيسي شيخ البخاري المذكور وهذا أول موضع جاء فيه ذكر المتابعة والبخاري ﵀ قد أكثر ذكر المتابعة في صحيحه فينبغي أن يتحفظ بمعناها والضمير في تابعه عائد إلى يحي بن بكير عبد الله تابع يحي في رواية هذا الحديث فرواه عبد الله عن الليث كما رواه عنه يحي والحاصل أن البخاري سمع الحديث بهذا الغسناد إلى رسول الله ﷺ عن يحي ثم ثبت عنده بذلك الإسناد أيضا عن عبد الله وكذا (أبو صالح) اسمه عبد الغفار بن داود بن مهران البكري يقال له الحرّاني ولد بإفريقية سنة أربعين ومائة وخرج به أبوه وهو طفل إلى البصرة وكانت أمه من أهلها فنشأ بها وتفقه وسمع الحديث ثم رجع إلى مصر فسمع الليث توفي بمصر سنة أربع وعشرين ومائتين أو عبد الله ابن صالح الجهني المصري وهذا هو الأظهر وإذا كان احد الراويين رفيقا للآخر من أول الإسناد إلى آخره يسمى بالمتابعة التامة وإذا كان رفيقا له لا من الأول يسمى بالمتابعة الناقصة ثم النوعان ربّما يسمّى المتابع عليه فيهما وربّما لا يسمّى. قوله: (وتابعه هلال ابن رداد عن الزهري) هو أهون نوعي المتابعةلأنه سمى المتابع عليه وهو الزهري فيعلم بالضرورة أن مراده أن هلالا تابع الرواي عن الزهري وهو عقيل بخلاف النوع الأول منها وهو قوله: تابعه عبد الله إذ لم يسم المتابع عليه وهو الليث وقد وقع في هذا الحديث للبخاري المتابعة التامّة والناقصة ولم يسم المتابع عليه في الأول وسمّاه في الثانية. ورداد براء براء ثم ثم بدالين مهملتين الاولى منهما مشدّدة طائي حمصي. قال النووي: بمثله لما قررناه في هذا الموضع لكن قال في مقدمة الكتاب ما يخالفه وهو أنّه قال ومما يحتاج إليه المعتنى بصحيح البخاري فادة ينبه عليها وهو أنه تارة يقول تابعه مالك عن أيوب وتارة يقول تابعه مالك ولا يزيد فإذا قال مالك عن أيوب فهذا ظاهر وأما إذا اقتصر على تابعه مالك عن أيوب فهذا ظاهر وأما إذا اقتصر على تابعه مالك فلا يعرف لمن المتابعة إلا من يعرف طبقات الرواة ومراتبهم وأقول على هذا فلا يعلم أنّ عبد الله يروي عن الليث أو عن غيره بخلاف التقرير الأول إلا أن يقال علم ذلك من معرفة الطبقات والمراتب. قوله: (يونس) هو ابن يزيد مشتقا من الزيادة القرشي مولى معاوية بن أبي سفيان الأيلي بفتح الهمزة وبالمثناة التحتانية نسبة إلى أيلة قرية من الشام سمع الزهري وروى عنه الليث قال احمد صالح كان الزهري إذا قدم على
стр. 44
بَوَادِرُهُ
٤ - حَدَّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثنا مُوسَى بْنُ
ــ
أيلة نزل على يونس وإذا سار إلى المدينة زامله يونس توفي سنة تسع وخمسين ومائة وفيه ستة أوجه ضم النون وكسرها وفتحها مع الهمز وتركه والضم بلا همز أفصح. قوله: (معمر) هو بفتح الميمين وسكون العين ابن راشد البصري سكن اليمن وسمع الزهري ومن فضائله أنه ليس بتابعي وقد روى عن أربعة من التابعين عمرو بن دينار وإسحاق السبيعي بفتح السين وكسر الموحدة والعين المهملة وهشام ابن عروة ويحي بن أبي كثير وهذه الأربعة وخمسين ومائة قوله: (بوادره) بفتح الباء الموحدة جمع للبادرة وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق تضطرب عند فزع الإنسان وحاصله أن أصحاب الزهري اختلفوا في هذه اللفظة فروى عقيل عن الزهري بإسناده المذكور الحديث وقال فيه يرجف فؤاده كما سبق وتابعه على هذه اللفظة هلال فرواها عن الزهري يرجف فؤاده كما رواها عقيل عن الزهري وأما يونس ومعمر فرويا عن الزهري يرجف بوادره فحصل اختلاف من أصحاب الزهري في الرواية عنه في هذه اللفظة وهم متفقون في رواية باقي الحديث عنه واعلم أن فائدة ذكر المتابعة التقوية ولهذا قد تدخل في باب المتابعة رواية من يحتج بحديثه وحده واعلم أن أيضا أن المتابعة التامة تشبه بوجه بما ذكره الحاكم أن شرط البخاري أن يرويه الصحابي المشهور له راويان وأن المتابعة الناقصة تشبه أن تكون من باب التعليق أيضا. قوله: (قال يونس) كما أنه تعليق يشبه أن يكون من باب الاستشهاد أيضا لأنه حديث آخر بمعناه وهو ذكر رجفان البوادر بدل رجفان الفؤاد والمقصود منها ظهور الخشية على نفسه المباركة ﷺ . قال البخاري ﵁ (حدثنا موسى بن اسماعيل) هو أبو سلمة المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف البصري التبوذكي بمثناة فوق مفتوحة ثم موحدة مضمومة وفتح الذال المعجمة روى عن أبي جعفر محمد بن سليمان قال قدم علينا يحي بن معين بالبصرة فكتب عن التبوذكي فقال يا أبا سلمة أريد أن أذكر لك شيئا فلا تغضب قال هات قال حديث همام عن ثابت عن أنس عن أبي بكر ﵄ في الغار لم يروه أحد من أصحابك إنما رواه عفان ولم أجده في صدر كتابك أنما وجدته على ظهره قال فما تريد قال تحلف لي أنك سمعته من همام فقال ذكرت أنك كتبت عني عشرين ألفا فإن كنت عندك فيها صادقا ينبغي ألا تكذبني في حديث وإن كنت عندك كاذبا فما ينبغي أن تصدقني فيها وترمي بها بنت أبي عاصم طالق ثلاثا إن لم أكن سمعته من همام والله لا أكلمك أبدا. توفي بالبصرة في رجب
стр. 45
أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثنا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ فِي قوله: تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ
ــ
سنة ثلاث وعشرين ومائتين وإنما قيل له التبوذكي لأنه نزل داره قوم من أهل تبوذك أو لأنه اشترى دارا بتبوذك وقيل التبوذكي هو الذي يتبع ما في بطون الدجاج من الكبد ونحوه. قوله: (أبو عوانة) بفتح العين والنون اسمه الوضاح وهو أبو عوانة بن عبد الله اليشكري بضم الكاف ويقال الكندي الواسطي مولى زيد بن عطاء البزار الواسطي أو مولى عطاء قال عفان كان أبو عوانة صحيح الكتاب ثبتا وهو في جميع حاله أصح عندنا من شعبة توفي سنة ست وسبعين ومائة روى أحمد ابن محمد بن أبان قال سمعت أبي يقول اشترى عطاء بن يزيد أبا عوانة ليكون مع أبيه وكان يزيد يطلب الحديث وأبو عوانة يحمل كتبه والمحبرة وكان لأبي عوانة صديق قاص وكان أبو عوانة يحسن إليه فقال القاص ما أدري بم أكافئه وكان بعد ذلك لا يجلس مجلسا إلا قال لمن حضره أدعوا الله لعطاء البزار فإنه قد أعتق أبا عوانة وقل مجلس إلا ذهب إلى عطاء من يشكره فلما كثر عليه ذلك أعتقه وأعلم أنه جرت عادة أهل الحديث بحذف قال ونحوه فيما بين رجال الإسناد في الخط وبكتابة ثنا مكان حدثنا وأنا مكان أخبرنا فينبغي للقارئ أن يلفظ بقال وحدثنا وأخبرنا صريحا ولو ترك لكان مخطئا لكن السماع صحيح للعلم بالمقصود ولدلالة الحال على المحذوف قوله: (موسى بن أبي عائشة) هو أبو الحسن الكوفي الهمداني بالميم الساكنة والدال المهملة مولى آل جعدة بفتح الجيم ابن أبي هبيرة بضم الهاء وكان الثوري يحسن الثناء عليه. قوله: (سعيد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة وسكون المثناة التحتانية وهو هشام الكوفي الأسدي الوالي بكسر اللام والموحدة منسوب إلى بني والبة بالولاء أمام مجمع عليه بالجلالة والعلو في العلوم والعظم في العبادة قال خلف بن خليفة حدثنا بواب الحجاج قال رأيت رأس سعيد بعد ما سقط إلى الأرض يقول لا إله إلا الله وقال خلف عن رجل إنه لما ندر رأس سعيد هلل ثلاث مرات يفصح بها أحواله الجميلة كثيرة جدا قتله الحجاج بن يوسف صبرا في شعبان سنة خمس وتسعين ولم يعش الحجاج بعده إلا أياما ولم يقتل أحدا بعده وجرى لسعيد في قصة قتله من الصبر وانشراح القلب لقضاء الله وإغلاظه القول للحجاج ماهو مشهور لائق بمرتبته وهو من كبار أئمة التابعين وكان له ديك يقوم من الليل لصياحه فلم يصح ليلة حتى أصبح فلم يصل سعيد تلك الليلة فشق عليه فقال ماله قطع الله صوته فما سمع له صوت بعد ذلك وسأل ابن عمر رجل عن فريضة فقال سل عنها سعيد بن جبير وكلن ابن عباس ﵄ إذا أتى أهل الكوفة إليه يسألونه يقول أليس أليس فيكم سعيد بن جبير وكان يقال لسعيد جهبذ العلماء. قوله: (عن ابن عباس) هو حبر
стр. 46
لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ
ــ
الأمة والبحر لكثرة علمه وفضله هو أبو العباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن عم رسول الله ﷺ وأمه أم الفضل أخت ميمونة زوج رسول الله ﷺ دعا له رسول الله ﷺ فقال اللهم علمه الكتاب وفي رواية اللهم فقهه في الدين وقال ابن مسعود نعم ترجمان القرآن ابن عباس وتعظيم عمر بن الخطاب له وتقديمه على الصغار والكبار معروف وهو أحد العبادلة وهم أربعة عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وابن العاص وأما قول الجوهري في الصحاح ... بدل ابن العاص ابن مسعود فمردود عليه لأنه منابذ لما قال أعلام المحدّثين كالإمام أحمد ابن حنبل وغيره وهم أهل هذا الشأن والمرجوع فيه إليهم وابن عباس أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله ﷺ قال أحمد بن حنبل ستة من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر رواية عنه وهم أبو هريرة وابن عمر وعائشة وجابر ابن عبد الله وأنس وابن عباس ﵃ وأبو هريرة أكثرهم حديثا وليس أحد من الصحابة يروي عنه في الفتوى أكثر من ابن عباس ومن مناقبه أن رسول الله ﷺ حنكه بريقه وعن مميمون بن مهران قال شهدت جنازة ابن عباس فلما وضع ليصلى عليه جاء طائر أبيض حتى وقع على أكفانه ثم دخل فالتمس فلم يوجد فلما سوي عليه التراب سمعنا صوتا ((يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربّك)) إلى آخر الآية ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وتوفي النبيّ ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة على المشهور وتوفي بالطائف سنة ثمان وستين صلى عليه محمد ابن الحنفية وقال اليوم مات ربّاني هذه الأمة روى له عن رسول الله ﷺ ألف حديث وستمائة حديث وستون حديثا ذكر البخاري منها مائتين وخمسة عشر قال عطاء ما رأيت القمر ليلة الرابع عشر إلا ذكرت وجه ابن عباس من حسنه وقد عمي في أواخر عمره وكذا أبوه العباس وجده عبد الله المطلب وكان لموضع الدمع من خدي ابن عباس أثر لكثرة بكائه ﵁. قوله: (كان يعالج) إما مفعول به ليعالج وإما مفعول مطلق أي معالجة شديدة وإنما حصلت المعالجة الشديدة لعظم ما يلاقيه من الملك والقول الثقيل ويؤيده ما تقدم من قوله: وهو أشدّه على إذ يفهم منه الشدّة في الحالتين اللتين للوحي مع أن أحداهما أشد من الأخرى. قوله: (وكان مما يحرك) أي كان العلاج منه أو بمعنى من إذ قد تجيء
