← Сира

Сира · id 13606

صحيح السيرة النبوية - إبراهيم العلي

إبراهيم العلي

Полный текст (585 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الفقهاء وبنوا عليها أحكامهم. كما أن بعضها ورد في مسند الإِمام أحمد، وسنن أبي داود، وابن ماجه والترمذي، وهذه النصوص جاءت من طرق مستقلة عن الطرق التي وردت منها الوثيقة. وإذا كانت الوثيقة بمجموعها لا تصلح للاحتجاج بها في الأحكام الشرعية، سوى ما ورد منها من كتب الحديث الصحيح، فإنها تصلح أساسًا للدراسة التاريخية التي لا تتطلب درجة الصحة التي تقتضيها الأحكام الشرعية، خاصة وأن الوثيقة وردت من طرق عديدة تتضافر في إكسابها القوة، كما وأن الزهريّ علم كبير من الرواد الأوائل في كتابة السيرة النبوية، ثم إن أهم كتب السيرة والمصادر التاريخية ذكرت موادعة النبي ﷺ لليهود، وكتابته بينه وبينهم كتابًا، كما ذكرت كتابته كتابًا بين المهاجرين والأنصار. وقد جاء عند ابن كثير في البداية والنهاية: ٤/ ١٠٣ - ١٠٤ نقلًا عن موسى ابن عقبة: (وفيه أن بني قريظة مزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد". والأثر موقوف عليه بدون إسناد، ولكن مجموع الآثار يتقوى بعضها ببعض وتصل إلى درجة الحسن لغيره. كذلك فإن أسلوب الوثيقة ينم عن أصالتها، فنصوصها مكونة من جمل قصيرة بسيطة وغير معتدة التركيب، ويكثر فيها التكرار، وتستعمل كلمات وتعابير كانت مألوفة في عصر الرسول ﵇، ثم قل استعمالها فيما بعد حتى أصبحت مغلقة على غير المتعمقين في دراسة تلك الفترة، وليس في هذه الوثيقة نصوص تمدح، أو تقدح فردًا، أو جماعة، أو تخص بالإطراء، أو الذم، لذلك يمكن القول بأنها وثيقة أصلية وغير مزورة، ثم إن التشابه الكبير بين أسلوب الوثيقة، وأساليب كتب النبي ﷺ الأخرى يعطيها توثيقًا آخر" (١). ميثاق التحالف الإِسلامي: وكما سبق ذكره تبين لنا أن رسول الله ﷺ قد عقد حلفًا بين المهاجرين والأنصار، وسأذكر بنود هذا الحلف من خلال الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الحلف:

стр. 142

١٩٤ - من حديث علي ﵁ من روايات متعددة عنه من طرق عن عدد من التابعين وكل واحد منهم روى بعضها وكل ما ذكروه وارد فيها "الوثيقة أو الحلف". من طريق إبراهيم التيمي، عن أبيه يزيد التيمي عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: (المدينة حرام ما بين عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل) وقال: (وذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن تولى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل" (١). ١٩٥ - ومن طريق أبي جحيفة عن علي قال: فيها (الصحيفة) العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر) (٢). ١٩٦ - ومن طريق أبي حسان الأعرج "بعد أن ذكر الحديث زاد (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد بعهده) وزاد أحمد: (إن إبراهيم حرم مكة؛ وإني أحرم ما بين حرتيها وحماها كله، لا يختلي خلاها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها, ولا يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره، ولا يحمل فيها السلاح لقتال) (٣). ١٩٧ - ومن طريق أبي الطفيل (لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثا) (٤).

стр. 143

١٩٨ - ومن طريق لإبراهيم التيمي قال: (فيها الجراحات وأسنان الإبل) (١). يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: والجمع بين هذه الأخبار أن الصحيفة المذكورة كانت مشتملة على مجموع ما ذكره، فنقل كل راو بعضها، وأتمها سياقًا طريق أبي حسان كما ترى والله أعلم (٢). ومن الواضح أن هذه المقتطفات معظمها يطابق -نصًّا- ما ورد في الوثيقة: كما أنها تغطي معظم بنود الوثيقة المتعلقة بالتزامات المسلمين من المهاجرين والأنصار بعضهم تجاه بعض، ولكن ليس فيها إشارة إلى البنود المتعلقة بموادعة اليهود، مما يرجح أن الوثيقة في الأصل وثيقتان، وأن الصحيفة التي كانت معلقة بسيف رسول الله ﷺ ثم صارت عند علي ﵁ هي نفس الكتاب بين المهاجرين والأنصار (٣). وهكذا يتبين أن الرسول ﵇ قد حالف بين الأنصار والمهاجرين في وثيقة خاصة بهم، ووادع اليهود في وثيقة أخرى، الأولى بعد بدر حدد فيها التزاماتهم بعضهم تجاه بعض، والثانية قبل بدر أول قدوم النبي المدينة، لكن المؤرخين جمعوا بين الوثيقتين" (٤). وسأنقل نص الوثيقة كاملة وقد سبق التكلم عن صحتها وقوتها: جـ - نص الوثيقة: ١ - هذا كتاب من محمَّد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تابعهم فلحق بهم وجاهد معهم. ٢ - إنهم أمة واحدة من دون الناس. ٣ - المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

стр. 144

٤ - وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ٥ - وبنو الحارث "بن الخزرج" على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف. ٦ - وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ٧ - وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ٨ - وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ٩ - وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ١٠ - بنو النّبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ١١ - وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ١٢ - وإن المؤمنين لا يتركون مفرحًا (١) بينهم أن يعطوه بالمعروف من فداء أو عقل. (١٢ ب) وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه. ١٣ - وأن المؤمنين المتقين (أيديهم) على كل من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم (٢)، أو إثما، أو عدوانا أو فسادًا بين المؤمنين، وإن أيديهم عليهم جميعًا، ولو كان ولد أحدهم. ١٤ - ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن. ١٥ - وإن ذمة الله واحدة يجير أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس. ١٦ - وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر

стр. 145

عليهم. ١٧ - وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم. ١٨ - وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضًا. ١٩ - وإن المؤمنين يبيء (١) بعضهم عن بعض بما نال دماءهم في سبيل الله. ٢٠ - وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه. ٢٠ ب - وأنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا ولا يحول دونه على مؤمن. ٢١ - لأنه من اعتبط (٢) مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قود به، إلا أن يرضى ولي المقتول (بالعقل)، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه. ٢٢ - وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا أو يؤويه، وأن من نصره فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. ٢٣ - وإنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمَّد. ٢٤ - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. ٢٥ - وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمن دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم نفسه وأثم لا يوتغ (٣) إلا نفسه وأهل بيته. ٢٦ - وإن يهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف. ٢٧ - وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف. ٢٨ - وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف. ٢٩ - وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف. ٣٠ - وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف. ٣١ - وإن ليهود بني ثعلبة ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته. ٣٢ - وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.

