← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13605

الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (5 685 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إِيمَانِهِمْ (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً) وَقوله: (أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً) وَقوله: جَلَّ ذِكْرُهُ (فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً) وَقوله: تَعَالَى (وَمَا زَادَهُمْ إِلَاّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً) وَالْحُبُّ فِى اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِى اللَّهِ مِنَ الإِيمَانِ. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِىِّ بْنِ عَدِىٍّ إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ ــ يكون القول والفعل داخلين فيه ظاهراً وكذلك على تقدير أن يكون نفس التصديق فإنه أيضاً يزيد وينقص أي قوةً وضعفاً أو إجمالاً وتفصيلاً أو تعدداً بحسب تعدد المؤمن به وسيجيء إن شاء الله تعالى. قوله: (هدى) أي دلالة موصلة إلى البغية وهو متعد والاهتداء لازم وتقدم أن البخاري كثيراً ما يستدل بترجمة الباب بالقرآن وبما وقع له من سُنة مسندة وغيرها أو أثر عن الصحابة أو قول للعلماء ونحوه وإسناد الزيادة إلى غير الله من قبيل المجاز إذ لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى. قوله: (وتسليماً) يعلم منه أن التسليم خارج عن حقيقة الإيمان لأن المعطوف عليه مغاير للمعطوف. فإن قلت هذه الآيات دلت على الزيادة فقط والمقصود بيان الزيادة والنقصان كليهما قلت كل ما قبل الزيادة لابد وأن يكون قابلاً للنقصان ضرورة. قوله: (والحب في الله والبغض في الله) الحب مبئداً ومن الإيمان خبره ويحتمل أن تكون الجملة عطفاً على ما أضيف إليه الباب فتدخل في ترجمة الباب كأنه قال باب الحب في الله من الإيمان وأن لا تكون بل ذكرت لبيان إمكان الزيادة والنقصان كذكر الآيات وعلى التقديرين يحتمل أن يقصد به الحديث النبوي وقد ذكر على سبيل التعليق وأن يكون كلام البخاري كقوله: وهو قول وفعل. قوله: (وكتب) هذا تعليق ذكره بصيغة الجزم وهو حكم منه بصحته و (عمر بن عبد العزيز) هو ابن مروان بن الحكم بن أبي العاصي ابن أمية بن عبد شمس الأموي التابعي الخليفة الراشد أجمع على جلالته وفضله ووفور علمه وزهده وعدله وورعه وشفقته على المسلمين صلى أنس بن مالك خلفه قبل خلافته ثم قال ما رأيت أحداً أشبه صلاةً برسول الله ﷺ من هذا الفتى تولى الخلافة سنة تسع وتسعين ومدة خلافته سنتان وخمسة أشهر نحو خلافة الصديق ﵁ وملأ الأرض قسطاً وعدلاً. قال سفيان الثوري الخلفاء خمسة أبو بكر وعمر وعثمان

стр. 72

وَشَرَائِعَ وَحُدُوداً وَسُنَناً، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ ــ وعلي وعمر بن عبد العزيز ولما تولى قال رعاء الشاة في رءوس الجبال من هذا الخليفة الصالح الذي قام على الناس فقيل لهم وما علمكم بذلك قالوا أنه إذا قام خليفة صالح كفت الذئاب عن شائنا وقال أحمد بن حنبل: يروى في الحديث أن الله تعالى يبعث على رأس كل مائة عام من يصحح لهذه الأمة دينها فنظرنا في المائة الأولى فإذا هو عمر بن عبد العزيز. قال النووي في تهذيب الأسماء له: العلماء في المائة الأولى على عمر بن عبد العزيز والثانية على الشافعي والثالثة على ابن شريح. وقال الحافظ بن عساكر. هو الشيخ أبو الحسن الأشعري وفي الرابعة على أبي سهل الصعلوكي وقيل على القاضي الباقلاني وقيل أبي حامد الإسفرايني وفي الخامسة على الغزالي رحمهم الله تعالى تم كلامه. وأقول هذا أمر ظني لا مطمح لليقين فيه فللحنفية أن يقول هو الحسن بن زياد في الثانية والطحاوي في الثالثة وأمثالهما وللمالكية أني أشهب في الثانية وهلم جرا وللحنابلة أنه الخلال في الثالثة والزغواني في الخامسة إلى غير ذلك وللمحدثين أنه يحيى بن معين في الثانية والنسائي في الثالثة ولأولي الأمر أنه المأمون والمقتدر والقادر وللزهاد أنه معروف الكرخي في الثانية والشبلي في الثالثة ونحوهما إذ تصحيح الدين متناول بجميع أنواعه مع أن لفظة من يحتمل التعدد في المصحح وقد كان قبل كل مائة أيضاً من يصحح ويقوم بأمر الدين وإنما المراد من انقضت المائة وهو حي عالم مشار إليه ولا يبعد أن يكون في السادسة الإمام الرازي وكيف لا ولولاه لامتلأت الدنيا من شبه الفلاسفة وهو الداعي إلى الله في إثبات القواعد الحقانية وحجة الحق على الخلق في تصحيح العقائد الإيمانية وكان يقال لعمر الأشج لما ضربته دابة في وجهه فشجته وكان عمر بن الخطاب يقول من ولدي رجل بوجهه شجة يملأ الأرض عدلاً وكانت أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ولد عمر بمصر وتوفي بدير سمعان قرية بحمص يوم الجمعة لخمس ليالٍ بقين من رجب سنة إحدى ومائة وأوصى أن يدفن معه شئ كان عنده من شعر رسول الله ﷺ وأظفاره وقال إذا مت فاجعلوه في كفني ففعلوا ذلك وعن يوسف بن ماهك قال بينا نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز سقط علينا رق من السماء فيه مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار. قوله: (عدي بن عدي) بفتح العين المهملة فيهما هو السيد الجليل أبو فروة الكندي الجزري التابعي اختلفوا في أنه صحابي أم لا والصحيح أنه تابعي وسبب الاختلاف أنه روى الأحاديث عن النبي ﷺ مرسلة فظنه بعضهم صحابياً وكان عدي عامل عمر بن عبد العزيز على الجزيرة والموصل واستعمال عمر له يدل على أنه لا صحبة له لأنه عاش بعد عمر ولم يبق أحد من الصحابة إلى خلافته واتفقوا على جلالته. قال البخاري: عدي سيد أهل الجزيرة وقال أحمد بن حنبل عدي لا يسئل عن مثله وتوفي سنة ثلاث وعشرين ومائة. قوله: (فرائض)

стр. 73

يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِى). وَقَالَ مُعَاذٌ اجْلِسْ بِنَا ــ أي أعمالاً فريضة (وشرائع) أي عقائد دينية (وحدوداً) أي منهيات ممنوعة (وسنناً) أي مندوبات وإنما فسرناها بذلك ليتناول الاعتقاديات والأعمال والتروك واجبة ومندوبة ولئلا تتكرر. قوله: (فسأبينها) أي فسأوضحها لكم إيضاحاً يفهمه كل واحد منكم. فإن قلت كيف أخر بيانها والتأخير عن وقت الحاجة غير جائز. قلت إنه علم أنهم يعلمون مقاصدها ولكنه استظهر وبالغ في نصحهم ونبههم على المقصود وعرفهم أقسام الإيمان مجملاً وأنه سيذكرها مفصلاً إذا تفرغ لها فقد كان مشغولاً بأهم من ذلك والغرض من هذه الحكاية بيان أن عمر كان قائلاً بأن الإيمان قول وفعل وكان قائلاً بزيادة الإيمان ونقصانه حيث قال استكملها ولم يستكملها لكن لقائل أن يقول لا يدل ذلك عليه بل على خلافه إذ قال إن للإيمان كذا وكذا فجعل الإيمان غير الفرائض وأخواتها فقال استكملها أي الفرائض ونحوها لا الإيمان فجعل الكمال لها لا للإيمان. قوله: (ليطمئن قلبي) هذا دليل ظاهر على قبول الزيادة ومعناه أنه إذا انضم عين اليقين إلى علم اليقين لا شك أن الإيمان يكون حينئذٍ أقوى. فإن قلت المناسب للسياق أن يذكر هذه الآية عند سائر الآيات. قلت تلك الآيات دلت على الزيادة صريحاً وهذه تلزم الزيادة منها ففصل بينها إشعاراً بالتفاوت. قوله: (معاذ) بضم الميم وبالذال المعجمة هو ابن جبل بن عمرو أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي المدني أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة وشهد العقبة مع السبعين من الأنصار وشهد المشاهد كلها وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الله بن مسعود. روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وسبعة وخمسون حديثاً روى البخاري في صحيحه خمسة منها وأخذ يده رسول الله ﷺ وقال يا معاذ والله إني لأحبك وقال أنس جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد الأنصاري وقال رسول الله ﷺ "أعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل" وقال "نعم الرجل معاذ بن جبل" وأرسله رسول الله ﷺ إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام قاضياً به وهو أحد الذين كانوا يفتون على عهد رسول الله ﷺ وهم ثلاثة من المهاجرين عمر وعثمان وعلي وثلاثة من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت توفي وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة في طاعون

стр. 74

نُؤْمِنْ سَاعَةً. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْيَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ ــ عمواس بالشام سنة ثمان عشرة وعمواس قرية بين الرملة وبيت المقدس نسب الطاعون إليها لأنه بدأ منها وهو بفتح العين المهملة. قوله: (نؤمن ساعة) لا يمكن حمله على أصل الإيمان لأن معاذاً كان مؤمناً وأي مؤمن فالمراد زيادة الإيمان أي أجلس حتى نذكر وجوه الدلالات الدالة على ما يجب الإيمان به. النووي: معناه نتذاكر الخير وأحكام الآخرة وأمور الدين فإن ذلك إيمان. قوله: (ابن مسعود) وهو ابن غافل بالغين المنقوطة والغاء هذلي أسلم قديماً قبل عمر بن الخطاب قال لقد رأيتني سادس ستة ما على الأرض مسلم غيرنا هاجر إلى الحبشة ثم المدينة شهد المشاهد وهو الذي أجهز على أبي جهل يوم بدر وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة وهو صاحب نعل رسول الله ﷺ كان يلبسه إياها إذا قام وإذا خلعها وجلس جعلها ابن مسعود في ذراعه روي له ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثاً نقل البخاري منها خمسة وثمانين نزل الكوفة في آخر أمره وتوفي بها سنة ثنتين وثلاثين وقيل عاد إلى المدينة ومات بها ودفن بالبقيع وصلى عليه عثمان وقيل الزبير وقيل عمار بن ياسر وقيل لحذيفة أخبرنا برجل قريب السمت والهدى بفتح الهاء وسكون الدال والدل من رسول الله ﷺ نأخذ عنه قال ما نعلم أحداً أقرب سمتاً وهدياً ودلاً برسول الله ﷺ من ابن أم عبد والدل بفتح الدال الشكل قال أبو عبيد الدل قريب المعنى من الهدى وهما السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وكان على قضاء الكوفة وبيت مالها لعمر وصدراً من خلافة عثمان ﵃. قوله: (كله) الكل لا يؤكد به إلا ذو أجزاء يصح افتراقها حساً أو حكماً فعلم منه أن للإيمان كلاً وبعضاً فيقبل الزيادة والنقصان. قوله: (ابن عمر) أي عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المكي أسلم مع أبيه قبل بلوغه روي له عن رسول الله ﷺ ألف حديث وستمائة حديث وثلاثون حديثاً ذكر البخاري منها إحدى ومائتين وخمسين وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله ﷺ وقال البخاري أصح الأسانيد مطلقاً مالك عن نافع عن ابن عمر وقال جابر لم يكن أحد منهم ألزم بطريق النبي ﷺ ولا أتبع من ابن عمر وكان كثير الصدقة فربما تصدق في المجلس الواحد بثلاثين ألفاً وقل نظيره في المتابعة لرسول الله ﷺ وإعراضه عن الدنيا ومقاصدها والتطلع إلى الرياسة أو غيرها وأدل دليل على عظم مرتبته شهادة رسول الله ﷺ له بقوله: إن عبد الله رجل صالح قال الزهري لا يعدل برأي ابن عمر فإنه أقام بعد رسول الله ﷺ ستين سنة فلم يخف عليه شئ من أمره ولا من أمر الصحابة

стр. 75

حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِى الصَّدْرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ (شَرَعَ لَكُمْ) أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِيناً وَاحِداً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً) سَبِيلاً وَسُنَّةً ــ ﵃ ولم يقاتل في الحروب التي جرت بين المسلمين وكان يقول ما أجدني آسي على شئ فاتني من الدنيا إلا أني لم أقاتل مع علي الفئة الباغية وتوفي بمكة بعد الحج سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر ودفن بالمحصب وقيل بفخ بالفاء والخاء المعجمة موضع بقرب مكة وقيل بذي طوى وصلى عليه الحجاج. قوله: (حقيقة التقوى) أي الإيمان لأن المراد من التقوى وقاية النفس عن الشرك وفيه إشعار بأن بعض المؤمنين بلغوا إلى كنه الإيمان وبعضهم لا فيجوز الزيادة والنقصان وفي بعض الروايات بدل التقوى لفظ الإيمان. قوله: (يدع) أي يترك (ما حاك) بتخفيف الكاف. الجوهري: حاك السيف وأحاك بمعنى يقال ضربه فما حاك فيه السيف أي لم يعمل فيه والحيك أخذ القول في القلب يقال ما يحيك فيه الكلام إذا لم يؤثر فيه وفي بعض نسخ المغاربة صوابه حك بتشديد الكاف وفي بعض النسخ العراقية حاك من المحاكة والنووي: ما حاك بالتخفيف هو ما يقع في القلب ولا ينشرح له صدره وخاف الإثم فيه. التيمي: حاك في الصدر أي ثبت فيه. قوله: (مجاهد) هو ابن جبر بالجيم والموحدة الساكنة الإمام المشهور المفسر مكي مخزومي مولى عبد الله بن قيس بن السائب المخزومي تابعي متفق على جلالته إمام في التفسير والحديث والفقه. قال عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة وقيل كان أعلمهم بالتفسير مجاهد توفي سنة إحدى ومائة بمكة وهو ساجد. قوله: (وإياه) يعني نوحاً أي هذا الذي تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة من زيادة الإيمان ونقصانه هو شرع الأنبياء قبل نبينا ﷺ كما هو شرع نبينا ﷺ لأن الله تعالى قال "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى". قوله: (سبيلاً وسنة) يعني أن ابن عباس فسر قوله: تعالى شرعة ومنهاجاً بالسبيل والسنة الجوهري: المنهج الطريق الواضح وكذا المنهاج والشرعة الشريعة ومنه قوله: تعالى: "لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً" والشريعة ما شرع الله لعباده من الدين وقد شرع لهم يشرع شرعاً أي سن فعلي هذا هو من باب اللف والنشر الغير المرتب وفي بعض النسخ سنةً وسبيلاً فهو مرتب. فإن قلت ما الجمع بين مقتضى الآية الأولى من اتحاد شرعة الأنبياء ومقتضى الثانية من أن لكل شرعة. قلت الاتحاد في أصول الدين والتعدد في فروعه. قوله: (دعاؤكم إيمانكم) أي فسر ابن عباس قوله: تعالى: (قل ما يعبؤ بكم ربي

