Полный текст (186 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
عمرو ﵄ مع نصوص الأحاديث التي تأتي ترد هذا الزعم الكاذب.
وأيضاً فلو كانت الشمس قارة ساكنة والأرض تدور عليها لكانت الشمس هي المركز وكانت الأرض أقرب إلى السماء من الشمس وهذا باطل قطعاً لأن الشمس في السماء بنص القرآن قال الله تعالى (تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً) وقال تعالى مخبراً عن نوح ﵊ أنه قال لقومه (ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا. وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً).
وأما الأرض فبعيدة من السماء كما يدل على ذلك حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي ذكرنا وما يأتي من حديث أبي هريرة وابن مسعود والعباس بن عبد المطلب وأبي سعيد الخدري ﵃ في تقدير المسافة بين السماء والأرض بخمسمائة سنة وإذا كانت الشمس في السماء فمحال أن تدور الأرض عليها لأنها لو كانت تدور عليها لكانت تخترق السموات وهذا لا يقوله عاقل.
الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁ قال بينما نبي الله ﷺ جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله ﷺ «هل تدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقه الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه ثم قال هل تدرون ما فوقكم قالوا الله ورسوله أعلم قال فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف ثم قال هل تدرون كم بينكم وبينها قالوا الله ورسوله أعلم قال بينكم وبينها خمسمائة سنة ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن فوق ذلك سمائين ما بينهما مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع سموات ما بين كل سمائين كما بين السماء والأرض ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما بين السمائين» الحديث رواه الإمام أحمد والترمذي وابن أبي حاتم والبزار وقال الترمذي هذا حديث غريب.
الرقيع السماء قال ابن الأثير فيه أنه قال لسعد بن معاذ حين حكم في بني قريظة لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع أرقعة يعني سبع سموات وكل سماء يقال لها رقيع
стр. 37
والجمع أرقعة. وقيل الرقيع اسم سماء الدنيا فأعطى كل سماء اسمها انتهى.
الحديث السابع عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال «ما بين كل سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام وما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام والعرش على الماء والله على العرش ويعلم أعمالكم» رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد بإسناد صحيح على شرط مسلم.
ورواه أيضاً من وجه آخر ولفظه «ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وبصر كل سماء خمسمائة - يعني غلظها -» وذكر بقيته بنحوه.
وقد رواه الطبراني في الكبير بنحو الرواية الأولى قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح.
وهذا الحديث له حكم المرفوع لأن مثله لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف.
الحديث الثامن عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال كنا جلوساً مع رسول الله ﷺ بالبطحاء فمرت سحابة فقال رسول الله ﷺ «أتدرون ما هذا قال قلنا السحاب قال والمزن قلنا والمزن قال والعنان قال فسكتنا فقال هل تدرون كم بين السماء والأرض قال قلنا الله ورسوله أعلم قال بينهما مسيرة خمسمائة سنة ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض والله ﵎ فوق ذلك وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء) رواه الإمام أحمد والبغوي بهذا اللفظ.
وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة في كتاب التوحيد والحاكم في مستدركه عن العباس ﵁ قال كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال ما تسمون هذه قالوا السحاب قال والمزن قالوا والمزن قال والعنان قالوا والعنان. قال أبو داود لم أتقن العنان جيداً. قال ﷺ «هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض قالوا لا ندري قال إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك
стр. 38
حتى عد سبع سموات ثم فوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله ﵎ فوق ذلك».
هذا لفظ أبي داود ونحوه رواية الترمذي وابن ماجه. ورواية ابن خزيمة والحاكم مختصرة. وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب.
وهذه الرواية مخالفة لرواية الإمام أحمد والبغوي وما قبلها من حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة وابن مسعود ﵃ وما سيأتي من حديث أبي سعيد ﵁ في مقدار المسافة بين السماء والأرض. وقد جمع بين الروايتين غير واحد من العلماء منهم ابن خزيمة في كتاب التوحيد وابن القيم في تهذيب السنن والذهبي.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى وأما اختلاف مقدار المسافة في حديثي العباس وأبي هريرة ﵄ فهو مما يشهد بتصديق كل منهما للآخر فإن المسافة يختلف تقديرها بحسب اختلاف السير الواقع فيها. فسير البريد مثلا يقطع بقدر سير ركاب الإبل سبع مرات. وهذا معلوم بالواقع فما تسيره الإبل سيراً قاصداً في عشرين يوماً يقطعه البريد في ثلاثة فحيث قدر النبي ﷺ بالسبعين أراد به السير السريع سير البريد وحيث قدر بالخمسمائة أراد به السير الذي يعرفونه سير الإبل والركاب فكل منهما يصدق الآخر ويشهد بصحته ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.
وقال الذهبي لا منافاة بينهما لأن تقدير ذلك بخمسمائة عام هو على سير القافلة مثلا. ونيف وسبعون سنة على سير البريد لأنه يصح أن يقال بيننا وبين مصر عشرون يوماً باعتبار سير العادة وثلاثة أيام باعتبار سير البريد انتهى.
الحديث التاسع عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى (وفرش مرفوعة) قال «ارتفاعها كما بين السماء والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام» رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب.
وفي حديث أبي سعيد ﵁ والأحاديث الثلاثة قبله دليل على استقرار
стр. 39
الأرض وثباتها وقد تقدم إيضاح ذلك في الكلام على حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وهو الحديث الخامس فليراجع.
الحديث العاشر عن عبد الله بن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن» الحديث رواه البخاري.
الحديث الحادي عشر عن المقداد بن الأسود ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل» الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.
الحديث الثاني عشر عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل ويزاد في حرها» الحديث رواه الإمام أحمد والطبراني. قال الهيثمي ورجال أحمد رجال الصحيح غير القاسم بن عبد الرحمن وقد وثقه غير واحد.
الحديث الثالث عشر عن عقبة بن عامر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس» الحديث رواه الإمام أحمد والطبراني وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقال الهيثمي إسناد الطبراني جيد.
الحديث الرابع عشر عن المقدام ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «تدنو الشمس يوم القيامة حتى تكون من الناس قدر ميل ويزاد في حرها» الحديث رواه الطبراني.
الحديث الخامس عشر عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي وتدنو منهم الشمس» الحديث رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي.
الحديث السادس عشر عن سلمان ﵁ قال «تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنى من جماجم الناس» الحديث رواه الطبراني. قال المنذري وإسناده صحيح وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح. قلت وله حكم المرفوع لأن مثله
стр. 40
لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف وهذه الأحاديث السبعة وإن كانت من أخبار يوم القيامة ففيها دليل على أن الأرض قارة ثابتة لا تفارق موضعها. ولو كانت الشمس هي القارة الثابتة لكانت الأرض هي التي تدنى منها وهذا خلاف نصوص هذه الأحاديث والله أعلم.
فهذا ما يسره الله تعالى من الآيات والأحاديث الدالة على أن الشمس تسير وتدور على الأرض وإن الأرض قارة ثابتة بخلاف ما يزعمه أهل الهيئة الجديدة من أن الشمس قارة ثابتة وأن الأرض تدور عليها. وحقيقة قولهم تكذيب الآيات والأحاديث التي ذكرنا واطراحها بالكلية وذلك هو الضلال البعيد. وقد قال الله تعالى (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين).
وقول أهل الهيئة الجديدة في الشمس والأرض دائر بين افتراء الكذب والتكذيب بالحق. ومن أعجب العجب أنه قد جعل في زماننا من الفنون المهمة التي تدرس في كثير من المدارس ويعتنى بها في كثير من الأقطار الإسلامية أكثر مما يعتنى بالعلوم الشرعية. وهذا مصداق ما جاء في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل» الحديث متفق عليه.
وفي رواية «من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل». ولهما عن عبد الله بن مسعود وأبي موسى ﵄ قالا قال النبي ﷺ «إن بين يدي الساعة لأياماً ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم» الحديث.
وقال الشعبي لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلا والجهل علماً. رواه ابن أبي شيبة وله حكم المرفوع لأنه إخبار عن أمر غيبي ومثله لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف ومن أقبح الجهل وأظلم الظلم تكذيب الله تعالى وتكذيب رسوله ﷺ ومعارضة الآيات والأحاديث الصحيحة بأقوال أعداء الله تعالى وتخرصاتهم الكاذبة وآرائهم الفاسدة وتوهماتهم الخاطئة وتعلم ذلك وتعليمه.
وقد أخبرني غير واحد من الطلبة في بعض المعاهد أن بعض معلميهم من ذوي الجهل المركب صرح عنده بما يعتقده من استقرار الشمس ودوران الأرض حولها. فقال
стр. 41
له الطلبة ما تقول في قول الله تعالى (والشمس تجري لمستقر لها) وقوله تعالى (وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى) وأمثال هذه الآيات. فقال القرآن حق. فقالوا له يلزمك على هذا أن تعتقد جريان الشمس فأبى فطالبوه بالدليل على قوله فقال هكذا تلقينا من علمائنا.
فانظر يا من نور الله قلبه بنور العلم والإيمان إلى جواب هذا المخدوع المغرور بزخارف أعداء الله وشبهاتهم. واحمد الله الذي عافاك مما ابتلى به المنحرفين المكذبين لنصوص القرآن والأحاديث الصحيحة تقليداً منهم لأعداء الله تعالى من الكفار والمنافقين الذين أسسوا بنيانهم على شفا جرف هارٍ ينهار بمن تمسك به في نار جهنم.
وما أشبه هذا الذي ذكرنا جوابه ومن جرى مجراه بالذين قال الله تعالى فيهم (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا. أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً).
فاحذروا أيها المسلمون من الإصغاء إلى دسائس أعداء الله تعالى والاغترار بزخارفهم وشبهاتهم فإنهم لا يألونكم خبالا وودوا لو تكفرون بما جاء به نبيكم ﷺ من الكتاب والحكمة قال الله تعالى (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) الآية. وقال تعالى (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين. وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين). ففي هذه الآيات أبلغ تحذير للمسلمين من طاعة الكفار والمنافقين وقبول آرائهم وظنونهم وتخرصاتهم فإنهم لا يألون المسلمين خبالا وودوا ما عنتهم وأضلهم عن الصراط السوي والهدي.
وقد جعل الله للمسلمين في كتابه وسنة رسوله ﷺ كفاية وغنية عما سواهما من أقوال الناس وآرائهم وتخرصاتهم قال الله تعالى (أولم
стр. 42
يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون) وقال تعالى (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله) وقال تعالى (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون) وقال تعالى (فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى, قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى. وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى).
