← Сира

Сира · id 13606

صحيح السيرة النبوية - إبراهيم العلي

إبراهيم العلي

Полный текст (585 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فسبب غزوهم إذن هو نقضهم للعهد الذي كان بينهم وبين النبي ﷺ ، في أحلك الظروف وأصعبها على المسلمين، في أثناء حصار الأحزاب للمدينة، وهذا السبب قد ثبت بطرق قابلة بمجموعها للاحتجاج بها، وقد ثبت أن الرسول ﷺ قد أرسل الزبير بن العوام لاستطلاع خبرهم كما جاء ذلك في الصحيح (١). ٥ - حامل راية المسلمين يوم بني قريظة: ٤٥٦ - من حديث عروة قال: "وبعث عليًّا على المقدمة، ودفع إليه اللواء، وخرج رسول الله ﷺ على إثره" (٢). ٦ - مدة الحصار وكم استمرت: ٤٥٧ - من حديث عائشة ﵂ قالت: في حديث طويل سبق ذكر جزء منه في إصابة سعد بن معاذ " .... قالت: فلبس رسول الله ﷺ لأمته (٣)، وأذن في الناس بالرحيل أي يخرجوا، فخرج رسول الله ﷺ ، فمر على بني غنم، وهي جيران المسجد حوله فقال: من مر بكم؟ فقالوا: مر بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي تشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل ﵇، فقالت: فأتاهم رسول الله ﷺ فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة … " (٤). ٧ - قصة أبي لبابة: ٤٥٨ - من حديث عائشة السابق قولها: " … فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصرهم، واشتد البلاء، قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح" (٥).

стр. 282

٨ - حكم سعد بن معاذ في بني قريظة: ٤٥٩ - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النبي ﷺ إلى سعد، فأتى على حمار، فلما دنا من المسجد قال للأنصار: (قوموا إلى سيدكم -أو خيركم- فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك)، فقال: تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم قال: (قضيت بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك" (١). ٤٦٠ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق، وضع السلاح، واغتسل، فأتاه جبريل ﵇، وهو ينفض رأسه من الغبار فقال: قد وضعت السلاح والله ما وضعته، اخرج إليهم، قال النبي: (فأين؟) فأشار إلى بني قريظة، فأتاهم رسول الله ﷺ ، فنزلوا على حكمه، فرد الحكم إلى سعد. قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم، قال هشام: فأخبرني أبي عن عائشة أن سعدًا قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب، فافجرها، واجعل موتتي فيها، فانفجرت من لبته، فلم يرعهم، وفي المسجد خيمة من بني غفار -إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دمًا، فمات منها ﵁" (٢).

стр. 283

٤٦١ - من حديث عائشة قالت: في الحديث الطويل الذي اجتزأنا منه أجزاء سابقة " … قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ فقال رسول الله ﷺ : (أنزلوا على حكم سعد بن معاذ)، فنزلوا، وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ، فأتى به على حمار عليه إكاف من ليف قد حمل عليه وحف به قومه، فقالوا: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية، ومن قد علمت قالت: وأني (١) لا يرجع إليهم شيئًا، ولا يلتفت إليهم حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد أنى (٢) لي أن لا أبالي في الله لومة لائم. قال: قال أبو سعيد: فلما طلع على رسول الله ﷺ قال: (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه) فقال عمر: سيدنا الله ، قال: (أنزلوه)، فأنزلوه، قال رسول الله ﷺ : (احكم فيهم) فقال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال رسول الله ﷺ : (لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله …) (٣). وقد جاءت قصة نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ ﵁ من حديث جابر بن عبد الله، وسيأتي بلفظه في بيان عدد المقتولين من بني قريظة فانظر تخريجه هناك. ٩ - كيف ميز النبي بين الصغار والبالغين من بني قريظة: ٤٦٢ - من حديث عطية القرظي، قال: (كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت" وفي رواية أخرى زاد (فكشفوا عانتي، فوجدوها لم تنبت، فجعلوني في السبي" (٤).

стр. 284

١٠ - عدد بني قريظة الذين قتلهم رسول الله ﷺ : ٤٦٣ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا أكحله، فحسمه رسول الله ﷺ بالنار، فانتفخت يده، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فنزفه، فلما رأى ذلك، قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقه، فنما قطرة قطرة، حتى نزلوا على حكم سعد، فأرسل إليه، فحكم أن تقتل رجالهم، ويستحيى نساؤهم وذراريهم، يستعين بهم المسلمون، قال رسول الله ﷺ : (أصبت حكم الله فيهم)، وكانوا أربعمائة، فلما فرع من قتلهم، انفتق عرقه فمات" (١). وقال الحافظ في الفتح " واختلف في عدتهم، فعند ابن إسحاق أنهم كانوا ستمائة، وبه جزم أبو عمرو في ترجمة سعد بن معاذ، وعند ابن عائذ من مرسل قتادة وكانوا سبعمائة، وقال السهيلي: المكثر يقول إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة، وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، فيحتمل في طريق الجمع أن يقال إن الباقين كانوا أتباعًا، وقد حكى ابن إسحاق أنه قيل: إنهم كانوا تسعمائة" (٢). ١١ - قصة المرأة التي قتلت من بني قريظة: ٤٦٤ - من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂: قالت: "لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة قالت: والله إنها لعندي تتحدث معي تضحك ظهرًا وبطنًا (٣) ورسول الله ﷺ يقتل رجالهم بالسوق إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله، قالت: قلت: ويلك وما لك؟ قالت: أقتل، قالت: قلت: ولم؟ قالت: حدثًا أحدثته (٤)، قالت: فانطلق بها، فضربت عنقها، وكانت عائشة رضي الله ﵎ عنها تقول: والله ما أنسى عجبي من طيب نفسها، وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنها تقتل" (٥).

стр. 285

١٢ - إسلام بعض يهود بني قريظة وتقسيم أموال بني قريظة بين المسلمين: ٤٦٥ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "حاربت قريظة والنضير، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبي فأمنهم، وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة" (١). ١٣ - موت سعد بن معاذ ﵁: ٤٦٦ - من حديث عائشة الطويل الذي سبق ذكر أجزاء متفرقة منه قالت: " … ثم دعا سعد قال: "اللهم إن كنت أبقيت على نبيك ﷺ من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، قالت: فانفجر كلمه (٢) وكان قد برئ حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص (٣) ورجع إلى قبتة التي ضرب عليه رسول الله ﷺ . قالت عائشة: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، قالت: فوالذي نفس محمَّد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله : ﴿رحماء بينهم﴾ قال علقمة: قلت: أي أمه، فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد (٤) فإنما هو آخذ بلحيته" (٥).