стр. 146

٣٣ - وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف وأن البر دون الإثم. ٣٤ - وإن موالي ثعلبة كأنفسهم. ٣٥ - وإن بطانة يهود كأنفسهم. ٣٦ - وإنّه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمَّد. ٣٦ ب - وإنه لا ينحجز على ثار جرح؛ لأنه من فتك فبنفسه وأهل بيته إلا من ظلم وأن الله على أبر هذا. ٣٧ - وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والبر دون الإثم. ٣٧ ب - وإنه لا يأثم أمر بحليفه وإن النصر للمظلوم. ٣٨ - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. ٣٩ - وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. ٤٠ - وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم. ٤١ - وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها. ٤٢ - وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمَّد رسول الله ﷺ ، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره. ٤٣ - وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها. ٤٤ - وإن بينهم النصر على من دهم يثرب. ٤٥ - وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين. ٤٥ ب - على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم. ٤٦ - وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره. ٤٧ - وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم, وإن الله جار عن بر وتقي، ومحمد

стр. 147

رسول الله (١). ولقد حلل الأستاذ أكرم ضياء العمري حفظه الله هذه الوثيقة تحليلًا طيبًا، وكتب حولها بحثًا قيمًا في كتابه المجتمع المدني نقلت جزءًا كبيرًا منه لنفاسته وجودته، والله الموفق. المبحث الحادي عشر: عبد الله بن الزبير "أول مولود بعد الهجرة" ١٩٩ - من حديث أسماء ﵂ أنها حملت بعبد الله بن الزبير، قالت: فخرجت وأنا متم، فأتيت المدينة، فنزلت بقباء فولدته بقباء، ثم أتيت به النبي ﷺ فوضعته في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ ، ثم حنكه بتمرة، ثم دعا له وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإِسلام" (٢). دخوله ﷺ بعائشة ﵂ ٢٠٠ - من حديث عائشة ﵂: "تزوجني النبي وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فوعكت فتمزق شعري، فوفي جميمة، فأتتني أمي أم رومان -وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي، فصرخت بي فأتيتها, لا أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئًا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن، فأصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله ﷺ ضحى، فأسلمتني إليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين" (٣). ٢٠١ - وقد دخل النبي في شوال كما جاء ذلك عنها (٤).

стр. 148

المبحث الثاني عشر: قصة الأذان ومشروعيته ٢٠٢ - من حديث عبد الله بن زيد قال: "لما أمر رسول الله وسلم بالناقوس ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا: فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ فقلت: بلى فقال: تقول الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. قال: ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: وتقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: (إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك). وزاد أحمد في رواية "فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه، ويؤذن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله ﷺ : (فلله الحمد) (١).

стр. 149

المبحث الثالث عشر: عبد الله بن أبي وإيذاؤه للنبي ﷺ ٢٠٣ - من حديث أسامة بن زيد قال: "إن النبي ﷺ ركب حمارًا، عليه إكاف تحته قطيفة فدكيه، وأردف وراءه أسامة، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج. وذاك قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود، فيهم عبد الله بن أبي، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمَّر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا. فسلم عليهم النبي ﷺ ثم وقف فنزل، فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن. فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء! لا أحسن من هذا، إن كان ما تقول حقًّا، فلا تؤذنا في مجالسنا، وارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة: اغشنا في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، قال: فاستب المسلمون والمشركون واليهود، حتى هموا أن يتواثبوا. فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم، ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال: (أي سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟) -ويريد عبد الله بن أبي- (قال كذا وكذا) قال: اعف عنه يا رسول الله واصفح. فوالله! لقد أعطاك الله الذي أعطاك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه، فيعصبوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه، شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه النبي ﷺ " (١).

стр. 150

المحبث الرابع عشر: الإذن بالقتال ٢٠٤ - قال الزهري أول آية نزلت في القتال كما أخبرني عروة عن عائشة ﵂ ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ (١). ٢٠٥ - ومن حديث ابن عباس ﵄ قال: "لما خرج رسول الله ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن، فأنزل الله ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ (٢) وهي أول آية نزلت في القتال" (٣). المبحث الخامس عشر: غزوة الأبواء قال البخاري ﵀: "قال ابن إسحاق أول ما غزا رسول الله ﷺ الأبواء ثم بواط ثم العشيرة" (٤). الأبواء: قرية من أعمال الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة ثلاثة وعشرون ميلًا (٥). أو ودان: قرية جامعة من أمهات القرى من عمل الفرع (٦). والأبواء وودان: مكانان متقاربان ليس بينهما إلا ستة أميال أو ثمانية أميال. وكان خروجه ﵇ إلى الأبواء في صفر على رأس اثني عشر شهرًا من مهاجره (٧). وقبل هذ الغزوة كان رسول الله ﷺ قد أرسل بعض السرايا وهي:

стр. 151

١ - سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر من جهينه، فلقوا أبا جهل بن هشام فحجز بينهم مخشي بن عمرو الجهني وكان حليفًا للفريقين (١). ٢ - سرية عبيدة بن الحارث حتى بلغ ثنية المرة، فوجد هناك جمعًا للمشركين، ولم يكن بينهم قتال إلا أن سعد بن أبي وقاص قد رمى يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمي في الإسلام، وفي هذه السرية فر من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو، وعتبة بن غزوان وكانا قد حبسا من قبل المشركين (٢). واختلف أهل السير: أي البعثين كان أول: أبعث حمزة، أو بعث عبيدة. فقال ابن إسحاق أول راية عقدها رسول الله ﷺ وأول سرية بعثها عبيدة بن الحارث (٣)، قال ابن إسحاق: وبعض الناس يزعمون أن راية حمزة أول راية عقدها رسول الله ﷺ (٤). وقال المدائني " أول سرية بعثها رسول الله ﷺ : حمزة بن عبد المطلب في ربيع الأول من سنة اثنتين إلى سيف البحر من أرض جهينة" (٥). ويقول ابن إسحاق: "ويقول بعض الناس: كانت راية حمزة أول راية عقدها ﷺ لأحد من المسلمين، وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معًا، فشبه ذلك على الناس" (٦).

