← Сира

Сира · id 13606

صحيح السيرة النبوية - إبراهيم العلي

إبراهيم العلي

Полный текст (585 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

من نفوذ المسلمين إلى مكة. ٣ - من أهم الأسباب في هذه الغزوة أن قبيلة بني المصطلق أخذت تجمع المجموع لغزو المدينة المنورة، وقد أطمعها في التفكير في غزو المدينة والتصميم على ذلك انتصار المشركين في غزوة أحد، فلما بلغ رسول الله ﷺ ذلك أعد عدته، واتخذ التدابير المناسبة، وباغتهم في مكانهم، وهزمهم شر هزيمة. ٤٠٦ - قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان، كل قد حدثني ببعض حديث بني المصطلق قال: "بلغ رسول الله ﷺ أن بني المصطلق يجمعون له … " فذكر الحديث (١). ٤٠٧ - من حديث نافع عن ابن عمر ﵄: "أن ابن عون قال: كتبت إلى نافع فكتب إلى أن النبي ﷺ أغار علي بني المصطلق، وهم غارون وأنعامهم تسقي على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية، حدثني به ابن عمر وكان في ذلك الجيش" لفظ البخاري، وفي لفظ مسلم، قال ابن عون: "كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتب إلي إنما كان ذلك في أول الإِسلام، قد أغار رسول الله ﷺ علي بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبي سبيهم" الحديث فذكر بقية الحديث" (٢). ترك الشيخ محمَّد الغزالي رواية البخاري ومسلم المتفق عليها في طريقة غزوه ﷺ لبني المصطلق وأثبت أثرًا مخالفًا، وعلل ذلك بقوله "وفي الوقت الذي فسحت مكانًا لهذا الأثر -على ما به- صددت عن إثبات رواية البخاري ومسلم مثلًا للطريقة التي تمت بها غزوة بني المصطلق، فإن رواية الصحيحين تشعر بأن الرسول ﷺ باغت القوم وهم غارون، ما عرضت عليهم دعوة الإِسلام، ولا

стр. 247

بدا من جانبهم نكوص، ولا عرف من أحوالهم ما يقلق … " إلى آخر كلامه (١) وقد جانب الشيخ الصواب لأسباب عدة منها: ١ - صحة حديث ابن عمر وصراحته في ذلك، وهو ثابت في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها، فلا يرده رأي يراه أي إنسان أو قول يحب أن ينصره. ٢ - صرح كثير من العلماء بأن من بلغته الدعوة العامة إلى الإِسلام وقربت داره، أو حاول النيل من المسلمين أنه يجوز مباغتته على غرة (٢). ٣ - أن المستند الذي استند عليه الشيخ الغزالي حفظه الله لم تثبت صحته، في أثناء ذكره لسياق حديث غزوة بني المصطلق، وهو لا يقاوم الحديث الصحيح المسند المتفق على صحته إن كان صحيحًا فما بالك وهو ضعيف. ٤ - ذكر الدكتور أكرم ضياء العمري حفظه الله أنه "لا يمكن معارضة آية قرآنية، أو حديث صحيح، برواية من كتب التاريخ والأدب. وقال في موطن آخر "ولا شك أن مادة السيرة في كتب الحديث موثقة يجب الاعتماد عليها، وتقديمها على روايات كتب المغازي والتواريخ العامة، وخاصة إذا أوردتها كتب الحديث الصحيحة؛ لأنها ثمرة جهود جبارة قدمها المحدثون عند تمحيص الحديث ونقده سندًا ومتنًا. وهذا التدقيق والنقد الذي حظي به الحديث، لم تحظ به الكتب التاريخية". ٣ - أحداث الغزوة: ٤٠٨ - وعن محمَّد بن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله ابن أبي بكر ومحمد بن يحيى ابن حبان كل قد حدثني ببعض حديث بني المصطلق قال: "بلغ رسول الله ﷺ أن بني المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار، أبو جويرية بنت الحارث، زوج رسول الله ﷺ . فلما سمع بهم رسول الله ﷺ خرج إليهم، حتى لقيهم على ماء لهم يقال له: المريسيع، من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله

стр. 248

بني المصطلق (وقتل الحارث بن أبي ضرار أبا جويرية)، وقتل من قتل منهم، ونفل رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم. وكان رسول الله ﷺ أصاب منهم سبيًا كثيرًا، قسمه بين المسلمين (وكان فيما أصاب يومئذ جويرية بنت أبي ضرار سيدة قومها). وقد أصيب رجل من المسلمين من بني كلب بن عوف بن عامر بن ليث بن بكر، يقال له: هشام بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت، وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ، وقد وفد مقيس بن صبابة من مكة مسلمًا فيما يظهر، فقال: يا رسول الله جئتك مسلمًا، وجئت أطلب دية أخي، قتل خطأ. فأمر له رسول الله ﷺ بدية أخيه هشام بن صبابة، فأقام عند رسول الله ﷺ غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدًا، وأصيب من بني المصطلق يومئذ ناس، وقتلَ علي بن أبي طالب منهم رجلين مالكًا وابنه، وقتل عبد الرحمن بن عوف رجلًا من فرسانهم يقال له: أحمر، أو أحيمر" (١). وليس بين هذا الحديث وبين حديث ابن عمر في الصحيح تعارض، فقد جمع ابن حجر ﵀ بينهما بقوله: "ويحتمل أن يكون لما دهم المسلمون بني المصطلق وهم على الماء ثبتوا قليلًا وقاتلوا، ولكن وقعت الغلبة عليهم" (٢). ٤ - شعار المسلمين في غزوة بني المصطلق: ٤٠٩ - من حديث سنان بن وبرة قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة المريسيع غزوة بني المصطلق فكان شعارهم: "يا منصور أمت أمت" (٣).

стр. 249

٥ - قصة جويرية بنت الحارث وزواج النبي ﵇ بها: ٤١٠ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له، وكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها. قالت: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي، فكرهتها وعرفته أنه سيرى منها ما رأيت، فدخلت عليه، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عمه له، فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابي. قال: (فهل لك خير من ذلك؟) قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: (أقضي كتابتك وأتزوجك)، قالت: نعم يا رسول الله، قال: (قد فعلت). قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ فأرسلوا ما بيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها" (١). ٦ - محاولة المنافقين إثارة الفتنة بين المسلمين في هذه الغزوة: ٤١١ - من حديث جابر بن عبد الله قال: "كنا مع النبي ﷺ في غزوة، قال: يرون أنها غزوة بني المصطلق، فكسع (٢) رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذاك رسول الله ﷺ فقال: (ما بال دعوى جاهلية؟) قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: (دعوها فإنها منتنة).