قال ابن عباس ﵄ «من تعلم كتاب الله ثم اتبع ما فيه هداه الله من الضلالة في الدنيا ووقاه يوم القيامة سوء الحساب» رواه رزين.
وفي رواية قال «من اقتدى بكتاب الله لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم تلا هذه الآية (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى)» وقد ذكره البغوي في تفسيره بنحوه.
وروى الإمام أحمد ومسلم عن زيد بن أرقم ﵁ قال قام رسول الله ﷺ يوماً فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال «أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي».
وفي رواية لمسلم أن رسول الله ﷺ قال «كتاب الله فيه الهدى والنور من استمسك به وأخذ به كان على الهدى ومن أخطأه ضل».
وفي رواية له أخرى أن رسول الله ﷺ قال «ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة».
ورواه الترمذي مختصراً ولفظه قال رسول الله ﷺ «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء
стр. 43
إلى الأرض وعترتي أهل بيتي» الحديث قال الترمذي حديث حسن غريب.
وروى مسلم أيضاً وأبو داود وابن ماجه عن جابر بن عبد الله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم عرفة «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله» ورواه الترمذي بنحوه مختصراً.
وروى مالك في الموطأ بلاغاً أن رسول الله ﷺ قال «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله».
وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حجة الوداع - فذكر الحديث وفيه أنه قال «يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنة نبيه» صححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الحاكم أيضاً عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنة نبيه ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض». وروى الطبراني في الكبير وابن حبان في صحيحه عن أبي شريح الخزاعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبداً».
قال المنذري إسناد الطبراني جيد. وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح.
وروى الطبراني أيضاً في الكبير والصغير والبزار من حديث جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إن هذا القرآن هو حبل الله المتين وهو النور المبين وهو الشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه» ورواه الطبراني والبغوي بنحوه موقوفاً.
وروى الترمذي عن علي ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «ألا إنها ستكون فتنة فقلت ما المخرج منها يا رسول الله قال كتاب الله فيه نبأ ما
стр. 44
قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم» الحديث. قال الترمذي غريب.
وقد رواه الإمام أحمد بإسناد ضعيف ولفظه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «أتاني جبريل ﵇ فقال يا محمد إن أمتك مختلفة بعدك قال فقلت فأين المخرج يا جبريل قال فقال كتاب الله تعالى به يقصم الله كل جبار من اعتصم به نجا ومن تركه هلك مرتين قول فصل وليس بالهزل لا تختلقه الألسن ولا تفنى أعاجيبه فيه نبأ ما قبلكم وفصل ما بينكم وخبر ما هو كائن بعدكم».
وروى الطبراني من حديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ نحو رواية الترمذي وإسناده ضعيف.
وروى ابن ماجه عن أبي الدرداء ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء» قال أبو الدرداء صدق والله رسول الله ﷺ تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء.
وروى الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» ورواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة بنحوه قال المنذري وإسناده حسن.
وإذا علم ما ذكرنا من الآيات والأحاديث في الحث على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وما فيها من النص على أن من تمسك بهما كان على الهدى ومن تركهما كان على الضلالة. فماذا يقال في الذين يعرضون عن أدلة الكتاب والسنة على جريان الشمس وثبات الأرض واستقرارها ويتمسكون بأقوال أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من ضعفاء البصيرة ويقدمونها على نصوص الكتاب والسنة.
الجواب أن يقال: لا شك أن هذا ضلال عن الصراط المستقيم وقد نهى النبي ﷺ عن سؤال أهل الكتاب كما سيأتي إيراده إن شاء الله تعالى. وغضب صلوات
стр. 45
الله وسلامه عليه على عمر ﵁ غضباً شديداً لما رأى معه كتاباً استنسخه من بعض أهل الكتاب وكان فيه جوامع من التوراة. وكان عمر ﵁ في خلافته يعاقب من يكتب مما عند أهل الكتاب أشد العقوبة.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى حدثنا سريج بن النعمان أخبرنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي ﷺ قال فغضب وقال «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني».
فيه مجالد ضعفه ابن معين ويحيى بن سعيد والدارقطني وغيرهم ووثقه النسائي وغيره وروى له مسلم مقروناً بغيره وبقية رجاله رجال الصحيح.
وروى البزار عن جابر ﵁ قال نسخ عمر ﵁ كتاباً من التوراة بالعربية فجاء به إلى النبي ﷺ فجعل يقرأ ووجه رسول الله ﷺ يتغير فقال رجل من الأنصار ويحك يا ابن الخطاب ألا ترى وجه رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني».
فيه جابر الجعفي تركه يحيى القطان وقال النسائي متروك ووثقه شعبة وسفيان الثوري وقال وكيع ما شككتم في شيء فلا تشكوا أن جابر الجعفي ثقة.
وروى الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء ﵁ قال جاء عمر بجوامع من التوراة إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله جوامع من التوراة أخذتها من أخ لي من بني زريق فتغير وجه رسول الله ﷺ فقال عبد الله بن زيد الذي أري الأذان أمسخ الله عقلك ألا ترى الذي بوجه رسول الله ﷺ فقال عمر رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وبالقرآن إماماً فسري عن رسول الله ﷺ ثم قال «والذي نفس محمد بيده لو كان موسى بين أظهركم ثم
стр. 46
اتبعتموه وتركتموني لضللتم ضلالاً بعيداً أنتم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين» قال الهيثمي فيه أبو عامر القاسم بن محمد الأسدي ولم أر من ترجمه وبقية رجاله موثقون.
وروى الإمام أحمد والطبراني عن عبد الله بن ثابت ﵁ قال جاء عمر بن الخطاب ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني مررت بأخ لي من بني قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك قال فتغير وجه رسول الله ﷺ قال عبد الله يعني ابن ثابت فقلت ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ فقال عمر رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ رسولا قال فسري عن رسول الله ﷺ وقال «والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين».
قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح إلا أن فيه جابر الجعفي وهو ضعيف.
قلت قد تقدم عن شعبة والثوري ووكيع أنهم وثقوه.
وروى البزار عن عبد الله بن ثابت الأنصاري ﵁ أن عمر ﵁ نسخ صحيفة من التوراة فقال رسول الله ﷺ «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء» قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح إلا جابر الجعفي.
وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي عن خالد بن عرفطة قال كنت جالساً عند عمر ﵁ إذ أتي برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس فقال له عمر أنت فلان بن فلان العبدي قال نعم قال وأنت النازل بالسوس قال نعم فضربه بقناة معه قال فقال الرجل مالي يا أمير المؤمنين فقال له عمر اجلس فجلس فقرأ عليه (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ألر تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون. نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) فقرأها عليه ثلاثاً وضربه ثلاثاً فقال له الرجل ما لي يا أمير المؤمنين فقال أنت الذي نسخت كتاب دانيال قال مرني بأمرك أتبعه قال انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض ثم لا تقرأه ولا تقرئه أحداً من الناس فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحداً من الناس لأنهكنك عقوبة ثم قال اجلس فجلس بين يديه فقال انطلقت فانتسخت كتاباً من أهل الكتاب ثم
стр. 47
جئت به في أديم فقال لي رسول الله ﷺ «ما هذا في يدك يا عمر» قلت يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علماً إلى علمنا فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه ثم نودي بالصلاة جامعة فقالت الأنصار اغضب نبيكم ﷺ السلاح السلاح فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله ﷺ فقال «يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه واختصر لي اختصاراً ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون» قال عمر ﵁ فقمت فقلت رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبك رسولا ثم نزل رسول الله ﷺ . قال الهيثمي فيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي ضعفه أحمد وجماعة.
قلت وقد روى له شاهد من وجه آخر عن سليم بن عامر أن جبير بن نفير حدثهم أن رجلين تحابا في الله بحمص في خلافة عمر ﵁ وكانا قد اكتتبا من اليهود ملء صفنين فأخذاهما معهما يستفتيان فيهما أمير المؤمنين وكان أرسل إليهما عمر ﵁ فيمن أرسل إليه من أهل حمص فقالا يا أمير المؤمنين إنا بأرض أهل الكتابين وإنا نسمع منهم كلاماً تقشعر منه جلودنا أفنأخذه منهم أم نترك قال لعلكما اكتتبتما منه شيئاً فقالا لا قال سأحدثكما إني انطلقت في حياة النبي ﷺ حتى أتيت خيبر فوجدت يهودياً يقول قولا أعجبني فقلت هل أنت مكتبي مما تقول قال نعم قال فأتيته بأديم ثنية أو جذعة فأخذ يملي علي حتى كتبت في الأكرع رغبة في قوله فلما رجعت قلت يا رسول الله إني لقيت يهودياً يقول قولا لم أسمع مثله بعدك قال لعلك كتبت منه قلت نعم قال ائتني به فانطلقت ارغب عن المشي رجاء أن أكون جئت نبي الله ﷺ ببعض ما يحبه فلما أتيت به قال اجلس فاقرأ علي فقرأت ساعة ثم نظرت إلى وجهه فإذا هو يتلون فتحيرت من الفرق فما استطعت أجيز منه حرفاً فلما رأى الذي بي رفعه ثم جعل يتتبعه رسماً رسماً فيمحوه بريقه وهو يقول «لا تتبعوا هؤلاء فإنهم قد هوكو وتهوكوا» حتى محا آخره حرفاً. قال عمر ﵁ فلو أعلم أنكما اكتتبتما منهم شيئاً جعلتكما نكالا لهذه الأمة قالا والله لا نكتب منهم شيئاً أبداً فخرجا بصفنيهما فحفرا لهما من الأرض فلم يألوا أن يعمقا ودفناهما فكان آخر العهد منهما رواه الإسماعيلي
стр. 48
والطبراني وأبو نعيم في الحلية من طريقه. قال الجوهري الصفن خريطة الراعي فيها طعامه وزناده وكذا ذكر ابن منظور في لسان العرب عن أبي عمرو أنه قال الصفن بالضم خريطة تكون للراعي فيها طعامه وزناده وما يحتاج إليه. قال ابن منظور وقيل هي السفرة التي تجمع بالخيط وتضم صادها وتفتح.
ونقل عن أبي عبيد أنه قال سمعت من يقول الصفن بفتح الصاد والصفنة أيضاً بالتأنيث. وعن ابن الأعرابي الصفنة بفتح الصاد هي السفرة التي تجمع بالخيط ومنه يقال صفن ثيابه في سرجه إذا جمعها. وقال أبو عبيد الصفنة كالعيبة يكون فيها متاع الرجل وأداته فإذا طرحت الهاء ضممت الصاد وقلت صفن.
