← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 13607

الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (186 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يقال لحض الناس المخاطبين على النظر في ذلك الصنع المتقن والتفكير فيما اشتمل عليه من الحكم ليزدادوا إيماناً ويقينا وليس يوم النفختين صالحا لمثل هذا. إذا علمت كل ما قلناه في خلق السموات والأرض تعلم أن العاقل المنصف إذا نظر في هذه اللطائف التي اشتملت عليها تلك الآيات القرآنية وما دلت عليه من تدبير الصانع الحكيم نظر منصف مجردا عن التعصب علم علما يقينا واعتقد اعتقادا جازما أن القرآن قد اشتمل على كثير من مباحث العلوم العمرانية والكونية وأن كل ما قيل غير ذلك فرية بلا مرية كيف وقد دلت على أن الله تعالى حكيم مقتدر عليم حيث جعل الأرض كرة دائرة لتكون فراشا ومهدا وذلولا أ. هـ. قال الشيخ الكافي في الرد على المطيعي. (المسألة السابعة والسبعون). (قوله) دوران الأرض وأخذه من القرآن. (لا يصح) كما تقف عليه إن شاء الله تعالى. (قوله) قال الله تعالى (الذي جعل لكم الأرض فراشا) إلى قوله وكل هذه الآيات تدل بظاهرها على أن الأرض متحركة ودائرة. (لا يصح) لأن الآيات تدل دلالة صريحة على أن الأرض ثابتة غير دائرة ليتم الاستقرار عليها وتثبت عليها أرجل الحيوانات وتكون مهدا وفراشا وبساطا وذلولا وقرارا إذا كانت ثابتة غير متحركة وأما إذا كانت متحركة وحركتها في السرعة كحركة السحاب الذي تذروه الرياح فلا عاقل يقول إنها بهذه الصفة تكون مهدا وقرارا إلى آخر ما ذكر ثم ذكر الكافي كلام الرازي على قول الله تعالى (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) وقد تقدم ذكره قريبا في أول ما نقلنا من كلام الكافي فليراجع. وتقدم أيضا الاستدلال بالآيات من سورة البقرة وسورة النمل وسورة الزخرف وسورة الملك على ثبات الأرض واستقرارها والاستدلال بالآيتين من سورة الأنبياء وسورة يس على جريان الشمس في الفلك وكلام المفسرين في ذلك فليراجع فالعمدة عليه لا على كلام الملحدين في آيات الله تعالى المحرفين للكلم عن مواضعه كالمطيعي وأشباهه من تلامذة الإفرنج ومقلديهم.

стр. 72

ثم قال الكافي في الرد على المطيعي. (قوله) كما هو رأي فيثاغورس قديما وقول علماء الهيئة اليوم. (لا يكون) حجة في الموضوع لأن الموضوع الذي التزمه أن القرآن يؤخذ منه حركة الأرض. وقول فيثاغورس ومن معه ليس بقرآن. (قوله) وذلك أنه ثبت بالمشاهدات الصحيحة إلى قوله عند خط الاستواء. (لا ينجح) في الموضوع لأنه لم يؤخذ ذلك من القرآن. (قوله) وقد أطبق المحققون إلى قوله ولا يلتفت إليه. (خارج) عن موضوع البحث وهو دوران الأرض وأخذه من القرآن فلا فائدة فيه. (قوله) فكان انتفاخها نحو خط الاستواء وتفرطحها نحو القطبين دليلا حسيا على أن الأرض كانت سائلة في مبدأ خلقها. لا يؤخذ ذلك من القرآن (وهو غيب عنا فيحتاج إلى وحي يسفر على ما ادعاه ولا وحي. والذي تدل عليه الآيات والآثار أن الله تعالى خلق الأرض على الوصف الذي نشاهده لا أنها انتقلت من طور إلى طور كأطوار الجنين في بطن أمه). (قوله) وأنها متحركة إلى قوله وتفرطحت نحو قطبيها. (لا يؤخذ) من القرآن فلا يعول عليه كما تقدم. (قوله) وبذلك جمدت قشرتها أيضا وبردت (لا يؤخذ من القرآن أيضا كما هو موضوع كلامه فلا ينظر إليه). (قوله) ولو كانت ساكنة لبقيت جرماً غازياً سائلاً. (غير صحيح) بل هي ساكنة. ودعوى كون جرمها غازيا سائلا دون إثباته خرط القتاد لأن ذلك من الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا من طريق الوحي ولا وحي. (قوله) فلا تصلح لأن تكون فراشا ولا مهدا ولا ذلولا. (غير صحيح) بل لا تصح لأن تكون مهدا وذلولا وفراشا إلا إذا كانت ساكنة كما هو المعقول والمنقول. (قوله) فثبت بذلك حركتها على محورها التي بها يتعاقب الليل والنهار. (لا يثبت) إلا عنده وعند من يتخيل تخيلاته. (قوله) وأما حركتها حول الشمس إلى قوله العملية الصحيحة. (لا يصح) لأن أصل الحركة لها غير ثابت فضلا عن حركتها حول الشمس لأنه

стр. 73

لا دليل على ما ذكره من القرآن المدعى أنه يثبت دوران الأرض من القرآن فلم يثبته لنا ثبوتا مسلما ولن يستطيع أن يثبته. قلت وزعم المطيعي تقليدا لأهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج أن جرم الشمس أكبر من الأرض بأضعاف مضاعفة لا دليل عليه من كتاب ولا سنة وإنما يعتمد أهل الهيئة الجديدة في ذلك على نظاراتهم وآرائهم وتخرصاتهم وظنونهم التي لا تغني من الحق شيئا. والظاهر من أدلة الكتاب والسنة أن جرم الأرض أكبر من الشمس والقمر والنجوم وسيأتي إيراد الأدلة على ذلك مع الكلام على بطلان الهيئة الجديدة إن شاء الله تعالى. وأما زعمه أن الشمس تجذب الأرض إليها من كل الجوانب. فهو قول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح. وما ليس عليه دليل فليس عليه تعويل. وقد جاء في عدة أحاديث صحيحة أن الشمس تدني من الأرض يوم القيامة. وفي بعضها أنها تكون من الناس بقدر ميل. وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث مع الأدلة على ثابت الأرض فلتراجع ففيها إبطال لما زعمه المطيعي وسلفه أهل الهيئة الجديدة من جاذبية الشمس للأرض. ولو فرضنا أن بين الأرض والشمس جاذبية لكانت للأرض لا للشمس لأن الشمس هي التي تجري وتدور على الأرض. وإذا كان يوم القيامة أدنيت من الأرض حتى تكون من الناس بقدر ميل ثم تكور هي والقمر ويرمى بهما في البحر كما تقدم ذلك في حديث ابن عباس ﵁ والله أعلم. ثم قال الشيخ الكافي في الرد على المطيعي. (قوله) وبذلك تبين أن هذه الآيات بظاهرها تدل على أن الأرض ليست منقادة إلى حركة رحوية بها تدور على محورها ويتكون منها تعاقب الليل والنهار فقط بل تتحرك أيضا حركة أخرى حول الشمس تتكون منها السنة وفصولها. (غير صحيح) لأن الآيات التي ذكرها لم تدل بظاهرها ولا بباطنها ولم تشعر مطلق إشعار بأن الأرض تتحرك على محورها ويتعاقب الليل والنهار بسبب تلك الحركة.

стр. 74

ومن باب أولى في عدم دلالتها على حركة الأرض حول الشمس وإنما هي دعوى ادعاها على الآيات وهي بريئة من دعواه. قلت وذلك من الإلحاد في آيات الله وتحريف الكلم عن مواضعه. وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله محرف للكلم. عن مواضعه. (قوله) وقد جاء الضمير في قوله (يسبحون) جمعا فكان مرجعه جمعا. (غير صحيح) بل المرجع مثنى لا غير وهو الشمس والقمر وإطلاق الجمع على المثنى والمثنى على الجمع والمفرد عليهما وهما على المفرد سائغ في لغة العرب. وبعضهم اعتبر المرجع جمعا بزيادة النجوم على الشمس والقمر ولا قائل برجوعه إلى الأرض. قلت وقد اعتبر بعضهم المرجع جمعا بزيادة الليل والنهار مع الشمس والقمر. قال ابن جرير في تفسير سورة يس وقوله (وكل في فلك يسبحون) يقول وكل ما ذكرنا من الشمس والقمر والليل والنهار في فلك يجرون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ثم روى بإسناده عن مجاهد أنه قال يجري كل واحد منهما يعني الليل والنهار (في فلك يسبحون) يجرون. وقال ابن كثير في تفسير سورة يس. وقوله ﵎ (وكل في فلك يسبحون) يعني الليل والنهار والشمس والقمر كلهم يسبحون أي يدورون في فلك السماء قاله ابن عباس وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة وعطاء الخراساني انتهى. وهذا هو الظاهر من سياق الآيات من سورة الأنبياء وسورة يس حيث ذكر ﵎ الليل والنهار والشمس والقمر ثم قال (وكل في فلك يسبحون). وقد قرر هذا شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال في جوابه له. وقوله (كل في فلك يسبحون) يتناول الليل والنهار والشمس والقمر كما بين ذلك في سورة الأنبياء وكذلك في سورة يس (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون. والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد

стр. 75

كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) فتناول قوله (وكل في فلك يسبحون) ما تقدم الليل والنهار والشمس والقمر كما ذكر في سورة الأنبياء. وقال الشيخ أيضا في جواب آخر والله سبحانه قد أخبر بأن الشمس والقمر والليل والنهار كل ذلك يسبح في الفلك فقال تعالى (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) وقال تعالى (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) والفلك هو المستدير كما ذكر ذلك من ذكره من الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين. والمستدير يظهر شيئا بعد شيء فيراه القريب منه قبل البعيد عنه انتهى. وأما إعادة الضمير في قوله تعالى (وكل في فلك يسبحون) إلى الأرض مع الشمس والقمر فهو من الإلحاد في آيات الله تعالى وتحريف الكلم عن مواضعه ولا يقول بذلك إلا المفتونون بزخارف الإفرنج وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة كالمطيعي وأشباهه من العصريين الذين يتمسكون بأقوال أعداء الله تعالى ويقدمونها على نصوص الكتاب والسنة ويتأولون القرآن على غير تأويله. ثم قال الشيخ الكافي في الرد على المطيعي. (قوله) وعلى هذا اتفق المفسرون غير أنهم أولوا ذلك بتآويل شتى. (صحيح) غير أنهم لم يخرجوا بتأويلهم عما يقتضيه لسان العرب والقرآن العظيم الذي نزل بلغتهم فهم سادة يمدحون. (قوله) ما دعاهم لارتكابها إلا اعتقاد ما قاله البطليموسية من اليونان من أن الأرض ساكنة. (غير صحيح) ودعواه عليهم تقليد البطليموسية فرية بلا مرية بل إنما اتبعوا القرآن وما ثبت من الأقوال عن السلف الصالح حسب ما تقدم وحسب ما يأتي إن شاء الله تعالى. (قوله) مع أنه لم يقم دليل على سكون الأرض. (غير صحيح) بل الدليل على سكونها قائم من القرآن وغيره كما تقدم في المسألة الموفية عشرين وكما يأتي إن شاء الله تعالى. قلت قد تقدم ذكر المسألة العشرين في أول ما نقلته من كلام الكافي فلتراجع.