стр. 152

المبحث السادس عشر: غزوة بواط ٢٠٧ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "سرنا مع رسول ﷺ في غزوة بطن بواط، وهو يطلب المجدي بن عمرو الجهني، وكان الناضح يعقبه منا الخمسة والستة والسبعة، فدار عقبة رجل من الأنصار على ناضح له، فأناخه فركبه ثم بعثه فتلدن عليه بعض التلدن، فقال له: شأ لعنك الله. فقال رسول الله ﷺ : (من هذا اللاعن بعيره) فقال: أنا يا رسول الله. قال: (أنزل عنه، فلا تصحبنا بملعون، لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم) (١). وهي على رأس ثلاثة عشر شهرًا من مهاجره. المبحث السابع عشر: غزوة العشيرة ٢٠٨ - عن أبي إسحاق قال: "كنت إلى جنب زيد بن أرقم، فقيل له: كم غزا النبي ﷺ من غزوة؟ قال: تسع عشرة، قال: كم غزوت أنت معه؟ قال سبع عشرة. قلت فأيهم كان أول؟ قال: العشير أو العشيرة، فذكرت ذلك لقتادة فقال العشيرة" (٢). وعند الإمام أحمد لفظ آخر" عن أبي إسحاق قال: سألت زيد بن أرقم ﵁ كم غزا النبي ﷺ قال: تسع عشرة غزوة وغزوت معه سبع عشرة وسبقني بغزوتين" (٣). قال الحافظ في الفتح: ٧/ ٢٨٠ - ٢٨١: كذا قال، ومراده الغزوات التي خرج النبي ﷺ فيها بنسفه سواء قاتل أو لم يقاتل، لكن روى أبو يعلى من طريق أبي

стр. 153

الزبير عن جابر أن عدد الغزوات إحدى وعشرون، وأصله في مسلم: ١٨١٣، فعلى هذا ففات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها ولعلهما الأبواء وبواط، وكأن ذلك خقي عليه لصغره، ويؤيد ما قلته ما وقع عند مسلم بلفظ "قلت ما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العشير أو العشيرة" والعشيرة كما تقدم هي الثالثة. وأما قول ابن التين: يحمل قول زيد بن أرقم على أن العشيرة أول ما غزا هو أي زيد بن أرقم، والتقدير: فقلت: ما أول غزوة غزاها أي وأنت معه؟ قال: العشير فهو محتمل أيضًا، ويكون قد خفي عليه ثنتان مما بعد ذلك، أو عد الغزوتين واحدة، فقد قال موسى بن عقبة: قاتل رسول الله ﷺ بنفسه في ثمان: بدر، ثم أحد ثم الأحزاب، ثم المصطلق، ثم خيبر، ثم مكة، ثم حنين، ثم الطائف وأهمل غزوة قريظة لأنه ضمها إلى الأحزاب، فكونها كانت في إثرها وأفردها غيره لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره عن الطائف وحنين واحدة لتقاربهما، فيجتمع على هذا أقوال زيد بن أرقم وقول جابر. المبحث الثامن عشر: سرية عبد الله بن جحش ٢٠٩ - عن جندب بن عبد الله ﵁: "عن النبي ﷺ أنه بعث رهطًا وبعث عليهم أبا عبيدة فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله ﷺ ، فجلس، فبعث عليهم عبد الله بن جحش مكانه، وكتب له كتابًا وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: (لا تكرهن أحدًا من أصحابك على المسير معك). فلما، قرأ الكتاب، استرجع وقال: سمعًا وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان، ومضى بقيتهم فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله ﴿يسألونك عن الشهر الحرام﴾ الآية، فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزرًا فليس لهم أجر فأنزل الله ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم﴾ (١).

стр. 154

المبحث التاسع عشر: حادثة تحويل القبلة ٢١٠ - من حديث البراء بن عازب ﵄: "أن النبي ﷺ كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده -أو قال أخواله- من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل مكة، فداروا -كما هم- قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك". قال زهير، حدثنا إسحاق عن البراء في حديثه هذا: أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ (١). ٢١١ - ومن حديث ابن عباس ﵄ قال: "لما وجه النبي ﷺ إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس فأنزل الله ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ الآية" (٢). ٢١٢ - ومن حديث أنس قال: أن رسول الله ﷺ كان يصلي نحو بيت المقدس، فنزلت: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول

стр. 155

وجهك شطر المسجد الحرام﴾ (١) فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة: فنادى ألا إن القبلة قد حولت. فمالوا كما هم نحو القبلة" (٢). ٢١٣ - ومن حديث ابن عمر ﵄ قال: "بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة" (٣).