стр. 76

لولا دعاؤكم) فقال المراد بالدعاء الإيمان فمعنى دعاؤكم إيمانكم يعني تفسيره في الآيتين يدل على أنه قابل للزيادة والنقصان أو أنه سمي الدعاء إيماناً والدعاء عمل وقال الإمام ابن بطال معنى قول ابن عباس لولا دعاؤكم الذي هو زيادة في إيمانكم. النووي: اعلم أنه يقع في كثي رمن نسخ البخاري هنا باب دعاؤكم إيمانكم إلى آخر الحديث الذي هو بعده وهذا غلط فاحش وصوابه ما ذكرناه أولاً وهو دعاؤكم إيمانكم ولا يصح إدخال باب هنا لوجوه منها أنه ليس له تعلق بما نحن فيه ومنها أنه ترجم أولاً لقول النبي ﷺ بني الإسلام ولم يذكره قبل هذا إنما ذكره بعده ومنها أنه ذكر الحديث بعده وليس هو مطابقاً للترجمة وأقول وعندنا نسخة مسموعة منها على الفريري وعليها خطه وهو هكذا دعاؤكم إيمانكم بلا باب وبلا واو قال وأما مقصود الباب فهو بيان أن الإيمان يزيد وينقص وهل يطلق على الأعمال كالصلاة والصيام مذهب السلف أن الإيمان قول وعمل ونية ويزيد وينقص ومعناه أنه يطلق على التصديق بالقلب وعلى النطق باللسان وعلى الأعمال بالجوارح ويزيد بزيادة هذا وينقص بنقصانها وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصه وقالوا متى قبل الزيادة والنقص كان شكاً وكفراً وقال المحققون منهم نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته ونقصانها وهي الأعمال قال والمختار خلافه وهو أن نفس التصديق أيضاً يزيد وينقص بكثرة النظر وتظاهر الأدلة ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى بحيث لا يتزلزل إيمانهم بعارض ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس وأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه وهذا المعنى أراد البخاري في صحيحه بالأبواب الآتية بعد هذا كقوله: باب أمور الإيمان باب الصلاة من الإيمان باب الجهاد من الإيمان وأراد الرد على المرجئة في قوله: م الإيمان قول بلا عمل وقال اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام ونطق مع ذلك بالشهادتين فإن اقتصر على أحدهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً بل يخلد في النار إلا أن يعجز عن النطق لخلل في لسانه أو لعدم التمكن لمعاجلة المنية أو لغيرها فإنه حينئذٍ يكون مؤمناً وأقول الاتفاق ممنوع فيما لو اقتصر على الاعتقاد مع القدرة على النطق إذا لم يظهر منافياً فإنه مؤمن عند الله وقد لا يخلد في النار نعم نحن نحكم بكفره وقال ابن بطال مذهب جميع أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والمعنى الذي يستحق به العبد المدح والموالاة من المؤمنين هو الإتيان بالأمور الثلاثة التصديق والإقرار والعمل ولا خلاف في أنه لو أقر وعمل بلا اعتقاد أو اعتقد وعمل وجحد بلسانه لا يكون مؤمناً فكذا لو أقر واعتقد ولم يعمل الفرائض لا يسمى مؤمناً بالإطلاق وأقول لعل مراده كمال الإيمان لا أصل الإيمان ونفسه وإلا فكل من ترك فرضاً مرة لا يكون مؤمناً وهو

стр. 77

بابٌ دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ . ٧ - حَدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخبَرَنا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄، قَالَ: ــ مشكل مع أنه ثبت أن كل من أقر باللسان سماه رسول الله ﷺ مؤمناً على الإطلاق واعلم أن تحقيق هذه المسئلة وبيان النسبة أيضاً من الإيمان والإسلام بالمساواة أو بالعموم والخصوص موقوف على تفسير الإيمان وذكر في الكتب الكلامية له تفاسير فقال المتأخرون هو تصديق الرسول ﷺ بما علم مجيئه به ضرورة والحنفية التصديق والإقرار والكرامية الإقرار وبعض المعتزلة الأعمال والسلف والتصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان فهذه خمسة أقوال الثلاثة منها بسيطة وواحد منها مركب ثنائي والخامس مركب ثلاثي ووجه الحصر أنه إما بسيط أو لا والبسيط إما اعتقادي أو قولي أو عملي وغير البسيط إما ثنائي وإما ثلاثي وهذا كله بالنظر إلى ما عند الله أما عندنا فالإيمان هو بالكلمة فإذا قالها حكمنا بإيمانه اتفاقاً بلا خلاف ثم لا يعقل أن النزاع في نفس الإيمان وأما الكمال فإنه لا بد فيه من الثلاثة إجماعاً فإذا تحققت هذه الدقائق انفتحت لك المغالق إن شاء الله تعالى. قال البخاري ﵁ (حدثنا عبيد الله) هو ابن موسى بن باذام بالموحدة والذال المعجمة لفظ فارسي معرب وهو معنى اللوز وهو عبسي بالموحدة والعين والسين المهملتين وهو السيد الجليل أو محمد كان عالماً بالقرآن رأساً فيه قال أحمد بن عبد الله العجلي ما رأيت عبيد الله رافعاً رأسه ولا ضاحكاً قط توفي بالإسكندرية سنة ثلاث عشرة أو أربع عشرة ومائتين قال ابن قتيبة في المعارف كأن عبيد الله يتشيع ويروي أحاديث منكرة فضعف بذلك عند كثير من الناس وأقول اعلم أن المبتدع إذا وجدت فيه سائر شروط الرواية تقبل روايته قال الإمام مسلم في صحيحه الواجب أن يتقي من أهل النهم والمعاندين من أهل البدع فقيد بلفظ المعاندين وقال النووي في شرحه وقع في الصحيحين وغيرهما من كتب أئمة الحديث الاحتجاج بكثير من المبتدعة غير الدعاة إلى بدعتهم ولم يزل السلف والخلف على قبول الرواية منهم والاستدلال بها والسماع منهم وإسماعهم من غير إنكار. قوله: (حنظلة) هو ابن أبي سفيان بن عبد الرحمن القرشي المكي توفي سنة إحدى وخمسين ومائة. قوله: (عكرمة) هو ابن خالد بن العاص بن هاشم القرشي المكي المخزومي الثقة الجليل توفي سنة أربع أو خمس عشرة ومائة. قوله: (ابن عمر) هو عبد الله ابن عمر بن الخطاب زاهد الصحابة وعالمهم أحد العبادلة كما مر ومذهب البخاري أن أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر ويسمى هذا الإسناد بسلسلة الذهب. قال

стр. 78

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ــ الإمام أبو منصور التيمي: أصحها الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر وقال غيرهما أصحها أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر وفي أصل المسئلة خلاف مشهور في علم الحديث وهو أنه الأصح لا أصح على الإطلاق في الأسانيد وأعلم أن هذا الإسناد من الطرف إذ رواته مكيون قرشيون إلا عبيد الله فإنه كوفي وقال البخاري أولاً حدثنا في غالب النسخ إذ في بعضها أخبرنا وثانياً أخبرنا ففي الأول الشيخ قرأ وفي الثاني قرأ هو على الشيخ وهذا إذا قلنا بالفرق بين حدثنا وأخبرنا على ما هو المشهور وإلا فهما سواء كما سيأتي ونقل ثالثاً ورابعاً بكلمة عن معنعناً وهو أعم من قراءته على الشيخ أو قراءة الشيخ عليه ولابد من السماع في المعنعن عند البخاري. قال النووي: أدخل البخاري هذا الحديث في هذا الباب لينبئ أن الإسلام يطلق على الأفعال وأن الإيمان والإسلام قد يكونان بمعنى واحد. قوله: (بني الإسلام على خمس) إلى آخره والبحث فيه من جهة الإعراب أن شهادة وما عطف عليه مجرور بأنه بدل من خمس بدل الكل من الكل أو هو مرفوع بأنه خبر مبتدأ محذوف وهو هي وأن في أن لا إله إلا الله مخففة من الثقيلة ولهذا عطف عليه وأن محمداً رسول الله وخمس في بعض الروايات بالتاء فتقديره خمسة أشياء أو أركان أو أصول وفي بعضها بدون التاء فتقديره خمسة أشياء أو أركان أو أصول وفي بعضها بدون التاء فتقديره خمس دعائم أو قواعد أو خصال وههنا دقيقة جليلة نطلعك عليها وهي أن أسماء العدد إنما يكون تذكيرها بالتاء وتأنيثها بسقوط التاء إذا كان المميز مذكوراً أما إذا لم يذكر فيجوز فيه الأمر أن صرح به النحاة وذكرها النووي في شرح مسلم في حديث من صام رمضان وستاً من شوال فكأنما صام الدهر كله ففي مبحثنا يجوز من جهة النحو التاء وعدمها (وإقام) أصله إقوام حذف الواو فصار إقام قال أهل التصريف ولزم الحذف والتعويض في نحو إجازة واستجازة ويجب حمل التعويض على أعم من التاء حتى يصح أن يقال المضاف إليه عوض من المحذوف قال الله تعالى: "وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة" (وإيتاء الزكاة) أي إعطاءها والإيتاء متعد إلى مفعولين أي إيتاء الزكاة مستحقها فحذف أحد المفعولين (وصوم رمضان) أي صوم شهر رمضان فحذف لفظ الشهر وهذا دليل من جوز إطلاق رمضان بغير لفظ الشهر ومن جهة البيان أن الإسلام شُبه بمبني له دعائم فذكر المشبه وأسند إليه ما هو من خواص المشبه به وهو البناء ومثله يسمى بالاستعارة بالكناية ونحوه أنبت الربيع البقل ومن جهة الأحكام أن مقتضى ظاهر الحديث أن الشخص لا يكون مسلماً عند ترك شيء

стр. 79

منها لكن الإجماع منعقد على أن العبد لا يكفر بترك الصوم ونحوه وأما قول الإمام أحمد بكفر تارك الصلاة فلدليل خارجي وهو نحو قوله: ﷺ من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر ومن جهة الاصطلاحات أن الصلاة عبارة عن العبادة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم والزكاة عن القدر الواجب المُخرج من النصاب إلى المستحق والحج عن القصد إلى الكعبة للنسك والصوم عن إمساك النفس في النهار عن المفطرات وأما وجه تقديم كل منها فقد تقدم وهو أن الكلمة أصل ثم قدم الصلاة لأنها عماد الدين ثم الزكاة لأنها قرينة الصلاة ثم الحج للتغليظات الواردة فيه ونحوها. فإن قلت الإسلام هو الكلمة فقط ولهذا يحكم بإسلام من تلفظ بها فلما ذكر الأخوات معها. قلت تعظيماً لأخواتها. النووي: حكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين وإنما أضيفت إليهما الصلاة ونحوها لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم إسلامه وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله. فإن قلت فعلى هذا التقدير الإسلام هو هذه الأمور الخمسة والمبني لابد أن يكون غير المبني عليه. قلت الإسلام عبارة عن المجموع والمجموع غير كل واحد من أركانه. فإن قلت الأربعة الأخيرة مبنية على الشهادة إذ لا يصح شئ منها إلا بعد الكلمة فالأربعة مبنية والشهادة مبني عليها فلا يجوز إدخالها في سلك واحد قلت لا محذور في أن يبنى أمر على أمر ثم الأمر أن يكون عليهما شئ آخر أو نقول لا نسلم أن الأربعة مبنية على الكلمة بل صحتها موقوفة عليها وذلك غير معني بناء الإسلام على الخمس. التيمي: قوله: بُني الإسلام على خمس كان ظاهره أن الإسلام مبني على هذه وإنما هذه الأشياء مبنية على الإسلام لأن الرجل ما لم يشهد لا يخاطب بهذه الأشياء الأربعة ولو قالها فإنا نحكم في الوقت بإسلامه ثم إذا أنكر حكماً من هذه الأحكام المذكورة المبنية على الإسلام حكماً ببطلان إسلامه إلا أن النبي ﷺ لما أراد بيان أن الإسلام لا يتم إلا بهذه الأشياء ووجودها معه جعله مبنياً عليها ولهذا المعنى سوى بينها وبين الشهادة وإن كانت هي الإسلام بعينه وأقول حاصل كلامه أن المقصود من الحديث بيان كمال الإسلام وتمامه فلهذا ذكر هذه الأمور مع الشهادة لا نفس الإسلام وهو حسن لكن قوله: ثم إذا أنكر حكماً من هذه حكمنا ببطلان إسلامه ليس من المبحث إذ البحث في فعل هذه الأمور وتركها لا في إنكارها وكيف وإنكار كل حكم من أحكام الإسلام موجب للكفر فلا معنى للتخصيص بهذه الأربعة. الطيبي: لا تخلو هذه الخمسة من أن تكون قواعد البيت أو أعمدة الخبا وليس الأول لكون القواعد على أربع فتعين الثاني وينصره ما جاء في حديث معاذ وعموده الصلاة مثلت حالة الإسلام مع أركانه الخمسة بحالة خباء أقيمت على خمسة أعمدة وقطبها

стр. 80

باب أُمُورِ الإِيمَانِ . وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِى الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِى الْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَاسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ ــ الذي تدور عليه الأركان هي شهادة أن لا إله إلا الله وبقية شعب الإيمان كالأوتاد للخباء. روي أن الفرزدق حضر جنازة فسأله بعض الأئمة يا فرزدق ما أعددت لمثل هذه الحالة قال شهادة أن لا إله إلا الله فقال هذا العمود فأين الإطناب هذا على أن تكون الاستعارة تمثيلية لأنها وقعت في حالتي الممثل والممثل به ويجوز أن تكون الاستعارة تبعية بأن تقدر الاستعارة في بني والقرينة الإسلام شبه ثبات الإسلام واستقامته على هذه الأركان ببناء الخباء على الأعمدة الخمسة ثم تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل وأن تكون مكنية بأن تكون الاستعارة في الإسلام والقرينة بني على التخييل بأن شبه الإسلام بالبيت ثم خُيل كأنه بيت على المبالغة ثم أطلق الإسلام على ذلك المخيل ثم خيل له ما يلازم البيت المشبه به من البناء ثم أثبت له ما هو لازم البيت من البناء على الاستعارة التخييلية ثم نسب إليه لتكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة فظهر من هذا التحقيق أن الإسلام غير والأركان غير كما أن البيت غير والأعمدة غير ولا يستقيم ذلك إلا على مذهب أهل السنة فإن الإسلام عبارة عن التصديق والقول والعمل والله أعلم. قال البخاري ﵁. (باب أمور الإيمان وقول الله ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) قوله: (أمور الإيمان) المراد منه الأمور التي هي الإيمان لأن الأعمال الحقيقية عنده والأقوال هي الإيمان فالإضافة بيانية أو الأمور التي للإيمان في تحقيق حقيقته وتكميل ذاته فالإضافة بمعنى اللام وتمام الآية الشريفة (ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) ومعناها ولكن البر بر من آمن أو ولكن صاحب البر من آمن