стр. 76

(قوله) بل الدليل قائم على دورانها. (غير صحيح) لأنه لم يقم لنا دليلا من القرآن مسلما على دوران الأرض. وأما أنه ثابت عند فيثاغورس التابع له هو فذاك خارج عما ادعاه من إثبات دوران الأرض من القرآن. والمسلمون لم يسلموا دعوى فيثاغورس ومن كان على شاكلته. (قوله) فلا داعي للتأويل. (غير صحيح) بل التأويل واقع في محله. (قوله) بل الواجب أن تبقى الآيتان على ظاهرهما ويعود الضمير على الأجرام الثلاثة التي هي الأرض والشمس والقمر. (غير صحيح) بل يجب عوده على الشمس والقمر لا غير لأن عوده على الأرض بديه البطلان لأنه لا فلك لها تسبح فيه على فرض سبحها الباطل لأن الأفلاك من العلويات والأرض من العالم السفلي. قلت الصحيح أن الضمير عائد على الليل والنهار والشمس والقمر وقد تقدم تقرير هذا قريباً في كلام ابن جرير وأبي العباس ابن تيمية والعماد ابن كثير رحمهم الله تعالى. وقد حكاه ابن جرير عن أهل التأويل. يعني المفسرين. وحكاه ابن كثير عن ابن عباس وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة وعطاء الخراساني وبذلك تبقى الآيتان على ظاهرهما ولا يحتاج مع ذلك إلى التأويل. وأما الزيادة على ما أخبر الله به في كتابه كما فعل المطيعي في إدخاله الأرض مع الشمس والقمر فيما أخبر الله به من السبح في الفلك وإعراضه عما أخبر الله به من سبح الليل والنهار فيه فذلك إلحاد في آيات الله تعالى وتحريف للكلم عن مواضعه وليس ذلك من التأويل الجائز في شيء. ثم قال الشيخ الكافي في الرد على المطيعي. (قوله) وممن استدل على دوران الأرض إلى قوله النورانية القرآنية. (لا يفيد شيئاً) لأنه يقال في استدلاله ما قيل في استدلال مفتي مصر سابقاً بلا فرق. (قوله) وأما قوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة) الآية فوجه دلالتها على دوران الأرض أن معناها أنا نرى الجبال نظنها بحسب ما يتراءى لنا ساكنة إلى قوله والجبال تسير وتتحرك تبعاً لها.

стр. 77

(غير صحيح) ما أراده من الآية بل المعنى الصحيح للجبال هو أن لها وصفين أحدهما في حال وجود الدنيا هو ثبوتها في نفسها وثبوت الأرض بها كما هو صريح القرآن العظيم. وثانيهما بعد أيام الدنيا وهو مرورها مر السحاب في الواقع ونفس الأمر وجامدة ساكنة بحسب ما يتراءى للناظر إليها. (وقوله) لأنه لا جائز أن تكون الجبال متحركة هذه الحركة وحدها والأرض ساكنة لأنه لو كان الأمر كذلك لانفصلت الجبال عن الأرض وهو خلاف المشاهد. (كلام قليل الجدوى) لأن الجبال في حال الدنيا لا تتحرك هذه الحركة لا بنفسها ولا تبعاً للأرض وإنما تتحرك هذه الحركة وحدها يوم القيامة وتنفصل عن الأرض وتبقى الأرض بارزة. (قوله) فتبين أن حركتها إنما هي بالتبعية لحركة الأرض (غير صحيح) لأنه لم يتبين شيء بل المتبين في نظر الناظر وفي الواقع ونفس الأمر سكونهما معاً في هذه الدار. (قوله) ولا جائز أن يكون ما نراه على الوجه الذي جاءت به الآية وقت النفخة الأولى أو النفخة الثانية كما قيل بذلك (يقال للمفتي) هو الجائز والواقع والقول بوقوع ذلك بعد النفخة الثانية أرجح في النظر وما تستند إليه مما يقوي قولك التابع فيه لفيثاغورس ويضعف قول من يقول بسيرها بعد وقوع النفخة الأولى أو النفخة الثانية سنرده إن شاء الله تعالى رداً يفقهه من له أدنى إلمام بالعلم. (قوله) لأنه في كل من الوقتين لا يكون هناك بقاء ولا وجود للجبال على الأرض على الوجه الذي يلائمه قوله تعالى في الآية (صنع الله الذي أتقن كل شيء). (حق وصدق) بالنسبة لعدم بقاء ووجود الجبال على وجه الأرض. (وغير حق وصدق) بالنسبة لعدم ملائمة ذلك للآية بل هو ملائم للآية تمام الملاءمة. وذلك أن تسيير الجبال الراسيات الشامخات تسييرا في الجو حثيثاً ويظن الناظر إليها أنها جامدة أي ثابتة في مكانها والحال أنها تمر مر السحاب هو صنع الله المتقن وكل أفعال الله متقنة فهو أرسى بها الأرض في الدار الأولى فأتقن إرساءها وسيرها في الدار الآخرة فأتقن تسييرها. (قوله) لأن يوم النفختين هو اليوم الذي ترجف فيه الجبال وتكون كثيباً مهيلاً وهو اليوم الذي ينسف الله فيه الجبال نسفاً - إلى قوله - من الأحوال والأهوال.

стр. 78

(صحيح) غير أنه ترك من أوصافها أن الناظر إليها يخيل لها أنها جامدة أي ثابتة في أماكنها والواقع أنها تمر مر السحاب (قوله) التي لا تناسب أن يقال ويخاطب كل من يصح منه الرؤية (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء). (غير صحيح) بل لا يناسب إلا هو لأن أصل الخطاب لبيان هول وشدة ذلك اليوم لا غير ومن ادعى خلاف هذا فلم يمعن النظر في سابق (وترى الجبال) وهو (وإذا وقع القول) (ويوم ينفخ في الصور) ولو أمعن لما تفوه بما قال إلا إذا رسخ في ذهنه مذهب فيثاغورس وأهل الهيئة الحديثة. (قوله) لأن مثل هذا القول إنما يقال لحض الناس المخاطبين على النظر في ذلك الصنع المتقن والتفكر فيما اشتمل عليه من الحكم ليزدادوا إيماناً ويقيناً. (غير صحيح) لأن الخطاب هنا ليس لحظ المخاطبين إلى آخر ما قال. بل هو لبيان هول ذلك اليوم كما تقدم وكما يأتي في كلام الراسخين في العلم. وإنما جاء الخطاب للناس ليتفكروا في نصب الجبال على الأرض المشاهد لهم في قوله تعالى في سورة الغاشية (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت. وإلى الجبال كيف نصبت. وإلى الأرض كيف سطحت). وأما أنهم يتذكرون ويزدادون إيماناً ويقيناً بشيء لم يشاهدوه ولم يخطر ببالهم فهذا مما لا يساعده عقل ولا نقل. (قوله) وليس يوم النفختين صالحاً لمثل هذا. (صحيح في حد ذاته) لأنه لبيان هول ذلك اليوم لا للتذكير والوعظ (قوله) إذا علمت ما قلنا في خلق السماوات والأرض تعلم أن العاقل المنصف إذا نظر في هذه اللطائف التي اشتملت عليها تلك الآيات القرآنية - إلى قوله العمرانية والكونية. (غير صحيح) بالنسبة لما قرره في دوران الأرض وإنه لم يأت بلطيفة واحدة تذكر إلا بلطيفة وهي مخالفته لصريح نص القرآن وهجرانه لما قرره علماء المسلمين من الصدر الأول إلى وقتنا هذا واعتناقه مذهب فيثاغورس ومن كان على شاكلته. والقرآن تنزه ساحته عن مثل هذا اللغو. (قوله) وأن كل ما قيل غير ذلك فرية بلا مرية.

стр. 79

(معكوس) أعني ما قرره هو فرية بلا مرية. (قوله) كيف وقد دلت على أن الله تعالى حكيم عليم حيث جعل الأرض كرة دائرة لتكون فراشاً ومهداً وذلولا. (غير صحيح) بالنسبة لكون الله تعالى جعل الأرض كرة دائرة لأنه لا شيء من القرآن يدل على ذلك البتة كما تقدم. وأما كونه حكيماً مقتدراً عليماً فهذا ثابت له بنص الكتاب بقطع النظر عن كون الأرض كرة دائرة أو غير كرة وغير دائرة. ذكر أقوال بعض علماء المسلمين الذين لمزهم مفتي مصر سابقاً بكونهم ما دعاهم لقولهم بسكون الأرض إلا تقليد البطليموسية من اليونان. وسيحاكمونه يوم القيامة عند الله تعالى. (قال الشربيني) (وترى الجبال) أي تبصرها وقت النفخة والخطاب للنبي ﷺ لكونه أنفذ الناس بصراً وأنورهم بصيرة أو لكل أحد (تحسبها) أي تظنها (جامدة) أي قائمة ثابتة في مكانها لا تتحرك لأن الأجرام الكبار إذا تحركت في سمت واحد لا تكاد تتبين حركتها (وهي تمر) أي تسير حتى تقع على الأرض فتستوي بها مبثوثة ثم تصير كالعهن ثم تصير هباء منثوراً, وأشار تعالى إلى أن سيرها خفي وإن كان حثيثاً بقوله تعالى (مر السحاب) أي مراً سريعاً لا يدرك على ما هو عليه أ. هـ. باختصار. (الرازي) قوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون). اعلم أن هذا هو العلامة الثالثة لقيام الساعة وهي تسيير الجبال والوجه في حسبانهم أنها جامدة فلأن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد في السمت والكيفية ظن الناظر إليها أنها واقفة مع أنها تمر مراً حثيثاً. أما قوله (صنع الله) فهو من المصادر المؤكدة كقوله تعالى (وعد الله) (وصبغة الله) إلا أن مؤكده محذوف وهو الناصب ليوم ينفخ. والمعنى أنه لما قدم ذكر هذه الأمور التي لا يقدر عليها سواه جعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب أ. هـ باختصار.

