← Сира

Сира · id 13606

صحيح السيرة النبوية - إبراهيم العلي

إبراهيم العلي

Полный текст (585 стр.). Показаны 561–585 · переход к 566.

стр. 561

٨٨٤ - ومن حديث عائشة قالت: (قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: "ادع لي أبا بكر، وأخاك، حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) (١). وفي لفظ البخاري: "قالت عائشة: وارأساه، فقال رسول الله ﷺ : "ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك". فقالت عائشة: واثكلياه، والله إني لأظنك تحب موتي، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسًا ببعض أزواجك. فقال النبي ﷺ : "بل أنا وارأساه، لقد هممت -أو أردت- أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد، أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله، ويدفع المؤمنون. أو يدفع الله، ويأبى المؤمنون". وفي لفظ للإمام أحمد، قالت عائشة: "لما مرض رسول الله ﷺ في بيت ميمونة، فاستأذن نساءه أن يمرض في بيتي، فأذن له، فخرج رسول الله ﷺ معتمدًا على العباس وعلى رجل آخر، رجلاه تخطان في الأرض -وقال عبيد الله فقال ابن عباس: أتدري من ذلك الرجل هو علي بن أبي طالب، ولكن عائشة لا تطيب لها نفسًا. قال الزهري: فقال النبي ﷺ وهو في بيت ميمونة لعبد الله بن زمعة: "مر الناس فليصلوا"، فلقي عمر بن الخطاب فقال: يا عمر صل بالناس. فصلى بهم، فسمع رسول الله ﷺ صوته فعرفه، وكان جهير الصوت، فقال رسول الله ﷺ : "أليس هذا صوت عمر؟ " قالوا: بلى، قال: "يأبى الله جلَّ وعزَّ ذلك والمؤمنون، مروا أبا بكر فليصل بالناس". قالت عائشة: يا رسول الله ﷺ إن أبا بكر رجل رقيق لا يملك دمعه، وإنه إذا قرأ القرآن بكى. قالت: وما قلت ذلك إلا كراهية أن يتأثم الناس بأبي بكر، أن يكون أول من قام مقام رسول الله ﷺ ، فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس"، فراجعته. فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس، إنكن صواحب يوسف".

стр. 562

١٢ - صلاة الصحابة خلف النبي ﷺ في مرضه وهو جالس: ٨٨٥ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "اشتكى رسول الله ﷺ ، فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه. فصلى رسول الله ﷺ جالسًا. فصلوا بصلاته قياما، فأشار إليهم: أن اجلسوا، فجلسوا. فلما انصرف قال: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا" (١). ١٣ - قصة اللدود: ٨٨٦ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لددنا (٢) رسول الله ﷺ في مرضه، وجعل يشير إلينا لا تلدوني، فقلنا كراهية المريض بالدواء، فلما أفاق قال: "ألم أنهكن أن تلدوني! " قال: قلنا كراهية للدواء، فقال رسول الله ﷺ : "لا يبقى منكم أحد إلا لُد، وأنا أنظر، إلا العباس فإنه لم يشهدكم" اللفظ للبخاري. وفي لفظ للإمام أحمد ما نصه: عن هشام بن عروة قال أخبرني أبي أن عائشة قالت له: "يا ابن أختي لقد رأيت من تعظيم رسول الله ﷺ عمه "أي العباس" أمرًا عجيبًا، وذلك أن رسول الله ﷺ كانت تأخذه الخاصرة، فيشتد به جدًّا، فكنا نقول أخذ رسول الله ﷺ عرق الكلية، لا نهتدي أن نقول الخاصرة، ثم أخذت رسول الله ﷺ يومًا ما، فاشتدت به جدًّا حتى أغمي عليه، وخفنا عليه وفزع الناس إليه. فقلنا: إن به ذات الجنب فلددناه، ثم سرى عن رسول الله ﷺ وأفاق وعرف أنه قد لد ووجد أثر اللدود فقال: "ظننتم أن الله سلطها عليّ؟ ما

стр. 563

كان الله ليسلطها عليَّ، والذي نفسي بيده لا يبقى في أحد في البيت إلا لد، إلا عَمي". فرأيتهم يلدونهم رجلًا رجلًا. قالت عائشة: ومن في البيت يومئذ يذكر فضلهم. فلد الرجال أجمعون، وبلغ اللدود أزواج النبي ﷺ فلددن امرأة امرأة حتى بلغ اللدود امرأة منا قالت: إني والله صائمة، فقلنا: بئسما ظننت أن نتركك، وقد أقسم رسول الله ﷺ ، فلددناها والله يا ابن أختي وإنها لصائمة" (١). اشتداد المرض على النبي ﷺ : ٨٨٧ - من حديث أنس ﵁ قال: "لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه، فقالت فاطمة ﵍: واكرب أباه، فقال لها: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم"، فلما قالت: يا أبتاه أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة ﵍: يا أنس، أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب" (٢). ٨٨٨ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله، نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه، جعلت، أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه, لأنها كانت أعظم بركة من يدي" (٣).