стр. 81

صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) الآيَةَ. ٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه ــ وقرئ البر بفتح الراء وهو ظاهر ووجه الاستشهاد بالآية أنها حصرت المتقين على أصحاب هذه الصفات والأعمال والمراد المتقون من الشرك وهم المؤمنون أو هم المؤمنون الكاملون والآية الثانية وهي (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون) فعلم منها أن الإيمان الذي به الفلاح والنجاة الإيمان الذي فيه هذه الأعمال المذكورة وأفلح أي دخل في الفلاح وهو لازم قال ابن بطال التصديق أول منازل الإيمان والاستكمال إنما هو بهذه الأمور وأراد البخاري الاستكمال ولهذا بوب أبوابه عليه فقال باب أمور الإيمان وباب الجهاد وباب الصلاة من الإيمان. قوله: (عبد الله بن محمد) هو أبو جعفر بن عبد الله بن جعفر اليماني الجعفي البخاري المسندي بضم الميم وفتح النون سمي بذلك لأنه كان يطلب الأحاديث المسندة ويرغب عن المراسيل واليمان كان والي بخاري أسلم على يده المغيرة بن بردزية أحد أجداد البخاري ومات عبد الله في ذي القعدة سنة سبع وعشرين ومائتين. قوله: (أبو عامر العقدي) بالعين المهملة والقاف المفتوحتين اسمه عبد الملك ابن عمرو البصري والعقد قوم من قيس وهم بطن من الأزد اتفق الحفاظ على توثيقه وجلالته مات بالبصرة سنة خمس أو أربع ومائتين. قوله: (سليمان بن بلال) هو أبو محمد أو أبو أيوب القرشي التيمي المدني مولى آل أبي بكر الصديق ﵁ كان بربرياً جميلاً حسن الهيئة عاقلاً مفتناً تولى خراج المدينة وتوفي بها سنة اثنتين أو سبع وسبعين ومائة. قوله: (عبد الله بن دينار) هو أبو عبد الرحمن القرشي المدني مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ توفي سنة سبع وعشرين ومائة. قوله: (أبو صالح) اسمه ذكوان السمان الزيات المدني كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة مولى جويرية الغطفاني قال أحمد بن حنبل هو ثقة من أجل الناس وأوثقهم توفي بالمدينة سنة إحدى ومائة. قوله: (أبو هريرة) اختلف في اسمه واسم أبيه على نحو ثلاثين قولاً أصحها عند الأكثر بن عبد الرحمن ابن صخر الدوسي التميمي. وقال ابن عبد البر: لم يختلف في اسم أحد في الجاهلية ولا في الإسلام

стр. 82

وسلم قَالَ: الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ ــ كالاختلاف فيه وروي عنه أنه قال كان اسمي في الجاهلية عبد شمس وسميت في الإسلام عبد الرحمن واسم أمه ميمونة وقيل أمية وقد أسلمت بدعاء رسول الله ﷺ وقال أبو هريرة نشأت يتيماً وهاجرت مسكيناً وكنت أجيراً لبسرة بنت غزوان خادماً لها فزوجنيها الله تعالى فالحمد لله الذي جعل الدين قواماً وجعل أبا هريرة إماماً وقال كنت أرعى غنماً وكانت لي هرة صغيرة ألعب بها فكنوني بها وقيل رآه النبي ﷺ في كمه هرة فقال يا أبا هريرة. قدم المدينة سنة سبع عام خيبر وشهدها مع رسول الله ﷺ ثم لزمه وواظب عليه وكان عريف أهل الصفة وحمل عن رسول الله ﷺ من العلم شيئاً كثيراً وهو أكثر الصحابة رواية بإجماع العلماء روي له عن رسول الله ﷺ خمسة آلاف وثلثمائة وأربعة وستون حديثاً. ذكر البخاري منها أربعمائة حديث وثمانية عشر حديثاً وكان يدور مع رسول الله ﷺ حيث دار قال لرسول الله ﷺ أني سمعت منك حديثاً كثيراً وأخاف أن أنسى فقال ابسط رداءك فبسطته فغرف بيده ثم قال ضمه فضممته فما نسيت شيئاً بعد وكان آدم ذا ضفيرتين خفياً لشاربه مزاحاً وكان مروان ربما أستخلفه على المدينة فيركب حماراً قد شد عليه برذعة وفي رأسه شئ من الليف فيلقى الرجل فيقول الطريق قد جاء الأمير ونزل بذي الخليفة وله بها دار تصدق بها على مواليه توفي بالمدينة سنة تسع وخمسين وقيل بالعقيق ودفن بالبقيع. قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. قوله: (بضع) هكذا في بعض الأصول وبضعة بالهاء في أكثرها وهماً بكسر الباء على المشهور وبفتحها على اللغة القليلة ومعناهما القطعة واستعملا في العدد لما بين الثلاثة والعشرة على الصحيح وقيل من ثلاث إلى تسع وقيل من اثنين إلى عشرة وقيل من واحد إلى تسعة قال الخليل البضع هو السبع والشعبة هي غصن الشجرة وفرع كل أصل. قوله: (وستون) كذا هنا وثبت في رواية صحيح مسلم وسبعون جزماً وفي رواية أخرى بضع وسبعون أو بضع وستون على الشك وروى أبو داود والترمذي بضع وسبعون بلا شك. القاضي عياض: الصواب ما وقع في سائر الأحاديث ولسائر الرواة بضع وسبعون ومنهم من رجح رواية بضع وستون لأنها المتيقن. النووي: الصواب ترجيح بضع وسبعون لأنها زيادة من ثقات وزيادة الثقات مقبولة مقدمة وليس في رواية بضع وستون ما يمنع الزيادة. وأقول إن المراد من زيادة الثقات زيادة لفظ في الرواية ومثله ليس منها بل من باب اختلاف الروايتين فقط وأن رواية بضع وستون لا تنافي ما عداها إذ التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد

стр. 83

ويحتمل أن تكون رواية الستين مقدمة على رواية السبعين وكان شعب الإيمان عند صدوره من النبي ﷺ هذا القدر ثم قال مرة أخرى عند زيادة الشعب بلفظ سبعون فيكون كلاهما صواباً الخطابي: الإيمان اسم يتشعب إلى أمور ذوات عدد جماعها الطاعة ولذا صار من صار من العلماء إلى أن الناس متفاضلون في درج الإيمان وإن كانوا متساوين في اسمه وكان بدء الإيمان كلمة الشهادة وأقام رسول الله ﷺ بقية عمره يدعو الناس إليها وسمي من أجابه إلى ذلك مؤمناً إلى أن نزلت الفرائض وبهذا الاسم خوطبوا عند إيجابها عليهم فقال: "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة" وهذا الحكم مستمر في كل اسم يقع على أمر ذي شعب كالصلاة فإن رجلاً لو مر على مسجد وفيه قوم منهم من يستفتح الصلاة ومنهم من هو راكع أو ساجد فقال رأيتهم يصلون كان صادقاً مع اختلاف أحوالهم في الصلاة وتفاضل أفعالهم فيها. فإن قيل إذا كان الإيمان بضعاً وسبعين شعبة فهل يمكنكم أن تسموها بأسمائها وإن عجزتم عن تفصيلها فهل يصح إيمانكم بما هو مجهول عندكم قلنا إيماننا بما كلفناه صحيح والعلم به حاصل وذلك من وجهين الأول أنه قد نص على أعلى الإيمان وأدناه باسم أعلى الطاعات وأدناه فدخل فيه جميع ما يقع بينهما من جنس الطاعات كلها وجنس الطاعات معلوم والثاني أنه لم يوجب علينا معرفة هذه الأشياء بخواص أسمائها حتى يلزمنا تسميتها في عقد الإيمان وإنما كلفنا التصديق بجملتها كما كلفنا الإيمان بملائكته وإن كنا لا نعرف أسماء أكثرهم ولا أعيانهم. النووي: قد بيَّن النبي ﷺ أعلى شعب الإيمان وأدناه كما ثبت في الصحيح من قوله: ﷺ أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق فبيَّن أن أعلاها التوحيد المتعين على كل مكلف والذي لا يصح غيره من الشعب إلا بعد صحته وأن أدناها دفع ما يتوهم به ضرر المسلمين وبقي بينهما إتمام العديد فيجب علينا الإيمان به وإن لم نعرف أعيان جميع أفراده كما نؤمن بالملائكة وإن لم نعرف أعيانهم وأسماءهم. قوله: (والحياء) بالمد وهو تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم ويعرف أيضاً بأنه انحصار النفس خوف ارتكاب القبائح واشتقاقه من الحياة يقال حيي الرجل إذا انتقص حياته وانتكس قوته كما يقال نسي إذا اعتل نساه أي العرق الذي في الفخذ وحشي إذا اعتل حشاه فمعنى الحياء المألوف الحياء من خوف المذمة وإن كان الحياء شعبة منه لأنه يحجز صاحبه عن المعاصي إذ الإيمان منقسم إلى ائتمار المأمور به وإلى انتهاء المنهي عنه وإنما أفراده بالذكر لأنه كالداعي إلى سائر الشعب فإن الحيي يخاف وفضيحة الدنيا فضيحة الآخرة فينزجر عن المعاصي ويمتثل الطاعات كلها وشبه الإيمان بشجرة ذات أغصان وشعب كما شبه في الحديث السابق الإسلام بخباء ذات أعمدة وأطناب وأما تخصيص الستين فلأن العدد إما زائد وهو ما أجزاؤه أكثر

стр. 84

منه كالاثنى عشر فإن لها نصفاً وثلثاً وربعاً وسدساً ونصف سدس ومجموع هذه الأجزاء أكثر من اثنى عشر فإنها ستة عشر وإما ناقص وهو ما أجزاؤه أقل منه كالأربعة فإن لها النصف والربع فقط وإما تام وهو ما أجزاؤه مثله كالستة فإن أجزاءها النصف والثلث والسدس وهي مساوية للستة والفضل بين الأعداد الثلاثة للتام فلما أريد المبالغة فيه جعلت آحادها أعشاراً فذكره لمجرد الكثرة أو لأن هذا القدر كان شعب الإيمان حينئذٍ فذكره لبيان الواقع والله. النووي: وفي رواية أخرى في الصحيح الحياء من الإيمان وفي أخرى الحياء خير كله قال والحياء هو الاستحياء وقال قال الإمام الواحدي قال أهل اللغة الاستحياء من الحياة واستحى الرجل من قوة الحياة فيه لشدة علمه بمواقع العيب والذم قال والحياء من قوة الحس وأقول هذا بعكس ما قررناه أولاً من ضعف الحياة وهو قول صاحب الكشاف وقال قالوا جعل الحياء من الإيمان لأنه قد يكون تخلقاً واكتساباً كسائر أعمال البر وقد يكون غريزة لكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية فهو من الإيمان لهذا أو لكونه باعثاً على أفعال الخير ومانعاً من المعاصي وأما كونه خيراً كله فقد يستشكل من حيث أن صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر والجواب أنه ليس حياء حقيقياً بل هو عجز ومهانة وضعف وإنما تسميته حياء من باب إطلاق بعض أهل العرف أطلقوه مجازاً لمشابهته الحياء الحقيقي قال وهذا الحديث نص في إطلاق اسم الإيمان الشرعي على الأعمال وأقول ليس نصاً إذ معناه شعب الإيمان بضع وكذا لأن لفظ الإماطة غير داخلة في حقيقة الإيمان والتصديق خارج عنه اتفاقاً. التيمي: المراد من وجدت فيه هذه الخصال فهو مؤمن على سبيل الكمال ثم إيمان كل واحد بقدر وجود هذه الخصال فيه قال الإمام أبو حاتم البستي تتبعت معنى هذا الحديث مرة وعددت الطاعات فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئاً كثيراً فرجعت إلى السنن فعددت كل طاعة عدها رسول الله ﷺ من الإيمان فإذا هي تنقص فرجعت إلى كتاب الله فعددت كل طاعة عدها الله من الإيمان فإذا هي تنقص فضممت إلى الكتاب السنة وأسقطت المعاد فإذا كل شئ عده الله ورسوله من الإيمان وهو تسع وسبعون لا يزيد عليها ولا ينقص فعلمت أن مراد النبي ﷺ أن هذا العدد في الكتاب والسنة. القاضي البيضاوي: يحتمل أن يراد بهذا العدد أي بالبضع والسبعين التكثير دون التقدير كما في قوله: تعالى: (أن تستغفر لهم سبعين مرة) واستعمال لفظي السبع والسبعين للتكثير كثير وذلك لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد فإنه ينقسم إلى فرد وزوج وكل منهما إلى أول ومركب والفرد الأول ثلاثة والمركب خمسة والزوج الأول اثنان والمركب أربعة وينقسم أيضاً إلى منطق كالأربعة وأصم كالستة ثم أن أريد مبالغة جعلت آحادها أعشاراً وأن يراد تعداد الخصال حقيقة وبيانه أن شُعب

стр. 85

الإيمان وإن كانت متعددة إلا أن حاصلها يرجع إلى أصل واحد وهو تكميل النفس على وجه به يصلح معاشه ويحسن معاده وذلك بأن يعتقد الحق ويستقيم في العمل وإليه أشار ﵇ حيث قال لسفيان الثقفي حين سأله قولاً جامعاً (قل آمنت بالله ثم استقم) والاعتقاد يتشعب إلى ستة عشر شعبة طلب العلم ومعرفة الصانع وتنزيهه عن النقائص والإيمان بصفات الإكرام مثل الحياة والعلم والإقرار بالوحدانية والاعتراف بأن ما عداه صنعه لا يوجد ولا يعدم إلا بقضائه وقدره والإيمان بملائكته المطهرة المعتكفين في حظائر القدس وتصديق رسله المؤيدين بالآيات وحسن الاعتقاد فيهم والعلم بحدوث العالم واعتقاد فنائه والجزم بالنشأة الثانية وإعادة الأرواح إلى الأجسام والإقرار باليوم الآخر بما فيه من الصراط والحساب والميزان وسائر ما تواتر عن الرسول ﷺ والوقوف على وعد الجنة وثوابها والتيقن بوعيد النار وعقابها والعمل ينقسم إلى ثلاثة أقسام أحدها ما يتعلق بالمرء نفسه وهو ينقسم إلى قسمين أحدهما ما يتعلق بالباطن وحاصله تزكية النفس عن الرذائل وأمهاتها عشرة شره الطعام وشره الكلام وحب الجاه وحب المال وحب الدنيا والحقد والحسد والرياء والنفاق والعجب: وتحلية النفس بالفضائل وأمهاتها ثلاثة عشر التوبة والخوف والرجاء والزهد والحياء والشكر والوفاء والصبر والإخلاص والصدق والمحبة والتوكل والرضاء بالقضاء. وثانيهما ما يتعلق بالظاهر ويسمى بالعبادة وشعبها ثلاثة عشر طهارة البدن عن الحدث والخبث وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والقيام بأمر الجنائز وصيام رمضان والاعتكاف وقراءة القرآن وحج البيت وذبح الضحايا والوفاء بالنذر وتعظيم الإيمان وأداء الكفارات وثانيها ما يتعلق به وبخواصه وأهل منزله وشعبها ثمان التعفف عن الزنا والنكاح والقيام بحقوقه والبر بالوالدين وصلة الرحم وطاعة السادة والإحسان إلى المماليك والعتق وثالثها ما يعم الناس وينوط به إصلاح العباد وشعبها سبع عشرة القيام بإمارة المسلمين واتباع الجماعة ومطاوعة أولي الأمر ومعاونتهم على البر وإحياء معالم الدين ونشرها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ الدين بالزجر عن الكفر ومجاهدة الكفار والمرابطة في سبيل الله وحفظ النفس بالكف عن الجنايات وإقامة حقوقها من القصاص والديات وحفظ أموال الناس بطلب الحلال وأداء الحقوق والتجافي عن المظالم وحفظ الأنساب وأعراض الناس بإقامة حدود الزنا والقذف وصيانة العقل بالمنع عن تناول المسكرات والمجننات بالتهديد والتأديب عليه ودفع الضرر عن المسلمين. ومن هذا القبيل إماطة الأذى عن طريق. قال علي بن عيسى النحوي: السبعة أكمل الأعداد لأن الستة أول عدد تام وهو مع الواحد سبعة فكانت كاملة إذ ليس بعد التمام سوى الكمال وسمي الأسد سبعاً لكمال قوته ثم السبعون غاية الغاية إذ الآحاد غايتها العشرات. الطيبي: الأظهر معنى