стр. 80

ثم قال الشيخ الكافي: (قال أبو السعود) على قوله تعالى (وترى الجبال) عطف على ينفخ داخل في حكم التذكير, وقوله (تحسبها جامدة) أي ثابتة في أماكنها (وهي تمر مر السحاب) أي تراها رأي العين ساكنة والحال أنها تمر مر السحاب التي تسيرها الرياح سيراً حثيثاً - إلى أن قال - وهذا مما يقع بعد النفخة الثانية عند حشر الخلائق يبدل الله الأرض غير الأرض ويغير هيئتها ويسير الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر. وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى لكن تسييرها وتسوية الأرض إنما يكونان بعد النفخة الثانية أ. هـ باختصار. (الرازي) عند قوله تعالى (وسيرت الجبال فكانت سراباً) قال اعلم أن الله تعالى ذكر في مواضع من كتابه أحوال هذه الجبال على وجوه مختلفة ويمكن الجمع بينها على الوجه الذي نقوله وهو أن أول أحوالها الاندكاك وهو قوله (وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة). والحالة الثانية لها أن تصير كالعهن المنفوش. وذكر الله ذلك في قوله (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث. وتكون الجبال كالعهن المنفوش) وقوله (يوم تكون السماء كالمهل. وتكون الجبال كالعهن). والحالة الثالثة أن تصير كالهباء وذلك أن تتقطع وتتبدد بعد أن كانت كالعهن وهو قوله (إذا رجت الأرض رجاً. وبست الجبال بساً. فكانت هباء منبثاً). والحالة الرابعة أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها بإرسال الرياح عليها وهو المراد من قوله (فقل ينسفها ربي نسفاً). والحالة الخامسة أن الرياح ترفعها عن وجه الأرض فتطيرها شعاعاً في الهواء كأنها غبار فمن نظر إليها من بعد حسبها أجساماً جامدة لتكاثفها وهي في الحقيقة مارة إلا أن مرورها بسبب مرور الرياح بها مندكة متفتتة وهي قوله (وهي تمر مر السحاب). ثم بين أن تلك الحركة حصلت بقهره وتسخيره فقال (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة). والحالة السادسة أن تصير سراباً بمعنى لا شيء فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا كما أن من يرى السراب من بعد إذا أتى الموضع الذي كان يراه فيه لم يجده شيئاً والله

стр. 81

أعلم واعلم أن الأحوال المذكورة إلى ههنا هي أحوال عامة القيامة أ. هـ المراد منه. (أبو السعود) قال عند قوله تعالى (وسيرت الجبال) أي في الجو على هيئاتها بعد قلعها من مقارها كما يعرب عنه قوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) أي تراها رأي العين ساكنة في أماكنها والحال أنها تمر مر السحاب الذي تسيره الرياح سيراً حثيثاً وذلك أن الأجرام العظام إذا تحركت نحواً من الأنحاء لا تكاد تتبين حركتها وإن كانت في غاية السرعة لاسيما من بعيد. وقد أدمج في هذا التشبيه تشبيه حال الجبال بحال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها كما ينطق به قوله تعالى (وتكون الجبال كالعهن المنفوش) يبدل الله تعالى الأرض ويغير هيئتها ويسير الجبال على تلك الهيئة الهائلة عند حشر الخلائق بعد النفخة الثانية ليشاهدوها ثم يفرقها في الهواء وذلك قوله تعالى (فكانت سراباً) أي فصارت بعد تسييرها مثل السراب كقوله تعالى (وبست الجبال بساً, فكانت هباء منبثاً) أي غباراً منتشراً. وهي وإن اندكت وانصدعت عند النفخة الأولى لكن تسييرها وتسوية الأرض إنما يكونان بعد النفخة الثانية كما نطق به قوله تعالى (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً. فيذرها قاعاً صفصفاً. لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً, يومئذ يتبعون الداعي) وقوله تعالى (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار) فإن اتباع الداعي الذي هو إسرافيل وبروز الخلق لله تعالى لا يكون إلا بعد الثانية أ. هـ. قلت وقال ابن جرير في تفسير سورة النمل يقول تعالى ذكره (وترى الجبال) يا محمد (تحسبها جامدة وهي تمر) كالذي حدثني علي قال حدثنا أبو صالح قال حدثني معاوية عن علي عن ابن عباس ﵄ قوله (وترى الجبال تحسبها جامدة) يقول قائمة وإنما قيل وهي تمر مر السحاب لأنها تجمع ثم تسير فيحسب رائيها لكثرتها أنها واقفة وهي تسير سرياً حثيثاً كما قال النابغة الجعدي: بأرعن مثل الطود تحسب أنهم ... وقوف لحاجٍ والركاب تهملج وقال أبو الفرج ابن الجوزي في تفسيره. قوله تعالى (وترى الجبال) قال ابن قتيبة هذا يكون إذا نفخ في الصور تجمع الجبال وتسير فهي لكثرتها تحسب (جامدة) أي واقفة (وهي تمر) أي تسير سير السحاب. وكذلك كل جيش عظيم يحسبه الناظر من

стр. 82

بعيد واقفاً وهو يسير لكثرته - ثم ذكر قول النابغة الجعدي في وصف الجيش وقد تقدم ذكره في كلام ابن جرير - ثم قال وقوله تعالى (صنع الله) قال الزجاج هو منصوب على المصدر لأن قوله (وترى الجبال تحسبها جامدة) دليل على الصنعة فكأنه قال صنع الله ذلك صنعاً. ويجوز الرفع على معنى ذلك صنع الله, فأما الإتقان فهو في اللغة إحكام الشيء انتهى. وقال البغوي في تفسيره. قال الله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة) قائمة واقفة (وهي تمر مر السحاب) أي تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض فتسوى بها وذلك أن كل شيء عظيم وكل جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وبعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو سائر كذلك سير الجبال لا يرى يوم القيامة لعظمها كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه وهو سائر انتهى. وقال القرطبي في تفسيره. قوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) قال ابن عباس أي قائمة وهي تسير سيراً حثيثاً. قال القتبي وذلك أن الجبال تجمع وتسير فهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير وكذلك كل شيء عظيم وجمع كثير يقصر عنه النظر لكثرته وبعد ما بين أطرافه وهو في حسبان الناظر كالواقف وهو يسير - ثم ذكر قول النابغة الجعدي في وصف الجيش العظيم وتقدم ذكره. ثم قال - قال القشيري وهذا يوم القيامة أي هي لكثرتها كأنها جامدة أي واقفة في مرأى العين وإن كانت في أنفسها تسير سير السحاب والسحاب المتراكم يظن أنها واقفة وهي تسير, أي تمر مر السحاب حتى لا يبقى منها شيء. قال الله تعالى (وسيرت الجبال فكانت سراباً). ويقال إن الله تعالى وصف الجبال بصفات مختلفة ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها وإبراز ما كانت تواريه. فأول الصفات الاندكاك وذلك قبل الزلزلة, ثم تصير كالعهن المنفوش وذلك إذا صارت السماء كالمهل وقد جمع الله بينهما فقال (يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن). والحالة الثالثة أن تصير كالهباء وذلك أن تتقطع بعد أن كانت كالعهن. والحالة الرابعة أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها لتبرز. فإذا نسفت فبإرسال الرياح عليها. والحالة الخامسة أن الرياح ترفعها على وجه الأرض فتطيرها شعاعاً في الهواء كأنها

стр. 83

غبار فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجساماً جامدة وهي في الحقيقة مارة إلا أن مرورها من وراء الرياح كأنها مندكة متفتتة. والحالة السادسة أن تكون سراباً فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئاً منها كالسراب قال مقاتل تقع على الأرض فتسوى بها انتهى. وقال ابن كثير في تفسيره, وقوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) أي تراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه وهي تمر مر السحاب أي تزول عن أماكنها كما قال تعالى (يوم تمور السماء موراً. وتسير الجبال سيراً) وقال تعالى (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً. فيذرها قاعاً صفصفاً. لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً) وقال تعالى (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة). وقوله تعالى (صنع الله الذي أتقن كل شيء) أي يفعل ذلك بقدرته العظيمة (الذي أتقن كل شيء) أي أتقن كل ما خلق وأودع فيه من الحكمة ما أودع انتهى. وكلام المفسرين بنحو ما ذكرنا كثير جداً وكلهم على خلاف ما ذهب إليه المطيعي وأشباهه من تلامذة الإفرنج ومقلديهم من العصريين. ثم قال الشيخ الكافي: (المسألة الثامنة والسبعون) في بيان أن صنع الله تعالى كيف ما وقع لا يكون إلا متقناً سواء كان قبل النفختين أو بعدهما. وقَصْرُ مفتي مصر سابقاً ذلك على ما قبل النفختين وأن ما بعد النفختين لا ينبغي أن يخاطب به الناس لا ينظر إليه ولا يعول عليه. (الجلال المحلي) قال في تفسير قوله تعالى (صنع الله) مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله أضيف إلى فاعله بعد حذف عامله أي صنع الله ذلك صنعاً (الذي أتقن) أحكم (كل شيء) صنعه. (العلامة زاده) قوله (صنع الله) مؤكد لمضمون الجملة قبله فإن ما تقدم من نفخ الصور المؤدي إلى الفزع العام وحضور الكل الموقف وما فعل بالجبال إنما هو من صنع الله لا يحتمل غيره. (قال أبو السعود) على قوله تعالى (صنع الله) مصدر مؤكد لمضمون ما قبله أي صنع الله ذلك صنعاً على أنه عبارة عما ذكر من النفخ في الصور وما ترتب عليه جميعاً قصد به التنبيه على عظم شأن تلك الأفاعيل وتهويل أمرها والإيذان بأنها ليست بطريق

стр. 84

إخلال نظام العالم وإفساد أحوال الكائنات بالكلية من غير أن يدعو إليها داعية أو يكون لها عاقبة بل هي من قبيل بدائع صنع الله تعالى المبنية على أساس الحكمة المستتبعة للغايات الجميلة التي لأجلها رتب مقدمات الخلق ومبادئ الإبداع على الوجه المتين والنهج الرصين كما يعرب عنه قوله تعالى (الذي أتقن كل شيء أي أحكم خلقه وسواه على ما تقتضيه الحكمة). وقوله تعالى (إنه خبير بما تفعلون) تعليل لكون ما ذكر صنعاً محكماً له تعالى ببيان أن علمه تعالى بظواهر أفعال المكلفين وبواطنها مما يدعو إلى إظهارها وبيان كيفيتها على ما هي عليه من الحسن والسوء وترتيب جزائها عليها بعد بعثهم وحشرهم وجعل السموات والأرض والجبال على وفق ما نطق به التنزيل ليتحققوا بمشاهدة ذلك أن وعد الله حق لا ريب فيه أ. هـ. كتب الزمخشري على قوله تعالى (صنع الله) من المصادر المؤكدة كقوله وعد الله وصبغة الله إلا أن مؤكده محذوف وهو الناصب ليوم ينفخ. والمعنى ويوم ينفخ في الصور وكان كيت وكيت أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين. ثم قال صنع الله يريد به الإثابة والمعاقبة وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب حيث قال (صنع الله الذي أتقن كل شيء) يعني أن مقابلة الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب من جملة إحكامه للأشياء وإتقانه لها وإجرائه لها على قضايا الحكمة أنه عالم بما يفعل العباد وبما يستوجبون فيكافيهم على حسب ذلك, ثم لخص ذلك بقوله (من جاء بالحسنة) إلى آخر الآيتين. فانظر إلى بلاغة هذا الكلام وحسن نظمه وترتيبه ومكانة إضماده - أي جمعه - ورصانة تفسيره وأخذ بعضه بحجزة بعض كأنما أفرغ إفراغاً واحداً. ولا مر ما أعجز القوى وأخرس الشقاشق - يعني الخطباء - ونحو هذا المصدر إذا جاء عقيب كلام جاء كالشاهد بصحته والمنادي على سداده وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا كما قد كان. ألا ترى إلى قوله صنع الله وصبغة الله ووعد الله وفطرة الله بعد ما وسمه بإضافتها إليه بسمة التعظيم كيف تلاها بقوله (الذي أتقن كل شيء) (ومن أحسن من الله صبغة) (لا يخلف الله الميعاد) (لا تبديل لخلق الله) أ. هـ محل الحاجة منه.