стр. 564

١٤ - دعاء النبي صلى اله عليه وسلم لأسامة بن زيد: ٨٨٩ - من حديث أسامة بن زيد بن حارثة ﵁ قال: "لما ثقل رسول الله ﷺ هبطت وهبط الناس المدينة، فدخلت على رسول الله ﷺ وقد أصمت فلم يتكلم، فجعل رسول الله ﷺ يضع يديه عليَّ ويرفعهما فأعرف أنه يدعو لي" (١) اللفظ للترمذي. ١٥ - من آخر وصاياه ﵊: ٨٩٠ - من حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كشف رسول الله ﷺ الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر. فقال: "أيها الناس! إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلَّا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له. ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن يستجاب لكم" اللفظ لمسلم. وفي لفظ قال: "كشف رسول الله ﷺ الستر، ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه. فقال: "اللهم! هل بلَّغتُ؟ " ثلاث مرات "إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح أو ترى له" ثم ذكر بقية الحديث. (٢) ٨٩١ - ومن حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "كان آخر كلام رسول الله ﷺ : "الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم" (٣).

стр. 565

٨٩٢ - من حديث أنس ﵁ قال: "كان عامة وصية رسول الله ﷺ وهو يغرغر بنفسه: "الصلاة، وما ملكت أيمانكم" (١). ١٦ - خروج النبي ﷺ وائتمام أبي بكر به وائتمام الناس بأبي بكر: ٨٩٣ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس"، قالت: فقلت: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر. فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" قالت: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف, وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر! فقالت له، فقال رسول الله ﷺ "إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس" قالت: فأمروا أبا بكر يصلي بالناس". قالت: فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ من نفسه خفة، فقام يهادي بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض، قالت: فلما دخل المسجد، سمع أبو بكر حسه. ذهب يتأخر فأومأ إليه رسول الله ﷺ قم مكانك. فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر. قالت: فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالسًا، وأبو بكر قائمًا، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر" (٢) اللفظ لمسلم. ١٧ - نهيه عن اتخاذ القبور مساجد: ٨٩٤ - من حديث جندب بن عبد الله البجلي ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول:

стр. 566

(قد كان لي فيكم إخوة وأصدقاء، وإني أبرأ إلى الله أن يكون لي فيكم خليل، وإن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) (١) اللفظ لأبي عوانة. ٨٩٥ - من حديث عائشة وابن عباس ﵃: "أن رسول الله ﷺ لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة له، فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". تقول عائشة: يحذر مثل الذي صنعوا" (٢). ٨٩٦ - من حديث أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: "آخر ما تكلم به النبي ﷺ : "أخرجوا يهود أهل الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبورهم أنبيائهم مساجد" (٣). ١٨ - البحة التي أصابته ﷺ وتخييره بين الدنيا والآخرة: ٨٩٧ - من حديث عائشة قالت: "كنت أسمع أنه لن يموت نبي حتى يخير بين الدنيا والآخرة. قالت: فسمعت النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه، وأخذته بُحَّةٌ، يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٤).

стр. 567

قالت: فظننته خير حينئذ" (١). وفي رواية قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يقول وهو صحيح "إنه لم يقبض نبي قط، حتى يرى مقعده في الجنة ثم يخير" قالت عائشة: فلما نزل برسول الله ﷺ ، ورأسه على فخذي، غشي عليه ساعة ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف، ثم قال: "اللهم! الرفيق الأعلى". قالت عائشة: قلت: إذًا لا يختارنا. قالت عائشة: وعرفت الحديث الذي يحدثنا به وهو صحيح في قوله: "إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يخير". قالت عائشة: فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ قوله: "اللهم الرفيق الأعلى". ١٩ - تسوكه قبيل موته: ٨٩٨ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "إن من نعم الله عليّ أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته. دخل علي عبد الرحمن وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله ﷺ ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن "نعم"، فلينته فأمره، وبين يديه ركوه -أو علبة يشك عمر- فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه يقول: "لا إله إلا الله، إن للموت سكرات"، ثم نصب يده فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى"، حتى قبض ومالت يده" (٢).

