← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 13607

الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (186 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(وسيرس) وقد كشفها رجل منهم يقال له «بياظي» في حدود سنة ست عشرة ومائتين وألف للهجرة (وبلاس) وقد كشفها «أولبوس» أيضاً في حدود سنة سبع عشرة ومائتين وألف. والمشتري وزحل (وأورانوس) وقد كشفها رجل منهم يقال له «هرشل» في حدود سنة سبع وتسعين ومائة وألف للهجرة. وذكر الألوسي أيضاً في هامش صفحة ٤٦ أن المتأخرين من الفلاسفة الإفرنج ذهبوا إلى أن الكواكب تتحرك بأنفسها من غير أن تكون مركوزة في جسم آخر. وقال أيضاً في صفحة ٥٩ ما نصه: ثم قال تعالى (إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون) في هذه الآية تنبيه إجمالي على قدرة الله تعالى. أي في تعاقب الليل والنهار وكون كل منها خلفة للآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها التابعين عند أكثر الفلاسفة لحركة الفلك الأعظم حول مركزه على خلاف التوالي فإنه يلزمها حركة سائر الأفلاك وما فيها من الكواكب مع سكون الأرض على ما زعموا. وهذا في أكثر المواضع, وأما في عرض تسعين فلا يطلع شيء ولا يغرب بتلك الحركة أصلا بل بحركات أخرى وكذا فيما يقرب منه قد يقع طلوع وغروب بغير ذلك وتسمى تلك الحركة «الحركة اليومية» وجعلها بعضهم وهم فلاسفة الإفرنج بتمامها للأرض وجعل آخرون بعضها للأرض وبعضها للفلك الأعظم. والقرآن العظيم ساكت عن المذهبين وذلك من براهين إعجازه. قلت ليس الأمر كما زعمه الألوسي فإن الله تعالى قد نص على جريان الشمس في عدة آيات من القرآن. ونص أيضاً على أنها تسبح في الفلك والسبح المر السريع, ونص أيضاً على أنها بحسبان. ونص أيضاً على دؤبها في السير, ونص أيضاً على إتيانها من المشرق وعلى طلوعها وغروبها ودلوكها أي زوالها, وجاء في القرآن عدة آيات تدل على سكون الأرض واستقرارها. فكيف يقال إن القرآن ساكت عن المذهبين وهو قد أيد قول من قال بجريان الشمس وسكون الأرض ورد قول من قال بخلاف ذلك. وقال الألوسي أيضاً في صفحة ٦٧ و ٦٨ ما ملخصه قال أهل الهيئة الجديدة الأرض جرم من الأجرام السماوية. يعني أنها جرم من الأجرام التابعة للشمس وهي السيارات الدائرة حولها على أبعاد متفاوتة وسميت (النظام الشمسي) وشكلوا لذلك شكلا في وسطه

стр. 107

الشمس ثم عطارد وهو أقرب إلى الشمس من سائر السيارات المعروفة وبعده الزهرة ثم الأرض ثم قمرها ثم المريخ ثم فسحة واسعة فيها مئتان واثنان وسبعون جرماً صغيراً تسمى النجميات أو الشبيهة بالسيارات ثم المشتري ثم زحل ثم أورانوس ثم نبتون - إلى أن قال - وقالوا في شأن الأرض وحركتها. السيار التابع للنظام الشمسي الذي نحن ساكنون عليه هو الأرض وأنها كروية الشكل - إلى أن قال - وذهبوا إلى أن حركتها وكذا سائر الأجرام السماوية من الغرب إلى الشرق وذهبوا إلى أن لها حركة أخرى غير الحركة اليومية وهي الحركة السنوية فللأرض عندهم حركتان حركة يومية وهي دورانها على محورها مرة من الغرب إلى الشرق ومنها اختلاف الليل والنهار وحركة من الغرب إلى الشرق حول الشمس مرة واحدة كل سنة. هذا ما ذكره علماء الهيئة الجديدة في شأن الأرض. وقد تصفحت القرآن العظيم الشأن فوجدت عدة آيات نطقت بما يتعلق بالأرض من جهة الاستدلال بها على وجود خالقها وعظمة باريها ولم يذكر فيها شيء مما يخالف ما عليه أهل الهيئة اليوم. قلت ليس الأمر على ما قاله الألوسي بل في القرآن آيات كثيرة تدل على سكون الأرض واستقرارها. وفيه نصوص كثيرة تدل على جريان الشمس ودؤبها في السير وقد ذكرت ذلك مستقصى في أول الكتاب فليراجع. وقال الألوسي أيضاً في صفحة ٩٥ وأما قوله (وكل في فلك يسبحون) فالفلك في الأصل كل شيء دائر ومنه فلكة المغزل والمراد به هنا على قول كثير هو موج مكفوف تحت السماء تجري فيه الشمس والقمر. وعن الضحاك هو ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم. وفيه القول باستدارة السماء. قال وغاية ما نقول أن الفلاسفة اليوم من الإفرنج وأهل الأرصاد القلبية والمعارج المعنوية خالفوا قول بعض الفلاسفة المتقدمين المخالف لقولهم انتهى المقصود مما ذكره الألوسي. وفيه رد لما زعمه الصواف من سبق العلماء المسلمين إلى القول بحركة الأرض وسكون الشمس. وبيان أن أول من تخيل حركة الأرض وثبات الشمس بعد فيثاغورس وأصحابه هم فلاسفة الإفرنج المتأخرون مثل كوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهما أصحاب الرصد والزيج الجديد وقد تلقى ذلك عنهم كثير من ضعفاء البصيرة من المسلمين ولاسيما في هذا القرن وهو

стр. 108

القرن الرابع عشر من الهجرة. وقبل ظهور أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج لا نعلم عن أحد من المسلمين خلافاً في سكون الأرض وجريان الشمس. وقد تقدم ما حكاه الشيخ عبد القاهر بن طاهر البغدادي من إجماع أهل السنة على وقوف الأرض وسكونها وأن حركتها إنما تكون بعارض يعرض لها من زلزلة ونحوها. وتقدم أيضاً ما حكاه القرطبي من إجماع المسلمين وأهل الكتاب على ذلك. وتقدم أيضاً ذكر النصوص من الكتاب والسنة على جريان الشمس ودؤبها في السير وذلك ما لا خلاف فيه بين المسلمين منذ زمن النبي ﷺ إلى أن ظهر المقلدون لكوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهما من أهل الهيئة الجديدة منذ زمن قريب فأحدثوا بين المسلمين خلافاً لم يكن معروفاً بينهم من قبل. ولا عبرة بخلاف هؤلاء المخدوعين بزخارف أعداء الله تعالى وتخرصاتهم الكاذبة. وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم محجوجون بنصوص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على خلاف ما ذهبوا إليه. الوجه الثاني أن يقال من هم العلماء المسلمون الذين لهم قدرهم ووزنهم في تاريخ الحضارة الإسلامية وقد قالوا بحركة الأرض وثبات الشمس وقالوا عن سطح القمر والجبال التي فيه ما لم يقله أهل هذه الأزمان. إننا نتحدى الصواف أن يسمي علماء المسلمين الأجلاء الذين قالوا هذه الأقوال قبل ما يقارب الألف عام وأن يذكر كتبهم التي أثبتوا فيها ذلك إن كان صادقاً. وما أبعده من الصدق. الوجه الثالث أن يقال إن أعظم هذه الأمة قدراً وأرجحهم وزناً في تاريخ الحضارة الإسلامية هم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولم يقل أحد منهم بحركة الأرض وثبات الشمس بل المأثور عنهم خلاف ذلك. وكذلك لم يتهجموا على الغيب ويرجموا بالظن عن سطح القمر وما فيه. ثم التابعون وتابعوهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم ولاسيما الأئمة الأربعة وأقرانهم من أكابر العلماء وكذلك من كان بعدهم من الأئمة الأعلام فكل هؤلاء لم

стр. 109

يقل أحد منهم بحركة الأرض وثبات الشمس ولم يتهجموا على الغيب ويرجموا بالظن عن سطح القمر وما فيه. فمن حاد عن منهاج الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم وقال بخلاف قولهم فقوله مردود عليه. وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً). الوجه الرابع أن يقال إن كوبرنيك البولوني وأتباعه في آخر القرن العاشر من الهجرة والقرن الحادي عشر وكذلك هرشل الإنكليزي وأتباعه من الإفرنج مثل أولبوس وهاردنق وبياظي وغيرهم من فلاسفة الإفرنج في آخر القرن الثاني عشر من الهجرة وأول القرن الثالث عشر هم الذين سبقوا إلى القول بحركة الأرض وثبات الشمس وقد كان القول به مهجوراً منذ ذهب فيثاغورس اليوناني وأصحابه إلى أن جاء هؤلاء الإفرنج أصحاب الهيئة الجديدة فنصروه وردوا ما خالفه. فهل يقول الصواف إن هؤلاء علماء مسلمون لهم قدرهم ووزنهم في تاريخ الحضارة الإسلامية. الوجه الخامس لو فرضنا صحة ما زعمه الصواف من سبق بعض علماء المسلمين إلى القول بحركة الأرض وثبات الشمس فهو قول باطل مردود لمخالفته للأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة ومخالفته أيضاً لأقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم. ومخالفته أيضاً لإجماع المسلمين على ثبات الأرض ووقوفها. وكل قول خالف نصاً من كتاب الله تعالى أو من سنة رسوله ﷺ أو خالف إجماع المسلمين فمضروب به عرض الحائط ومردود على قائله كائناً من كان. وقد ذكرت آنفاً أن الذين سبقوا إلى القول بحركة الأرض وثبات الشمس هم فيثاغورس اليوناني وأصحابه وبعدهم أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج. وكان ابتداء الهيئة الجديدة من نحو أربعمائة سنة. ولا يعرف عن أحد من علماء المسلمين قبل ظهور الهيئة الجديدة أنه قال بحركة الأرض وثبات الشمس .... بعد ظهور الهيئة الجديدة فقد كان بعض المنتسبين إلى العلم يقلدون أهلها ويحسنون الظن بهم. وكما أنه لا يعتد بأقوال أعداء الله تعالى في شيء من المسائل العلمية فكذلك لا يعتد بأقوال مقلديهم بطريق الأولى والله أعلم.