стр. 47
شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قَالَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ: ﴿فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قَالَ: فَاسْتَمِعْ
ــ
للعقلاء أيضا أي وكان ممن يحرّك. قوله: (فقال ابن عباس) إلى قوله: فأنزل الله جملة معترضة بالفاء وذلك جائز كما قال الشاعر:
واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا
قوله: (فأنزل الله) عطف على قوله: كان يعالج ولفظ كان في مثل هذا التركيب يفيد الاستمرار والتكرار. القاضي عياض: معناه كثيرا ما كان يفعل ذلك وقيل معناه هذا من شأنه ودأبه. قوله: (فأنا أحركهما لك) وفي بعض النسخ لكم وتقديم أنا على الفعل يشعر بتقوية الفعل ووقوعه لا محالة وقال ههنا (كما كان رسول الله ﷺ يحركهما) وقال في الأخرى (كما رأيت ابن عباس يحركهما) بلفظ رأيت والعبارة العبارة الأولى أعم من أنه رأى بنفسه تحريك رسول الله ﷺ كان ابن ثلاث عشرة سنة وفيه أنه يستحب للمعلم أن يمثل للمتعلم بالفعل ويريد الصورة بفعله إذا كان فيه زيادة على بيان الوصف بالقول. قلت القرآن يدل على تحريك رسول الله ﷺ لسانه لا شفتيه فلا تطابق بين الوارد والمورود فيه. قلت التطابق حصل لأن التحريكين متلازمان غالبا أو لأنه كان يحرك الفم المشتمل على اللسان والشفتين فيصدق كل واحد منهما والله أعلم ومثل هذا الحديث يسمى بالمسلسل بالتحريك لكن في الطبقة الأولى أي طبقة الصحابة والتابعين لا في جميع الطبقات. قوله: (قال) أي ابن عباس في تفسير جمعه أي جمع الله لك في صدرك وقال في تفسير وقرآنه أي تقرأه يعني المراد بالقرآن القراءة لا الكتاب المنزل على محمد ﷺ للاعجاز بسورة منه أي أنه مصدر لا علم للكتاب وفي بعض الروايات صدرك بالرفع باسناد الجمع إلى الصدر بالمجاز لملابسة الظرفية إذ الصدر ظرف الجمع وهو مثل أنبت الربيع البقل يعني أنبت الله في الربيع البقل والمراد منه جمع الله في صدرك. قوله: (فاستمع) هو تفسير فاتبع
стр. 48
لَهُ وَأَنْصِتْ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ، قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَرَأَهُ - حَدَّثنا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخبَرَنا يُونُسُ، عَنِ
ــ
يعني قراءتك لا تكون مع قراءته بل تابعة لها متأخرة عنها فتكون أنت في حال قراءته ساكتا والفرق بين السماع والاستماع أنه لا بد في باب الافتعال من التصرف والسعي في ذلك الفعل ولهذا ورد في القرآن ((لها ماكسبت وعليها مااكتسبت)) بلفظ الاكتساب في لفظ الشر لأنه لا بد فيه من السعي بخلاف الخير فالمستمع هو المصغي القاصد للسماع وقال الفقهاء تسن سجدة التلاوة للمستمع لا للسامع قوله: (وأنصت) همزته همزة قطع قال الله تعالى ((فاستعمعوا له وأنصتوا)) وفيه لغتان إنصت بكسر الهمزة وتصنت وانصت ومعنى الكل اسكت. قوله: ((ثم إن علينا أن تقرأه)) أي مرة بعد أخرى وقيل المراد ثم إن علينا بيان مجملاته وشرح مشكلاته واستدل الأصوليون به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب كما هو مذهب أهل السنة وذلك لأن ثم تدل على التراخي قوله: (كما قرأه) أي جبريل ﵇ ثم أقرأه ومناسبة هذا لما ترجم عليه الباب ظاهرة لأنه بيان حال رسول الله ﷺ في ابتداء الوحي أو عند ظهور الوحي قال الزمخشري في الكشاف لا تحرك به أي بالقرآن وكان رسول الله ﷺ إذا لقن الوحي نازع جبريل القراءة ولم يصبر إلى أن يتمها مسارعة إلى الحفظ وخوفا من أن يتفلت منه فأمر بأن ينصت له ملقيا إليه بقلبه وسمعه حتى يقضي إليه وحيه والمعنى لا تحرك لسانك بقراءة الوحي مادام جبريل يقرأه لتأخذه على عجلة ثم علل النهي عن العجلة بقوله: (إنا علينا جمعه)) في صدرك واثبات قراءته في لسانك (فإذا قرأناه) جعل قراءة جبريل قراءته والقرآن القراءة (فاتبع قرآنه) فكن مقتفيا له وطمئن نفسك انه لا يبقى غير محفوظ فنحن في ضمان لحفظه (ثم إن علينا بيانه) إذا أشكل عليك شيء من معانيه كأنه كان يعجل في الحفظ والسؤال عن المعنى معا كما ترى بعض الحراص على العلم ونحو ((ولاتعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه)) قال البخاري ﵁ (حدثنا عبدان) هو بفتح العين المهملة بالموحدة الساكنة والدال
стр. 49
الزُّهْرِيِّ ح وَحَدَّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخبَرَنا يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ.
ــ
المهملة لقب عبد الله بن عثمان العتكي بالعين المهملة المفتوحة وبالمثناة الفوقانية المفتوحة وهو أبو عبد الرحمن المروزي مولى المهلب بفتح اللام المشددة ابن أبي صفرة بضم الصاد المهملة توفي سنة إحدى أو اثنين وعشرين ومائتين. قوله: (عبد الله) أي ابن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم المروزي هو الإمام المتفق على جلالته وإمامته وعظم محله وسيادته وورعه وعبادته وسخائه وشجاعته تستنزل الرحمة بذكره وترتجى المغفرة بحبه هو من تابعي التابعين وكان أبوه تركيا مملوكا لرجل من همدان وأمه خوارزمية. روى عن الحسن بن عيسى أنه قال اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك فقالوا تعالوا حتى نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخبر فقالوا جمع العلم والفقه والأدب والنحو واللغة والزهد والشعر والفصاحة والورع والإنصاف وقيام الليل وسداد الرأي وقال عمال ابن الحسين يمدحه:
إذا سار عبد الله عن مرو ليلة ... فقد سار منها نورها وجمالها
إذا ذكر الأخيار في كل بلدة ... فهم أنجم فيها وأنت هلالها
وقال ابن المهدي ابن المبارك أفضل من الثوري فقيل إن الناس يخالفونك فقال بما لم يعرفوا ما رأيت مثل ابن المبارك وقال أبو أسامة: ابن المبارك في أصحاب الحديث مثل أمير المؤمنين في الناس وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين وقال أحمد بن حنبل لم يكن في زمن ابن المبارك أطلب منه رحل إلى اليمن والشام ومصر والبصرة والكوفة وكان من رواة العلم وأهل لذلك كتب عن الصغار والكبار ما كان أحد أقل سقطا منه كان يحدث عن الكبار وقال ابن أبي جميل قلنا لابن المبارك يا عالم الشرق حدثنا فسمعها سفيان فقال ويحكم هو عالم الشرق والغرب وما بينهما وقيل لما قدم هرون الرشيد الرقة أشرفت أم ولد من قصره فرأت الغبرة قد ارتفعت والبغال قد تقطعت وانحفل الناس فقالت ما هذا قالوا قدم عالم من خراسان يقال له ابن المبارك قالت هذا والله الملك لا ملك هرون الرشيد الذي لا يجمع الناس إلا بالسوط والخشب ولد بمرو سنة ثلاث عشرة ومائة وتوفي بهيت العراق منصرفا من الغزو سنة إحدى وثمانين ومائة. قوله: (يونس) هو ابن يزيد القرشي وقد تقدم والزهري هو الإمام محمد بن مسلم المشهور بابن شهاب اسم جده وبالزهري أيضا وقد مر. وقال الشافعي لولا الزهري لذهبت السنن من المدينة. قوله: (بشر) بكسر الموحدة والشين
стр. 50
عَنِ الزُّهْرِيِّ، نَحْوَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ
ــ
المعجمة الساكنة هو محمد السختياني المروزي والسختيان فارسي معرب ومعناه الجلد توفي سنة أربع وعشرين ومائتين ٠قوله: ((معمر)) بفتح الميمين وبالعين المهملة الساكنة وبالراء وهو ابن راشد البصري وقد تقدم أيضا واعلم أن البخاري حدث هذا الحديث عن الشيخين عبد الله وبشر كليهما ع نعبد الله بن المبارك والشيخ الاول ذكر لعبد الله شيخا واحدا وهو يونس والثاني ذكر له شيخين يونس ومعمرا ووجد في بعض النسخ قبل لفظ وحدثنا بشر ح اي حاء مهملة مفردة وعادتهم انه إذا كان للحديث اسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من الإسناد إلى الاسناد ذلك أي مسمى حرف الحاء فقيل لأنها مأخوذة من التحويل لتحوله من إسناد إلى آخر وإنه يقول للقارئ إذا انتهى اليها ح مقصورة ويستمر في قراءة ما بعدها وفائدته أن لا يركب الإسناد الثاني مع الأول فيجعلا إسنادا واحدا وقيل أنها من حال بين الشيئين إذا حجز لكونها حالت بين الإسنادين فإنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء وقيل أنها رمز لقوله: الحديث وأهل المغرب يقولون إذا وصلوا إليها الحديث وقد كتب جماعة من الحفاظ موضعها صح فيشعر بأنها لفظ صح لئلا يتوهم أنه سقط من الإسناد الأول قال النووي في شرح صحيح مسلم وهذه الحاء كثيرة في صحيح مسلم قليلة في صحيح البخاري ٠قوله: ((عبيد الله)) بلفظ المصغر هو ابن عبد الله بن عتبة بضم المهملة وسكون الفوقانية وبالموحدة ابن مسعود الهذلي المدني أبو عبد الله أحد فقهاء المدينة السبعة وقد جمعهم الشاعر في بيت كما تقدم
فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجة
قال الزهري ما جالست أحدا من العلماء إلا ورأيت أني قد أتيت على ما عنده ما خلا عبيد الله فإني لم آته إلا وجدت عنده علما طريفا ومن جملة تلامذته عمر بن عبد العزيز الخليفة وتوفي سنة تسع أو ثمان وخمسين أو أربع وتسعين وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده عن عبد الله بن عتبة والد عبيد الله قال أذكر أن النبي ﷺ أخذني وأنا خماسي أو سداسي فأجلسني في حجره ومسح راسي ودعا لي ولذر بتي بالبركة وفي هذه منقبة لعبيد الله ﵁ ٠قوله: ((أجود الناس)) هو افعل التفضيل من الجود وهو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي هو اسخى سائر الناس لما كانت نفسه اشرف النفوس ومزاجه اعدل الأمزجة لا بد أن يكون فعله أحسن الأفعال وشكله أملح الأشكال وخلقه أحسن الأخلاق فلا شك يكون أجود فكيف لا وهو مستغن عن الفانيات
стр. 51
رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ.