стр. 286

١٤ - مشاركة الملائكة في حمله: ٤٦٧ - من حديث محمود بن لبيد ﵁ قال: "لما أصيب أكحل سعد، فثقل، حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة تداوي الجرحى، فكان النبي ﷺ ، إذا مر به يقول: (كيف أمسيت، وكيف أصبحت؟) فيخبره حتى كانت الليلة التي نقله قومه فيها وثقل، فاحتملوه إلى بني عبد الأشهل إلى منازلهم، وجاء رسول الله فقيل: انطلقوا به، فخرج وخرجنا معه، وأسرع حتى تقطعت شسوع نعالنا، وسقطت أرديتنا، فشكا ذلك إليه أصحابه، فقال: (إني أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة، فتغسله كما غسلت حنظلة) فانتهى إلى البيت وهو يغسل، وأمه تبكيه وتقول: ويل أم سعد سعدًا … حزامة وجدًا فقال: (كل باكية تكذب إلا أم سعد) "ثم خرج به، قال: يقول له القوم: ما حملنا يا رسول الله ميتًا أخف علينا منه، قال: (ما يمنعه أن يخف، وقد هبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قط قبل يومهم، قد حملوه معكم) (١). ١٥ - شهادة الرسول ﵇ لسعد بالخير: ٤٦٨ - من حديث عبد الله بن شداد ﵁ قال: "دخل رسول الله ﷺ على سعد وهو يكيد نفسه فقال: (جزاك الله خيرًا من سيد قوم، فقد أنجزت ما وعدته، ولينجزنك الله ما وعدك) (٢).

стр. 287

١٦ - القبر ضم سعد بن معاذ: ٤٦٩ - من حديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : (لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا منها سعد) (١). ١٧ - اهتزاز العرش لموت سعد: ٤٧٠ - من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اهتز عرش الرحمن لموت سعد) (٢). ١٨ - مناديل سعد في الجنة: ٤٧١ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (أهدي للنبي ﷺ جبة سندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها فقال: (والذي نفس محمَّد بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا) (٣).

стр. 288

المبحث الثاني: زواجه ﵊ بزينب بنت جحش ١ - إرسال زيد بن حارثة لخطبتها للرسول ﵊: ٤٧٢ - من حديث أنس ﵁ قال: "لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد (فاذكرها علي) قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها (١) قال: فلما رأيتها عظمت في صدري (٢) حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله- ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب! أرسل رسول الله ﷺ يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ ، فدخل عليها بغير إذن. قال: فقال: ولقد رأيتنا أن رسول الله ﷺ أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله ﷺ واتبعته، فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله! كيف وجدت أهلك، قال: فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبرني. قال: فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه، فألقي الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب. قال: ووعظ القوم بما وعظوا به" لفظ مسلم (٣). وفي لفظ آخر عند مسلم من حديث أنس ﵁: "أن أم سليم أهدت إلى رسول الله طعامًا يوم زواج زينب فيقول: تزوج رسول الله ﷺ فدخل بأهله، قال: فصنعت أمي أم سليم حيسًا، فجعلته في تور (٤) فقالت: يا أنس، اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ ، فقل: بعثت بهذا إليك أمي، وهي تقرئك السلام. وتقول: إن هذا لك منا قليل، يا رسول الله! قال؛ فذهبت بها إلى رسول الله ﷺ . فقلت: إن أمي تقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله!

стр. 289

فقال: (ضعه)، ثم قال: (اذهب، فادع لي فلانًا وفلانًا وفلانًا، ومن لقيت) وسمى رجالًا قال: فدعوت من سمى، ومن لقيت". قال: قلت لأنس: عدد كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة. وقال لي رسول الله ﷺ : (يا أنس! هات التور) قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة. فقال رسول الله ﷺ : (ليتحلق عشرة عشرة وليأكل كل إنسان مما يليه) قال: فأكلوا حتى شبعوا. قال: فخرجت طائفة، ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم، فقال لي: (يا أنس! ارفع). قال: فرفعت، فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت. قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ جالس، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ ، فسلم على نسائه، ثم رجع، فلما رأوا رسول الله ﷺ قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، قال: فابتدروا الباب، فخرجوا كلهم، وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر، ودخل، وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى خرج عليَّ، وأنزلت هذه الآية. فخرج رسول الله ﷺ وقرأهن على الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إلى آخر الآية. قال الجعد: قال أنس بن مالك: أنا أحدث الناس عهدًا بهذه الآيات وحجبن نساء النبي ﷺ ". ٢ - نزول الحجاب: ٤٧٣ - من حديث أنس ﵁ قال: "أنا أعلم الناس بالحجاب، لقد كان أبي بن كعب يسألني عنه قال أنس: أصبح رسول الله ﷺ عروسًا بزينب بنت جحش. قال: وكان تزوجها بالمدينة، فدعا الناس للطعام بعد ارتفاع النهار، فجلس رسول الله ﷺ ، وجلس معه رجال بعد ما قام القوم، حتى قام رسول الله ﷺ ، فمشى، فمشيت معه حتى بلغ باب حجرة عائشة ثم ظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، فإذا هم جلوس مكانهم، فرجع فرجعت الثانية،

стр. 290

حتى بلغ حجرة عائشة، فرجع فرجعت، فإذا هم قد قاموا فضرب بيني وبينه بالستر، وأنزل الله آية الحجاب" (١). ٣ - مفاخرة السيدة زينب: ٤٧٤ - من حديث أنس ﵁ قال: "نزلت آية الحجاب في زينب بنت جحش، وأطعم عليها يومئذ خبزًا ولحمًا، وكانت تفخر على نساء النبي ﷺ ، وكانت تقول: إن الله أنكحني في السماء" (٢). ٤ - شكوى زيد بن حارثة ومقالة رسول الله له قبل طلاقها منه: ٤٧٥ - من حديث أنس ﵁ قال: "جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي ﷺ يقول: (اتق الله، وأمسك عليك زوجك) قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات" (٣).