وأما التهوك فقال الجوهري هو التحير قال والتهوك أيضاً مثل التهور وهو الوقوع في الشيء بقلة مبالاة.
وقال ابن الأثير التهوك كالتهور وهو الوقوع في الأمر بغير روية والمتهوك الذي يقع في كل أمر وقيل هو التحير.
وقال ابن منظور التهوك السقوط في هوة الردى وإنه لمتهوك لما هو فيه أي يركب الذنوب والخطايا والمتهوك الذي يقع في كل أمر.
وروى الإسماعيلي وابن مردويه عن أبي هريرة ﵁ قال كان ناس من أصحاب النبي ﷺ يكتبون من التوراة فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «إن أحمق الحمق وأضل الضلالة قوم رغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى نبي غير نبيهم وإلى أمة غير أمتهم» ثم أنزل الله تعالى (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون).
وإذا كان هذا قوله ﷺ للذين كتبوا جوامع من التوراة مع ما ذكرنا عنه ﷺ من الغضب على عمر ﵁ لما رأى معه الكتاب الذي استنسخه من بعض أهل الكتاب ليزداد به علماً فكيف لو رأى الذين يرغبون عن نصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بجريان الشمس وفيما يتعلق بغيرها من الأجرام العلوية وبالسموات والأرض ويقدمون عليها أقوال الفلاسفة الدهريين مثل كوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهما من أهل الهيئة الجديدة الذين لا يعتمدون في أقوالهم على
стр. 49
كتاب من الكتب المنزلة من السماء وإنما يعتمدون على أرصادهم وآرائهم وتخرصاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان. وما أكثر الذين يميلون إلى أقوالهم الباطلة في زماننا ويتلقونها بالقبول والتسليم ويرون أنها هي العلم الصحيح وما خالفها فهو عندهم مردود ولو كان من نصوص الكتاب والسنة وكأنهم يرون أن القرآن إنما أنزل لمجرد التلاوة لا للعمل به واعتقاد ما جاء فيه. ولو أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى أمثال هؤلاء لما كان يكتفي في عقوبتهم بالضرب فقط بل كان يقتلهم كما قتل الذي لم يرض بالتحاكم إلى رسول الله ﷺ .
ومن أين لنا الآن مثل عمر ﵁ الذي كان لا تأخذه في الله لومة لائم.
وخلاصة القول أنه يجب على المسلم أن يتمسك بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ويعض عليهما بالنواجذ ويقدمهما على ما سواهما ولا يقدم عليهما شيئاً البتة. وأن يكتفي بهما وبما عند المسلمين من العلوم النافعة المستفادة منهما, ومن لم يكتف بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما عند المسلمين من العلوم المستفادة منهما بل ذهب يطلب غير ذلك من أقوال الكفار والمنافقين وآرائهم وتخرصاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان فأبعده الله وأسحقه.
فصل
في ذكر الإجماع على وقوف الأرض وسكونها
ذكر الشيخ عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الإسفراييني التميمي - وكان في آخر القرن الرابع من الهجرة وأول القرن الخامس - في آخر كتابه «الفرق بين الفِرق» جملة مما أجمع عليه أهل السنة قال فيها:
وأجمعوا على وقوف الأرض وسكونها وأن حركتها إنما تكون بعارض يعرض لها من زلزلة ونحوها خلاف قول من زعم من الدهرية أن الأرض تهوي أبداً لأن الخفيف لا يلحق ما هو أثقل منه في انحداره.
стр. 50
وأجمعوا على أن الأرض متناهية الأطراف من الجهات كلها وكذلك السماء متناهية الأقطار من الجهات الست خلاف قول من زعم من الدهرية أنه لا نهاية للأرض من أسفل ولا من اليمين واليسار ولا من خلف ولا من أمام وإنما نهايتها من الجهة التي تلاقي الهواء من فوقها.
وزعموا أن السماء أيضاً متناهية من تحتها ولا نهاية لها من خمس جهات سوى جهة السفل. وبطلان قولهم ظاهر من جهة عود الشمس إلى مشرقها كل يوم وقطعها جرم السماء وما فوق الأرض في يوم وليلة. ولا يصح قطع ما لا نهاية لها من المسافة في الأمكنة في زمان متناه انتهى.
وقال القرطبي في تفسيره عند قول الله تعالى في سورة الرعد (وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً) الآية ما نصه:
والذي عليه المسلمون وأهل الكتاب القول بوقوف الأرض وسكونها ومدها وأن حركتها إنما تكون في العادة بزلزلة تصيبها انتهى.
وهذا صريح في حكاية الإجماع من المسلمين وأهل الكتاب على ثبات الأرض واستقرارها.
وقد قرر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «مفتاح دار السعادة» أن الأرض واقفة ساكنة. وقرر ذلك غيره من أكابر العلماء. ولا أعلم عن أحد من سلف الأمة وأئمتها خلافاً في ذلك. وإنما خالف في ذلك أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج مثل كوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهم ومن نحا نحوهم من العصريين. فهؤلاء هم المخالفون في ثبوت الأرض واستقرارها من المتأخرين.
وأما المخالفون في ذلك من المتقدمين فهم الدهرية وفيثاغورس وأتباعه من اليونان. ولا عبرة بخلاف هؤلاء الذين أشرنا إليهم من المتقدمين والمتأخرين. ولا ينبغي للمسلم أن يغتر بأقوال أعداء الله ولا يصغي إلى تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة ولا يعتد بأقوالهم الفاسدة وتوهماتهم الخاطئة.
ولا ينبغي أيضاً أن يصغي إلى أقوال الذين يقلدونهم ويحذون حذوهم من المسلمين.
стр. 51
فصل
في ذكر أدلة عقلية على ثبات الأرض واستقرارها
فمن ذلك ما هو مشاهد من سير السحاب المسخر بين السماء والأرض فإنا نراه عندنا في البلاد النجدية في فصل الشتاء والربيع وأكثر فصل الخريف يأتي في الغالب من المغرب ويذهب نحو المشرق. وفي بعض الأحيان يأتي من جهة الشمال ويذهب نحو الجنوب ويأتي أيضاً من جهة الجنوب ويذهب نحو الشمال وربما أتى من ناحية المشرق وذهب نحو المغرب. وفي فصل الصيف وهو الذي تسميه العامة القيظ ليس له اتجاه معتاد بل يأتي من المشرق ومن المغرب ومن الجنوب ومن الشمال. وفي نواحي الحجاز يأتي في الغالب من جهة القطب الجنوبي ويذهب نحو القطب الشمالي وربما أتى من جهة المشرق وذهب نحو المغرب وبالعكس وربما أتى من جهة الجنوب وذهب نحو الشمال وبالعكس. وسيره من جميع الجهات متقارب لا يختلف بعضه عن بعض بالسرعة إلا بسبب ريح شديدة تسوقه, ولو كانت الأرض تسير كما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لاختلف سير السحاب بسبب سير الأرض ولكان اتجاهه دائماً إلى جهة المغرب بعكس سير الأرض ولم يذهب إلى جهة المشرق أبداً لأن الأرض تفوته بسرعة سيرها. فقد زعم المتأخرون من أهل الهيئة الجديدة أنها تسير في الثانية أكثر من ثلاثين كيلومتراً وأنها تقطع في اليوم الواحد أكثر من خمسمائة ألف فرسخ.
ولما كان سير السحاب من جميع الجهات مقارباً بعضه بعضاً دل ذلك على أن الأرض قارة ساكنة.
ومن ذلك ما يسره الله تعالى في زماننا من وجود المراكب الجوية التي تخترق الهواء في جميع أرجاء الأرض فإن سيرها من المشرق إلى المغرب مثل سيرها من المغرب إلى المشرق وكذلك سيرها من الجنوب إلى الشمال مثل سيرها من الشمال إلى الجنوب كل ذلك لا يختلف.
стр. 52
ولو كان الأمر على ما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لكان من في المشرق إذا أراد المغرب رفع طائرته في الهواء ثم أمسكها وقتاً يسيراً حتى تصل إليه أقطار المغرب فينزل فيها.
وأما من في المغرب فلا يمكنه أن يسير إلى المشرق في مركب جوي أبداً لأنه إذا رفع طائرته عن الأرض فاتته الأرض بسرعة سيرها. هذا على حد زعمهم. وكذلك الذين في الجنوب والشمال لا بد أن تفوتهم الأرض بسرعة سيرها فلا يهتدون إلى موضع قصدوه في مراكبهم الجوية.
ولما كانت هذه التقديرات منتفية وكان السير في الجو من الأقطار المتباينة مقارباً بعضه بعضاً دل ذلك على أن الأرض قارة ساكنة.
ومن ذلك ما هو مشاهد من نهوض الطيور من أوكارها أو غيرها مما هي واقعة عليه وطيرانها في الهواء وذهابها يميناً وشمالا ورجوعها إلى أوكارها أو غيرها من الأشجار والمواضع التي تقع عليها كثيراً وهذا يدل على ثبات الأرض واستقرارها ولو كانت تسير كما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لما رجعت الطيور إلى أماكنها من الأرض لأن الأرض تفوتها بسرعة سيرها.
ومثل ذلك الطائرات فإنها تطير من المطارات وتذهب نحو المشرق والمغرب والجنوب والشمال وربما عرض لها عارض يمنعها من مواصلة السير إلى المواضع التي يقصدها أهلها فترجع إلى المواضع التي طارت منها بعدما تنأى عنها بمسافة بعيدة, وهذا يدل على ثبات الأرض واستقرارها ولو كانت الأرض تسير كما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لما رجعت الطائرات إلى مطاراتها أبداً لأن الأرض تفوتها بسرعة سيرها.
ومن ذلك ما هو مشاهد من رمي الصيد والأهداف وإصابتها ولو كانت الأرض تسير كما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لما أصاب الرامي صيداً ولا هدفاً ولاسيما إذا كان الصيد أو الهدف بعيداً عنه لأنه إذا أطلق السهم أو الرصاص فاتته الأرض بسرعة سيرها فلا يصيب السهم والرصاص ما وجهه الرامي نحوه.
ولما كانت إصابة الصيد والأهداف تقع من كثير من الرماة دل ذلك على أن الأرض قارة ساكنة.
فإن قيل إن الهواء تابع للأرض يسير بسيرها فلا تفوت الأرض إذا شيئاً مما يكون في الهواء فوقها.
