← Сира

Сира · id 13606

صحيح السيرة النبوية - إبراهيم العلي

إبراهيم العلي

Полный текст (585 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

صحيح السيرة النبوية «مؤلف جامع للسيرة النبوية المشرفة، مرتب حسب الوقائع والأحداث اقتصر فيه مؤلفه على الأحاديث الصحيحة، مذيل بفارس سهلة» تأليف إبراهيم العلي تقديم د. عمر سليمان الأشقر راجعه د. همام سعيد دار النفائس

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

صحيح السيرة النبوية

стр. 4

الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م حقوق الطبع محفوظة دار النفائس للنشر والتوزيع العبدلي - مقابل عمارة جوهرة القدس هاتف: ٦٩٣٩٤٠ - فاكس: ٦٩٣٩٤١ ص. ب: ٢١١٥١١ عمان ١١١٢١ الأردن

стр. 5

كلمة مقدم الكتاب د. عمر سليمان الأشقر الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من سار على دربه واتبع هداه، وبعد: فقد فاجأني الشيخ إبراهيم العلي كثيرًا وسرني كثيرًا عندما أخبرني أنّه أنهى مشروعه في جمع صحيح السيرة النبوية من كتب السنة النبوية. وكان عظم المفاجأة وعظيم السرور لأن إتمام مشروع صحيح السيرة كان أملًا لطلبة العلم والعلماء، فإن السيرة النبوية الينبوع الثرّ الذي تستقي منه الأجيال، وتتربى عليه، وتستلهم منه الهداية والرشد، ويعتمد عليه العلماء والدعاة والوعاظ. وطالما هششنا وفرحنا عندما كان يبلغنا أن فلانًا من أهل العلم عازم على إخراج هذا العمل والقيام به، أو أن فلانًا بدأ هذا العمل ومضى فيه، ولكن مضى وقت طويل قبل أن يتحقق الأمل، ويخرج هذا العمل إلى حيز الوجود، وفي حدود علمي فإن باحثًا واحدًا من المعاصرين سبق الشيخ إبراهيم العلي إلى مثل عمله الذي تقدم له. إن كتب السنة النبوية تحوي كمًّا هائلًا من سيرة المصطفى، والمعلومات المبثوثة في كتب السنة تمتاز بالدقة والوضوح، وقد استطاع الباحث في هذا المؤلف أن يجمع شتات هذا الكم الكبير من مرويات السيرة النبوية، كما نجح في التأليف بين هذه المرويات بتقسيمها إلى موضوعات متناسقة، والميزة الكبرى لهذا المؤلف أنه

стр. 6

اقتصر فيه على الصحيح من الروايات، وابتعد عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة، التي جعلت بعض أحداث السيرة شبيهة بالخرافة والأسطورة. إن تنقية السيرة مما شابها واجب كفائي مناط بالعلماء، فالمسلمون كانوا وما يزالون يرجعون إلى كتب السير، وفيها الصحيح والضعيف والموضوع، ويأخذون تلك الروايات أخذ المصدق بها المذعن لها، ونتج عن هذا أن ينسب إلى رسول الله ﷺ ما لم يقله ولم يفعله، ولم يحدث في زمانه. وانتشرت روايات السيرة التي ضمتها كتب السيرة صحيحة وضعيفة في مؤلفات العلماء، وحدث بها الدعاة والوعاظ، واستدل بها العوام وطلبة العلم، وكل هذا أحدث خللًا كبيرًا عند هؤلاء جميعًا، ومن هنا كانت الحاجة كبيرة وملحة لتنقية السيرة مما شابها، تصحيحًا للمسار، ونصحًا لله ولرسوله والمؤمنين، وإعانة للعلماء وطلبة العلم والدعاة والوعاظ، فجزى الله المؤلف خير جزائه، وأثابه على حسن صنيعه، ووفقه في طبعات قادمة إلى أن يستكمل ما فاته من صحيح الروايات، وتسديد ما لم يصب فيه، فالنقص من طبيعة البشر، وسعي المرء إلى بلوغ الكمال هو المقدور المستطاع. وقد أذن لي المؤلف جزاه الله خيرًا في إجراء ما أراه مناسبًا، فقسمت موضوعات الكتاب إلى أواب وفصول ومباحث وعدلت في العناوين التي وضعها المؤلف وصوبت الأخطاء التي وقعت عليها العين وأدركها العقل، خدمة لكتاب يبحث في سيرة الرسول ﷺ . ولا يفوتني في هذه المقدمة أن أنوه بباعث الفكرة وغارسها وراعيها حتى أينعت وأثمرت، فضيلة الشيخ الدكتور همام سعيد، فالدال على الخير كفاعله. نفع الله بهذا السفر عباده في كل مكان، والحمد لله رب العالمين. د. عمر سليمان الأشقر كلية الشريعة- الجامعة الأردنية عمان- الأردن

стр. 7

كلمة مراجع الكتاب إن الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد: فقد جاء كتاب صحيح السيرة النبوية ثمرة معاناة يشعر بها دارس السيرة النبوية ومدرسها عندما يرواح بين منهجين: منهج المؤرخين ورواة السير، ومنهج المحدثين. فقد عرف عن المؤرخين وأصحاب السير التساهل في الرواية حيث يذكرون الأخبار الضعيفة والمنقطعة، مراعاة لإكمال الصورة التاريخية المتصلة الأحداث، بينما اتبع المحدثون منهج النقد الذي يميز الروايات الصحيحة من غيرها، ولو أدى الأمر إلى بتر الصورة التاريخية، وإن سلم منها أجزاء غير مكتملة. وكنت أتمنى أن أجد الوقت لاستقراء كتب الحديث وجمع مرويات السيرة فيها، وترتيبها على نسق كتب السير وفق التتابع الزمني. ولقد نقلت هذه الفكرة إلى تلميذي وأخي الشيخ إبراهيم العلي، الذي صحبني سنوات عديدة صحبة الباحث الشغوف بطلب العلم، وكان يعرض عليّ إنجازه في

стр. 8

هذا المضمار، وكان حفظه الله يستجيب للملاحظات والإضافات، فجاء هذا الجهد بعد سنوات طوال من العمل والجهد والمثابرة، فجمع الشوارد من أخبار السيرة مع ذكر الأحكام الحديثية على كثير من هذه الأحاديث، وبيان غريبها، ويمكنني القول بأن هذا الجهد سيكون إحدى البدايات المهمة في كتابة السيرة من وجهة نظر المحدثين. أسأل الله تعالى أن يجعل هذا الجهد جهدًا خالصًا لوجهه، وأن يكون نافعًا لطلاب العلم، وأن ينفع صاحبه وقارئه. والحمد لله رب العالمين الدكتور همام عبد الرحيم سعيد أستاذ الحديث في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية سابقًا