стр. 291

المبحث الثالث: مقتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق ٤٧٦ - من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: "بعث رسول الله ﷺ رهطًا إلى أبي رافع، فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلًا، وهو نائم فقتله" (١). ٤٧٧ - من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: "بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهودي رجالًا من الأنصار، فأمر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ ، ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه، وقد غربت الشمس، وراح الناس بسرحهم، فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من البواب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلت، فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأغاليق (٢) على عود. قال: فقمت إلى الأقاليد (٣) فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافع يُسْمَرُ عنده، وكان في علالي له، فلما ذهب عنه أهل سمره، صعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابًا أغلقت علي من داخل، قلت: إن القوم نذروا لي لم يخلصوا إلى حتى أقتله، فانتهيت إليه، فهذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت، فقلت: أبا رافع؟ قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت، فأضربه ضربة بالسيف، وأنا دهش فما أغنيت شيئًا، وصاح، فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل، إن رجلًا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه ضربة أثخنته، ولم أقتله، ثم وضعت خبيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي، وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته أم لا، فلما صاح الديك قام الناعي على السور،

стр. 292

فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته، فقال لي: (ابسط رجلك)، فبسطت رجلي فمسحها، فكأنها لم أشتكها قط" (١). الفوائد المأخوذة من هذا الحديث: ١ - جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة وأصر على الكفر. ٢ - قتل من أعان على رسول الله ﷺ بيده أو ماله أو لسانه. ٣ - جواز التجسس على أهل الحرب وتطلب غرتهم. ٤ - الأخذ بالشدة في محاربة المشركين. ٥ - جواز إبهام القول للمصلحة. ٦ - جواز تعرض القليل من المسلمين للكثير من المشركين. ٧ - الحكم بالدليل والعلامة لاستدلال ابن أبي عتيك على أبي رافع بصوته، واعتماده على صوت الناس بموته (٢). المبحث الرابع: قصة ثمامة بن أثال الحنفي ٤٧٨ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "بعث رسول الله ﷺ خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: (ماذا عندك يا ثمامة؟) فقال: عندي يا محمَّد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم، تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ حتى كان من الغد، فقال: (ما عندك يا ثمامة؟) قال: ما قلت لك. إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت". فتركه رسول الله ﷺ حتى كان بعد الغد فقال: (ماذا عندك! يا ثمامة؟) فقال: عندي ما قلت لك، إن تنعم، تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال، فسل تعط منه ما شئت.

стр. 293

فقال: رسول الله ﷺ : (أطلقوا ثمامة) فانطلق إلى نخيل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، يا محمَّد! والله! ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، والله! ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ ولا، والله! لا يأتيكم من اليمامة حبَّة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ " (١). واللفظ لمسلم. فوائد من قصة ثمامة: ١ - جواز ربط الكافر في المسجد. ٢ - جواز المن على الأسير الكافر، وتعظيم أمر العفو عن المسيء, لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًّا في ساعة واحدة لما أسداه النبي ﷺ إليه من العفو والمن بغير مقابل. ٣ - الاغتسال عند الإِسلام كما فعل ثمامة حين أسلم. ٤ - الإحسان يزيل البغض وينبت الحب. ٥ - يشرع للكافر إذا أراد عمل خير ثم أسلم أن يستمر في عمل ذلك الخير. ٦ - الملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأسارى إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه" (٢). ٧ - الإِسلام يغير سلوك المؤمن حي يضع المسلم قدراته تحت تصرف الإِسلام والمسلمين كما فعل ثمامة بعدم إرساله القمح لأهل مكة إلا بإذن من الرسول ﵇. ٨ - ينبغي أن يخلع المؤمن على عتبة الإيمان وعند تركه للكفر كل علاقاته السابقة، والتزامه بأوامر رب العالمين بعد إيمانه.

стр. 294

المبحث الخامس: غزوة بني لحيان كانت في أوائل السنة السادسة للهجرة على الصحيح كما قاله ابن كثير (١). وقد صلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الخوف لأول مرة بعسفان كما جاء في: ٤٧٩ - حديث أبي عياش الزرقي ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى رسول الله ﷺ الظهر فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم. قال: فنزل جبريل ﵇ بهذه الآيات بين الظهر والعصر ﴿وإذا كنت فيه فأقمت لهم الصلاة﴾ قال: فحضرت، فأمرهم رسول الله ﷺ ، فأخذوا السلاح، قال: فصففنا صفين، قال: ثم ركع، فركعنا جميعًا، ثم رفع، فرفعنا جميعًا، ثم سجد النبي ﷺ بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون، فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء قال: ثم ركع فركعوا جميعًا، ثم رفع فرفعوا جميعًا، ثم سجد النبي ﷺ والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلس، جلس الآخرون فسجدوا فسلم عليهم ثم انصرف، قال: فصلاها رسول الله ﷺ مرتين، مرة بعسفان ومرة بأرض بني سليم" (٢). ٤٨٠ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ نزل بين ضجنان وعسفان، فقال المشركون: إن لهم صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، وهي العصر، فأجمعوا أمركم، فميلوا عليهم ميلة واحدة، وإن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فأمره أن يقسم أصحابه شطرين، فيصلي ببعضهم، وتقوم الطائفة الأخرى وراءهم ليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ثم تأتي الأخرى فيصلون معه، ويأخذ هؤلاء حذرههم وأسلحتهم، لتكون لهم ركعة ركعة مع رسول الله ﷺ ، ولرسول الله ﷺ ركعتان) (٣).

стр. 295

المبحث السادس: قصة العرنيين ٤٨١ - من حديث أنس ﵁ قال: "إن ناسًا من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي ﷺ ، وتكلموا بالإِسلام فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وراع, وأمرهم أن يخرجوا فيه، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا، حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي ﷺ ، واستاقوا الذود، فبلغ النبي ﷺ ، فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم، فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم). واللفظ للبخاري. وأما رواية مسلم "أن نفرًا من عكل، ثمانية، قدموا على رسول الله ﷺ ، فبايعوه على الإِسلام، فاستوخموا الأرض، وسقمت أجسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: ألا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبون من أبوالها وألبانها؛ فقالوا: بلى، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها، فصحوا، فقتلوا الراعي وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فبعث في آثارهم، فأدركوا فجيء بهم، فأمر فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا) (١).