стр. 250

فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة ثم أن المهاجرين كثروا بعدا" (١). قول زعيم المنافقين (لا تنفقوا على من عند رسول الله …) ونقل زيد بن أرقم ذلك إلى النبي: ٤١٢ - من حديث زيد بن أرقم ﵁: قال: "خرجنا مع النبي ﷺ في سفر أصاب الناس فيه شدة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله". وقال: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله, فاجتهد يمينه ما فعل، قالوا: كذب زيد رسول الله ﷺ فوقع في نفسي ما قالوا شدة حتى أنزل الله تصديقي في قوله: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ فبعث إليَّ النبي فقرأ فقال: (إن الله قد صدقك يا زيد) (٢). كيف عالج رسول الله ﵊: ٤١٣ - من طريق محمَّد بن إسحاق قال حدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان، كل قد حدثني حديث بني المصطلق وساق الحديث، وذكر قصة الأنصار والمهاجرين والخصومة بينهما إلى أن قال: (… فغضب عبد الله بن أبي بن سلول، وعنده رهط من قومه فيهم: زيد

стр. 251

بن أرقم غلام حدث! فقال: أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدّنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حصره من قومه، فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم. فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول الله ﷺ ، وذلك عند فراغ رسول الله ﷺ من عدوه، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: مر به عباد بن بشر فليقتله، فقال له رسول الله ﷺ : (فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه! لا, ولكن أذن بالرحيل) وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها، فارتحل الناس وقد مشى عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله ﷺ ، حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه، فحلف بالله، ما قلت ما قال، ولا تكلمت به -وكان في قومه شريفًا عظيمًا- فقال من حضر رسول الله ﷺ من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل، حدبًا على ابن أبي بن سلول، ودفعًا عنه. فلما استقل رسول الله ﷺ وسار، لقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه، ثم قال: يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة منكرة، ما كنت تروح في مثلها، فقال له رسول الله ﷺ : (أوما بلغك ما قال صاحبكم؟) قال: وأي صاحب يا رسول الله؟ قال: (عبد الله بن أبي)، قال: وما قال: قال: (زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال: فأنت يا رسول الله، والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل، وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى إنك قد استلبته ملكًا. ثم مشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدد يومهم ذلك، حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نيامًا، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ ليشتغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبي" إلى أن قال: وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه

стр. 252

ويعنفونه، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم: (كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت (١) له أنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته). قال: قال عمر: "قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري" (٢): موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي من أبيه: ٤١٤ - في رواية الترمذي لحديث جابر السابق الذكر عن غزوة بني المصطلق ومحاولة المنافقين إثارة الفتنة زيادة لطيفة ليست عند البخاري ومسلم حيث قال الترمذي بعد قول النبي لعمر: (دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه)، وقال غير عمرو (يعني ابن دينار): فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: والله لا تنفلت حتى تقر أنك الذليل ورسول الله ﷺ العزيز ففعل (٣). وقد جاء موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي من أبيه واستئذانه لرسول الله ﷺ في أربعة أحاديث كلها منقطعة، ولكن رجالها ثقات عند الحميدي (٤) من طريق أبي هارون، وعند الطبراني من طريق عروة بن الزبير، قال فيه الهيثمي (٥) رجاله رجال الصحيح، ومن طريق عاصم بن عمر بن قتادة عند ابن جرير الطبري وابن هشام في السيرة (٦)، ومن طريق عكرمة وابن زيد عند ابن كثير في التفسير والتاريخ (٧). ولكن مجموع هذه الطرق يؤيد بعضها بعضًا، وترتقي إلى درجة الحسن

стр. 253

لغيره، ويقويها رواية الترمذي السابقة الذكر، وقد جاء أيضًا ما يقويها من حديث أبي هريرة دون ذكر أنها كانت في غزوة بني المصطلق. ٤١٥ - من حديث أبي هريرة قال: "مر رسول الله ﷺ بعبد الله بي أبي وهو في ظل أطم (١) فقال: عبر علينا ابن أبي كبشة (يعني بذلك رسول الله) فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: يا رسول الله، والذي أكرمك لئن شئت لآتينك برأسه، فقال: (لا ولكن بر أباك وأحسن صحبته) " (٢). هبوب ريح شديدة لموت عظيم من المنافقين: ٤١٦ - من حديث ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان. "أن رسول الله ﷺ لما قفل من غزوة بني المصطلق سلك بالناس طريق الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع يقال له نقعاء، فلما راح رسول الله ﷺ هبت على الناس ريح شديدة آذتهم، وتخوفوها، فقال رسول الله ﷺ : (لا تخافوها، فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار، فلما قدموا المدينة، وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بن قينقاع، وكان عظيمًا من عظماء يهود، وكهفًا للمنافقين، مات في ذلك اليوم …) " (٣). وقد وصله الإِمام مسلم، وعبد بن حميد، وأحمد من طريق آخر عن جابر دون ذكر أن الريح كانت في غزوة بني المصطلق وسأكتفي هنا بإيراد رواية مسلم. ٤١٧ - من حديث جابر ﵁ قال: أن رسول الله ﷺ قدم من سفر، فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب، فزعم أن رسول الله ﷺ قال: (بعثت هذه الريح لموت منافق، فلما قدم المدينة، فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات) (٤). وبهذا الشاهد يعلم أن حديث ابن إسحاق يصبح حسنًا لغيره.

стр. 254

المبحث السادس: حادثة الإفك ٤١٨ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، (١) فخرج فيها سهمي، فخرجنا مع رسول الله ﷺ ، وذلك بعد ما أنزل الله الحجاب، فانا أحمل في هودجي، وأنزل فيها مسيرنا، حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه، وقفل ودنونا من المدينة آذن (٢) ليله بالرحيل". ١ - سبب تأخر عائشة عن الجيش: فقمت حين آدنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري فهذا عقدي من جزع (٣) ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي (٤)، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه. قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافًا، لم يُهَبَّلنَ (٥)، ولم يغشهن اللحم (٦)، إنما يأكلن العلقة (٧) من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل (٨) الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنن, فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب.