стр. 9

مقدمة المحقق إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد؛ فالتاريخ الإسلامي يتميز بميزة خاصة عن بقية تاريخ الأمم، إذ أن كل شيء مهما بلغ من شأن يظل دائما مرتبطا بنقطة البداية التي انطلق منها أولًا. ونقطة البداية في التاريخ الإِسلامي مرتبطة بحياة نبي الإسلام وسيرته، فسيرة النبي ﷺ هي المدخل الطبيعي لدراسة تاريخ الاسلام، وبقدر ما يحيط الدارس علمًا بهذه السيرة، ويفهم أسرارها وأخبارها بقدر ما يستطيع أن يفهم التاريخ الإسلامي في جميع مراحله في كل زمان ومكان. وأضرب مثلًا لتوضيح هذا الأمر: فشخصية النبي محمد ﷺ الفذة لا تقاس بالإنجازات التي تمت في عصره فقط، ولكن بما نتج عن هذه الإنجازات وما تحقق بعده، بقيام الفتوحات الكبرى التي تمت في عهد الخلفاء، وتأسيس دولة الإسلام العظمى الممتدة من حدود الصين شرقا إلى جبال فرنسا غربا. ولقد كان أثر هذا وما زال كبيرًا للغاية على البشر وحضاراتهم وثقافاتهم وأوضاعهم الاجتماعية والعقدية والسياسية والحربية. ولقد بنى النبي محمد ﷺ أمة جديدة، فتربية محمد ﷺ تظهر جلية واضحة في أستاذيته حين أخرج العرب الممزقين الغارقين في ظلام الجهل، وعبادة غير الله، إلى نور التوحيد الذي جمعهم به بعد تمزق، ووحدهم به بعد تفرق، وأخرج من هذه الأمة قادة عظامًا، وجعل من الإنسان المسلم متحضرًا بعقله وإيمانه وحسن أخلاقه ومثله وأمانته، لقد صبر النبي ﷺ على تربية أصحابه حتى هيأ

стр. 10

مجموعة من الناس عندهم القدرة على إدارة الدولة الكبرى التي ستقام بعد وفاته. إن الدارس والمتعرف على الإسلام وتاريخه وحضارته، بشكل علمي ونزيه، سيلاحظ بكل إكبار وإعجاب التأثير البالغ لمحمد ﵊ في كل خلجة وحركة تمت في تاريخ المسلمين، وسيسلم بداهة -مع الأخذ بعين الاعتبار والتقدير تفاوت الأزمان والنوايا والإخلاص مع درجة الفهم- أن المحرض الأساس المسبب لكل حادث في هذا التاريخ هو الإسلام، وأن كل شيء قام بعد قيام الإسلام، إنما قام باسمه وبسببه. وما دامت سيرة محمد ﷺ مفتاحا للتاريخ الإسلامي فهي أجدر العلوم بالاهتمام والتوثيق لتقديمها في أنصع صورة وأجملها، في وقت كثرت فيه الدعوات الأرضية، واشتد فيه الظلام وظهر الباطل على الحق ظهورا آنيا، وسيطرت المادية على الإنسان فغيرت كثيرا من قيمه وجعلته لا يستقر على حال، وحتى يجد الإنسان في سيرة هذا النبي السلوك المثالي الذي تتساقط عنده دعاوى المغرضين والزائفين، ولعله يجد فيها الصورة المشرقة الحية للإنسانية الحقة، وليجد فيها الصورة المشرقة للإنسان الذي يمارس إنسانيته بكل أبعادها، ويتفاعل مع الواقع بكل معطياته، وليدرك الإنسان أيضًا إن محمدا ﷺ الذي وصل إلى قمة الكمال الإنساني كان في كل أحواله غير بعيد عن بشريته، بل عاش مشاعر هذه البشرية، شابًّا مستقيمًا في سلوكه، داعيا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأبا حانيًا، وزوجًا مثاليًا، وقائدًا حربيًّا، فقيرًا وغنيًّا، إمامًا وحكمًا مسلمًا جامعًا بين العبادة والتبتل لربه، والمعاشرة لأهله وأصحابه. وإذا كانت هذه الدراسة للسيرة ضرورية للإنسان بشكل عام، فإنها اشتد ضرورة للإنسان المسلم المعذب الحائر بين القيم التي تغزو عقله وفكره ومجتمعه، لأن السيرة إنما هي تجسيد حي لتعاليم الإسلام كما أرادها الله أن تطبق في عالم الواقع، لأن تعاليم الإسلام إنما أنزلت لتطبق في واقع الإنسان ومجتمعه، هذه الأوامر والتعاليم هي التي ينشأ الإنسان في ظلها في بحبوحة من العيش، واعتراف كامل بإنسانيته حيث تهديه هذه التعاليم في كل جانب من جوانب حياته وترشده إلى ما فيه خيره وصلاحه. ومحمد ﷺ هو الذي كان يجسد تعاليم الإسلام في كل حادثة وظرف في شخصه حتى يكون قدوة لأصحابه ولمن يأتون بعده ﴿لقد كان لكم في رسول الله

стр. 11

أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾. من أجل كل ما سبق ذكره كانت هذه الدراسة التوثيقية عن سيرته ﷺ من خلال مصدر رئيسي من مصادر السيرة، هذا المصدر هو كتب الحديث ومصنفاته التي عرضت جوانب كبيرة من سيرته العطرة ﷺ . مصادر السيرة النبوية المطهرة: إن كل من كتب في السيرة النبوية اعتمد في كتابته على مصدر أو أكثر من المصادر التالية: ١ - القرآن الكريم. ٢ - كتب الحديث ومصنفاته. ٣ - كتب المغازي والسير والدلائل والشمائل. ٤ - كتب الأدب واللغة والشعر. ولقد أعتمدتُ في جمع هذه الدراسة على المصدر الثاني كمصدر رئيسي وأصيل في كل الأحداث. وعلى المصدر الثالث حين يتعذر عليّ أن أجد في كتب الحديث ومصنفاته ما يسد ثغرة الحديث الذي أبحث عنه. قاعدة: ما جاء في كتب الحديث الصحيحة من روايات للسيرة مقدمٌ على ما جاءَ في كتب المغازي: إن المطلوب هو اعتماد الروايات الصحيحة وتقديمها في بناء الصورة الناصعة لسيرة النبي ﷺ ، ثم الروايات الحسنة، ثم ما يعضدها من الضعيف، وعند التعارض يقدم الأقوى دائما، أما الروايات الضعيفة فيمكن الاعتماد عليها في إثبات حوادث تاريخية لا ينبني عليها أي حكم شرعي أو أمر في جانب العقيدة، لأن الأحكام الشرعية والأمور العقدية لا تثبت إلا بالأحاديث الصحيحة. إن السيرة النبوية مليئة بالأحكام الشرعية والتي يستفاد منها في كثير من جوانب الحياة، ولذا فيجب أن تكون ثابته بالأحاديث الصحيحة حتى يعتمد عليها، وكتب الحديث تحتوي على مادة السيرة الموثقة حسب منهج المحدثين، فلذلك يجب الاعتماد عليها وتقديمها على روايات كتب المغازي والسير والتواريخ العامة،