стр. 296

الفصل الثامن الأحداث من غزوة الحديبية إلى فتح مكة المبحث الأول: غزوة الحديبية ١ - وقتها: كانت غزوة الحديبية سنة ست للهجرة في ذي القعدة، وهذا هو الصحيح، وهو قول الزهريّ، ونافع مولى ابن عمر، وقتادة، وموسى بن عقبة، ومحمد ابن إسحاق وغيرهم وهذا هو رأي الجمهور في ذلك (١). وقد جاء هذا التصريح من حديث أنس، وعائشة، والبراء بن عازب أن رسول الله ﷺ ما اعتمر إلا في ذي القعدة. وأورد هنا حديث أنس ﵁ لأنه أكثرها وضوحًا وتصريحًا بذلك: ٤٨٣ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "اعتمر رسول الله ﷺ أربع عُمر كلهن في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته، عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة وعمرة مع حجته" (٢). وقد شذ عن الجمهور في رواية عنه عروة بن الزبير فيما روى عنه ابنه هشام ابن عروة: "أن النبي ﷺ خرج إلى الحديبية في رمضان وكانت الحديبية في شوال". وقد قال الحافظ ابن كثير فيما ذهب إليه عروة: وهذا غريب جدًّا عن عروة، وقال ابن القيم: هذا وهم، وقد جاء عن عروة من طريق أبي الأسود عنه: أنها كانت في ذي القعدة، وهذا هو الصواب. والله أعلم (٣).

стр. 297

٢ - عدد المسلمين مع النبي ﷺ : جاءت الروايات في عددهم على ثلاثة أوجه: فمن قائل إنهم كانوا ألفًا وثلاثمائة، ومن قائل أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، ومن قائل أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة، وكلها في الصحيح نذكر بعض هذه الروايات، ثم نحرر الخلاف بينها ووجه الجمع بين هذه الأقوال: أ - أنهم كانوا ألفًا وثلاثمائة: ٤٨٤ - من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵄ قال: كان أصحاب الشجرة ألفًا وثلاثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين" (١). ب - أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة: ٤٨٥ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية أنتم خير أهل الأرض وكنا ألفًا وأربعمائة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة" (٢). جـ - أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة: ٤٨٦ - من حديث جابر ﵁ قال: "لو كنا مائة ألف لكفانا (٣): كنا خمس عشرة مائة" (٤). قال الحافظ رحمه الله تعالى: "والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال ألفًا وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألفًا وأربعمائة

стр. 298

ألغاه، ويؤيده قوله في الرواية الثالثة من حديث البراء وألفًا وأربعمائة أو أكثر" واعتمد هذا الجمع النووي. وأما البيهقي فمال إلى الترجيح، وقال إن رواية من قال ألف وأربعمائة أصح، ثم ساقه من طريق أبي الزبير ومن طريق أبي سفيان كلاهما عن جابر كذلك، ومن رواية معقل بن يسار وسلمة بن الأكوع، والبراء بن عازب. ومن طريق قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبيه. قلت: ومعظم هذه الطرق عند مسلم، ووقع عند ابن سعد في حديث معقل ابن يسار زهاء ألف وأربعمائة وهو ظاهر في عدم التحديد، وأما قول عبد الله بن أبي أوفى ألفًا وثلاثمائة فيمكن حمله على ما اطلع هو عليه واطلع غيره على زيادة ناس لم يطلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة، ويمكن أن يقال: العدد الذي ذكره جملة من ابتدأ الخروج من المدينة والزائد تلاحقوا بهم بعد ذلك، أو العدد الذي ذكره هو عدد المقاتلة والزيادة عليها من الأتباع من الخدم والنساء والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم. وأما قول ابن إسحاق أنهم كانوا سبعمائة فلم يوافق عليه, لأنه قاله استنباطًا من قول جابر "نحرنا البدنة عن عشرة" وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدل على أنهم لم ينحروا غير البدن، مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلًا، وفي حديث المسور ومروان أنهم خرجوا مع النبي ﷺ بضع عشرة مائة، فيجمع أيضًا بأن الذين بايعوا كانوا كما تقدم، وما زاد على ذلك كانوا غائبين عنها كمن توجه مع عثمان إلى مكة، على أن لفظ البضع يصدق على الخمس والأربع فلا تخالف. وجزم موسى بن عقبة بأنهم كانوا ألفًا وستمائة، وفي حديث سلمة بن الأكوع عند ابن أبي شيبة ألفًا وسبعمائة، وحكى ابن سعد أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين، وهذا إن ثبت تحرير بالغ، ثم وجدته موصولًا عن ابن عباس عند ابن مردويه، وفيه رد على ابن دحية حيث زعم أن سبب الاختلاف في عددهم أن الذي ذكر عددهم لم يقصد التحرير وإنما ذكره بالحدس والتخمين" (١).

стр. 299

٣ - إحرام الرسول ﵇ من ذي الحليفة: ٤٨٧ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق حديث كل منهما حديث صاحبه قالا: "خرج رسول الله ﷺ زمان الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة (١) قلد رسول الله ﷺ الهدي وأشعره (٢)، وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينًا (٣) له من خزاعة يخبره عن قريش" (٤). ٤ - استعداد قريش لمحاربته ﵇ -: " وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريب من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال: إني قد تركت كعبَ بن لؤي وعامر بن لؤي -لفظ البخاري (إن قريشًا جمعوا لك جموعًا) قد جمعوا لك الأحابيش (٥)، وجمعوا لك جموعًا وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال النبي ﷺ : (أشيروا علي، أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا، قعدوا موتورين محروبين، وإن نجوا - (قال: قال يحيى بن سعيد عن ابن المبارك) نجوا محزونين، وإن يجيئوا تكن عنقًا قطعها الله، أوترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟) فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم يا نبي الله إنما جئنا معتمرين، ولم نجىء نقاتل أحدًا، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي ﷺ : (فروحوا إذًا) " واللفظ لأحمد.

стр. 300

٥ - اعتراض خالد بن الوليد المسلمين، وخروج النبي ﷺ عن طريقه: ٤٨٨ - من حديث مروان والمسور السابق: " .... فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ : (إن خالد بن الوليد بالغميم (١)، في خيل لقريش طليعة (٢)، فخذوا ذات اليمين)، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة (٣) الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية (٤) التي يهبط عليهم منها، بركت راحلته، فقال الناس: "حل حل (٥) " فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، فقال ﷺ : (ما خلاف القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل) " (٦) (٧). ٤٨٩ - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كنا بعسفان قال لنا رسول الله ﷺ : إن عيون المشركين الآن على ضجنان فأيكم يعرف طريق الحنظل؟ فقال رسول الله ﷺ حين أمسى: (هل من رجل فينزل فيسعى بين يدي الركاب؟) فقال رجل: أنا يا رسول الله فنزل: فجعلت الحجارة تنكبه (٨)، والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول الله ﷺ : (اركب)، ثم نزل آخر، فجعلت الحجارة تنكبه، والشجر يعلق بثيابه، فقال رسول الله ﷺ : (اركب)، ثم وقعنا على الطريق حتى سرنا في ثنية يقال لها الحنظل، فقال رسول الله ﷺ : (ما مثل هذا الثنية إلا كمثل الباب الذي دخل فيه بنو إسرائيل، قيل لهم: ادخلوا الباب سجدًا، وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم، لا يجوز أحد الليلة هذه الثنية إلا غفر له)، فجعل الناس يسرعون ويجوزون، وكان آخر من جاز قتادة بن النعمان في آخر القوم، قال: فجعل