стр. 86

التكثير ويكون ذكر البضع للترقي يعني أن شعب الإيمان أعداد مُبهمة ولا نهاية لكثرتها إذ لو أريد التحديد لم يهم ولو شرعت في معنى الحياء وفسرته بما ورد عن رسول الله ﷺ استحيوا من الله قالوا إنا نستحي من الله يا رسول الله والحمد لله قال ليس ذلك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى وتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا وآثر الآخرة على الأولى فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء لقد حاولت أمراً عظيماً ثم ليذق من رزق الطبع السليم المستقيم معنى إفراد الحياء بالذكر بعد إدخاله في الشعب كأنه يقول هذه شعبة واحدة من شعبه فهل تحصل أو تحصي شعبه كلها هيهات إن البحر لا ينزف. قال محيي السنة: لما كان الحياء سبباً يمنعه عن المعاصي كالإيمان عُد الحياء شعبة من شعبه وإن لم يكن أمراً مكتسباً. وأقول هذا توجيه ثالث لتخصيص الحياء بالذكر. ثم قوله: وإن لم يكن أمراً مكتسباً ممنوع إذ ربما يكتسب لأن الأخلاق جائزة الاكتساب أو يكتسب استعماله على قانون الشرع هذا واعلم أن تعداد الشعب يمكن بطريق أضبط مما ذكر وأنتج من التكرار بأن يقال الإنسان لا يخلو من المبدأ والمعاد والمعاش وهي إما أن تتعلق بنفس الرجل فقط وتسمى بالنفسانية أو بغيره من خاصته وهم أهل منزله وتسمى المنزلية وإما بغيره من عامة الناس وتسمى بالبدنية. والنفسية إما باطنية وإما ظاهرية. والظاهرية إما قولية وإما فعلية. والمبدئية إما متعلقة بذات الله تعالى وهي تسعة وهي الإيمان بوجود الصانع وبالتوحيد الذي هو أصل صفات الجلال وبالصفات السبعة المسماة بصفات الإكرام وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام وإما بفعل الله وحكمه وهي أربعة الإيمان بملائكته وكتبه ورسله وحدوث العالم. والمعادية أمهاتها ثمانية وهي البعث والوقوف والحساب والميزان والصراط والشفاعة والجنة والنار وما يتعلق بهما. والمنزلية كذلك ثمانية: التعفف عن السفاح وعقد النكاح والقيام بحقوقه والبر بالوالدين وتربية الأولاد وصلة الرحم وطاعة السادات والإحسان إلى المماليك. والمدنية أصولها أربعة عشر القيام بالإمارة واتباع الجنازة ومطاوعة أولي الأمر والمعاونة على البر وإحياء معالم الدين والأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وحفظ الدين بالقتل والقتال وحفظ النفس بالكف عن الجنايات وإقامة حدود الجراح وحفظ العقل بالمنع عن المسكرات والمجننات وحفظ المال بطلب الحقوق وأدائها وحفظ الأنساب بإقامة حدود الزنا وحفظ الأعراض بحد القذف والتعزير ودفع الضرر عن المسلمين. والظاهرية القولية خمسة التلفظ بالكلمة وصدق اللهجة وقراءة القرآن والتعلم والتعليم للشرائع. والظاهرية الفعلية مالية أو بدنية أو مركبة منهما عشرة: الطهارة وستر العورة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والقيام بأمر الجنائز والصيام والحج والوفاء بالنذر وتعظيم الأيمان وأداء الكفارات

стр. 87

بابٌ الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنْ ــ والباطنية إما تخليه عن الرذائل وأمهاتها ثمانية: حب المال وحب الجاه وحب الدنيا والحقد والحسد والرياء والنفاق والعجب. وإما تحليه بالفضائل وكليانها أحد عشر: التوبة والخوف والرجاء والحياء والشكر والوفاء والصبر والإخلاص والمحبة والتوكل والرضا بالقضاء، وعلم هذا بالاستقراء ومثل هذا الحصر لا يكون عقلياً بل هو استقرائي لا يفيد إلا ظناً والله أعلم. قال البخاري ﵁ (باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) يجوز في باب التنوين والإضافة إلى جملة الحديث والوقف على الكون والحديث مذكور على سبيل التعليق. قوله: (آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة وبالياء المثناة من تحت والسين المهملة هو أبو الحسن آدم بن عبد الرحمن بن محمد أصله من خراسان نشأ ببغداد وبها طلب الحديث ثم رحل إلى الكوفة والبصرة والحجاز والشام ومصر واستوطن عسقلان الشام. قال أبو حاتم هو ثقة مأمون متعبد من خيار عباد الله وكان وراقاً توفي بعسقلان سنة عشرين ومائتين. قوله: (شعبة) بضم الشين غير منصرف هو إمام من أئمة العلم الأعلام أبو بسطام بن الحجاج بن الورد الأزدي مولاهم الواسطي ثم انتقل إلى البصرة والعلماء مجمعون على جلالته وإتقانه وعرفانه وورعه. قال الشافعي: لولا شعبة ما عُرف الحديث بالعراق وقال أحمد كان شعبة أمة واحدة في هذا الشأن وقال سفيان الثوري شعبة أمير المؤمنين في الحديث وقيل جف جلده على عظمه ليس بينهما لحم من كثرة عبادة الله تعالى وكان ألثغ توفي بالبصرة سنة ستين ومائة. قوله: (عبد الله ابن أبي السفر) بفتح السين والفاء سعيد بن محمد الهمداني الكوفي. قال النووي: يحمد بضم الياء وفتح الميم والحافظ بضم الياء وكسر الميم توفي في زمان مروان بن محمد الذي به ختام الدولة الأموية استخلف سنة سبع وعشرين ومائة. قوله: (إسماعيل) هو ابن أبي خالد أبو عبد الله البجلي بفتح الجيم الأخمسي الكوفي سمع جماعة من الصحابة والتابعين وكان عالماً متقناً صالحاً قال مروان بن معاوية كان إسماعيل يسمى بالميزان توفي بالكوفة سنة خمس وأربعين ومائة وإسماعيل بفتح اللام لأنه عطف على عبد الله لا على شعبة. قوله: (الشعبي) بفتح الشين وسكون العين هو أبو عمر عامر بن شراحيل الكوفي نسب إلى شعب وهو بطن من همدان بسكون الميم وإهمال الدال ولد لست سنين مضت من خلافة عثمان ﵁ وروى عن علي والسبطين وسعد وسعيد وابن عباس وأبو عمر وغيرهم

стр. 88

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «الْمُسْلِمُ مَنْ ــ ﵃ قال أدركت خمسمائة من الصحابة وقال ما كتبت سوداء في بيضاء قط ولا حدثني أحد بحديث فأحببت أن يعيده علي ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته وقال ابن عيينة كان الشعبي أكبر الناس في زمانه وكان ضئيلاً فقيل له مالنا نراك نحيفاً قال إني زوحمت في الرحم وذلك لأنه كان أحد التوأمين وهو كاتب عبد الله بن مطيع العدوي أمير العريش يوم الحرة وكان مزاحاً. حكى أنه قال لخياط مر به: عندنا جب مكسور أتخيطه فقال الخياط إن كان عندك خيوط من الريح ودخل عليه رجل ومعه في البيت امرأة فقال أيكما الشعبي فقال الشعبي هذه وأمه كانت من سبي جلولا. وهي قرية من ناحية فارس توفي بالكوفة في سنة بضع ومائة. قوله: (عبد الله بن عمرو) بفتح العين وبالواو وإنما كتبت بالواو ليتميز عن عمر وهذا في غير النصب وأما في النصب فيتميز بالألف وهو عمرو بن العاص بن وائل القرشي كنيته أبو محمد على الأصح أسلم قبل أبيه وشهد معه صفين وكان يضرب بسيفين وكان بينه وبين أبيه في السن اثنا عشرة سنة أو إحدى عشرة قالوا ولا يعرف أحد غيره بينه وبين والده هذا القدر وكان غزيراً في العلم مجتهداً في العبادة روى عن رسول الله ﷺ سبعمائة حديث ذكر البخاري منها خمسة وعشرين كان أحمر عظيم البطن وعمى آخر عمره توفي بمكة أو بالطائف أو بمصر سنة خمس أو ثلاث أو سبع وستين أو اثنين أو ثلاث وسبعين. قوله: (المسلم) معناه المسلم من لم يؤذ مسلماً يقول ولا فعل وإنما خص اليد مع أن الفعل قد يحصل بغيرها لأن سلطة الأفعال إنما تظهر في اليد إذ بها البطش والقطع والأخذ والمنع والإعطاء ونحوه والإيذاء باللسان أكثر فاعتبر الغالب قال الزمخشري لما كانت أكثر الأعمال تباشر باليد غلبت فقيل في كل عمل هذا مما عملت أيديهم وإن كان عملاً لا تتأتى فيه المباشرة بالأيدي وإنما قدم اللسان لأن إيذاء اللسان أكثر وقوعاً وأسهل أو لأنه أشد نكايةً قال ﷺ لحسان "أهج المشركين فإنه أشق عليهم من رشق النبل" قال الشاعر: جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان فإن قلت المفهوم منه أنه إذا لم يسلم المسلمون منه لا يكون مسلماً لكن الاتفاق على أنه إذا أتى بالأركان الخمسة فهو مسلم بالنص والإجماع، قلت المراد من سلموا منه هو المسلم الكامل فإذا لم يسلموا منه فيلتزم أن لا يكون مسلماً كاملاً وذلك لأن الجنس إذا أطلق يكون محمولاً على الكامل نص عليه سيبويه في نحو الرجل زيد وقال ابن جني من عادتهم أنهم يوقعوا على الشئ الذي يخصونه بالمدح اسم الجنس ألا ترى كيف سموا الكعبة بالبيت أو نقول سلامة المسلمين خاصةً المسلم ولا يلزم من

стр. 89

سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله ــ انتفاء الخاصة انتفاء ماله الخاصة. فإن قلت فإذا سلم المسلمون منه يلزم أن يكون مسلماً كاملاً وإن لم يأت بسائر الأركان لكنه باطل اتفاقاً كالأول وهذا السؤال عكس السؤال الأول. قلت هذا وارد على سبيل المبالغة تعظيماً لترك الإيذاء كأن ترك الإيذاء هو نفس الإسلام الكامل وهو محصور فيه على سبيل الادعاء وأمثاله كثيرة. فإن قلت فما تقول في إقامة الحدود وإجراء التعازير والتأديبات الزاجرة قلت ذلك مستثنى من هذا العموم بالإجماع أو أنه ليس إيذاء بل هو على التحقيق إصلاح وطلب للسلامة لهم ولو في المآل. قوله: (والمهاجر) الهجر ضد الوصل ومنه قيل للكلام الفاحش هجر بضم الهاء لأنه ينبغي أن يهجر عنه والمهاجر اصطلاحاً هو الذي فارق عشيرته ووطنه وأعلم النبي ﷺ المهاجرين أنه يجب عليهم أن يهجروا ما نهى الله عنه لتكمل هجرتهم ولا يتكلوا على الهجرة إلى المدينة فقط وقيل شق فوات الهجرة على بعضهم فقيل المهاجر أي الكامل من هجر ما نهى الله عنه ويحتمل أن يكون صدور هذا الحديث بعد الفتح ولا هجرة حينئذٍ إلا هجرة المعاصي. الخطابي: يريد أن المسلم الممدوح من كان هذا صفته وليس ذلك على معنى أن من لم يسلم الناس منه ممن دخل في عقد الإسلام فليس بمسلم وكان خارجاً عن الملة وإنما هو كقولك الناس العرب وتريد أن أفضل الناس العرب فهنا المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله أداء حقوق المسلمين والكف عن أعراضهم وكذلك المهاجر الممدوح هو الذي جمع إلى هجران وطنه هجر ما حرم الله تعالى عليه ونفى اسم الشئ على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم وأقول وفي الإثبات أيضاً كذلك أي إثبات اسم الشئ على معنى إثبات الكمال له مستفيض من كلامهم. واعلم أن الإسلام في الشرع يطلق على ضربين أحدهما دون الإيمان وهو الأعمال الظاهرة كما في قوله: تعالى: "قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا" والثاني فوق الإيمان وهو أن يكون مع الأعمال اعتقاد بالقلب مع الإخلاص والإحسان واستسلام لله في جميع ما قضى به وقدر كما قال إبراهيم ﵇ "إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت" فيحتمل أن يكون المارد بالمسلم هنا هو المخلص المستسلم لقضاء الله تعالى وقدره الراضي به فكأنه قال من أسلم وجهه لله ورضي بتقديراته لا يتعرض لأحد بإيذاء ويكف أذاه عنهم بالكلية سيما عن أخواته المسلمين وهذا كلام حسن فتدبره. قوله: (أبو معاوية) يعني الضرير محمد بن خازم بالخاء المعجمة والزاي وليس

стр. 90

عليه وسلم وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بابٌ أيّ الإسلام أفضل ١٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِىِّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ ــ في البخاري خازم بالإعجام إلا أبو هذا الرجل وهو مولى لتميم توفي بالكوفة سنة خمس أو أربع وتسعين ومائة. قوله: (داود) هو ابن أبي هند مولى لبني قشير وهو من أهل سرخس ومات في طريق مكة سنة تسع وثلاثين ومائة. قوله: (عبد الأعلى) هو ابن عبد الأعلى السامي بالسين المهملة منسوب إلى سامة ابن لؤي القرشي البصري توفي سنة تسع وثمانين ومائة روى البخاري عنه معلقاً لأن وفاته قبل ولادة البخاري بخمس سنين كما أن روايته عن أبي معاوية أيضاً على سبيل التعليق لأن البخاري لم يدركه بل ولا عاصره لأنه ولد سنة أربع وتسعين ومائة سنة وفاته أو قبله بسنة ولهذا لم يقل فيهما حدثنا أو أخبرنا بل قال فيهما قال وجاز ذلك لأنه للاستشهاد والمتابعة لا للاستدلال به بالاستقلال وراعى أيضاً دقيقة حيث قال في طريق أبي معاوية سمعت عبد الله وفي طريق عبد الأعلى عن عبد الله إشعاراً بالفرق بينهما ولا يخفى أن الأول أولى واعلم أن عامراً في التعليقين هو الشعبي المذكور كما أن عبد الله فيهما هو عبد الله بن عمرو المذكور. قال البخاري ﵁. (باب أي الإسلام أفضل) قوله: (أي بالرفع) لا بالجر سواء نونت الباب أو لم تنونه سواء وقفت عليه أم لا ومعناه أي خصال الإسلام أفضل إذ شرط أي أن تدخل على متعدد ونفس الإسلام لا تعدد فيه ولأن الجواب يدل على أن السؤال عن الخصلة لا عن الإسلام نفسه فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. فإن قلت أفعل التفضيل لابد أن يستعلم بأحد الوجوه الثلاثة وأفضل هنا مجرد عن الكل قلت تقديره أفضل من سائر الخصال والحذف عند العلم به جائز ومعنى الأفضل هو الأكثر ثواباً عند الله تعالى وكذا في قولنا الصديق أفضل من غيره أي هو أكثر ثواباً عند الله. قوله: (سعيد بن يحيى بن سعيد البغدادي القرشي) وكنية سعيد أبو عثمان ويحيى أبو أيوب وسعيد هو شيخ أصحاب الأصول الخمسة البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وغيرهم روى عن أبيه وعن غيره توفي سنة تسع وأربعين ومائتين. قوله: (حدثنا أبي) وهو يحيى المذكور آنفاً وهو غير يحيى بن سعيد القطان وغير