стр. 12

وخاصة إذا أوردتها كتب الحديث الصحيحة، لأنها ثمرة جهود جبارة قدمها المحدثون عند تمحيص الحديث ونقده سندًا ومتنا، هذا النقد والتدقيق الذي حظي به الحديث لم تحظ به الكتب التاريخية، والمعلوم أن للمحدثين مناهج وطرقًا في نقد الأحاديث ومعرفة الصحيح من الضعيف من حيث التدقيق في عدالة الرواة الذين رووا الأحاديث أو أي حادثة من الحوادث التي يعتمدونها، ويشترطون في الرواة شروطا محددة لابد من توفرها حتى تثبت عدالة الرواة فتصح روايتهم. وهذه الشروط لا تتوفر في مناهج المؤرخين في رواياتهم التاريخية فهم يتساهلون في تعاملهم مع الروايات التاريخية، ولذلك نجدهم يروون عن رواة لم تثبت عدالتهم عند المحدثين من أمثال الكلبي، وسيف بن عمر التميمي والواقدي وغيرهم من الضعفاء عند المحدثين. لذلك فقد اعتمدت هذه الدراسة على أصح الروايات، ومصنفات الحديث تحتوي على ثروة كبيرة من الأحاديث الصحيحة تكوِّن عند قارئها صورة كاملة من سيرة النبي ﷺ ، لذلك كنت أقدم الرواية الموجودة في كتب الحديث على الرواية الموجودة في كتب المغازي والسير وما في الصحيح أصح. ضرورة الإسناد في قبول الرواية التاريخية وخاصة في روايات السيرة النبوية: الإسناد لا بد منه في كل أمر من أمور الدين، وعليه الاعتماد في الأحاديث النبوية وفي الأحكام الشرعية وفي المناقب والفضائل والمغازي والسير، وغير ذلك من أمور الدين المتين والشرع المبين، فشيء من هذه الأمور لا ينبغي عليه الاعتماد، ما لم يتأكد بالإسناد لا سيما بعد القرون المشهود لها بالخير. والإسناد: -هو سلسلة الرواة إلى المتن، والمتن: ما ينتهى إليه من الكلام. وقد شدد سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، على ضرورة الإسناد، وأنه مطلوب في الدين، وأنه من خصائص أمة الإسلام. أخرج مسلم في مقدمة صحيحه "١/ ٨٧" عن عبد الله بن المبارك قوله: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". وعن ابن المبارك أيضًا قال: "مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم" ذكره الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية ص "٣٩٣".

стр. 13

ولهذا وصف الإمام الشافعي الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب الليل" يقول ﵀: "مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب الليل" جاء هذا في شرح المواهب اللدنية "٥/ ٤٥٣". وحاطب الليل لا يعمل على بصيرة من أمره، وإنما يسير على غير هدى، فلا يدري ما الذي يجمعه، وهذا الأمر كان موجودا في رواة الأمم السابقة الذين كانوا يفتقدون الأمانة في النقل، وينقلون الأحداث بلا إسناد، وإذا كان هذا الأمر مقبولا عند الأمم السابقة، فإنه لا يقبل في تاريخ أمتنا التي ميزها الله بميزة نقل الثقات عن الثقات، حتى الوصول إلى تاريخ الحدث والذين شاهدوه مشاهدة عيانية. جاء في خلاصة الطيبي "ص ٥٥": "الإسناد خصيصة هذه الأمة، وسنة من السنن البالغة، وطلب العلو فيه سنة أيضًا ولذلك استحبت فيه الرحلة". ولو قايسنا تاريخ أمة الإسلام بتاريخ الأمم الأخرى مثل اليهود والنصارى في النقل عن أنبيائهم لوجدنا فرقا واضحا وجليًّا، يقول ابن حزم الظاهري في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل" "٢/ ٨١ - ٨٢": "نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي ﷺ مع الاتصال، خص الله به المسلمين دون سائر الملل، وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود، ولكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد ﷺ ، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرًا، وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه" ثم يقول: "وأما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن أن يبلغ اليهود إلى صاحب نبي أصلًا، ولا إلى تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص". فإذا كان هذا الامر مقبولا عند الأمم السابقة في نقلهم للأحداث التاريخية دون ذكر أسانيدها، أو مجرد التأكد من صحة الحدث أو كذبه، فإن هذا الأمر لا يقبل البتة في أمة الإسلام، وإن الإنسان أو الكاتب الذي يقبل الأحداث التاريخية دون التأكد من وجود أسانيد لها يدخل عند المحدثين في طائفة الزمنى "المرضى" على حد تعبير عبد الله بن طاهر.

стр. 14

جاء عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: "كان عبد الله بن طاهر إذا سألني عن حديث فذكرته له بلا إسناد، سألني عن إسناده وقال: رواية الحديث بلا إسناد من عمل الزمنى، فإن إسناد الحديث كرامة من الله تعالى لأمة محمد ﷺ " شرح المواهب اللدنية للزرقاني "٥/ ٤٥٣". والإسناد فرض من فروض الكفاية التي لا بد منها كما يقول الشيخ علي القاري في شرحه على شرح النخبة "١٩٤": "أصل الإسناد خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنة بالغة من السنن المؤكدة، بل من فروض الكفاية وطلب العلو فيه أمر مطلوب وشأن مرغوب". وقد اهتمت كتب ومصنفات الحديث عظيم الاهتمام بالأسانيد واتصالها وعدالة رجالها، وجاءت مادة السيرة من مضمون هذه الكتب والمصنفات الحديثية بنفس الطرق والأسانيد الموثقة التي جاءت بها الأحكام الشرعية في الفقه والعبادات والمعاملات وغيرها من محتوى كتب الحديث. إن أهمية الإسناد في نقل الروايات التاريخية وخاصة السيرة النبوية عظيمة، لا ينكرها إلا غر جاهل، فلولاه لما تميز الصادق المستقيم عن الأفاك الأثيم، وإذا كان الإسناد مجموعة من الرجال، والرجال يعتريهم الخطأ والنسيان والغلط، وأحيانا تعمد الكذب والاختلاق والتزوير والافتراء، فإن علم الجرح والتعديل قد عرض لكل ما يخطر في البال من هذه الأمور التي تتعلق بأحوال الرواة، والتي يمكن أن تقدح في صحة الرواية أو الإسناد، وكما وضع علماء الجرح والتعديل شروطا لصحة وعدالة الرواة في أسانيدهم، فقد وضعوا شروطا يسبرون من خلالها صحة المتون وعدم شذوذها، فقد يصح الإسناد إلا أن المتن يكون ضعيفا، فلا تعتبر الرواية، فنشأ من كل هذه الأمور ومجموعها ما يسمى بنقد المتن. إن الإسناد الصحيح وموازينه الدقيقة يعتبر من المرتكزات الأساسية لتصحيح الخبر والرواية التاريخية، وليس هناك خبر جاء بإسناد صحيح غير معلول، لا يقبله أو يرفضه الواقع، اللهم إلا عقول أولئك الذين أغلقوها ووضعوا مفاتيحها في صناديق يملكها آخرون.

стр. 15

أهمية كتب المغازي والسير: ومع كل الاهتمام بمصادر الحديث ومصنفاته وما تحتويه من ثروة عظيمة من أحاديث السيرة فإنه لا ينبغي التقليل من دور كتب المغازي والسير، فإنها تلي القرآن الكريم والحديث الشريف، مما يعطيها قيمة علمية كبيرة، إن أوائل مصنفات السيرة قد كتب في عصر مبكر، الصحابة لا زال الكثير منهم على قيد الحياة، والصحابة على علم دقيق وواسع بالسيرة النبوية، لأنهم عاشوا أحداثها وشاركوا فيها، هذا التبكير في الكتابة قلل -إلى حد كبير- من احتمال تعرضها للتحريف أو المبالغة والتهويل أو الضياع. فسيرة موسى بن عقبة الذي توفي في عام "١٤٠" هـ وهو محدث ثقة من تلاميذ الزهري أثنى الإمام مالك رحمه الله تعالى على كتابة السيرة النبوية واعتبره أصح كتاب في المغازي يقول ﵀ "عليكم بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة فإنها أصح المغازي"، "سير أعلام النبلاء: ٦/ ١١٥" ويقول أيضًا: "عليكم بمغازي موسى، فإنه رجل ثقة طلبها على كبر السنن، ليقيد من شهد مع رسول الله ﷺ ، ولم يكثر كما أكثر غيره". ويقول الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء" ٦/ ١١٦": "وأما مغازي موسى بن عقبة، فهي في مجلد ليس بالكبير، سمعناها وغالبها صحيح، ومرسل جيد، لكنها مختصرة تحتاج إلى زيادة وتتمة". وقال يحيى بن معين: "كتاب موسى بن عقبة عن الزهري أصح هذه الكتب" يعني في المغازي، انظر سير أعلام النبلاء "٦/ ١١٧". إضافة إلى أهميتها التي ذكرنا، يضاف إليها ميزة أخرى، وهي أنها أوردت الكثير من الأحداث والروايات يتقدمها الأسانيد، ومعظم رواة السيرة هم من الرواة والمحدثين الذين نجد تراجم لهم في كتب الرجال، وأوضحت هذه الكتب أحوالهم، وبينت ما قيل فيهم من جرح وتعديل مما يسهل على الباحث معرفة قوة الرواية أو الحدث التاريخي أو ضعف هذا الحدث، ولذلك جاء اعتمادي على هذه الكتب في الدرجة الثانية، حين لا أجد الحدث التاريخي في كتب الحديث ومصنفاته.