стр. 301

الناس يركب بعضهم بعضًا حتى تلاحقنا، قال: فنزل رسول الله ﷺ ونزلنا" (١). ٦ - استعداد النبي ﷺ للمفاوضة: ٤٩٠ - من حديث مروان والمسور السابق: " … فقال النبي ﷺ : (ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل)، ثم قال: (والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطبة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها). ثم زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء" (٢). ٧ - تفجير الماء من البئر الذي نضب في الحديبية ببركته ﷺ : ٤٩١ - من الحديث السابق قال: "فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضًا، فلم يُلبثه الناس حتى نزحوه، وشكى إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه" (٣). وقد جاء أيضًا تفجر الماء من البئر من حديث البراء بن عازب، ومن حديث سلمة بن الأكوع ﵄ نوردهما لزيادة الفائدة: ٤٩٢ - من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح: بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة، والحديبية بشر فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتى فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء منها، فتوضأ، ثم مضمض، ودعا، ثم صبه فيها، فتركها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا نحن وركائبنا". وفي رواية أخرى قال بدل (إناء من ماء منها)، (ائتوني بدلو من مائها)

стр. 302

وقال بدل (فتركها غير بعيد) (دعوها ساعة) (١). ٤٩٣ - ومن حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "قدمنا مع رسول الله ﷺ الحديبية ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها. قال: فقعد رسول الله ﷺ على جبا الركية (٢)، فإما دعا وإما بزق فيها، فجاشت (٣) فسقينا، واستقينا" (٤). ٨ - تكثيره ﷺ الطعام: ٤٩٤ - من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فأصابنا جهد (٥) حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا، فأمر نبي الله ﷺ فجمعنا مزاودنا (٦) فبسطنا له نطعًا (٧)، فاجتمع زاد القوم على النطع، قال: فتطاولت لأحزره (٨) كم هو؟ فحزرته كربضة العنز (٩) ونحن أربع عشرة مائة، قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعًا، ثم حشونا جربنا (١٠) " (١١).

стр. 303

٩ - نصيحة بديل بن ورقاء الخزاعي لرسول الله ﷺ : ٤٩٥ - من حديث مروان والمسور الذي سبق بعضه " … فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة -وكانوا عيبة نصح (١) رسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية (٢)، ومعهم العوذ المطافيل (٣)، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ : (إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا (٤)، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري حتى تنفرد سالفتي. ولينفذن الله أمره)، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. قال: فانطلق حتى أتى قريشًا قال: إنا جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا: فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول: قال: سمعته يقول: كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي ﷺ " (٥). ١٠ - وفود عروة بن مسعود الثقفي ومفاوضته لرسول الله ﷺ : من حديث مروان والمسور السابق: " … فحدثهم بما قال النبي ﷺ ، فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم بالوالد (٦)؟ قالوا: بلى، قال: أولست

стр. 304

بالولد؟ (١) قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني، قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا علي (٢) جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد اقبلوها، ودعوني آته، قالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ نحوا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمَّد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لا أرى وجوهًا (٣) وإني لأرى أشوابًا (٤) من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر ﵁: امصص بظر اللات (٥)، أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يد (٦) كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي ﷺ ، فكلما تكلم كلمة أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ، ومعه السيف، وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ، ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ ، فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر (٧) ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : (أما الإِسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء)، ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له.

стр. 305

فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت مليكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمَّد ﷺ ، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا أخفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له؛ وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها" (١). ٤٩٦ - من حديث المغيرة بن شعبة ﵁: "إنه كان قائمًا على رأس رسول الله ﷺ وعروة بن مسعود يكلمه، فقال له المغيرة: لتكفن يدك أو لا ترجع إليك يدك، والمغيرة متقلد سيفًا، فقال عروة: من هذا؟ قال: ابن أخيك المغيرة، فقال: يا غدر ما غسلت رأسي من غدرتك" (٢). ١١ - إرسال عثمان بن عفان إلى قريش: من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة قالا: " … وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل له يقال له الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش، وأرادوا قتل خراش، فمنعهم الأحابيش حتى أتى رسول الله ﷺ ، فدعا عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني، عثمان بن عفان. قال: فدعاه رسول الله ﷺ ، فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحرمته، فخرج عثمان حتى أتى مكة، ولقيه أبان ابن سعيد بن العاص فنزل عن دابته، وحمله بين يديه، وردف خلفه، وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ . فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ ،

стр. 306

فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قتل" (١). وهذه رواية للحديث من طريق أخرى عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق محمَّد بن إسحاق قال حدثني الزهريّ محمَّد بن مسلم بن شهاب عن عروة بن الزبير عنهما. ١٢ - بيعة الرضوان: لما بلغ النبي ﷺ أن عثمان ﵁ قتل، دعا رسول الله ﷺ أصحابه إلى مبايعته على قتال المشركين، ومناجزتهم، وها نحن نثبت هنا وصفًا لتلك البيعة وأحداثها كما يرويها من حضرها من أصحاب رسول الله ﷺ : أ - قيام معقل بن يسار برفع أغصان الشجرة لئلا تصطدم بالرسول ﵇ -: ٤٩٧ - من حديث معقل بن يسار ﵁ قال: "لقد رأيتني يوم الشجرة، والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه أن لا نفر" (٢). ب - أول من بايع الرسول ﵇ -: ٤٩٨ - قال الحافظ في الإصابة: أخرج الحاكم أبو أحمد من طريق عاصم الأحول عن الشعبي قال: "أتاني عامري وأسدي يعني كانا متفاخرين، فقلت: كان لبني أسد ست خصال ما كانت لحي من العرب أول من بايع بيعة الرضوان أبو سنان عبد الله بن وهب الأسدي قال: يا رسول الله ابسط يدك أبايعك قال: (على ماذا؟) قال: على ما في نفسي قال: (فتح وشهادة) قال: نعم، فبايعه قال: فخرج الناس يبايعون على بيعة أبي سنان" (٣).