стр. 156

الفصل الثاني غزوة بدر الكبرى المبحث الأول: تاريخ الغزوة وأسبابها ٢١٤ - حديث ابن مسعود ﵁ قال: "التمسوها (يعني ليلة القدر) في سبع عشرة، وتلا هذه الآية (يوم التقى الجمعان) يوم بدر، قال: أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين" (١). ٢١٥ - ومن حديث ابن مسعود أيضًا: قال في ليلة القدر (تحروها لإحدى عشرة يبقين صبيحتها يوم بدر). قال ابن حجر العسقلاني ﵀: "أما غزوة بدر فمتفق عليه بين أهل السير: ابن إسحاق وموسى بن عقبة وأبو الأسود وغيرهم، واتفقوا على أنها كانت في رمضان، قال ابن عساكر: والمحفوظ أنها كانت في يوم الجمعة، وروي أنها كانت في يوم الاثنين وهو شاذ، ثم الجمهور على أنها كانت سابع عشرة، وقيل ثاني عشرة، وجمع بينهما بأن الثاني ابتداء الخروج والسابع عشر يوم الوقعة" (٢). قلت: وخلاصة الأمر كما جاء في قول ابن حجر أن الخروج كان في الثاني عشر، والسابع عشر يوم الوقفة، والتاسع عشر كما في قول ابن مسعود الثاني هو انتهاء الغزوة وخاصة أن الرسول ﵇ كان يقيم في عرصة أي قوم يغزوهم ثلاثًا، وكذا فعل في بدر كما سيأتي بيانه".

стр. 157

المبحث الثاني: مرحلة ما قبل المعركة ١ - إرسال العيون للتجسس على قوافل قريش ٢١٦ - من حديث أنس: قال: "بعث رسول الله ﷺ بسبسة عينًا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله (قال: لا أدري ما استثنى بعض نسائه) قال: فحدثه الحديث قال: فخرج رسول الله ﷺ فتكلم فقال: (إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا) فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في علو المدينة فقال: (لا إلا من كان ظهره حاضرًا) (١). ٢ - المشاورة الأولى من الرسول لأصحابه في المدينة ٢١٧ - من حديث أنس ﵁ قال: "أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة، فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول الله الناس فانطلقوا ..) الحديث (٢). ٣ - دعوة الرسول ﵇ الناس للخروج ٢١٨ - من حديث ابن عباس ﵁ قال: "لما سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلًا من الشام: ندب المسلمين إليهم وقال: (هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها، فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربًا. وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان خوفًا على أمر الناس، حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان: أن محمدًا استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك. فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري

стр. 158

فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشًا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة (١). ٤ - قلة المراكب من الجمال والخيول ٢١٩ - من حديث ابن مسعود ﵁ قال: "كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله ﷺ قال: وقال: وكانت عقبة رسول الله ﷺ قال: فقالا: نحن نمشي عنك. فقال: (ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما) (٢). ٢٢٠ - ومن حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "قال: لقد أتينا ليلة بدر وما فينا إلا نائم إلا النبي ﷺ فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو، وما كان فينا فارس إلا المقداد" (٣). ٥ - عدد المسلمين في غزوة بدر ٢٢١ - من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: "كنا أصحاب محمد ﷺ نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة" (٤). ٢٢٢ - ومن حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "كان عدة أهل بدر عدة أصحاب طالوت يوم جالوت ثلثمائة وسبعة عشر" (٥). ٢٢٣ - ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "خرج

стр. 159

رسول الله ﷺ يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر رجلًا من أصحابه .. فذكر الحديث" (١). وهذه الرواية لا تنافي التي قبلها لاحتمال أن تكون هذه الرواية لم يعد فيها النبي ﷺ ولا الرجل الذي لحق بهم. ٦ - عدم السماح لمن لم يبلغ بالخروج ٢٢٤ - من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: "استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر، وكان المهاجرون يوم بدر نيفًا على ستين، والأنصار نيفًا وأربعين ومائتين" (٢). ٢٢٥ - ومن حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: "أن النبي ﷺ نظر إلى عمير بن أبي وقاص، فاستصغره حين خرج إلى بدر، ثم أجازه قال سعد: فيقال: أنه خانه سيفه قال عبد الله بن جعفر قتل يوم بدر" (٣). ٧ - رفضه الاستعانة بالمشركين ٢٢٦ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "خرج رسول الله ﷺ قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ : جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له رسول الله ﷺ : (تؤمن بالله ورسوله؟). قال: لا: قال: (فارجع فلن أستعين بمشرك). قالت: ثم مضى، حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل. فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة: قال: (فارجع فلن أستعين بمشرك) قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء. فقال له كما قال أول مرة: (تؤمن بالله ورسوله)

стр. 160

قال: نعم. فقال له رسول الله ﷺ : (فانطلق) (١). ٨ - رؤيا عاتكة وإنذار ضمضم لقريش سبق وأن ذكرت في حديث ابن عباس رقم: ٢١٨، أن أبا سفيان كان يتحسس الأخبار عن النبي ﷺ وأصحابه، وأنه كان يخاف أن يقوم النبي ﷺ وأصحابه بقطع الطريق على قافلته، وسلب ما معه من أموال قريش. فلما سمع من بعض الركبان بخروج رسول الله وأصحابه لاعتراض القافلة، استأجر رجلًا من بني غفار واسمه ضمضم بن عمرو الغفاري لينذر قريشًا من أجل أن تخرج لحماية قافلتها، وقبل أن يصل النذير مكة رأت عاتكة بنت عبد المطلب رؤيا أولت بأن مصابًا سيحل في مكة، سيؤدي إلى قتل عدد من زعماء قريش، مما أثار حفيظة بعض زعماء الشرك، ولنترك المجال لراوي الحدث ليخبرنا بالتفصيلات: ٢٢٧ - قال ابن إسحاق وحدثني يزيد بن رومان (٢) عن عروة بن الزبير قال: "وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب ﵂ قبل قدوم ضمضم (الغفاري) مكة بثلاث ليال، رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب، فقالت له: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عني ما أحدثك به، فقال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبًا أقبل على بعير له، حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يالغُدُر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها، ألا انفروا يا لغدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس، فصرخ بمثلها. ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقي بيت من بيوت مكة، ولا دار إلا