стр. 16

منهجي في جمع وتصنيف هذه الدراسة: وضعت لنفسي خطة في أثناء جمعي لهذه الدراسة ألخصها في النقاط التالية: ١ - ترتيب الأحداث التاريخية للسيرة النبوية: اعتمدت في ترتيب الأحداث التاريخية للسيرة النبوية على ترتيب إمام المغازي ابن إسحاق لها في مغازيه، كما أورد ذلك ابن هشام في اختصاره لها كمصدر رئيسي، إلا إنني قد أخالف ابن إسحاق في ترتيب الأحداث التاريخية حين يثبت لي ما يخالف هذا الترتيب في مصنفات الحديث، ولتوضيح هذا الأمر أضرب مثلًا على ذلك: غزوة ذات الرقاع جاء في سيرة ابن إسحاق وجماعة من أهل المغازي أنها كانت في جمادى الأولى بعد غزوة بني النضير بشهرين، وذلك في السنة الرابعة للهجرة كما جاء في سيرة ابن هشام "٣/ ١٥١"، إلا أنني رجحت ما جاء في صحيح البخاري أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد غزوة خيبر كما في فتح الباري ٧/ ٤١٦ كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، وأيده في ذلك ابن كثير في سيرته "٣/ ١٦١"، وابن حجر كما في الفتح "٧/ ٤١٨"، وابن القيم في زاد المعاد "٣/ ٢٥٣". ٢ - رتبت الأحداث التاريخية تحت عناوين جانبية تسهل على القارئ الوصول إلى ما يريد بسرعة وسهولة. ٣ - اعتمدت في نقل نص الحدث التاريخي لفظ الحديث الأكثر فائدة والأجمع للمعاني الغزيرة من خلال انتقاء هذا اللفظ من روايات الحديث الكثيرة، فبعض هذه الروايات قد يكون مختصرًا، وبعضها مطولا حسب مراد المصنف الذي أورد ذلك اللفظ. وكنت إذا وجدت هذا اللفظ في صحيح البخاري لم أتعداه إلى غيره من المصنفات، وإلا فمسلم وأصحاب السنن. ٤ - خرَّجت كل الأحاديث التي ذكرتها في هذه الدراسة، وهي تزيد على التسعمائة حديث، فما كان في الصحيحين أكتفي بتخريج الحديث منهما، وقد أزيد في التخريج إذا وجدت سعة من الوقت، فأخرج الحديث من غيرهما من المصادر.

стр. 17

٥ - ما لم يكن من هذه الروايات في الصحيحين فإني أخرجه من المصنفات الحديثية الأخرى، وأحكم عليه صحة أو ضعفا بناء على قواعد المحدثين، هذا إن لم أجد حكما على هذا الحديث لأحد من الأئمة السابقين، فإذا وجدت ذلك الحكم فإنني أكتفي به، ولا اتعداه مخالفا له إلا إذا تبين لي غير ذلك الحكم. ٦ - إذا لم أجد الحدث التاريخي في مصادر السنة، فإني أبحث عنه في كتب المغازي والسير وأبين صحته بناء على قواعد المحدثين. ٧ - في بعض الأحداث التاريخية التي لا يثبت بها حكم شرعي والتي لم أجد فيها إلا مرسل تابعي كنت أثبت ذلك النص المرسل، وأحكم عليه صحة وضعفا إلى التابعي. ٨ - كنت أذكر الفوائد المستنبطة من بعض الأحاديث كما ذكرها العلماء في شروحاتهم على المصنفات الحديثية. ٩ - كنت أشرح الغريب من الألفاظ الصعبة مما يسهل فهمها على القارئ في غالب الأحيان.

стр. 18

شكر وتقدير جاء من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت أبا القاسم يقول: (لا يشكُرُ الله من لا يشكُرُ الناسَ) (١). ولذلك أنبه على أن نواة هذه الدراسة كانت فكرة من أفكار أستاذي وشيخي الدكتور همام عبد الرحيم سعيد حفظه الله ونفع بعلمه، فقمت بتنفيذها، وأعلمت أستاذي بعزمي على القيام بهذا العمل، فشجعني على الاستمرار، وما بخل علي بنصحه وتوجيهاته ومكتبته العامرة بالمصادر، فجزاه الله عني خير الجزاء. ولكل من أعانني بكلمة تشجيع أو نصيحة علمية الشكر والتقدير، سائلًا المولى أن يجزيهم عني أحسن الجزاء. وبعد، فإنني أقدم هذ الدراسة جهدا متواضعا في خدمة السنة النبوية العطرة، وسيرة النبي محمد ﷺ ، مع علمي بقلة بضاعتي، ووعورة الطريق، وكثرة الصعاب، إلا أن الله أعانني ووفقني لإتمام هذه الدراسة بفضله وتوفيقه، مع رجائي لكل من قرأ وكان عنده ملاحظة أو نصيحة أو فائده علميه فاتتني أن يرسلها لي، وله مني كل الشكر، وأن لا يبخل عليّ بإرسالها. وختامًا أسأل الله أن يجعل هذه الدراسة في ميزان أعمالي يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. والحمد لله رب العالمن. إبراهيم محمد العلي عمان- الأردن

стр. 19

الباب الأول أحداث ما قبل البعثة الفصل الأول نسب الرسول ﷺ ومكانته في قومه قال الإمام البخاري ﵀: "هو أبو القاسم، محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، بن كلاب، بن مرة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان" (١). وقال البغوي في شرح السنة بعد ذكر النسب إلى عدنان: "ولا يصح النسب فوق عدنان" (٢). وقال ابن القيم: بعد ذكر النسب إلى عدنان أيضًا: "إلى هاهنا معلوم الصحة، متفق عليه بين النسابين، ولا خلاف ألبتة، وما فوق عدنان مختلف فيه، ولا خلاف بينهم أنَّ عدنان من ولد إسماعيل ﵇ " (٣). وقد جاء عن ابن سعد في طبقاته: "الأمر عندنا الإمساك عما وراء عدنان إلى إِسماعيل" (٤). وعن عروة بن الزبير أنه قال: "ما وجدنا من يعرف ما وراء عدنان ولا