стр. 255

فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكراني قد عرس (١) من وراء الجيش فأدلج (٢)، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب عليَّ، فاستيقظت باسترجاعه (٣) حين عرفني، فخمرت (٤) وجهي بجلبابي، والله ما يكلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقول في الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحو الظهيرة (٥)، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول. ٢ - انتشار الإفك في المدينة: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرًا، والناس يفيضون (٦) في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني (٧) في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف (٨) الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ فذاك يريبني، ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت (٩)، وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع (١٠) هو متبرزنا, ولا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف (١١) قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه (١٢)، وكنا

стр. 256

نتأذى (١) بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا. فعثرت أم مسطح في مرطها (٢). فقالت: تعس (٣) مسطح، فقلت لها: أتسبين رجلًا قد شهد بدرًا؟! قالت: آي هنتاه (٤)؟ ألم تسمعي ما قال: قلت: وماذا قال قالت: فأخبرتني يقول أهل الإفك فازددت مرضًا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، فدخل علي رسول الله ﷺ ثم قال: (كيف تيكم؟) قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس، فقالت: يا ابنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة (٥)، عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن (٦) عليها، قالت: قلت: سبحان الله وقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي. ٣ - استشارة رسول الله ﷺ بعض أصحابه عند تأخر الوحي: ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرًا، وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق الله عيك في

стр. 257

النساء كثيرًا، وإن تسأل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: (أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟). قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا قط أغمصه (١) عليها، أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن (٢) فتأكله، قالت: فقام رسول الله ﷺ على المنبر فاستعذر (٣) من عبد الله بن أبي بن سلول. قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: (يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي) فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. ٤ - آثار فتنة الإفك: قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلًا صالحًا، ولكن اجتهلته الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تفتله، ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا، وسكت. قالت وبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي، قالت: فبينما نحن على ذلك دخل رسول الله ﷺ ، فسلم ثم جلس قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل.

стр. 258

٥ - مفاتحة الرسول ﷺ لعائشة وجوابها له: وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فشهد رسول الله ﷺ ثم قال: (أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا (١). فإن كنت بريثة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه). قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته، قلص دمعي (٢) حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ فيما قال، فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ ، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن، إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم، وصدقتم به، فإن قلت لكم: إني بريئة -والله يعلم أني بريئة- لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر -والله يعلم أني بريئة- لتصدقونني، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾. قالت: ثم تحولت فاضجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي ببرائتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها. ٦ - نزول الوحي ببراءة عائشة: قالت: فوالله ما رام (٣) رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله على نبيه ﷺ ، فأخذه ما كان يأخذه من

стр. 259

البرحاء (١) عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان (٢) من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فلما سرى (٣) عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كملة تكلم بها أن قال: (أبشري يا عائشة، أما الله فقد برأك) فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله هو الذي برأني. قالت: فأنزل الله ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم﴾ عشر آيات فأنزل الله هؤلاء الآيات ببراءتي، قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ … إلى قوله ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ". قال حبان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله. "فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال لا أنزعها منهُ إبدًا. قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري (ما علمت؟ وما رأيت؟) فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، (٤) والله ما علمت إلا خيرًا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني (٥) من أزواج رسول الله ﷺ فعصمها الله بالورع. وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك، قال الزهريّ: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط" (٦). وهذا اللفظ لمسلم.

стр. 260

٧ - الذي تولى كبر الإفك: ٤١٩ - من حديث عائشة: قالت: "وكان الذي يتكلم فيه مسطح وحسان بن ثابت والمنافق عبد الله بن أبي، وهو الذي كان يستوشيه (١) وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة" (٢). ٨ - إقامة الحد على القاذفين: ٤٢٠ - من حديث عائشة قالت: "لما نزل عذري قام رسول الله ﷺ على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم" (٣). ٤٢١ - من حديث أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأصاب عائشة القرعة في غزوة بني المصطلق … " الحديث (٤). وفيه "وكان رسول الله ﷺ يجيء فيقوم على الباب فيقول: (كيف تيكم؟) حتى جاء يومًا فقال: (أبشري يا عائشة فقد أنزل الله عذرك، فقالت: بحمد الله لا بحمدك، وأنزل الله في ذلك عشر آيات ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم﴾ قال: فحد رسول الله ﷺ مسطحًا وحمنة وحسان". وكذا جاء من حديث عائشة عن ابن إسحاق في السيرة وسنده في ذلك صحيح، وقد صرح بالتحديث كما جاء في سيرة ابن هشام (٥). ٩ - موقف صفوان بن المعطل من حسان بن ثابت: ٤٢٢ - قال ابن إسحاق: حدثني محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: أن ثابت ابن قيس بن الشماس وثب على صفوان بن المعطل، حين ضرب حسان، فجمع

стр. 261

يديه إلى عنقه بحبل، ثم انطلق به إلى دار بني الحارث بن الخزرج: فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا؟ قال: أما أعجبك ضرب حسان بالسيف! والله ما أراه إلا قد قتلته، قال له عبد الله بن رواحة: هل علم رسول الله ﷺ بشيء مما صنعت؟ قال: لا والله، قال: لقد اجترأت، أطلق الرجل، فأطلقه، ثم أتوا رسول الله ﷺ ، فذكروا ذلك له، فدعا حسان وصفوان بن المعطل، فقال ابن المعطل: يا رسول الله آذاني وهجاني، فاحتملني الغضب، فضربته، فقال رسول الله ﷺ لحسان: (أحسن يا حسان، أتشوفت على قومي، أن هداهم الله للإسلام)، ثم قال: (أحسن يا حسان في الذي أصابك) قال: هي لك يا رسول الله" (١).