стр. 85

فصل قال الصواف في تعقيبه على الشيخ عبد العزيز بن باز. ما نصه. لقد قرأت بإمعان مقالك القيم (الشمس جارية والأرض ثابتة) ولمست الضجة الكبرى التي أحدثها في الأوساط العلمية والمجامع الثقافية وقد كان حديث المجالس وحديث الغادين والرائحين وكانوا ما بين موافق ومخالف ولم تكن الغرابة من موضوع المقال فالخلاف في هذا الأمر قديم وحديث, ولكن الضجة مما جاء في المقال من التكفير والتضليل والحكم بالردة حيث قلت بعد أن سقت بعض الأدلة «وهكذا علماء الإسلام المعروفون المعتمد عليهم في هذا الباب وغيره قد صرحوا بما دل عليه القرآن الكريم من كون الشمس والقمر جاريين في فلكهما على التنظيم الذي نظمه الله لهما وأن الأرض قارة ساكنة قد أرساها الله بالجبال وجعلها أوتاداً لها فمن زعم خلاف ذلك وقال إن الشمس ثابتة لا جارية فقد كذب الله وكذب كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد, ثم قلت حفظك الله وكل من قال هذا القول فقد قال كفراً وضلالا لأنه تكذيب لله وتكذيب للقرآن وتكذيب للرسول ﷺ الخ». من هنا يا أخي انطلقت الضجة حتى أحدثت لها عجاجة في الأفق العلمي ما كان أغنانا عنها خاصة وقد صدمت هذه الفتوى الملايين من شباب ورجال يدينون بالإسلام في هذا العصر والذين أصبحوا يعتقدون أن مثل هذه الأمور أصبحت عندهم من المسلمات العلمية التي لا يجادل فيها اثنان فكيف تنفى نفياً قاطعاً ويكفر القائل بها ويحكم عليه بالردة ويستباح دمه وماله. نعم إن من كذب الله ورسوله وكذب كتابه فهو كافر مرتد ومجرم أثيم كما قلتم في مقالكم. وأنا أقول وعليه غضب الله ولعنته إلى يوم الدين. والجواب عن هذا من وجوه, أحدها أن يقال أن بيان الحق واجب على العلماء وكتمانه حرام عليهم لقول الله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) فدلت هذه الآية الكريمة على أنه لا يجوز للعلماء كتمان ما يعلمونه

стр. 86

من الحق بل يجب عليهم بيانه للناس سواء قبلوه منهم أو ردوه. وإذا حدث بسبب بيان الحق ضجة من الجهال لم يكن ذلك مانعاً من بيان الحق والدعاء إليه وإنكار الباطل والتحذير منه. وقد أحدثت دعوة النبي ﷺ ضجة عظيمة عند المشركين ولم تكن ضجتهم مانعة له من بيان الحق والدعاء إليه وإنكار المنكر والتحذير منه. وكذلك أهل الردة قد أحدثوا ضجة عظيمة بعد موت النبي ﷺ حتى قال عمر ﵁ لأبي بكر ﵁ يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم فقال أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام. ولم تمنعه ﵁ ضجتهم من قتالهم وردهم إلى الحق. وكذلك أمير المؤمنين علي ﵁ قد أحدث عليه الخوارج ضجة عظيمة ولم تكن ضجتهم مانعة له من دعوتهم إلى الحق وقتالهم عليه. وكذلك الإمام أحمد وغيره من أهل السنة قد أحدث عليهم الجهمية وغيرهم من أهل البدع ضجة عظيمة ولم تكن ضجتهم مانعة لأحمد وغيره من بيان الحق والدعوة إليه وتكفير الجهمية وغيرهم ممن يستحق التكفير من أهل البدع. وكذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية وأصحابه قد أحدث عليهم القبوريون وأصناف أهل البدع ضجة عظيمة ولم تكن ضجتهم مانعة للشيخ وأصحابه من بيان الحق والدعوة إليه وإنكار الباطل والتحذير منه وتكفير من يستحق التكفير من القبوريين وأهل البدع. وكذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأنصاره وأولاده وأحفاده ومن سار على منهاجهم في بيان الحق والدعوة إليه قد أحدث عليهم القبوريون وأصناف أهل البدع ضجة عظيمة ولم تكن ضجتهم مانعة للشيخ وأتباعه من بيان الحق والدعوة إليه وإنكار الباطل والتحذير منه وتكفير من يستحق التكفير من القبوريين وأهل البدع. وهكذا نقول فيما ذكره الصواف من ضجة أتباع أهل الهيئة الجديدة ومقلديهم من ضعفاء البصيرة أن ضجتهم ليست مانعة من بيان الحق وإنكار الباطل وتكفير من كذب الله وكتابه ورسوله ﷺ . الوجه الثاني أن يقال ما هذا اللوم يا صواف على بيان الحق وإنكار الباطل. أترضى

стр. 87

لنفسك أن تكون من الذين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف. ولو أنك وجهت لومك إلى الذين ينشرون المقالات في تأييد الباطل وأهله لكان خيراً لك من الجدال بالباطل لإدحاض الحق. الوجه الثالث أن يقال ما يدريك أن الملايين من المسلمين يعتقدون صحة ما روجه أهل الهيئة الجديدة في استقرار الشمس ودوران الأرض عليها هل أخبروك بذلك عن أنفسهم أو أخبرك الثقاة عنهم, وإذا لم يخبروك فهل أنت مطلع على الغيب وعالم بما يعتقده الناس وإذا لم يكن عندك علم الغيب فلا بد لك من الأمر الثالث وهو اتباع الظن وقد قال النبي ﷺ «الظن أكذب الحديث» متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁. الوجه الرابع أن يقال على سبيل الفرض والتقدير إذا كان الملايين من ضعفاء البصيرة قد انخدعوا لما روجه أعداء الله تعالى مما هو مخالف لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ولما كان عليه الصحابة والتابعون وأئمة العلم والهدى من بعدهم فهل يكون قبولهم لزخارف أعداء الله تعالى وتأثرهم من بيان الحق ونشره موجباً لكتمانه ومانعاً من بيانه ونشره. كلا. بل الواجب بيان الحق ونشره ولو صدم الملايين الكثيرة, وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ (فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمصيطر) وقال تعالى (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب) وقال تعالى (إن عليك إلا البلاغ). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «بلغوا عني ولو آية» رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. وفي الصحيحين وغيرهما عن عبادة بن الصامت ﵁ قال «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحاً عندكم من الله فيه برهان وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم» فالواجب على ورثة النبي ﷺ أن يبلغوا عنه ويفرقوا بين الحق والباطل ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر سواء رضي الناس بذلك أو سخطوا.

стр. 88

الوجه الخامس أن يقال إذا كان الملايين من الناس يعتقدون صحة ما قاله أهل الهيئة الجديدة في استقرار الشمس ودوران الأرض عليها فهل يكون اعتقادهم ذلك دليلا على صحته في نفس الأمر حتى يتعين الأخذ به وتلغى لأجل ذلك النصوص الدالة على خلاف ما يعتقدون ويلغي أيضاً إجماع المسلمين على خلاف قولهم. كلا. بل الأخذ بالنصوص وإجماع المسلمين هو المتعين وما خالف ذلك فمضروب به عرض الحائط: لا عبرة بمخالف لهمُ ولو ... كانوا عديد الشاء والبعران وقد كان الجهمية وغيرهم من أهل البدع يعتقدون صحة ما ذهبوا إليه من البدع ولم يكن اعتقادهم ذلك دليلا على صحة مذاهبهم في نفس الأمر. وهكذا أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم فإن قولهم في استقرار الشمس ودوران الأرض عليها قول باطل واعتقاد مخالف لاعتقاد أهل السنة والجماعة فلا يعول عليه بل يرد على قائليه. الوجه السادس أن يقال ما أكثر المعارضين لأهل الهيئة الجديدة ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من العصريين وعلى هذا فقول الصواف إن مثل هذه الأمور أصبحت عندهم من المسلمات العلمية التي لا يجادل فيها اثنان إن أراد أنه لا يجادل فيها أحد من علماء المسلمين فهو كذب واضح لأن كل متمسك بالكتاب والسنة يخالفهم فيما زعموه من استقرار الشمس ودوران الأرض عليها. وقد ذكرنا إجماع المسلمين على وقوف الأرض وسكونها وإجماع أهل الكتاب على ذلك أيضاً. وإن أراد أنه لا يجادل فيها أحد من المقلدين لأهل الهيئة الجديدة والمتمسكين بآرائهم وتخرصاتهم فو محتمل ولكن لا عبرة بهؤلاء ولا يعتد بأقوالهم في شيء من المسائل العلمية. وأيضاً فهؤلاء المخدوعون بزخارف أعداء الله تعالى محجوجون بنصوص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على خلاف ما ذهبوا إليه كما تقدم إيضاحه. وكل قول خالف نصاً أو إجماعاً فمضروب به عرض الحائط ومردود على قائله كائناً من كان وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع

стр. 89

غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً). وإن أراد أنه لا يجادل فيها أحد من الفلكيين فهو كذب لأن الخلاف بين الفلكيين في هذه المسألة مشهور قديماً وحديثاً فأما الخلاف القديم فهو ما كان بين فيثاغورس وأتباعه وبين بطليموس وأتباعه, وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب. وأما الخلاف الحديث فهو ما كان بين أهل الهيئة الجديدة وبين من يعارضهم ويقول بخلاف قولهم من متأخري الفلكيين وقد قال محمد فريد وجدي في كتابه «كنز العلوم واللغة» أما دوران الأرض فهذا موضع الخلاف أقول الخلاف لأنه رغماً عن شيوع فكرة دورانها وتغلبها على النظرية المضادة لها لم تزل بين الأعلام الرياضيين موضع الشك. وقال أيضاً في كتابه الذي سماه «الإسلام في عصر العلم» الأدلة على دوران الأرض حول الشمس غير حاصلة على صفة الأدلة المحسوسة حتى لا يمكن الخوض فيها كمسألة كرويتها ولذلك نرى نفراً من العلماء والرياضيين لا يزالون يتشككون في ذلك ويشككون غيرهم. كتب المسيو درومون في جريدة «ليبربارول» الباريسية يقول لم يقم الدليل إلى الآن على صحة دوران الأرض كما كان يزعم «غاليليه» وغاليليه هو ناشر تعاليم كوبرنيك ولا على أنها مركز العالم الشمسي. وهذا المسيو «بوانكاريه» أكبر علماء الهندسة والطبيعة الفرنساويين لم يجزم إلى الآن بدوران الأرض لأنه يقول, يقولون أن الأرض تدور وأنا لا أرى مانعاً من دورانها فإن فرض دورانها سهل القبول ويمكن به فهم كيفية تكوّن ونمو الدنيا وات ولكنه فرض لا يمكن إثباته ولا نفيه بالأدلة المحسوسة, وهذا الفضاء المطلق أي الحيز الذي يلزم نسبة الأرض إليه للتحقق من دورانها أو عدم دورانها ليس له وجود في ذاته. قال ومن هنا ترى أن قولهم الأرض دائرة لا معنى له البتة لأنه ليس في وسع أي تجربة إثباته لنا بالحس وجاء في جريدة «اكلبر» الفرنساوية تحت إمضاء بعض الكاتبين قوله ليس من المحقق الثابت أن الأرض دائرة. ونقل محمد فريد وجدي أيضاً عن الأستاذ الفلكي الطائر الصيت الذي يعد أول رياضي الآن في البلاد الفرنساوية كلاماً طويلا في الرد على القول بدوران الأرض وقال في آخره.