стр. 110

الوجه السادس أن ما زعمه أعداء الله تعالى من وصول لونا (٩) إلى القمر ورسوها على سطحه وإرسالها الصور التلفزيونية إلى الأرض كله كذب وتمويه على الأغبياء, والأمر في هؤلاء الكذابين كما قيل في أسلافهم: سلاحهم في وجوه الخصم مكرهمُ ... وخير جندهمُ التدليس والكذب ومن أين لأعداء الله تعالى أن يصلوا إلى القمر أو تصل مصنوعاتهم إليه وهو في السماء بنص القرآن. وبين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام كما دلت على ذلك النصوص الثابتة عن رسول الله ﷺ . فقدرة البشر تعجز عن الوصول إلى السماء والصعود في الجو مسيرة خمسمائة سنة. ولعل أعداء الله تعالى إذا سقطت لهم سفينة فضائية في البحر أو في مكان مجهول من البر ولم يدروا أين ذهبت قالوا إنها ذهبت إلى القمر ورست على سطحه. وقد وجد لهم غير ما سفينة فضائية ساقطة. والصور التي يزعمون أنها أرسلت إليهم من القمر لا شك أنها من مخرقتهم وصنع أيديهم فإنهم معروفون بالمخرقة والتدجيل قديماً وحديثاً. وقد ذكر العلماء عنهم من ذلك شيئاً كثيراً. ولا يغتر بأباطيل أعداء الله تعالى ويصدق بها ويندهش لمخرقتهم وتدجيلهم إلا من هو ناقص العقل. ومن أين للصور التلفزيونية أن تصل إلى الأرض من مسيرة خمسمائة سنة وهي لا تتجاوز في الأرض مسيرة عشرة أيام أو نحوها إذا كانت قوية. فوصولها من القمر محال. ومن زعم وصولها منه فهو من أكذب الكاذبين. ومن مخرقة أعداء الله تعالى وتدجيلهم فيما يتعلق بالقمر زعمهم أن فيه أرضاً صالحة للنبات والسكنى فهم لذلك يرومون الانتقال إليه والبناء فيه والسكنى. وكثير من الجهال يصدقونهم في هذه المزاعم الكاذبة. وليس لأعداء الله تعالى ذهاب ولا محيص عن هذه الأرض التي خلقوا منها ولو بلغوا في قوة الصناعة ما بلغوا فمردهم إلى الأرض لا محالة. قال الله تعالى (قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون). وقال تعالى (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) وقال تعالى مخبراً عن نوح ﵇ أنه قال لقومه (والله أنبتكم من

стр. 111

الأرض نباتاً. ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً). وفي هذه الآيات رد على من زعم أن السكنى في القمر أو في غيره من الأجرام العلوية ممكنة لبني آدم. وأيضاً فإن الله تعالى قد حرس السماء من الشياطين كما جاء ذلك في آيات كثيرة من القرآن. والقمر في السماء بنص القرآن فهو محروس من وصول الشياطين إليه والاستقرار على سطحه, وسواء في ذلك شياطين الجن وشياطين الإنس. بل إن شياطين الإنس شر من شياطين الجن كما جاء ذلك فيما رواه ابن جرير عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس قال قلت وهل للإنس من شياطين قال نعم هم شر من شياطين الجن». فإن قيل إن الشياطين إنما منعوا من استراق السمع وليس ذلك مراد الذين يرومون الوصول إلى القمر. فالجواب أن يقال إن المنع من استراق السمع يدل على المنع مما هو أعظم منه كالبناء والسكنى والمجاورة لأهل الملأ الأعلى. فالذين يرومون هذه الأمور من شياطين الإنس أولى بالطرد والإبعاد من الذين يسترقون السمع فقط. وقد نشرت جريدة المدينة في عددها ٥٨٧ الصادر بتاريخ ٢١ - ١١ - ١٣٨٥ هـ كلاماً لبعض علماء الأمريكان وهو «برنارد لوفيل. مدير مرصد جدويل بانك» يندد فيه بالأمريكان والروس على السواء لتنافسهم في السباق إلى القمر. وقال إن التنافس نابع من صميم غباوة الإنسان. ومضى يقول إن الطبيعة الإنسانية تواجه فشلا كبيراً إذ تعالج هذه المهمة ليس فقط بصورة منفصلة بنفقات باهظة. بل وبإخفاق الشعبين اللذين يقومان بها في تبادل المعلومات وعلى الأخص في وجه المشكلات الفنية الهندسية والعلمية والإنسانية التي تجابهها حضارة العالم. هذه خلاصة كلامه الذي توخى فيه بيان الأمر على الحقيقة وهذا الكاتب وإن كان غير مسلم فهو في الحقيقة أعقل من أغبياء المسلمين الذين يصدقون أعداء الله في كل ما قالوه ويندهشون لمخرقتهم وتدجيلهم.

стр. 112

الوجه السابع أن إطلاق اسم الكوكب على الأرض خطأ وضلال. والذين أطلقوا عليها اسم الكوكب هم الذين زعموا أنها تسير كما تسير الكواكب وتدور على الشمس وهم أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من جهال المسلمين. وهذا خلاف ما سماها الله بها في كتابه وما سماها به رسول الله ﷺ وجميع المسلمين سوى الأغبياء المقلدين لأهل الهيئة الجديدة. ولازم هذا القول أن تكون الأرض من جملة الزينة التي زين الله بها السماء الدنيا وجعلها رجوماً للشياطين. لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحفظاً من كل شيطان مارد) وقال تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين) وقال تعالى (وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم). وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة» وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث. وإذا كان بين السماء والأرض هذا البعد الشاسع فكيف يقال إن الأرض كوكب من جملة الكواكب التي جعلها الله زينة للسماء الدنيا. هذا من أبطل الباطل ولا يقوله من له أدنى مسكة من العقل. وأيضاً فقد أخبر الله تعالى في كتابه العزيز أنه جعل الأرض فراشاً والسماء بناء. وأخبر في آية أخرى أنه جعل السماء سقفاً محفوظاً. وقال تعالى في آية أخرى (والسقف المرفوع) فدل القرآن على أن الأرض هي أسفل البناء والسماء سقفه. وما كان أساس البناء وأسفله كيف يقال إنه كوكب من جملة زينة سقفه المرفوع. هذا تخبيط لا يقوله من يعلم ما يقول. وقد قال الراغب الأصفهاني الأرض الجرم المقابل للسماء ويعبر بها عن أسفل الشيء كما يعبر بالسماء عن أعلاه. وقال أبو الفرج ابن الجوزي في تفسيره إنما سميت الأرض أرضاً لسعتها. وقيل لانحطاطها عن السماء وكل ما سفل فهو أرض وسميت السماء سماء لعلوها. وقال القرطبي في تفسيره السماء للأرض كالسقف للبناء. ولهذا قال تعالى وقوله

стр. 113

الحق (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً) وكل ما علا وأظل قيل سماء. وقيل أيضاً والسماء ما علا والأرض ما سفل. وقال الجوهري وغيره من أئمة اللغة كل ما سفل فهو أرض. وروى ابن جرير في تفسيره من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ (والسماء بناء) فبناء السماء على الأرض كهيئة القبة وهي سقف على الأرض وإذا كانت الأرض سافلة والسماء عالية عليها وسقفاً فوقها فلا يقول إن الأرض كوكب من جملة الكواكب التي قد جعلت زينة للسماء إلا من هو من أجهل الناس. وبعد تحرير هذا الموضع وقفت على كلام للشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي رد به على من زعم أن الأرض كوكب من جملة الكواكب التي تدور حول الشمس, وقد رأيت أن أسوقه ههنا لما فيه من تحقيق الحق وإبطال الباطل. قال في كتابه «المسائل الكافية, في بيان وجوب صدق خبر رب البرية» ما نصه: (المسألة التاسعة والتسعون) في الجزء المذكور يعني الجزء الرابع عشر من مجموعة مجلة المنار - صفحة ٥٧٨ قال بعض أشياع محمد عبده مع مشاركة الشيخ رشيد رضا في بعض كلامه. ما هذه الأرض التي نعيش عليها. هي كوكب من الكواكب التي تدور بمركز الشمس وتسمى بالسيارات. قال الشيخ الكافي في الرد عليه. (قوله) هي كوكب. كذَب وافترى على الله تعالى من سماها كوكباً لأن الله تعالى الذي خلقها سماها أرضاً. والكوكب هو النجم ومحله العلو. والكوكب من وصفه الإضاءة والإشراق والطلوع والأفول والأرض بخلاف ذلك. وقوله من الكواكب التي تدور بمركز الشمس ممنوع لأنه تقدم أن الأرض ساكنة لا متحركة فارجع إليه إن شئت انتهى. وكلامه الذي أشار إليه هنا وأنه قد تقدم قد ذكرته مستوفي مع الكلام على تكفير من يقول بحركة الأرض وسرها فليراجع هناك.

стр. 114

الوجه الثامن أن علماء المسلمين الذين هم ورثة النبي ﷺ كالخلفاء الراشدين وسائر علماء الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة العلم والهدى من بعدهم لم يكن أحد منهم يشتغل بعلم الفلك ولم يؤلفوا فيه شيئاً ولم ينشئوا شيئاً من المراصد الفلكية كما قد يوهمه قول الصواف إن العلماء المسلمين أول من اشتغل بعلم الفلك إلى آخره. وإنما الذين كانوا يشتغلون بعلم الفلك والتأليف فيه وإنشاء المراصد الفلكية صنفان من الناس وهم الفلاسفة والمنجمون. وكثير من المنتسبين منهم إلى الإسلام كانوا متهمين في دينهم. بل منهم من هو شر على الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى وسائر المشركين مثل نصير الكفر الطوسي وابن سينا القرمطي الباطني وغيرهم من الفلاسفة الذين كانوا ينتسبون إلى الإسلام وهم في غاية البعد منه بل هم الأعداء الألداء للإسلام وأهله على الحقيقة. ثم لو سلمنا تسليماً جدلياً أن أحدا من علماء المسلمين اشتغل بعلم الفلك وألف فيه شيئاً من المؤلفات فهم لم يقولوا بثبات الشمس وحركة الأرض ودورانها على الشمس. الوجه التاسع أن إنشاء المراصد الفلكية عند المسلمين إنما كان في زمن المأمون حين عربت كتب الأوائل ومنطق اليونان. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة شجاع بن الوليد بن قيس. لما قتل الأمين واستخلف المأمون على رأس المائتين نجم التشيع وأبدى صفحته وبزغ فجر الكلام وعربت كتب الأوائل ومنطق اليونان وعمل رصد الكواكب ونشأ للناس علم جديد مرد مهلك لا يلائم علم النبوة ولا يوافق توحيد المؤمنين قد كانت الأمة منه في عافية - إلى أن قال - إن من البلاء أن تعرف ما كنت تنكر وتنكر ما كنت تعرف وتقدم عقول الفلاسفة ويعزل منقول أتباع الرسل ويماري في القرآن ويتبرم بالسنن والآثار وتقع في الحيرة. فالقرار قبل حلول الدمار. وإياك ومضلات الأهواء ومحارات العقول. ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم انتهى كلامه رحمه الله تعالى. فذكر أنه بسبب تعريب كتب الأوائل ومنطق اليونان وإنشاء المراصد الفلكية نشأ للناس علم جديد مرد مهلك لا يلائم علم النبوة ولا يوافق توحيد المؤمنين.