стр. 262

الفصل السادس غزوة الأحزاب المبحث الأول: أحداث ما قبل المعركة ١ - وقت الغزوة وسببها: اختلف في وقتها وتاريخها على قولين أحدهما قول ابن إسحاق أنها في سنة خمس: ٤٢٣ - عن محمَّد بن إسحاق قال: كانت الخندق في شوال سنة خمس وفيها مات سعد بن معاذ ﵁ (١) قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد (وكانت في سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين إذ لا خلاف أن أحدًا كانت في شوال سنة ثلاث، وواعد المشركون رسول الله ﷺ في العام المقبل وهو سنة أربع ثم أخلفوه، لأجل جدب تلك السنة، فرجعوا، فلما كانت سنة خمس جاءوا لحربه، هذا قول أهل السير والمغازي (٢). وذهب إلى هذا القول ابن سعد في الطبقات, والبيهقي في السنن وقطع به الذهبي، واعتمده الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وأبي عبيد في كتاب الأموال (٣). وقال ابن كثير: وقد كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة نص على ذلك ابن إسحاق وعروة ابن الزبير وقتادة والبيهقي وغير واحد من العلماء سلفًا وخلفًا، وقد صرح الزهريّ بأن الخندق قد كانت بعد أحد بسنتين،

стр. 263

ولا خلاف أن أحدًا في شوال سنة ثلاث" (١). والقول الآخر: أنها كانت في شوال سنة أربع للهجرة، قال بذلك موسى بن عقبة في مغازيه، وتابعه على ذلك مالك بن أنس، ومال البخاري إلى ذلك، وقد رد ابن حجر في فتح الباري على القائلين بهذا القول، وبين ضعفه، وبأنه غير معتمد، وناقش ذلك حجة بحجة ودليلًا بدليل فانظره (٢). ٤٢٤ - قال ابن إسحاق حدثنا يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن كعب بن مالك، ومحمد بن كعب القرظي، والزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر وغيرهم من علمائنا، كلهم قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق قالوا: "إنه كان الذين حزبوا الأحزاب نفرًا من اليهود، وكان منهم سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، فلما قدموا على قريش، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا: إنا سنكون معكم عليه، حتى نستأصله. فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا يختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين أنزل الله فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (٣) (٤).

стр. 264

٢ - حفر الخندق: ٤٢٥ - من حديث أنس ﵁ قال: "خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق فإذا المهاجرين والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: (اللهم إن العيش عيش الآخرة فأغفر للأنصار والمهاجرة) فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدًا … على الجهاد ما بقينا أبدًا وفي لفظ آخر قال: "جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمدًا … على الإِسلام ما بقينا أبدًا قال يقول النبي ﷺ وهو يجيبهم (اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة) قال: يؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع لهم بإهالة (١) سنخ توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن" (٢). ٤٢٦ - من حديث البراء بن عازب قال: "لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله ﷺ ، رأيته ينقل من تراب الخندق، حتى وارى عني التراب جلدة بطنه -وكان كثير الشعر- فسمعنه يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل من التراب يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزل سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا … وإن أرادوا فتنة أبينا قال: ثم يمد صوته بآخرها" (٣).

стр. 265

٣ - معجزات الرسول ﷺ في غزوة الأحزاب: أ - إبصاره قصور الملوك وإعطاؤهُ مفاتيح ملكهم: ٤٢٧ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "لما كان حين أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا إلى رسول الله ﷺ فجاءنا فأخذ المعول فقال: (بسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية، فقطع الثلث الآخر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض، ثم ضرب الثالثة، وقال: بسم الله فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة) " (١). ب - تكثيره الطعام: ٤٢٨ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "احتفر رسول الله ﷺ الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ قال: (هل دللتم على أحد يطعمنا أكلة) قال رجل: نعم، قال: (أما لا فتقدم فدلنا عليه). فانطلقوا إلى رجل فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه فيه، فأرسلت إليه امرأته أن جيء فإن رسول الله ﷺ قد أتانا فجاء الرجل يسعى. فقال: بأبي وأمي، وله معزة وجديها فوثب إليها, فقال النبي ﷺ : (الجدي من ورائنا) فذبح الجدي، وعمدت امرأته إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت،

стр. 266

وأدركت وتردت، فقربتها إلى رسول الله ﷺ وأصحابه فوضع النبي ﷺ أصبعه فيها فقال: (بسم الله، اللهم بارك فيها، اللهم بارك فيها اطعموا) فأكلوا منه حتى صدروا, ولم يأكلوا إلا ثلثها وبقى ثلثاها، فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا، وسرحوا إلينا نغديكم، فذهبوا وجاء أولئك العشرة مكانه، فأكلوا منها حتى شبعوا، ثم قام ودعا لربة البيت وسمَّت عليها وعلى أهلها، ثم مشوا إلى الخندق فقالوا: اذهبوا بنا إلى سلمان، وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال النبي لأصحابه: (دعونى فأكون أول من ضربها فقال: بسم الله) فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: (الله أكبر قصور الروم ورب الكعبة)، ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال: (الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة)، فقال عندها المنافقون: نحن نخندق وهو يعدنا قصور فارس والروم (١). ٤٢٩ - من حديث جابر ﵁ قال: "لما حفر الخندق رأيت برسول الله ﷺ خمصًا (٢) فانكفأت (٣) إلى امرأتي، فقلت لها: هل عندك شيء؛ فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصًا شديدًا، فأخرجت لي جرابًا (٤) فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة (٥) داجن (٦)، قال: فذبحتها وطحنت، ففزعت إلى فراغي، فقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله ﷺ . فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه، قال: فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله! إنا قد ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعًا من شعير كان عندنا، فتعال أنت في نفر معك، فصاح رسول الله ﷺ وقال: (يا أهل الخندق! إن جابرًا قد صنع لكم سورًا (٧) فحيهلا بكم). وقال رسول الله ﷺ : (لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينتكم، حتى أجيء) فجئت وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس، حتى جئت امرأتي. فقالت: بك