стр. 90

ومن هنا ترى تأكيدهم أن الأرض تدور لا معنى له لأنه لا يوجد ما يثبته بالتجربة. ثم قال محمد فريد وجدي بعد هذا. وأننا نرى من تضارب هذه الأفكار بين أكبر علماء الأرض أن أمر دوران الأرض غير حاصل على ما يجعله من العلوم البديهية فإن مثل العلامة «بوانكاريه» لم يكن يتجاسر على مثل هذا القول وهو أكبر رياضي فرنسي اليوم إن لم نقل أكبر رياضي فلكي في العالم إذ لم يكن على ثقة تامة مما يقول وعلى بينة مما يرمي إليه. ولو كان المعلمون في أثناء تدريسهم للعلوم الطبيعية يسلكون مسلك العلماء في الإقرار بالجهل فيورون تلامذتهم وجه الضعف في المعلومات الطبيعية لأدوا لتلامذتهم أكبر خدمة لأنهم بهذا يعودونهم على الأدب النفسي فتنشأ نفوسهم معتادة على التواضع أمام فخامة الكون وجلالته والسجود أما مبدعه ومصوره. ولكن أكثرهم يدرسون لهم العلوم المشكوك فيها والفروض الطبيعية الظنية بصفة حقائق ثابتة فيتذرع بها أولئك التلامذة الأغرار متى كبروا إلى الإلحاد ونفي الروح والخلود ولا يدرون أنهم يتمسكون بالظنون وأن الظن لا يغني من الحق شيئاً انتهى. وقال الشيخ محمد الحامد خطيب جامع السلطان بحماة في كتابه المسمى «ردود على أباطيل, وتمحيصات لحقائق دينية» تحت عنوان «موقف المسلمين من النظريات العلمية» ما نصه: كان الفلكيون القدماء قائلين بثبات الأرض واستقرارها وجريان الشمس حولها ثم طلع بعض الفلكيين بنظرية دوران الأرض وثبات الشمس وقد راجت هذه الفكرة رواجاً عظيماً واعتقدها كثير من الناس حقيقة لا ريب فيها ثم تسرب الشك فيها إلى بعض العقول بل تجددت فكرة الرجوع إلى القول الأول قطعاً عند بعض الفلكيين الجدد. ثم نقل ما ذكر محمد فريد وجدي عن المسيو «درومون» وعن المسيوبو انكاريه» وتقدم ذكره قريبا ثم قال وقد صدر سنة ١٩٢٦ ميلادية كتاب بالفرنسية اسمه «الأرض لا تدور» تأليف ب رايوفيتش. ذكر فيه براهين علمية على ثبات الأرض وختمه بقوله فيبرهن ذلك على أن الشمس تدور حول الأرض وكذا القمر يدور حولها وعلى عدم حركة الأرض انتهى. ثم قال محمد الحامد. من هذا كله يتضح أن فكرة دوران الأرض ليست متفقاً عليها.

стр. 91

فمن الجراءة على الله تعالى محاولة تثبيت ما ليس بثابت بآياته الكريمة الحقة التي لا يتطرق إليها بطلان. وقال الشيخ محمد الحامد أيضاً في الكتاب المذكور. قرأت في العدد السادس من أعداد مجلة «الأخوة الإسلامية» مقالة بعنوان «عدد السموات السبع ورجوم الشياطين بمصابيحها وقد رأيت الكاتب نحا ف بكلمته نحو من يقول بحركة الأرض مدعيا أن القرآن الكريم لم يصدم معتقدات الناس وتصوراتهم وقت نزوله, وكان الاعتقاد السائد في ذلك الوقت أن الأرض مركز لحركة الكون وأن الشمس والقمر والنجوم تجري حولها أي على خلاف ما رآه المتأخرون من الفلكيين وادعى أيضاً أن القرآن الكريم أشار إلى حركتها وأومأ إليها تاركاً تفسيره للزمن. ثم نقل عن بعض الكاتبين تفسير السموات السبع بالطبقات الغازية التي تحيط بالأرض وتعلوها بل لقد عد المجرات المختلفة التي هي نجوم من السموات السبع بلا ريب, وفي هذا مخالفة واضحة لنصوص الشرع والقرآن. وقد كان من الخير أن لا يتعرض لهذا فإن التوفيق بين نصوص الدين التي لا ريب فيها والتي لا تتبدل وبين النظريات الفلكية التي تتبدل في الأحيان المتتالية ضرب من المحال ومن رامه اصطدم بعقبات وتورط في مشكلات ثم لا يجد خلاصاً منها بوجه مقبول. والفلكيون مختلفون في تحرك الأرض قديماً وحديثاً وإلى الآن لم يتفقوا على القول بأنها متحركة, وكل يؤيد ما ذهب إليه بما يلوح له من دليل. ولندعهم جانباً ولنقرأ آيات القرآن قراءة لا تكلف فيها ولا تعسف مؤمنين بأنها الحق لا ريب فيه وأن الله تعالى لا يخبر بخلاف الحقيقة وأن أولئك المختلفين لم يشهدوا خلق المكونات حتى تكون أقوالهم حججاً يحتج بها وبراهين يسار على ضوئها. قال الله تعالى (ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضداً). إننا حين ننظر في الآيات التي ذكر الله فيها الأرض والشمس والقمر والنجوم نخرج بالفهم الصحيح الذي فهمه النبي الكريم وأصحابه صلوات الله تعالى عليه وعليهم وسلامه. ومعاذ الله أن يفهموا خطأ وأن يفهم غيرهم من بعدهم صواباً. قال الله تعالى في سورة النحل (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهاراً وسبلا

стр. 92

لعلكم تهتدون) وقال في سورة الأنبياء (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجاً سبلا لعلهم يهتدون) وقال في سورة لقمان (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) وقال في سورة النبأ (ألم نجعل الأرض مهاداً, والجبال أوتاداً) وقال في سورة النازعات (والجبال أرساها) آيات كلهن نص على أن الله ثبت الأرض بالجبال فلا تتحرك والميدان لغة هو التحرك. إذاً فلا حركة للأرض كما يزعم الزاعمون. ولئن قالوا أن تثبيتها بالجبال كتثبيت السفينة بما يثقلها ليحفظ عليها توازنها مع أنها سائرة. قلنا لهم هذا تكلف ينبو عنه الذوق ولسنا مضطرين إليه فلا ندخل مأزقه الحرج ولا نسير في طريقه اللجج. وإذا قستموها بالسفينة السائرة فأين أنتم من قول الله تعالى (والجبال أرساها) ورسو السفينة وقوفها وسكونها فلا يتم لكم ما تريدون من هذا القياس. وما أصرح قول الله تعالى, في حركة الشمس (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم) وقوله تعالى (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون). وإن لاح لهم أن يتعلقوا بقوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) قلنا لهم لا متعلق لكم في هذه الآية لأنها في وصف يوم القيامة كما تدل عليه الآيات سباقاً وسياقاً (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين. وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون. من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون. ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون). وقد أخبرنا ربنا بسير الجبال يوم القيامة في غير آية (وإذا الجبال سيرت) (ويوم نسير الجبال) الآية (يوم تمور السماء موراً. وتسير الجبال سيراً) انتهى المقصود من كلامه. الوجه السابع أن يقال كيف لا ينفي قول أهل الهيئة الجديدة في استقرار الشمس ودوران الأرض عليها نفياً قاطعاً وما المانع من نفيه وقد نفاه القرآن والأحاديث الصحيحة وإجماع المسلمين كما تقدم بيانه. بل إن النفي لما قالوه واجب على كل المسلمين عالم بفساد قولهم ومعارضته لنصوص القرآن والسنة وإجماع المسلمين.

стр. 93

الوجه الثامن أنه لا مانع من تكفير من قال باستقرار الشمس لتكذيبه لنصوص القرآن والأحاديث الصحيحة الدالة على جريانها ودؤبها في ذلك كما تقدم بيانه. وتكذيب النصوص تكذيب لله تعالى ولكتابه ولرسوله ﷺ كما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة. والدليل على كفر من كذب النصوص قول الله تعالى (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين) وقوله تعالى (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين) وقوله تعالى (بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المعنى. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» رواه مسلم والدارقطني من حديث أبي هريرة ﵁. فدل هذا الحديث الصحيح على أن من ترك الإيمان بشيء مما جاء به الرسول ﷺ فهو مباح الدم والمال. وقد تظافرت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه قال «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». ومن أعظم حقوق لا إله إلا الله تصديق ما أخبر الله به في كتابه واعتقاد أن ذلك هو الحق وما خالفه فهو باطل. ومن حقوق الشهادة بأن محمداً رسول الله تصديق ما أخبر به ﷺ واعتقاد أن ذلك هو الحق وما خالفه من أقوال الناس فهو باطل. ومن رد شيئاً مما أخبر الله به في كتابه وما صح عن النبي ﷺ فهو كافر لأنه لم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فيجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل.

стр. 94

وإن كانوا طائفة ممتنعة وجب قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وإن تكلمت بالشهادتين, ثم ذكر رحمه الله تعالى أن التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين مما يجب القتال عليه. ولا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة أن القول بجريان الشمس في الفلك وإتيانها من المشرق وذهابها نحو المغرب هو الذي كان عليه جماعة المسلمين منذ زمن النبي ﷺ إلى زماننا ولا يعرف عن أحد من المسلمين المتمسكين بالكتاب والسنة خلاف في ذلك. وقد تقدمت الأحاديث في ذلك وكذا أقوال المفسرين من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم. ولما ظهر أهل الهيئة الجديدة في آخر القرن العاشر من الهجرة وما بعده وهم كوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهما من فلاسفة الإفرنج أصحاب الرصد والزيج الجديد أظهروا خلاف ما كان عليه المسلمون فقالوا إن الشمس ساكنة لا تتحرك أصلا وإنها مركز العالم وأن الأرض والنجوم تدور عليها وقد قلدهم في ذلك كثير من ضعفاء البصيرة من العصريين فخالفوا ما كان عليه جماعة المسلمين منذ زمن النبي ﷺ إلى زماننا. وهؤلاء ينبغي أن يوضح لهم الحق الذي جاء به القرآن والسنة فمن أصر منهم بعد ذلك على المخالفة فهو كافر حلال الدم والمال لأنه قد عاند الحق على بصيرة وأصر على تكذيب الله تعالى وتكذيب رسوله ﷺ . وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً). قال الفضل بن زياد القطان سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول من رد حديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة. وقال الفضل أيضاً عن أحمد بن حنبل قال بلغ ابن أبي ذئب أن مالكاً لم يأخذ بحديث «البيعان بالخيار» فقال يستتاب في الخيار فإن تاب وإلا ضربت عنقه.

стр. 95

قال مالك لم يرد الحديث ولكن تأوله على غير ذلك. وكذا قال إبراهيم بن هانئ النيسابوري سمعت أبا عبد الله يقول بلغ ابن أبي ذئب أن مالك بن أنس قال ليس البيعان بالخيار فقال ابن أبي ذئب يستتاب مالك فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وإذا كان هذا قول ابن أبي ذئب في الإمام مالك من أجل حديث واحد تأوله على غير تأويله فكيف بالذين يردون النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة ويعارضونها بأقوال أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج وأتباعهم من الأغبياء فهؤلاء أولى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. الوجه التاسع أن الصواف قد اعترف أن من كذب الله وكتابه ورسوله فهو كافر مرتد ومجرم أثيم. قال وعليه غضب الله ولعنته إلى يوم الدين. فيقال له التكذيب يكون تارة بالمقال وتارة بالفعل ولسان الحال. ومن التكذيب بالفعل ولسان الحال رد النصوص الدالة على جريان الشمس ودؤبها في ذلك واعتقاد أن الحق ما قاله أهل الهيئة الجديدة من ثباتها واستقرارها. فمن فعل ذلك فقد كذب الله تعالى وكتابه ورسوله ﷺ شآء أم أبى. وحينئذ فما يؤمن الصواف أن تكون لعنته ودعاؤه بالغضب راجعاً عليه وهو لا يشعر. الوجه العاشر ما ذكره الصواف في أول كلامه من الخلاف القديم والحديث في جريان الشمس وثبات الأرض فيه إيهام وتمويه على الجهال. فإن أراد أن الخلاف القديم كان بين المسلمين وهو الظاهر من كلامه فليس ذلك بصحيح فإنه لا خلاف بين المسلمين في جريان الشمس وثبات الأرض. وقد تقدم ما حكاه الشيخ عبد القاهر بن طاهر البغدادي من إجماع أهل السنة على وقوف الأرض وسكونها وأن حركتها إنما تكون بعارض يعرض لها من زلزلة ونحوها. وتقدم أيضاً ما حكاه القرطبي من إجماع المسلمين وأهل الكتاب على ذلك. وإن أراد بالخلاف القديم ما كان بين بطليموس وفيثاغورس فهو صحيح ولكن لا ينبغي ذكر مثل هذا الخلاف بدون ذكر الطرفين المختلفين لأن ذكر الخلاف مع الإطلاق يوهم أنه بين المسلمين وليس الأمر كذلك.