стр. 20

قحطان إلا تخرصًا" (١). قال الذهبي ﵀ في كتابه السيرة النبوية: "وعدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉ بإجماع الناس، لكن اختلفوا فيما بين عدنان وإِسماعيل من الآباء" (٢). أما عن نسبه ﵇ في قومه فقد كان في خيرهم قبيلة، وكان أشرَفهم أرومة كما جاء في الصحيح من حديثه ﵊: ١ - فعن واثلة بن الأسقع ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) (٣). ٢ - ومن حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بعثتُ من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه) (٤). ٣ - ومن حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب قال: أتى أناس من الأنصار إلى النبي ﷺ فقالوا: إنا لنسمع من قومك حتى يقول القائل منهم إنما مثل محمَّد مثل نخلة نبتت في كباء (٥)، فقال رسول الله ﷺ : (أيها الناس من أنا؟ قالوا أنت رسول الله ﷺ . قال: أنا محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب -قال فما سمعناه، قط ينتمي قبلها- إلا إن الله خلق خلقه، فجعلني من خير خلقه، ثم فرقهم فرقتين، فجعلني من خير الفرقتين، ثم جعلهم قبائل، فجعلني من خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا، فجعلني من خيرهم بيتًا، وأنا

стр. 21

خيركم بيتًا، وخيركم نفسًا) (١). ٤ - ومن حديث الأشعث بن قيس ﵁ قال: (أتيت رسول الله ﷺ في وفد، ولا يروني إلا أفضلهم، فقلت: يا رسول الله! ألستم منا؟ فقال: (نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمنا، ولا ننتفي من أبينا) فكان الأشعث يقول: "لا أوتى برجل نفى قريشًا من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد" (٢). ٥ - ومن حديث أبي سفيان ﵁ حين سأله هرقل وقال له: "كيف نسبه فيكم، قلت: هو فينا ذو نسب". وقول هرقل: "وسألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها" (٣).

стр. 22

الفصل الثاني البشارة بالرسول صلي الله عليه وسلم المبحث الأول: صفته في التوراة وتبشير اليهود به ٦ - عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فقلت: "أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: "يا أيها النبيّ إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بِفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا" (١). ٧ - ومن حديث كعب الأحبار قال: "إني أجد في التوراة مكتوبًا: محمَّد رسول الله، لا فظ ولا غليظ، ولا سَخَّاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون، يحمدون الله في كل منزلة، ويكبِّرونه على كل نجد، يأتزرون إلى أنصافهم، ويوضئون أطرافهم، صفُّهم في الصلاة، وصفُّهم في القتال سواء، مناديهم ينادي في جو السماء، لهم في جوف الليل دوي كدوي النحل، مولده بمكة، ومهاجره بطابة، وملكه بالشام" (٢).

стр. 23

٨ - ومن حديث سلمة بن سلامة بن وقش ﵁: وكان من أصحاب بدر قال: "كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل قال: فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث النبي ﷺ بيسير، فوقف على مجلس عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سنًّا عليَّ بردة مضطجعًا فيها بفناء أهلي فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت. فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائنًا أنَّ الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، ويجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يحلف به، وَلوَدَّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه، ثم يدخلونه إياه، فيطبق به عليه، وأن ينجو من تلك النار غدًا. قالوا له: ويحك، وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن. قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إليَّ -وأنا من أحدثهم سنًّا- فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه". قال سلمة: "فوالله ما ذهب الليل والنهار، حتى بعث الله تعالى رسوله ﷺ ، وهو حيٌّ بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغيًا وحسدًا، فقلنا: ويلك يا فلان، ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى: وليس به" (١).

стр. 24

المبحث الثاني: أخبار الكهان عن بعثته ٩ - من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: "ما سمعت عمر بشيء قط يقول: إني لأظنه كذا، إلا كان كما يظنُّ. بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل، فقال عمر: "لقد أخطأ ظني أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، عليَّ الرجل، فدعي، له، فقال له ذلك. فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم. قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني. قال: كنت كاهنهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يومًا في السوق، جاءتني أعرف منها الفزع، فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها … ويأسها من بعد إنكاسها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها قال: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح يقول: لا إله إلا الله فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله. فقمت، فما نشبنًا أن قيل: هذا نبي" (١). ١٠ - ومن حديث جابر ﵁ قال: "أن أول خبر قدم علينا عن رسول الله ﷺ أن امرأة كان لها تابع قال: فأتاها في صورة طير، فوقع على جذع لهم، قال: فقالت: ألا تنزل فنخبرك وتخبرنا، قال: إنه قد خرج رجل بمكة حرم علينا الزنا، ومنع منا القرار" (٢).

стр. 25

المبحث الثالث تبشير النبيين به وكيف كان أول أمره ١١ - من حديث أبي أمامة ﵁ قال: "قلت يا نبي الله ما كان أول بدء أمرك؟ " قال: (دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي نورًا أضاءت منه قصور الشام) (١). ١٢ - ومن حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإنَّ آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى قومه، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، وكذلك ترى أمهات النبيين صلوات الله عليهم) (٢).

стр. 26

الفصل الثالث حالة المجتمع الجاهلي قبل البعثة النبوية ١٣ - حديث أم سلمة ﵂ في قصة الهجرة إلى الحبشة ومحاورة جعفر ﵁ للنجاشي وقوله: "أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنَّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله تعالى لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان. وأمر بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة" (١). ١٤ - حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن، الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" (٢). ١٥ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "إن النكاح في الجاهلية كان على أربع أنحاء: فنكاح منها نكاح اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها. ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل

стр. 27

ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع. ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت، ووضعت، ومر ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل. والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهنَّ البغايا كن ينصبن علي أبوابهن رايات تكون علمًا، فمن أرادهنَّ دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطه به، ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك. فلما بُعث محمد بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم" (١).

стр. 28

الباحثون عن الدين الحق في الجاهلية زيد بن عمرو بن نُفيل ٤٣ - من حديث ابن عمر ﵄: "أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالمًا من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إني لعليّ أن أدين دينكم فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيد: ما أفرُّ إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئًا، وأنَّى أستطيعه؛ فهل تدلني على غيره؟ قال ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد فلقي عالمًا من النصارى فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفرُّ إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئًا أبدًا، وأنَّى أستطيع؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم ﵇ خرج، فلما برز رفع يديه، فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم" (١). ٤٤ - من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: "رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائمًا مسندًا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يحيي الموؤودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤنتها" (٢).

стр. 29

٤٥ - أ - ومن حديث ابن عمر ﵄ قال: "إن النبي ﷺ لقي زيد ابن عمرو بن نفيل بأسفل بَلدح قبل أن ينزل على النبي ﷺ الوحي، فَقُدِّمت إلى النبي ﷺ سفرة، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل ما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه. وإن زيد بن عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله، إنكارًا لذلك وإعظامًا له" (١). ٤٥ - ب - من حديث ابن عباس ﵄ قال: حدثني سلمان الفارسي ﵁ قال: "كنت من أهل فارس من أهل أصبهان، من قرية يقال لها جَيٌّ، وكان أبي دِهْقَان أرضه، وكان يحبني حبًّا شديدًا لم يحبه شيئًا من ماله ولا ولده، فما زال به حبُّه إيّايَ حتى حبسني في البيت كما تحبس الجارية. واجتهدت في المجُوسِيَّة حتى كنت قطن النَّار (الذي يُوقدُهَا) ولا يَتْرُكُها تَخْبُو ساعة، فكنت كذلك لا أعلم من أمر الناس شيئًا إلا ما أنا فيه، حتَّى بنى أبي بنيانًا له، وكانت له ضيعة فيها بعض العمل، فدعاني فقال: أي بني، إنه قد شغلني ما ترى من بنياني عن ضيعتي هذه، ولا بدَّ لي من إطلاعها، فانطلق إليها فأمرهم بكذا وكذا ولا تحتبسنَّ عنِّي، فإنك إن احتبست عنِّي شغلتني عن كلِّ شيءٍ. فخرجت أريد ضَيعته، فمررت بكنيسة النصارى، فسمعت أصواتهم فيها، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هؤلاء النصارى يصلون. فدخلت أنظر فأعجبني ما رأيت من حالهم. فوالله ما زلت جالسًا عندهم حتى غربت الشمس. وبعث أبي في طلبي في كل وجهة حتى جئته حين أمسيت ولم أذهب إلى ضيعته، فقال أبي: أين كنت؟ ألم أكن قلت لك؟ فقلت: يا أبتاه مررت بناس يقال لهم النَّصارى، فأعجبني صلواتهم ودعاؤهم، فجلست أنظر كيف يفعلون. فقال: أيْ بُنَي دينك ودين آبائك خيرٌ من دينهم. فقلت: لا والله ما هو بخير من دينهم، هؤلاء قومٌ يعبدون الله ويدعونه ويصلون له، ونحن إنما نعبد نارًا نوقدها بأيدينا، إذا تركناها ماتت. فخافني، فجعل في رجْليَّ حديدًا، وحبسني في بيت عندَهُ، فبعثتُ إلى النصارى، فقلت لهم: أين أصْلُ هذا الدين الذي أراكم