стр. 267

وبك (١)، فقلت: قد فعلت الذي قلت لي. فأخرجت له عجينتنا فبصق فيها وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيه وبارك، ثم قال: (ادعي خابزة فلتخبز معك، واقدحي في برمتكم (٢) ولا تنزلوها) وهم ألف. فأقسم بالله إلا أكلوا حتى تركوه وانحرفوا (٣)، وإن برمتنا لتغط (٤) كما هي، وإن عجينتنا -أو كما قال الضحاك- لتخبز كما هو" (٥). ٤ - منزل المشركين في الخندق: ٤٣٠ - من حديث عائشة ﵂ قالت: ﴿إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر﴾ قالت: كان ذاك يوم الخندق" (٦). وقد جاء عن ابن عباس ﵁ كما قال الحافظ في الفتح تفسير آخر قال: "وعند ابن مردويه من حديث ابن عباس ﵄ ﴿إذ جاءوكم من فوقكم﴾ قال: عيينة بن حصن ﴿ومن أسفل منكم﴾ أبو سفيان بن حرب" (٧). وقد بين ابن إسحاق بسنده الذي ذكره في بداية غزوة الخندق ورجاله ثقات، وقد صرح هو بالتحديث، لكن الحديث مرسل ولذا فإنه يستأنس به تحديد الموقع الذي نزل فيه المشركون قال: (نزلت قريش بمجمع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وتهامة، ونزل عيينة في غطفان ومن معهم من أهل نجد إلى جانب أحد بباب نعمان، وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف، والخندق بينهم وبين القوم، وجعل

стр. 268

النساء والذراري في الأطام" (١). وقد جاء تحديد موضع الخندق من حديث عمرو بن عوف المزني: "أن رسول الله ﷺ خط الخندق من أحمر السبختين طرف بني حارثة عام حرب الأحزاب، حتى بلغ المداحج فقطع لكل عشرة أربعين ذراعًا" (٢). والحديث يستأنس به في هذا الموطن لأنه ليس فيه إثبات حكم شرعي أو غير ذلك، وإنما هو تحديد مكان تاريخي ألا وهو مكان الخندق. ٥ - شعار المسلمين يوم الخندق: ٤٣١ - عن المهلب بن أبي صفرة قال: سمعت من يحدث عن النبي ﷺ قال: "وهو يخاف أن يبيته أبو سفيان فقال: (إن بيتم فادعو حم لا ينصرون) (٣).

стр. 269

المبحث الثاني: من مشاهد المعركة ١ - رجل المهمات الصعبة: ٤٣٢ - من حديث عبد الله بن الزبير ﵄ قال: "لما كان يوم الخندق كنت أنا وعمر بن أبي سلمة في الأطم (١) الذي فيه نساء رسول الله ﷺ ، أطم حسان، فكان يرفعني وأرفعه، فهذا رفعني عرفت أبي حين يمر إلى بني قريظة، وكان يقاتل مع رسول الله ﷺ يوم الخندق فقال: (من يأتي بني قريظة فيقاتلهم؟) فقلت له حين رجع: يا أبت تالله إن كنت لأعرفك حين تمر ذاهبًا إلى بني قريظة فقال: "يا بني أما والله إن كان رسول الله ﷺ ليجمع لي أبويه جميعًا يفديني بهما، يقول: (فداك أبي وأمى) (٢). ٤٣٣ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄: قال: "اشتد الأمر يوم الخندق فقال رسول الله ﷺ ألا رجل يأتينا بخبر بني قريظة؟ فانطلق الزبير فجاء بخبرهم، ثم اشتد الأمر أيضًا فذكر ثلاث مرات فقال رسول الله ﷺ : (إن لكل نبي حواري والزبير حواري) (٣). ٢ - إشغال المشركين المسلمين عن الصلاة: لقد ضيق أهل الكفر حصارهم على رسول الله وأصحابه في المدينة المنورة يوم الخندق حتى شغلوهم عن الصلاة، واستبسل الصحابة وأبدوا من ضروب الشجاعة الشيء الكثير أيضًا، وقد جاءت قصة إشغال المشركين النبي وأصحابه عن الصلاة من رواية عدة من الصحابة، وأجمع الروايات ما ثبت من: ٤٣٤ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل "وفي رواية -قبل أن ينزل صلاة الخوف فرجالًا أو ركبانًا" فلما كفينا القتال وذلك قوله:

стр. 270

﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ أمر النبي ﷺ بلالًا فأقام الظهر فصلاها كما يصليها في وقتها" (١). ٤٣٥ - من حديث علي كرم الله وجهه: "عن النبي ﷺ أنه قال يوم الخندق: (ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس) (٢). ٤٣٦ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "إن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس جعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب قال النبي ﷺ : (والله ما صليتها)، فنزلنا مع النبي ﷺ بطحان، فتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب" (٣). ٣ - مفاوضة الرسول زعيم بني غطفان لتخفيف الحصار: ٤٣٧ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمَّد شاطرنا تمر المدينة فقال ﷺ : (حتى أستأمر السعود) فبعث إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وسعد بن مسعود، وسعد بن خيثمة، فقال: (إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وأن الحارث سألكم أن تشاطروه تمر المدينة، فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا في

стр. 271

أمركم بعد) فقالوا: يا رسول الله أوحي من السماء، فالتسليم لأمر الله أو عن رأيك وهواك فرأينا نتبع هواك ورأيك، فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء، ما ينالون منا ثمرة إلا شراء أو قرى، فقال رسول الله ﷺ : (هوذا تسمعون ما يقولون)، قالوا: غدرت يا محمَّد، فقال حسان بن ثابت ﵁: يا جار من يغدر بذمة جاره ..... منكم فإن محمدًا لا يغدر وأمانة المري حين لقيتها … كسر الزجاجة صدعها لا يجبر إن تغدروا فالغدر من عاداتكم … واللؤم ينبت في أصول السخبر (١) ٤ - قتل علي بن أبي طالب عمرو بن عبدود العامري: ٤٣٨ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "قتل رجل من المشركين يوم الخندق فطلبوا أن يواروه فأبى رسول الله ﷺ حتى أعطوه الدية، وقتل من بني عامر بن لؤي عمرو بن عبدود، قتله علي بن أبي طالب مبارزة" (٢). وقد جاءت قصة مبارزة علي بن أبي طالب ﵁ لعمرو بن عبدود العامري مفصلة عند ابن إسحاق في السيرة مستقصاة ومستوفاة، إلا أنها مرسلة، ولم يصل بها ابن إسحاق إلى صحابي روى هذا الحديث، ولذلك لم أورد التفاصيل هنا، واقتصرت على ما ثبت عن ابن عباس ﵁، من أن قاتل عمرو بن عبدود العامري هو علي بن أبي طالب كما مر في الحديث السابق، الذي أوردناه. هذا ما وصلت إليه بعد بذل الجهد فقد بحثت عن إسناد لهذا الحديث مفصلًا فلم أصل إلى ذلك، فاقتصرت على ما مضى، والله تعالى أعلم، فليس كل ما أورده أهل السير وأخذ مأخذ المسلمات ثبت عند أهل الحديث والمحدثين، فاعلم هذا أخي القارئ بارك الله فيك.