стр. 115

وهذا العلم المردي المهلك هو الذي نجم عنه القول بسكون الشمس ودوران الأرض والكلام في السموات والأجرام العلوية بمجرد الآراء والظنون الكاذبة. وقد كان الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان في عافية من هذا العلم المردي المهلك وإنما شغف به المتأخرون في زماننا لبعدهم عن منهاج الصحابة والتابعين وشدة ميلهم إلى أقوال الإفرنج وتمسكهم بآرائهم وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الوجه العاشر أن الظاهر من صنيع الصواف حيث ذكر الفلكيين ههنا وأطنب في ذكرهم وذكر مراصدهم والثناء عليهم مع أن ذلك خارج عن موضوع البحث الذي هو بصدده أنه أراد إيهام من لا علم عنده أنهم كانوا يقولون بحركة الأرض وثبات الشمس. وليس الأمر كذلك فإن الفلكيين الذين ينتسبون إلى الإسلام من قبل ظهور أهل الهيئة الجديدة كانوا على مذهب أهل الهيئة القديمة في القول بجريان الشمس وثبات الأرض, وإذاً فأي فائدة في ذكرهم ههنا وذكر مراصدهم لولا قصد الإيهام الذي أشرنا إليه. الوجه الحادي عشر أن الصواف صرح أن محمد بن جابر مسلم ثم ذكر بعده البتاني وجعله من جملة علماء المسلمين الذين أثنى عليهم. ويظهر من كلامه أنه يرى أن البتاني غير محمد بن جابر. وهذا بخلاف ما ذكره محمد فريد وجدي في كتابه دائرة المعارف فإنه ذكر أن محمد بن جابر هو البتاني وأنه ليس بمسلم وإنما هو من الصابئين وذكر عنه أنه رصد النجوم نحواً من إحدى وأربعين سنة. وأنه كان يرصد في الرقة وفي أنطاكية ومحمد فريد وجدي أعلم بالفلكيين من الصواف فكلامه ههنا هو المعتمد لا ما توهمه الصواف. فصل قال الصواف (حركة الأرض) يؤسفني أنه ليس لدي الآن من المصادر الإسلامية الكثيرة لعلم الفلك سوى كتاب واحد وفيه البركة بإذن الله وفيه ما يغني ويسد في

стр. 116

موضوعنا هذا. والكتاب لمؤلفه السيد (محمود شكري الألوسي) العالم العراقي السلفي المعروف. وقد فرغ من تأليفه في ٢٤ شوال سنة ١٣٣٩ أي قبل سبعة وأربعين سنة. واسم الكتاب (ما دل عليه القرآن الكريم مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان) وأود هنا أن أنقل ما قاله هذا العالم السلفي قبل ما يقرب من خمسين سنة حول حركة الأرض وجريانها وما نقله هو عن علماء الهيئة وهم مسلمون عرف أكثرهم بالتقوى والصلاح. ورأيه هو فيما سأنقله الكفاية فيما أحسب في رد الأمر إلى نصابه وبيان الحق الصراح وصوابه الذي نطق به علماء الإسلام قبل أن يكون للكفار والمشركين علم فلك ولا نظر في النجوم. فقد قال ﵀ في صفحة ٦٧ و ٦٨ و ٦٩ من كتابه. ومن آيات سورة الرعد قوله تعالى (وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) هذه الآية متصلة بالآية التي قبلها وهي قوله تعالى (الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش) الآية فإنه سبحانه لما ذكر من الشواهد العلوية ما ذكر أردفها بذكر الدلائل السفلية فقال (وهو الذي مد الأرض) قال علماء الهيئة الجديدة الأرض جرم من الأجرام السماوية يعني أنها جرم من الأجرام التابعة للشمس وهي السيارات الدائرة حولها على أبعاد متفاوتة وسميت (النظام الشمسي) وشكلوا لذلك شكلا في وسطه الشمس ثم عطارد وهو أقرب إلى الشمس من سائر السيارات المعروفة وبعده الزهرة ثم الأرض ثم قمرها ثم المريخ ثم فسحة واسعة فيها مئتان واثنان وسبعون جرماً صغيراً تسمى النجيمات أو الشبيهة بالسيارات ثم المشتري ثم زحل ثم أورانوس ثم نبتون ثم بُعد مهول وخلاء مجهول حتى ينتهي إلى أقرب النجوم الثوابت التي يعد كل واحد منها شمساً لا يرى توابعها للبعد الشاسع والنظام الشمسي ينتهي عند نبتون أعني لا يعرف سيار أبعد من نبتون. بل إنه إلى الآن لم يكشف عن وجود جرم تابع للنظام الشمسي أبعد من المذكور, والنجوم الثوابت ليست من النظام الشمسي بل هي أنظمة مستقلة ترى منها شمسنا كما ترى هي من عندنا أي نقطاً لامعة نيرة في الطبقة الزرقاء, ثم قال الألوسي ﵀: وقالوا أي علماء الهيئة في شأن الأرض أيضاً وحركتها: السيار التابع للنظام الشمسي الذي نحن

стр. 117

ساكنون عليه هو الأرض وإنها كروية الشكل وأقاموا على ذلك دلائلهم المعلومة في كتبهم (وممن قال بكرويتها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأنها أي الأرض على عظمها سابحة في الفضاء وليست لها حافة ينتهي إليها من يجوب سطحها كما إذا مشت ذبابة على بطيخة معلقة فهي لا تنتهي إلى حافة كذلك الأرض الكروية الشكل السابحة في الفضاء ليس لها حافة ينتهي إليها من يجوب سطحها وهي عائمة في الفضاء, وذهبوا إلى أن حركتها وكذا سائر الأجرام السماوية من الغرب إلى الشرق لا كما يتراءى أن حركة هذه الأجرام من الشرق إلى الغرب (وهذا ما يقوله علماء الفلك اليوم) وذهبوا إلى أن لها أي الأرض حركة أخرى غير الحركة اليومية وهي الحركة السنوية, فللأرض عندهم حركتان حركة يومية وهي دورانها على محورها مرة من الغرب إلى الشرق ومنها اختلاف الليل والنهار وحركة من الغرب إلى الشرق حول الشمس مرة واحدة كل سنة. ثم قال الألوسي العالم السلفي المنصف ﵀: هذا ما ذكره علماء الهيئة الجديدة في شأن الأرض. وقد تصفحت القرآن, العظيم الشأن فوجدت عدة آيات نطقت بما يتعلق بالأرض من جهة الاستدلال بها على وجود خالقها وعظمة باريها ولم يذكر فيها شيء مما يخالف ما عليه علماء أهل الهيئة اليوم ولا ينافي كرويتها ما يدل ظاهرها على المد والبسط والفرش فإن هذا كله لا ينافي الكروية لأن المراد من بسطها وتوسعتها ومدها ما يحصل به الانتفاع لمن حلها ولا يلزم من ذلك نفي كرويتها كما أن الكرة العظيمة لعظمها ترى كالسطح المستوي وكان كل قطعة منها سطح مفروش يصح القعود والنوم عليه, والكرة كلما عظمت قربت أقواس سطحها إلى الخط المستقيم. وفي الشريعة دلائل كثيرة تدل على كروية الأرض والسماء منها اعتراف الأئمة باختلاف المطالع فإن الصبح في بعض البلاد يوافق المساء في بلاد أخرى. وطلوع الهلال في بعض الآفاق يوافق غيبوبته في بلاد أخرى. وهكذا الشمس وسائر الكواكب ففي بعض الآفاق يرى القطب الشمالي فوق رءوس أهله والقطب الجنوبي لا يرى أصلا. وسكنة خط الاستواء يرون القطبين على الأفق. وفي بعض البلاد تكون الحركة فيه دولابية وفي البعض حمائلية وفي البعض رحوية كل ذلك مبني على كروية الأرض ولولاها لما كان شيء من ذلك. وقوله تعالى (وهو الذي مد الأرض) لا ينافي الكروية وما على الأرض من الجبال والأودية والبحار لا يخرج الأرض عن

стр. 118

الكروية فإن أعظم جبل بالنسبة إليها كنسبة سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع وقوله تعالى (وجعل فيها رواسي) معناه جعل فيها جبالا ثوابت في احيازها من الرسو وهو ثبات الأجسام الثقيلة, وفي الخبر «لما خلق الله تعالى الأرض جعلت تميد فخلق الله الجبال عليها فاستقرت فقالت الملائكة ربنا خلقت خلقاً أعظم من الجبال قال نعم الحديد فقالوا ربنا خلقت خلقا أعظم من الحديد قال نعم النار فقالوا ربنا خلقت خلقا أعظم من النار قال نعم الماء فقالوا ربنا خلقت أعظم من الماء قال نعم الهواء فقالوا ربنا خلقت خلقاً أعظم من الهواء قال نعم ابن آدم يتصدق الصدقة بيمينه فيخفيها عن شماله» فقال الألوسي ﵀ بعد هذا. وهذا أيضاً لا ينافي حركة الأرض اليومية والسنوية التي قال بها أهل الهيئة فإن الله تعالى لو لم يخلق في الأرض الجبال لمادت أي اضطربت والميد اضطراب الشيء العظيم. فلما ألقى فيها الرواسي وهي الجبال الثوابت انتفى ذلك ووجه كون الإلقاء مانعاً من اضطراب الأرض أنها كسفينة على وجه الماء والسفينة إذا لم يكن فيها أجرام ثقيلة تضطرب وتميل من جانب إلى جانب بأدنى حركة شيء وإن وضعت فيها أجرام ثقيلة تستقر فكذا الأرض لو لم يكن عليها هذه الجبال لاضطربت فالجبال بالنسبة إليها كالأجرام الثقيلة الموضوعة في السفينة بالنسبة إليها, والمقصود أن جعل الرواسي فيها لا يعارض حركتها بوجه من الوجوه كما أن السفينة إذا كان فيها أجرام ثقيلة تمنع اضطرابها وميلها من جانب إلى جانب لا ينافي حركتها. وسنزيد ذلك بياناً فيما يناسب من الآيات الآتية إن شاء الله تعالى انتهى كلام الألوسي. فهل رأيتم كلاماً أصرح من هذا الكلام في كروية الأرض وحركتها أليس هذا من مفاخر علمائنا وتوفيق الله لهم في معرفة العلوم الكونية, إن هذا الكتاب (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان) انتهى صاحبه من تأليفه كما قلت منذ قرابة خمسين عاماً ومع هذا ففيه من الكلام الواضح الذي يدل على ما بلغوه من الدرجات العليا في العلوم الكونية وحركات الأفلاك ﵏ وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء. والجواب عما في هذا الفصل يتلخص في عشرة أمور: الأول منها مدحه لكتاب الألوسي المسمى (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة) وزعمه أن فيه البركة.