стр. 161

دخلتها منها فلقه، قال العباس: والله إن هذه لرؤيا! وأنت فاكتميها، ولا تذكريها لأحد. ثم خرج العباس، فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان له صديقًا، فذكرها له، واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث بمكة، حتى تحدثت به قريش في أنديتها. قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت، وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا. فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبّية؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة، قال: فقلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساءكم! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقًّا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء، نكتب عليكم كتابًا أنكم أكذب أهل بيت في العرب. قال العباس: فوالله ما كان مني إليه كبير، إلا أني جحدت ذلك، وأنكرت أن تكون رأت شيئًا قال: ثم تفرقنا. فلما أمسيت، لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرٌ لشيء مما سمعت!، قال: قلت: قد والله فعلت، ما كان مني إليه من كبير، وأيم الله لأتعرضن له، فإن عاد لأكفيَّنكُنَّه. قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه. قال: فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلًا خفيفًا، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر. قال: إذ خرج نحو باب المسجد يشتد. قال: فقلت في نفسي ما له لعنه الله! أكل هذا فرقٌ مني أن أشاتمه! قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع: صوت ضمضم بن عمرو الغفاري، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيره، قد جدع بعيره، وحول رحله، وشق

стр. 162

قميصه وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث: قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر" (١). ٩ - إجارة الشيطان قريشًا ٢٢٨ - قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، قال: "لما أجمعت قريش المسير ذكرت ما كان بينها وبين بني بكر، فكاد ذلك يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعًا" (٢). ١٠ - تخوف بعض أئمة الكفر من الخروج أمية بن خلف وقصته مع سعد بن معاذ. ٢٢٩ - من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ حدث عن سعد بن معاذ أنه قال: "كان صديقًا لأمية بن خلف، وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد، وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة انطلق سعد معتمرًا، فنزل على أمية بمكة، فقال لأمية: انظرني ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فخرج به قريبًا من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل فقال: يا أبا صفوان من هذا معك؟ فقال: هذا سعد. فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنًا وقد آويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينوهم. أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما

стр. 163

رجعت إلى أهلك سالمًا، فقال له سعد -ورفع صوته عليه-: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه: طريقك على المدينة، فقال له أمية: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم سيد أهل الوادي. فقال سعد: دعنا عنك يا أمية، فوالله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنهم قاتلوك). قال: بمكة؟ قال: لا أدري، ففزع لذلك أمية فزعًا شديدًا. فلما رجع أمية إلى أهله قال: يا أم صفوان، ألم تري ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمدًا أخبرهم أنهم قاتلي. فقلت له: بمكة؟ قال: لا أدري. فقال أمية: والله لا أخرج من مكة. فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس قال: أدركوا عيركم، فكره أمية أن يخرج، فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان إنك متى ما يراك الناس قد تخلفت، وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما إذا غلبتني فوالله لأشترين أجود بعير بمكة. ثم قال أمية: يا أم صفوان جهزيني. فقالت له: يا أبا صفوان وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: لا ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبًا. فلما خرج أمية أخذ لا يترك منزلًا إلا عقل بعيره. فلم يزل بذلك حتى قتله الله ببدر" (١). ١١ - عدد المشركين في بدر ٢٣٠ - من حديث أنس ﵁، وهو تتمة لما جاء في حديث المشورة رقم: ٢١٧: قال: "فندب رسول الله ﷺ الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم غلام أسود لبني الحجاج، فأخذوه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه: فيقول: ما لي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف، فهذا قال ذلك ضربوه، فقال: نعم: أنا أخبركم هذا أبو سفيان، فهذا تركوه فسألوه فقال: ما لي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في أناس، فإذا قال هذا أيضًا ضربوه، ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فلما رأى ذلك انصرف وقال: والذي نفسي بيده لتضربوه إذا صدقكم، وتتركوه إذا كذبكم" (٢).

стр. 164

٢٣١ - ومن حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: "لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتويناها، فأصابنا بها وعك، فكان النبي ﷺ يتخبر عن بدر، فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله ﷺ إلى بدر، وبدر بئر، فسبقنا المشركون إليها، فوجدنا فيها رجلين منهم رجل من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط، فأما القريشي فانفلت، وأما مولى عقبة فأخذناه، فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه، حتى انتهوا به إلى النبي ﷺ فقال: له النبي ﷺ : (كم القوم؟)، فقال: هم والله كثير عددهم شديد بأسهم، فجهد رسول الله ﷺ أن يخبره فأبى، ثم إن النبي ﷺ سأله: كم ينحرون من الجزر؟ قال: عشر لكل يوم، فقال رسول الله ﷺ : (القوم ألف كل جزور لمائة ونيفها) (١). ١٢ - تحديد مصارع القوم ٢٣٢ - من حديث أنس ﵁ قال: "كنا مع عمر بين مكة والمدينة فتراءينا الهلال" … إلى أن قال: "ثم أنشأ يحدثنا عن أهل بدر فقال: إن رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس يقول (هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله) قال: فقال عمر: فوالذي بعثه بالحق! ما أخطؤوا الحدود التي حد رسول الله ﷺ " (٢). ١٣ - الاستشارة الثانية من الرسول ﵇ لأصحابه وقد استشار الرسول ﷺ أصحابه رضوان الله عليهم المرة الثانية ليبين للأمة الإسلامية أهمية مبدأ الشورى في الإسلام، ولأن الأنصار رضوان الله عليهم كانوا يشكلون الغالبية العظمى من جيشه ﷺ ، وبذلك يبنى القرار الذي يتخذ على رأيهم وأكثريتهم، ولأنهم أصحاب الأرض التي انطلقت منها القوة المؤمنة فلا بد

стр. 165

من أخذ رأيهم وسأنقل وصف مشهد المشاورة كما وصفها الصحابة رضوان الله عليهم. ٢٣٣ - من طريق ابن إسحاق بسنده الصحيح إلى ابن عباس في رواية أحداث بدر يقول ابن عباس ﵄: " … وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس، وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن. ثم قام عمر بن الخطاب، فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امضي لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرانيل لموسى ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله خيرًا، ودعا له به. ثم قال رسول الله ﷺ : (أشيروا علي أيها الناس)، وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله: إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فهذا وصلت إلينا، فأنت في ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله ﷺ يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو في بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله ﷺ ، قال سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: (أجل). قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فسرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال: (سيروا وابشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم) (١).