стр. 272

٥ - سعد بن أبي وقاص يرمي رجلًا فيضحك النبي ﷺ : ٤٣٩ - من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "لما كان يوم الخندق ورجل يتترس جعل يقول بالترس هكذا، فوضعه فوق أنفه، ثم يقول هكذا يسفله، بعد قال: فأهويت إلى كنانتي، فأخرجت منها سهمًا مدمى، فوضعته في كبد القوس، فلما قال هكذا تسفل الترس رميت، فما نسيت وقع القدح على كذا وكذا من الترس، مال وسقط فقال برجله هكذا، فضحك نبي الله ﷺ أحسبه قال حتى بدت نواجذه، قال قالت: لم فعل، قال كفعل الرجل" (١). ٦ - إصابة سعد بن معاذ ﵁: ٤٤٠ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "خرجت يوم الخندق أقفوا آثار الناس قالت: فسمعت وئيد (٢) الأرض ورائي يعني حس الأرض، قالت: فالتفت فإذا أنا بسعد بن معاذ، ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنة (٣) قالت: فجلست إلى الأرض، فمر سعد وعليه درع من حديد قد خرجت منها أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم، قالت: فمر وهو يرتجز ويقول: لبث قليلًا يدرك الهيجا جمل … ما أحسن الموت إذا حان الأجل قالت: فقمت فاقتحمت حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه سبغة يعني له مغفرًا (٤). فقال عمر: ما جاء بك، لعمري والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء

стр. 273

أو يكون تحوز (١)، قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت ساعتئذ فدخلت فيها، قالت: فرفع الرجل السبغة عن وجهه، فإذا طلحة بن عبيد الله، فقال: يا عمر ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم: وأين التحور أو الفرار إلا إلى الله ، قالت: ويرمي سعدًا رجل من المشركين من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له فقال له: "خذها وأنا ابن العرقة" فأصاب أكحله (٢) فقطعه فدعا الله سعد فقال: "اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة" قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت: فرقى كلمه (٣) وبعث الله الريح على المشركين فكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويًّا عزيزًا، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن حصن ومن معه بنجد (٤). ٧ - محاولة فاشلة عند حصون النساء: ٤٤١ - من حديث رافع بن خديج ﵁ قال: "لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارثة، فجعل النبي في النساء والصبيان والذراري فيه، وقال: (إن ألم بكن أحد فألمعن بالسيف) فجاءهن رجل من بني ثعلبة بن سعد يقال له نجدان أحد بني حشاش على فرس، حتى كان في أصل الحصين ثم جعل يقول للنساء: انزلن إلى خير لكن، فحركن السيف فأبصره أصحاب رسول الله ﷺ ، فابتدر الحصين قوم فيهم رجل من بني الحارثة يقال له: ظهير بن رافع، فقال: يا نجدان ابرز، فبرز إليه، فحمل على فرسه، فقتله وأخذ رأسه فذهب به إلى الني ﷺ " (٥). ٤٤٢ - من حديث ابن أبي أوفى ﵁ قال: (دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: (اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم

стр. 274

وزلزلهم) (١). ٤٤٣ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ كان يقول: (لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده) (٢). ٨ - عدم صحة ما يروى من جبن حسان: من حديث ابن إسحاق قال: حدثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: "كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت، وكان حسان بن ثابت معنا فيه مع النساء والصبيان حين خندق النبي ﷺ ، قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود، فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة أو قطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله ﷺ ، والمسلمون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم، إذ أتانا آت، فقلت لحسان بن ثابت إن هذا اليهودي يطيف بالحصن كما ترى، ولا آمنه أن يدل على عورتنا من ورائنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه، فانزل إليه فاقتله. فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت صفية: فلما قال ذلك، احتجزت عمودًا ثم نزلت من الحصين إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصين، فقلت يا حسان أنزل فاستلبه، فإنه لم يمنعني أن أستلبه إلا أنه رجل، فقال: ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب" (٣).

стр. 275

وهذا الخبر لا يصح لأمرين: الأول: من حيث الإسناد، فالخبر ليس مسندًا، وقد علمنا علماؤنا أنه لا يؤخذ من الأخبار إلا إذا كان له إسناد، ولا يؤخذ الخبر المسند إلا إذا كان إسناده صحيحًا. وهذا الخبر ساقط لا يصح ولا يجوز أن يروى، فيساء إلى صحابي من صحابة رسول الله ﷺ ، كان ينافح عن الدعوة الإِسلامية، وعن رسول الله ﷺ عمره كله. الثاني: لو كان حسان بن ثابت ﵁ معروفًا بالجبن الذي ذكر عنه لهجاه أعداؤه ومبغضوه بهذه الخصلة الذميمة لا سيما الذين كان يهاجيهم، فلم يسلم من هجاته أحد من زعماء الجاهلية". والرسول ﷺ كان يؤيده ويدعو له، ويشجعه على هجاء زعماء المشركين (١). ٩ - تحسس الأخبار عن المشركين: ٤٤٤ - من حديث حذيفة بن اليمان ﵁: فعن محمَّد بن كعب القرظي قال: "قال فتى منا من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله لقد رأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد (٢). قال: والله لو أدركنا ما تركناه يمشي على الأرض، ولجعلناه على أعناقنا، قال: فقال حذيفة: يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق، وصلى رسول الله ﷺ من الليل هويًا (٣)، ثم التفت إلينا فقال: (من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم، يشترط له رسول الله ﷺ أنه يرجع، أدخله الله الجنة)، فما قام رجل، ثم صلى رسول الله ﷺ هويًا، ثم التفت إلينا فقال: (من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع، يشرط له رسول الله ﷺ الرجعة،