стр. 30

عليه؟ فقالوا: بالشام. فقلت: فإذا قدم عليكم من هناك ناسٌ فآذنُونِي، قالوا: نفعل. فقدم عليهم ناسٌ في تجارتهم. فبعثوا إليَّ أنَّه قد قدم علينا تجار من تجارنا. فبعثت إليهم إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الخروج فآذِنُوني. فقالوا: نفعل. فلما قضوا حوائجهم وأرادوا الرَّحيل بعثوا إليَّ بذلك، فطرحت الحديد الذي في رجليَّ ولحقت بهم، فانطلقت معهم حتى قدمت الشام. فلما قدمتها، قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ فقالوا: الأسقُف صاحب الكنيسة. فجئته، فقلت له: أحببت أن أكون معك في كنيستك، وأعبد الله معك، وأتعلم منك الخير. قال: فكن معي. قال: فكنت معه، وكان رجل سَوْءٍ؛ كان يأمرهم بالصَّدقة ويرغِّبهم فيها. فإذا جَمعوها إليه اكْتَنَزَهَا ولم يعطها المساكين. فأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيت من حاله، فلم ينْشَب أن مات، فلما جاءُوا ليدفنوه قلت لهم: إن هذا رجل سَوْءٍ؛ كان يأمركم بالصدقة ويرغِّبكم فيها، حتى إذا جمعتموها إليه اكتَنَزَها ولم يعطها المساكين. فقالوا: وما علامة ذلك؟ فقلت: أنا أخرج لكم كنزه. فقالوا: فهاته. فأخرجت لهم سبع قلالٍ مملوءَة ذهبًا وَوَرِقًا. فلمَّا رأوا ذلك قالوا: والله لا يدفن أبدًا. فصلبوه على خشبة ورموه بالحجارة، وجاءُوا برجل آخر فجعلوه مكانه. فلا والله يا ابن عبَّاس، ما رأيتُ رجلًا قط لا يصلي الخمس أرى أنَّه أفضَل منه أشدَّ اجتهادًا، ولا أزْهَدَ في الدُّنيا، ولا أدأب ليلًا ولا نهارًا منه. ما أعلمني أحببت شيئًا قط، قبله، حُبَّه. فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة. فقلت: يا فلان، قد حضرك ما ترى من أمر الله، وإني والله ما أحببت شيئًا، قط، حُبَّك، فماذا تأمرني؟ إلى من توصيني؟ فقال: أي بني، والله ما أعلمه إلا رجلًا بالموُصل فائته، فإنك ستجده على مثل حالي. فلما مات (وغُيِّب) لحقت بالموصل، فأتيت صاحبها، فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزَّهادَة في الدنيا، فقلت له: إن فلانًا أوصاني إليك أن آتيك وأكون معك. قال: فأقم أي بني. فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه، حتى حضرته الوفاة. فقلت له: إنَّ فلانًا أوصاني إليك وقد حَضَرَك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصيني، فقال: والله ما أعلمه، أي بني، إلا رجلٌ بنصيبين وهو على مثل ما نحن عليه، فالحقْ به، فلما دفناه. لحقت بالآخر فقلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصاني إلى فلان، وفلان أوصاني إليك. قال: فأقم يا بني.

стр. 31

فأقمت عنده على مثل حالهم حتى حضرته الوفاة. فقلت له: يا فلان، إنَّه قد حضرك من أمر الله ما ترى، وقد كان فلانٌ أوصاني إلى فلانٍ، وأوصاني فلانٌ إلى فلان، وأوصاني فلان إليك، فإلى من توصيني؟ قال لي: أي بنيّ، والله ما أعلم أحدًا على مثل ما نحن عليه إلا رجل بعمُّورية من أرض الرُّوم، فأتِهِ، فإنك ستجده على مثل ما كنا عليه. فلما وَارَيْتُهُ، خرجت حتى قدمت على صاحب عَمُّوريَّة، فوجدته على مثل حالهم، فأقمت عنده، واكتسبت حتى كان لي غنَيمةٌ وبقرات. ثم حضرته الوفاة. فقلت: يا فلان، إن فلانًا كان أوصاني إلى فلان، وفلانٌ إلى فلان، وفلان إليك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى، فإلي من توصيني؟ قال: أي بني، والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه. ولكنَّه قد أظلك زمان نَبي يبعث من الحرم، مُهاجَرُهُ بين حَرَّتيْن، إلى أرض سِبِخةٍ ذات نخيل، وإنَّ فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوَّة، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة. فإن استطعت أن تَخْلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه. فلما واريناه، أقمت حتى مَرَّ رجالٌ من تجار العرب من كَلبٍ، فقلت لهم: تحملوني معكم حتى تقدموا بي أرض العرب، وأعطيكم غنيمتي هذه وبقراتي؟ قالوا: نعم. فأعطيتهم إياها، وحملوني حتى إذا جاءُوا بي وادي القرى ظلموني فباعوني عَبدًا من رجل من يهود، بوادي القُرى. فوالله لقد رأيت النخل، وطمعت أن تكون البلد الذي نَعَتَ لي صاحبي وما حقت عندي، حتى قدم رجل من بني قُريظة، من يهود وادي القرى، فابتاعني من صاحبي الذي كنت عنده، فخرج بي حتى قدم المدينة. فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفت نعمته، فأقمت في رِق مع صاحبي. وبعث الله رسوله ﷺ ، بمكة لا يذكر لي شيئًا من أمره مع ما أنا فيه من الرِّق حتى قدم رسول الله ﷺ قُباء، وأنا أعمل لصاحبي في نخلة له. فوالله إني لفيها إذ جاءَ ابن عم له، فقال: يا فلان قاتل الله بني قَيْلة، ووالله إنهم الآن لفي قُباءَ مجتمعون على رجل من مكة، يزعمون أنه نبي، فوالله ما هو إلا أن سمعتها، فأخذتني "العُرَوَاءُ" -يقول "الرِّعدة"- حتى ظننت لأسقطن على صاحبي. ونزلت أقول: ما هذا الخبر؟ ما هو؟ فرفع مولاي يده، فلكمني