стр. 91

أَبِى مُوسَى - رضى الله عنه - قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ قَالَ «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» بابٌ إطعامُ الطعام من الإسلَامِ ١١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ــ يحيى بن سعيد السابق في أول الكتاب في حديث إنما الأعمال بالنية لأنه أنصاري مدني تابعي يكنى بأبي سعيد المتوفي سنة ثلاث أو ست وأربعين ومائة وهذا قرشي عيشمي أموي كوفي سكن بغداد. نعم يحيى السابق من جملة شيوخ يحيى هذا توفي سنة أربع وتسعين ومائة. قوله: (أبو بردة) اسمه بريد بالموحدة المضمومة في الكنية والاسم وبالراء والدال المهملة فيهما وهو ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الكوفي الأشعري روي عن أبيه عبد الله وعن جده بردة وجده أبو بردة يروى عن أبيه أبي موسى الأشعري. قوله: (أبي بردة) أي جد أبي بردة المذكور واسمه عامر أو الحارث وهو ابن أبي موسى سمع علي بن أبي طالب وعائشة ﵄ وهو متفق على جلالته وتوثيقه ولي قضاء الكوفة وتوفي بها سنة ثلاث أو أربع ومائة. قوله: (أبي موسى) هو عبد الله بن قيس الأشعري اليمني من كبار الصحابة وفضلائهم وفقهائهم استعمله النبي ﷺ على عدن وساحل اليمن واستعمله عمر على الكوفة والبصرة وقدم دمشق على معاوية روي له عن رسول الله ﷺ ثلثمائة وستون حديثاً ذكر البخاري منها أربعة وخمسين حديثاً وكان حسن الصوت بالقرآن ولقد أوتي من مزامير آل داود وتوفي بمكة وقيل بالكوفة سنة خمس أو ست أو أربع وأربعين والشيخ أبو الحسن الأشعري الذي هو إمام أهل السنة من نسله. قوله: (من سلم) فإن قلت سألوا عن الإسلام أي الخصلة فأجاب من سلم أي ذي الخصلة حيث قال من سلم ولم يقل هو سلامة المسلمين من لسانه ويده فكيف يكون الجواب مطابقاً للسؤال قلت هو جواب مطابق وزيادة من حيث المعنى إذ يعلم منه أن أفضليته باعتبار تلك الخصلة وذلك نحو قوله: تعالى "يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين" أو أطلق الإسلام وأراد الصفة كما يقال العدل ويراد العادل فكأنه قال أي المسلمين خير كما جاء في بعض الروايات أي المسلمين خير؟ قال البخاري ﵁. (باب إطعام الطعام من الإسلام) قوله: (إطعام) مبتدأ ومن الإسلام خبره والمراد من شعب الإسلام وفي بيعض النسخ يدل من الإسلام من الإيمان وهذا عاضد لمذهبه من اتحاد الإيمان والإسلام. قوله: (عمرو بن خالد بن فروخ) بفتح الفاء وتشديد الراء

стр. 92

اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِى الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رضى الله عنهما - أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِىَّ ﷺ أَىُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ ــ المضمومة والخاء المعجمة أبو الحسن الجراني سكن مصر قال أحمد بن عبد الله هو ثبت مصري مات بها سنة تسع وعشرين ومائتين. قوله: (الليث) هو ابن سعد الفهمي المصري وجميل حالاته كثيرة شهيرة وتكفي في جلالته شهادة الإمامين الجليلين الشافعي وابن بكير أن الليث أفقه من مالك فهذان صاحبا مالك وهما بالمنزلة المعروفة من إجلال مالك وكيف وجلالة مالك وغزارة فقهه لا تخفى وقال أحمد ما أصح حديثه وقد تقدم. قوله: (يزيد) أي أبو رجاء يزيد بن أبي حبيب سويد المصري التابعي الجليل قال أبو يونس كان يزيد مفتي أهل مصر وكان حليماً عاقلاً وهو أول من أظهر العلم بمصر والكلام في الحلال والحرام قال الليث يزيد بن أبي حبيب سيدنا وعالمنا توفي سنة ثمان وعشرين ومائة. قوله: (أبي الخير) بالخاء المعجمة هو مرثد بالميم المفتوحة والراء والثاء المثلثة أبو عبد الله اليزني بالياء المثناة والزاي المفتوحتين وبالنون منسوب إلى يزن بطن من حمير المصري التابعي كان مفتي أهل مصر توفي سنة تسعين. قوله: (عبد الله بن عمرو) هو ابن العاص وقد تقدم وعمرو يكتب بالواو في الرفع والجر تمييزاً بينه وبين عمر ولم يعكس لخفة عمرو بثلاثة أشياء فتح أوله وسكون ثانيه وصرفه وأما في النصب فالتمييز بالألف وفي هذا الإسناد لطيفة وهو أن رواته كلهم مصريون وهذا من الغرائب لأنه في غاية القلة ويزداد قلة باعتبار جلالتهم لأنهم كانوا كلهم أئمة جلة. قوله:: (خير) فإن قلت هل فرق بين أفضل وبين خير قلت لا شك أنهما من باب التفضيل لكن الفضل بمعنى كثرة الثواب في مقابلة القلة والأخير بمعنى النفع في مقابلة الشر والأول من الكمية والثاني من الكيفية. فإن قلت لم عنون الباب الأول بقوله: أي الإسلام أفضل وهذا الباب بقوله: إطعام الطعام من الإسلام ولم يقل ههنا باب أي الإسلام أفضل أو خير أو ثمة باب السلامة منه من الإسلام قلت لأن الجواب ههنا وهو تطعم الطعام صريح في أن النبي ﷺ جعل الإطعام من الإسلام بخلاف ما تقدم إذ ليس صريحاً في أن سلامة المسلمين منه من الإسلام ولأنه لو قال ثمة باب السلامة منه من الإسلام لم تعلم الأفضلية فعبر بترجمتي البابين أعلاماً بالمسئلتين. قوله:: (تطعم الطعام) فإن قلت كيف صح جواباً ولا يستقيم أن يقال الخير تطعم بل يجب أن يقال أن تطعم خيراً والخير أن تطعم. قلت هو مثل قوله: م تسمع بالمعيدي خير من أن تراه فهو في تقدير المصدر وهو صحيح. قوله:

стр. 93

السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ. باب مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ . ١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ــ (وتقرأ السلام) أي تسلم على من عرفت ومن لم تعرف أي لا تخص به أحداً كما يفعل بعض الناس تكبراً أو تهاوناً ولا يكون مصانعةً ولا ملقاً بل مراعاةً لأخوة الإسلام وتعظيماً لشعار الشريعة وإذا كان خالصاً لله تعالى لا يختص بأحد دون أحد ولا ينبغي أن تكون المعاداة ونحوها مانعة من السلام. فإن قلت فهل يسلم على الكافر. قلت خص بالإجماع. فإن قلت جاء في الجواب ههنا أن الخير أن تطعم الطعام وفي الحديث الذي قبله أنه من سلم المسلمون فما وجه التوفيق بينهما. قلت كان الجوابان في وقتين فأجاب في كل وقت بما هو الأفضل ف يحق السائل أو أهل المجلس فقد يكون ظهر من أحدهما قلة المراعاة ليده ولسانه وإيذاء المسلمين ومن الثاني إمساك الطعام وتكبر فأجابهما على حسب حالهما أو علم ﷺ أن السائل الأول سأل عن أفضل التروك والثاني عن خير الأفعال أو أن الأول سأل عما يدفع المضار والثاني عما يجلب المنافع أو أنهما بالحقيقة متلازمان إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد والسلامة لسلامة اللسان وفيه الحث على الجود والسخاء وعلى مكارم الأخلاق وخفض الجناح للمسلمين والتواضع والحث على تأليف قلوبهم واجتماع كلمتهم وتوادهم واستجلاب ما يحصل ذلك فالحديث مشتمل على نوعي المكارم لأنها إما مالية فالإطعام إشارة إليها وإما بدنية فالسلام إشارة إليها. قال القاضي البيضاوي: والألفة إحدى فرائض الإسلام وأركان الشريعة ونظام شمل الدين. الخطابي: دل صرف الجواب عن جملة خصال الإسلام وأعماله إلى ما يجب من حقوق الآدميين على أن المسئلة إنما عرضت من السائل عن حقوقهم الواجبة عليهم فجعل خير أفعالها في المثوبة إطعام الطعام الذي به قوام الأبدان ثم ما يكون به قضاء حقوقهم من الأقوال فجعل خيرها إفشاء السلام. قال البخاري ﵁. (باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه) قوله: (من الإيمان) قدم لفظ من الإيمان بخلاف أخواته حيث يقول حب الرسول من الإيمان وقال إطعام الطعام من الإيمان إما للاهتمام بذكره وإما للحصر فكأنه قال المحبة المذكورة ليست إلا من الإيمان تعظيماً لهذه المحبة وتحريضاً عليها. قوله: (يحب) بلفظ معروف المضارع من باب الأفعال في اللفظين وفاعلهما مضمر فيهما وهو المكلف أو المؤمن أو الرجل وكذا من الإيمان أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه ولم يذكره اتباعاً للفظ الحديث وسنجيب عليه إن شاء الله تعالى. قوله: (مسدد) بفتح السين والدال المشددة المهملتين ابن مسرهد

стр. 94

قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ صلى ــ ابن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن أرندل بن سرندل بن عرندل أبو الحسن البصري مع اختلاف كبير في نسبه قال أحمد بن عبد الله كان أبو النعيم يسألني عن اسمه ونسبه فيقول يا أحمد هذه رقية للمقرب واعلم أن الخمسة الأول كلها بصيغة المفعول سرهدته أي أحسنت غذاءه وسمنته وسربلته أي ألبسته القميص وغربلته أي قطعته ورعبلته أي مزقته والثلاث الأخيرة الباقية لعلها عجميات وهي في الثلاثة بالدال المهملة وبالنون وبالراء وكذا السين والعين مهملتان وقيل نقط العين هو الصحيح والله أعلم. اتفق العلماء على الثناء عليه توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين. قوله: (يحيى) هو أبو سعيد بن سعيد بن فروخ بالفاء والراء المشددة المضمومة والخاء المعجمة غير منصرف للعلمة والعجمة القطان الأحول التميمي مولاهم البصري سمع يحيى بن سعيد الأنصاري المدني المذكور في حديث إنما الأعمال بالنيات أجمعوا على جلالته وإمامته. قال أحمد بن حنبل ما رأيت مثله في كل أحواله وقال إليه المنتهى في التثبت بالبصرة وقال ابن معين أقام يحيى عشرين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة قال وقال لي عبد الرحمن بن مهدي لا ترى بعينك مثل يحيى وقال ابن منجويه كان يحيى من سادات أهل زمانه حفظاً وورعاً وفهماً وفضلاً وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث وأمعن النظر في البحث عن الثقات وترك الضعفاء. روى له أصحاب الكتب الستة نقل أنه كان يصلي العصر فيستند إلى أصل منارة مسجده فيقف بين يديه الإمام أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وابن معين وغيرهم يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى المغرب لا يجلسون هيبة له وإعظاماً توفي سنة ثمان وتسعين ومائة. قوله: (شعبة) بضم الشين ابن الحجاج الواسطي ثم البصري أمير المؤمنين في الحديث المشهور بالخليفة الصغير وقد تقدم. قوله: (قتادة) بفتح القاف ابن دعامة السدوسي البصري أبو الخطاب الأكمة وسدوس بفتح السين المهملة أحد أجداده. وقال الزمخشري: يقال لم يكن في الأمة أكمه أي ممسوح العين غير قتادة السدوسي صاحب التفسير. وقال ابن المسيب ما أتانا عراقي أحفظ من قتادة وجاء رجل إلى ابن سيرين فقال رأيت جماعة التقمت لؤلؤ فخرجت أعظم مما دخلت ورأيت حمامة التقمت لؤلؤة فخرجت أصغر مما دخلت ورأيت حمامة التقمت لؤلؤة فخرجت كما دخلت فقال ابن سيرين الأولى الحسن يسمع الحديث ثم يصل فيه من مواعظه الثانية محمد بن سيرين ينتقص منه ويشك فيه والثالثة قتادة فهو أحفظ الناس وأجمعوا على علمه وحفظه وإتقانه توفي بواسط سنة سبع عشرة ومائة. قوله: (أنس) هو ابن مالك بن النضر بالضاد الساكنة

стр. 95

الله عليه وسلم وَعَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» ــ المعجمة ابن ضمضم بفتح المعجمتين الخزرجي الأنصاري خادم رسول الله ﷺ خدم رسول الله ﷺ عشر سنين. روى له عن رسول الله ﷺ ألفا حديث ومائتان وستة وثلاثون حديثاً ذكر البخاري منها مائتين وإحدى وخمسين ومناقبه أظهر من أن تحتاج إلى بيان وسيأتي في كتاب المناقب بعضها وقالت أمه يا رسول الله خويدمك أنس ادع الله له فقال اللهم بارك له في ماله وولده وأطل عمره واغفر ذنبه فقال لقد دفنت من صلبي مائة إلا اثنين وإن ثمرتي لتحمل في السنة مرتين ولقد بقيت حتى سئمت الحياة وأنا أرجو الرابعة قيل عمر مائة سنة وزيادة وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة وغسله محمد بن سيرين سنة ثلاث وتسعين زمن الحجاج ودفن في قصره على نحو فرسخ ونصف من البصرة ﵁. قوله: (لا يؤمن) أي لا يكمل إيمانه. فإن قلت فإذا حصلت هذه المحبة يلزم أن يكون مؤمناً كاملاً وإن لم يأت بسائر الأركان قلت هذه مبالغة كأن الركن الأعظم فيه هذه المحبة نحو لا صلاة إلا بطهور وهي مستلزمة لها أو يلتزم ذلك لصدقه في الجملة وهو عند حصول سائر الأركان إذ لا عموم للمفهوم وفي بعض الروايات لا يؤمن أحدكم وفي بعضها عبد وفي بعضها أحد ولفظة حتى ههنا جارة لا عاطفة ولا ابتدائية وما بعدها خلاف ما قبلها وأن بعدها مضمرة ولهذا نصب يحب ولا يجوز رفعه ههنا لأن عدم الإيمان ليس سبباً للمحبة. قوله: (لأخيه) أي للمسلمين تعميماً للحكم قال الله تعالى: "إنما المؤمنون إخوة" وما يحب أي مثل ما يقول يحب إذ عين ذلك المحبوب محال أن يحصل في محلين واللام تدل على أن المراد الخير والمنفعة إذ هو للاختصاص النافع وكذا محبته لنفسه تدل عليه إذ الشخص لا يحب لنفسه إلا الخير وجاء في رواية النسائي حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه قال أبو عمرو بن الصلاح وهذا يُعد من الصعب الممتنع وليس كذلك إذ القيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا ينقص النعمة على أخيه شيئاً من النعمة له وذلك سهل على القلب السليم تم كلامه. وكذا من الإيمان أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه ولم يذكره إما لأن حب الشئ مستلزم لبغض نقيضه فيدخل تحت ذلك وإما لأن الشخص لا يبغض شيئاً لنفسه فلا يحتاج إلى ذكره والمحبة معناها على ما عرفها أكثر المتكلمين الإرادة فقيل هي إما اعتقاد النفع أو ميل يتبع ذلك أو صفة مخصصة لأحد الطرفين بالوقوع. النووي:

стр. 96

باب حُبُّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الإِيمَانِ ١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَا ــ أصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب ثم الميل قد يكون بما يستلذه بحواسه كحسن الصورة ولما يستلذه بعقله كمحبة الفضل والكمال وقد يكون لإحسانه إليه ودفع المضار عنه. التيمي: ذلك رسول الله ﷺ على معرفة الإيمان من نفسك فانظر فإن اخترت لأخيك في الإسلام ما تختار لنفسك فقد اتصفت بصفة الإيمان وإن فرقت بينك وبينه في إرادة الخير فلست على حقيقة الإيمان وقد ذكرنا أن المؤمن مشتق من الأمن أي أنه يؤمن أخاه عن الضيم والشر وإنما يصح منه هذا إذا ساوى بينه وبين نفسه فأما إذا كان وصول الشر إلى أخيه أهون عليه من وصوله إلى نفسه أو حصوله على الخير أكثر من حصول أخيه عليه فلم يؤمنه أماناً تاماً. قوله: (وعن حسين) هو عطف إما على حدثنا مسدد فيكون تعليقاً والطريق بين حسين والبخاري غير طريق مسدد وإما على شعبة فكأنه قال حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن حسين وإما على قتادة فكأنه قال عن شعبة عن حسين عن قتادة ولا يجوز عطفه على يحيى لأن مسدداً لم يسمع عن الحسين والحسين هو ابن ذكوان بالذال المعجمة المكتب المعلم البصري وروايته عنه إنما هو من باب التعليق على التقدير الأول ذكره على سبيل المتابعة وفيه تحويل أيضاً لأنه تحول من الإسناد قبل ذكر الحديث إلى إسناد آخر وربما يكتب بعض أهل الفن لفظة ح بين الإسنادين إشارةً إما إلى التحويل وإما إلى الحائل أو إلى الحديث. قال البخاري ﵁. (باب حب الرسول من الإيمان) اللام في الرسول للعهد والمراد به سيدنا محمد ﷺ لا جنس الرسول ولا الاستغراق بقرينة قوله: حتى أكون أحب وإن كان محبة الكل واجبة. قوله: (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع الحمصي و (شعيب) هو ابن أبي حمزة بالمهملة والزاي القرشي وقد مر ذكرهما في حديث هرقل. قوله: (أبو الزناد) بكسر الزاي وبالنون هو عبد الله بن ذكوان المدني القرشي وكان يغضب من هذه الكنية لكن اشتهر بها ويكنى أيضاً بأبي عبد الرحمن وأصله من همدان وكان الثوري يسمى أبا الزناد أمير المؤمنين في الحديث قال أبو حاتم هو ثقة صاحب سنة وهو ممن تقوم به الحجة إذ روى عنه الثقات وشهد مع عبد الله بن جعفر جنازة فهو إذن تابعي صغير روى

стр. 97

عنه جماعات من التابعين وهذا من باب فضائله لأنه لم يسمع من الصحابة وروى عنه هؤلاء التابعيون وولاه عمر بن عبد العزيز خراج العراق وقال عبد ربه رأيت أبا الزناد دخل مسجد رسول الله ﷺ ومعه من الأتباع مثل ما مع السلطان من أصحاب السؤالات. قال البخاري أصح أسانيد أبي هريرة أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. قال الواقدي مات أبو الزناد فجأة في مغتسله ليلة الجمعة في رمضان سنة ثلاثين ومائة. قوله: (الأعرج) هو أبو داود عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي المدني مات بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة. قوله: (والذي نفسي بيده) ولفظ اليد من المتشابهات وفي مثله افترقت الأمة فرقتين مفوضة وهم الذين يفوضون الأمر فيها إلى الله قائلين "وما يعلم تأويله إلا الله" ومؤولة وهم الذين يؤولونها كما يقال المراد من اليد القدرة عاطفين "والراسخون في العلم" على "إلا الله" والأول أسلم والثاني أحكم. قوله: (أحب) أفعل التفضيل بمعنى المفعول على خلاف القياس وإن كان كثيراً إذ القياس أن يكون بمعنى الفاعل. فإن قلت لا يجوز الفصل بين أفعل ومعموله لأنه كالمضاف والمضاف إليه فكيف وقع لفظ إليه ههنا فصلاً بينهما. قلت الفصل بالأجنبي غير جائز لا مطلقاً مع أن في الظرف توسعاً. فإن قلت لم ما ذكر نفس الرجل أيضاً وإنما يجب أن يكون الرسول أحب إليه أيضاً من نفسه قال تعالى "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم" قلت إنما خص الولد والوالد بالذكر لكونهما أعز خلق الله على الرجل غالباً وربما يكون أعز من نفس الرجل على الرجل فذكرهما إنما هو على سبيل التمثيل فكأنه قال حتى أكون أحب إليه من أعزته ويعلم أيضاً منه حكم غير الأعزة لأنه يلزم في غيرهم بالطريق الأولى أو اكتفى بما ذكر في سائر النصوص الدالة على وجوب كونه أحب من نفسه أيضاً كالرواية التي بعده. فإن قلت فهل يتناول لفظ الوالد الأم كما أن لفظ الولد يتناول الذكر والأنثى قلت الوالد إما أن يراد به ذات له ولد وإما أن يكون بمعنى ذو كذا نحو لابن وتامر فيتناولهما وإما أن يكتفي بأحدهما عن الآخر كما يكتفي عن أحد الضدين بالآخر. قال تعالى "سرابيل تقيكم الحر" وإما أن يكون حكمه حكم النفس في كونه معلوماً من النصوص الأخر واعلم أنه قد تقدم أن المحبة قد تكون لأمور ثلاثة ولا يخفى أن المعاني الثلاثة كلها موجودة في رسول الله ﷺ لما جمع من جمال الظاهر والباطن وكمال أنواع الفضائل وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايتهم إلى الصراط المستقيم ودوام النعيم ولا شك أن الثلاثة فيه أكمل مما في الوالدين لو كانت فيهما فيجب كونه أحب منهما لأن المحبة تابعة لذلك حاصلة بحسبها كاملة بكمالها. فإن قلت المحبة أمر طبيعي غريزي لا يدخل تحت الاختيار فكيف يكون مكلفاً بما لا يطاق عادةً. قلت لم يرد به حب الطبع بل حب الاختيار المستند إلى الإيمان فمعناه لا يؤمن حتى يؤثر رضاي على هوى الوالدين وإن كان

стр. 98

يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ». ١٤ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ح وَحَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ ــ فيه هلاكه واعلم أن محبة الرسول إرادة فعل طاعته وترك مخالفته وهي من واجبات الإسلام قال الله تعالى: "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره". قوله: (حدثنا يعقوب بن إبراهيم) هو أبو يوسف الدورقي البصري ساكن بغداد ودورق قلانس كانوا يلبسونها فنسبوا إليها وهو شيخ أصحاب الأصول الخمسة وغيرهم وله مسند. مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين. قوله: (ابن علية) بضم العين المهملة واللام المفتوحة الإمام أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم بن سهم الأسدي مولاهم البصري كان أبوه تاجراً من أهل الكوفة وقدم البصرة فتزوج بها علية بنت حسان مولاة لبني شيبان وكان يكره أن ينسب إليها وتجوز نسبته إليها للتعريف اتفقوا على جلالته. قال شعبة: ابن علية ريحانة الفقهاء وفي رواية سيد المحدثين ولي صدقات البصرة والمظالم ببغداد في آخر خلافة هرون توفي ببغداد ودفن في مقام عبد الله بن مالك وصلى عليه ابنه إبراهيم سنة أربع وتسعين ومائة قال عمرو بن زرارة صحبت ابن علية أربع عشرة سنة فما رأيته ضحك فيها وحدث عنه ابن جريج وبين وفاتهما مائة وعشرون سنة. قوله: (عبد العزيز بن صهيب) هو أبو حمزة البصري البناني بضم الموحدة وبالنونين وبنانة بطن من قريش وقال ابن قتيبة هو وأبوه كانا مملوكين وأجاز إياس بن معاوية شهادة عبد العزيز وحده. قوله: (آدم) هو ابن أبي إياس أبو الحسن الخراساني فالبغدادي فالعسقلاني و (شعبة) الإمام العلم ابن الحجاج الأزدي الواسطي فالبصري و (قتادة) أبو الخطاب الأكمة السدوسي و (أنس) الصحابي الكبير خادم رسول الله ﷺ وقد تقدم ذكر الأربعة وفي بعض النسخ وجد قيل حدثنا آدم لفظ ح إشارةً إلى التحويل من الإسناد الأول إلى إسناد آخر وفي بعضها لم يوجد وعلى النسختين ففيه تحول من إسناد إلى إسناد آخر قبل ذكر الحديث وفي هاتين الروايتين زاد لفظ والناس أجمعين وذكر الناس بعد الوالدين تعميم بعد تخصيص عكس قوله: تعالى: "وملائكته ورسله وجبريل" فإنه تخصيص بعد تعميم. فإن قلت فهل يدخل في لفظ الناس

стр. 99

قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. بابٌ حلاوة الإيمان ١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ــ نفس الرجل أو يكون إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم فإنك إذا قلت جميع الناس أحب إلى زيد من غلامه يفهم منه خروج زيد منهم قلت لا يخرج لأن اللفظ عام وما ذكر ثم ليس من المخصصات قال ابن بطال المحبة ثلاثة أصناف محبة إجلال وعظمة كمحبة الوالد ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد ومحبة استحسان واستلذاذ كمحبة سائر الناس فجمع النبي ﷺ في هذه الألفاظ أصناف المحبة ومن استكمل الإيمان علم أن حق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام آكد عليه من حق والده وولده والناس أجمعين لأنه ﷺ استنقذنا من النار وهدانا من الضلال. قال القاضي عياض: ومن محبته ﷺ نصر سنته والذب عن شريعته وتمنى حضور حياته فيبذل ماله ونفذه دونه قال وفيه أن حقيقة الإيمان لا تنم إلا بذلك ولا يحصل الإيمان إلا بتحقيق إعلاء قدر النبي ﷺ ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومفضل ومن لم يعتقد هذا فليس بمؤمن والله أعلم. النووي: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة والمطمئنة فإن من رجح جانب الأمارة كان حب أهله وولده راجحاً ومن رجح جانب المطمئنة كان حكمه بالعكس. وأقول حاصله أنه يجب ترجيح مقتضى القوة العقلية على القوة الشهوانية ونحوها قال البخاري ﵁. (باب حلاوة الإيمان) قوله: (محمد بن المثنى) بلفظ المفعول من التثنية بالمثلثة هو أبو موسى العنزي بفتح المهملة والنون وبالزاي البصري المعروف بالزمن روى عنه الشيوخ الخمسة توفي بالبصرة وهو في العشرة التاسعة سنة ثنتين وخمسين ومائة. قوله: (عبد الوهاب) هو أبو محمد بن عبد المجيد الثقفي البصري منسوب إلى ثقيف جد القبيلة روى عنه الإمامان الشافعي وأحمد وكانت غلة عبد الوهاب كل سنة قريباً من خمسين ألفاً ولا يحول الحول على شئ منها كان ينفقها على أصحاب الحديث ولد سنة ثمان ومائة وتوفي سنة أربع وتسعين ومائة. قوله: (أيوب) هو الإمام الجليل أبو بكر بن كيسان بن أبي تميمة بفتح المثناة الفوقانية السختياني البصري التابعي ويقال له السختياني لأنه كان يبيع السختيان وهو بفتح السين الجلد والظاهر أنه فارسي معرب. قال شعبة: أيوب سيد الفقهاء وقال الحسن: أيوب سيد شباب

стр. 100

الثَّقَفِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَاّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ ــ البصره وفى رواية سيد الفتيان توفى بالبصرة سنة احدى وثلاثين ومائة. قوله: (ابى قلابة) بكسرالقاف وتخفيف اللام وبالموحدة عبدلله بن يزيد بن عمرو بن العاص" البصرى التابعى الكبير قال ايوب كان أبو قلابة والله من الفقهاء ذوى الألباب اريد على القضاء بالبصرة فهرب الى الشام فمات بها سنة أربع ومائة ورواة هذا الحديث كلهم بصريون فأحفظ فانه من اللطائف. قوله: (ثلاث) هو مبتدا وليس نكرة صرفة لان التنوين عوض عن المضاف اليه أى ثلاث خصال او لانه صفة موصوف محذوف وهو مبتدأ بالحقيقة أي خصال ثلاث قال المالكى فى شرح التسهيل مثال الابتداء بنكره هى وصف قوله: م: ضعيف عاذ بقرملة. أى انسان ضعيف التجأ الى قرملة أى شجرة ضعيفة وأقول لاتمسك فيه لاحتمال أن يكون من باب شراهر ذا ناب أو لأن الجملة الشرطيه صفة والخبر على هذا التقدير هو ان يكون اذ على التقديرين الاولين الشرطية خبر وان يكون هو بدل عن ثلاث أو يان وأما من فهو مبتدأ والشرط والجزاء معا خبره او الشرط فقط على اختلاف فيه ومن اما شرطية واما موصوله متضمنة لمعنى الشرط ووجد بمعنى أصاب ولهذا عدى بمفعول واحد. فان قلت لم مائنى أحب حى يطابق خبر كان اسمه. قلت افعل اذا استعمل بمن فهو مفرد مذكر لا غير ولا تجوز المطابقة لمن وله. قوله: (وأن يحب المرء) ينصب المرء لانه مفعوله وفاعله الضمير الراجع الى من و (لا يحبه الا الله) جملة حالية تحتمل بيانا لهيئة الفاعل أو المفعول أو كليهما معا. قوله: (يعود فى الكفر) فان قلت المشهور عاد اليه معدى بكلمة الانتهاء لا بالة الظرف قلت قد ضمن فيه معنى الاستقرار كأنه قال يعود مستقرا فيه والكرامة هى ضد الاراده وتستعمل عرفا بمعنى التنفير هذا ما يتعلق بأصل التركيب وأما ما يتعلق بخاصيته فهو أن الحلاوة اتنا هى فى المطعومات والايمان ليش مطعوما فتصرف فية بأن شبه الايمان بالعمل ونحره للجهة الجامعة أى وجة الشبه الذى بينهما وهو الالتذاد وميل القلب اليه فذكر المشبه وأضيف

