Полный текст (970 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
واعتوره القوم بالضرب حتى ظنوا أنهم قد قتلوه، وأصبح وبه رمق، فبلغ ذلك زيادا وهو في الأزد، فجاؤوا
فارتثّوه، فلم يلبث أن مات فقبره اليوم بفناء قبر أبي رجاء العودي، فعيّرهم ذلك البعيث وجرير
أيضاً:
قال أبو عبيدة: حتى إذا غمّ جرير نساء بني مجاشع وقد كان الفرزدق حج، فعاهد الله، بين الباب
والمقام، أن لا يهجوا أحداً أبداً، وأن يقيد نفسه، ولا يحل قيده حتى يجمع القرآن. قال أبو عبيدة:
فحدثني مسحل بن كسيب قال: حدثتني أمي زيداء بنت جرير قالت: فمر بنا الفرزدق حاجاً، وهو
معادل النوار بنت أعين بن ضبيعة امرأته، حتى نزل بلغاط، ونحن بها، فأهدى له جرير، ثم أتاه
فاعتذر إليه من هجائه البعيث، وقال فعل وفعل، ثم أنشده جرير والنوار خلفه في فسيطيط صغير،
فقالت: قاتله الله، ما أرق منسبته وأشد هجاءه - المنسبة أرادت التشبيب بالنساء - فقال لها الفرزدق:
أترين هذا، أما إني لن أموت حتى أُبتلى بمهاجاته. قال: فلم يلبث من وجهه حتى هجا جريراً، فقدم
الفرزدق البصرة، وقيد نفسه، وقال توبة من الشعر:
ألم تَرنَي عاهدتُ ربي وإنني ... لَبينَ رِتاجٍ قائماً ومَقام
على حَلفَةٍ لا أشتِمُ الدهرِ مُسلماً ... ولا خارجاً من فِيَّ سُوءُ كلام
الرتاج باب البيت، ويروى ولا خارجاً من فيّ زور كلام. قال: وبلغ نساء بني مجاشع فحش جرير
بهن، فأتين الفرزدق مقيداً فقلن: قبّح الله قيدك، فقد هتك جرير عورات نسائك فلُحيت شاعر قوم، فأحفظنه
стр. 142
- أي أغضبنه - ففض قيده، ثم قال. فقال الفرزدق إذ ذاك، وقد كان الفرزدق قيّد نفسه قبل
ذلك، وحلف أن لا يطلق قيده حتى يجمع القرآن، فلما رأى ما وقع فيه البعيث، قال الفرزدق، وهو
همّام بن غالب ابن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن
حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم:
ألا استَهزأتْ مِّني هُنيدَةُ أنْ رَأتْ ... أسيراً يُداني خَطوَهُ حَلقُ الحِجلِ
ويروى ألا هزئت، الحجل ها هنا القيد، وهو الخلخال، هنيدة امرأة الزبر قان بن بدر، وهي عمة
الفرزدق.
ولو عَلِمتْ أنّ الوثَاقَ أشَدُّه ... إلى النارِ قالت لي مَقالَةَ ذي عَقل
ويروى أشُدّه. فمن قال أشَدّه شدة الوثاق إلى النار، ومن قال أشُدّه خوف النار. يقول استهزأت بي
حين رأتني أرسف في القيد، ولو علمت أن أشد الوثاق، وثاق النار، لما استهزأت ولا لامت رجلاً قيد
نفسه خوف النار.
لَعَمرِي لئِن قيَّدتُ نفسي لطالما ... سَعيتُ وأوضَعتُ المَطِيَّةَ للجَهلِ
هذا مثل، أوضعتها رفعتها في السير أي أسرعت.
ثلاثينَ عاماً ما أرى مِن عَمايَةٍ ... إذا بَرقتْ إلاّ شَددتُ لها رَحلِي
ويروى أشد لها.
عماية جهالة يقول لا أرى عماية تظهري لي إلا قصدتها.
стр. 143
أتتني أحاديثُ البَعيث ودُونهُ ... زَرُودُ فشاماتُ الشقيقِ إلى الرَّملِ
زرود لبني مجاشع، بين الثعلبية والأجفر، ليس لهم بالتربة ماء غيره، من طريق الكوفة. والشقيقة
الجدد بين الرملتين وربما كان أميلاً.
فقُلتُ أظنَّ أبنُ الخَبيثةِ أنني ... شُغِلتُ عن الرامي الكنانَةَ بالنَّبِلْ
يريد بهذا جريراً بهجاء البعيث وغيره، كما صنع صاحب الكنانة؛ وهو أن رجلاً من بني أسد،
ورجلاً من بني فزارة، كانا راميين، فالتقيا، ومع الفزاري كنانة جديد، ومع الأسدي كنانة رثة، فلم
يدر الأسدي كيف يأخذها من الفزاري، فقال له الأسدي أنا أرمي أو أنت؟ قال الفزاري: أنا أرمى
منك، أنا علّمتك الرمي، فقال له الأسدي: فاني أنصب كنانتي، وتنصب كنانتك، حتى ترمي فيهما.