стр. 119

والجواب أن نقول إن البركة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . وما خالفهما أو لم يكن له مستند منهما فهو قليل البركة أو عديمها. وكتاب الألوسي فيه أشياء كثيرة ليس لها مستند صحيح وفيها ما هو مخالف للكتاب والسنة فلهذا لا خير فيه ولا يستحق المدح. والأمثلة على ذلك كثيرة. وأقول قبل ذكر الأمثلة إن في نفسي شكاً من صحة نسبة الكتاب إلى محمود الألوسي لأمرين, أحدهما ما عرف عنه من حسن العقيدة والرد على عباد القبور وأهل البدع ولاسيما في كتابه «غاية الأماني في الرد على النبهاني» ومن كان هكذا فبعيد أن يصدر منه الكتاب المسمى (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة). والثاني أن الذي أبرز هذا الكتاب من أهل العراق قد قيل عنه ما قيل مما يقدح في عقيدته. وعلى هذا فلا يؤمن أن يكون قد نسب الكتاب إلى الألوسي وهو لم يتحقق نسبته إليه والله أعلم وقد نسبت النقل من الكتاب إلى الألوسي جرياً على نسبة الكتاب إليه, والمقصود من ذلك رد الكلام الباطل سواء كان للألوسي أو مفترى عليه. فمن الأمثلة على نقصان الكتاب المشار إليه وقلة بركته أن المصنف قرر في صفحة ١٥ و ١٦ أن خلق السماء مقدم على خلق الأرض وتعسف في توجيه ذلك بما لا حاصل تحته وأجاب عن قول الله تعالى (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) بأن الخلق في الآية الكريمة بمعنى التقدير لا الإيجاد. أو على تقدير الإرادة والمعنى أراد خلق الأرض, وكذا قوله تعالى (وجعل فيها رواسي) الآية معناه أراد أن يجعل. وكذا قوله تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) معناه قدره أو أراد إيجاده أو أوجد مواده. وكل هذا تخبيط مخالف لنص الآية من سورة البقرة ولنصوص الآيات من سورة حم السجدة وهو مردود لأنه من تحريف الكلم عن مواضعه. وقد تقدم قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله محرف للكلم عن مواضعه. وقد قرر ابن كثير وغيره من المفسرين أن الأرض خلقت قبل السماء. وذكر ابن

стр. 120

كثير أقوال السلف في ذلك واستدل على ذلك بالآية من سورة البقرة وبالآيات من سورة حم السجدة. ثم قال فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء وهذا ما لا أعلم فيه نزاعاً بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض. وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لقوله تعالى (أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها. رفع سمكها فسواها. وأغطش ليلها واخرج ضحاها. والأرض بعد ذلك دحاها. أخرج منها ماءها ومرعاها. والجبال أرساها) قال فذكر خلق السماء قبل الأرض. وفي صحيح البخاري أن ابن عباس ﵄ سئل عن هذا بعينه فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء. وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديماً وحديثاً انتهى. ومنها قوله في صفحة ١٩ عن هذا الفضاء إنه ليس له مبدأ ولا انتهاء. وهذا خطأ ظاهر وفيه موافقة لما ذكره في صفحة ٣٤ عن أهل الهيئة الجديدة أن سعة الجو غير متناهية عندهم. ومعنى هذا نفي وجود السموات السبع وما فوقهن من الكرسي والعرش العظيم. وقد رد عليه المصنف في نفيهم وجود السموات ثم وافقهم من حيث لا يشعر. والحق الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة أن هذا الفضاء الذي نحن فيه يبتدئ من الأرض وينتهي إلى السماء الدنيا ومسافته من كل جانب خمسمائة سنة. ثم بين كل سمائين فضاء مسافته من كل جانب خمسمائة سنة, وبين السماء السابعة والكرسي مسيرة خمسمائة سنة, وبين الكرسي والماء مسيرة خمسمائة سنة, والعرش فوق ذلك. والله تعالى فوق العرش. والأدلة على هذا قد تقدم ذكرها مع الأدلة على ثبات الأرض واستقرارها فلتراجع, وحسبنا أن نعتمد على ما صحت به الأحاديث ولا نتعداه ففي ذلك الكفاية والعصمة من الخطأ والزلل. ومنها أنه ذكر في صفحة ٢١ أن الحكمة الباطنة في اختلاف تشكلات القمر النورية أن ذلك لاختلاف أحوال المواليد العنصرية. وهذا تخرص لا دليل عليه من كتاب ولا سنة. وقد بين الله تعالى الحكمة في تقدير القمر منازل فقال تعالى (لتعلموا عدد السنين

стр. 121

والحساب) وقال تعالى (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج). واختلاف تشكلات القمر النورية تابع لتنقله في المنازل فلا يقال في ذلك بشيء لم يخبر الله به ولا رسوله ﷺ . ومنها أنه أتى في صفحة ٢٥ و ٢٦ بجملة من أقوال أهل البدع وهذيان الصوفية في الكرسي, وقد تعقب ذلك بكلام بارد لا يشفي في ردها, وهذا خلاف ما كان عليه أهل السنة فإنهم كانوا لا يعبأون بأقوال أهل البدع ولا يذكرونها مع أقوال أهل السنة ولا يعدون خلافهم خلافاً في الحقيقة, وإذا ذكروا شيئاً من أقوالهم ذكروه مقروناً بالرد البليغ والإنكار الشديد والتحذير من الاغترار به لا بالتمليس والرد الضعيف كما فعله الألوسي. ومنها أنه ذكر في صفحة ٢٩ ما ذهب إليه أصحاب الزيج الجديد من أن الشمس ساكنة لا تتحرك أصلا وأنها مركز العالم وأن الأرض وكذا سائر السيارات والثوابت تتحرك عليها وأقاموا على ذلك الأدلة والبراهين بزعمهم وبنوا له الكسوف والخسوف ونحوهما ولم يتخلف شيء من ذلك. قلت هذا القول معارض بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة ..... جريان الشمس وسكون الأرض. وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع. وليس من أهل الزيج الجديدة برهان على ما زعموه سوى التخرصات الكاذبة. ومنها ما ذكره في صفحة ٣٣ عن أهل الهيئة الجديدة أن الشمس في وسط الكواكب التي تدور حولها وأن لها حركة على نفسها وأن ليس لها حركة حول الأرض بل للأرض حركة حولها وأن الأرض إحدى السيارات. وكل هذا تخرص لا دليل عليه. وقد تقدم رده وبيان بطلانه بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع. ومنها قوله في صفحة ٤٢ في الخبر أن الأرض بالنسبة إلى السماء الدنيا كحلقة في فلاة وهو بالنسبة إلى العرش كذلك. قلت هذا غلط. ولفظ الحديث عن أبي ذر الغفاري ﵁ أنه سأل النبي

стр. 122

صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة رواه ابن مردويه. ومنها أنه قال في صفحة ٦١ الكثير على أن الأرض كرة واحدة منقسمة إلى سبعة أقاليم وحملوا الآية على ذلك - يعني قوله تعالى (ومن الأرض مثلهن). وهذا خطأ ينبغي للألوسي أن ينبه عليه لئلا يغتر به. وقد قال ابن كثير في قوله تعالى (ومن الأرض مثلهن) أي سبعاً أيضاً كما في الصحيحين «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين» وفي صحيح البخاري «خسف به إلى سبع أرضين» ومن حمل ذلك على سبعة أقاليم فقد أبعد النجعة وأغرق في النزغ وخالف القرآن والحديث بلا مستند انتهى. ومنها أنه في صفحة ٦٣ قال في الله تعالى إنه ليس بجسم ولا جسماني. وهذا من أقوال أهل البدع. وأما السلف الصالح فإنهم لم يتكلموا في الجسم بنفي ولا إثبات. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى لفظ الجسم في أسماء الله تعالى وصفاته بدعة لم ينطق بها كتاب ولا سنة ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها فلم يقل أحد منهم إن الله تعالى جسم ولا أن الله تعالى ليس بجسم. وقال الشيخ أيضاً في موضع آخر لم ينقل عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمة أن الله جسم أو أن الله ليس بجسم بل النفي والإثبات بدعة في الشرع انتهى وإذا علم هذا فليس بسلفي على الحقيقة من لم يسعه ما وسع السلف الصالح من السكوت عن الكلام في الجسم وعدم التعرض له بالنفي أو الإثبات. ومنها أنه ذكر في صفحة ٦٦ قول الفلاسفة المتأخرين أن للشمس حركة مركزها. قال وهو معنى (تجري لمستقر لها). وهذا خطأ مردود من وجهين. أحدهما أن الذي يجري لا يستقر في موضعه بل يفارقه بالانتقال إلى غيره. ومعنى قولهم حركة مركزها أنها تتحرك على نفسها كما صرح به الألوسي عنهم في

стр. 123

عدة مواضع من كتابه. وتطبيق الآية على هذا القول من تحريف الكلم عن مواضعه. ودؤبها في السير وأنها تأتي من المشرق وتذهب نحو المغرب. وقد قال النبي ﷺ لأبي ذر ﵁ حين غربت الشمس «تدري أين تذهب قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم)» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والشيخان والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. وفي رواية لمسلم أن رسول الله ﷺ قال يوماً «أتدرون أين تذهب هذه الشمس قالوا الله ورسوله أعلم قال إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها ارجعي ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها». وهذا الحديث الصحيح صريح في رد ما زعمه الفلاسفة المتأخرون من حركة الشمس على مركزها أو على نفسها. وصريح أيضاً في رد ما حاوله الألوسي من تطبيق الآية على زعمهم الباطل. ومنها أنه في صفحة ٦٧ و ٦٨ ذكر قول أهل الهيئة الجديدة في سكون الشمس ودوران الأرض عليها, ثم قال وقد تصفحت القرآن العظيم الشأن فوجدت عدة آيات نطقت بما يتعلق بالأرض من جهة الاستدلال بها على وجود خالقها وعظمة باريها ولم يذكر فيها شيء مما يخالف ما عليه أهل الهيئة اليوم. قلت هذا مردود وقد تقدم التنبيه عليه. ومنها أنه في صفحة ٨٥ ذكر قول الله تعالى (وترى الشمس إذا طلعت) الآية. وقوله تعالى (حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة) ثم قال فقد أثبت