стр. 32

لكمة شديدة، وقال: ما لك ولهذا؟ أقبل قِبَلَ عملك. فقلت: لا شيء، إنما سمعت خبرًا فأحببت أن أعلمه. فلمَّا أمسيت، وكان عندي شيءٌ من طعام، فحملته وذهبت به إلى رسول الله ﷺ ، وهو بِقُباء، فقلت: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، وأن معك أصحابًا لك غرباء، وقد كان عندي شيء للصدقة، فرأيتكم أحقَّ مَنْ بهذه البلاد (به) فها هو ذا فكل منه. فأمسك رسول الله، ﷺ بيده، وقال: لأصحابه: كُلوا، ولم يأكل. فقلت في نفسي هذه خلة مما وصَفَ لي صاحبي. ثم رجعت، وتحوَّل رسولُ الله ﷺ ، إلى المدينة فجمعت شيئًا كان عندي ثم جئته به، فقلت: إن قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية وكرامة ليست بالصدقة. فأكل رسول الله - صلى الله عليه وسول-، وأكل أصحابه. فقلت: هذه خلتان. ثم جئت رسول الله ﷺ وهو يتبع جنازة وعلي شملتان لي وهو فى أصحابه، فاستدرت به لأنظر إلى الخاتم في ظهره، فلما رآني رسول الله ﷺ ، اسْتَدْبَرْتُه عَرَفَ أني أسْتَتْبِتُ شيئًا قد وُصف لي، فوضع رداءَه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه كما وصف لي صاحبي فأكْبَبْتُ عليه أقبله وأبكي. فقال: تحوَّل يا سلمان هكذا. فتحولت فجلست بين يديه. وأحب أن يُسْمِع أصحَابه حديثي عنه. فحدَّثته يا ابن عباس كما حدَّثتك. فلما فرغت قال رسول الله ﷺ : كاتب يا سلمان. فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها، وأربعين أوقية. وأعانني أصحاب رسول الله ﷺ ، بالنخل: ثلاثين وَدِيَّة (١). وعشرين وَديَّة، وَعَشْرٍ، كل رجل منهم على قدر ما عنده. فقال لي رسول الله ﷺ : فقِّرْ لها (٢) فإذا فرغت فآذني حتى أكون الذي أضعها بيدي. ففقرتها وأعانني أصحابي -يقول حَفَرْتُ لها حيث توضع- حتى فرغنا منها. ثم جئت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، قد فرغنا منها فخرج معي حتى جاءَها، وكنا نحمل إليه الوَديَّ، ويضعه بيده، ويُسَوَّي عليها. فوالذي بعثه بالحق ما ماتت منها وَدِيَّة واحدةٌ. وبقيت عليَّ الدراهم. فأتاه رجل من بعض المعادن بمثل البَيْضة من الذهب، فقال رسول الله ﷺ : أين الفارس المسلم المكَاتب؟ فَدعِيتُ له، فقال: خذ هذه يا سلمان، فأدها مما عليك. فقلت: يا

стр. 33

رسول الله، وأين تقع هذه مما علي؟ قال: فإن الله تعالى سيؤدي بها عنك. فوالذي نفس سلمان بيده لوَزَنْتُ لهم منها أربعين أوقيَّة، فأدَّيتها إليهم وعتق سلمان. وكان الرِّق قد حبسني حتى فاتني مع رسول الله ﷺ ، بدْرٌ وأحُدٌ، ثم عتقت فشهدت الخندَق، ثم لم يفتني معه مشهد (١)

стр. 34

الفصل الرابع قصة حفر زمزم ١٦ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه- قال: "قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال لي: احفر طيبة. قلت: وما طيبة؟ قال: ثم ذهب عني. قال: فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برَّة، قال: قلت وما برَّة؟ قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني. فقال: احفر المضنونة. قال: قلت: وما المضنونة؟ قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه. فجاءني فقال: احفر زمزم. قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبدًا، ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل. قال: فلما بين شأنها، ودلَّ على موضعها، وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، وليس معه يومئذ ولد غيره، فحفر فيها، فلما بدا لعبد المطلب الطيُّ كبَّرَ، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل، وإنَّ لنا فيها حقًّا، فأشركنا معك فيها. قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم، وأعطيته من بينكم. قالوا له: فأنصفنا، فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه. قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم، قال: نعم، وكانت بأشراف الشام. فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أمية، وركب من كل قبيلة من قريش نفر، فخرجوا والأرض إذ ذاك مفاوز، حتى إذا كانوا ببعضها نفد ماء عبد المطلب وأصحابه، فعطشوا حتى استيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من كانوا معهم فأبوا عليهم،

стр. 35

وقالوا: إنا بمفازة وإنا نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم. فقال عبد المطلب: إني أرى أن يحفر كلُّ رجل منكم حفرته لنفسه بما لكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه، حتى يكون آخرهم رجلًا واحدًا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعه. فقالوا: نعم ما أمرت به. فحفر كل رجل لنفسه حفرة، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشًا. ثمَّ إنَّ عبد المطلب قال لأصحابه: والله إنَّ إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا ضرب في الأرض، ولا نبتغي لأنفسنا لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماءً ببعض البلاد، ارتحلوا. فارتحلوا حتى إذا بعث عبد المطلب راحلته انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب، فكبَّر عبد المطلب، وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه، واستسقوا حتى ملأوا أسقيتهم، ثم دعا قبائل قريش -وهم ينظرون إليهم في جميع هذه الأحوال- فقال: هَلمُّوا إلى الماء فقد سقانا الله، فجاءوا فشربوا، واستقوا كلهم، ثم قالوا: قد والله قضى لك علينا، والله ما نخاصمك في زمزم أبدًا، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدًا. فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخَلَّوا بينه وبين زمزم". قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغني عن علي بن أبي طالب في زمزم (١).

стр. 36

الفصل الخامس أخبار الرسول ﷺ قبل البعثة المبحث الأول: مولده ﷺ ولد في ربيع الأول يوم الإثنين بلا خلاف، والأكثرون على أنه ليلة الثاني عشر منه (١). وقال خليفة بن خياط: والمجمع عليه أنه ﵇ ولد عام الفيل (٢). ١٧ - من حديث قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف ﵁ قال: "ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل، فنحن لِدَّان، ولدنا مولدًا واحدًا" (٣). ١٨ - ومن حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁ عن صوم يوم الاثنين قال رسول الله ﷺ : (ذاك يوم ولدت فيه، ولوم بعثت أو أنزل عليَّ فيه) (٤). ١٩ - ومن حديث ابن عباس ﵁ قال: "ولد النبي ﷺ يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، ورفع الحَجَرَ الأسود يوم الاثنين" (٥) ٢٠ - ومن حديث ابن عباس وجابر ﵃ أنهما قالا: "ولد رسول

стр. 37

الله ﷺ عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات". هذا هو المشهور عند الجمهور. والله أعلم (١). ٢١ - ومن حديث ابن عباس ﵄ قال: "ولد رسول الله ﷺ عام الفيل" (٢). المبحث الثاني: مرضعاته ﵊ ثويبة مولاة أبي لهب مولاة بني هاشم ٢٢ - من حديث زينب ابنة أبي سلمة أنَّ أمَّ حبيبة ﵂ أخبرتها أنها قالت: "يا رسول الله، انكح أختي بنت أبي سفيان، فقأل: أو تحبين ذلك؟ فقالت: نعم، لست لك بِمُخْلِيةً، وأحَبُّ من شاركني في خير أختي". فقال النبي ﷺ : (إنَّ ذلك لا يحلُّ لي. قلت: فإنا نُحَدَّثُ أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: بنت أم سلمة؟ قلت: نعم. فقال: لو أنَّها لم تكن ربيبتي في حجري ما حَلَّت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تَعْرضَنَّ عليَّ بناتكن، ولا أخواتكن) (٣).