стр. 276

أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة)، فما قام رجل من القوم من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد. فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله ﷺ فلم يكن لي بد في القيام حين دعاني فقال: (يا حذيفة فاذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون ولا تحدثن شيئًا حتى تأتينا)، قال: فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل ما تفعل، لا تقر لهم قدر، ولا نار، ولا بناء، فقام أبو سفيان بن حرب فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ إلى جليسه، فقال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي جنبي، فقلت: من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع (١) وأخلفتنا بنو قريظة، بلغنا منهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه ثم ضربه فوثب على ثلاث، فما أطلق عقله، إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله لا تحدث شيئًا حتى تأتيني ثم شئت لقتلته بسهم. قال حذيفة، ثم رجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي في مرط (٢) لبعض نسائه مرجل (٣)، فلما رآني أدخلني إلى رحله، وطرح عليه طرف المرط، ثم ركع وسجد وإنه لفيه، فلمّا سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش وانشمروا إلى بلادهم). هذا اللفظ لأحمد وفي لفظ مسلم بعض الزيادة أذكرها هنا لاكتمال المعنى والفائدة فبعد أن ذكر حذيفة استنفار الرسول ﵇ للصحابة ثلاثًا ثم قوله قم يا حذيفة قال: (… فمضيت كأنما أمشي في حمام (٤) حتى أتيتهم، فهذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار فوضعت سهمي في كبد قوسي (٥) وأردت أن أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله ﷺ : (لا تذعرهم علي) ولو رميته لأصبته، قال:

стр. 277

فرجعت كأنما أمشي في مثل الحمام، فأتيت رسول الله ﷺ ثم أصابني البرد حين فرغت وقررت (١). فأخبرت رسول الله ﷺ فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائمًا حتى الصبح، فلما أن أصبحت، قال رسول الله ﷺ : قم يا نومان) " (٢). ١٠ - نصر الله رسوله بريح الصبا: ٤٤٥ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "أتت الصبا الشمال ليلة الأحزاب، فقالت: مري حتى ننصر رسول الله ﷺ ، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل، فكانت الريح التي نصر بها رسول الله ﷺ الصبا" (٣). ٤٤٦ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور) (٤). ١١ - تحول ميزان القوة بعد معركة الأحزاب: ٤٤٧ - من حديث سليمان بن صرد ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول حين جلى الأحزاب عنه: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم) (٥). ٤٤٨ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال يوم الأحزاب وقد جمعوا له جموعًا كثيرة فقال: رسول الله ﷺ : (لا

стр. 278

يغزوكم بعدها أبدًا ولكن نغزوهم) (١). ١٢ - وضع النبي ﷺ السلاح بعد رحيل المشركين: ٤٤٩ - من حديث كعب بن مالك ﵁ قال: "لما رجع النبي ﷺ من طلب الأحزاب، فنزل المدينة وضع لامته، واغتسل، واستجمر (٢) ". ١٣ - من استشهد من المسلمين يوم الخندق: ٤٥٠ - من حديث ابن شهاب الزهريّ قال: "استشهد يوم الخندق من الأنصار أنس بن معاذ بن أوس بن عبد عمرو، ومن الأنصار ثم من بني سلمة: ثعلبة بن عثمة" (٣).

стр. 279

الفصل السابع غزوة بني قريظة وما بعدها من أحداث حتى الحديبية المبحث الأول: غزوة بني قريظة ١ - أمر جبريل النبي ﵉ بالخروج إلى بني قريظة: ٤٥١ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لما رجع النبي ﷺ من الخندق، ووضع السلاح، واغتسل أتاه جبريل ﵇، فقال: قد وضعت السلاح، والله ما وضعناه، فاخرج إليهم، قال: (فإلي أين؟) قال: ها هنا، وأشار إلى قريظة، فخرج النبي ﷺ إليهم" (١). ٤٥٢ - من حديث كعب بن مالك ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ لما رجع من طلب الأحزاب رجع، فوضع لامته، واستجمر "زاد دحيم في حديثه" قال رسول الله ﷺ : (فنزل جبريل ﵇ فقال: عذيرك من محارب، ألا أراك قد وضعت اللأمة، وما وضعناها بعد)، فوثب رسول الله ﷺ فزعًا، فعزم على الناس ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فلبسوا السلاح، وخرجوا فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس، واختصم الناس في صلاة العصر فقال بعضهم: صلوا، فإن رسول الله ﷺ لم يرد أن تتركوا الصلاة، وقال بعضهم: عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي بني قريظة، وإنما نحن في عزيمة رسول الله ﷺ ، فليس علينا إثم، فصلت طائفة العصر إيمانًا واحنسابًا، وطائفة لم يصلوا حتى نزلوا بني قريظة بعد ما غربت الشمس فصلوها إيمانًا واحتسابًا، فلم يعنف رسول الله ﷺ واحدة من الطائفتين" (٢).

стр. 280

٢ - مشاركة جبريل ﵇ في محاربة بني قريظة: ٤٥٣ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زقاق بني غنم، موكب جبريل حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة" (١). ٣ - حث النبي الصحابة على المسير إلى بني قريظة: ٤٥٤ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: (قال النبي ﷺ يوم الأحزاب (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتينهم، وقال بعضهم: بل نصلي، فلم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فلم يعنف أحدًا منهم" (٢). ٤ - سبب الغزوة: ٤٥٥ - من حديث سعيد بن المسيب ﵁ "في سياق قصة الأحزاب": فبينما هم كذلك إذ جاءهم نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمنه الفريقان، كان موادعًا لهما، فقال: إني كنت عند عيينة (بن حصن) وأبي سفيان إذ جاءهم رسول بني قريظة: أن اثبتوا فإنا سنخالف المسلمين إلى بيضتهم … ، إلى أن قال: … فناداهم: (يا إخوة القردة والخنازير!) فقالوا: يا أبا القاسم! ما كنت فاحشًا … " وذكر الحديث (٣).