стр. 568

٢٠ - آخر ابتسامة ابتسمها النبي ﷺ : ٨٩٩ - من حديث أنس بن مالك ﵁ "أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله ﷺ الذي توفي فيه. حتى إذا كان يوم الإثنين. وهم صفوف في الصلاة. كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف (١)، ثم تبسم رسول الله ﷺ ضاحكًا. قال: فبهتنا ونحن في الصلاة، من فرح بخروج رسول الله ﷺ ، ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أنّ رسول الله ﷺ خارج للصلاة. فأشار إليهم رسول الله ﷺ بيده: "أن أتموا صلاتكم". قال: ثم دخل رسول الله ﷺ ثمّ فأرخى الستر. قال: فتوفي رسول الله ﷺ من يومه ذلك" (٢). ٢١ - متى توفي ﷺ : ٩٠٠ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "دخلت على أبي بكر ﵁ فقال: في كم كفنتم النبي ﷺ ؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة. وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله ﷺ ؟ قالت: يوم الإثنين. قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الإثنين قال: أرجو فيما بيني وبين الليل. فنظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه، به ردع من زعفران فقال: اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين فكفننوني فيهما. قلت: إن هذا خلق. قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة. فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح" (٣) اللفظ للبخاري.

стр. 569

٢٢ - خطبة عمرو وأبي بكر بعد وفاة النبي ﷺ : ٩٠١ - من حديث عائشة ﵂ قالت: " … ولم أمرض أحدًا قبله. فبينما رأسه ذات يوم على منكبي، إذ مال رأسه نحو رأسي، فظننت أنه يريد من رأسي حاجة، فخرجت من فيه نطفة باردة، فوقعت على ثغرة نحري، فاقشعر لها جلدي، فظننت أنه غشي عليه، فسجيته ثوبًا. فجاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا، فأذنت لهما وجذبت إليّ الحجاب، فنظر عمر إليه فقال: واغشياه ما أشد غشي رسول الله ﷺ ثم قاما، فلما دنوا من الباب، قال المغيرة: يا عمر مات رسول الله ﷺ ، قال: كذبت، بل أنت رجل تحوسك فتنة. إن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين. ثم جاء أبو بكر فرفعت الحجاب، فنظر إليه وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات رسول الله ﷺ ، ثم أتاه من قبل رأسه فحدر فاه، وقبل جبهته ثم قال: وانبياه، ثم رفع رأسه ثم حدر فاه وقبل جبهته، ثم قال: واصفياه، ثم رفع رأسه وحدر فاه وقبل جبهته وقال: واخليلاه مات رسول الله ﷺ . فخرج إلى المسجد، وعمر يخطب الناس ويتكلم ويقول: إن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين، فتكلم أبو بكر: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله يقول ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ حتى فرغ من الآية. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ حتى فرغ من الآية فمن كان يعبد الله غز وجل، فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، فقال عمر: وإنها لفي كتاب الله ما شعرت أنها في كتاب الله، ثم قال عمر: يا أيها الناس هذا أبو بكر وهو ذو شيبة المسلمين فبايعوه فبايعوه" (١). ٩٠٢ - من حديث عائشة وابن عباس ﵄: "أن أبا بكر رضي الله

стр. 570

عنه قبل النبي ﷺ بعد موته" (١). ٩٠٣ - من حديث عائشة ﵂: "أن أبا بكر ﵁ أقبل على فرس من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله ﷺ وهو مغشي بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها" (٢). ٩٠٤ - من حديث عبد الله بن عباس ﵄: "أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر. فقال أبو بكر: "أما بعد من كان منكم يعبد محمدًا ﷺ فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت، قال الله ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ -إلى قوله- الشَّاكِرِينَ﴾ (٣). وقال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها. فأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي ﷺ قد مات" (٤). ٢٣ - قصة سقيفة بني ساعدة: ٩٠٥ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "كنت أقرئ رجالًا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن

стр. 571

الخطاب في آخر حجة حجها، إذ رجع إليَّ عبد الرحمن فقال: لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان يقول: والله لو قد مات عمر لقد بايعت فلانًا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم. قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع (١) الناس وغوغائهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس. وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مُطيِّر. وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسُّنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنًا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها. فقال عمر: أما والله -إن شاء الله- لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة. قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسًا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب فلما رأيته مقبلًا قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف. فأنكر علي وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله! فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد: فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها ,لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي، إن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف. ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) - (أو إن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم) - ألا ثم إن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما

стр. 572

أطري عيسى بن مريم وقولوا عبد الله ورسوله". ثم إنه بلغني أن قائلًا منكم يقول والله لو قد مات عمر بايعت فلانًا، فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر. من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا (١)، وإنه قد كان من خبرنا حين توفي الله نبيه ﷺ ، أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان فذكرا ما تمالأ عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمل (٢) بين ظهراينهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك. فلما جلسنا قليلًا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإِسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم (٣)، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يخصنونا من الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم -وكنت قد زورت مقالة (٤) أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر- وكنت أداري منه بعض الحد (٥)، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك. فكرهت أن أغضبه. فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت. فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا

стр. 573

الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا (١) ودارًا (٢)، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم- فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا. فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول لي نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن. فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك (٣). وعذيقها المرجب (٤). منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. فأكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة (٥)، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، قلت: قتل الله سعد بن عبادة. قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة، أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فسادًا، فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا" (٦).

стр. 574

٢٤ - خطبة عمر وأبي بكر قبل وبعد البيعة: ٩٠٦ - ومن حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر، فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: "أيها الناس إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة، ما كانت مما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدًا عهده إلى رسول الله ﷺ ، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله ﷺ سيدبر أمرنا، يقول: يكون آخرنا -وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله ﷺ ، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله ﷺ ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه". فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة، بعد بيعة السقيفة. فتكلم أبو بكر، فحمد الله، وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال: "أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله" (١). ٢٥ - قصة مبايعة علي والزبير: ٩٠٧ - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "لما توفي رسول الله ﷺ قام خطباء الأنصار فجعل الرجل منهم يقول: يا معشر المهاجرين إن رسول

стр. 575

الله ﵌ كان إذا استعمل رجلًا منكم قرن معه رجلًا منا فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان أحدهما منكم، والآخر منا. قال: فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك فقام زيد بن ثابت فقال: إن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين، وإن الإِمام يكون من المهاجرين، ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله ﷺ . فقام أبو بكر ﵁ فقال: جزاكم الله خيرًا يا معشر الأنصار وثبت قائلكم ثم قال: أما لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم، ثم أخذ زيد بن ثابت بيد أبي بكر فقال: هذا صاحبكم فبايعوه. ثم انطلقوا، فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليًّا فسأل عنه فقام ناس من الأنصار فأتوا به. فقال أبو بكر: ابن عم رسول الله ﵌ وختنه أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ﷺ فبايعه. ثم لم ير الزبير بن العوام فسأل عنه حتى جاءوا به. فقال: ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال مثل قوله: لا تثريب يا خليفة رسول الله ﷺ فبايعاه" (١). ٢٦ - قصة تغسيله ﷺ : ٩٠٨ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لما أرادوا غسل النبي ﷺ قالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه، كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه، فلما اختلفوا، ألقى الله النوم حتى ما فيهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو، أن اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه فقاموا إلى رسول الله ﷺ ، فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دونه أيديهم، فكانت عائشة تقول:

стр. 576

لو استقبلت من أمري، ما استدبرت، ما غسله إلا نساؤه" اللفظ لأبي داود (١). ٩٠٩ - من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: "غسلت رسول الله ﷺ فذهبت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئًا، وكان طيبًا ﵌ حيًّا وميتًا. ولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: علي والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله ﷺ ، ولحد رسول الله ﵌ لحدًا، ونصب عليه اللبن نصبًا" (٢). ٢٧ - صفة كفنه ﷺ : ٩١٠ - من حديث عائشة ﵂ قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية (٣)، من كرسف (٤)، ليس فيها قميص، ولا عمامة. أما الحلة، فإنما شبه على الناس فيها، أنها اشتريت له ليكفن فيها، فتركت الحلة، كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية. فأخذها عبد الله بن أبي بكر. فقال: لأحبسنها حتى أكفن فيها نفسي، ثم قال: لو رضيها الله لنبيه لكفنه فيها. فباعها وتصدق بثمنها" (٥) اللفظ لمسلم.