стр. 124

للشمس حركة الطلوع والغروب ولعل ذلك باعتبار نظر الناظر كما في راكب السفينة فإنه يرى ما على الساحل متحركاً وليس بمتحرك قلت هذا الكلام من تحريف الكلم عن مواضعه وفيه موافقة لأهل الهيئة الجديدة فيما زعموه من سكون الشمس واستقرارها وذلك مردود بالنصوص الكثيرة الدالة على جريان الشمس وسبحها في الفلك ودؤبها في السير وأن الله يأتي بها من المشرق فتطلع من مطلعها وتدلك أي تزول إذا كان نصف النهار وتغرب من مغربها. والله ﵎ لا يخبر بخلاف الحقيقة. وكذلك الرسول ﷺ . وقد تقدم إيراد الأدلة على جريان الشمس في أول الكتاب فلتراجع ففيها إبطال تأويل المتأولين وتحريف المحرفين. ومنها أنه في صفحة ٩٩ ذكر قول الله تعالى (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق) قال والطرائق جمع طريقة بمعنى مطرقة وهي السموات السبع. قال وسميت السموات بذلك لأنها طرائق الكواكب في مسيرها. وهذا عين مذهب الفلاسفة المتأخرين القائلين بالجاذبية ودوران الكواكب على الشمس - إلى أن قال - ففي هذه الآية دليل وأي دليل لأهل فن الهيئة الجديدة. قلت ليس الأمر كما زعمه الألوسي فليس في هذه الآية دليل لأهل الهيئة الجديدة بوجه من الوجوه. وإنما فيها الرد عليهم في نفيهم وجود السموات السبع. وفيها أيضاً الرد على الألوسي فيما زعمه في صفحة ١٩ أن هذا الفضاء ليس لها مبدأ ولا انتهاء. وفيها أيضاً الرد عليه فيما زعمه في صفحة ١٣٠ أنه يمكن أن تكون السموات أكثر من سبع. وقد قال مجاهد في قوله (سبع طرائق) يعني السموات السبع. وقال البغوي أي سبع سموات سميت طرائق لتطارقها وهو أن بعضها فوق بعض يقال طارقت النعل إذا جعلت بعضه فوق بعض. وكذا قال الخليل والفراء والزجاج وغيرهم. وذكر ابن الجوزي في تفسيره عن ابن قتيبة نحو ذلك. وهذه الآية كقوله تعالى (الذي خلق سبع سموات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن

стр. 125

من تفاوت) الآية. وقوله تعالى مخبراً عن نوح ﵊ أنه قال لقومه (ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً). والقول بأن السموات إنما سميت طرائق لأنها طرائق الكواكب في مسيرها قول ضعيف لم يذكر عن أحد الصحابة ولا التابعين وإنما ذكره بعض المتأخرين بصيغة التمريض ولم يذكر قائله وليس في الآية على هذا القول دليل على ما يزعمونه من الجاذبية ودوران الكواكب على الشمس بوجه من الوجوه. والاستدلال بها على هذا القول الباطل إلحاد في آيات الله تعالى. وقد تقدم قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله محرف للكلم عن مواضعه. وأيضاً فإن الله تعالى قد جعل الكواكب زينة للسماء الدنيا ورجوماً للشياطين كما قال تعالى (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحفظاً من كل شيطان مارد) وقال تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين) وقال تعالى (وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم). وإذا كانت الكواكب زينة للسماء الدنيا ورجوماً للشياطين فكيف يقال إن السموات السبع طرائق للكواكب في مسيرها. لا شك أن هذا قول باطل مردود بالآيات التي ذكرنا والله أعلم. ومنها أنه في صفحة ١٠١ و ١٠٢ ذكر قول الله تعالى (وينزل من السماء من جبال فيها من برد) ثم ذكر أن أهل الأرصاد اليوم كشفوا في القمر جبالا ووهاداً وأودية وهكذا الشمس وسائر السيارات وظنوا أن فيها مخلوقات نحو سكنة الأرض وزعموا أن فيها بحاراً وأنهاراً. قال فلعل جبال البرد المذكورة في الآية من تلك الجبال التي في هاتيك الأجرام فيوصله الله إلى الأرض بكيفية لا ندركها وهو على كل شيء قدير. قلت هذا كله تخرص وهذيان. ومن أين لهم اكتشاف الشمس والقمر هما في السماء بنص القرآن. والكواكب من زينة السماء الدنيا بنص القرآن, وبين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام بنص الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ , فمن أين

стр. 126

لبني آدم أن يكتشفوا الأجرام العلوية من هذا البعد المفرط. والبرد إنما ينزل من السحاب كما هو مشاهد. والسحاب إذا تراكم كان أمثال الجبال الشاهقة. وقد قال بعض المفسرين إن الجبال ههنا كناية عن السحاب وهذا هو الصحيح لأن الله تعالى ذكر نزول المطر من السماء في آيات كثيرة من القرآن كقوله تعالى (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) وقوله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض) وقوله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء مباركاً) وقوله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء طهوراً. لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً) وقوله تعالى (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون. ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون). إلى غير ذلك من الآيات التي يذكر الله فيها نزول الماء من السماء والمراد بذلك السحاب كما هو منصوص عليه في مواضع من القرآن كقوله تعالى (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون) وقوله تعالى (ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله) الآية. والودق هو المطر. وقوله تعالى (وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحاباً ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون) وقوله تعالى (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور) وقوله تعالى (أفرأيتم الماء الذي تشربون. أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون. لو نشاء جعلناه أجاجاً فلولا تشكرون). وقد قال ابن جرير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر) كثير لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من السحاب فتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم فالتقى الماءان على أمر قد قدر. وإذا علم هذا فالبرد مطر منعقد من شدة البرد الذي يكون في السحاب. ولفظ السماء يطلق ويراد به السموات السبع ويطلق ويراد به الدنيا فقط. ويطلق ويراد به ما علا

стр. 127

على الأرض من سحاب وسقوف كما في الآيات التي تقدم ذكرها وكما في قوله تعالى (فليمدد بسبب إلى السماء) يعني سماء بيته وهو السقف. وأيضاً فإن الله تعالى ختم الآية بقوله (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار) وهذا أوضح دليل على أن المراد بالجبال المذكورة في الآية ما تراكم من السحاب وصار أمثال الجبال الشاهقة والضمير في برقه عائد إلى السماء الذي هو السحاب المتراكم فإن سنا برقه يكاد يذهب بأبصار الناظرين إليه من شدة ضوئه في الغالب. فأما الأجرام العلوية فليس يرى أهل الأرض منها شيئاً من البرق لا ضعيفاً ولا قوياً يكاد سناه يذهب بالأبصار. والله ﵎ إنما خاطب الناس بما يعرفونه وأخبرهم بما يشاهدونه بأبصارهم في كثير من الأوقات. وأيضاً فلو كان البرد ينزل إلى الأرض من جبال في الأجرام العلوية لكان ينزل في الصحو وعدم السحاب كما ينزل في حال الغيم وتراكم السحاب وهذا لا يقوله عاقل. ومنها أنه في صفحة ١٠٦ ذكر قول الله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) ثم قال ربما استدل علماء الهيئة المتأخرون على ما ادعوه من حركة الأرض اليومية والسنوية فإنهم يقولون إن الرائي يرى الجبال ساكنة وهي متحركة أشد الحركة. ثم ذكر عن المفسرين أنهم يرون غير هذا الرأي وأن ذلك إنما يكون يوم القيامة وخراب العالم لأنها تمر مر السحاب اليوم. قلت والحق ما ذهب إليه المفسرون. وقد بين الله تعالى ذلك بقوله (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين. وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون. من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون. ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون). وأما حمل الآية على ما ذهب إليه أهل الهيئة المتأخرون فهو من الإلحاد في آيات الله تعالى وتحريف الكلم عن مواضعه. والعجب من الألوسي كيف ذكر هذا القول الباطل ولم ينبه على بطلانه وهذا مما يعاب عليه.

стр. 128

ومنها أنه في صفحة ١٠٩ و ١١٠ ذكر عن أهل الهيئة المتأخرين أن قيام العالم العلوي والسفلي بالجاذبية. وهذا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة فلا ينبغي أن يثبت أو ينفى إلا بدليل يدل على ذلك. وقد قال الله تعالى (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا. ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) وقال تعالى (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه) وقال تعالى (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره). فالسماء والأرض قائمتان بأمر الله تعالى وهو الذي يمسكهما أن تزولا ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه. وحسب المسلم أن يعتقد ما أخبر الله به في كتابه ولا يتعداه. ومنها ما في صفحة ١١٦ نقلا عن صاحب روح المعاني أنه قال في الشمس لا يبعد أن تكون لها نفس ناطقة كنفس الإنسان. بل صرح بعض الصوفية بكونها ذات نفس ناطقة كاملة جداً. قال والحكماء المتقدمون أثبتوا النفس للفلك, وصرح بعضهم بإثباتها للكواكب أيضاً وقالوا كل ما في العالم العلوي من الكواكب والأفلاك الكلية والجزئية والتداوير حي ناطق - ثم ذكر هذياناً كثيراً إلى أن قال في صفحة ١١٧ - فيمكن أن يقال للشمس نفساً مثل تلك الأنفس القدسية إلى آخر ما قاله من الهذيان. قلت أما وصفه للفلاسفة بالحكماء فهو خطأ ظاهر. والصواب أن يقال إنهم هم السفهاء الأغبياء الجاهلون لأنهم قد أشركوا بالله وخالفوا ما جاءت به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, وزعموا أن النبوة مكتسبة وأنها فيض يفيض على روح النبي إذا استعدت نفسه لذلك فمن راض نفسه حتى استعدت فاض ذلك عليه, والنبي عندهم من جنس غيره من الأذكياء الزهاد لكنه قد يكون أفضل. والملائكة عندهم هي ما يتخيل في نفسه من الخيالات النورانية, وكلام الله هو ما يسمع في نفسه من الأصوات بمنزلة ما يراه النائم في منامه. ويجوزون على الأنبياء الكذب في خطاب الجمهور للمصلحة والفيلسوف عند بعضهم أعظم من النبي. وعند بعضهم أن الرسالة إنما هي للعامة دون الخاصة. والعبادات كلها عندهم مقصودها تهذيب الأخلاق. والشريعة عندهم سياسة مدنية. إلى غير ذلك من أقاويلهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة, وقد كان معلمهم الأول