стр. 166

٢٣٤ - حديث ابن مسعود ﵁ قال: "شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا، لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى النبي ﷺ -وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا﴾ ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسر. يعني قوله" (١). ويقول الحافظ في فتح الباري: "ويمكن الجمع بأن النبي ﷺ استشارهم في غزوة بدر مرتين: الأولى: وهو بالمدينة أول ما بلغه خبر العير مع أبي سفيان، وذلك بين في رواية مسلم ولفظه "أن النبي ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان والثانية كانت بعد أن خرج" (٢). ١٤ - الانشقاق في صفوف المشركين حين وصولهم بدر ٢٣٥ - ومن حديث علي كرم الله وجهه في تكملة حديث رقم: ٢٣١ قال ﵁: "فلما دنا القوم منا وصاففناهم إذا رجل منهم على جمل أحمر، يسير في القوم، فقال رسول الله ﷺ : (يا علي ناد حمزة)، وكان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الأحمر وماذا يقول لهم، ثم قال رسول الله ﷺ : (إن يكن في القوم أحد يأمر بخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر)، قال: هو عتبة بن ربيعة، وهو ينهى عن القتال، ويقول لهم: يا قوم: إني أرى قومًا مستميتين لا تصلون إليهم، وفيكم خير، يا قوم، اعصبوها اليوم برأسي وقولوا جبن عتبة بن ربيعة، وقد علمتم أني لست بأجبنكم، فسمع ذلك أبو جهل فقال: أنت تقول هذا، والله لو غيرك يقول لأعضضته، قد ملات رئتك جوفك

стр. 167

رعبًا، فقال عتبة: إياي تعني يا مصفر إسته، ستعلم اليوم أينا الجبان" (١). ٢٣٦ - وقد جاء من حديث ابن عباس ﵄ قال: "لما نزل المسلمون وأقبل المشركون، نظر رسول الله ﷺ عتبة بن ربيعة وهو على جمل أحمر فقال: (إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا) وهو يقول: "يا قوم أطيعوني في هؤلاء القوم، فإنكم إن فعلتم لن يزال ذلك في قلوبكم، ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه، وقاتل إليه، فاجعلوا حقها برأسي وارجعوا، فقال أبو جهل: انتفخ والله سحره حين رأى محمدًا وأصحابه، إنما محمد وأصحابه كأكلة جزور ولو قد التقينا، فقال عتبة: ستعلم من الجبان المفسد لقومه، أما والله إني لأرى قومًا يضربونكم ضربًا، أما ترون كأن رؤسهم الأفاعي، وكأن وجوههم السيوف، ثم دعا أخاه وابنه، فخرج يمشي بينهما ودعا بالمبارزة" (٢). ١٥ - مناجاة ودعاء، ومطر ونقاء ٢٣٧ - من حديث علي السابق الذكر رقم: ٢٣١: قال: " أصابنا من الليل طش من المطر -يعني الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر- فانطلقنا تحت الشجر والحجف، نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ يدعو ربه ويقول: (اللهم إن تهلك هذه الفئة لا تعبد) قال: فلما تطلع الفجر نادى: (الصلاة عباد الله) فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله وحض على القتال" (٣). ٢٣٨ - من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام

стр. 168

لا تعبد في الأرض)، فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: "يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ (١) فأمده الله بالملائكة" (٢). ٢٣٨ - ومن حديث ابن عباس ﵄ قال: (قال النبي ﷺ يوم بدر (اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد) فأخذ أبو بكر بيده، فقال حسبك فخرج وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) (٣). ٢٣٩ - ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: "خرج رسول الله ﷺ يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر رجلًا من أصحابه، فلما انتهى إليها قال (اللهم إنهم جياع فأشبعهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم) ففتح الله له يوم بدر، فانقبوا حين انقلبوا، وما منهم رجل إلا وقد رجع يحمل أو حملين واكتسوا وشبعوا" (٤). ١٦ - استفتاح أبي جهل ودعاؤه يوم بدر ٢٤٠ - أ - من حديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال: "كان المستفتح يوم بدر أبا جهل قال: اللهم "أقطعنا للرحم وآتانا بما لم يُعرف فأحنه الغداة" فبينما هم على تلك الحال، وقد شجع الله المسلمين على لقاء عدوهم، وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم، خفق رسول الله ﷺ خفقة في العريش ثم انتبه فقال: (أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامته، آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع، أتاك نصر الله وَعِدتُه) (٥).

стр. 169

٢٤٠ - ب - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنزلت (١): ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ (٢) (٣). ١٧ - نزول جبريل ﵇ يوم بدر ٢٤١ - من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال يوم بدر: (هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب) (٤). ١٨ - أسلوب القتال ٢٤٢ - من حديث أبي طلحة ﵁ قال: "غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم بدر" (٥). وهذا المبدأ "قتال الصف" قرره الإسلام وحث عليه في قول الله تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيان مرصوص﴾ (٦). فأسلوب القتال هذا الذي ذكره القرآن يعطي القائد القدرة الفائقة للسيطرة على الجند.

стр. 170

١٩ - تسويته الصفوف وقصته مع سواد ٢٤٣ - من حديث محمد بن علي بن الحسين أبي جعفر الباقر: "أن النبي ﷺ كان يتخطى بعرجون فأصاب به سواد بن غزية الأنصاري فقال: "يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني"، فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه فقال: (استقد) قال: فاعتنقه فقبل بطنه، فقال: (ما حملك على هذا يا سواد؟). قال يا رسول الله: "حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يحس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله ﷺ بخير، وقال له خيرًا" (١). ٢٠ - عريش القيادة النبوية يوم بدر ثبت أن النبي ﷺ كان له عريش يدير منه المعركة يوم بدر، وقد شارك أيضًا صلوات الله عليه في الحرب والمعركة ونزل إلى ساحة القتال. ٢٤٤ - من حديث ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ قال وهو في قبة له يوم بدر .. وذكر دعاء النبي ﷺ (٢). ٢٤٥ - ومن طريق ابن إسحاق: أن رسول الله ﷺ لما حرض أصحابه على القتال، ورمى المشركين بما رماهم به من التراب، وهزمهم الله تعالى صعد إلى العريش أيضًا ومعه أبو بكر، ووقف سعد بن معاذ ومن معه من الأنصار على باب العريش، ومعهم السيوف خشية أن تكر راجعة من المشركين إلى النبي ﷺ (٣).