стр. 577

٢٨ - كيفية الصلاة عليه ﷺ : ٩١١ - من حديث سالم بن عبيد ﵁ قال: "أغمي علي رسول الله ﷺ في مرضه فأفاق، فقال: "حضرت الصلاة؟ ". فقالوا: نعم. فقال: "مروا بلالًا فليؤذن، ومروا أبا بكر أن يصلي بالناس" أو قال: "الناس". قال: ثم أغمي عليه فأفاق فقال: "حضرت الصلاة؟ ". فقالوا: نعم، فقال: "مروا بلالًا فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس". فقالت عائشة: إن أبي رجل أسيف، إذا قام ذلك المقام بكى فلا يستطيع، فلو أمرت غيره. قال: ثم أغمي عليه فأفاق، فقال: "مروا بلالًا فليؤذن، مروا أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب أو صواحبات يوسف". قال فأمر بلالُ فأذَّن، وأمر أبو بكر فصلى بالناس، ثم إن رسول الله ﷺ وجد خفة، فقال: "انظروا لي من أتكيء عليه" فجاءت بريرة ورجل آخر فاتكأ عليهما، فلما رآه أبو بكر ذهب لينكص فأومأ إليه أن يثبت مكانه، حتى قضى أبو بكر صلاته. ثم إن رسول الله ﷺ قبض. فقال عمر: والله لا أسمع أحدًا يذكر أن رسول الله ﷺ قبض إلا ضربته بسيفي هذا. قال: وكان الناس أميين لم يكن فيهم نبي قبله. فأمسك الناس، فقالوا: يا سالم انطلق إلى صاحب رسول الله ﷺ فادعه، فأتيت أبا بكر وهو في المسجد، فأتيته أبكي دهشًا. فلما رآني قال لي: أقبض رسول الله ﷺ ؟ قلت: إن عمر يقول: لا أسمع أحدًا يذكر رسول الله ﷺ . قبض إلا ضربته بسيفي هذا! فقال لي: انطلق. فانطلقت معه، فجاء والناس قد دخلوا على رسول الله ﷺ ، فقال: يا أيها الناس أفرجوا لي. فأفرجوا له، فجاء حتى أكب عليه، ومسه، فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (١)، ثم قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ أقبض رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، فعلموا أن قد صدق. قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ : أيصلى على رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قالوا: وكيف؟ قال: يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون، ثم يخرجون، ثم يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون، ثم يخرجون، حتى يدخل الناس،

стр. 578

قالوا: يا صاحب رسول الله! يدفن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قالوا: أين؟ قال: في المكان الذي قبض الله فيه روحه، فإن الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب. فعلموا أن قد صدق. ثم أمرهم أن يغسله بنو أبيه، واجتمع المهاجرين يتشاورون، فقالوا: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ندخلهم معنا في هذا الأمر، فقالت الأنصار: منا أمير، ومنكم أمير، فقال عمر بن الخطاب: من له مثل هذه الثلاثة ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ من هما؟ قال: ثم بسط يده فبايعه، وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة" (١). ٢٩ - اختيار اللحد لدفنه ﷺ : ٩١٢ - من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال في مرضه الذي هلك فيه: "الحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليَّ اللبن نصبًا، كما صنع برسول الله ﷺ " (٢). ٩١٣ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لما مات رسول الله ﷺ اختلفوا في اللحد والشق، حتى تكلموا في ذلك. وارتفعت أصواتهم. فقال عمر: لا تصخبوا عند رسول الله ﷺ حيًّا ولا ميتًا. أو كلمة نحوها. فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد. فجاء اللاحد، فلحد لرسول الله ﷺ . ثم دفن ﷺ " (٣).

стр. 579

٣٠ - مكان دفنه ﷺ : ٩١٤ - من حديث سالم بن عبيد ﵁ "قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ أيدفن رسول الله ﷺ قال: نعم. قالوا: أين؟ قال: في المكان الذي قبض فيه روحه، فإن الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب … " (١). ٩١٥ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه. فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا ما نسيته. قال: "ما قبض الله نبيًّا إلا في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه" ادفنوه في موضع فراشه" (٢). ٣١ - من ولي دفنه ونزل في قبره ﷺ : ٩١٦ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "غسلت رسول الله ﷺ فذهبت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئًا، وكان طيبًا ﵌ حيًّا وميتًا، ولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: علي، والعباس، والفضل، وصالح مولى رسول الله ﷺ ، ولحد رسول الله ﷺ لحدًا، ونصب عليه اللبن نصبًا" (٣). ٩١٧ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "دخل قبر رسول الله ﷺ العباس وعلي والفضل، وشق لحده رجل من الأنصار، وهو الذي يشق لحود قبور الشهداء" (٤).