стр. 129

أرسطو وزيراً للأسكندر بن فيلبس المقدوني ملك اليونان. وكان هو والملك وأصحابهما مشركين يعبدون الكواكب والأصنام ويعانون السحر. ومن كانت هذه حالهم فهم السفهاء الجهلة الأغبياء على كل حال. وأما ما ذكره عنهم من إثبات النفس للفلك وإثباتها للكواكب والأفلاك الكلية والجزئية والتداوير فكله باطل وضلال. وقد رد عليهم شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع كثيرة من كتبه, ولا يتسع هذا الموضع لذكر شيء من الرد عليهم, وإنما المقصود ههنا التنبيه على بطلان ما نقله عنهم صاحب روح المعاني. والتنبيه أيضاً على بطلان ما زعمه من إمكان أن يكون للشمس نفس ناطقة كنفس الإنسان فإن هذا لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا قاله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم بإحسان. وإنما هو مأخوذ عن الفلاسفة الذين كانوا يعبدون الكواكب ويعظمونها غاية التعظيم ويتقربون إليها بأنواع التقربات. ومنها أنه في صفحة ١١٨ و ١١٩ ذكر عن الفلاسفة المتأخرين أن الشمس تدور على مركز آخر قالوا وهذا هو المراد بقوله تعالى (والشمس تجري لمستقر لها) فإنه يدل على دوران الشمس على مركز آخر ويقال إنه كوكب من كواكب الثريا أو يقال معنى جريانها لمستقر أنها تجري على مركزها ومحورها. قلت وحمل الآية على ما ذكر ههنا من الإلحاد في آيات الله وتحريف الكلم عن مواضعه فأما القول بدوران الشمس على الثريا فهو ظاهر البطلان لأن الثريا من جملة الكواكب التي قد جعلها الله تعالى زينة للسماء الدنيا وما كان كذلك فإنه لا يكون مركزاً تدور عليه الأفلاك وأما القول بأنها تدور على محورها فإنه ينافي ما أخبر الله به من جريانها وسبحها في الفلك ودؤبها في ذلك. وما أخبر به من طلوعها وغروبها ودلوكها وأنه يأتي بها من المشرق. وما أخبر به رسول الله ﷺ من جريانها وذهابها إلى مستقرها تحت العرش إذا غربت ورجوعها إلى مطلعها وطلوعها وارتفاعها واستوائها وزوالها ودنوها للغروب وغروبها وحبسها ليوشع بن نون حين حاصر القرية حتى فتحها الله عليه. وقد ذكرت الآيات والأحاديث الدالة على جريان الشمس في أول الكتاب فلتراجع.

стр. 130

وقد قال النبي ﷺ لأبي ذر ﵁ حين غربت الشمس «تدري أين تذهب قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم) رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والشيخان والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. وفي رواية لمسلم أن رسول الله ﷺ قال يوماً «أتدرون أين تذهب هذه الشمس قالوا الله ورسوله أعلم قال إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك حتى العرش فيقال لها ارجعي ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها». وهذا الحديث صحيح في بيان المراد من قول الله تعالى (والشمس تجري لمستقر لها). وفيه الرد على من تأول الآية على غير تأويلها. وأما قول الألوسي أو يقال معنى جريانها لمستقر أنها تجري على مركزها ومحورها. فهو خطأ مردود من وجهين. أحدهما أن الذي يجري لا يثبت في موضعه بل يفارقه بالانتقال إلى غيره كما قال الله تعالى (ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام. إن يشاء يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره). ففرق بين جري السفن في الماء وبين ركودها على ظهر البحر وهو وقوفها وسكونها عليه. وقال تعالى عن سفينة نوح ﵊ (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم, وهي تجري بهم في موج كالجبال) الآيات إلى قوله تعالى (واستوت على الجودي). ففرق ﵎ بين جري السفينة في الماء وبين رسوها واستوائها على جبل الجودي

стр. 131

وقال تعالى (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها) الآية. والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً. وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود وابن ماجه والدارمي عن جابر ﵁ في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ قال فلما دفع رسول الله ﷺ يعني من مزدلفة - مرت به ظعن يجرين. الحديث. الوجه الثاني أن الذي يدور على محوره مع ثباته في موضعه لا يوصف بالجريان وإنما يوصف بالدوران. والله ﵎ قد وصف الشمس بالجريان ولم يصفها بالدوران وكذلك الرسول ﷺ قد وصفها بالجريان ولم يصفها بالدوران, فتبين بطلان ما حاوله المقلدون لأهل الهيئة الجديدة من حمل الآية الكريمة على زعمهم الباطل. ومنها أنه في صفحة ١١٩ ذكر قول الله تعالى (والشمس تجري لمستقر لها) الآيات إلى قوله تعالى (وكل في فلك يسبحون) ثم قال في صفحة ١٢٠ وهذه الآية من أعظم ما يتمسك به المتشرعون من علماء الهيئة الجديدة. قلت ليس كذلك بل في هذه الآيات رد عليهم لأن فيها النص على جريان الشمس وهم قد أنكروه. وليس فيها ما يدل على جريان الأرض كما زعموه. ومنها ما ذكره في صفحة ١٢٢ عن الفلاسفة أن أصغر الثوابت عندهم أعظم من الأرض. وهذا من التخرص والقول بغير علم. وقد ذكرت في آخر الأدلة القرآنية على ثبات الأرض ما يدل على انتثار الكواكب في البحر يوم القيامة وتكوير الشمس والقمر فيه فليراجع ففيه دليل على أن الأرض أعظم من الكواكب كلها والله أعلم. ومنها أنه قال في صفحة ١٢٩ وقد غلب على ظن أكثر أهل الحكمة الجديدة أن القمر عالم كعالم أرضنا هذه وفيه جبال وبحار ويزعمون أنهم يحسون بها بواسطة أرصادهم وهم مهتمون بالسعي في تحقيق الأمر فيه. قلت هذا تخرص ورجم بالغيب وقد قال الله تعالى (وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً). ومن أين لهم الوصول إلى القمر وتحقيق الأمر فيه وهو في السماء بنص القرآن, وبين

стр. 132

السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة فقدرتهم عاجزة عن اكتشاف القمر وتحقيق الأمر فيه. وقد أخطأ الألوسي في إطلاقه وصف الحكمة على الهيئة الجديدة ههنا وفي صفحة ١٣٠ والصواب أنها الجهل الكثيف وعين المحادة لله ولرسوله ﷺ . وقد اختلف العلماء في تفسير الحكمة . فقال السدي هي النبوة. وقال ابن عباس ﵄ وقتادة هي علم القرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله. وقال الضحاك القرآن والفهم فيه. وقال مجاهد هي القرآن والعلم والفقه. وعنه أيضاً أنه قال هي الإصابة في القول والفعل, وقال أبو العالية الحكمة خشية الله. وعنه أيضاً الحكمة الكتاب والفهم, وقال إبراهيم النخعي الحكمة الفهم. وقال أبو مالك الحكمة السنة. وقال مالك الحكمة الفقه في دين الله. قال ابن كثير والصحيح أن الحكمة كما قاله الجمهور لا تختص بالنبوة بل هي أعم منها وأعلاها النبوة والرسالة أخص ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع كما جاء في بعض الأحاديث «من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه» رواه وكيع بن الجراح في تفسيره. وقال النووي في تفسير الحكمة أقوال كثيرة مضطربة صفا لنا منها أن الحكمة العلم المشتمل على المعرفة بالله مع نفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به والكف عن ضده والحكيم من حاز ذلك. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري بعد ما ذكر كلام النووي: وقد تطلق الحكمة على القرآن وهو مشتمل على ذلك كله وعلى النبوة كذلك. وقد تطلق على العلم فقط وعلى المعرفة فقط ونحو ذلك. وقال أيضاً وأصح ما قيل في الحكمة أنها وضع الشيء في محله أو الفهم في كتاب الله فعلى التفسير الثاني قد توجد الحكمة دون الإيمان وقد لا توجد. وعلى الأول فقد يتلازمان لأن الإيمان يدل على الحكمة انتهى. ومما ذكرنا من أقوال العلماء في الحكمة يتضح لطالب العلم أنه لا حظ لأهل الهيئة الجديدة في الحكمة وأنهم بعيدون منها غاية البعد فهم منها كما قيل:

стр. 133

سارت مشرِّقة وسرت مغرّباً ... شتان بين مشرّق ومغرّب وقد كان مشركو قريش يكنون أبا جهل بأبي الحكم فغيّر النبي ﷺ ذلك وكناه بأبي جهل. وهكذا يقال في أعداء الله تعالى من أهل الهيئة الجديدة وأشباههم من الفلاسفة المشركين أنهم أهل الجهل لا أهل الحكمة لأن صفة الجهل هي المطابقة لحالهم على الحقيقة فوصفهم بذلك هو الذي يليق بهم كأبي جهل. وقد قال الله تعالى (ويؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً). والحكمة هي ما أنزله الله على أنبيائه الكرام من العلم النافع. قال الله تعالى مخاطبا لنبيه محمد ﷺ (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم). وقال تعالى بعد ذكر الأوامر والنواهي في أول سورة الإسراء: (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة) قال البغوي وكل ما أمر الله به أو نهى عنه فهو حكمة. وقال تعالى (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة) وآل إبراهيم هم الأنبياء بعده. وقال تعالى في ذكر عيسى ﵊ (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل). وإذا كانت الحكمة منزلة على الأنبياء فلورثتهم وهم العلماء العاملون حظ منها كل بحسبه. قال الله تعالى (ولقد آتينا لقمان الحكمة). وفي الحديث الصحيح عن عبد الله ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والشيخان والنسائي وابن ماجه. فأما الفلاسفة المشركون فهم أعداء الأنبياء وليس لهم من الحكمة الموروثة عن الأنبياء حظ ولا نصيب البتة وبسبب كفرهم وعنادهم فقد أوتوا شراً كثيراً وجهلاً عظيماً, ومع هذا يزعمون ويزعم المقلدون لهم أنهم من أهل الحكمة ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون.