فالجواب أن يقال هذا من أبطل الباطل لأن الهواء مستقل بنفسه وليس تابعاً للأرض
стр. 53
قال الله تعالى في سورة الم تنزيل السجدة (الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش) الآية. وقال تعالى في سورة ق (ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام) الآية. وقال تعالى في سورة الدخان (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين) وقال تعالى في سورة الأنبياء (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين) وقال تعالى في سورة ص (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلا) الآية. وقال تعالى في سورة الحجر (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق) الآية. وقال تعالى في سورة الأحقاف (ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى) الآية وقال تعالى في سورة ص (أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما) الآية. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الهواء مستقل بنفسه وليس تابعاً للأرض.
وكما أن كلاً من السماء والأرض مستقلة بنفسها وليست تابعة للأخرى فكذلك الهواء مستقل بنفسه وليس تابعاً للسماء ولا للأرض ولا يتصور أن يكون الهواء تابعاً لغيره إلا فيما يكون محجوزاً بالسقوف والجدر ونحوها كالهواء الذي يكون في داخل الطائرات والسيارات والمراكب ونحوها فإنه يسير بسيرها بخلاف ما يكون فوق سطوحها فإنه لا يكون تابعاً لها ولا يسير بسيرها كما هو معلوم عند كل عاقل. وما على وجه الأرض من الهواء شبيه بما على ظهور الطائرات من الهواء فكما أن ما على ظهور الطائرات من الهواء لا يتبعها ولا يسير بسيرها فكذلك ما على ظهر الأرض من الهواء لا يكون تابعاً لها والله أعلم.
وأيضاً فلو كان الهواء تابعاً للأرض وسائراً بالسرعة الهائلة التي زعموها في سير الأرض كما ذكرنا قولهم في ذلك قريباً فإنه لا يستطيع الطير ولا الطائرات أن تسبح فيه وتذهب شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً ثم ترجع إلى مواضعها من الأرض. ولما كان الطير يطير إلى حيث شاء من الجهات ثم يرجع إلى موضعه الذي طار منه وكانت الطائرات تسير على خطوط مستقيمة شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً ثم ترجع إلى المواضع التي طارت منها دل ذلك على أن الهواء ساكن لا يسير ولا يتحرك إلا أن تحركه ريح تهب فيه.
стр. 54
فصل
قال الرازي في تفسيره عند قول الله تعالى في سورة البقرة (الذي جعل لكم الأرض فراشاً) الآية ما نصه:
اعلم أن الله ذكر ههنا أنه جعل الأرض فراشاً. ونظيره قوله (أم من جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا) وقوله (الذي جعل لكم الأرض مهدا) واعلم أن كون الأرض فراشاً مشروط بأمور, الشرط الأول كونها ساكنة وذلك لأنها لو كانت متحركة لكانت حركتها إما بالاستقامة أو بالاستدارة. فإن كانت بالاستقامة لما كانت فراشاً لنا على الإطلاق لأن من طفر من موضع عال كان يجب أن لا يصل إلى الأرض لأن الأرض هاوية وذلك الإنسان هاوٍ والأرض أثقل من الإنسان والثقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما والأبطأ لا يلحق الأسرع فكان يجب أن لا يصل الإنسان إلى الأرض فثبت أنها لو كانت هاوية لما كانت فراشاً.
أما لو كانت حركتها بالاستدارة لم يكمل انتفاعنا بها لأن حركة الأرض مثلا إذا كانت إلى المشرق والإنسان يريد أن يتحرك إلى جانب المغرب ولا شك أن حركة الأرض أسرع فكان يجب أن يبقى الإنسان على مكانه وأنه لا يمكنه الوصول إلى حيث يريد. فلما أمكنه ذلك علمنا أن الأرض غير متحركة لا بالاستدارة ولا بالاستقامة فهي ساكنة انتهى.
فصل
وقد ذكر الألوسي عن فيثاغورس وأتباعه أهل الهيئة الجديدة أنهم قالوا إن الأرض سابحة في الجو معلقة بسلاسل الجاذبية وقائمة بها.
ونقول أما قولهم إن الأرض سابحة في الجو فهذا باطل ترده الآيات والأحاديث الدالة على سكون الأرض وثباتها. ويرده أيضاً إجماع المسلمين على ثبات الأرض وسكونها. وقد تقدم كل ذلك فليراجع وأما قولهم إنها معلقة بسلاسل الجاذبية فهذا باطل يرده قول الله تعالى (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) وقوله تعالى (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) فالسماء قائمة بأمر الله تعالى وإمساكه لها من غير عمد والأرض قائمة بأمر الله تعالى وإمساكه لها من غير سلاسل.
стр. 55
وقد جعل الله ﵎ الأرض مركزاً ومستقراً للأثقال من جميع جهاتها. فلو سقط من السماء شيء ثقيل من أي جهة كانت لما استقر إلا في الأرض. وكذلك ما يسقط من الأثقال مما بين السماء والأرض فمقره الأرض. وقانون الجاذبية للأثقال ينتهي إلى المركز في جوف الأرض وهو وسط الأرض السابعة السفلى.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد أن ساق عدة أحاديث في إثبات سبع أرضين قال فهذه الأحاديث كالمتواترة في إثبات سبع أرضين والمراد بذلك أن كل واحدة فوق الأخرى والتي تحتها في وسطها عند أهل الهيئة حتى ينتهي الأمر إلى السابعة وهي صماء لا جوف لها وفي وسطها المركز وهي نقطة مقدرة متوهمة وهو محط الأثقال إليه ينتهي ما يهبط من كل جانب إذا لم يعاوقه مانع.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى إذا أهبط شيء إلى جهة الأرض وقف في المركز ولم يصعد إلى الجهة الأخرى. وقال أيضاً ما يهبط من أعلى الأرض إلى أسفلها وهو المركز لا يصعد من هناك إلى ذلك الوجه إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط إلى المركز.
وقال الشيخ أيضاً أهل الهيئة يقولون لو أن الأرض مخروقة إلى ناحية أرجلنا وألقي في الخرق شيء ثقيل كالحجر ونحوه لكان ينتهي إلى المركز حتى لو ألقي من تلك الناحية حجر آخر لالتقيا جميعاً في المركز ولو قدر أن إنسانين التقيا في المركز بدل الحجرين لالتقت رجلاهما ولم يكن أحدهما تحت صاحبه بل كلاهما فوق المركز انتهى.
والدليل على أن الأرض هي المركز الذي ينتهي إليه ما يهبط من السماء قول الله تعالى (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه) وقوله تعالى (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء) وقوله تعالى إخباراً عن مشركي قريش أنهم قالوا (أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً) وقوله تعالى إخباراً عن قوم شعيب أنهم قالوا (فأسقط علينا كسفاً من السماء إن كنت من الصادقين) والكسف القطع. وقوله تعالى (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم).
وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والبيهقي عن عبد الله بن عمرو رضي الله
стр. 56
عنهما قال قال رسول الله ﷺ «لو أن رصاصة مثل هذه وأشار إلى مثل الجمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل» الحديث. قال الترمذي هذا حديث إسناده حسن صحيح.
وروى الطبراني والأزرقي عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «البيت المعمور في السماء يقال له الضراح وهو على مثل البيت الحرام بحياله لو سقط سقط عليه» وإذا كانت الأرض مركزاً ومستقراً للأثقال من جميع جهاتها فمفارقتها لموضعها ممتنع فضلا عن دورانها على الشمس لأنها لو كانت تدور على الشمس لكانت تصعد في الجو مع عظم ثقلها وانتفى كونها مركزاً ومستقراً للأثقال. وهذا باطل ترده الآيات التي تقدم ذكرها مع حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
وترده أيضاً المشاهدة والمحسوس الذي يعرفه كل عاقل من كون الأرض مستقراً للأثقال من جميع نواحيها.
وهذا يدل على أنها قارة ثابتة لا تفارق موضعها والله أعلم.
فصل
وإذا علم ما ذكرنا من الآيات والأحاديث الدالة على جريان الشمس وسكون الأرض واستقرارها وما ذكرنا أيضاً من الإجماع على وقوف الأرض وسكونها فإنا نتحدى الصواف وأشباهه من العصريين المفتونين بأقوال أهل الهيئة الجديدة أن يأتوا بنص واحد من كتاب الله تعالى أو من سنة رسوله ﷺ يعارض ما ذكرنا من الأدلة. ولن يجدوا إلى ذلك سبيلا البتة. وغاية ما يعتمدون عليه ما روجه أهل الهيئة الجديدة من تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة وأقوالهم الباطلة التي تخالف مدلول الكتاب والسنة وإجماع المسلمين. ومن نبذ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وإجماع المسلمين وراء ظهره واعتمد على ما خالفها من زخارف أعداء الله تعالى وظنونهم فهو مصاب في دينه وعقله.
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة هم أولو العرفان
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فلان
стр. 57
وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) وقال تعالى (إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين) وقال تعالى (إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين. كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز).
فصل
وقد صرح بعض المحققين ب تكفير من يقول بحركة الأرض وسيرها . قال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه «المسائل الكافية. في بيان وجوب صدق خبر رب البرية» بعد الخطبة ما ملخصه:
أما بعد فيقول أسير ذنبه المفتقر لعفو ربه محمد بن يوسف المعروف بالكافي إنه ضمنا مجلس في منزل الفاضل شيخ القراء الشيخ محمد سليم الحلواني يوم الأضحى من سنة ١٣٥١ المنصرمة فسألني بعض الحاضرين عن حكم من يقول بحركة الأرض وسيرها فأجبته بأنه كافر فقال لي وبماذا تكفره فقلت له لتكذيبه الله تعالى في خبره لأن الله أخبر في عدة آيات بعدم تحركها والله يستحيل عليه الكذب وما في معناه.
فاستعظم الحاضرون مني ذلك وقالوا التكفير بعيد لأنه يلزم عليه تكفير كثير من الناس.
وكان من جملة الحاضرين شيخ كبير فقال التكفير دونه خرط القتاد. والذي يظهر لي أنه تلفظ بهذه الجملة ولم يفقه معناها فخطر ببالي بعد انصرام المجلس أن أجمع مسائل رأيت بعضها منصوصاً وسمعت البعض الآخر وكلها على خلاف عقائد المسلمين من حيث إن فيها تكذيب خبر رب العالمين تعالى عن ذلك علواً كبيراً. وأن أبين الحق فيها الذي يجب اعتقاده. وذكرت قبل المسائل تتمات يحتاج إليها الناظر في المسائل. ثم قال:
(التتمة الأولى) متعلقة بالقرآن العظيم من حيث إنه قرآن عربي غير ذي عوج فلا يعدل في بيان مفرداته وجمله عما يقتضيه لسان العرب فمن عدل به عن ذلك فقد ألحد في آيات ربه.