стр. 307

جـ - من تخلف عن البيعة: ٤٩٩ - من حديث جابر بن عبد الله ﵁: "قال أبو الزبير أنه سمع جابرًا يسأل: كم كانوا يوم الحديبية قال: كنا أربع عشر مائة، فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة (١)، فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري، اختبأ تحت بطن بعيره" (٢). د - مبايعة سلمة بن الأكوع لرسول الله ﷺ ثلاث مرات: ٥٠٠ - من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ " … قال: ثم إن رسول الله ﷺ دعانا إلى البيعة في أصل الشجرة فبايعه أول الناس، ثم بايع وبايع، حتى إذا كان في وسط الناس قال: (بايعني يا سلمة) قال: قلت: يا رسول الله قد بايعتك أول الناس، قال: (وأيضًا)، قال: ورآني رسول الله ﷺ عزلًا (٣)، فأعطاني جحفة أو درقة (٤)، ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال: (ألا تبايع يا سلمة؟) قال: قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم، قال: (وأيضًا) فبايعته الثالثة فقال: (يا سلمة أين جحفتك أو درقتك التي أعطيتك؟) قال: قلت: يا رسول الله لقيني عامر عزلًا فأعطيتها إياه، فضحك رسول الله ﷺ ، ثم قال: (إنك كالذي قال الأول (٥)، اللهم ابغني (٦) حبيبًا هو أحب إليَّ من نفسي) (٧). هـ - مبايعة النبي ﵇ نفسه عن عثمان ﵁: ٥٠١ - من حديث ابن عمر ﵄ كما رواه عنه عثمان بن وهب قال: "جاء رجل حج للبيت، فرأى قومًا جلوسًا فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر. فأتاه فقال: إني

стр. 308

سائلك عن شيء أتحدثني؟ قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد؟ قال: نعم، قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فكبر. قال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه يوم بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ ، وكانت مريضة، فقال له النبي ﷺ : (إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه)، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي ﷺ بيده اليمن: (هذه يد عثمان) فضرب بها على يده فقال: (هذه لعثمان)، اذهب بها الآن معك) (١). و- بيعة عمر بن الخطاب ﵁: ٥٠٢ - قال نافع: "إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر، وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله، ثم ذهب إلى الفرس، فجاء به إلى عمر، وعمر يستلئم للقتال، فأخبره أن رسول الله ﷺ يبايع تحت الشجرة قال: فانطلق، فذهب معه". وفي رواية أخرى من طريق نافع عن ابن عمر ﵄: "أن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي ﷺ ، فقال: يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ ، فوجدهم يبايعون، فبايع، ثم رجع إلى عمر، فخرج، فبايع" (٢). قال الحافظ ابن حجر: "ويمكن الجمع بينهما بأنه بعثه يحضر له الفرس، ورأى

стр. 309

الناس مجتمعين فقال له: انظر ما شأنهم؟ فبدأ بكشف حالهم، فوجدهم يبايعون، فبايع، وتوجه إلى الفرس، فأحضرها، وأعاد حينئذ الجواب على أبيه" (١). ز- علام بايع الصحابة رسول الله يوم الحديبية: اخنلف الصحابة في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: قالوا بايعنا على الموت، وهو قول سلمة بن الأ كوع، وعبد الله بن زيد بن عاصم. ٥٠٣ - حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن يزيد بن أبي عبيد ﵀ قال: "قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت" (٢). ٥٠٤ - وحديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: "أتاه آت فقال: هذاك ابن حنظلة يبايع الناس، فقال: على ماذا؟ قال: على الموت. قال: لا أبايع على هذا أحدًا بعد رسول الله ﷺ ، وكان شهد معه الحديبية" (٣). الثاني: قالوا أنه بايعوه على عدم الفرار وهو قول جابر بن عبد الله ومعقل بن يسار. ٥٠٥ - من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كنا يوم الحديبية الفًا وأربع مائة، فبايعناه، وعمر ﵁ آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة قال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت" (٤) وحديث معقل بن يسار تقدم رقم: ٤٩٧.

стр. 310

الثالث: أنهم بايعوه على الصبر، وقد جاء هذا من حديث ابن عمر. ٥٠٦ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها" كانت رحمة من الله فسألنا نافعًا: على أي شيء بايعهم؟ على الموت؟ قال: لا، بل بايعهم على الصبر" (١). وفي التوفيق بين هذه الأقوال الثلاثة أسوق قولين للإمام النووي وابن حجر العسقلاني رحمهما الله تعالى وبين يدي قوليهما أقول: "إن رسول الله ﷺ تكررت منه البيعة للصحابة رضوان الله عليهم في مواطن عديدة كان هذا الموطن من بينها، فتارة كان يبايع الصحابة على الجهاد كما حصل يوم الخندق، وتارة على الإِسلام والجهاد كما حصل مع مجاشع بن مسعود يوم فتح مكة، وتارة على النصح لكل مسلم كما حصل مع جرير بن عبد الله البجلي، وتارة على عدم الفرار، وعلى الموت، وعلى الصبر كما حصل يوم الحديبية فقد بايع قسمًا من الصحابة على عدم الفرار، والآخرون على الموت، وقسم على الصبر". يقول الإِمام النووي رحمه الله تعالى: "قوله في رواية جابر ومعقل بن يسار بايعناه يوم الحديبية على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت. وفي رواية سلمة: أنهم بايعوه يومئذ على الموت، وهو معنى رواية عبد الله بن زيد بن عاصم، وفي رواية مجاشع بن مسعود: البيعة على الهجرة والبيعة على الإِسلام والجهاد، وفي حديث ابن عمر وعبادة بايعنا على السمع والطاعة، وأن لا ننازع الأمر أهله، وفي رواية ابن عمر في غير صحيح مسلم: البيعة على الصبر. قال العلماء: هذه الرواية تجمع المعاني كلها، وتبين مقصود كل الروايات، فالبيعة على أن لا تفر معناه الصبر حتى نظفر بعدونا أو نقتل، وهو معنى البيعة على الموت، أي نصبر وإن آل بنا ذلك إلى الموت، لا إن الموت مقصود في نفسه، وكذا البيعة على الجهاد أي والصبر فيه والله أعلم" (٢).