стр. 580

٣٢ - ماذا فرش للرسول ﷺ في قبره: ٩١٨ - من حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: "جعل في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء (١) " (٢). ٩١٩ - جاء من طريق محمَّد بن جعفر عن أبيه قال: "الذي ألحد قبر رسول الله ﷺ أبو طلحة، والذي ألقى القطيفة تحته شقران مولى رسول الله ﷺ . قال جعفر: وأخبرني عبيد الله بن أبي رافع قال: سمعت شقران يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله ﷺ في القبر" (٣). ٣٣ - متى دفن النبي ﷺ : ٩٢٠ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "توفي رسول الله ﷺ يوم الإثنين ودفن ليلة الأربعاء" (٤). ٣٤ - آخر الناس عهدًا برؤية النبي ﷺ : ٩٢١ - من حديث عبد الله بن الحارث قال: "اعتمرت مع علي بن أبي طالب رضوان الله عليه في زمان عمر، أو زمان عثمان، فنزل على أخته أم هانئ بنت أبي طالب، فلما فرغ من عمرته رجع فسكب له غسل، فاغتسل، فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق، فقالوا: يا أبا حسن جئناك نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا عنه؟ قال: أظن المغيرة بن شعبة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدًا برسول الله ﷺ . قالوا: أجل، عن ذلك جئنا نسألك، قال:

стр. 581

أحدث الناس عهدًا برسول الله ﷺ قثم بن عباس" (١). ٣٥ - قول فاطمة لأنس أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله التراب: ٩٢٢ - من حديث أنس ﵁ قال: "لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه، فقالت فاطمة ﵍: واكرب أباه، فقال لها: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم"، فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة ﵍: يا أنس، أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب" (٢). ٣٦ - آثار وفاة النبي ﷺ على الصحابة: ٩٢٣ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "لما كان اليوم الذي دخل فيه النبي ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه النبي ﷺ أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن النبي ﷺ الأيدي -إنا لفي دفنه- حتى أنكرنا قلوبنا" (٣). ٩٢٤ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "ذهب رسول الله ﷺ إلى أم أيمن زائرًا، وذهبت معه، فقربت إليه شرابًا، فإما كان صائمًا، وإما كان لا يريده، فرده فأقبلت على رسول الله ﷺ بصاحبه، فقال أبو بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، فلما انتهينا إليها، بكت، فقال لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله، قالت: والله ما أبكي، أن لا أكون أعلم ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكي، أن الوحي انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان" (٤).

стр. 582

٣٧ - مقدار عمره ﷺ حين مات: ٩٢٥ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "إن رسول الله ﷺ قبض وهو ابن ثلاث وستين" (١). وقال الحافظ في الفتح: ٨/ ١٥١: والحاصل أن كل من روى عنه من الصحابة ما يخالف المشهور -وهو ثلاث وستون- جاء عنه المشهور، وهم ابن عباس وعائشة وأنس ولم يختلف على معاوية أنه عاش ثلاثًا وستين، وبه جزم سعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد، وقال أحمد: وهو المثبت عندنا). وقال الحافظ ابن كثير في السيرة: ٤/ ٥١٥ "ورواية الجماعة عن ابن عباس في ثلاث وستين أصح، فهم أوثق وأكثر، وروايتهم توافق الرواية الصحيحة عن عروة عن عائشة، وإحدى الروايتين عن أنس، والرواية الصحيحة عن معاوية، وهو قول سعيد بن المسيب وعامر الشعبي وأبي جعفر محمَّد بن علي ﵃، قلت: وعبد الله بن عقبة والقاسم بن عبد الرحمن، والحسن البصري وعلي ابن الحسن وغير واحد". ولمن يريد المزيد فليراجع السيرة النبوية لابن كثير فقد فصل الروايات هناك وعرضها عرضًا جيدًا. ٣٨ - ميراث النبي ﷺ : ٩٢٦ - من حديث عائشة ﵂: "أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك. وما بقي من خمس خيبر. فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة، إنما