стр. 171

المبحث الثالث: المرحلة الثانية: أحداث المعركة ١ - المبارزة بين المسلمين والمشركين ٢٤٦ - من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: "أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، وقال قيس بن عبادة: وفيهم أنزلت ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر، حمزة، وعلي، وعبيدة، أو أبو عبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة" (١). ٢٤٧ - ومن طريق ابن إسحاق قال حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: "ثم خرج عتبة بن ربيعة، بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة، وهم عوف، ومعوذ، أبناء الحارث -وأمهما عفراء- ورجل آخر يقال: هو عبد الله بن رواحة فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم من حاجة. ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول الله ﷺ : قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة، قم يا علي، فلما قاموا ودنوا منهم. قالوا: من أنتم؟ قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال علي: علي، قالوا: نعم، أكفاء كرام. فبارز عبيدة -وكان أسن القوم، عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة، وبارز علي الوليد بن عتبة. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلي

стр. 172

بأسيافهما على عتبة فذففا عليه، واحتملا صاحبهما، فحازاه إلى أصحابه (١). ٢٤٨ - من حديث علي بن أبي طالب قال: "تقدم يعني عتبة بن ربيعة، وتبعه ابنه وأخوه، فنادى من يبارز فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله ﷺ : (قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيده بن الحارث) فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة" (٢). وقد وافقت رواية حديث علي هذه بأنه قتل شيبة وحمزة قتل عتبة ثم أعانا عبيدة على الوليد ما رواه الطبراني بإسناد حسن عن علي قال: "أعنت أنا وحمزة عبيدة بن الحارث على الوليد بن عتبة، فلم يعب النبي ﷺ ذلك علينا" (٣). وقال ابن حجر (بعد أن ذكر حديث علي الذي رواه أبو داود): وهذا أصح الروايات، لكن الذي في السير أن الذي بارز علي هو الوليد، وهو المشهور، وهو اللائق بالمقام لأن عبيدة وشيبة كانا شيخين كعتبة وحمزة، بخلاف الوليد وعلي فكانا شابين (٤). ولمن أراد زيادة تفصيل في هذا الأمر فليراجع كتاب مرويات غزوة بدر ومناقشة الأقوال في بيان من بارز كل واحد من الثلاثة من المشركين الثلاثة أيضًا، والأظهر والله أعلم ما جاء في حديث أبي داود عن علي كرم الله وجهه؛ لأنه أصح الروايات كما قال ابن حجر رحمه الله تعالى. ٢ - أوامر القائد الأعلى بالنضح بالنبل ٢٤٩ - من حديث أبي أسيد الساعدي ﵁ قال: "قال لنا رسول الله

стр. 173

- ﷺ يوم بدر: (إذا أكثبوكم فارموهم واستبقوا نبلكم) " (١). وفي رواية أبي داود زيادة (إذا اكثبوكم فارموهم بالنبل، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم" (٢). ٣ - وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ٢٥٠ - من حديث ابن عباس قال: "قال رسول الله ﷺ لعلي: (ناولني كفًّا من حصى) فناوله، فرمى بها وجوه القوم، فما بقى أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء، فنزلت ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ (٣). ٢٥١ - ومن حديث حكيم بن حزام ﵁ قال: "لما كان يوم بدر أمر رسول الله ﷺ فأخذ كفًّا من الحصى، فاستقبلنا به فرمى بها وقال: (شاهت الوجوه) فانهزمنا فأنزل الله ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ (٤). ٤ - مشاهد وأحداث من المعركة أ - عمير بن الحمام والتمرات: ٢٥٢ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: " … فانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله ﷺ (لا يقدمَنَّ أحد منكم إلى شيء، حتى أكون أنا دونه) فدنا المشركون فقال رسول الله ﷺ (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض). قال: يقول عمير ابن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: "نعم" قال: بخ بخ، فقال رسول الله ﷺ : (ما يحملك على قولك بخ بخ؟) قال: لا. والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من

стр. 174

أهلها، قال: (فإنك من أهلها) فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل" (١). ب - مصرع أبي جهل لعنه الله: ٢٥٣ - من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁: قال: "بينما أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي، فهذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده، حتى يموت الأعجل منا. قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال مثلها. قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، قال: فابتدراه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: (أيكما قتله؟) فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: (هل مسحتما سيفيكما؟) قالا: لا: فنظر في السيفين فقال: (كلاكما قتله)، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء" (٢). ٢٥٤ - من حديث أنس ﵁ قال: " قال رسول الله ﷺ يوم بدر: (من ينظر ما صنع أبو جهل؟) فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضرباه! أبناء عفراء حتى برد، فأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل، قال: وهل فوق رجل قتله قومه أو قال: قتلتموه" (٣).

стр. 175

٢٥٥ - ومن حديث ابن مسعود ﵁ قال: "أدركت أبا جهل يوم بدر صريعًا، فقلت: أي عدو الله قد أخزاك الله؟ قال: وبما أخزاني: من رجل قتلتموه، ومعي سيف لي، فجعلت أضربه ولا يحتك فيه شيء، ومعه سيف له جيد، فضربت يده فوقع السيف من يده فأخذته، ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: (الله الذي لا إله إلا هو). قلت: الله الذي لا إله إلا هو. قال: فانطلق فاستثبت فانطلقت وأنا أسعى مثل الطائر، ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك فأخبرته. فقال رسول الله ﷺ : (انطلق) فانطلقت معه فأريته، فلما وقف عليه ﷺ قال: (هذا فرعون هذه الأمة) (١). جـ - مصرع أمية بن خلف: ٢٥٦ - من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: "كاتبت أمية بن خلف كتابًا بأن يحفظني في صاغيتي (٢) بمكة، وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرت "الرحمن" قال: لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية، فكاتبته (عبد عمرو). فلما كان في يوم بدر خرجت إلى جبل لأحرزَه حين نام الناس، فأبصره بلال، فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار، فقال: أمية بن خلف لا نجوت إن نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لأشغلهم فقتلوه، ثم أبوا حتى يتبعونا -وكان رجلًا ثقيلًا