٦ - حَدَّثنا أَبُو اليَمَانِ
ــ
بالباقيات الصالحات وكان في رمضان أكثر موسم الخيرات ولأن الله يتفضل عل عباده في رمضان ما لا يتفضل في غيره فكان يؤثر متابعة سنة الله في عباده ولأنه كان يصادف البشرى من الله بملاقاة أمين الوحي ويتابع إمداد الكرامة عليه فينعم على عباد الله بما أنعم الله عليه ويحسن إليهم كما أحسن الله إليه وفيه امتثال قوله: تعالى في تقديم الصدقة على النجوى إذ جبريل رسول أيضا أو شبيه بذلك ٠فان قلت آية النوى منسوخة قلت الوجوب إذا نسخ بقي الندب وثبت في شرح السنة أنه ﷺ كان من أجمل الناس وكان من أجود الناس وأشجع الناس. قوله: ((وكان أجود ما يكون)) لفظ أجود بالرفع لأنه اسم كان وخبره محذوف حذفا واجبا إذ هو نحو أخطب ما يكون الأمير قائما ولفظ ما مصدرية أي أجودا كوان الرسول٠و ((في رمضان)) في محل الحال واقع موقع الخبر الذي هو حاصل ٠و ((حين يلقاه)) حال من الضمير الموجود في حاصل المقدر فهو حال عن حال ومثلها يسمى بالحالين المتداخلين ومعناه وكان أجود أكوانه حاصلا في رمضان حال الملاقاة ويحتمل أن يكون في كان ضمير الشأن فيكون المعنى كان الشأن أجود أكوانه حاصلا في رمضان عند الملاقاة وقيل الوقت مقدر كما في مقدم الحاج أي أجود أوقات أكوانه وقت كونه في رمضان وإسناد الجود في أوقاته ﷺ على سبيل المبالغة كإسناد الصوم إلى النهار في نحو نهاره صائم٠قال النووي الرفع أصح وأشهر ويجوز فيه النصب ٠قوله: ((وكان يلقاه)) يحتمل كون الضمير المرفوع لجبريل والمنصوب للرسول وبالعكس ٠قوله: ((فيدارسه القرآن)) بنصب القرآن لأنه المفعول الثاني للمدارسة إذ الفعل المتعدي إذا نقل إلى باب المفاعلة يصير متعديا إلى اثنين نحو جاذبته الثوب ومعناه أنهما يتناوبان في قراءة القرآن كما هو عادة القراء بأن يقرأ مثلا هذا عشرا وهذا عشرا أو إنهما يشتركان في القراءة يعني يقرآن معا والدرس القراءة على سرعة وقدرة عليه كأنك تجعل الشيء الذي تقرؤه مذللا لأن أصل الدرس الوطء والتذليل وفائدة درس جبريل تعليم الرسول ﷺ بتجويد لفظه وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها وليكون سنة في حق الأمة كتجويد التلامذة على الشيوخ قراءتهم ٠قوله: ((فلرسول)) بفتح اللام لأنه لام الابتدا زيد على المبتدا للتأكيد ((والمرسلة)) بفتح السين يعني هو أجود منها في عموم النفع
стр. 52
الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ
ــ
والإسراع فيه فالجهة الجامعة بينهما إما الامران وإما أحدهما ولفظ الخير شامل لجميع أنواعه بحسب اختلافات حاجات الناس وكان ﷺ يجود على كل واحد منهم بما يسد خلته ويشفي علته ويسقي غلته وفي الكلام تخصيص بعد تخصيص على سبيل الترقي فضل أولا جوده مطلقا على الناس كلهم وثانيا جوده في رمضان على وجوده في سائر أوقاته وثالثا عند لقاء جبريل على رمضان مطلقا ومعنى إرسال الروح إما هو على إطلاقه يعني اللام فيها للجنس وإما تقييده بالإرسال للرحمة يعني اللام للعهد قال تعالى ((وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته)) وقال تعالى ((والمرسلات عرفا)) أي الرياح المرسلات للمعروف على احد التفاسير وشبه نشر وجوده بالخير في العباد بنشر الريح القطر في البلاد وشتان ما بين الأمرين فإن أحدهما يحي القلب بعد موته والآخر يحي الأرض بعد موتها. النووي: وفي الحديث فوائد كثيرة منها الحث على الجود والإفضال في كل الأوقات والزيادة منها في رمضان وعند الاجتماع بالصالحين ومنها زيارة الصلحاء وأهل الفضل ومجالستهم وتكرير زيارتهم ومواصلتها إذا كان المزور لا يكره ذلك ومنها استحباب الإكثار من القراءة في رمضان ومنها استحباب مدارسة القرآن وغيره من العلوم الشرعية ومنها أنه لا بأس بقول رمضان من غيره ذكر الشهر ومنها أن القراءة أفضل من التسبيح وسائر الأذكار إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويا لها لفعلاه دائما أو في أوقات مع تكرار اجتماعهما فان قبل المقصود تجويد الحفظ والجواب أن الحفظ كان حاصلا والزيادة فيه تحصل ببعض هذه المجالس وقال البخاري ﵁ ((حدثنا أبو اليمان)) بالمفتوحة المثناة التحتانية ٠و ((الحكم)) بفتح الحاء المهملة والكاف٠و ((نافع)) بالنون والفاء وهو حمصي بهرائي مولى امرأة من بهراء بالموحدة المفتوحة والراء والمد يقال لها أم سلمة روى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والدهلي وأبو حاتم وخلائق قال يحيى قال أبو اليمان لم أخرج من المتأولة إلى أحد شيئا ولد سنة ثمان وثلاثين ومائة وتوفي سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومائتين ٠قوله: ((شعيب)) هو ابن أبي حمزة بالحاء والزاي القرشي الأموي مولاهم الحمصي أثنى عليه الأئمة بالحفظ والفقه والإتقان توفي سنة اثنين وستين ومائة وأما ((الزهري)) فهو بضم الزاي ٠و ((عبيد الله)) بلفظ المصغر ٠ ((وعتبة)) بضم العين المهملة وبالمثناة الفوقية الساكنة بالموحدة المفتوحة ٠و ((عبد الله بن العباس)) هو حبر الأمة وقد تقدم ذكرهم وقال أولا حدثنا وثانيا بلفظ أخبرنا وثالثا بكلمة عن ورابعا بلفظ اخبرني محافظة على الفرق الذي بين العبارات أو حكاية عن ألفاظ الرواة بأعيانها مع قطع النظر عن الفرق أو تعليمها لجواز استعمال الكل أن قلنا بعدم
стр. 53
ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا
ــ
الفرق بينهما قوله: ((أبا سفيان)) هو صخر بالخاء المعجمة ابن حرب بالحاء المهملة والراء والموحدة لا المثلثة ابن أمية وكان شيخ مكة والد معاوية وقد ولد قبل الفيل بعشر سنين وأسلم زمن فتح مكة وكان شيخ مكة حينئذ ورئيس قريش وشهد مع رسول الله ﷺ حنينا وشهد الطائف وفقئت عينه يومئذ ونزل المدينة وتوفي بها سنة إحدى أو أربع وثلاثين ودفن بالبقيع وصلى عليه عثمان ﵃ ٠قوله: ((هرقل)) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف ويقال أيضا بكسر الهاء والكاف وسكون الراء اسم علم له فهو غير منصرف للعلمية والعجمة وهو صاحب حروب الشام ملك إحدى وثلاثين سنة وفي ملكه مات النبي ﷺ ولقبه قيصر وكذا كل من ملك الروم يقال له قيصر كما أن ملك فارس يسمى كسرى وملك الحبشة بالنجاشي وملك الترك خاقان وملك القبط بفرعون وملك مصر بالعزيز وملك حمير يتبع ونحوه ٠قوله: ((في ركب)) جمع راكب كتجر وتاجر وهم أصحاب الابل العشرة فما فوقها ومعناه ... أرسل في شأن الركب وطلبهم إليه٠و ((قريش)) هم ولد النضر ابن كنانة وقيل ولد فهر بن مالك بن النضر واختلف في سبب تسميتهم قريشا فقيل من القرش ٠هو الكسب والجمع لتكسبهم ولتجمعهم بعد التفرق وقيل سموا باسم دابة في البحر من أقوى دوابه لقوتهم وسأل معاوية ابن عباس بم سميت قريش قال بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى والتصغير للتعظيم وان أردت به الحي صرفته وإن أردت القبيلة لم تصرفه والفصيح الصرف وبه ورد القرآن ٠قوله: ((تجارا)) فيه لغتان كسر التاء وتخفيف الجيم كصاحب وصحاب وضم التاء وتشديد الجيم ولفظ ((بالشأم)) اما أن يتعلق بتجارا أو بكانوا أو يكون وصفا آخر لركب والشأم هو الاقليم المعروف ديار الأنبياء وقد دخله نبينا محمد ﷺ مرتين قبل النبوة مرة مع عمه ابي طالب وهو ابن ثنتي عشرة سنة حتى بلغ بصرى وهوحين لقيه الراهب التمس الرد إلى مكة ومرة في تجارة لخديجة إلى سوق بصرى وهو ابن خمس وعشرين سنة ومرتين بعد النبوة احداهما ليلة الاسراء وهو من مكة والثانية من غزوة تبوك وهو من المدينة وهو مهموز كرأس ويخفف كراس وفيه لغة ثالثة شآم بفتح الشين والمد وهو مذكر وقال الجوهري
стр. 54
بِالشَّأمِ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلْيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ
ــ
يذكر ويؤنث وحد الشام من العريش إلى الفرات ومن أيلة إلى بحر الروم ٠قوله: ((ماد)) بتشديد الدال وهوفعل ماض من المفاعلة يقال ماد الغريمان إذا اتفقا على اجل الدين وضربا له زمانا وهو من المدة أي القطعة من الزمان يقع على القليل والكثير وهذه المدة هي صلح الحديبية الذي جرى بين النبي ﷺ وبين أبي سفيان حاكي القصة وكفار قريش سنة ست من الهجرة فان قلت هذا في أواخر عهد البعثة فما مناسبته لما ترجم عليه الباب وهي كيفية بدء الوحي ٠قلت المراد منه كيفية بدء الوحي يعلم من جميع ما في الباب لا من كل حديث منه فيكفي في كل حديث مجرد أدنى مناسبة مثل ما يعلم من حديث أن في حال ابتداء الوحي المتابعون للنبي ﷺ الضعفاء ٠قوله: ((فأتوه)) الفاء فصيحة إذ تقدير الكلام أرسل إليه في طلب ايتان الركب إليه الرسول فطلب إيتانهم فأتوه ونحوه قوله: تعالى ((فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت)) ((وإيلياء)) هو بيت المقدس وفيه ثلاث لغات أشهرها كسر الهمزة واللام وسكون الياء بينهما والمد والثانية مثلها إلا أنها بالقصر والثالثة حذف الياء الاولى وسكون اللام والمد وقيل معناه بيت الله ٠قوله: ((فدعاهم في مجلسه)) فان قلت الدعاء مستعمل بالي نحو والله يدعو دار السلام فالمناسب فدعاهم إلى مجلسه. قلت في ليس اصلة للدعاء اذ المراد دعاهم حالة كونه في مجلسه أي محل حكمه لاحالة كونه في الخلوة أوفي الحرم ونحوه وفي بعض الكتب دعاهم وهو جالس في مجلس ملكه عليه التاج وفي شرح السنة دعاهم لمجلسه٠قوله: ((وحوله عظماء)) وحواليه وحواله وحوليه بفتح اللام فيهن بمعنى واحد ٠وأما ((الروم)) فهم هذا الجيل المعروف. الجوهري: هم ولد الروم بن عيصو وكأنه غلب اسم أبيهم فصار كالاسم للقبيلة. قوله: ((بالترجمان)) بضم التاء وفتحها والجيم مضمومة بينهما وهو المعبر بلغة عن لغة والمفسر بلسان عن لسان والتاء فيه أصلية وقيل زائدة يقال ترجمت الشيء إذا بينته ووقفت عليه غيرك ممن لا يقف عليه بنفسه. فان قلت الدعاء متعد بنفسه فلا حاجة إلى الباء. قلت الباء زائدة للتوكيد نحو قوله: تعالى ((ولاتلقوا بأيديكم إلى التهلكة)) وفي بعض النسخ بدون الباء كذا دعا ترجمانه. الجوهري ويجوز
стр. 55
أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، فَوَاللهِ لَوْلَا الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَاثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ
ــ
فيه فتح الجيم نحو الزعفران. قوله: ((فقال)) أي الترجمان والفاء أيضا فصيحة أي فقال للترجمان قل أيكم أقرب فقال الترجمان. قوله: ((أيكم أقرب)) فان قلت أقرب أفعل التفضيل لا بد أن يستعمل بأحد الوجوه الثلاثة الإضافة واللام ومن وهمنا مجرد عنها ثم إن معنى القرب فلا بد وأن يكون من شيء فأين صلته قلت كلاهما محذوفان أي أيكم أقرب للنبي ﷺ غيركم وإنما سأل أقربهم لأنه أعلم بحاله ولأنه أبعد من أن يكذب في نسبه ويقدح فيه لان نسبه هو نسبه وأما القرابة يبنهما فرسول الله ﷺ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأبو سفيان هو ابن حرب بن أمية بن عبد شمس عبد مناف قال أبو سفيان وليس في الركب يومئذ أحد من بني عبد مناف غيري. قوله: ((عند ظهره)) إنما فعل هكذا ليكون أهون عليهم في تكذيبه إن كذب لأن مقابلته بالكذب في وجهه صعبة. قوله: ((فان كذبني)) أي نقل إلى الكذب وقال لي خلاف الواقع. التيمي: كذب يتعدى على مفعولين يقال كذبني الحديث وكذا نظيره صدق قال الله تعالى ((لقد صدق الله رسوله الرؤيا)) وهما من غرائب الألفاظ ففعل بالتشديد يقتصر على مفعول واحد وفعل بالتخفيف يتعدى إلى مفعولين ولفظ ((لكذبت عنه)) يجوز أن يكون مبهما ومعناه إن كذب لا تستحيوا منه فتسكتوا عن تكذيبه بل كذبوه. قوله: ((فوالله)) كلام أبي سفيان لا كلام الترجمان. و ((يأثروا)) بضم المثلثة وكسرها يقال أثرت الحديث إذا رويته ومعناه لولا الحياء من أن رفقتي يروون عني ويحكون عني في بلادي كذبا فأعاب به لأن الكذب قبيح وان كان على العدو لكذبت ويعلم منه قبح الكذب في الجاهلية أيضا وقيل هذا دليل لمن يدعي أن قبح الكذب عقلي وأقول لا يلزم منه لجواز أن يكون قبحه بحسب العرف أو مستفادة من الشرع السابق. قوله: ((لكذبت عنه)) أي لأخبرت عن حاله بكذب لبغضي إياه ولمحبتي نقصه. قوله: ((أول)) بالرفع اسم كان وخبره أن قالوا ويجوز العكس وجاء به الرواية. قوله: ((قط)) بفتح القاف وشدة الطاء المضمومة هو المشهور
стр. 56
قَالَ هَذَا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا، قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا
ــ
ومنهم من يقول بضمتين ومنهم من يقول بفتح القاف وتخفيف الطاء ومنهم من يضمها مع التخفيف وهو لا يستعمل إلا في الماضي المنفي. فان قلت فأين النفي ههنا قلت الاستفهام حكمه حكم النفي فيه وفي بعض الروايات بدل قبله مثله فيكون منصوبا على أنه بدل من هذا القول. قوله: ((من ملك)) روى على وجهين ملك بصفة المشبهة ومن حرف الجر وبلفظ الماضي ومن موصولة والأول أشهر. قوله: ((فأشراف الناس)) أي كبارهم وأهل الأحساب. و ((سخطة)) بفتح السين وهي الكراهة للشيء وعدم الرضا به. قوله: ((يغدر)) بكسر الدال والغدر ترك الوفاء بالعهد وهو مذموم عند جميع الناس. قوله: ((لا ندري)) فيه إشارة إلى أن عدم غدره غير مجزوم به. قالأ بو سفيان ((أدخل فيها شيئا)) أي غير الواقع أي لم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا أنتقصه به غير هذه. و ((غير)) إما منصوب صفة لشيئا وإما مرفوع صفة لكلمة. فان قلت كيف يكون صفة لهما وهما نكرة وهو مضاف إلى المعرفة قلت كلمة غير لا تتعرف بالإضافة إلا إذا اشتهر المضاف بمغايرة المضاف إليه وههنا ليس كذلك. و ((قتالكم إياه)) هو أفصح من قتالكموه باتصال الضمير فلذلك فصله. قوله: ((سجال)) بكسر السين والجيم جمع سجل وهو الدلو الكبير أي ينوبه نوبة لنا كما قال الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر
стр. 57
وَنَنَالُ مِنْهُ، قَالَ: مَاذَا يَامُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَامُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ وَالصِّلَةِ، فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ، هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا القَوْلَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا القَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ رَجُلٌ يَاتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ
ــ
شبه المتحاربين بالمستقيين هذا دلوا وذاك دلوا. فإن قلت الحرب مفرد والسجال جمع فلا مطابقة بين المبتدأ والخبر. قلت الحرب اسم جنس. قوله: ((ينال)) أي يصيب. ومعنى ((ما بقول أبائكم)) عبادة الأوثان وإنما بالغ فيها حيث ذكرها بثلاث عبارات لانعا كانت أشد الأشياء عليه وأهم عنده أو لأنه فهم أن هرقل من الذين قالوا يالإشراك من النصارى فأراد تحريكه وتنفيره عن دين التوحيد والله أعلم. قوله: ((الصلاة)) هي أم العبادات البدنية وهي العبادة التي مفتتحها التكبير ومختتمها التسليم ((والصدق)) هو القول المطابق للواقع ((والعفاف)) بفتح العين الكف عن الحرام وخوارم المروءة ((والصلة)) المراد بها صلة الرحم وكل ما أمر به أن يوصل وذلك بالبشر والإكرام وحسن المراعاة ولو بالسلام وصلة الرحم هو تشريك ذوي القرابات في الخير واختلوا في الرحم فقيل هو كل ذوي رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى حرمت مناكحتهما فلا يدخل أولاد الأعمام فيه وقيلهو عام في كل ذوي رحم في الميراث محرما وغيره وقد جمع وصفه رسول الله ﷺ في هذه الامور الأربعة بتمام مكارم الأخلاق لأن الفضيلة إما قولية وهي الصدق وإما فعلية والفعلية إما بالنسبة إلى غيره وهي الصلة وأشار بقوله: ((ولا تشركوا واتركوا)) إلى التخلي عن الرذائل. بقوله: ((يأمرنا بالصلاة)) الخ إلى التحلي بالفضائل ومحصله أنه ينهانا عن النقائص ويأمرنا بالكمالات وهو معنى التكميل المقصود من الرسالة. قوله: ((وكذلك الرسل)) يعني هم أفضل القوم وأشرفهم والحكمة فيه أن من شرف نسبه كان أبعد من انتحال الباطل أن أقرب لانقياد الناس إليه. قوله: ((رجل يتأسى)) أي يقتدي ويتبع وهو بهمزة بعد الياء وفي بعض
стр. 58
وَسَأَلْتُكَ، هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَنْ مَلَكَ، قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ، هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ، وَسَأَلْتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ
ــ
الروايات يتأسى من باب التفعل وهو بمعناه. قول ((وهم أتباع الرسل)) وذلك أن الأشراف يأنفون من تقدم مثلهم عليهم والضعفاء لا يأنفون فيسرعون إلى الانقياد وإتباع الحق وهذا بحسب الغالب وإلا فقد كان فيهم الأشراف كالصديق ﵁ وغيره في أوائل البعثة وإلا ففي الأواخر لا يستنكفون بل يفتخرون. قوله: ((أيرتد)) سؤاله عن الإرتداد هو لان من دخل على بصيرة في أمر محقق لا يرجع عنه بخلاف من دخل في أباطيل. فان قلت قد ارتد كثير ممن آمن به فما وجههقلت اما لأنه لم يرتد أحد حينئذ واما لأن الارتداد لم يكن لبعض الدين بل لحب الرياسة ونحوه. قوله: ((بشاشته)) أي بشاشة الاسلام وهو انشراحه ووضوحه وفي بعض الروايات ((بشاشة القلوب)) باضافة البشاشة أي يخالط الإيمان انشراح الصدور وأصلها اللطف بالإنسان عند قدومه واظهار السرور برؤيته وهو بفتح الباء يقال بش بشاشة وأما سؤاله عن الغدر فلأن من طلب حفظ الدنيا لايبالي بالغدر وغيره مما يتوصل به إليها ومن طلب الآخرة لم يرتكب قدرا ولاغيره من القبائح
стр. 59
بِمَا يَامُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَامُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَامُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ
ــ
قوله: ((فذكرأنه يأمركم)) فان قلت ما قال أبو سفيان يقول بلفظ الأمرفلم غير هرقل عبارته. قلت تعظيما للرسول ﷺ وتأدبا له ولهذا سأل فيما تقدم أيضا بلفظ ما يأمركم وعدل أبوسفيان عن لفظ يأمرنا إلى أن يقول بخلاف ذلك. فان قلت لاتشركوا كيف يكون مأمورا به والعدم لا يؤمر به اذ لا تكليف إلا بفعل سيما في الأوامر. قلت المراد به التوحيد فان قلتلا تشركوا نهى فما معنى ذلك اذ لايقال له أمر قلت الاشراك منهى عنه وعدم الاشراك مأمور به مع أن كل نهي عن شيء أمر بضده وكل امر بشيء نهى عن ضده فان قلت ((وينهاكم عن عبادة الأوثان)) لم يذكره أبو سفيان فلم ذكره هرقل. قلت قد لزم ذلك من قول أبي سفيان من لفظ وحده ومن لا تشركوا ومن واتركوا مل يقول آباؤكم ومقوله: م كان الأمر بعبادة الأوثان. فان قلت ما ذكر هرقل لفظ الصلة التي ذكرها أبو سفيان فلم تركها. قلت لأنه داخلة في العفاف إذ الكف عن المحارم وخوارم المروءة تستلزم الصلة. فان قلت فلم ما راعى هرقل الترتيب وقدم في الإعادة سؤال التهمة على سؤال الإتباع والزيادة والارتداد. قلت الواو ليست للترتيب أو أن شدة اهتمام هرقل بنفي الكذب على الله عنه بعثه على التقديم فان قلت السؤال من أحد عشر وجها والمعاد في كلام هرقل تسعة حيث لم يقل وسألتك عن القتال وسألتك كيف كان قتالكم فلم ترك هذين الإثنين قلت لأن مقصود هرقل بيان علامات النبوة وأمر القتال لا دخل له فيها إلا بالنظر إلى العاقبة وذلك عند وقوع هذه القصة كانت في الغيب وغير معلوم لهم ولأن الراوي اكتفى بما سيذكره في رواية يوردها في كتاب الجهاد في باب دعاء النبي ﷺ الناس الى الاسلام بعد تكرار هذه القصة مع الزيادات وهو أنه قال وسألتك هل قاتلتموه وقاتلكم فزعمت أن قد فعل وأن حربكم وحربه يكون دولا وكذلك الرسل تبتلي وتكون لها العاقبة وأقول وإنما يبتليهم بذلك ليعظم أجرهم بكثرة صبرهم وبذلهم وسعيهم في طاعته. قوله: ((وقد كنت أعلم)) هذا العلم وكل الذي قاله هرقل ما خذه إما من القرائن العقلية وإما من الأحوال العادية وإما من
стр. 60
ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ
ــ