стр. 58
(التتمة الثانية) أن ما أكتبه هو نقل صريح بحت لا دخل للعقل فيه ولا للتخمين أيضاً فمن كان له ساعد قوي وأراد معارضتي في شيء مما أكتبه فليعارضني بنقل صريح من مادة ما أنقله. أعني إذا ذكرت آية أو حديثاً أو قول بعض العلماء. فليعارضني بآية أو حديث أو قول بعض العلماء على سبيل اللف والنشر المرتب.
وأما إذا ذكرت آية أو حديثاً وعارضني بقول أحد العلماء مجرداً عما يعضده من آية أو حديث فمعارضته مردودة عليه لا يصغى إليها ولا ينظر فيها.
(التتمة الثالثة) أن مرادي بما أكتبه هو تنبيه وإيقاظ من يكون في اعتقاده شك أو ريب فيما يعتقده المسلمون. والحال أن أصوله مسلمون ولكن لتربيته على يد غير المسلمين أو لمطالعته كتب غير المسلمين اكتسب هذا الاعتقاد المخرج له عن دائرة الإسلام فلعله إذا اطلع على ما أنقله وأسطره يرجع إلى حوزة الإسلام ويكون فرداً من أفراد المسلمين وما ذلك على الله بعزيز.
(التتمة الرابعة) اتفق العلماء على أن من قال قولا أو اعتقد اعتقاداً يوجب تكذيب الله تعالى في خبره كحركة الأرض وسيرها المخبر الله تعالى بعدم حركتها أو قال أو اعتقد أن السماء جو وفضاء لا بناء المخبر الله تعالى بأنها بناء شديد وسقف محفوظ لا يحكم عليه بالكفر بمجرد ذلك بل يحكم عليه إذا وقف على عقيدة المسلمين في تلك العقيدة أو العقائد وعاند ولم يرجع إلى معتقد المسلمين.
ثم شرع الشيخ الكافي في ذكر المسائل إلى أن قال:
(المسألة الموفية عشرين) الأرض من حيث حركتها وسكونها عقيدة المسلمين الذين لم تشرب قلوبهم حب أهل الكفر أنها ساكنة وثابتة ومرساة بالجبال كإرساء البيت بالأوتاد وكإرساء السفن في مرساها لربطها بالحبال في الأوتاد أو إنزال المخاطيف الهائلة من الحديد فتنزل في الأرض فتكون لها كالأوتاد للبيت أو يجعل فيها الأجرام الثقيلة لتثقل بها حتى لا تميد في مرساها أي لا تتحرك يميناً ولا شمالاً ولا أماماً ولا خلفاً وهذا هو الذي أراد الله تعالى في إرساء الأرض بالجبال بحيث لا تتحرك أصلا أي لا حركة منتظمة ولا غير منتظمة. قال الله تعالى ممتنا على عباده (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم) ومعلوم أن القرآن نزل بلسان العرب. وتقدم في التتمات أن من أخرج مفرداته وجمله
стр. 59
عما يقتضيه لسانهم فقد ألحد في آيات ربه تعالى في مختار الصحاح ماد تحرك ومادت الأغصان تمايلت وماد الرجل تحرك.
وفي القاموس ماد يميد ميداً وميداناً تحرك وزاغ وزكا والسراب اضطرب والرجل تبختر. أ. هـ محل الحاجة منه.
في المختار مار من باب قال تحرك وجاء وذهب ومنه قوله تعالى (يوم تمور السماء موراً) قال الضحاك تموج موجاً. وقال أبو عبيدة والأخفش تكفأ.
في القاموس والمور الموج والاضطراب والجريان على وجه الأرض والتحرك.
في المختار ماج البحر من باب قال اضطربت أمواجه.
في القاموس الموج اضطراب أمواج البحر.
في القاموس واضطرب تحرك وماج.
في المختار رسا الشيء ثبت وبابه عدا ومرسى أيضاً بفتح الميم ورست السفينة وقفت على الانجر وبابه عدا وسما.
قلت قال الأزهري في نجر الأنجر مرساة السفينة وهو اسم عراقي وقوله تعالى (بسم الله مجراها ومرساها) سبق في جرى. والمرساة التي ترسي بها السفينة تسميه الفُرس لنكر. والرواسي من الجبال الثوابت الرواسخ واحدتها راسية.
في القاموس رسا رَسُوا ورُسُوا ثبت كارسي والسفينة وقفت على الانجر وارسيته, وقال والمرساة أنجر السفينة, وقال وألقت السحاب مراسيها استقرت. وقال وقدور راسية لا تبرح مكانها لعظمها أ. هـ.
وقال تعالى (ألم نجعل الأرض مهاداً. والجبال أوتادا) في القاموس الوتد وبالتحريك وككتف ما رز في الأرض أو الحائط من الخشب. وقال وأوتاد الأرض الجبال أ. هـ.
فالسفينة إما جارية وإما راسية ولا واسطة بين الحالتين لها.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في تفسير قوله تعالى (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها) الآية. قال كان إذا أراد أن ترسى قال بسم الله فأرست وإذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت, في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى (يوم تمور السماء موراً) أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في
стр. 60
قوله تعالى (يوم تمور السماء موراً) قال تحرك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله (يوم تمور السماء موراً) قال تدور دوراً أ. هـ.
وفي الدر المنثور على قوله تعالى (وألقى في الأرض رواسي) أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق قتادة عن الحسن عن قيس بن عباد قال إن الله لما خلق الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة ما هذه بمقرة أحداً على ظهرها فأصبحت صبحاً وفيها رواسيها فلم يدروا من أين خلقت أ. هـ محل الحاجة.
وفيه أيضاً وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى في سورة لقمان (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) قال حتى لا تميد بكم كانوا على الأرض تمور بهم لا يستقر بها فأصبحوا صبحاً وقد جعل الله الجبال وهي الرواسي أوتاداً في الأرض أ. هـ.
في تفسير ابن عباس ﵄ في سورة والنازعات (والجبال أرساها) أوتدها.
وفيه أيضاً في تفسير سورة النبأ (والجبال أوتاداً) لها لكي لا تميد بهم.
وفيه أيضاً في تفسير سورة النحل على قوله تعالى (وألقى في الأرض رواسي) الجبال الثوابت (أن تميد) لكي لا تميد (بكم) الأرض أ. هـ.
والعرب لا تفهم من الأوتاد إلا ثبوت ما ربط بها ولا من الإرساء إلا ثبوت المرسى بها.
وسأذكر عقيدة داروين في الأرض وفي آدم ﵊. قال أبو السعود على قوله تعالى (وجعل فيها رواسي) أي جبالا ثوابت في أحيازها من الرسو وهو ثبات الأجسام الثقيلة.
وقال في قوله تعالى (وألقى في الأرض رواسي) أي جبالا ثوابت (أن تميد بكم) كراهة أن تميد بكم وتضطرب أو لئلا تميد بكم فإن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة الطبع وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك أو تتحرك بأدنى سبب محرك فلما خلقت الجبال تفاوتت حافاتها وتوجهت الجبال بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد, وقيل لما خلق الله الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة ما هي بمقرة أحداً على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال أ. هـ.
стр. 61
قال الرازي على قوله تعالى (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) أي جبالا راسية أن تميد بكم أي كراهة أن تميد بكم. وقيل المعنى أن لا تميد بكم.
واعلم أن الأرض ثباتها بسبب ثقلها وإلا كانت تزول عن موضعها بسبب الماء والرياح ولو خلقها مثل الرمل لما كانت تثبت للزراعة كما ترى الأرض الرملية ينتقل الرمل الذي فيها من موضع إلى موضع.
ثم قال تعالى (وبث فيها من كل دابة) أي فلكون الأرض فيها مصلحة حركة الدواب أسكنا الأرض وحركنا الدواب ولو كانت الأرض متزلزلة وبعض الأراضي لا يناسب بعض الحيوانات لكانت الدابة لا تعيش في موضع تقع في ذلك الموضع فيكون فيه هلاك الدواب. أما إذا كانت الأرض ساكنة والحيوانات متحركة تتحرك في المواضع التي تناسبها وترعى فيها وتعيش فيها فلا أ. هـ.
وقال في سورة الأنبياء (المسألة الثانية) الرواسي الجبال والراسي هو الداخل في الأرض.
«المسألة الثالثة» قال ابن عباس ﵄ أن الأرض بسطت على الماء فكانت تتكفأ بأهلها كما تتكفأ السفينة لأنها بسطت على الماء فأرساها الله بالجبال الثقال أ. هـ.
قال مفتي الثقلين في سورة النبأ (ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً) لها أرساها بها كما يرسى البيت بالأوتاد أ. هـ.
وقال في سورة والنازعات. والجبال منصوب بمضمر يفسره أرساها أي أثبتها وأثبت بها الأرض أن تميد بأهلها. وهذا تحقيق للحق وتنبيه على أن الرسو المنسوب إليها في مواضع كثيرة من التنزيل بالتعبير عنها بالرواسي ليس من مقتضيات ذواتها بل هو بإرسائه ولولاه ما ثبتت في أنفسها فضلا عن إثباتها الأرض أ. هـ.
قال البيضاوي في سورة الرعد (وهو الذي مد الأرض) بسطها طولا وعرضاً تثبت فيها الإقدام وينقلب عليها الحيوان (وجعل فيها رواسي) جبالا ثوابت من رسا الشيء إذا ثبت جمع راسية. وقال في سورة النحل (وألقى في الأرض رواسي) جبالا رواسي (أن تميد بكم) كراهة أن تميد بكم وتضطرب وذلك لأن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة الطبع وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك أو أن تتحرك بأدنى سبب للتحريك فلما خلقت الجبال على وجهها تفاوتت جوانبها
стр. 62
وتوجهت الجبال بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة. وقيل لما خلق الله الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة ما هي بمقرة أحداً على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال أ. هـ.
فمن قال واعتقد أنها متحركة وسائرة بانتظام تقليداً لداروين ولمن كان على مذهبه وتاركاً لعقيدة المسلمين واستمر مصمماً على ذلك يكفر لتكذيبه الله تعالى في خبره (والجبال أرساها) (والجبال أوتاداً).
ثم قال الشيخ الكافي.
(المسألة الحادية والعشرون) أذكر فيها ما كتبته في «الأجوبة الكافية. على الأسئلة الشامية» ورددت به مقالة في منار رشيد رضا وأدرج فيها ما قاله داروين في شأن الأرض وفي شأن آدم ﵊.