فنصب الأسدي كنانته في خطر قد سمياه، فجعل الفزاري يرميها فيُقرطس، حتى أنفذ سهامه، كل ذلك
يصيبها ولا يخطئها. فلما رأى الأسدي أن سهام الفزاري قد نفدت، قال: انصب لي كنانتك حتى
أرميها، فنصبها له فرمى نحو الكنانة، ثم عطفه وسدده نحو حتى قتله، فضربه الفرزدق مثلا.
فإنْ يكُ قيدي كانَ نَذراً نَذرتُهُ ... ما بي عن أحسابِ قوميَ مِن شُغلِ
أنا الضامِنُ الراعي عليهِم وإنما ... يُدافِعُ عن أحسابِهم أنا أو مثلي
ولو ضاعَ ما قالوا أرعَ مِنَّا وجَتَهُم ... شِحاحاً على الغالي منَ الحسَبِ الجَزلِ
يقول: لو ضيعت أنا أحسابهم فلم أرعها لم يضيعوها. والجزل الضخم.
إذاً ما رَضُوا مني إذا كنتُ ضامناً ... بأحسابِ قومي في الجبال أو السهل
стр. 144
ويروى قوم. ويروى في الجبال ولا السهل.
فمَهما أعِشْ لا يُضمِنُوني ولا أُضِعْ ... لهم حسَباً ما حرَّكَتْ قدمي نَعلي
الضمن الزمن، والضمانة الزمانة، وهو هاهنا العجز، يقال: أضمنت الرجل إذا وجدته ضمناً، وكذلك
أبخلته إذا أصبته بخيلاً، وأحمدته إذا أصبته محموداً. قال وجاء رجل من الأعراب إلى عيسى بن
موسى وهو يكتب الزمنى فسأله أن يكتبه فقال:
إنْ تكتُبُوا الزَّمنَى فإني لَضَمِنْ ... من ظاهِرِ الدّاءِ وداءٍ مُستَكِنْ
ولا يكادُ يَبرَأُ الداءُ الدَّفِنْ ... أبيتُ أهوى في شياطين تُرِنْ
مُختَلِفٍ نجرَاهُما حِنٍّ وجِنْ ... يَبِتْنَ يَلعبنَ حَوالىَّ الطَّبِنْ
والطبن لعبة يقال لها الفيال وهي السُّدر. قال: والسدر الخليط بالتراب، والحن ضرب من الجن،
قال: وأتى عمرو بن معدي كرب الزبيدي، مجاشع بن مسعود السلمي بالبصرة، فقال له: احملني على
فرس يشبهني وأجزني جائزة تشبهني، فأتاه بفرس، فأخذ عمرو بعكوته ثم غمزه، فأخلده إلى الأرض،
فقال: لا يحملني هذا فأتاه بفرس من خيل كلب، فغمزه فلم يتحلحل، وأمر له بخمسة آلاف درهم
ودرع وسيف وكسوة، فقال: لله أنتم يا بني سليم، لقد شاعرنا كم فما أفحمناكم، وقاتلناكم فما أجبناكم،
وسألناكم فما أبخلناكم.
ولستُ إذا ثِارَ الغُبارُ على امرئٍ ... غداةَ الرِّهانَ بالبِطَيء ولا الوغلَ
الوغل ما جل في الغربال عن الدُّقاق، والوغل الضعيف، والواغل الطفيلي على الشراب والوارش
على الطعام.
стр. 145
ولكنْ تُرى لي غايةُ المجدِ سابقاً ... إذا الخيلُ قَادَتها الجيادُ مع الفَحلِ
ويروى على الحبل.
يريد أنه يُقرن بأجود الخيل. ويروى أدتها الجياد إلى الفحل، يريد أدتها أمهاتها إلى آبائها في الجودة
والشبه. وأدتها الجياد إلى الفحل أنسلتها.
وحَولَكَ أقوامٌ رَددتُ عُقولَهُم ... عليهم فكانوا كالفراشِ من الجَهل
ويروى إليهم.
رَفعتُ لهم صوتَ المُنادِي فأبصَرُوا ... على خَدِبَاتٍ في كَواهِلِهم جُزلِ
يقول: أبصروا وعقلوا بعد ما جزلت كواهلهم. والخدبة الجراحة التي قد هجمت على الجوف، يقال
جراحة خدباء، وروي خدبات أي ضربات في كواهلهم، والكاهل ما بين الكتفين مما يلي العنق. جزل
متقطعة يقول: أقصروا عني وقد أوقعت بهم، فجزلت كواهلهم. وواحدة الخدبات خدبة.
ولولا حَياءٌ زدْتُ رأسَكَ هَزمَةً ... إذا سُبِرَتْ ظلَّتْ جَوانِبُها تَغلي
الهزمة الشق. والسبر تقدير الجراحة.