الكتب القديمة فانه ونحوه من علامات رسول الله ﷺ فيها. قوله: ((اخلص)) أي أصل يقال خلص أي وصل اليه. و ((لتجشمت)) بالجيم والشين المعجمة أي تكلفت على مشقة لقائه أي حملت نفسي على الارتحال إليه لو كنت أتيقن الوصول إليه لكني أخاف أن يعوقني عنه فأكون قد تركت ملكي ولم أصل غلى خدمته. فان قلت هل يحكم بإيمان هرقل حيث قال ما مر وحيث سيقول يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ وأنه نبي وسيقول فتبايعوا هذا النبي قلت لا يحكم بإيمانه لانه ظهر منهما ينافيه حيث قال قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فعلمنا أنه صدر منه صدر عن التصديق القلبي والاعتقاد الصحيح بل لامتحان الرعية بخلاف إيمان ورقة فانه لم يظهر منه ما ينافيه هذا هو على ظاهر الحال والله أعلم. النووي في شرح مسلم: لا عذر له فيما قال لو أعلم لتجشمت لأنه قد عرف صدق النبي ﷺ وإنما شح بالملك ورغب في الرياسة فآثرها عن الإسلام وقد جاء ذلك مصرحا به في صحيح البخاري ولو أراد الله هاديته لوفقه كما وفق النجاشي وما زالت عنه الرياسة. الخطابي: اذا تأملت معاني هذا الكلام الذي وقع فيه مساؤلته عن أحوال الرسول ﷺ وما استخرجه من أوصافه تبنيت حسن ما استوصف من أمره وجوامع شأنه والله دره من رجل ما كان أعقله لو ساعد معقوله: مقدوره وقال صاحب الإستيعاب آمن قيصر برسول الله ﷺ وأبت بطارقته. قال البخاري ﵁ ((ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ ) أي قال أبو سفيان ثم دعا هرقل الناس بكتاب رسول الله ﷺ والكتاب مدعو به لا مدعو فلهذا عدى إليه بالباء أو الباء الزائدة أي دعا الكتاب على سبيل المجاز أو ضمن دعا معنى اشتغل ونحوه قوله: بعث به مع دحية أي أرسله معه ويقال أيضا بعثه وابتعثه بمعنى أرسله وكلمة مع هو بفتح العين على اللغة الفصحى وبها جاء القرآن ويقال أيضا باسكانها وقيل مع لفظ معناه الصحبة ساكن العين ومفتوحها غير أن المفتوحة تكون اسما وحرفا والساكنة حرف لاغير. قوله: ((دحية)) بفتح الدال وكسرها لغتان واختلف في الراجحة منهما وهو دحية بن خليفة بن فروة الكلبي وكان من أجمل الناس وجها كان إذا قدم المدينة لم تبق مخدرة إلا وخرجت تنظر إليه وكان جبريل يأتي رسول الله ﷺ في صورة دحية لجماله أسلم قديما وشهد المشاهد التي بعد بدر مع رسول الله ﷺ وبقى إلى خلافة معاوية ﵁ وشهد اليرموك وسكن المزة بكسر الميم وبالزاي قرية قرب دمشق وكان
стр. 61
بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّى أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ
ــ
بعث الكتاب إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى هرقل وذلك في آخر سنة ست من الهجرة. قوله: (بصرى) بالموحدة على صيغة فعلى أفعل هي مدينة بحوران بفتح الحاء المهملة وبالراء مشهورة ذات قلعة وهي قريبة من طرف العمارة والبرية التي بين الشام والحجاز ويجاد فيها عمل السيف. قوله:•عبد الله) إنما ذكره تعريضا لبطلان ما يقوله: النصارى من أن المسيح هو ابن الله لأن حكم الرسل كلهم واحد من كونهم عباد الله وقدم ذكره على رسول الله ليصير من باب الترقي وفي بعض الروايات من محمد بن عبد الله رسول الله الله. قوله: (على هرقل عظيم الروم) ولم يقل إلى هرقل ملك الروم لانه معزول عن الملك بحكم دين الإسلام ولا سلطنة لأحد إلا من قبل رسول الله ﷺ ولم يقل إلى هرقل فقط ليكون فيه نوع من الملاطفة وقال عظيم الروم أي الذي يعظمه وقد أمر بتليين القول لمن يدعى إلى الاسلام فقال ((ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)) قوله: ((سلام على من اتبع الهدى)) لم يقل سلام عليك إذالكافر لا سلامة له لأنه مخزى في الدنيا بالحرب والقتل والسبي وفي الىخرة معذب بالعذاب الأبدي وفيه إشعار
стр. 62
عَلَيْكَ إِثْمُ الأَرِيسِيِّينَ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
... ....... ...
أمر من باب الأفعال وتسلم بفتح اللام فعل مضارع من سلم يسلم وهو مجزوم الميم لأنه جواب الأمر أي إن أسلمت تبقى سالماً وهي آية في البلاغة اللفظية والمعنوية وهو من باب جوامع الكلم. قوله: (يؤتك الله) إما جوابٌ ثان للأمر وغما بدل أو بيان للجواب الأول وفي بعض الروايات تكرر لفظ أسلم هكذا: أسلم تسلم أسلم يؤتك الله. و (مرتين) أي مرة للإيمان بنبيهم ومرة للإيمان بنبينا ﷺ . قوله:: (فإن توليت) أي أعرضت عن الإسلام (فإن عليك إثم اليريسين) بفتح الياء التحتانية وكسر الراء وبالياء الساكنة والسين المهملة ثم الياء الساكنة هو جمع يريس على وزن فعيل وقد تقلب الياء الأولى بالهمزة فيقال الأريسين وروى أيضاً بياءين بعد السين جمع يريسي منسوب إلى يريسي وروى الإريسين بكسر الهمزة وكسر الراء المشددة وياء واحدة بعد السين وهم الأكارون الزراعون وجاء في بعض الروايات في غير الصحيح فإن عليك إثم الأكارين التيمي؛ الأصل الأريس فأبدل الهمزة بالياء. وأقول هو على عكس المشهور ثم أنه على التقادير معناه أن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون بانقيادك ونبه بهؤلاء على جميع الرعايا لأن الزراعين كانوا هم الأغلب فيهم ولأنهم أسرع انقياداً فإذا أسلم أسلموا وإذا امتنع امتنعوا ويحتمل أن يراد أن توليت فالمجوس يقلدونك فيه فيحصل عليك إثمهم وقيل المراد منهم أتباع عبد الله بن أريس الذي تنسب الأروسية من النصارى إليه وتقديم لفظ عليك على اسم إن مفيد للحصر أي ليس إثمهم إلا عليك فإن قلت وكيف يكون إثم ممضية غيره وقال تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) قلت المراد أن إثم الإضلال عليه والإضلال أيضاً وزره كالضلال على أنه معارض بقوله: تعالى: (وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم) الجوهري: الأريس على مثال الفعيل والأريس مشدد على مثال الفسيق الأكار فالأول جمعه الأريسون والثاني الأريسيون وأرارسة وأواريس والفعل منه أرس يأرس إرساً وقوله: م للإريس أريسي كقول العجاج:
*والدهر بالإنسان دواري*
أي دوار وكان أهل السواد ومن هو على دين كسرى أهل فلاحة وكان الروم أهل أثاث وصنعة فأعلمهم النبي ﷺ أنهم وإن كانوا أهل كتاب فإن عليهم من الإثم إن لم يؤمنوا به مثل إثم المجوس الذين لا كتاب لهم وأقول فلقوله: فإن عليك إثم الأريسين بحسب المعنى احتمالات ثلاثة. قوله: (تعالوا) بفتح اللام أصله تعالووا لأنه من العلو فأبدلت الواو ياء لوقوعها رابعة فصار تعاليوا فقلبت الياء ألفاً فاجتمع الساكنان فحذف الألف وهو وإن كان الطلب المجئ إلى علو لكنه صار أعم من ذلك في الاستعمال. و (سواء) أي مستوية وتفسير
стр. 63
أن لا نَعْبُدَ إِلَاّ اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فلما قَاَل مَا قَال
ــ
الكلمة. قوله: (أن لا نعبد إلا الله) إلى قوله: (من دون الله) قال النووي: اعلم أن هذه القطعة مشتملة على جمل من القواعد ومهمات الفوائد منها جواز مكاتبة الكفار ومنها دعاء الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم وهذا مأمور به فإن لم تكن بلغتهم دعوة الإسلام كان الأمر به واجباً وإن كانت بلغتهم كان مستحباً فلو قوتل هو قبل إنذارهم ودعائهم إلى الإسلام جاز لكن فاتت السنة والفضيلة بخلاف الضرب الأول ومنها وجوب العمل بخبر الواحد وإلا فلم يكن في بعثه مع دحية فائدة وهذا إجماع من يعتد به ومنها استحباب تصدير الكتب ببسم الله الرحمن الرحيم وإن كان المبعوث إليه كافراً ومنها أن قوله: ﷺ في الحديث الآخر "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم" المراد بحمد الله فيه ذكر الله تعالى كما جاء في رواية أخرى فإنه روى على أوجه منها لا يبدأ فيه بذكر الله ومنها ببسم الله الرحمن الرحيم ومنها غير ذلك وهذا الكتاب كان ذا بال من المهمات العظام ولم يبدأ فيه رسول الله ﷺ بلفظ الحمد لله وبدأ بالبسملة ومنها أنه يجوز أن يسافر إلى أرض الكفار ويبعث إليهم بالآية من القرآن أي بكلمة أو بجملة منه وذلك أيضاً محمول على ما إذا خيف وقوعه في أيدي الكفار ومنها أنه يجوز للمحدث والكافر مس كتاب فيه آية أو آيات يسيرة من القرآن مع غير القرآن ومنها أن السنة في المكاتبة والرسائل بين الناس أن يبدأ الكتاب بنفسه فيقول من زيد إلى عمرو وعن الربيع بن أنس قال ما كان أحد أعظم حرمة من رسول الله ﷺ وكان أصحابه يكتبون إليه فيبدءون بأنفسهم وهذا هو المذهب الصحيح ورخص جماعة من العلماء في الابتداء بالمكتوب إليه وروي أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية ومنها أنه لا بد من استعمال الورع في الكتابة فلا يفرط ولا يفرط ولهذا قال إلى هرقل عظيم الروم ومنها استحباب البلاغة والإيجاز وتحري الألفاظ الجزلة في المكاتبة فإن قوله: أسلم تسلم في نهاية الاختصار والبلاغة وجمع المعنى مع ما فيه من بديع التجنيس ومنها أن من أدرك من أهل الكتاب نبينا ﷺ فآمن به له أجران ومنها أن صدق رسول الله ﷺ وعلاماته كان معلوماً لأهل الكتاب علماً قطعياً وإنما ترك الإيمان من تركه عناداً وخوفاً على فوات مناصبهم ومنها أن من كان سبباً لضلالة أو منع هداية كان آثماً ومنها استحباب استعمال أما بعد في الخطب والمكاتبات ونحوها. قوله: (فلما قال) أي هرقل
стр. 64
وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لأَصْحَابِى حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِى كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِى الأَصْفَرِ. فَمَا زِلْتُ مُوقِناً أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَىَّ الإِسْلَامَ. وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّامِ، يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ
ــ