стр. 96

وأما الخلاف الحديث فهو ما كان بين المتمسكين بالكتاب والسنة وبين أهل الهيئة الجديدة ومقلديهم من العصريين. ولا ينبغي أن يلتفت إلى خلاف أعداء الله ومقلديهم لأنه خلاف في مقابلة النصوص والإجماع فلا يعتد به. فصل قال الصواف. ولكن هل من قال بحركة الأرض ودورانها حول الشمس بقدرة الله وبثبوت الشمس حول محورها وحركتها حول نفسها بأمر الله هل يعتبر هذا مكذبا لله ولرسوله ومكذبا لكتاب الله حتى يحكم عليه بالردة والكفر. إنني هنا أتوقف ولا أود أن أتعجل بمثل هذا الحكم في أمور أقل ما يقال فيها أنها ظنية وليست قطعية الدلالة. والتوقف فيها أو تفويض الأمر فيها إلى الله العلي القدير أسلم وأحكم وأراكم قد تعجلتم في أمر كانت لكم فيه أناة وفي التأويل مندوحة. والجواب عن هذا من وجوه, أحدها أن يقال من قال بحركة الأرض ودورانها على الشمس فقد خالف الأدلة الكثيرة الدالة على سكونها وثباتها, وخالف أيضا إجماع المسلمين على ذلك. وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث الدالة على سكون الأرض وثباتها فلتراجع. وتقدم أيضا ذكر الإجماع على ذلك وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً). ومن قال بثبات الشمس فهو مكذب لله تعالى ولكتابه ولرسوله ﷺ شاء أم أبى ولو قال مع ذلك أن لها حركة على نفسها فإن ذلك لا يفيده شيئا لأن الله تعالى أثبت لها الجريان في عدة آيات من كتابه وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع. والجريان ضد الثبات والاستقرار كما قال تعالى عن سفينة نوح ﵇ (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها) الآية ففرق تعالى بين جري السفينة في الماء وبين رسوها وهو ثباتها واستقرارها على جبل الجودي. وعلى هذا فمن نفى عن الشمس الجريان في الفلك وأثبت لها السكون والاستقرار

стр. 97

فقد قلب الحقيقة التي أخبر الله بها في كتابه وأخبر بها رسوله ﷺ فيكون مكذبا لله تعالى ولكتابه ولرسوله ﷺ شاء أم أبى. والقول بأن الشمس ثابتة حول محورها وأن لها حركة حول نفسها ينافي جريانها في الفلك كما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة وأيضا فقد قال الله تعالى (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) وقال تعالى (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون). وقد تقدم تفسير السبح في لغة العرب وأنه المر السريع في الماء وفي الهواء. وعلى هذا فمن زعم أن الشمس ثابتة فقد نفى عنها السبح الذي أثبته الله لها فيكون مكذبا لله تعالى ولكتابه ولرسوله ﷺ شاء أم أبى. وأيضا فقد قال الله تعالى (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين) الآية, والدأب في لغة العرب إدامة السير والمبالغة فيه. وعلى هذا فمن زعم أن الشمس ثابتة لا تسير على الدوام فقد نفى عنها ما أثبته الله لها من الدأب في السير فيكون مكذبا لله تعالى ولكتابه ولرسوله ﷺ شاء أم أبى. وأيضا فقد قال الله تعالى (قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) الآية. وهذا نص صريح في أن الشمس تسير فتأتي من المشرق وتذهب نحو المغرب, فمن زعم أنها ثابتة لا تفارق موضعها فهو مكذب لما أخبر الله به في هذه الآية الكريمة, ومكذب لكتاب الله تعالى ولرسوله ﷺ شاء أم أبى. وأيضا فإن الله تعالى قد أثبت للشمس البزوغ في آية من كتابه والطلوع في آيات أخر وأثبت لها الأفول في آية والغروب في آيات أخر. وأثبت لها أيضا الدلوك والتزاور. وفي كل من هذه الأمور دليل على سيرها. فمن زعم أنها ثابتة فقد نفى عنها ما أثبته الله لها من هذه الأمور فيكون مكذبا لله تعالى ولكتابه ولرسوله ﷺ شاء أم أبى. وأيضا فإن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح عن أبي ذر ﵁ «أتدرون أين تذهب هذه الشمس قالوا الله ورسوله أعلم قال إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها

стр. 98

تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها ارجعي ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها فقال رسول الله ﷺ أتدرون متى ذاكم. ذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً» متفق عليه وهذا لفظ مسلم. وقد أخبر النبي ﷺ عن يوشع بن نون ﵇ أنه قال للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه. رواه الإمام أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة ﵁. وعنه أيضاً ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس» رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط البخاري. وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار رواه الطبراني في الأوسط قال الهيثمي وإسناده حسن. وروى الإمام أحمد وابنه عبد الله وابن خزيمة وأبو يعلى والطبراني بأسانيد جيدة عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ صدق أمية بن أبي الصلت في قوله: والشمس تطلع كل آخر ليلة ... حمراء يصبح لونها يتورد تأبى فما تطلع لنا في رسلها ... إلا معذبة وإلا تجلد فقال النبي ﷺ «صدق»: وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب». وفي الصحيحين أيضا عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس».

стр. 99

وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه رواه أبو داود الطيالسي بإسناد صحيح. وروى مالك والشافعي وأحمد والنسائي بأسانيد صحيحة عن عبد الله الصنابحي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها ثم استوت قارنها فإذا زالت فراقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها». وروى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن عمرو بن عبسة السلمي ﵁ قال قلت يا رسول الله أي الليل أسمع قال جوف الليل الآخر فصل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح ثم أقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قيس رمح أو رمحين فإنها تطلع بين قرني شيطان ويصلي لها الكفار ثم صل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى يعدل الرمح ظله ثم أقصر فإن جهنم تسجر وتفتح أبوابها فإذا زاغت الشمس فصل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي العصر ثم أقصر حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان ويصلي لها الكفار» وقد رواه الترمذي مختصراً وقال هذا حديث حسن صحيح غريب. وفي هذه الأحاديث الصحيحة أوضح دليل على جريان الشمس في الفلك ودورانها على الأرض. فمن نفى ذلك عنها وزعم أنها ثابتة لا تفارق موضعها فهو مكذب لما أخبر به رسول الله ﷺ في هذه الأحاديث شاء أم أبى. ومن كذب الرسول ﷺ فهو مكذب لله تعالى ولكتابه لأن الرسول ﷺ إنما كان مبلغاً عن الله تعالى. وقد قال الله تعالى (وما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى) وقال تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون). وإذا علم ما ذكرنا فلا مانع من إطلاق الردة على من علم بهذه الأدلة أو بشيء منها ثم نبذها وراء ظهره وتمسك بما خالفها من أقوال أهل الهيئة الجديدة التي ما أنزل الله بها من سلطان وإنما هي من وحي الشيطان وتضليله. الوجه الثاني أن القول بثبات الشمس وحركتها على نفسها هو مما تخيله أهل الهيئة

стр. 100

الجديدة وتخرصوه ذكره الألوسي عنهم. وهؤلاء كما قال الله تعالى في أشباههم (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغن من الحق شيئاً. فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا. ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) وقال تعالى (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون. إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين). وقد تقدم أن هذا القول ينافي ما أخبر الله به من جريان الشمس في الفلك ودؤبها في السير فيه. وأهل الهيئة الجديدة هم سلف الصواف وأشباهه من العصريين وعلى أقوالهم الباطلة بنى الصواف تعقيبه على الشيخ ابن باز وبها يجادل ليدحض الحق. وقد قال الله تعالى (والعاقبة للمتقين) وقال تعالى (والعاقبة للتقوى) وقال تعالى (وإن جندنا لهم الغالبون) وقال تعالى (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز). وروى الإمام أحمد وأبو داود والطبراني والحاكم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع». الوجه الثالث أن الحق في هذا هو ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين من جريان الشمس في الفلك بقدرة الله تعالى وثبات الأرض واستقرارها بأمر الله تعالى. لا ما زعمه الصواف مما هو قلب للحقيقة. الوجه الرابع من أوابد الصواف وعظيم جراءته زعمه أن النصوص الدالة على جريان الشمس ظنية وليست قطعية الدلالة. والجواب عن هذا الإفك المبين أن نقول. سبحانك هذا بهتان عظيم. وفي هذا القول الوخيم دليل على فساد تصور قائله. وكيف لا يكون كذلك وهو يرى أن نصوص الكتاب والسنة على إثبات جريان الشمس ظنية وليست قطعية الدلالة. وأن الحق فيما تخيله كوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهم من أهل الهيئة الجديدة وما تخرصوه من ثبات الشمس واستقرارها

стр. 101

وأن هذا من المسلمات العلمية التي لا يجادل فيها اثنان. يا سبحان الله العظيم, أيكون وحي الرحمن إلى رسوله محمد ﷺ ظنياً وليس قطعي الدلالة, ويكون وحي الشيطان إلى أوليائه من المسلمات العلمية التي لا يجادل فيها اثنان. هذا قول باطل ورعونة وسفه لا يقوله إلا من هو مصاب في دينه وعقله, وقد قيل. يقضي على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن وأبلغ من هذا قول الله تعالى (ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين. وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) وقوله تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) وقوله تعالى (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون) وقوله تعالى (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم). قال ابن القيم رحمه الله تعالى في بدائع الفوائد. حذار حذار من أمرين لهما عواقب سوء. أحدهما رد الحق لمخالفته هواك فإنك تعاقب بتقليب القلب ورد ما يرد عليك من الحق رأساً ولا تقبله إلا إذا برز في قالب هواك قال تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة) فعاقبهم على رد الحق أول مرة بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك. والثاني التهاون بالأمر إذا حضر وقته فإنك إن تهاونت به ثبطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبة لك. قال تعالى (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين) فمن سلم من هاتين الآفتين والبليتين العظيمتين فلتهنه السلامة انتهى. الوجه الخامس أن الله تعالى قرن بين الشمس والقمر في مواضع كثيرة من القرآن وذكر عن القمر من الجري والسبح في الفلك والبزوغ والأفول نظير ما ذكره عن الشمس فهل يقول الصواف بثبات القمر حول محوره وحركته حول نفسه وأن الأدلة على جريه