قال صاحب المنار في صفحة ٥٧٧ من الجزء الرابع عشر «علم الفلك والقرآن. نظرة في السموات والأرض». وفي صفحة ٥٥٨ «ما هي هذه الأرض التي نعيش عليها. هي كوكب من الكواكب التي تدور بمركز الشمس وتسمى بالسيارات.
أقول يعتقد صاحب هذا الكلام أن الأرض متحركة طائفة بمركز الشمس وليست راسية. ومائدة وليست بثابتة. وسابحة وليست موثقة بالجبال. وهذا مذهب داروين الطبيعي ومن تبعه كأصحاب هذه المجلة.
قال داروين في كتاب النشو والارتقاء في صفحة ٢٣٨ أن الأوهام التي تقاضت الإنسان حياته زمناً طويلا وكانت أعظم أسباب شقائه ودواعي عنائه اثنان عظيمان وهما. أولا اعتقاده القديم في الأرض أنها مركز تدور حوله الأفلاك. وثانياً اعتقاده في نفسه أنه من أصل سماوي فأهبطه الخالق من فسيح جنانه ولم ذا, وأسكنه ضيق أرضه - إلى أن قال - ومنها أرضنا المتحركة حول مركز الشمس خلافاً لمن يظن أن الأرض ثابتة والشمس تدور حولها خدمة لها أ. هـ.
واعتقاد المسلمين كافة بأن الأرض ثابتة تبعاً لما امتن الله به علينا بقوله في سورة لقمان (خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) أي لئلا تميد بكم.
стр. 63
وفي عم يتساءلون (ألم نجعل الأرض مهاداً. والجبال أوتاداً) وفي النازعات (والأرض بعد ذلك دحاها, أخرج منها دماءها ومرعاها. والجبال أرساها) وغير ذلك من الآيات الدالة على ثبوت الأرض وعدم تحركها.
في مختار الصحاح ماد الشيء تحرك. وفي القاموس ماد يميد ميداً وميداناً تحرك وزاغ. وفيه رسا رسوا ثبت كارسي.
فالله أخبر بثبوتها وعدم تحركها وطوافها حول مركز الشمس. وداروين ومن تبعه أخبروا بحركتها وطوافها حول مركز الشمس. فمن هو العالم بوصفها الحقيقي. الجواب. الله (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير). فمن الصادق في خبره, الجواب. الله الصادق (ومن أصدق من الله حديثاً).
فإذا ثبت هذا فمن الواجب اتباعه في خبره. الجواب اتباع خبر الله تعالى لأن خبره صدق يستحيل عليه الكذب وما في معناه وطرح خبر الغير وراء الظهر.
ومعتقد خلاف دين المسلمين كافر بلا ريب. ثم اتل قوله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا).
ثم قال الشيخ الكافي:
(المسألة الثانية والعشرون) في تحقيق أن من قال بحركة الأرض يعد مكذباً الله تعالى في خبره عقلا أيضاً وذلك أن الوصفين إما أن يكون بينهما التماثل كالبياض وبياض آخر. وإما أن يكون بينهما مطلق المغايرة كالقيام والضحك. وإما أن يكون بينهما التضاد. وإما أن يكون بينهما التناقض. فالمثلان لا يحتاجان إلى تعريف. وأما الخلافان فحقيقتهما هما اللذان يجتمعان كأن يكون الشخص قائماً يضحك. ويرتفعان كأن يكون جالساً يبكي, وأما الضدان فهما الأمران الوجوديان كالبياض والسواد لا يجتمعان كأن يكون الشيء أبيض أسود في آن واحد, وقد يرتفعان كأن يكون الشيء أصفر أو أخضر مثلاً. وأما النقيضان فهما الأمران الوجوديان اللذان بينهما غاية الخلاف لا يجتمعان ولا يرتفعان بل أحدهما ثابت ولا بد وذلك كزيد قائم, زيد ليس بقائم. أو الأرض ساكنة, الأرض ليست بساكنة. أو الأرض متحركة. الأرض ليست بمتحركة, فإذا صدق
стр. 64
أحد المتناقضين كذب الآخر ولا يمكن صدقهما معاً ولا كذبهما معاً. فإذا تقرر هذا فنقول إذا ثبت للأرض السكون انتفى عنها عدم السكون وهو مساوٍ للحركة وهو خبر الله تعالى. وإن ثبت للأرض الحركة انتفى عنها عدم الحركة وهو مساوٍ للسكون لأنه يلزم لزوماً بينا من انتفاء النقيض انتفاء المساوي له. وهذا الشق الأخير باطل قطعاً ومعتقده كافر كما تقدم انتهى كلام الكافي.
فصل
وقد استدل بعض العصريين على ما زعموه من حركة الأرض ودورانها على الشمس بقول الله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) الآية. وهذا من الإلحاد في آيات الله تعالى وتحريف الكلم عن مواضعه لأن الآية إنما سيقت في ذكر ما يكون يوم القيامة. وقد بين الله ذلك بقوله (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين) ثم قال تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون. من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون, ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون).
فدلت هذه الآية على أن مرور الجبال مثل مر السحاب إنما يكون يوم القيامة لا في الدنيا. وقد أوضح الله ذلك في آيات كثيرة من القرآن كقوله تعالى (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً) وقوله تعالى (إن عذاب ربك لواقع. ماله من دافع. يوم تمور السماء موراً. وتسير الجبال سيراً. فويل يومئذ للمكذبين) قوله تعالى (إذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت) الآيات إلى قوله تعالى (علمت نفس ما أحضرت). وقوله تعالى (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً. فيذرها قاعاً صفصفاً. لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا. يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً. يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا) وقوله تعالى (فإذا
стр. 65
النجوم طمست. وإذا السماء فرجت. وإذا الجبال نسفت. وإذا الرسل أقتت. لأي يوم أجلت. ليوم الفصل. وما أدراك ما يوم الفصل. ويل يومئذ للمكذبين) وقوله تعالى (القارعة ما القارعة. وما أدراك ما القارعة. يوم يكون الناس كالفراش المبثوث. وتكون الجبال كالعهن المنفوش) وقوله تعالى (إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة. خافضة رافعة. إذا رجت الأرض رجاً. وبست الجبال بساً. فكانت هباء منبثاً. وكنتم أزواجاً ثلاثة) وقوله تعالى (إن يوم الفصل كان ميقاتاً. يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً. وفتحت السماء فكانت أبواباً. وسيرت الجبال فكانت سراباً) فدلت هذه الآيات مع الآيات من سورة النمل على أن زوال الجبال من أماكنها ومرورها مثل مر السحاب وذهابها بعد ذلك بالكلية إنما يكون يوم القيامة لا في الدنيا.
وبعد تحرير هذا الموضع رأيت فيه كلاماً حسناً لعالمين فاضلين أحدهما الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي. والآخر الشيخ محمد الحامد خطيب جامع السلطان بحماة رد كل منهما على من قال أن الآية من سورة النمل تدل على دوران الأرض وحركتها, وقد رأيت أن أسوق كلامهما ههنا لما فيه من بيان الحق ورد الباطل.
فأما الشيخ محمد بن يوسف الكافي فقال في كتابه «المسائل الكافية. في بيان وجوب صدق خبر رب البرية» ما نصه:
(المسألة الثالثة والعشرون) أقول رأيت في كلام بعضهم الاستدلال على حركة الأرض بقوله (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) واغتر بكلامه كثير ممن لا اطلاع لهم وهو جهل منه بزمن مرورها مر السحاب. وذلك أن زمن مرورها مر السحاب وبسها حتى تكون كالهباء وتسييرها حتى تكون كالسراب هو زمن خراب العالم وزمن قيام الساعة. ولكن من لم يخش ربه يفسر القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار.
قال حبر هذه الأمة في تفسير قوله تعالى (وترى الجبال) يا محمد في النفخة الأولى (تحسبها جامدة) ساكنة مستقرة (وهي تمر مر السحاب) في الهواء.
وقال في تفسير قوله تعالى (إذا رجت الأرض رجاً) إذا زلزلت الأرض زلزلة حتى ينطمس كل بنيان وجبل عليها فيعود فيها (وبست الجبال بساً) سيرت الجبال على
стр. 66
وجه الأرض كسير السحاب. ويقال قلعت قلعاً. ويقال جثت جثاً. ويقال فتت فتا تبس كما يبس السويق أو علف البعير.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﵄ في قوله (إذا رجت الأرض رجاً) قال زلزلت (وبست الجبال بساً) قال فتت (فكانت هباء منبثاً) قال كشعاع الشمس انتهى. وأما الشيخ محمد الحامد فقال في كتابه المسمى «ردود على أباطيل وتمحيصات لحقائق دينية» بعد كلام سبق ما نصه أننا حين ننظر في الآية الكريمة التي ذكر الله فيها الأرض والشمس والقمر والنجوم نخرج بالفهم الصحيح الذي فهمه النبي الكريم وأصحابه صلوات الله تعالى وتسليماته عليه وعليهم أجمعين, ومعاذ الله أن يفهموا خطأ ويفهم غيرهم صواباً. لكن قد اقتحم بعض الجرءآء على الله هذه اللجة فزعم أن قوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) يدل على دوران الأرض وحركتها وهو استدلال غير صحيح وتفسير غير مقبول. وإليك البيان.
أن الاستدلال بهذه الآية الكريمة على حركة الأرض متوقف على أن لا يكون سباق وسياق يفيدان غير ما يفهم المستدل. ومتوقف أيضاً على أن لا يوجد نص آخر يعترض. وكلا الأمرين موجود ههنا فالاستدلال إذا غير سليم والنظر ليس بسديد.
أما الأول فإن السباق - وهو أول الكلام - والسياق - وهو آخره - يفيدان أن مرور الجبال مر السحاب إنما يكون يوم القيامة إذ أن الآية واردة في وصفه قال الله تعالى (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين. وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون. من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون. ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون).
فالآيات في القيامة كما هو ظاهر لا في هذه الدنيا, وكم في الآي من سباق وسياق يتعين بهما معنى لا يمكن المحيد عنه على أن الله تعالى ذكر سير الجبال يوم القيامة في غير موضع من كتابه الكريم فقال سبحانه في سورة الكهف الشريفة (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً) وقال تعالى في سورة التكوير (وإذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت. وإذا الجبال سيرت. وإذا العشار عطلت)
стр. 67
الآيات الكريمات, وبهذا البيان يبطل الاستشهاد بالآية على حركة الأرض.