(ما قال) أي من السؤال والجواب. و (الصخب) بفتح الصاد المهملة والخاء المعجمة كالصخب هو اختلاط الأصوات وروي بدله اللجب وهو بمعناه (وأخرجنا) بضم الهمزة وسكون الجيم أي من مجلسه. قوله: (لقد أمر) جواب للقسم المحذوف أي والله لقد أمر وهو بفتح الهمزة وكسر الميم فعلٌ ماضٍ ومعناه عظم وصار أمراً وأصله الكثرة يقال أمر القوم إذا كثر عددهم والأمر الثاني هو فاعله. و (أبو كبشة) رجل من خزاعة كان يعبد الشعري تاركاً لعبادة الأوثان ولم يوافقه أحد من العرب على ذلك فشبهوا النبي ﷺ به وجعلوه ابناً له لمخالفته إياهم في دينهم كما خالفهم أبو كبشة وقيل أبو كبشة جد النبي ﷺ من قِبَل أمه وقيل كان أبوه من الرضاعة يدعى أبا كبشة وهو الحارث بن عبد العزى السعدي وقيل أبو كبشة عم والد حليمة مرضعته ﷺ وإنما قالوه إما لمجرد التشبيه وإما عداوةً وتحقيراً له بنسبته إلى غير نسبه المشهور. وأما (بنو الأصفر) فهم الروم وسموا به لأن جيشاً من الحبشة غلب على ناحيتهم في وقت فوطئ نساءهم فولدن أولاداً صفراً من سواد الحبشة وبياض الروم وقيل نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحق بن إبراهيم ﵇. و (إنه) بالكسر استئناف تعليلي أي أمر لأنه يخافه وبالفتح لأنه بدل أو بيان لأمر ولفظة (علي) بتشديد الياء. قوله: (الناطور) روي بالطاء المهملة والمعجمة وهو الحافظ للزرع والناظر إليه و (هرقل) هنا مفتوح اللام وهو مجرور عطفاً على إيلياء أي صاحب إيلياء وصاحب هرقل ولفظ الصاحب هنا بالنسبة إلى هرقل حقيقةً وبالنسبة إلى إيلياء مجاز إذ المراد منه الحاكم فيه وإرادة المعنى الحقيقي والمعنى المجازي من لفظ واحد باستعمال واحد جائز عند الشافعي وأما عند غيره فهو مجاز بالنسبة إلى المعنيين باعتبار معنى شامل لهما ومثله يسمى بعموم المجاز وهو منصوب على الاختصاص أي أعني صاحب إيلياء ومرفوع على أنه صفة لابن الناطور ووقع هنا (سقفاً) بضم السين والقاف وتشديد الفاء منصوباً على الحالية ومرفوعاً بأنه خبر مبتدأ محذوف وفي بعض الأصول سقف بصيغة مجهول الماضي من التفعيل أي
стр. 65
حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْماً خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ. قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِى النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ إِنِّى رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِى النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ قَالُوا لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَاّ الْيَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَانُهُمْ وَاكْتُبْ إِلَى
ــ
جعل أسقفاً ويقال أيضاً أسقف كأترج وسقف كقفل وهو للنصارى رئيس دينهم وقاضيهم أي كان ابن الناطور صاحب إيلياء وصاحب هرقل أسقفاً على النصارى يحدث كذا. وسموا نصارى لنصرة بعضهم بعضاً أو لأنهم نزلوا موضعاً يقال له نصرانة أو نصرة أو ناصرة أو لقوله: تعالى: (من أنصاري إلى) وهو جمع نصران. قوله: (خبيث النفس) أي مهموماً غير نشيط ولا منبسط وهو ضد الطيب. و (بطارقته) بفتح الباء جمع بطريق بكسر الباء وهو قواد ملوك وخواص دولتهم. قوله: (استنكرنا هيئتك) أي أنكرناها ورأيناها مخالفة لسائر الأيام والهيئة السمت والحالة والشكل. قوله: (حزاء) بفتح الحاء وتشديد الزاي والمد أي كاهناً. و (سألوه) أي سأل البطارقة هرقل عما أنكروه أي من سبب تغير الهيئة والخبث. قوله: (ملك الختان) قد ضبط بوجهين بفتح الميم وكسر اللام وبضم الميم وسكون اللام معناه رأيت في الليلة أنه قد ظهر طائفة هم أهل الختان وصار الملك لهم والختان بكسر الخاء اسم من الختن وهو قطع الجلدة التي تواري الحشفة. التيمي: ملك الختان هو النبي ﷺ وإنما كُني به لأن النصارى لا يختتنون فالملك ينتقل منهم إليه ودخل رجل على عبد العزيز بن مروان فشكى ختنه فقال من ختنك فقال ختني الختان فأقبل عبد العزيز على كاتبه وقال ما أجابني قال إنه لم يعرف كلامك كان ينبغي أن تقول له ومن ختنك فيقول ختني فلان فشغل عبد العزيز نفسه بتعلم الإعراب. قوله: (من هذه الأمة) أي من أهل هذا العصر. و (فلا يهمنك) بضم الياء من باب الأفعال يقال أهمني الأمر إذا أقلقني وأحزنني ومراده أن هؤلاء أحقر من أن تهتم لهم أو تبالي بهم والمدائن بالهمز وتركه لغتان والهمز أفصح وعليه القرآن وهو جمع المدينة فعيلة من مدن أي أقام وقيل إنها مُفعلة من دنت أي ملكت. الجوهري: سألت أبا علي الفسوي عن همز مداين فقال من جعله فعيلة همزه ومن جعله مفعلة لم يهمزه. قوله: (أتى) مجهول الماضي من الإتيان وهو مما جاء جوابه بينا فيه بغير إذ وإذا وقال الأصمعي لا يستفصح إلا طرحهما نحو:
стр. 66
مَدَايِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِىَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا. فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ فَقَالَ هُمْ يَخْتَتِنُونَ. فَقَالَ هِرَقْلُ هَذَا مَلِكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِى الْعِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَاىَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِىِّ ﷺ وَأَنَّهُ نَبِىٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِى دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ في
ــ
فبينا نحن نرقبه أتانا ... معلق وفضة وزناد راع
والعامل في بينا هو أتى إذ الظاهر أن العامل فيه هو الجواب. قوله: (ملك غسان) هو من جملة ملوك اليمن سكنوا الشام وهو بفتح الغين المعجمة ماء نزلوا عنده. قوله: (اذهبوا به) أي بالرجل المخبر. و (مختتن) أي مختون هو بفتح التاء الأولى وكسر الثانية وفي بعض الروايات مختون وهذا صريح في أن العرب قبل البعثة كانوا يختتنون. قوله: (هذا يملك) وروى ملك بصيغة المشبه وملك بالمصدر وفي أكثر أصول الشام يملك بالفعل المضارع وقال صاحب المطالع أظنه تصحيفاً وقال النووي هو صحيح ومعناه هذا المذكور يملك هذه الأمة وهو قد ظهر. قوله: (برومية) بتخفيف الياء المدينة المعروفة للروم وكانت مدينة رئاستهم. قوله: (فلم يرم) بفتح الياء وكسر الراء أي لم يفارقها يقال ما رمته ولم أرم ولا يكاد يستعمل إلا مع حرف النفي. و (حمص) مدينة بالشام غير مصروفة لأنها أعجمية. قوله: (صاحبه) أي الذي برومية والدسكرة بفتح الدال والكاف وسكون السين بينهما بناء كالقصر حواليه بيوت ومنازل للخدم والحشرم. و (في دسكرة) أي في دخولها. قوله: (ثم اطلع) أي خرج
стр. 67
الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِىَّ، فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ قَالَ رُدُّوهُمْ عَلَىَّ. وَقَالَ إِنِّى قُلْتُ مَقَالَتِى آنِفاً أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَانِ هِرَقْلَ. رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَيُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ
ــ
من الحرم وظهر على الناس. و (المعشر) هم الجمع الذين شأنهم واحد فالإنس معشر والجن معشر والأنبياء معشر وأما (الفلاح) فالفوز والنجاة ويقال ليس شئ أجمع لخصال الخير من لفظ الفلاح وتقديراً لكلام هل لكم رغبة في الفلاح وثبات الملك؟ وأما (الرشد) فيقال بضم الراء وسكون الشين وبفتحهما لغتان وهو خلاف الغي والرشد إصابة الخير وقال الهروي هو الهدى وهو الدلالة الموصلة إلى البغية. قوله: (فتبايعوا) هو في أكثر الأصول من البيعة وحذف النون منه لأنه مثل "هل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا" وفي بعضها من المتابعة وهو الاقتداء وفي بعضها فبايعوا بصيغة الأمر من البيعة وفي بعضها فنبايع بالنون. قوله: (فحاصوا) بالحاء والصاد المهملتين أي نفروا ويقال جاض بالجيم والضاد المعجمة بمعنى حاص وقيل معناه عدل وقال أبو زيد معناه بالحاء رجع وبالجيم عدل. قوله: (أيس) وفي بعضها يئس وهو الأصل إذ أيس مقلوبه. و (آنفاً) أي قريباً أو هذه الساعة والأنف أول الشئ وهو بالمد والقصر والمد أشهر. و (أختبر) أي أمتحن و (شدتكم) أي رسوخكم في دينكم. و (فقد رأيت) أي شدتكم. و (آخر) بالنصب هو الصحيح من الرواية وهو آخر شأنه أي في حال النبي ﷺ وقصته وقد ذكر البخاري حديث هرقل في كتابه في عشرة مواضع والله أعلم. قوله: (رواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري) يعني هؤلاء الثلاثة تابعوا ووافقوا شعيباً في رواية هذا الحديث عن الزهري ومثله يسمى بالمتابعة وفائدتها التقوية والتأكيد والترجيح بكثرة الرواة وهذا هو المتابعة المقيدة لأنه سمي المتابع عليه وهو الزهري ولو لم يسم لكان النوع الآخر من المتابعة أي المطلقة ثم أعلم أن هذه العبارة تحتمل وجهين أن يروي البخاري عن الثلاثة بالإسناد المذكور أيضاً كأنه قال أخبرنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال أخبرنا هؤلاء الثلاثة عن الزهري وأن يروى عنهم بطريقٍ آخر كما أن
стр. 68
الزهري أيضاً يحتمل في روايته للثلاثة أن يروى عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس وأن يروى لهم عن غيره والله أعلم. هذا ما يحتمله اللفظ وإن كان الظاهر اتحاد الإسناد وصالح هو أبو محمد وقيل أبو الحارث الغِفاري بكسر الغين المعجمة والفاء المخففة وبالراء أو الدوسي بالدال المفتوحة وبالسين المهملتين مولاهم المدني ابن كيسان غير منصرف لأنه فعلان بفتح الفاء من الكيس وهو مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز سُئل الإمام أحمد بن حنبل عنه فقال بخ بخ قال الحاكم النيسابوري توفي صالح وهو ابن مائة سنة ونيف وستين سنة وكان لقي جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ثم بعد ذلك تلمذ على الزهري وتلقن منه العلم وابتدأ التعلم وهو ابن تسعين سنة. قال يحيى بن معين: صالح أكبر من الزهري ويونس هو ابن يزيد القرشي وفيه ستة أوجه الحركات الثلاث في النون مع الهمزة وتركه ومعمر بفتح الميمين هو ابن راشد البصري وأما الزهري فهو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم المشهور بابن شهاب وقد تقدم ذكرهم بعجره وبجره والحمد لله وحده وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيد المرسلين وإمام المتقين.