стр. 311

قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "إن المبايعة فيها مطلقة، وقد أخبر سلمة بن الأكوع، وهو ممن بايع تحت الشجرة أنه بايع على الموت، فدل ذلك على أنه لا تنافي بين قولهم بايعوه على الموت، وعلى عدم الفرار، لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت ولا بد، وهو الذي أنكره نافع وعدل إلى قوله (بل بايعهم على الصبر) أي على الثبات وعدم الفرار سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا، والله أعلم" (١). ويقول في موطن آخر: "وحاصل الجمع أن من أطلق أن البيعة كانت على الموت أراد لازمها؛ لأنه إذا بايع على أن لا يفر لزم من ذلك أن يثبت، والذي يثبت إما أن يغلب وإما أن يؤسر، والذي يؤسر إما أن ينجو وإما أن يموت، ولما كان الموت لا يؤمن في مثل ذلك أطلقه الراوي، وحاصله أن أحدهما حكى صورة البيعة، والآخر حكى ما تؤول إليه" (٢). وقال الإِمام الترمذي في سننه في تعليقه على الحديث رقم: ١٥٩٣: ومعنى كلا الحديثين صحيح قد بايعه قوم من أصحابه على الموت وإنما قالوا: لا نزال بين يديك حتى نقتل وبايعه آخرون فقالوا: لا نفر) (٣). ١٣ - إرسال سيد الأحابيش للتفاوض مع النبي: ٥٠٧ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم الآنف الذكر " … فقال رجل من بني كنانة دعوني آتيه؟ فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ : (هذا فلان: وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له)، فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت: فما أرى أن يصدوا عن البيت" (٤). وقد صرح ابن إسحاق ﵀ في روايته لهذا الحديث باسم ذلك الرجل، وإسناد ذلك الحديث صحيح، وها أنذا أسوق لفظه ذلك قال ابن إسحاق

стр. 312

" … ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان، وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: (إن هذا من قوم يتألهون (١)، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه)، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي (٢) في قلائده (٣) وقد أكل أوباره من طول الجس عن محله (٤)، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظامًا لما رأى فقال لهم ذلك. قال: فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك". قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: "أن الحليس غضب عند ذلك وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أيصد عن بيت الله من جاء معظمًا له! والذي نفس الحليس بيده، لتخلن بين محمَّد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، قال: فقالوا له: صه، كف عنا يا حيس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى" (٥). ١٤ - تحذير النبي الصحابة من إيقاد النار في الليل: ٥٠٨ - من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ لما كان يوم الحديبية قال: (لا توقدوا نارًا بليل، فلما كان بعد ذلك قال: أوقدوا واصطنعوا، فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم) (٦). ١٥ - أسر رجال من المشركين حاولوا الاعتداء على المسلمين: ٥٠٩ - من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ ضمن حديث طويل سبق ذكر أجزاء منه قال: " … أتيت شجرة فكسحت شوكها (٧)، واضطجعت في

стр. 313

أصلها، فأتاني أربعة من أهل مكة من المشركين، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ ، فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا. فبينما هم كذلك، إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم قال: فاخترطت سيفي (١) ثم شددت (٢) على هؤلاء الأربعة، وهم رقود، فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثًا (٣) في يدي. قال: ثم قلت: والذي كرم وجه محمَّد! لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه (٤) قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ . قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات (٥) يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله ﷺ ، على فرس مجفف (٦) في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله ﷺ فقال: (دعوهم. يكن لهم بدء الفجور وثناه (٧)) فعفا عنهم رسول الله ﷺ ، وأنزل الله: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم) (٨) (٩). ٥١٠ - من حديث أنس بن مالك ﵁: "أن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غرة النبي ﷺ وأصحابه، فأخذهم سلمًا، فاستحياهم، فأنزل الله : ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾ (١٠).

стр. 314

وقد جاء من حديث عبد الله بن مغفل ما يدل على أن هذا الأمر حصل أثناء كتابة الصلح بين رسول الله ﷺ وبين سهيل بن عمرو، وأن رسول الله دعا على الذين حاولوا مهاجمة المسلمين، فأخذ الله أبصارهم، فقبض عليهم المسلمون، وكان عدد هؤلاء ثلاثين شابًا من قريش، ثم أطلق رسول الله ﷺ سراحهم، فلعل ذلك حصل مرة أخرى والله أعلم. ٥١١ - حديث عبد الله بن مغفل المزني ﵁ قال: "كنا مع النبي ﷺ بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن، وكان يقع في أغصان الشجرة على ظهر النبي ﷺ ، وعلي بن أبي طالب وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله ﷺ : (اكتب هذا ما صالح عليه محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب، وأنا رسول الله، فكتب فبينما نحن كذلك فخرج علينا ثلاثون شابًا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله ﷺ ، فأخذ الله أبصارهم، فقمنا إليهم، فقال رسول الله ﷺ : (هل جئتم في عهد أحد وهل جعل لكم أمانًا؟) قالوا: لا، فخلى سبيلهم، فأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (١). ١٦ - نزول المطر على المسلمين يوم الحديبية: ٥١٢ - من حديث زيد بن خالد الأنصاري ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، فأصابنا مطر ذات ليلة، فصلى لنا رسول الله ﷺ الصبح، ثم أقبل علينا فقال: (أتدرون ماذا قال ربكم؟) قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال: (قال الله: أصبح من عبادي مؤمن وكافر بي، فأما من قال مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله، فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنجم كذا، فهو مؤمن بالكوكب كافر بي) (٢).

стр. 315

١٧ - إرسال مكرز بن حفص لمفاوضة الرسول ﵇ -: ٥١٣ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم الطويل الذي سبق أجزاء منه" .. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ : هذا مكرز، وهو رجل فاجر) فجعل يكلم النبي ﷺ " (١). ١٨ - إرسال النبي ﵇ خراش بن أمية الخزاعي لمفاوضة قريش: ٥١٤ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من رواية الإِمام أحمد وابن إسحاق بسند صحيح وسبق أجزاء منه " … وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل يقال له الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش، وأرادوا قتل خراش، فمنعهم الأحابيش، حتى أتى رسول الله ﷺ " (٢). ١٩ - إرسال سهيل بن عمرو لمفاوضة الرسول ﵇ -: ٥١٥ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم السابق: " … أن قريشًا بعثوا سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي فقالوا: أثبت محمدًا فصالحه، ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدًا" (٣). ٥١٦ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان عند البخاري: " … فبينما هو يكلمه (٤) إذ جاء سهيل بن عمرو قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة: أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ : (قد سهل الله أمركم) قال معمر قال الزهريّ في حديثه: "فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا، فدعا النبي ﷺ الكاتب" (٥).