стр. 281

فسبب غزوهم إذن هو نقضهم للعهد الذي كان بينهم وبين النبي ﷺ ، في أحلك الظروف وأصعبها على المسلمين، في أثناء حصار الأحزاب للمدينة، وهذا السبب قد ثبت بطرق قابلة بمجموعها للاحتجاج بها، وقد ثبت أن الرسول ﷺ قد أرسل الزبير بن العوام لاستطلاع خبرهم كما جاء ذلك في الصحيح (١). ٥ - حامل راية المسلمين يوم بني قريظة: ٤٥٦ - من حديث عروة قال: "وبعث عليًّا على المقدمة، ودفع إليه اللواء، وخرج رسول الله ﷺ على إثره" (٢). ٦ - مدة الحصار وكم استمرت: ٤٥٧ - من حديث عائشة ﵂ قالت: في حديث طويل سبق ذكر جزء منه في إصابة سعد بن معاذ " .... قالت: فلبس رسول الله ﷺ لأمته (٣)، وأذن في الناس بالرحيل أي يخرجوا، فخرج رسول الله ﷺ ، فمر على بني غنم، وهي جيران المسجد حوله فقال: من مر بكم؟ فقالوا: مر بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي تشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل ﵇، فقالت: فأتاهم رسول الله ﷺ فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة … " (٤). ٧ - قصة أبي لبابة: ٤٥٨ - من حديث عائشة السابق قولها: " … فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصرهم، واشتد البلاء، قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح" (٥).

стр. 282

٨ - حكم سعد بن معاذ في بني قريظة: ٤٥٩ - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النبي ﷺ إلى سعد، فأتى على حمار، فلما دنا من المسجد قال للأنصار: (قوموا إلى سيدكم -أو خيركم- فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك)، فقال: تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم قال: (قضيت بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك" (١). ٤٦٠ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق، وضع السلاح، واغتسل، فأتاه جبريل ﵇، وهو ينفض رأسه من الغبار فقال: قد وضعت السلاح والله ما وضعته، اخرج إليهم، قال النبي: (فأين؟) فأشار إلى بني قريظة، فأتاهم رسول الله ﷺ ، فنزلوا على حكمه، فرد الحكم إلى سعد. قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم، قال هشام: فأخبرني أبي عن عائشة أن سعدًا قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب، فافجرها، واجعل موتتي فيها، فانفجرت من لبته، فلم يرعهم، وفي المسجد خيمة من بني غفار -إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دمًا، فمات منها ﵁" (٢).

стр. 283

٤٦١ - من حديث عائشة قالت: في الحديث الطويل الذي اجتزأنا منه أجزاء سابقة " … قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ فقال رسول الله ﷺ : (أنزلوا على حكم سعد بن معاذ)، فنزلوا، وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ، فأتى به على حمار عليه إكاف من ليف قد حمل عليه وحف به قومه، فقالوا: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية، ومن قد علمت قالت: وأني (١) لا يرجع إليهم شيئًا، ولا يلتفت إليهم حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد أنى (٢) لي أن لا أبالي في الله لومة لائم. قال: قال أبو سعيد: فلما طلع على رسول الله ﷺ قال: (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه) فقال عمر: سيدنا الله ، قال: (أنزلوه)، فأنزلوه، قال رسول الله ﷺ : (احكم فيهم) فقال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال رسول الله ﷺ : (لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله …) (٣). وقد جاءت قصة نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ ﵁ من حديث جابر بن عبد الله، وسيأتي بلفظه في بيان عدد المقتولين من بني قريظة فانظر تخريجه هناك. ٩ - كيف ميز النبي بين الصغار والبالغين من بني قريظة: ٤٦٢ - من حديث عطية القرظي، قال: (كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت" وفي رواية أخرى زاد (فكشفوا عانتي، فوجدوها لم تنبت، فجعلوني في السبي" (٤).

стр. 284

١٠ - عدد بني قريظة الذين قتلهم رسول الله ﷺ : ٤٦٣ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا أكحله، فحسمه رسول الله ﷺ بالنار، فانتفخت يده، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فنزفه، فلما رأى ذلك، قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقه، فنما قطرة قطرة، حتى نزلوا على حكم سعد، فأرسل إليه، فحكم أن تقتل رجالهم، ويستحيى نساؤهم وذراريهم، يستعين بهم المسلمون، قال رسول الله ﷺ : (أصبت حكم الله فيهم)، وكانوا أربعمائة، فلما فرع من قتلهم، انفتق عرقه فمات" (١). وقال الحافظ في الفتح " واختلف في عدتهم، فعند ابن إسحاق أنهم كانوا ستمائة، وبه جزم أبو عمرو في ترجمة سعد بن معاذ، وعند ابن عائذ من مرسل قتادة وكانوا سبعمائة، وقال السهيلي: المكثر يقول إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة، وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، فيحتمل في طريق الجمع أن يقال إن الباقين كانوا أتباعًا، وقد حكى ابن إسحاق أنه قيل: إنهم كانوا تسعمائة" (٢). ١١ - قصة المرأة التي قتلت من بني قريظة: ٤٦٤ - من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂: قالت: "لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة قالت: والله إنها لعندي تتحدث معي تضحك ظهرًا وبطنًا (٣) ورسول الله ﷺ يقتل رجالهم بالسوق إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله، قالت: قلت: ويلك وما لك؟ قالت: أقتل، قالت: قلت: ولم؟ قالت: حدثًا أحدثته (٤)، قالت: فانطلق بها، فضربت عنقها، وكانت عائشة رضي الله ﵎ عنها تقول: والله ما أنسى عجبي من طيب نفسها، وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنها تقتل" (٥).

стр. 285

١٢ - إسلام بعض يهود بني قريظة وتقسيم أموال بني قريظة بين المسلمين: ٤٦٥ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "حاربت قريظة والنضير، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبي فأمنهم، وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة" (١). ١٣ - موت سعد بن معاذ ﵁: ٤٦٦ - من حديث عائشة الطويل الذي سبق ذكر أجزاء متفرقة منه قالت: " … ثم دعا سعد قال: "اللهم إن كنت أبقيت على نبيك ﷺ من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، قالت: فانفجر كلمه (٢) وكان قد برئ حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص (٣) ورجع إلى قبتة التي ضرب عليه رسول الله ﷺ . قالت عائشة: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، قالت: فوالذي نفس محمَّد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله : ﴿رحماء بينهم﴾ قال علقمة: قلت: أي أمه، فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد (٤) فإنما هو آخذ بلحيته" (٥).
следующие страницы →