стр. 69
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الإيمان
بابٌ الإِيمَانِ وَقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «بُنِىَ الإِسْلَامُ عَلَى
ــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الإيمان
قال البخاري ﵁ (باب الإيمان وقول النبي ﷺ بُني الإسلام على خمس وهو قول وفعل ويزيد وينقص) قوله: (بُني الإسلام على خمس) تمام هذا الحديث شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان كما سيأتي قريباً ويجوز ذكر بعض الحديث إذا تعلق به غرض والمراد ههنا بيان هذا الحديث وهذا وإن ذكره آخراً مسنداً لكن ذكره ههنا على سبيل التعليق. أعلم أن البخاري لم يسبقه أحد في مثل ترتيب هذا الكتاب ومحاسنه كثيرة منها أنه بدأ بعد مقدمة الكتاب في شأن بدء الوحي بذكر كتاب الإيمان ثم بكتاب الصلاة بسوابقها من الطهارة وغيرها ثم بكتاب الزكاة وما يتعلق بها ثم بكتاب الحج وأبوابه ثم بكتاب الصيام قاصداً الاعتناء بالترتيب الذي رتبه رسول الله ﷺ في هذا الحديث الذي فيه بيان قواعد الدين وأركان الإسلام. فإن قلت فما سر التقديم في الحديث: قلت قدم الإيمان لأنه ملاك الأمر كله وأصله إذ الباقي مبني عليه مشروط به وبه النجاة في الدارين ثم الصلاة لأنها عماد الدين وبين العبد وبين الكفر ترك الصلاة ويقتل تاركها على الأصح ولشدة الحاجة إليها لتكررها كل يوم خمس مرات ثم الزكاة لكونها قرينة الصلاة في أكثر من المواضع أو لأنها قنطرة الإسلام أو لاعتناء الشارع بها لذكرها أكثر من غيرها من الصوم والحج في الكتاب والسنة أو لشمولها المكلف وغيره كما هو مذهب أكثر العلماء ثم الحج
стр. 70
خَمْسٍ. وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ
ــ
للتغليظات الواردة فيه نحو "ومن كفر فإن الله غني عن العالمين" ونحو "فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً" أو لعدم سقوطه بالبدل لوجوب الإتيان به إما مباشرةً وإما استنابة بخلاف الصوم وفي بعض الروايات جاء الصوم مقدماً على الحج وعليه وضع الكتب الفقهية وذلك لأن الصوم يتكرر كل سنة بخلاف الحج لكن البخاري قدم رواية تقديم الحج وأما توسط كتاب العلم بين الإيمان والصلاة فلسر ذكرناه في كتاب العلم ومنها أنه ميز الأجناس بالكتب والأنواع بالأبواب إشعاراً بما به الاشتراك وبما به الامتياز بين الأحاديث ثم ابتدأ في كل كتاب من كتبه بذكر البسملة عملاً بقوله: ﷺ "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم" وهذا وإن كان البسملة في أول الكتاب مغنية عنه لكنه كررها في كل كتاب لزيادة الاعتناء على التمسك بالسنة. قوله: (الإيمان) هو مشتق من الأمن وآمنه إذا صدقه وحقيقته أمنه التكذيب وقد يستعمل باللام نحو "وما أنت بمؤمن لنا" وقد يعدى بالباء عند تضمنه معنى الاعتراف نحو "يؤمنون بالغيب" كأنه قال يؤمنون معترفين بالغيب وفي الشرع تصديق خاص على الأصح وهو تصديق الرسول ﷺ بما علم مجيئه به ضرورة مع اختلاف فيه من أنه حقيقة شرعية بوضع الشارع واختراعه له أو مجاز لغوي. التيمي: الإيمان مشتق من الأمن لأن العبد إذا صدق الرسول ﷺ أمن من القتل والعذاب. قوله: (وهو) الضمير راجع إلى الإيمان أو إلى الإسلام إن قلنا أنهما بمعنى واحد وإليه ميل البخاري. فإن قلت هو قول وفعل واعتقاد بالقلب بل الاعتقاد بالقلب هو الأصل فلم لم يذكره. قلت لا نزاع في أن الاعتقاد لابد منه والبحث في أن القول باللسان والفعل بالجوارح هل هما منه أم لا فلذلك ذكر ما هو المتنازع فيه أو نقول الفعل أعم من فعل الجوارح فيتناول فعل القلب لكنه يتوجه حينئذٍ أن يقال فلا حاجة إلى ذكر القول لأنه فعل اللسان. قال ابن بطال التصديق هو أول منازل الإيمان ويوجب للمصدق الدخول فيه ولا يوجب له استكمال منازله ولا يسمى مؤمناً مطلقاً وهذا المعنى أراد البخاري إثباته وعليه بوب الأبواب فقال باب أمور الإيمان باب الجهاد من الإيمان ونحوه وإنما أراد الرد على المرجئة في قوله: م الإيمان قول بلا عمل. التيمي: ضمير هو راجع إلى الإيمان قالت الأئمة الإيمان يزيد وينقص ولم يقولوا الإسلام يزيد وينقص قال وقال سفيان بن عيينة الإيمان قول وفعل يزيد وينقص فقال له أخوه إبراهيم لا تقل ينقص فغضب وقال اسكت يا صبي بل ينقص حتى لا يبقى منه شئ. قوله: (ويزيد وينقص) هذا على تقدير أن
стр. 71
إِيمَانِهِمْ (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً) وَقوله: (أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً) وَقوله: جَلَّ ذِكْرُهُ (فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً) وَقوله: تَعَالَى (وَمَا زَادَهُمْ إِلَاّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً) وَالْحُبُّ فِى اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِى اللَّهِ مِنَ الإِيمَانِ. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِىِّ بْنِ عَدِىٍّ إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ
ــ
يكون القول والفعل داخلين فيه ظاهراً وكذلك على تقدير أن يكون نفس التصديق فإنه أيضاً يزيد وينقص أي قوةً وضعفاً أو إجمالاً وتفصيلاً أو تعدداً بحسب تعدد المؤمن به وسيجيء إن شاء الله تعالى. قوله: (هدى) أي دلالة موصلة إلى البغية وهو متعد والاهتداء لازم وتقدم أن البخاري كثيراً ما يستدل بترجمة الباب بالقرآن وبما وقع له من سُنة مسندة وغيرها أو أثر عن الصحابة أو قول للعلماء ونحوه وإسناد الزيادة إلى غير الله من قبيل المجاز إذ لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى. قوله: (وتسليماً) يعلم منه أن التسليم خارج عن حقيقة الإيمان لأن المعطوف عليه مغاير للمعطوف. فإن قلت هذه الآيات دلت على الزيادة فقط والمقصود بيان الزيادة والنقصان كليهما قلت كل ما قبل الزيادة لابد وأن يكون قابلاً للنقصان ضرورة. قوله: (والحب في الله والبغض في الله) الحب مبئداً ومن الإيمان خبره ويحتمل أن تكون الجملة عطفاً على ما أضيف إليه الباب فتدخل في ترجمة الباب كأنه قال باب الحب في الله من الإيمان وأن لا تكون بل ذكرت لبيان إمكان الزيادة والنقصان كذكر الآيات وعلى التقديرين يحتمل أن يقصد به الحديث النبوي وقد ذكر على سبيل التعليق وأن يكون كلام البخاري كقوله: وهو قول وفعل. قوله: (وكتب) هذا تعليق ذكره بصيغة الجزم وهو حكم منه بصحته و (عمر بن عبد العزيز) هو ابن مروان بن الحكم بن أبي العاصي ابن أمية بن عبد شمس الأموي التابعي الخليفة الراشد أجمع على جلالته وفضله ووفور علمه وزهده وعدله وورعه وشفقته على المسلمين صلى أنس بن مالك خلفه قبل خلافته ثم قال ما رأيت أحداً أشبه صلاةً برسول الله ﷺ من هذا الفتى تولى الخلافة سنة تسع وتسعين ومدة خلافته سنتان وخمسة أشهر نحو خلافة الصديق ﵁ وملأ الأرض قسطاً وعدلاً. قال سفيان الثوري الخلفاء خمسة أبو بكر وعمر وعثمان
стр. 72
وَشَرَائِعَ وَحُدُوداً وَسُنَناً، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ
ــ
وعلي وعمر بن عبد العزيز ولما تولى قال رعاء الشاة في رءوس الجبال من هذا الخليفة الصالح الذي قام على الناس فقيل لهم وما علمكم بذلك قالوا أنه إذا قام خليفة صالح كفت الذئاب عن شائنا وقال أحمد بن حنبل: يروى في الحديث أن الله تعالى يبعث على رأس كل مائة عام من يصحح لهذه الأمة دينها فنظرنا في المائة الأولى فإذا هو عمر بن عبد العزيز. قال النووي في تهذيب الأسماء له: العلماء في المائة الأولى على عمر بن عبد العزيز والثانية على الشافعي والثالثة على ابن شريح. وقال الحافظ بن عساكر. هو الشيخ أبو الحسن الأشعري وفي الرابعة على أبي سهل الصعلوكي وقيل على القاضي الباقلاني وقيل أبي حامد الإسفرايني وفي الخامسة على الغزالي رحمهم الله تعالى تم كلامه. وأقول هذا أمر ظني لا مطمح لليقين فيه فللحنفية أن يقول هو الحسن بن زياد في الثانية والطحاوي في الثالثة وأمثالهما وللمالكية أني أشهب في الثانية وهلم جرا وللحنابلة أنه الخلال في الثالثة والزغواني في الخامسة إلى غير ذلك وللمحدثين أنه يحيى بن معين في الثانية والنسائي في الثالثة ولأولي الأمر أنه المأمون والمقتدر والقادر وللزهاد أنه معروف الكرخي في الثانية والشبلي في الثالثة ونحوهما إذ تصحيح الدين متناول بجميع أنواعه مع أن لفظة من يحتمل التعدد في المصحح وقد كان قبل كل مائة أيضاً من يصحح ويقوم بأمر الدين وإنما المراد من انقضت المائة وهو حي عالم مشار إليه ولا يبعد أن يكون في السادسة الإمام الرازي وكيف لا ولولاه لامتلأت الدنيا من شبه الفلاسفة وهو الداعي إلى الله في إثبات القواعد الحقانية وحجة الحق على الخلق في تصحيح العقائد الإيمانية وكان يقال لعمر الأشج لما ضربته دابة في وجهه فشجته وكان عمر بن الخطاب يقول من ولدي رجل بوجهه شجة يملأ الأرض عدلاً وكانت أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ولد عمر بمصر وتوفي بدير سمعان قرية بحمص يوم الجمعة لخمس ليالٍ بقين من رجب سنة إحدى ومائة وأوصى أن يدفن معه شئ كان عنده من شعر رسول الله ﷺ وأظفاره وقال إذا مت فاجعلوه في كفني ففعلوا ذلك وعن يوسف بن ماهك قال بينا نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز سقط علينا رق من السماء فيه مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار. قوله: (عدي بن عدي) بفتح العين المهملة فيهما هو السيد الجليل أبو فروة الكندي الجزري التابعي اختلفوا في أنه صحابي أم لا والصحيح أنه تابعي وسبب الاختلاف أنه روى الأحاديث عن النبي ﷺ مرسلة فظنه بعضهم صحابياً وكان عدي عامل عمر بن عبد العزيز على الجزيرة والموصل واستعمال عمر له يدل على أنه لا صحبة له لأنه عاش بعد عمر ولم يبق أحد من الصحابة إلى خلافته واتفقوا على جلالته. قال البخاري: عدي سيد أهل الجزيرة وقال أحمد بن حنبل عدي لا يسئل عن مثله وتوفي سنة ثلاث وعشرين ومائة. قوله: (فرائض)