وأما الثاني وهو أن لا يوجد نص معترض. فإنا لو نظرنا إلى الفكرة من حيث هي نظراً شرعياً صرفاً لما استطعنا إلا المصير إلى ما تقرره النصوص القرآنية المانعة منها.
إن القرآن قائل بثبات الأرض. وما أصرح قوله سبحانه (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) وقوله في مكان آخر (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم) والميد هو التحرك كما تدل عليه نصوص اللغة.
وقال الله تعالى (ألم نجعل الأرض مهاداً. والجبال أوتاداً) هؤلاء الآيات يدللن دلالة واضحة على تثبيت الله الأرض بالجبال لئلا تتحرك.
والقول بأن تثبيتها بالجبال لا ينافي حركتها كالسفينة المثقلة بما يحفظ عليها توازنها مع سيرها في اللجة فيه من التكلف البارد ما يأباه الذوق الإسلامي وترفضه البلاغة القرآنية إذ هو دخول في مأزق من التأويل يصرف النص عن المتبادر منه من غير حاجة تدعو إليه فهو في الحقيقة تلاعب لا تأويل يقوم على أسس صحيحة.
هذا وكما قرر القرآن ثبات الأرض قرر حركة الشمس والقمر وجريانهما حولها قال الله تعالى (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) والتنوين في «كل» تنوين عوض أي كل منهما الشمس والقمر ولا ذكر للأرض.
وقال الله ﵎ (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم, والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم, لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون).
فقد أثبت للشمس جريانا وهو الحركة الانتقالية. أما الحركة الرحوية - أي المحورية على حد تعبير الفلكيين - فلا تسمى جرياناً في لغة العرب بل دوراناً. والنص ناطق بالجريان ثم قال الشيخ محمد الحامد.
ويتضح من مجموع ما ذكرنا في هذا الفصل أن البرهان العلمي لا يساعد على القول بحركة الأرض بل هو معين لثباتها وأن الحركة للشمس والقمر. وأن حمل بعض الآيات الشريفة على غير ما تدل مجموعة النصوص عليه مما هو يعد موضع أخذ ورد عند الفلكيين أنفسهم فيه من الجراءة على القول في القرآن بغير علم ما لا يخفى وقد قال
стр. 68
سيدنا رسول الله صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعلى آله «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار».
ولما سئل أبو بكر الصديق ﵁ عن معنى الأب في قوله ﵎ (وفاكهة وأبا) لم يرد وجعل يقول «أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله برأيي» وكذلك يجب أن يكون المسلم هيابا لله تعالى وقافا عند حدوده سبحانه. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
فصل
ومن أغرب الاستدلال على حركة الأرض وسيرها بل من أقبح التهور والجراءة على القول في كتاب الله بغير علم ما نقله الشيخ محمد بن يوسف الكافي عن محمد بخيت المطيعي الذي كان مفتيا لمصر فيما سبق.
وقد تعقبه الشيخ الكافي ورد عليه ردا وافيا كافيا. وأنا أذكر ههنا كلام المطيعي والرد عليه. وقد زدت في بعض المواضع منه زيادات صدرتها بكلمة «قلت» ليعلم أنها ليست من كلام الكافي والله الموفق.
قال الشيخ الكافي في كتابه «المسائل الكافيّة. في بيان وجوب صدق خبر رب البرية».
(المسألة الخامسة والسبعون) اتصل بيدي منذ خمسة أيام رسالة تسمى «تنبيه العقول الإنسانية. لما في آيات القرآن من العلوم الكونية والعمرانية» تأليف محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية سابقا. اخترع فيها علوما لم يسبق بمثلها وادعى أن القرآن العظيم يدل على ما اخترعه. ولمز من تقدمه من عصر النبوة إلى قبل عصره بالقصور والجهل وتقليد علماء اليونان في سكون الأرض. فأردت تتبع بعض ما اخترعه فإن وجدت القرآن العظيم يدل عليه تصريحا أو تلويحا قبلته وكرامة. وإن وجدته أخذه من علوم الغربيين والقرآن بريء منه رددته ولا ندامة. ويوم القيامة يفصل بينه وبين من لمزهم وهم برءاء.
وفي صحيح الأخبار «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار».
стр. 69
ثم إني أذكر المبحث الذي يتكلم فيه بتمامه ثم أكر عليه نقضاً والله المعين لي على ذلك.
ثم قال الشيخ الكافي.
(المسألة السادسة والسبعون) قال المفتي.
(دوران الأرض وأخذه من القرآن) قال تعالى (الذي جعل لكم الأرض فراشا) وقال (أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا) وقال (جعل لكم الأرض مهدا) وقال (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا) وقال في سورة الأنبياء (كل في فلك يسبحون) وفي سورة يس (وكل في فلك يسبحون) وقال (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء).
وكل هذه الآيات تدل بظاهرها على أن الأرض متحركة ودائرة كما هو قول فيثاغورس قديما وقول علماء الهيئة اليوم. وذلك أنه ثبت بالمشاهدات الصحيحة أن الأرض على شكل كرة مفرطحة نحو قطبيها منتفخة عند خط الاستواء. وقد أطبق المحققون من المفسرين وجميع علماء الكلام وفلاسفة الإسلام على أن الأرض كرة وعدوا إنكار ذلك مكابرة فمن أقام الدليل على خلاف ذلك فقد أراد التشكيك في اليقينيات وكابر نفسه وأنكر حسه فلا يعول عليه ولا يلتفت إليه. فكان انتفاخها نحو خط الاستواء وتفرطحها نحو القطبين دليلا حسيا يدل على أن الأرض كانت سائلة في مبدأ خلقها وأنها متحركة بحركة رحوية ودائرة على محورها وذلك لأن الكرة إذا كانت صلبة كالتي من العاج مثلا لا يتغير شكلها ولو دارت على محورها قرونا كثيرة. وأما إذا كانت سائلة أو عجينة انتفخت نحو وسطها وتفرطحت نحو قطبيها وبذلك جمدت قشرتها أيضا وبردت ولو كانت ساكنة لبقيت جرما غازيا سائلا فلا تصلح لأن تكون فراشا ولا مهدا ولا ذلولا فثبت بذلك حركتها على محورها التي بها يتعاقب الليل والنهار.
وأما حركتها حول الشمس فسببها أن الشمس أكبر جرما من الأرض أضعافا مضاعفة وكلما كان الجرم أكبر كان أكثر وأقوى جاذبية من الأصغر. فالشمس هي التي تجذب الأرض إليها من كل الجوانب لما تقرر على وجه ما ذكر في علم رفع الأثقال بالتجربة العلمية الصحيحة وبذلك تبين أن هذه الآيات بظاهرها تدل على أن الأرض ليست
стр. 70
منقادة إلى حركة رحوية بها تدور على محورها ويتكون منها تعاقب الليل والنهار فقط بل تتحرك أيضا حركة أخرى حول الشمس تتكون منها السنة وفصولها. وأما قوله تعالى (كل في فلك يسبحون) فوجه دلالته أن القاعدة العربية في الضمير الذي يعود على المضاف إليه الذي ناب عنه التنوين في لفظ كل أنه يجوز فيه الإفراد والتثنية إن كان مرجع الحقيقي مثنى فالتثنية لمراعاة المعنى والإفراد لمراعاة اللفظ وقد جاء الضمير في قوله (يسبحون) جمعا فكان مرجعه جمعا وعلى هذا اتفق المفسرون غير أنهم أولوا ذلك بتآويل شتى ما دعاهم لارتكابها إلا اعتقاد ما قاله البطليموسية من اليونان من أن الأرض ساكنة مع أنه لم يقم دليل على سكون الأرض بل الدليل قائم على دورانها فلا داعي للتأويل بل يجب أن تبقى الآيتان على ظاهرهما ويعود الضمير على الأجرام الثلاثة التي هي الأرض والشمس والقمر. وممن استدل على دوران الأرض في تفسيره بهاتين الآيتين وبقوله تعالى (الذي جعل لكم الأرض فراشا) ونظائرها من الآيات صاحب كشف الأسرار النورانية القرآنية.
وأما قوله تعالى (وترى الجبال تحسبها جامدة) الآية فوجه دلالتها على دوران الأرض أن معناها أنا نرى الجبال نظنها بحسب ما يتراآى لنا ساكنة وهي في الواقع ونفس الأمر تمر مر السحاب وتسير سيرا حثيثا وما ذلك إلا لأن الأرض متحركة بحركة سريعة جدا والجبال تسير وتتحرك تبعا لها لأنه لا جائز أن تكون الجبال متحركة هذه الحركة وحدها والأرض ساكنة لأنه لو كان الأمر كذلك لانفصلت الجبال عن الأرض وهو خلاف المشاهد فتبين أن حركتها إذاً هي بالتبعية لحركة الأرض ولا جائز أن يكون ما نراه على الوجه الذي جاءت به الآية وقت النفخة الأولى أو النفخة الثانية كما قيل بذلك لأنه في كل الوقتين لا يكون هناك بقاء ولا وجود للجبال على الأرض على الوجه الذي يلائمه قوله تعالى في الآية (صنع الله الذي أتقن كل شيء) لأن يوم النفختين هو اليوم الذي ترجف فيه الجبال وتكون كثيبا مهيلا وهو اليوم الذي ينسف الله فيه الجبال نسفا. فيذرها قاعا صفصفا. لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. وهو اليوم الذي تكون فيه الجبال كالعهن المنفوش والناس كالفراش المبثوث. إلى غير ذلك من الأحوال والأهوال التي لا تناسب أن يقال ويخاطب كل من يصح منه الرؤية (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء) لأن مثل هذا القول إنما
стр. 71
يقال لحض الناس المخاطبين على النظر في ذلك الصنع المتقن والتفكير فيما اشتمل عليه من الحكم ليزدادوا إيماناً ويقينا وليس يوم النفختين صالحا لمثل هذا.
إذا علمت كل ما قلناه في خلق السموات والأرض تعلم أن العاقل المنصف إذا نظر في هذه اللطائف التي اشتملت عليها تلك الآيات القرآنية وما دلت عليه من تدبير الصانع الحكيم نظر منصف مجردا عن التعصب علم علما يقينا واعتقد اعتقادا جازما أن القرآن قد اشتمل على كثير من مباحث العلوم العمرانية والكونية وأن كل ما قيل غير ذلك فرية بلا مرية كيف وقد دلت على أن الله تعالى حكيم مقتدر عليم حيث جعل الأرض كرة دائرة لتكون فراشا ومهدا وذلولا أ. هـ.