стр. 38

حليمة السعدية ٢٣ - من حديث عبد الله بن جعفر ﵄: قال: "لما وُلد رسول الله ﷺ قدمت حليمة بنت الحارث، في نسوة من بني سعد بن بكر يلتمسون الرضعاء بمكة. قالت حليمة: فخرجت في أوائل النسوة على أتان لي، قمراء، ومعي زوجي الحارث بن عبد العزى، أحد بني سعد بن بكر، ثم أحد بني ناضرة، قد أدمت أتاننا، ومعي بالركب شارف والله ما تبض بقطرة لبن، في سنة شهباء. قد جاع الناس حتى خلص إليهم الجهد، ومعي ابن لي، والله ما ينام ليلنا، وما أجد في يدي شيئًا أعلله به، إلا أنا نرجوا الغيث، وكانت لنا غنم، فنحن نرجوها. فلما قدمنا مكة فما بقي منا أحد إلا عرض عليها رسول الله ﷺ فَكَرهَتْهُ، فقلنا: إنه يتيم، وإنما يكرم الظئر، ويحسن إليها الوالد، فقلنا: ما عسى أن تصنع بنا أمه أو عمه أو جده، فكلُّ صواحبي أخذ رضيعًا، فلما لم أجد غيره، رجعت إليه، وأخذته، والله ما أخذته إلا إني لم أجد غيره، فقلت لصاحبي: والله لآخذنَّ هذا اليتيم من بني عبد المطلب، فعسى الله أن ينفعنا به، ولا أرجع من بين صواحبي ولا آخذ شيئًا، فقال: قد أصبت. قالت: فأخذته، فأتيت به الرَّحْلَ، فوالله ما هو إلا أن أتيت به الرَّحْلَ، فأمسيت أقبل ثدياي باللبن، حتى أرويته، وأرويت أخاه، وقام أبوه إلى شارفنا تلك يلمسها، فإذا هي حافل، فحلبها، فأرواني وروي، فقال: يا حليمة، تعلمين والله لقد أصبنا نسمة مباركة، ولقد أعطى الله عليها ما لم نتمنَّ، قالت: فبتنا بخير ليلة، شباعًا، وكنا لا ننام ليلنا مع صبينا. ثم اغتدينا راجعين إلى بلادنا أنا وصواحبي، فركبت أتاني القمراء، فحملته معي، فوالذي نفس حليمة بيده لقطعَتْ الركب حتى أن النسوة ليقلن: أمسكي علينا، أهذه أتانك التي خرجت عليها؟ فقلت: نعم، فقالوا: إنها كانت أدمت حين أقبلنا فما شأنها؟ قالت، فقلت: والله حملت عليها غلامًا مباركًا. قالت: فخرجنا، فما زال يزيدنا الله في كل يوم خيرًا، حتى قدمنا والبلاد سِنَةٌ، ولقد كان رعاتنا يسرحون ثم يريحون، فتروح أغنام بني سعد جياعًا، وتروح غنمي شباعًا، بِطانًا، حفلًا، فنحتلب، ونشرب، فيقولون: ما شأن

стр. 39

غنم الحارث بن عبد العزى، وغنم حليمة تروح شباعًا حفلًا، وتروح غنمكم جياعًا؟ ويلكم اسرحوا حيث تسرح غنم رعاؤهم، فيسرحون معهم، فما تروح إلا جياعًا، كما كانت، وترجع غنمي كما كانت. قالت: وكان يُنسب شبابًا ما يشبه أحد من الغلمان، يشب في اليوم شباب الغلام في الشهر، ويشب في الشهر شباب السنة، فلما استكمل سنتين أقدمناه مكة، أنا وأبوه، فقلنا: والله لا نفارقه أبدًا ونحن نستطيع، فلما أتينا أمه، قلنا: أي ظئر! والله ما رأينا صبيًّا قط أعظم بركة منه، وإنا نتخوف عليه وباء مكة وأسقامها، فدعيه نرجع به حتى تبرئي من دائك، فلم نزل بها حتى أذنت، فرجعنا به، فأقمنا أشهرًا ثلاثة أو أربعة. فبينما هو يلعب خلف البيوت هو وأخوه في بُهْم له، إذ أتى أخوه يشتدُّ، وأنا وأبوه في البدن، فقال: إن أخي القرشي، أتاه رجلان عليهما ثياب بيض، فأخذاه واضطجعاه، فشقَّا بطنه، فخرجت أنا وأبوه يشتدُّ، فوجدناه قائمًا، قد انتقع لونه، فلما رآنا أجهش إلينا، وبكى، قالت: فالتزمته أنا وأبوه، فضممناه إلينا، فقلنا: ما لك بأبي أنت؟ فقال: أتاني رجلان وأضجعاني، فشقا بطني، وصنعا به شيئًا، ثم رداه كما هو، فقال أبوه: والله ما أرى ابني إلا وقد أصيب، إلحقي بأهله، فرديه إليهم قبل أن يظهر له ما نتخوف منه. قالت: فاحتملناه، فقدمنا به على أمه، فلما رأتنا أنكرتْ شأننا، وقالت: ما رجعكما به قبل أن أسألكماه، وقد كنتما حريصين على حبسه؟ فقلنا: لا شيء إلا أن قد قض الله الرضاعة وسرّنا ما نرى، وقلنا: نؤويه كما تحبون أحبَّ إلينا، قال: فقالت: إن لكما شأنًا فأخبراني ما هو، فلم تدعنا حتى أخبرناها، فقالت: كلا والله، لا يصنع الله ذلك به، إن لابني شأنًا، أفلا أخبركما خبره، إني حملت به، فوالله ما حملت حملًا قط، كان أخف علي منه، ولا أيسر منه، ثم أريت حين حملته خرج مني نور أضاء منه أعناق الإبل ببصري -أو قالت: قصور بصرى- ثم وضعته حين وضعته، فوالله ما وقع كما يقع الصبيان، لقد وقع معتمدًا بيديه على الأرض رافعًا رأسه إلى السماء فدعاه عنكما فقبضه وانطلقنا" (١).

стр. 40

المبحث الثالث: شق صدره وذر السكينة على قلبه سبق ذكرها في الحديث السابق ٢٤ - من حديث عتبة بن عبد السلمي ﵁: "أنَّ رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: (كانت حاضتني من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بُهْم لنا، ولم نأخذ معنا زادًا. فقلت: يا أخي، اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا. فانطلق أخي، ومكثت عند البهم، فأقبل طيْرَان أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأقبلا يبتدراني، فأخذاني، فبطحاني إلى القفا، فشقَّا بطني، ثم استخرجا قلبي، فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: -قال: يزيد في حديثه- أفتني بماء ثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: أئتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: أئتني بالسكينه، فَذَرَّاها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خِطه، فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة. فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كِفَّةٍ، واجعل ألفًا من أمته في كفة، فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي، أشفق أن يخرَّ عليَّ بعضهم، فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم، ثم انطلقا وتركاني. وفَرقَتُ فرقًا شديدًا، ثم انطلقت إلى أمي، فأخبرتها بالذي لقيته، فأشفقت عليَّ أن يكون ألبس بي قالت: أعيذك بالله، فرحَّلت بعيرًا لها، فجعلتني أو فحملتني على الرحل، وركبت خلفي حتى بلغنا إلى أمي فقالت: أديت أمانتي وذمتي، وحدثتها بالذي لقيت، فلم يرعها ذلك، فقالت لي: رأيت خرج مني نور، أضاءت منه قصور الشام) (١).
следующие страницы →