стр. 134

ومنها أنه قرر في صفحة ١٢٩ أن كل أرض من الأرضين السبع محمولة بيد القدرة بين كل سمائين وهناك ما يستضيء به أهلها سابحاً في فلك بحر قدرة الله . ونسبة كل أرض إلى سمائها نسبة الحلقة إلى الفلاة وكذا نسبة السماء إلى السماء التي فوقها. قلت هذا كله تخبيط وهذيان لا دليل عليه وسيأتي بيان بطلانه إن شاء الله تعالى. ومن هذا القبيل ما ذكره في صفحة ٣٠ عن ابن عربي أنه قال إن الله تعالى خلق الأرض سبع طبقات وجعل كل أرض أصغر من الأخرى ليكون على كل أرض قبة سماء وأن السموات على الأرضين كالقباب على كل أرض سماء أطرافها عليها نصف كرة وكرة الأرض لها كالبساط فهي مدحية دحاها من أجل السماء أن تكون عليها انتهى تخبيطه وهذيانه. ومنها قوله في صفحة ١٣٠ ويمكن أن تكون الأرضون وكذا السموات أكثر من سبع والاقتصار على العدد المذكور الذي هو عدد تام لا يستدعي نفي الزائد. قلت هذا باطل مردود لمخالفته لنصوص القرآن والأحاديث الصحيحة الدالة على أن السموات سبع فقط وأن الأرضين سبع فقط. ومخالفته أيضاً لإجماع أهل السنة والحديث فقد ذكر الشيخ عبد القاهر بن طاهر البغدادي في كتابه «الفرق بين الفرق» إجماع أهل السنة على أن السموات سبع طباق خلاف قول من زعم من الفلاسفة والمنجمين أنها تسع. وذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى عن أبي بكر الأنباري أنه ذكر إجماع أهل الحديث والسنة على أن الأرضين سبع بعضهن فوق بعض. وقال الشيخ محمد بن يوسف الكافي في كتابه «المسائل الكافية. في بيان وجوب صدق خبر رب البرية». (المسألة التاسعة عشرة) الأرض عقيدة المسلمين فيها أنها سبع أرضين واحدة تحت واحدة كما أن السماء سبع واحدة فوق واحدة. فمن قال واعتقد أنها واحدة لا تعدد فيها يكفر لتكذيبه الله تعالى في خبره (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن). ولتكذيبه رسول الله ﷺ في خبره أيضاً ثم ذكر ما رواه الإمام أحمد والشيخان عن عائشة ﵂ أن رسول

стр. 135

الله ﷺ قال «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين». وما رواه الإمام أحمد والبخاري من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال «من أخذ من الأرض شيئاً بغير حق خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين». ومنها أنه في صفحة ١٣٠ أشار إلى ما قرره في صفحة ١٢٩ من أن كل أرض من الأرضين السبع محمولة بيد القدرة بين كل سمائين إلى آخر كلامه. ثم قال وليس ذلك مما يصادم ضرورياً من الدين أو يخالف قطعياً من أدلة المسلمين. قلت هذا قول باطل مردود بالنص والإجماع. أما النص فقول النبي ﷺ «من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين» رواه الإمام أحمد والبخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵄. والأحاديث بنحوه كثيرة وليس هذا موضع ذكرها. والخسف إنما يكون من تحت ولا يكون من جهة العلو فإن ذلك يسمى عروجاً وصعوداً ورقياً كما قال تعالى (ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون) وقال تعالى (كأنما يصعد في السماء) وقال تعالى مخبراً عن كفار قريش أنهم قالوا (أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرأه) وقال تعالى (وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية). وفي قوله ﷺ «خسف به إلى سبع أرضين» دليل على أن الأرضين بعضهن فوق بعض وأعلاهن ما نحن عليه. قال ابن كثير في كتابه البداية والنهاية بعد أن ساق عدة أحاديث في إثبات سبع أرضين. قال فهذه الأحاديث كالمتواترة في إثبات سبع أرضين. والمراد بذلك أن كل واحدة فوق الأخرى والتي تحتها في وسطها عند أهل الهيئة حتى ينتهي الأمر إلى السابعة وهي صماء لا جوف لها وفي وسطها المركز وهي نقطة مقدرة متوهمة وهو محط الأثقال إليه ينتهي ما يهبط من كل جانب إذا لم يعاوقه مانع انتهى. وأما الإجماع فقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى, قد خلق الله سبع أرضين بعضهن فوق بعض كما ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال «من ظلم شبراً من الأرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة».

стр. 136

وقد ذكر أبو بكر الأنباري الإجماع على ذلك وأراد به أهل الحديث والسنة انتهى. ولو كان الأمر على ما ذهب إليه الألوسي من كون الأرضين بين السموات وكل أرض منها بين سمائين لكان المخسوف به إلى سبع أرضين يخسف به على هذه الأرض التي نحن عليها ثم يرفع فوق السماء الدنيا فيخسف به في الأرض الثانية ثم يرفع فوق السماء الثانية فيخسف به في الأرض الثالثة وهكذا إلى الأرض السابعة التي هي على قول الألوسي بين السماء السادسة والسماء السابعة. وهذا لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل. ومجرد تصوره يكفي في معرفة فساده ومصادمته لما هو معلوم بالضرورة من الدين ومخالفته لما هو قطعي من أدلة المسلمين وهو ما ذكرناه آنفاً من النص والإجماع. وستأتي بقية الأمثلة على نقصان كتاب الألوسي وقلة بركته مع الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة إن شاء الله تعالى. ومما ذكرته من هذه الأمثلة التي تقدم ذكرها والأمثلة التي ستأتي يتضح أن كتاب الألوسي لا خير فيه وأنه لا يستحق المدح. وأيضاً فقد اشتمل على تعظيم ابن عربي الطائي إمام القائلين بوحدة الوجود وتلقيبه بمحي الدين والترحم عليه والنقل من هذيانه وما كان كذلك فليس فيه بركة ولا يستحق المدح وإنما يستحق الذم والتحذير منه. وقد ثبت عند المحققين أن ابن عربي من أكفر أهل الأرض وممن سعى في إماتة دين الإسلام وإبداله بنحلته الخبيثة التي هي شر مما كان عليه اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل. وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية فيه وفي أشباهه أنهم أكفر من اليهود والنصارى. وكلام العلماء في تكفير ابن عربي كثير جداً. وقد صنف العلامة برهان الدين البقاعي كتاباً في تكفيره وتكفير أشباهه من الاتحادية سماه (تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي) قال في أوله وينبغي أن يعلم أولا أن كلامه دائر على الوحدة المطلقة وهي أنه لا شيء سوى هذا العالم. وأن الله أمر كلي لا وجود له

стр. 137

إلا في ضمن جزئياته. ثم إنه يسعى في إبطال الدين من أصله بما يحل به عقائد أهله بأن كل أحد على صراط مستقيم, وأن الوعيد لا يقع منه شيء. وعلى تقدير وقوعه فالعذاب المتوعد به إنما هو نعيم ونحو ذلك. ثم ذكر البقاعي شيئاً كثيراً من شطحات ابن عربي وأقواله الباطلة وذكر أقوال العلماء في تكفيره وتكفير أشباهه فأجاد وأفاد وصنف أيضاً كتاباً آخر في تكفيره وتكفير ابن الفارض ومن كان على طريقتهما سماه (تحذير العباد. من أهل العناد) وقد طبع الكتابان معاً في مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة في سنة ١٣٧٢ هـ وسماهما الناشر مصرع التصوف فليراجعهما من لا يعرف حال ابن عربي ليرى كلام العلماء فيه. وإذا كان الأمر في ابن عربي ما ذكرنا فليس بسلفي من يعظمه ويترحم عليه ويعتمد على هذيانه, ولا خير في كتاب يشتمل على تعظيمه وتعظيم أشباهه والله المستعان. الأمر الثاني من الأخطاء زعم الألوسي أن الهيئة الجديدة قويمة البرهان وأن القرآن الكريم يعضدها. والجواب أن يقال ليس الأمر كذلك بل الهيئة الجديدة عديمة البرهان. والقرآن العظيم يعارضها ويشهد ببطلانها. وكذلك السنة وإجماع المسلمين. والأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها ما تيسر وبالله المستعان. المثال الأول قولهم إن الشمس ثابتة وأنها مركز العالم وأن الأرض وسائر السيارات والثوابت تتحرك عليها. وهذا قول باطل ترده نصوص القرآن والسنة. وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع. المثال الثاني قولهم إن الأرض تدور على الشمس. وهذا قول باطل ترده الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة. ويرده أيضاً إجماع المسلمين على وقوف الأرض وسكونها وأن حركتها إنما تكون بعارض يعرض لها من زلزلة ونحوها وقد تقدم ذلك فليراجع. وقد اضطرب قول الألوسي في هذه المسألة والتي قبلها. فمرة يوافق أهل الهيئة الجديدة

стр. 138

على قولهم ويحتج لهم. ومرة يذكر قولهم ويسكت, ومرة يخالفهم ويقول إنه يجب الرجوع في هذا إلى ما دل عليه الكتاب والسنة, وهذا القول هو الحق لو كان الألوسي يثبت عليه. المثال الثالث إنكارهم وجود السموات السبع. وذلك هو الكفر الصريح والضلال البعيد لمخالفته لنصوص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين. وكثير من جهال المسلمين يوافقونهم على هذا المذهب الباطل وذلك ردة وخروج من دين الإسلام. قال الألوسي في صفحة ١٩ من كتابه الذي سماه (ما دل عليه القرآن. مما يعضد الهيئة الجديدة). وأما ما ذهب إليه متأخرو الفلاسفة فلا سماء عندهم بل الأجرام العلوية قائمة بالجاذبية فإن الشمس وسائر الكواكب السيارات عليها بل وجميع الثوابت ليست مركوزة في جسم من الأجسام - إلى أن قال - غير أن المتأخرين لم يثبتوا من السموات سبعاً ولا أكثر من ذلك ولا أنقص. والمتشرعون منهم قالوا المراد من السموات السبع أصناف أجرام الكواكب فإنهم جعلوها على سبعة أصناف في المقدار. وذلك هو الضلال البعيد. فلا يلزم أن يكون كل ما لم تصل إليه أيدي أفكارهم هو في حيز العدم (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله). فإن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كلهم أخبروا بوجود السموات في هذا الفضاء الذي ليس له مبدأ ولا انتهاء. وهذا خاتمهم صلوات الله عليه قد ذكر ما ذكر مما رأى في معراجه في السموات واستفتاحه لها بواسطة جبريل. كل ذلك يبطل تأويل من أوَّل. قلت قد أجاد الألوسي في رده على أهل الهيئة الجديدة في زعمهم عدم السموات السبع ولكنه اخطأ في قوله في الفضاء إنه ليس له مبدأ ولا انتهاء, وقد تقدم رد ذلك مع الأمثلة التي تقدم ذكرها. وذكر الألوسي أيضاً في صفحة ٣٤ عن أهل الهيئة الجديدة أن سعة الجو غير متناهية عندهم, ومعنى هذا إنكار وجود السموات السبع.