стр. 583

يأكل آل محمد ﷺ في هذا المال" وإني والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ﷺ ، ولأعملن فيها، بما عمل به رسول الله ﷺ . فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئًا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، قال: فهجرته. فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب ليلًا، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها علي، وكان لعلي من الناس وجهة حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبي بكر: أن ائتنا. ولا يأتنا معك أحد (كراهية محضر عمر بن الخطاب) فقال عمر لأبي بكر: والله! لا تدخل عليهم وحدك. فقال أبو بكر: وما عساهم أن يفعلوا بي، إني والله لآتينهم. فدخل عليهم أبو بكر. فتشهد علي بن أبي طالب. ثم قال: إنا قد عرفنا يا أبا بكر! فضيلتك وما أعطاك الله. ولم ننفس عليك خيرًا ساقه الله إليك. ولكنك استبددت علينا بالأمر. وكنا نحن نرى لنا حقًّا لقرابتنا من رسول الله ﷺ . فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر. فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده! لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي. وأما الذي شجر بيني وبينك من هذه الأموال، فإني لم آل فيها عن الحق. ولم أترك أمرًا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته. فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة. وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر. وتشهد علي بن أبي طالب فعظم حق أبي بكر، وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر، ولا إنكارًا للذي فضله الله به. ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيبًا، فاستبد علينا به، فوجدنا في أنفسنا، فسر المسلمون، وقالوا: أصبت، فكان المسلمون إلى علي قريبًا. حين راجع الأمر المعروف" (١). ٩٢٧ - من حديث مالك بن أوس قال: "أرسل إليّ عمر بن الخطاب، فجئته

стр. 584

حين تعالى النهار (١) قال: فوجدته في بيته جالسًا على سرير، مفضيًا إلى رماله (٢) متكئًا على وسادة من أدم. فقال لي: يا مال (٣) إنه قد دف أهل أبيات من قومك (٤)، وقد أمرت فيهم برضخ (٥) فخذه فاقسمه بينهم. قال: قلت: لو أمرت بهذا غيري؟.قال: خذه يا مالُ! قال: فجاء يرفأ (٦) فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد؟ فقال عمر: نعم. فأذن لهم، فدخلوا، ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعليّ؟ قال: نعم. فأذن لهما. فقال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الكذاب الآثم الغادر الخائن، فقال القوم: أجل. يا أمير المؤمنين! فاقض بينهم وارحهم. (فقال مالك بن أوس: يخيل إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك). فقال عمر: اتئدا. أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة" قالوا: نعم. ثم أقبل على العباس وعلي فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! أتعلمان أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركناه صدقة" قالا: نعم. فقال عمر: إن -الله كان خص رسوله ﷺ بخاصته لم يخصص بها أحد غيره. قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٧) (ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا) قال: فقسم رسول الله ﷺ بينكم أموال بني النضير، فوالله ما استأثر عليكم، ولا أخذها دونكم، حتى بقي هذا المال، فكان رسول الله ﷺ يأخذ منه نفقة سنة. ثم يجعل ما بقي أسوة المال. ثم قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! أتعلمون ذلك؟ قالوا:

стр. 585

نعم. ثم نشد عباسًا وعليًّا بمثل ما نشد به القوم: أتعلمان ذلك؟ قالا: نعم. قال: فلما توفي رسول الله قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ فجئتما، تطلب ميراثًا من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها. فقال أبو بكر: قال رسول الله ﷺ "ما نورث. ما تركنا صدقة" فرأيتماه كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق. ثم توفي أبو بكر، وأنا ولي رسول الله ﷺ وولي أبي بكر، فرأيتماني كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، والله يعلم إني لصادق بار راشد تابع للحق فوليتها. ثم جئتني أنت وهذا، وأنتما جميع، وأمركما واحد (١): فقلتما: ادفعها إلينا. فقلت: إن شئت دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله ﷺ ، فأخذتماها بذلك. قال: أكذلك؟ قالا: نعم. قال ثم جئتماني لأقضي بينكما. ولا والله! لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فرداها إلي (٢). هذا آخر ما تيسر جمعه من صحيح مرويات سيرته ﵊ من كتب السنة المشرفة، أسأل الله العلي العظيم أن ينفع بسيرته عباده، وأن يجعل ذلك في ميزان أعمالي يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. كتبه: إبراهيم محمَّد العلي