стр. 176

- فلما أدركونا قلت له: ابرك، فبرك، فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فتجللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه، وكان عبد الرحمن ابن عوف يرينا ذلك الأثر في ظهر قدمه" (١). ٢٥٧ - ومن حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: "كان أمية بن خلف لي صديقًا بمكة، وكان اسمي عبد عمرو فتسميت حين أسلمت عبد الرحمن، ونحن بمكة، فكان يلقاني إذ نحن بمكة فيقول: يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماك أبوك؟ قال: فأقول: نعم. قال: فإني لا أعرف الرحمن، فاجعل بيني وبينك شيئًا أدعوك به، أما أنت فلا تجبني باسمك الأول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف!. قال: وكان إذا دعاني يا عبد عمرو لم أجبه، قال: فقلت: يا أبا علي اجعل ما شئت، قال: فأنت عبد الإله، قال: قلت نعم. قال: فكنت إذا مررت به قال: يا عبد الإله فأجبته فأتحدث معه، حتى إذا كان يوم بدر، مررت به وهو واقف مع ابنه علي، وهو آخذ بيده قال: ومعي أدراع لي قد استلبتها، فأنا أحملها، فلما رآني قال: يا عبد عمرو فلم أجبه، فقال: يا عبد الإله، فقلت: نعم، قال: هل لك فيَّ فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك؟ قال: قلت: نعم ها الله؟ قال: فطرحت الأدراع من يدي، وأخذت بيده وبيد ابنه وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن؟ ثم خرجت أمشي بهما. قال ابن هشام: يريد باللبن أن من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن" (٢). د - مصرع عبيد بن سعيد بن العاص على يد الزبير: ٢٥٨ - من حديث الزبير بن العوام ﵁ قال: "لقيت يوم بدر عبيد ابن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى منه إلا عيناه، وهو يكنى أبا ذات

стр. 177

الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليه فطعنته في عينه فمات". قال هشام، فأخبرت أن الزبير قال: "لقد وضعت رجلي عليه ثم تمطأت فكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها". قال عروة: "فسأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه، فلما قبض رسول الله ﷺ أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه، فلما قبض أبو بكر سأله إياها عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها، فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي، فطلبها عبد الله بن الزبير، فكانت عنده حتى قتل" (١). هـ - استشهاد حارثة بن سراقة: ٢٥٩ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى تر ما أصنع؟. فقال: (ويحك -أوهبلت- أوجنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس) (٢). و- عوف بن الحارث وسؤاله: ما يضحك الرب من عبده: ٢٦٠ - قال ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: "أن عوف بن مالك وهو الحارث بن عفراء، قال: يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده؟ قال: (غمسه يده في العدو حاسرًا)، فنزع درعًا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل" (٣). ز - شجاعة الرسول ﷺ : ٢٦١ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "قال: لقد رأيتنا يوم بدر، ونحن برسول الله ﷺ وهو أقربنا من العدو،

стр. 178

وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا" (١). ٢٦٢ - ومن حديث أنس ﵁ قال: "فانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون فقال رسول الله ﷺ : (لا يقومن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه …) فذكر الحديث وفيه قصة عمير بن الحمام (٢). حـ - مشاركة الملائكة يوم بدر: ٢٦٣ - من حديث ابن عباس قال: "بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول أقدم حيزوم. فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيًا، فنظر إليه فهذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: (صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة) (٣). ٢٦٤ - ومن حديث ابن عباس ﵄ أيضًا قال: "إن النبي ﷺ قال يوم بدر: (هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب) (٤). ٢٦٥ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "فجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: يا رسول الله إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله فقال: (اسكت فقد أيدك الله بملك كريم) (٥).

стр. 179

٢٦٦ - ومن حديث أبي داود المازني: قال: "إني لأتبع رجلًا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قتله غيري" (١). ٢٦٧ - ومن حديث البراء قال: "جاء رجل من الأنصار بالعباس قد أسره، فقال العباس، يا رسول الله ليس هذا من أسرني، أسرني رجل في القوم أنزع من هيئته كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ : (قد آزرك الله بملك كريم) (٢). ٢٦٨ - ومن حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "قال لي النبي ﷺ ولأبي بكر يوم بدر (مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال، أو يكون في الصف) (٣). قال الحافظ في الفتح: "قال الشيخ تقي الدين السبكي: "سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي ﷺ مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟ فقلت: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي وأصحابه، وتكون الملائكة مددًا على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله تعالى في عباده، والله تعالى هو فاعل الجميع والله أعلم" (٤). ط - قتال سعد بن أبي وقاص: ٢٦٩ - من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كان سعد يقاتل مع رسول الله ﷺ يوم بدر، قتال الفارس والراجل" (٥).

стр. 180

ك - شدة بأس علي بن أبي طالب يوم بدر: ٢٧٠ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "كنت على بئر فكنت يوم بدر أميح وأمتح منه، فجاءت ريح شديدة، ثم جاءت ريح شديدة، فلم أر ريحًا أشد منها إلا التي كانت قبلها، ثم جاءت ريح شديدة، فكانت الأولى ميكائيل في ألف من الملائكة عن يمين النبي ﷺ ، والثانية إسرافيل في ألف من الملائكة عن يسار النبي ﷺ ، والثالثة جبريل في ألف من الملائكة، وكان أبو بكر عن يمينه، وكنت عن يساره، فلما هزم الله الكفار حملني رسول الله ﷺ على فرسه، فلما استويت عليه حمل لي، فصرت على عنقه فدعوت الله فثبتني عليه، فطعنت برمحي حتى بلغ الدم إبطي" (١). ل - الريح العقيم التي أرسلت على المشركين يوم بدر: ٢٧١ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "أخذتهم ريح عقيم يوم بدر" (٢). م - قذف قتلى أئمة الكفر في القليب: ٢٧٢ - من حديث أنس بن مالك ﵁، عن أبي طلحة ﵁: "أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث: أمر براحلته فشدت عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفى الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: (يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا). قال: فقال: عمر يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها. فقال: رسول الله ﷺ : (والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول
следующие страницы →