стр. 101

إليه ماهو من خواص المشبه به ولوازمه وهو الحلاوة على سبيل النخيل له ومثله يسعى بالاستعارة بالكناية واعلم أن فى الحديث إشارة أولا إلى التخلى بالفضائل وهو كون الله ورسوله أحب اليه وهذا هو التعظيم لامر الله تعالى وكون محبته للخلق خالصا لله تعالى وفية إشارة إلى الشفقه على خلق الله تعالى واخرا الى التخلى عن الرذائل وهو كراهية الكفر وما يلزمة م سائر النقائص وهذا بالحقيقة لازم للاول لارادة الكمال مستلزمة لكراهة النقصان. التيمى: حلاوة الايمان حسنه يقال حلا الشئ فى الفم اذا صار حلوا وان حسن فى العين أو القلب قبل حلا يعينى أى حسن. النووى: هذا حديث عظيم أصل من اصول الاسلام ومعنى حلاوة الايمان استلذاذ الطاعات وتحمل المشاق فى الدين وابتار ذلك على أعراض الدنيا ومحبة العبد لله بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك محبة الرسول صلى الله علية وسلم وقال انما قال (مما سواهما) ولم يقل ممن لان ما أعم وفية دليل على أنه لا بأس بمثل هذه النئنية وأما قوله: للذى خطب وقال ومن يعصهم فقد غوى بئس الخطيب أنت فليس من هذا النوع لان المراد فى الخطب الايضاح لا الرموز أما هنا فالمراد الايجاز فى اللفظ ليحفظ ومما يدل عليه ما جاء فى سنن أبى داود من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فلا يضر الا نفسه. القاضى عياض: لا تصح محبة الله ورسولة حقيقة وحب المرء فى الله وكرهة الرجوع فى الكفرالا لمن قوى بالايمان يقينه واطمأنت به نفسه وانشرح له صدره وخالط لحمه ودمه فهذا الذى وجد حلاوة الايمان. والحب فى الله من ثمرات حب الله تعالى. وقال مالك: المحبة فى الله من واجبات الاسلام وهو دأب او ليا الله تعالى؟ قال يحيي بن معاذ الرازى قيقة المحبة ان يزيد فى البر ولا ينقص بالجفاء القاضى البيضاوى: المراد بالحب هنا الحب العقلى الذى او ايثار ما يقتضى العقل رجحانه ويستدعى فختياره ان كان خلاف الهوى ألا ترد ان المريض يعاف الدواء ويتفرعنه طبعه وهو يميل اليه بالختياره ويهوى تناوله بمقتضى عقله لما علم ان صلاحة فيه فالمرء لا يؤمن الا اذا تيقن ان الشارع لا يأمر ولا ينهى الا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص اجل والعقل يقتضى ترجيح جانبا وكما ان تتمرن نفسه بحيث يصير هواه تبعا لعقله ويلتذيه التذاذا عقليا اذا اللذة ادراك ماهو كمال وخير من حيث هو كذا وليستبين هذه اللذه واللذات الحسية نسبة يمتديها والشارع عبر عن هذه الحالة بالحلاوة لانها اظهر اللذائذ المحسوسة وانما جعل هذه الامور التلاتة عنوانا لكمال الايمان المحصل لتلك اللذة لانه لا يتم ايمان عبد حتى يتمكن ى نفسه ان المنعم باللذات هو الله ولا مانح ولا مانع سواء وما عداء وسائط ليس لها فى ذاتها اضرار ولا انفاع وان الرسول مع المطوف الساعى فى صلاح شانه وذلك يقتضى ان يتوجه بكليته نحوه ولا يحب ما يحبه الا لكونه وسطا بينه وبين وأن يتيقن أن جمل ما وعد وأوعد حق تيقنا يخبل اليه الموعود

стр. 102

باب علامة الإيمان حب الأنصار ١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَساً عَنِ النَّبِىِّ صلى ــ كالواقع والاشغتال بما يؤول الى الشئ ملابسة به فيحسب مجالس الذكر رياض الجنة وأكل مال اليتيم أكل النار والعود الى الكفر القاء فى النار قال وأما تئنية الضمير ههنا فالايماء على أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة فانها ودها ضائعة لاغية وأمر بالافراد فى حديث الخطيب اشعارا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية اذ العطف فى تقدير التكرير والأصل استقلال كل من المعطوفين فى الحكم. وأقول وهذا الجواب أحسن مما تقدم. وقال الأصوليون أمر بالافراد لانه أشد تعظيما والمقام يقتضى ذلك. قال البخارى رحمة الله تعالى (باب علامة الايمان حب الأنصار) قوله: (أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك الطيالسى البصرى مولى باهلة قال أحمد بن عبد الله هو ثقة فى الحديث يروى عبن سبعين امرأة وكانت الرحلة بعد أبى داود الطيالسى اليه وقال أبو حاتم كان ثقة اماما فقيها عاقلا حافظا توفى بالبصرة سنه سبع وعشرين ومائتين. قولة (شعبة) هو ابن الحجاج المشهور بأمير المؤمنين فى الحديث وقدم ذكره. وقوله: (عبدالله بن بدالله) بلفظ المكبر فى اسمه واسم أبيه ابن جبر بفتح الجيم وبالموحدة الساكنة وقبل جابر بن عتيك الأصارى المدنى. قوله: (علامة الايمان) أى علامته (حب الأنصار أى ارادة الخير لهم والأنصار جمع نصير كشريف وأشراف أو جمع ناصر كصاحب وأصاب والللام للعهد أى انصار الرسول ﷺ واختص عرفا بأصحاب المدينة الذين اووا ونصروا وهم المبتدئون بالبيعة على اعلان توحيد الله تعالى وشريعته فلذلك كان حبهم علامة الايمان. فان قلت الأنار جمع قلة فلا يكون لما فوق العشرة لكنهم كانوا أضعاف الالاف. قلت القلة والكثرة انما اعتبرنا فى نكرات الجموع أما فى المعارف فلا فرق بينهما. قوله: (النفاق) هو اظهار الايمان وابطان الكفر والبغض هو ضد الحب. فان قلت المطابقة تقتضى أن يقابل الايمان بالكفر بأن يقال اية الكفر كذا فلم عدل عنه. قلت البحث فى الذين ظاهره الايمان وهذا لبيان مايتميز لمؤمن الظاهرى من المؤمن الحقيقى فلو قيل اية الكفر بغضهم لا يصح اذ هو ليش بكافر ظاهرا. فاذ قلت هل يقتضى ظاهر الحديث أن من لم يحبهم لا يكون مؤمنا. قلت لا يقتضى اذ لا يلزم من دم العلامة عدم ماله العلامة أو المراد كمال الايمان فان قلت هل يلزم منه أن من ابغضهم يكون منافقا واذا كان مصدقا بقلبه. قلت المقصود بغضهم من جهة أنهم أنصار لرسول الله صلى الله عليه

стр. 103

الله عليه وسلم قَالَ: آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ. بابٌ ١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى ــ وسلم ولا يمكن اجتماعه مع التصديق لرسول الله ﷺ . فان قلت هل يستفاد الحصر من هذا التركيب. قلت أكتر أمل المعانى على أن المبتدأ والخبر اذا كانا معرفتين وبما يفيد الحصر حسب ما يقتضيه المقام. فان قلت اذا كان للحصر فهل يحصر المبتدأ على الخبر أو العكس قلت كلاهما نحو الضاحك الكاثب فان معناه حصر الضحك على الكاتب والعكس. فان قلت فهل هو حصر حقيقى أو ادعائى. قلت الظاهر أنه ادعائى تعظما لحب الانصار كان الدعوى أنه لا علامة للايمان الا حبهم وليس حبهم الا علامته ويؤيده ماقد جاء فى صحيح مسلم (أية المؤمن حب الأنصار) بتقديم الاية و (حب الاصار أية الايمان) بتقديم الحب. فان قلت اذ كان حب الانصار أية الايمان فبغضهم أية عدمه لان حكم نقيض الشئ حكم الشئ فما الفائدة فى ذكر (وأية النفاق بض الانصار) قلت هذا التقدير ممنوع وأبن سلنا فالفائدة فى ذكره التصريح به والتأكيد عليه والمقام يقتضى ذلك لان المقصود من الحديث الحث على حب الانصار وبينات فضلهم لما كان منهم من اعزاز الدين وبذل الاموال والانفس والايئار على أنفسهم والايواء والنصر وغير ذلك. النووى: معناه أن من عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم من نصرة دين الاسلام والسعى فى اظهاره وايواء المسلمين سائ الناس ايئارا للاسلام وأحب الأنصار لهذه الخصار كان ذلك من دلائل صحة ايمانه وصدقه فى اسلامة لسروره بظهور الاسلام ومن أبغضهم كان بعد ذلك واستدل به على نفاقه وفساد سريرته. قال البخارى رحمة الله (باب) ماترجم فى هذا الباب وذكره مطلقا غير مضاف ولا بدله من تعلق بمباحث الايمان ومناسبة بينهما فذل اما للاعلام بأن المبايعة لم تقع الا على ذكر التوحيد أول كل شئ اشعارا بأنه هو أساس الأمور الايمانية أو بأن ترك المنبات داخل فى المبايعه التى هى شعار الايمان واما القصد الى بيان أحكام المؤمنين من الأجر والعقاب والعفر وله أيضا تعلق بحب الأنصار من حيث ان النقباء كانوا منهم ولمبايعتهم أثر عظيم فى اعلاء كلمة الدين فلابد من محبتهم والله أعلم. قوله: (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع الحمصى (شعيب) هو ابن أبى حمزة القرشى و (الزهرى) هو أبو بكر بن شهاب المدنى التابعى وقد سبق ذكرهم

стр. 104

أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ - رضى الله عنه - وَكَانَ شَهِدَ بَدْراً، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ــ قوله: (أبو إدريس عائذ الله) بذال معجمة بعد الهمزة ابن عبدالله بن عمرو وعلى المشهور الخولانى الشامى ولد يوم حنين وولاه معاوية القضاء بدمشق وكان من عباد الشام وقرائهم توفى سنة ثمانين. قولة (عبادة) بضم العين هو أبو الوليد بن الصامت بن قيس الأنصارى الخزرجى روى له عن النبى ﷺ مائة وواحد وثمانون حديئا ذكر البخارى منها ثمانية وهو أول من ولى قضاء فلسطين وكان طويلا جسما جميلا فاضلا خيرا توفى سنة أربع وثلاثين قال فى الاستيعاب وجهه عمر رضى الله عنه الى الشام قاضيا ومعلما فأقام بحمص ثم انتقل الى فلسطين ومات بها ودفعن ببيت المقدس وقبره بها معروف وقيل توفى بالرملة رضى الله عنه. قوله: (بدرا) هو موضع الغزوة العظمى لرسول الله ﷺ تذكر وتؤنث ماء معروف على نحو أربعة مراحل من المدينة وهو كان لرجل يدى بدرا فسميت باسمه وشهد المشاهد كلها وانما خصصه بالذكر لشرف غزوة بدر وفضلها على شار الغزوات. قوله: (النقباء) جمع نقيب وهو النازر على القوم وضمينهم وعريقهم والمراد منه نقباء الأنصار وهم الذين تقدموا لأخد البيعة لنصرة رسول الله ﷺ ليلة العقبة أى العقبة التى تنسب اليها جمرة العقبة وهى يمنى وهم اثنا عشر رجلا. اعلم أن رسول الله ﷺ كان يعرض نفسه على قبائل العرب فى كل موسم فبينا هو عند العقبه اذ لقى رهطا من الخزرج فقا ألا تجلسون أكلكم قالوا بلى لجلسو فدعاهم الى الله تعالى وعرض عليهم الاسلام وتلا عليهم القرأن وكانو قد سمعوا من اليهود أن النبى ﷺ قد أظل زمانه فقال بعضهم لبعض والله انه لذلك فلا سبقن اليهود عليكم فأجابوه فلما انصرفوا الى بلادهم وذكروه لقومه فشا أمر رسول الله ﷺ فيهم فأتى فى العام المقبل اثنا عشر رجلا من الأنصار أحدهم عبادة بن الصامت فلقوا رسول الله ﷺ بالعقبة وهى بيعة العقبة الاولى فيايعوه بيعة النسا يعنى مقال الله تعالى (يا أيها النبى اذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا بشر كن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين بهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك فى معروف) ثم انصرفوا. وخرج فى العام الاخر سبعون رجلا منهم الى الحج فواعدهم رسول الله ﷺ العقبة أوسط أيام التشريق قال كعب بن مالك لما كانت اليله التى وعدنا فيها بتنا اول الليل مع قومنا فلما استقل الناس من النوم تسللنا من فرشنا

стр. 105

وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. بَايِعُونِى عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَاتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ ــ حتى اجتمعنا بالعقبة فأتانا رسول الله ﷺ مع عمة العباس لا غير فقال العباس يا معضر الخزرج ان محمدا منا حيث علمتهم وهو فى منعة ونصرة من قومه وعشيرته وقد أبى الا الانقطاع اليكم فان كنتم وافين بما وعدتم فأنتم وما تحملتم والا فاتركوه فى قومه هتكلم رسول الله ﷺ داعيا الى الله مرغبا فى الاسلام تاليا للقرأن فأجبناه للايمان فقال انى ابايعكم على أن تمتعونى مما منعتم به أبناءكم فقلنا ابسط يدك نبايعك عليه فقال النبى ﷺ أخرجوا الى منكم اثنى عشر نقيبا فأحرجنا من كل فرقة نقيبا وكان عبايدة نقيب بنى عوف فبايعوه وهذه بيعة العقبة الثانية واعلم أن لرسول الله ﷺ بيعة ثالثة مشهورة وهى البيعة التى وقعت بالحدبية تحت الشجرة عند توجهه من المبايعين فى الثلاث رضى الله عنه. قوله: (حوله) يقال حوله وحوليه وحواليه بفتح اللام فى كلها أى محيطون به والعصابة بكسر العين المهملة الجماعة من الناس لا واحد لها وهو ما بين العشرة الى الأربعين وأخذ اما من العصب الذى بمنى الشد كأنه يشد بعضهم بعضا ومنه العصابة أى الخرقة التى تشد على الجهة ومنه العصب لأنه يشد الاعضاء واما من العصب الذى بمعنى الاحاملة يقال عصب فلان بفلان اذا أحاط به وهى مبتدأ وحوله منتصبا على الظرفية خبرها وفائدة ذكره الاعلام بأن المخاطبين العصابة وبيان مبالغة ضبكه وأنه يرويه عن تحقيق واتقان وهكذا فى وصفه بأنه شهد بدرا وأنه احد النقباء اذ لا شك فى أن فى ذكره اشعارا بأنه ضابط مع مافيه من زيادة جيح وتصحيح اذا فضل الراوى وشرفه من مرجحات الروياة ودلالة صحتها. قوله: (بايعونى) المبايعة على الاسلام عبارة عن المعاقده والمعاهدة عليه سميت بذلك تشبيها بالمعاوضة المالية كأن كل واحد منهما يبيع ما عنده من صاحب فمن طرف رسول الله ﷺ وعد الثواب ومن طرفهم التزام الطاعة وقد تعرف بأنها عقد الامام والعهد بما يأمر الناس به. قوله: (لا تشركوا بالله شيئا) أى وحدوه وهذا هو أصل الايمان وأساس الاسلام فلهذا قدمه على اخواته و (شيئا) عام لانه نكرة فى سياق النى لأنه كالنفى. قوله: (ولا تقتلوا أولادكم) فان قلت قتل غير الأولاد أيضا منهى عنه اذا كان بغير حق فتخصيصه بالذكر مشعر بأن غيره ليش منهيا عنه. قل هذا مفهوم اللفظ وهو مردود على