стр. 316

٢٠ - كاتب صلح الحديبية: ٥١٧ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "كتب علي بن أبي طالب الصلح بين النبي ﷺ وبين المشركين يوم الحديبية" (١). وقد جاء عن عدد من الصحابة أن علي بن أبي طالب ﵁ كان هو كاتب الصلح: من حديث أنس ﵁ عند مسلم (٢)، ومن حديث المسور ابن مخرمة ومروان بن الحكم عند أحمد وأبي داود (٣)، ومن حديث ابن عباس عند إسحاق بن راهويه (٤). ٢١ - اعتراض عمر بن الخطاب على كتابة الصلح: ٥١٨ - من حديث سهل بن حنيف ﵁ من طريق أبي وائل عنه قال: "قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال: أيها الناس! اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ولو نرى قتالًا لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين، فجاء عمر بن الخطاب فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: (بلى)، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: (بلى)، قال: ففيم نعطي الدنية (٥) في ديننا، ونرجع، ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: (يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدا) قال: فانطلق عمر فلم يصبر متغيظًا، فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر! ألسنا على حق، وهم على باطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع، ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟. فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبدًا. قال: فنزل

стр. 317

القرآن على رسول الله ﷺ بالفتح. فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول الله!! أو فتح هو؟ قال: (نعم)، فطابت نفسه ورجع) (١). وقد جاءت قصة عمر هذه أيضًا من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم الوارد في الصحيحين كما سبق التعليق عليه (٢). وقد كان موقف بعض الصحابة شبيهًا بموقف عمر بن الخطاب، ولكنهم لم يستطيعوا التعبير عن أنفسهم كما عبر عمر بن الخطاب ﵁ كما يتضح لنا من موقف سهل بن حنيف ﵁ في الحديث الذي سأسوقه لاحقًا: ٥١٩ - من حديث سهل بن حنيف ﵁ قال: بصفين: "أيها الناس! اتهموا رأيكم والله لقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أني أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته، والله! ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر قط، إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه إلا أمركم هذا" (٣). ٢٢ - محاورة بين النبي ﷺ وبين سهيل بن عمرو حول كتابة الكتاب: ٥٢٠ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم الذي في الصحيح والذي سبق أجزاء منه " … فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا، فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ : (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب باسمك اللهم" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". فقال النبي ﷺ : اكتب (باسمك اللهم)، ثم قال: (هذا ما قاض عليه محمَّد رسول الله) فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن

стр. 318

البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمَّد بن عبد الله". فقال النبي ﷺ : (والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمَّد بن عبد الله) قال الزهريّ: وذلك لقوله: (لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) فقال له النبي ﷺ : (على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به)، فقال سهيل: "والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك -إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا" (١). ٢٣ - اعتذار علي عن محو الشهادة للنبي بالرسالة وقيام النبي بذلك: ٥٢١ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "كتب علي بن أبي طالب الصلح بين النبي ﷺ وبين المشركين يوم الحديبية، فكتب "هذا ما كاتب عليه محمَّد رسول الله، فقالوا: لا تكتب رسول الله فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، فقال النبي ﷺ لعلي: (امحُهُ) فقال: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه النبي ﷺ بيده" (٢). ٢٤ - شروط الصلح وبنوده: وقد جاءت شروط الصلح وبنوده مستوفاة تقريبًا في حديث المسور به مخرمة ومروان بن الحكم في مسند أحمد، ومن طريق ابن إسحاق كما في السيرة النبوية لابن هشام، وهذا لا يعني أنها ليست موجودة في كتب الحديث الأخرى، بل وجدت هذه الشروط مفرقة في أحاديث متعددة، وعن طرق عن صحابة متعددين، ولكن وجودها في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم بصورة جامعة يجعلني أقدم هذه الرواية، وقد أخرجت بعض ذلك الحديث مفرقًا في عدة مواطن من حديثنا عن غزوة الحديبية كما أشرت إلى ذلك في التعليقات عليه، وها أنذا أسوق هذه البنود كما جاءت في ذلك الحديث مع حذف بعض الجمل المعترضة خلالها.

стр. 319

٥٢٢ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم " .. باسمك اللهم هذا ما صالح عليه محمَّد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى رسول الله ﷺ من أصحابه بغير إذن وليّه رده عليهم، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه عليه، وإن بيننا عيبة (١) مكفوفة (٢)، وأنه لا إسلال (٣)، ولا إغلال (٤)، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمَّد ﷺ وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وإنك ترجع عنا عامنا هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك، فتدخلها بأصحابك، وأقمت فيها ثلاثًا معك سلاح الراكب، لا تدخلها بغير السيوف في القرب (٥) " (٦). وقد جاءت بعض هذه الشروط من حديث البراء بن عازب عند البخاري ومسلم (٧) ومن حديث أنس عند مسلم (٨)، ومن حديث ابن عمر عند البخاري (٩). ٢٥ - دخول خزاعة في عهد النبي وبنو بكر في عهد قريش: ٥٢٣ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: "أنه من أحب أن يدخل في عقد محمَّد ﷺ وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن مع عقد رسول الله ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم" (١٠).

стр. 320

٢٦ - قصة أبي جندل بن سهيل بن عمرو: ٥٢٤ - من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة الذي في الصحيح، وسبقت منه أجزاء متعددة في أماكن شتى من هذه الغزوة وأشير إليها في أمكنتها، ومما جاء فيها أنهم في أثناء كتابتهم لبنود الاتفاقية جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فطالب والده برده التزامًا بالشروط " … فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرصف في قيوده (١)، وقد خرج من أسفل الكعبة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمَّد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال النبي ﷺ : (إنا لم نقض الكتاب بعد) (٢)، قال: فوالله إذا لم أصالحك على شيء أبدًا قال النبي ﷺ : (فأجزه لي)، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: (بلى فافعل)، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين قد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله" (٣). وفي الطريق الآخر عند الإِمام أحمد وابن إسحاق زيادة لطيفة أوردها هنا، وهي أيضًا من طريق مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة " … فبينما رسول الله ﷺ يكتب الكتاب إذا جاءه أبو جندل بن سهيل بن عمرو في الحديد قد انفلت إلى رسول الله ﷺ وقال: وقد كان أصحاب رسول الله خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ ، فلما رأوها رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه ثم قال: "يا محمَّد قد لجت القضية (٤) بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا"، قال: (صدقت)، فقام إليه، فأخذ بتلبيبه (٥). قال: وصرخ أبو جندل بأعلى صوته يا معاشر المسلمين أتردونني إلى أهل
следующие страницы →