стр. 139

وذكر أيضاً في صفحة ٣٨ عن أهل الهيئة الجديدة أنهم لا يعترفون بوجود السموات السبع على الوجه الذي نطقت به النصوص وذكر أيضاً في صفحة ٨٦ أن أهل الفن اليوم لا يعترفون بأجرام علوية غير الكواكب. قلت وهذا من مزيد كفرهم وعنادهم. وقد اعترف فرعون بوجود السموات مع شدة كفره بالله, واعترف بذلك قوم شعيب ومشركو قريش فهم إذاً أخف كفراً من أهل الهيئة الجديدة. قال الله تعالى مخبراً عن فرعون (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً) الآية. وقال تعالى عن قوم شعيب (فأسقط علينا كسفاً من السماء إن كنت من الصادقين) والكسف القطع وقال تعالى عن مشركي قريش (أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً). والقول بنفي وجود السموات السبع معلوم البطلان بالضرورة من الدين. والأدلة على إثبات السموات السبع من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ يشق استقصاؤها لكثرتها. وحسبنا أن نذكر ههنا طرفاً منها. فمن ذلك قول الله تعالى مخبراً عن نوح ﵊ أنه قال لقومه (ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً. وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً). وقوله تعالى (الذي خلق سبع سموات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور, ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير). وقوله تعالى (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ما كنا عن الخلق غافلين). وقوله تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم). وقوله تعالى (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرها قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم). وقوله تعالى (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن) الآية وقوله تعالى (قل

стр. 140

من رب السموات السبع ورب العرش العظيم, سيقولون الله قل أفلا تتقون). وقوله تعالى (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن) الآية. وقوله تعالى (وبنينا فوقكم سبعاً شدادا). ففي هذه الآيات كلها النص على وجود السموات والنص على أنهن سبع. ففي هذا رد على أهل الهيئة الجديدة الذين أنكروا وجود السموات. وفيها أيضاً رد على الألوسي حيث زعم أنه يمكن أن تكون السموات أكثر من سبع. وفي الآية من سورة الطلاق رد عليه أيضاً في زعمه أنه يمكن أن تكون الأرضون أكثر من سبع. وقد تقدم كلامه في ذلك قريباً. وفي الآية من سورة عمّ النص على أن السموات مبنية وأنها شداد أي في غاية الإحكام والشدة والكثافة. وقد جاء في الأخبار عن بنائها عدة آيات من القرآن كقوله تعالى (الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء) وقوله تعالى (الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء) وقوله تعالى (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج) وقوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون) وقوله تعالى (والسماء وما بناها) وقوله تعالى (أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها, رفع سمكها فسواها). وقد أخبر ﵎ أنه جعل السماء سقفاً لما تحتها من المخلوقات فقال تعالى (الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء) قال تعالى (الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء) وقال تعالى (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً) وقال تعالى (والسقف المرفوع) وأخبر ﵎ أيضاً عن ارتفاعها بقوله (تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى) وقوله تعالى (الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها) وقوله تعالى (والسماء رفعها ووضع الميزان) وقوله تعالى (أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها, رفع سمكها فسواها) وقوله تعالى (والسقف المرفوع). وأخبر تعالى أن للسماء أبواباً فقال تعالى (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) الآية, وقال تعالى (ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون).

стр. 141

وأخبر تعالى أن في السموات سكاناً فقال تعالى (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن) وقال تعالى (ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه) وقال تعالى (سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) وقال تعالى (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض) الآية. وقال تعالى (ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال). وقال تعالى (وله من في السموات والأرض كل له قانتون) وقال تعالى (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً. لقد أحصاهم وعدهم عداً. وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) وقال تعالى (ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون) وقال تعالى (ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير) وقال تعالى (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين) وقال تعالى (ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون) وقال تعالى (يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن). وأخبر تعالى عن السموات أنهن يكدن يتفطرن من سماع دعوى الولد لله ﵎ إعظاماً للرب وإجلالا له فقال تعالى (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً. لقد جئتم شيئاً إدّاً, تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّاً. أن دعوا للرحمن ولداً. وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً) وقال تعالى (تكاد السموات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم). وأخبر تعالى أنها تنشق يوم القيامة وأنه يطويها ويجعلها في يمينه فقال تعالى (إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحقت) وقال تعالى (وانشقت السماء فهي يومئذ واهية) وقال تعالى (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان) وقال تعالى (ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا) وقال تعالى (إذا السماء انفطرت) أي انشقت. وقال تعالى (السماء منفطر به) وقال تعالى (إذا السماء فرجت) أي شقت. وقال تعالى (وإذا السماء كشطت) أي نزعت فطويت. وقال الزجاج قلعت كما يقلع السقف, قال

стр. 142

البغوي ومعنى الكشط رفعك شيئاً عن شيء قد غطاه كما يكشط الجلد عن السنام. وقال تعالى (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب) وقال تعالى (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون). وأخبر تعالى أن السماء والأرض قائمتان بأمره, وأنه يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه. وأنه يمسك السموات والأرض أن تزولا. والآيات الدالة على وجود السموات كثير جداً وفيما ذكرته كفاية لطالب الحق. أما الأدلة على ذلك من السنة فكثيرة أيضاً. ونذكر ههنا طرفاً من ذلك. فمنها ما رواه الإمام أحمد ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «أتيت بالبراق - فذكر الحديث وفيه - قال ثم عرج بي إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل له من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل له من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى فرحبا بي ودعوا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل له من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بيوسف ﵇ وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل من أنت قال جبريل فقيل ومن معك قال محمد فقيل وقد أرسل إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير قال الله (ورفعناه مكاناً علياً) ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقيل من أنت قال جبريل فقيل ومن معك قال محمد فقيل قد أرسل إليه قال بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بهارون فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد فقيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بموسى ﵇ فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد فقيل وقد بعث إليه

стр. 143

قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم ﵇ وإذا هو مستند إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه» الحديث. وقد رواه البخاري والنسائي وابن أبي حاتم بنحوه. وفي رواية ابن أبي حاتم «قال ثم أخذ بيدي جبريل فصعد بي إلى السماء فلما انتهينا إلى الباب استفتح فقالوا من أنت قال أنا جبريل قالوا ومن معك قال محمد قالوا وقد بعث إليه قال نعم قال ففتحوا له وقالوا مرحباً بك وبمن معك قال فلما استوى على ظهرها إذا فيها آدم» فذكر الحديث بنحو ما تقدم. ومنها ما رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ﵁ أن مالك بن صعصعة ﵁ حدثه أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به فذكر الحديث بنحو ما تقدم. ومنها ما رواه الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال كان أبو ذر ﵁ يحدث أن رسول الله ﷺ قال فذكر الحديث بنحو ما تقدم. ومنها ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند عن أنس بن مالك ﵁ قال كان أبي بن كعب ﵁ يحدث أن رسول الله ﷺ قال فذكر الحديث بنحو ما تقدم. ومنها ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال له أصحابه يا رسول الله أخبرنا عن ليلة أسري بك قال فأخبرهم فذكر الحديث بنحو ما تقدم وفيه زيادات كثيرة. ومنها ما رواه ابن جرير والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بنحو ما تقدم. ومنها ما رواه الإمام أحمد والبغوي عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال كنا جلوساً مع رسول الله ﷺ بالبطحاء فمرت سحابة فقال رسول الله

стр. 144

صلى الله عليه وسلم «أتدرون ما هذا قال قلنا السحاب قال والمزن قلنا والمزن قال والعنان قال فسكتنا فقال هل تدرون كم بين السماء والأرض قال قلنا الله ورسوله أعلم قال بينهما مسيرة خمسمائة سنة ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض والله ﵎ فوق ذلك وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء». وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة في كتاب التوحيد والحاكم في مستدركه. وفي روايتهم أن النبي ﷺ قال «هل تدرون ما بعد بين السماء والأرض قالوا لا ندري قال إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سموات ثم فوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله تبارك وتعال فوق ذلك» قال الترمذي هذا حديث حسن غريب. ومنها ما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن أبي حاتم والبزار عن أبي هريرة ﵁ قال بينما نبي الله ﷺ جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله ﷺ «هل تدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقه الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه ثم قال هل تدرون ما فوقكم قالوا الله ورسوله أعلم قال فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف ثم قال هل تدرون كم بينكم وبينها قالوا الله ورسوله أعلم قال بينكم وبينها خمسمائة سنة ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن فوق ذلك سمائين ما بينهما مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع سموات ما بين كل سمائين كما بين السماء والأرض ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما بين السمائين». ومنها ما رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه

стр. 145

قال «ما بين كل سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام وبين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام والعرش على الماء والله على العرش ويعلم أعمالكم» إسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه من وجه آخر ولفظه «ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وبصر كل سماء خمسمائة - يعني غلظها - وذكر بقيته بنحو ما تقدم. وهذا الحديث له حكم المرفوع لأن مثله لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف ومنها ما رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال «قال موسى ﵇ يا رب علمني شيئاً أذكرك وادعوك به قال قل يا موسى لا إله إلا الله قال كل عبادك يقولون هذا قال يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله. قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. ومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والطبراني عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إن نبي الله نوحا ﷺ لما حضرته الوفاة قال لابنه إني قاص عليك الوصية آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله» وذكر تمام الحديث. ومنها ما رواه ابن مردويه عن أبي ذر ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن الكرسي فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة». ومنها ما رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يدعو عند النوم «اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء» الحديث قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح
следующие страницы →