стр. 106

وَلَا تَعْصُوا فِى مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ ــ أنه لو كان من باب المفهومات المعتبره المقبولة فلا حكم له هنا لان اعتبار جميع المفاهيم انما هو اذا لم يكن خارجا مخرج الأغلب وهنا هو كذلك لأنهم كانوا يقتلون الأولاد غالبا خشية لاملاق فحصص الأولاد بالذكر كرلأن الغالب كان ذلك. التيمى: خص القتل بالأولاد لمعنيين أحدهما: أن قتلهم هذا اكثر من قتل غيرهم وهو الواد وهو أشنع القتل. وثانيهما أنه قتل وقطيعة رحم فصرف العنابة له أكثر. قوله: (ولا تأتوا ببهتان) البهات الكذب الذى يبهت سامعه أى بدهشه لفظاته يقال بهته بهتانا اذا كذب عليه بما يهته من شدة نكره والافتراء الاختلاق والفرية الكذب. فان قلت مامعنى الاطناب حيث قال تأتوا ووصف البهتان بالفتراء والافتراء والبهتان من واد واحد وزيد عليه بين أيديكم وأرجلكم وهلا افتصر على ولا تبهتوا الناس قلت معناه زيد التقرير وتوير اشاعة هذا الفعل فا قلت فما معنى اضافته الى الأيدى والأرجل. قلت معناه لا تأتوا ببهتان من قبل أنفسكم واليد والرجل كنايتان عن الذت لان معظم الافعال تقع بهما وقد يعاقب الرجل بجناية قولية فيقال له هذا بما كسبت يداك أو معناه لا تنشو ممن ضمايركم لان المفترى اذا اراد اختلاق قول فانه يقدره ويقرره ولا فى ضميره ومنشأ ذلك مابين الايدى والارجل من الانسان وهو القل والاول كناية عن القاء البهتان من تلقاء أنفسهم والثانى عن انشاء البهتان من دخيلة قلوبهم مبينا علىلغش المبطن. الخطابى: معناه لا تبهتوا الناس بالمعايب كفاحا ومواجهة وهذا كما يقول الرجل فعلت هذا بين يديك أى بحضرتك التيمى: هذا غير صواب من حيث ان العرب وان قالت فعلته بين أيدى القوم أى بحضرتهم لم تقل فعلته بين أرجلهم ولم ينقل عنهم هذا البتة. وأقول هو صواب اذ ليس المذكور الارجل فقط بل المراد الأيدى وذكر الارجل تأكيدا له وتابعا لذلك فامخطئ مخطئ والله أعلم وهو كناية عن الوقاحة وخرق جلباب الحياء كما هو دأب السفلة من الناس ولذلك قيل هو أشد البهت وحاصل هذا هو النهى عن قذف أهل الاحصان ويدخل فيه الكذب على الناس والاغتياب لهم ورميهم بالعظائم وكل ما يلحق بهم العار وللفضيحة. قوله: (فى معروف) أى حسن وهو مالم ينه الشارع عنه أو مشهور أى ماعرف فعله من الشرع واشتهر منه. القاضى البيضاوى: ماعرف من الشارع حسنه وقال الزجاج أى المأمور به وقيل أى الطاعه وقال فى النهاية هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والاحسان الى الناس وكل ما ندب الشرع اليه ونهى عنه من المحسنات والمقبحات. النووى: يحتمل فى معنى الحديث ولا تعصونى ولا أحدا ولى عليكم من أتباعى اذا امرتم بالمعروف فيكون التقييد بالمعروف عائدًا إلى

стр. 107

شَيْئاً فَعُوقِبَ فِى الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ ــ الأتباع ولهذا قال لا تعصوا ولم يقل لا تعصونى ويحتمل أنه ﷺ أراد نفسه فقط وقيد بالمعروف تطييبا لنفوسهم لانه ﵇ لا يأمر الا بالمعروف. الكشاف فى أية المبايات: فان قلت لو اقتصر على قوله: لا يعصينك فقد علم أن رسول الله ﷺ لا يأمر الا بالمعروف. قلت نبه بذلك على أن طاعة المخلوق فى معصية الخالق جديرة بغاية التوقى والاجتناب واعلم أنه ذكر الاعتقاديات والعمليات كليهما لكن اكتفى فى الاعتقادية بالتوحيد لانه هو الأصل والأساس. فان قلت فلم ما ذكر الاتيان بالواجبات واقتصر على ترك المنهيات. قلت لم يقتصر حيث قال ولا تعصوا فى معروف اذ العصايان مخالفة الأمر أو اقتصرلأن هذه المبايعة كانت فى أوائل البعثة ولم تشرع الأفعال بعد. فان قلت لم قدم ترك المنهيات على فعل المأمورات قلت لان التخلى عن الرذائل مقدم على التحلى بالفضائل. فان قلت فلم ترك سائر المنهيات ولم يقل مثلا ولا تقربوا مال اليتميم وغير ذلك قلت اما لانه فى ذلك الوقت لم يكن حرام أخرا واكتفى بالبعض ليقاس الباقى عليه أو لزيادة الاهتمام بالمذكورات. قوله: (فمن وفى) أى ثبت على ما بايع عليه يقال بتشديد الفاء وتخفيفها. قوله: (فأجره على الله) كلام على سبيل التفخيم نحو قوله: تعالى (فقد وقع أجره على الله) فان قلت لفظ الأجر مشعر بان الثواب انما هو مستحق كما هو مذهب المزلة لا مجرم فضل كما هو مذهبنا أعنى معاشر أهل السنة وكذا لفظ على الله ظاهر فى وجوب الأجر والثواب على الله تعالى كما هو معتقد أمل الاعزال القائلين بوجوب الثواب للمطيع قلت إطلاق الأجر لانه مشابه للأجر صورة لترتبه عليه ونحوه ولفظة على انما هو المبالغة فى تحقق وقوعه كالواجبات ومحصله أن اللفظين محمولان على خلاف الزاهر لان الدلائل المقالية والنصوص الشرعية دالة على أنه فضل وعلى أنه غير واجب على الله تعالى وأخر الحديث يدل عليه أيضا اذ قولة هو الى الله تعالى اشارة الى أنه لا يجب عليه عقاب عاص واذا لم يجب عليه هذا لم يجب عليه ثواب مطيع أيضا اذ لا قائل بالفصل. قوله: (ومن أصاب من ذلك شيئا) من للتبعيض وشيئا عام لانه نكرة فى سياق الشرط صرح ابن الحاجب بانه كالننى فى افادة العموم لنكرة وقعت فى سياقة وفية ارشاد الى أن الاجر انما ينال بالوفاء بالجيع والعقاب ينال بترك أى واحد كان من ذلك لان معنى الوفاء الاتيان بجميع ما التزمه من العهد فان قلت هذا لا يصح فى الشرك اذ لا يسقط العذاب فى الاخرة عنه بعقوبته عليه فى الدنيا بالقتل وغيره ولا يصير كفارة له ولا يصفو الله عنه قكعا ان مات على الشرك قلت عموم الحديث مخصوص بقوله: تعالى (ان الله لا يغفر أن يشرك به)

стр. 108

فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ. بابٌ من الدّين الفرار من الفتن . ١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ ــ وبالإجماع أو لفظ ذلك اشارة الى غير الشرك بقرينة الستر فانه يستقيم فى الافعال التى يمكن اظهارها واخفاؤها وأما الشرك أى الكفر فهو من الامور الباطنه فانه ضد الايمان وهو التصديق القلبى على الأصح الطبى: قالوا المراد منه المؤمنون خاصة لانه معو على قوله: فمن وفى وهو خاص بهم لقوله: منكم تقديره ومن أصاب منكم أيها المؤمنون من ذلك شيئا فعوقب فى الدنيا أى أقيم الحد عليه لم يكن له عقوبة لأجل ذلك فى القيامة وهو ضعيف لأن الفاء فى فمن وفى لترتيب ما بعدها على ما قبلها والضمير فى منكم للعصابة المعهودة فكيف يخصص الشرك بالغير فالصحيح أن المراد بالشرك الرياء لأنه الشرك الخفى قال تعالى (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) ويدل عليه تنكير شيئا أى شركا أيا ما كان. وأقول عرف الشارع يقتضى أن لفظ الشرك عند الاطلاق يحمل على مقابل التوحيد سيما فى أوائل البعثة وكثرة عبدة الأصنام. قوله: (فهو) أى فالعقاب أى الحد كفارة له أى يسقط عنه الأم حتى لا يعاقب فى الأخرة ذهب أكثر العلماء الى أن الحدود كفارات استدلالا بهذا الحديث ومنهم من توقف لما روى أبو هريرة قد يكون قبل حديث عبادة فلم يعلم ثم علم بعد ذلك قاله النووى فى شرح مسلم. قوله: (فهو الى الله) أى حكمه من الأجر والعقاب مفوض الى الله. اعلم ان مذهب أهل السنه أن من ارتكب كبيرة ومات قبل التوبة ان شاء الله عفا عنه ويدخله الجنة أول مرة وان شاء عذبة فى النار ثم يدخلها الجنة وقالت المعتزلة صاحب الكبيرة اذ مات بغير التوبة لا يعنى عنه ويخلد فى النار وهذا دليل عليهم لأنهم يوجبون العقاب على الكباثر قبل التوبة والعفر عنها بعدها. الطبى: وفيه أيضا اشارة الى أنه لا تجوز الشهادة بالجنة ولا بالنار لأحد بعينه الا من ورد فيه النص كالعشرة المبشرة وغيرهم رضى الله عنهم قال البخارى رضى الله عنه (باب من الدين الفرار من الفتن) قوله: (من الدين) هذا حيث لم يقل من الايمان مع أن عقد الكتاب انما هو فى الايمان مشعر بأن الدين والايمان واحد كما أن الايمان والاسلام أيضا عنده واحد. الطبى: اصطلحوا على ترادف الايمان والاسلام والدين ولا مشاحة فى الاصطلاحات. قوله: (عبد الله بن مسلمة) بفتح الميم واللام وسكون السين المهملة ابن فعنب القعنى المدنى أبو عبدالرحمن سكن البصرة روى عنه الشيوخ الخمسة الترمذي

стр. 109

مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ ــ والنسائى عن رجل عنه والثلاثة عنه أجمع العلماء على جلالته وعلمه وعمله روى أن رجلا جاء الى الامام مالك فقال قدم القعنبى فقال مالك قوموا بنا إلى خير أهل الأرض وقيل للقعنى حدثت ولم تكت تحدث فقال رأيت كأن القيامة قد قامت فصيح بأهل العلم فقاموا فقمت معهم فصيح بى أن اجلس فقلت الهى ألم أكن معهم أطلب قال بلى ولكنهم نشروا واخفيته فحدثت وقال عمرو بن على كان القعنى بجاب الدعوة ومات بمكة وكان مجاورا بها فى المحرم سنة احدى وعشرين ومائتين. قوله: (مالك) هو امام المسلمين امام دار الهجرة المستغنى عن التعريف وقد مر بعض فضائله التى لا تعد ولا تحد. وأما عبد الرحمن وأبوه عبد الله فهما أنصاريان مازنيان مدنيان. و (صعصعة) بفتح الصادين المهملتين وبالعينين المهملتين الاولى منهما ساكنة. قوله: (أبى سعيد) هو سعد بن مالك بن سنان الخزرجى الأنصارى الخدرى بضم الخاء المهجمة وسكون الدال المهملة منسوب الى خدرة أحد أجداده أو احدى جداته وخدرة بطن نت الأنصار استشهد أبوه يوم أحد وهو كان صغيرا وغزا بعد ذلك ثنى عشرة غزوة روى له عن رسول الله ﷺ ألف حديث ومائة وسبعون حديثا ذكر البخارى اثنين وستين منها. توفى بالمدينة سنة أربع وستين أو سبعين ودفن بالبقيع روى حنظلة بن أبى سفيان عن أشياخة قالوا لم يكن فى أحداث الصحابة أفقه من أبى سعيد وفى رواية أعلم وهذا الاسناد من المستظرفات لان الرواة كلهم مدنيون. قوله: (يوشك) هو يضم الياء وكسر الشين أى يقرب ويقال فى ماضيه أوشك وهو من أفعال المقاربة وقد وضع لدنو الخير اخذا فيه وهو مثل كا وعسى فى الاستعمال فيجوز أوشك زيد يجئ وأن يجئ وأوشك ان يجئ زيد على الأوجه الثلاثة. قوله: (يتبع) بتشديد التاء المفتوحة وجاء بسكونها. و (الشعف) بفتح الشين المهجمة والعين المهملة رءوس الجبال وأعاليها والواحدة شعفة (ومواقع القطر) يعنى الاودية والصحارى وفى بعض النسخ يتبع بها بزيادة بها والضمير راجع الى الغنم وهو اسم الجنس يجوزن تأنيثه باعتبار معنى الجمع ويجوز فى خير مال المسلم غنم وجهان نصب خبر ورفعه ونصبه هو الاشهر فى الرواية وهو خبر

стр. 110

بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ ــ يكون مقدما ولا يضر كون الاسم وهو غنم نكرة لانها موصوفة بقوله: يتبه بها وأما الرفع فبأن يقدر فى يكون ضمير الشان ويكون خير مال الملم غنم مبتدا وخبرا وقدروى غنما بالنصب وقيد بالغنم لان هذا النوع من المال نموه وزيادته أبعد من الشوائب المحرمه كالربا والشبهات المكروهة وخصت الغنم بذلك لما فيها من السكينة والبركة وقدر عاها الأنبياء ﵈ مع أنها سهة الانقياد خفيفة المؤنة كثيرة النفع وقيد الانباع بالمواضع الخالية من ازدحام الناس لأنه أسلم غالبا عن المقاولات المؤدية الى الكدورات وقال يقر بدينه اشعارا بأن هذا الاتباع ينبغى أن يكون استعصام للدين لا لا مر دعيوى كطلب كثرة الملف وقلة أطماع الناس فيه ولما كان الجمع بين الرفق والربح وصيانة الدين كان خير الاموال الذى يعتنى بها المسلم وفيه اخبار بانه يكون فى اخر الزمان فتن وفساد بين الناس وهو يكاد يكون من المعجزات. قوله: (يفر بدينه من الفتن) اما جملة حالية وذو الحال هو الضمير المستتر فى يتبع ويحتمل أن يكون هو السلم ويجوز الحال من المضاف اليه نحو (فاتبع ملة ابراهيم حنيفا) فان قلت انما يجعل حالا من المضاف اليه اذا كان المضاف جزءأ من المضاف اليه أو فى حكمه كما فى رأيت وجه هند ثائمة لا فى نحو رأيت غلام هند قائمة والمال ليس كذلك. قلت المال لشدة ملابسته بذى المال كأنه جزء منه وأما اتحاد الخير بالمال فظاهر أو جملة استئنافية على تقدير جواب سؤال يقتضيه المقام. قوله: (من الفتن) وهو جميع فتنة أى من فساد ذات البين وغيرها. فان قلت كيف يجمع بين مقتضى هذا الحديث من اختيار العزلة وبين ما ندب اليه الشارع من اختلاط أهل المحلة لإقامة الجماعة وأهل البلدة للجمعة وأهل السواد مع أهل البلدة للعيد وأهل الافاق لوقوف عرفة وفى الجملة اهتمام الشارع بالاجتماع معلوم ولهذا قال الفقهاء يجوز نقل اللقيط من البادية إلى القرية ومن القرية الى البلد لا عكسها ولا شك أن الإنسان مدنى بالطبع متاج إلى السواد الأعظم وكمال الانسانية لا يحصل الا بالتمدن قلت ذلك عند عدم الفتنة وعدم وقوعه فى المعاصي وعند الاجتماع بالجلساء الصلحاء وأما اتباع الشعف والمعاطن وطلب الخلوة والانقطاع إنما هو فى أضداد هذه الحالات النووي: وفى الحديث فوائد منها فضل العزلة فى أيام الفتن الا أن يكون الإنسان ممن له قدرة على إزالة الفتنة فانه يجب عليه السعي فى إزالتها إما فرض عين واما فرض كفاية بحسب الحال والامكان وأما في غير أيام الفتنة فاختلف العلماء فى العزلة والاختلاط أيهما أفضل مذهب الشافعى والأكثرين الى تفضيل الخلطة لما فيها من اكتساب الفوائد وشهود شعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين وايصال
следующие страницы →