стр. 102

ظنية وليست قطعية الدلالة كما قد قال بذلك في الشمس أم لا. وإن لم يقل بذلك فإنا نطالبه بإبراز نص عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ يثبت للقمر الجري والسبح في الفلك والبزوغ والأفول دون الشمس ولن يجد إلى ذلك سبيلا البتة. ومن أثبت الجري والسبح في الفلك والبزوغ والأفول للقمر لزمه أن يثبت ذلك للشمس وإن يفعل فقد فرق بين متماثلين وآمن ببعض الكتاب وكفر ببعض. الوجه السادس أن التوقف إنما يكون في الأمور التي لم يتبين وجهها. وكذلك التفويض إنما يكون في الأمور التي لا تعلم كيفيتها وجريان الشمس في الفلك ودؤبها في السير ليس من هذا الباب لأن الله تعالى قد نص على جريانها في عدة آيات من كتابه. ونص أيضاً على أنها تسبح في الفلك. ونص أيضاً على أنها بحسبان. ونص أيضاً على دؤبها في السير. ونص أيضاً على أنه يأتي بها من المشرق. ونص أيضاً على طلوعها ودلوكها وغروبها. ونص على ذلك رسول الله ﷺ في عدة أحاديث صحيحة فيجب على المسلم أن يعتقد ما جاء في كتاب الله تعالى وما صح عن رسول الله ﷺ في ذلك ولا يتوقف فيه. ويجب على العلماء أن يبينوا للناس ما خفي عليهم من ذلك ويبينوا حكم من رد النصوص الثابتة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ولا يتوقفوا عن البيان فيلحقهم الوعيد على الكتمان. والمبادرة إلى البيان أسلم للعلماء وأحكم؛ وتأخير البيان إنما يكون من تثبيط الشيطان وصده عن إظهار الحق. الوجه السابع أن الصواف قد عاب على الشيخ ابن باز لما بادر إلى بيان الحق الذي يجب عليه وعلى أمثاله أن يبينوه ولا يكتموه. ولم ير هو عيب نفسه في مبادرته إلى نشر الباطل والذب عنه والمجادلة به لإدحاض الحق ولو أنه اشتغل بإصلاح عيبه ولم يشتغل بلوم علماء المسلمين لكان خيراً له. أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا الوجه الثامن أن قول الصواف ولكن هل من قال بحركة الأرض إلى آخره. وتوقفه فيما توقف فيه وزعمه أن الأدلة على حركة الشمس وسيرها ظنية وليست قطعية الدلالة.

стр. 103

كل ذلك يدل دلالة واضحة على كثافة جهله بما أخبر الله به في كتابه وما أخبر به رسوله ﷺ وما أجمع عليه المسلمون فيما يتعلق بجريان الشمس وثبات الأرض وإذا كان الصواف بهذه المثابة من الجهل فالأولى له السكوت وعدم الخوض فيما لا علم له به وترك الاعتراض على علماء المسلمين. ولكن حب الشهرة حمل الرجل على أن يهرف بما لا يعرف وأن يخالف من هو أعلم منه فكان الأمر فيه كما قيل. خلافاً لقولي من فيالة رأيه ... كما قيل قبل اليوم خالف لتذكرا فصل قال الصواف ومع هذا فإني أود أن أقول لسماحتكم إن هذا القول (حركة الأرض وثبوت الشمس) لم يقل به كفار الغرب من الأمريكان وملحدو الشرق من الروس فقط. بل الذي سبق إليه علماء مسلمون لهم قدرهم ووزنهم في تاريخ الحضارة الإسلامية فهل نحكم بكفرهم وردتهم ونجردهم من الإسلام وهم قد أفضوا إلى ما قدموا وقالوا في السماء والأفلاك ما لم يصل إليه حتى الآن علماء الغرب ولا الشرق وقالوا عن سطح القمر والجبال التي فيه قبل مئات السنين ما لم تقله لوناً (٩) التي قيل إنها حطت على سطح القمر وأرسلت صورا تلفزيونية إلى الكوكب الأرضي. ولقد دهشت حقاً وأنا أنظر إلى هذه الصور في الصحف وأقرأ ما قاله علماؤنا الأجلاء قبل ما يقارب الألف عام كيف وصل علماؤنا إلى ذلك كله مع قلة الوسائل وحداثة العلم الذي اشتغلوا فيه ونبغوا فيه نبوغاً حير الألباب واستخرج حتى من أعدائهم الإعجاب. إن العلماء المسلمين أول من اشتغل بعلم الفلك بعد اليونانيين الأقدمين وأول من ألف فيه الكتب والمصنفات وأول من أنشأ المراصد الفلكية في العالم وخصص لها المخصصات الطائلة من بيت مال المسلمين. ولقد أدت مراصد بغداد الفلكية في عهد هارون الرشيد وعهد المأمون في العصر العباسي الأول خدمات لعلم الفلك ذكرها وشكرها كثير من العلماء الفلكيين في القديم والحديث. وكذلك فعلت مراصد دمشق والقاهرة والرقة وسنجار ومراغة وسمرقند وطليطلة وقرطبة. بل إن هذه المراصد أضافت إلى علم الفلك إضافات مهمة

стр. 104

بعد أن أدمجت فيها مجموعة ما رصد في هذه المراصد إذ عينت انحراف سمت الشمس بثلاث وعشرين دقيقة واثنتين وخمسين ثانية وهو ما يعادل الرقم الحاضر اليوم ثم رصد الاعتدال الشمسي فمكنهم من تعيين السنة بالضبط. قال ابن قتيبة عن علماء الفلك المسلمين الأقدمين إنهم أعلم الأمم بالكواكب ومطالعها ومساقطها. وفي عصر المأمون العباسي وضع أبناء شاكر قياساً للدرجة على الأرض ووضعوا التقاويم للأمكنة وقاسوا عرض بغداد وكان مقداره ثلاثاً وثلاثين درجة وعشرين دقيقة. لقد مكث العالم المسلم محمد بن جابر بن سنان واحداً وأربعين سنة يرصد النجوم والكواكب في مرصد الرقة في أرض الشام حتى تمكن من تصحيح بعض نتائج بطليموس اليوناني وجاءت نتائج أرصاد هذا العالم المسلم غاية في الدقة والضبط والإحكام والإتقان. وأبو الحسن المراكشي وهو من علماء القرن الثامن الهجري قام بجهود كبيرة في خدمة علم الفلك ولقد عني بضبط خطوط الطول والعرض لإحدى وأربعين مدينة إفريقية واقعة ما بين مراكش والقاهرة. وسجل العالم البتاني وهو أحد عشرين عالماً فلكياً سبقاً لم يتقدمه أحد إليه حتى قال المسعودي عنه إنه أول من كشف السمت والنظير وحدد نقطتيهما من السماء. لا أريد أن أتوسع في بيان ما صنعه علماء الإسلام من عجائب وغرائب في علم الفلك وهي كثيرة لا تحصى إذ أنني أريد أن أنتقل إلى صلب الموضوع وهو حركة الأرض والشمس. والجواب أن يقال لو توسع الصواف فيما ذكره عن الفلكيين وأطال الكلام بما لا فائدة فيه وما هو خارج عن الموضوع الذي قرره الشيخ ابن باز فكلامه ههنا في واد وكلام الشيخ في واد آخر. والكلام على ما تضمنه كلام الصواف من الأخطاء من وجوه: أحدها أن ما زعمه من سبق العلماء إلى القول بحركة الأرض وثبات الشمس ليس بصحيح. وإنما كان السابق إلى ذلك فيثاغورس اليوناني فهو أول من قال بحركة الأرض وثبات الشمس وكان زمانه قبل زمان المسيح بنحو خمسمائة سنة وقيل ستمائة سنة. وقد خالفه أهل الهيئة القديمة وكان قوله مهجوراً عندهم إلى أن جاء فلاسفة الإفرنج المتأخرون ومنهم كوبرنيك

стр. 105

البولوني في القرن العاشر من الهجرة. ومنهم أيضاً هرشل الإنكليزي وأتباعه أصحاب الرصد والزيج الجديد وكانوا في القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر من الهجرة فنصروا قول فيثاغورس وردوا ما خالفه وسموا ما ذهبوا إليه الهيئة الجديدة. وكان ابتداء هذه الهيئة الجديدة من نحو أربعمائة سنة. وإنما شاعت بين الناس منذ زمن قريب. قال محمود شكري الألوسي في صفحة (٣) من كتابه الذي سماه (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة) قد شاع في عصرنا قول فيثاغورس الفيلسوف الشهير في هيئة الأفلاك ونصره الفلاسفة المتأخرون بعد أن كان عاطلا مهجوراً وهو القول بحركة الأرض اليومية والسنوية على الشمس وأنها مركز نظامها وأن الأرض إحدى الكواكب السيارة وأنها سابحة في الجو معلقة بسلاسل الجاذبية وقائمة بها كسائر الكواكب لا أنها كما ذهب إليه بطليموس في الأفلاك كالمسامير في الباب .. قال وقد سماها الفلاسفة المتأخرون الهيئة الجديدة لكونها شاعت في العصر المتأخر وإلا فالقول بها متقدم جداً. وذكر الألوسي أيضاً في صفحة ٢٣ أن المتأخرين ممن انتظم في سلك الفلاسفة كهرشل وأتباعه أصحاب الرصد والزيج الجديد تخيلوا خلاف ما ذهب إليه الأولون في أمر الهيئة وقالوا بأن الشمس مركز الأرض وكذا النجوم دائرة حولها. وذكر الألوسي أيضاً في صفحة ٢٩ ما ذهب إليه أصحاب الزيج الجدد من أن الشمس ساكنة لا تتحرك أصلا وأنها مركز العالم وأن الأرض وكذا سائر السيارات والثوابت تتحرك عليها. وقال أيضاً في صفحة ٣٣ ما ملخصه, والمنجمون يقسمون النجوم إلى ثوابت وسيارات والسيارات عند المتقدمين سبع بإجماعهم وعند المنجمين اليوم وهم أهل الهيئة الجديدة أن الشمس في وسط الكواكب التي تدور حولها وأن لها حركة على نفسها وجزموا بأن ليس لها حركة حول الأرض بل للأرض حركة حولها وأن الأرض إحدى السيارات وهي عندهم عطارد والزهرة والأرض والمريخ ووسنة وقد كشفها رجل منهم يقال له «أولبوس» في حدود سنة ثلاث وعشرين ومائتين وألف للهجرة (ونبتون) وقد كشفها رجل منهم يقال له «هاردنق» في حدود سنة عشرين ومائتين وألف للهجرة