стр. 73
يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِى). وَقَالَ مُعَاذٌ اجْلِسْ بِنَا
ــ
أي أعمالاً فريضة (وشرائع) أي عقائد دينية (وحدوداً) أي منهيات ممنوعة (وسنناً) أي مندوبات وإنما فسرناها بذلك ليتناول الاعتقاديات والأعمال والتروك واجبة ومندوبة ولئلا تتكرر. قوله: (فسأبينها) أي فسأوضحها لكم إيضاحاً يفهمه كل واحد منكم. فإن قلت كيف أخر بيانها والتأخير عن وقت الحاجة غير جائز. قلت إنه علم أنهم يعلمون مقاصدها ولكنه استظهر وبالغ في نصحهم ونبههم على المقصود وعرفهم أقسام الإيمان مجملاً وأنه سيذكرها مفصلاً إذا تفرغ لها فقد كان مشغولاً بأهم من ذلك والغرض من هذه الحكاية بيان أن عمر كان قائلاً بأن الإيمان قول وفعل وكان قائلاً بزيادة الإيمان ونقصانه حيث قال استكملها ولم يستكملها لكن لقائل أن يقول لا يدل ذلك عليه بل على خلافه إذ قال إن للإيمان كذا وكذا فجعل الإيمان غير الفرائض وأخواتها فقال استكملها أي الفرائض ونحوها لا الإيمان فجعل الكمال لها لا للإيمان. قوله: (ليطمئن قلبي) هذا دليل ظاهر على قبول الزيادة ومعناه أنه إذا انضم عين اليقين إلى علم اليقين لا شك أن الإيمان يكون حينئذٍ أقوى. فإن قلت المناسب للسياق أن يذكر هذه الآية عند سائر الآيات. قلت تلك الآيات دلت على الزيادة صريحاً وهذه تلزم الزيادة منها ففصل بينها إشعاراً بالتفاوت. قوله: (معاذ) بضم الميم وبالذال المعجمة هو ابن جبل بن عمرو أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي المدني أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة وشهد العقبة مع السبعين من الأنصار وشهد المشاهد كلها وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الله بن مسعود. روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وسبعة وخمسون حديثاً روى البخاري في صحيحه خمسة منها وأخذ يده رسول الله ﷺ وقال يا معاذ والله إني لأحبك وقال أنس جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد الأنصاري وقال رسول الله ﷺ "أعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل" وقال "نعم الرجل معاذ بن جبل" وأرسله رسول الله ﷺ إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام قاضياً به وهو أحد الذين كانوا يفتون على عهد رسول الله ﷺ وهم ثلاثة من المهاجرين عمر وعثمان وعلي وثلاثة من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت توفي وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة في طاعون
стр. 74
نُؤْمِنْ سَاعَةً. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْيَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ
ــ
عمواس بالشام سنة ثمان عشرة وعمواس قرية بين الرملة وبيت المقدس نسب الطاعون إليها لأنه بدأ منها وهو بفتح العين المهملة. قوله: (نؤمن ساعة) لا يمكن حمله على أصل الإيمان لأن معاذاً كان مؤمناً وأي مؤمن فالمراد زيادة الإيمان أي أجلس حتى نذكر وجوه الدلالات الدالة على ما يجب الإيمان به. النووي: معناه نتذاكر الخير وأحكام الآخرة وأمور الدين فإن ذلك إيمان. قوله: (ابن مسعود) وهو ابن غافل بالغين المنقوطة والغاء هذلي أسلم قديماً قبل عمر بن الخطاب قال لقد رأيتني سادس ستة ما على الأرض مسلم غيرنا هاجر إلى الحبشة ثم المدينة شهد المشاهد وهو الذي أجهز على أبي جهل يوم بدر وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة وهو صاحب نعل رسول الله ﷺ كان يلبسه إياها إذا قام وإذا خلعها وجلس جعلها ابن مسعود في ذراعه روي له ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثاً نقل البخاري منها خمسة وثمانين نزل الكوفة في آخر أمره وتوفي بها سنة ثنتين وثلاثين وقيل عاد إلى المدينة ومات بها ودفن بالبقيع وصلى عليه عثمان وقيل الزبير وقيل عمار بن ياسر وقيل لحذيفة أخبرنا برجل قريب السمت والهدى بفتح الهاء وسكون الدال والدل من رسول الله ﷺ نأخذ عنه قال ما نعلم أحداً أقرب سمتاً وهدياً ودلاً برسول الله ﷺ من ابن أم عبد والدل بفتح الدال الشكل قال أبو عبيد الدل قريب المعنى من الهدى وهما السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وكان على قضاء الكوفة وبيت مالها لعمر وصدراً من خلافة عثمان ﵃. قوله: (كله) الكل لا يؤكد به إلا ذو أجزاء يصح افتراقها حساً أو حكماً فعلم منه أن للإيمان كلاً وبعضاً فيقبل الزيادة والنقصان. قوله: (ابن عمر) أي عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المكي أسلم مع أبيه قبل بلوغه روي له عن رسول الله ﷺ ألف حديث وستمائة حديث وثلاثون حديثاً ذكر البخاري منها إحدى ومائتين وخمسين وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله ﷺ وقال البخاري أصح الأسانيد مطلقاً مالك عن نافع عن ابن عمر وقال جابر لم يكن أحد منهم ألزم بطريق النبي ﷺ ولا أتبع من ابن عمر وكان كثير الصدقة فربما تصدق في المجلس الواحد بثلاثين ألفاً وقل نظيره في المتابعة لرسول الله ﷺ وإعراضه عن الدنيا ومقاصدها والتطلع إلى الرياسة أو غيرها وأدل دليل على عظم مرتبته شهادة رسول الله ﷺ له بقوله: إن عبد الله رجل صالح قال الزهري لا يعدل برأي ابن عمر فإنه أقام بعد رسول الله ﷺ ستين سنة فلم يخف عليه شئ من أمره ولا من أمر الصحابة
стр. 75
حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِى الصَّدْرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ (شَرَعَ لَكُمْ) أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِيناً وَاحِداً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً) سَبِيلاً وَسُنَّةً
ــ
﵃ ولم يقاتل في الحروب التي جرت بين المسلمين وكان يقول ما أجدني آسي على شئ فاتني من الدنيا إلا أني لم أقاتل مع علي الفئة الباغية وتوفي بمكة بعد الحج سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر ودفن بالمحصب وقيل بفخ بالفاء والخاء المعجمة موضع بقرب مكة وقيل بذي طوى وصلى عليه الحجاج. قوله: (حقيقة التقوى) أي الإيمان لأن المراد من التقوى وقاية النفس عن الشرك وفيه إشعار بأن بعض المؤمنين بلغوا إلى كنه الإيمان وبعضهم لا فيجوز الزيادة والنقصان وفي بعض الروايات بدل التقوى لفظ الإيمان. قوله: (يدع) أي يترك (ما حاك) بتخفيف الكاف. الجوهري: حاك السيف وأحاك بمعنى يقال ضربه فما حاك فيه السيف أي لم يعمل فيه والحيك أخذ القول في القلب يقال ما يحيك فيه الكلام إذا لم يؤثر فيه وفي بعض نسخ المغاربة صوابه حك بتشديد الكاف وفي بعض النسخ العراقية حاك من المحاكة والنووي: ما حاك بالتخفيف هو ما يقع في القلب ولا ينشرح له صدره وخاف الإثم فيه. التيمي: حاك في الصدر أي ثبت فيه. قوله: (مجاهد) هو ابن جبر بالجيم والموحدة الساكنة الإمام المشهور المفسر مكي مخزومي مولى عبد الله بن قيس بن السائب المخزومي تابعي متفق على جلالته إمام في التفسير والحديث والفقه. قال عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة وقيل كان أعلمهم بالتفسير مجاهد توفي سنة إحدى ومائة بمكة وهو ساجد. قوله: (وإياه) يعني نوحاً أي هذا الذي تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة من زيادة الإيمان ونقصانه هو شرع الأنبياء قبل نبينا ﷺ كما هو شرع نبينا ﷺ لأن الله تعالى قال "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى". قوله: (سبيلاً وسنة) يعني أن ابن عباس فسر قوله: تعالى شرعة ومنهاجاً بالسبيل والسنة الجوهري: المنهج الطريق الواضح وكذا المنهاج والشرعة الشريعة ومنه قوله: تعالى: "لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً" والشريعة ما شرع الله لعباده من الدين وقد شرع لهم يشرع شرعاً أي سن فعلي هذا هو من باب اللف والنشر الغير المرتب وفي بعض النسخ سنةً وسبيلاً فهو مرتب. فإن قلت ما الجمع بين مقتضى الآية الأولى من اتحاد شرعة الأنبياء ومقتضى الثانية من أن لكل شرعة. قلت الاتحاد في أصول الدين والتعدد في فروعه. قوله: (دعاؤكم إيمانكم) أي فسر ابن عباس قوله: تعالى: (قل ما يعبؤ بكم ربي
следующие страницы →