قال الشيخ الكافي في الرد على المطيعي.
(المسألة السابعة والسبعون).
(قوله) دوران الأرض وأخذه من القرآن.
(لا يصح) كما تقف عليه إن شاء الله تعالى.
(قوله) قال الله تعالى (الذي جعل لكم الأرض فراشا) إلى قوله وكل هذه الآيات تدل بظاهرها على أن الأرض متحركة ودائرة.
(لا يصح) لأن الآيات تدل دلالة صريحة على أن الأرض ثابتة غير دائرة ليتم الاستقرار عليها وتثبت عليها أرجل الحيوانات وتكون مهدا وفراشا وبساطا وذلولا وقرارا إذا كانت ثابتة غير متحركة وأما إذا كانت متحركة وحركتها في السرعة كحركة السحاب الذي تذروه الرياح فلا عاقل يقول إنها بهذه الصفة تكون مهدا وقرارا إلى آخر ما ذكر ثم ذكر الكافي كلام الرازي على قول الله تعالى (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) وقد تقدم ذكره قريبا في أول ما نقلنا من كلام الكافي فليراجع.
وتقدم أيضا الاستدلال بالآيات من سورة البقرة وسورة النمل وسورة الزخرف وسورة الملك على ثبات الأرض واستقرارها والاستدلال بالآيتين من سورة الأنبياء وسورة يس على جريان الشمس في الفلك وكلام المفسرين في ذلك فليراجع فالعمدة عليه لا على كلام الملحدين في آيات الله تعالى المحرفين للكلم عن مواضعه كالمطيعي وأشباهه من تلامذة الإفرنج ومقلديهم.
стр. 72
ثم قال الكافي في الرد على المطيعي.
(قوله) كما هو رأي فيثاغورس قديما وقول علماء الهيئة اليوم.
(لا يكون) حجة في الموضوع لأن الموضوع الذي التزمه أن القرآن يؤخذ منه حركة الأرض. وقول فيثاغورس ومن معه ليس بقرآن.
(قوله) وذلك أنه ثبت بالمشاهدات الصحيحة إلى قوله عند خط الاستواء.
(لا ينجح) في الموضوع لأنه لم يؤخذ ذلك من القرآن.
(قوله) وقد أطبق المحققون إلى قوله ولا يلتفت إليه.
(خارج) عن موضوع البحث وهو دوران الأرض وأخذه من القرآن فلا فائدة فيه.
(قوله) فكان انتفاخها نحو خط الاستواء وتفرطحها نحو القطبين دليلا حسيا على أن الأرض كانت سائلة في مبدأ خلقها.
لا يؤخذ ذلك من القرآن (وهو غيب عنا فيحتاج إلى وحي يسفر على ما ادعاه ولا وحي. والذي تدل عليه الآيات والآثار أن الله تعالى خلق الأرض على الوصف الذي نشاهده لا أنها انتقلت من طور إلى طور كأطوار الجنين في بطن أمه).
(قوله) وأنها متحركة إلى قوله وتفرطحت نحو قطبيها.
(لا يؤخذ) من القرآن فلا يعول عليه كما تقدم.
(قوله) وبذلك جمدت قشرتها أيضا وبردت (لا يؤخذ من القرآن أيضا كما هو موضوع كلامه فلا ينظر إليه).
(قوله) ولو كانت ساكنة لبقيت جرماً غازياً سائلاً.
(غير صحيح) بل هي ساكنة. ودعوى كون جرمها غازيا سائلا دون إثباته خرط القتاد لأن ذلك من الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا من طريق الوحي ولا وحي.
(قوله) فلا تصلح لأن تكون فراشا ولا مهدا ولا ذلولا.
(غير صحيح) بل لا تصح لأن تكون مهدا وذلولا وفراشا إلا إذا كانت ساكنة كما هو المعقول والمنقول.
(قوله) فثبت بذلك حركتها على محورها التي بها يتعاقب الليل والنهار.
(لا يثبت) إلا عنده وعند من يتخيل تخيلاته.
(قوله) وأما حركتها حول الشمس إلى قوله العملية الصحيحة.
(لا يصح) لأن أصل الحركة لها غير ثابت فضلا عن حركتها حول الشمس لأنه
стр. 73
لا دليل على ما ذكره من القرآن المدعى أنه يثبت دوران الأرض من القرآن فلم يثبته لنا ثبوتا مسلما ولن يستطيع أن يثبته.
قلت وزعم المطيعي تقليدا لأهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج أن جرم الشمس أكبر من الأرض بأضعاف مضاعفة لا دليل عليه من كتاب ولا سنة وإنما يعتمد أهل الهيئة الجديدة في ذلك على نظاراتهم وآرائهم وتخرصاتهم وظنونهم التي لا تغني من الحق شيئا.
والظاهر من أدلة الكتاب والسنة أن جرم الأرض أكبر من الشمس والقمر والنجوم وسيأتي إيراد الأدلة على ذلك مع الكلام على بطلان الهيئة الجديدة إن شاء الله تعالى.
وأما زعمه أن الشمس تجذب الأرض إليها من كل الجوانب. فهو قول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح. وما ليس عليه دليل فليس عليه تعويل.
وقد جاء في عدة أحاديث صحيحة أن الشمس تدني من الأرض يوم القيامة. وفي بعضها أنها تكون من الناس بقدر ميل. وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث مع الأدلة على ثابت الأرض فلتراجع ففيها إبطال لما زعمه المطيعي وسلفه أهل الهيئة الجديدة من جاذبية الشمس للأرض.
ولو فرضنا أن بين الأرض والشمس جاذبية لكانت للأرض لا للشمس لأن الشمس هي التي تجري وتدور على الأرض. وإذا كان يوم القيامة أدنيت من الأرض حتى تكون من الناس بقدر ميل ثم تكور هي والقمر ويرمى بهما في البحر كما تقدم ذلك في حديث ابن عباس ﵁ والله أعلم.
ثم قال الشيخ الكافي في الرد على المطيعي.
(قوله) وبذلك تبين أن هذه الآيات بظاهرها تدل على أن الأرض ليست منقادة إلى حركة رحوية بها تدور على محورها ويتكون منها تعاقب الليل والنهار فقط بل تتحرك أيضا حركة أخرى حول الشمس تتكون منها السنة وفصولها.
(غير صحيح) لأن الآيات التي ذكرها لم تدل بظاهرها ولا بباطنها ولم تشعر مطلق إشعار بأن الأرض تتحرك على محورها ويتعاقب الليل والنهار بسبب تلك الحركة.
стр. 74
ومن باب أولى في عدم دلالتها على حركة الأرض حول الشمس وإنما هي دعوى ادعاها على الآيات وهي بريئة من دعواه.
قلت وذلك من الإلحاد في آيات الله وتحريف الكلم عن مواضعه. وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله محرف للكلم. عن مواضعه.
(قوله) وقد جاء الضمير في قوله (يسبحون) جمعا فكان مرجعه جمعا.
(غير صحيح) بل المرجع مثنى لا غير وهو الشمس والقمر وإطلاق الجمع على المثنى والمثنى على الجمع والمفرد عليهما وهما على المفرد سائغ في لغة العرب.
وبعضهم اعتبر المرجع جمعا بزيادة النجوم على الشمس والقمر ولا قائل برجوعه إلى الأرض.
قلت وقد اعتبر بعضهم المرجع جمعا بزيادة الليل والنهار مع الشمس والقمر. قال ابن جرير في تفسير سورة يس وقوله (وكل في فلك يسبحون) يقول وكل ما ذكرنا من الشمس والقمر والليل والنهار في فلك يجرون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ثم روى بإسناده عن مجاهد أنه قال يجري كل واحد منهما يعني الليل والنهار (في فلك يسبحون) يجرون.
وقال ابن كثير في تفسير سورة يس. وقوله ﵎ (وكل في فلك يسبحون) يعني الليل والنهار والشمس والقمر كلهم يسبحون أي يدورون في فلك السماء قاله ابن عباس وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة وعطاء الخراساني انتهى.
وهذا هو الظاهر من سياق الآيات من سورة الأنبياء وسورة يس حيث ذكر ﵎ الليل والنهار والشمس والقمر ثم قال (وكل في فلك يسبحون).
وقد قرر هذا شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال في جوابه له.
وقوله (كل في فلك يسبحون) يتناول الليل والنهار والشمس والقمر كما بين ذلك في سورة الأنبياء وكذلك في سورة يس (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون. والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد
стр. 75
كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) فتناول قوله (وكل في فلك يسبحون) ما تقدم الليل والنهار والشمس والقمر كما ذكر في سورة الأنبياء.
وقال الشيخ أيضا في جواب آخر والله سبحانه قد أخبر بأن الشمس والقمر والليل والنهار كل ذلك يسبح في الفلك فقال تعالى (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) وقال تعالى (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) والفلك هو المستدير كما ذكر ذلك من ذكره من الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين. والمستدير يظهر شيئا بعد شيء فيراه القريب منه قبل البعيد عنه انتهى.
وأما إعادة الضمير في قوله تعالى (وكل في فلك يسبحون) إلى الأرض مع الشمس والقمر فهو من الإلحاد في آيات الله تعالى وتحريف الكلم عن مواضعه ولا يقول بذلك إلا المفتونون بزخارف الإفرنج وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة كالمطيعي وأشباهه من العصريين الذين يتمسكون بأقوال أعداء الله تعالى ويقدمونها على نصوص الكتاب والسنة ويتأولون القرآن على غير تأويله.
ثم قال الشيخ الكافي في الرد على المطيعي.
(قوله) وعلى هذا اتفق المفسرون غير أنهم أولوا ذلك بتآويل شتى.
(صحيح) غير أنهم لم يخرجوا بتأويلهم عما يقتضيه لسان العرب والقرآن العظيم الذي نزل بلغتهم فهم سادة يمدحون.
(قوله) ما دعاهم لارتكابها إلا اعتقاد ما قاله البطليموسية من اليونان من أن الأرض ساكنة.
(غير صحيح) ودعواه عليهم تقليد البطليموسية فرية بلا مرية بل إنما اتبعوا القرآن وما ثبت من الأقوال عن السلف الصالح حسب ما تقدم وحسب ما يأتي إن شاء الله تعالى.
(قوله) مع أنه لم يقم دليل على سكون الأرض.
(غير صحيح) بل الدليل على سكونها قائم من القرآن وغيره كما تقدم في المسألة الموفية عشرين وكما يأتي إن شاء الله تعالى.
قلت قد تقدم ذكر المسألة العشرين في أول ما نقلته من كلام الكافي فلتراجع.
следующие страницы →