стр. 106

(وسيرس) وقد كشفها رجل منهم يقال له «بياظي» في حدود سنة ست عشرة ومائتين وألف للهجرة (وبلاس) وقد كشفها «أولبوس» أيضاً في حدود سنة سبع عشرة ومائتين وألف. والمشتري وزحل (وأورانوس) وقد كشفها رجل منهم يقال له «هرشل» في حدود سنة سبع وتسعين ومائة وألف للهجرة. وذكر الألوسي أيضاً في هامش صفحة ٤٦ أن المتأخرين من الفلاسفة الإفرنج ذهبوا إلى أن الكواكب تتحرك بأنفسها من غير أن تكون مركوزة في جسم آخر. وقال أيضاً في صفحة ٥٩ ما نصه: ثم قال تعالى (إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون) في هذه الآية تنبيه إجمالي على قدرة الله تعالى. أي في تعاقب الليل والنهار وكون كل منها خلفة للآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها التابعين عند أكثر الفلاسفة لحركة الفلك الأعظم حول مركزه على خلاف التوالي فإنه يلزمها حركة سائر الأفلاك وما فيها من الكواكب مع سكون الأرض على ما زعموا. وهذا في أكثر المواضع, وأما في عرض تسعين فلا يطلع شيء ولا يغرب بتلك الحركة أصلا بل بحركات أخرى وكذا فيما يقرب منه قد يقع طلوع وغروب بغير ذلك وتسمى تلك الحركة «الحركة اليومية» وجعلها بعضهم وهم فلاسفة الإفرنج بتمامها للأرض وجعل آخرون بعضها للأرض وبعضها للفلك الأعظم. والقرآن العظيم ساكت عن المذهبين وذلك من براهين إعجازه. قلت ليس الأمر كما زعمه الألوسي فإن الله تعالى قد نص على جريان الشمس في عدة آيات من القرآن. ونص أيضاً على أنها تسبح في الفلك والسبح المر السريع, ونص أيضاً على أنها بحسبان. ونص أيضاً على دؤبها في السير, ونص أيضاً على إتيانها من المشرق وعلى طلوعها وغروبها ودلوكها أي زوالها, وجاء في القرآن عدة آيات تدل على سكون الأرض واستقرارها. فكيف يقال إن القرآن ساكت عن المذهبين وهو قد أيد قول من قال بجريان الشمس وسكون الأرض ورد قول من قال بخلاف ذلك. وقال الألوسي أيضاً في صفحة ٦٧ و ٦٨ ما ملخصه قال أهل الهيئة الجديدة الأرض جرم من الأجرام السماوية. يعني أنها جرم من الأجرام التابعة للشمس وهي السيارات الدائرة حولها على أبعاد متفاوتة وسميت (النظام الشمسي) وشكلوا لذلك شكلا في وسطه

стр. 107

الشمس ثم عطارد وهو أقرب إلى الشمس من سائر السيارات المعروفة وبعده الزهرة ثم الأرض ثم قمرها ثم المريخ ثم فسحة واسعة فيها مئتان واثنان وسبعون جرماً صغيراً تسمى النجميات أو الشبيهة بالسيارات ثم المشتري ثم زحل ثم أورانوس ثم نبتون - إلى أن قال - وقالوا في شأن الأرض وحركتها. السيار التابع للنظام الشمسي الذي نحن ساكنون عليه هو الأرض وأنها كروية الشكل - إلى أن قال - وذهبوا إلى أن حركتها وكذا سائر الأجرام السماوية من الغرب إلى الشرق وذهبوا إلى أن لها حركة أخرى غير الحركة اليومية وهي الحركة السنوية فللأرض عندهم حركتان حركة يومية وهي دورانها على محورها مرة من الغرب إلى الشرق ومنها اختلاف الليل والنهار وحركة من الغرب إلى الشرق حول الشمس مرة واحدة كل سنة. هذا ما ذكره علماء الهيئة الجديدة في شأن الأرض. وقد تصفحت القرآن العظيم الشأن فوجدت عدة آيات نطقت بما يتعلق بالأرض من جهة الاستدلال بها على وجود خالقها وعظمة باريها ولم يذكر فيها شيء مما يخالف ما عليه أهل الهيئة اليوم. قلت ليس الأمر على ما قاله الألوسي بل في القرآن آيات كثيرة تدل على سكون الأرض واستقرارها. وفيه نصوص كثيرة تدل على جريان الشمس ودؤبها في السير وقد ذكرت ذلك مستقصى في أول الكتاب فليراجع. وقال الألوسي أيضاً في صفحة ٩٥ وأما قوله (وكل في فلك يسبحون) فالفلك في الأصل كل شيء دائر ومنه فلكة المغزل والمراد به هنا على قول كثير هو موج مكفوف تحت السماء تجري فيه الشمس والقمر. وعن الضحاك هو ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم. وفيه القول باستدارة السماء. قال وغاية ما نقول أن الفلاسفة اليوم من الإفرنج وأهل الأرصاد القلبية والمعارج المعنوية خالفوا قول بعض الفلاسفة المتقدمين المخالف لقولهم انتهى المقصود مما ذكره الألوسي. وفيه رد لما زعمه الصواف من سبق العلماء المسلمين إلى القول بحركة الأرض وسكون الشمس. وبيان أن أول من تخيل حركة الأرض وثبات الشمس بعد فيثاغورس وأصحابه هم فلاسفة الإفرنج المتأخرون مثل كوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهما أصحاب الرصد والزيج الجديد وقد تلقى ذلك عنهم كثير من ضعفاء البصيرة من المسلمين ولاسيما في هذا القرن وهو

стр. 108

القرن الرابع عشر من الهجرة. وقبل ظهور أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج لا نعلم عن أحد من المسلمين خلافاً في سكون الأرض وجريان الشمس. وقد تقدم ما حكاه الشيخ عبد القاهر بن طاهر البغدادي من إجماع أهل السنة على وقوف الأرض وسكونها وأن حركتها إنما تكون بعارض يعرض لها من زلزلة ونحوها. وتقدم أيضاً ما حكاه القرطبي من إجماع المسلمين وأهل الكتاب على ذلك. وتقدم أيضاً ذكر النصوص من الكتاب والسنة على جريان الشمس ودؤبها في السير وذلك ما لا خلاف فيه بين المسلمين منذ زمن النبي ﷺ إلى أن ظهر المقلدون لكوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهما من أهل الهيئة الجديدة منذ زمن قريب فأحدثوا بين المسلمين خلافاً لم يكن معروفاً بينهم من قبل. ولا عبرة بخلاف هؤلاء المخدوعين بزخارف أعداء الله تعالى وتخرصاتهم الكاذبة. وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم محجوجون بنصوص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على خلاف ما ذهبوا إليه. الوجه الثاني أن يقال من هم العلماء المسلمون الذين لهم قدرهم ووزنهم في تاريخ الحضارة الإسلامية وقد قالوا بحركة الأرض وثبات الشمس وقالوا عن سطح القمر والجبال التي فيه ما لم يقله أهل هذه الأزمان. إننا نتحدى الصواف أن يسمي علماء المسلمين الأجلاء الذين قالوا هذه الأقوال قبل ما يقارب الألف عام وأن يذكر كتبهم التي أثبتوا فيها ذلك إن كان صادقاً. وما أبعده من الصدق. الوجه الثالث أن يقال إن أعظم هذه الأمة قدراً وأرجحهم وزناً في تاريخ الحضارة الإسلامية هم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولم يقل أحد منهم بحركة الأرض وثبات الشمس بل المأثور عنهم خلاف ذلك. وكذلك لم يتهجموا على الغيب ويرجموا بالظن عن سطح القمر وما فيه. ثم التابعون وتابعوهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم ولاسيما الأئمة الأربعة وأقرانهم من أكابر العلماء وكذلك من كان بعدهم من الأئمة الأعلام فكل هؤلاء لم

стр. 109

يقل أحد منهم بحركة الأرض وثبات الشمس ولم يتهجموا على الغيب ويرجموا بالظن عن سطح القمر وما فيه. فمن حاد عن منهاج الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم وقال بخلاف قولهم فقوله مردود عليه. وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً). الوجه الرابع أن يقال إن كوبرنيك البولوني وأتباعه في آخر القرن العاشر من الهجرة والقرن الحادي عشر وكذلك هرشل الإنكليزي وأتباعه من الإفرنج مثل أولبوس وهاردنق وبياظي وغيرهم من فلاسفة الإفرنج في آخر القرن الثاني عشر من الهجرة وأول القرن الثالث عشر هم الذين سبقوا إلى القول بحركة الأرض وثبات الشمس وقد كان القول به مهجوراً منذ ذهب فيثاغورس اليوناني وأصحابه إلى أن جاء هؤلاء الإفرنج أصحاب الهيئة الجديدة فنصروه وردوا ما خالفه. فهل يقول الصواف إن هؤلاء علماء مسلمون لهم قدرهم ووزنهم في تاريخ الحضارة الإسلامية. الوجه الخامس لو فرضنا صحة ما زعمه الصواف من سبق بعض علماء المسلمين إلى القول بحركة الأرض وثبات الشمس فهو قول باطل مردود لمخالفته للأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة ومخالفته أيضاً لأقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم. ومخالفته أيضاً لإجماع المسلمين على ثبات الأرض ووقوفها. وكل قول خالف نصاً من كتاب الله تعالى أو من سنة رسوله ﷺ أو خالف إجماع المسلمين فمضروب به عرض الحائط ومردود على قائله كائناً من كان. وقد ذكرت آنفاً أن الذين سبقوا إلى القول بحركة الأرض وثبات الشمس هم فيثاغورس اليوناني وأصحابه وبعدهم أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج. وكان ابتداء الهيئة الجديدة من نحو أربعمائة سنة. ولا يعرف عن أحد من علماء المسلمين قبل ظهور الهيئة الجديدة أنه قال بحركة الأرض وثبات الشمس .... بعد ظهور الهيئة الجديدة فقد كان بعض المنتسبين إلى العلم يقلدون أهلها ويحسنون الظن بهم. وكما أنه لا يعتد بأقوال أعداء الله تعالى في شيء من المسائل العلمية فكذلك لا يعتد بأقوال مقلديهم بطريق الأولى والله أعلم.

стр. 110

الوجه السادس أن ما زعمه أعداء الله تعالى من وصول لونا (٩) إلى القمر ورسوها على سطحه وإرسالها الصور التلفزيونية إلى الأرض كله كذب وتمويه على الأغبياء, والأمر في هؤلاء الكذابين كما قيل في أسلافهم: سلاحهم في وجوه الخصم مكرهمُ ... وخير جندهمُ التدليس والكذب ومن أين لأعداء الله تعالى أن يصلوا إلى القمر أو تصل مصنوعاتهم إليه وهو في السماء بنص القرآن. وبين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام كما دلت على ذلك النصوص الثابتة عن رسول الله ﷺ . فقدرة البشر تعجز عن الوصول إلى السماء والصعود في الجو مسيرة خمسمائة سنة. ولعل أعداء الله تعالى إذا سقطت لهم سفينة فضائية في البحر أو في مكان مجهول من البر ولم يدروا أين ذهبت قالوا إنها ذهبت إلى القمر ورست على سطحه. وقد وجد لهم غير ما سفينة فضائية ساقطة. والصور التي يزعمون أنها أرسلت إليهم من القمر لا شك أنها من مخرقتهم وصنع أيديهم فإنهم معروفون بالمخرقة والتدجيل قديماً وحديثاً. وقد ذكر العلماء عنهم من ذلك شيئاً كثيراً. ولا يغتر بأباطيل أعداء الله تعالى ويصدق بها ويندهش لمخرقتهم وتدجيلهم إلا من هو ناقص العقل. ومن أين للصور التلفزيونية أن تصل إلى الأرض من مسيرة خمسمائة سنة وهي لا تتجاوز في الأرض مسيرة عشرة أيام أو نحوها إذا كانت قوية. فوصولها من القمر محال. ومن زعم وصولها منه فهو من أكذب الكاذبين. ومن مخرقة أعداء الله تعالى وتدجيلهم فيما يتعلق بالقمر زعمهم أن فيه أرضاً صالحة للنبات والسكنى فهم لذلك يرومون الانتقال إليه والبناء فيه والسكنى. وكثير من الجهال يصدقونهم في هذه المزاعم الكاذبة. وليس لأعداء الله تعالى ذهاب ولا محيص عن هذه الأرض التي خلقوا منها ولو بلغوا في قوة الصناعة ما بلغوا فمردهم إلى الأرض لا محالة. قال الله تعالى (قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون). وقال تعالى (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) وقال تعالى مخبراً عن نوح ﵇ أنه قال لقومه (والله أنبتكم من
следующие страницы →