بعيدةَ أطراف الصُّدُوعِ كأنها ... رَكَّيةُ لُقمانَ الشَّبيهَةُ بالدَّحلِ
ركية لقمان بثأجٍ، وهي مطوية بحجارة، الحجر أكثر من ذراعين،
стр. 146
وثأج أطراف البحرين وخراجها إلى اليمامة، كانت لبني قيس بن ثعلبة ولعنزة بن أسد،
فكانوا متعادين فيها، بائن بعضهم من بعض،
لهؤلاء مسجد يجتمعون فيه، ولهؤلاء مسجد يجتمعون فيه، والدحلان خروق في روض وغيطان من
البلاد، يذهب فيها الرجل عامة يومه، وقد يوجد في الدحل الواسع الشجر والغضا.
إذا نظرَ الآسُونَ فيها تَقلبَّتْ ... حَماليقُهُم مَنْ هَولِ أنيابِها الثُّعلِ
الآسون الأطباء، واحدهم آس. وقد أسوته آسوه أسواً داويته، والحماليق باطن جفون العين واحدها
حملاق. والثعل في الفم تراكم الأسنان في النبتة، بعضها على بعض، يقال رجل أثعل وأمرأة ثعلاء.
إذا ما رَأتْها الشمسُ ظلَّ طَبيبُها ... كمن ماتَ حتى الليل مُختلَسَ العقلِ
ويروى إذا ما علتها الشمس، قال ابن الأعرابي: إذا طلعت الشمس على الجرح كان أشد له وأهول.
يودُّ لك الأدنَونَ لو مِتُّ قَبلها ... يَرونَ بها شراً عليكَ من القتل
يقال مِتّ تمات، ومُتّ تموت.
ترى في نواحِيها الفِراخَ كأنما ... جَثمن حَواليْ أُمِّ أربعةٍ طُحلِ
стр. 147
الفرخ الدماغ، يريد أنه قد قطع دماغه فكأنها فراخ جثمن حول أمهن، وأم الدماغ الجلدة التي تغشاه،
والطحل سواد إلى الكدرة وفراشه مارقّ من عظامه.
شرّ نبثَةٌ شَمطاءُ مَن يَر ما بها ... تُشبهُ ولو بينَ الخُماسِيِّ والطِّفلِ
شر نبثة أراد أنها قبيحة منكرة، وأصل الشر نبث الغليظ.
إذا ما سَقوها السَّمنَ أقبلَ وجهُها ... بعَينَي عَجوزٍ من عُرينَةَ أو عُكلِ
عكل هو عوف بن عبد مناة، وإنما غلبت عليه حاضنة سوداء يقال لها عكل وعرينة من بجيلة أراد
أنها قبيحة.
جُنَادِفَةٍ سَجراءَ تأخُذُ عَينَها ... إذا اكتَحَلتْ نِصفُ القَفيزْ من الكُحلِ
جنادفة قصيرة غليظة سجراء حمراء.
وإني لمن قومٍ يكون غَسُولُهُم ... قِرَى فأرَةِ الدَّارِي تُضرَبُ في الغِسلِ
قراها ما قُري في سرتها من المسك، والداري منسوب إلى دارين بالبحرين. والغسل الخطمي.
فما وجدَ الشَّافُونَ مِثلِ دمائِنَا ... شِفاءً ولا السَّاقونَ مِنْ عَسلِ النَّحلِ
يقول: إن دماءنا لو سُقيت الكلبي لشفتها - والكلبي جماعة كلب.
стр. 148
والكلب الذي قد عضه الكلْب الكلِب، أو الذئب الكلب فيخبله، حتى يبول
أمثال الذر على خلقة الجراء، فإن سقي دم شريف برأ - وأنشد الكميت:
أحلامُكُم لِسَقامِ الجَهلِ شافيةٌ ... كما دِماؤكُمُ يُشفَى بها الكلَبُ
فقال البعيث، وهو خداش بن بشر بن خالد بن الحارث بن بيبة بن قرط بن سفيان بن مجاشع، يهجو
جريراً ويجيب الفرزدق:
أهاجَ عليكَ الشَّوقَ أطلالُ دِمنَةٍ ... بناصِفَة الجوَيَّنْ أو جانبِ الهَجلِ
الناصفة المسيل الواسع، والميثاء المسيل فوق الناصفة، والجو ما انخفض من الأرض، وكذلك
الهجل والجمع هجول.
أتى أبَدٌ من دونِ حدثانِ عَهدنا ... وجَرَّتْ عليها كلُّ نافجَةٍ شَملِ
النافجة الريح الشديدة الهبوب، والشمل الشمال، يقال، ريح شمال وشمل وشمأل وشأمل وشمل
وشمول، ويقال شيمل. وأنشد لمالك بن الريب:
ثَوى مالِكٌ ببلادِ العَدُوِّ ... تُسفَى عليهِ رِياحُ الشَّمَلْ
وأنشد للمرار:
بكَفِّكَ صارِمٌ وعليكَ زَغفٌ ... كماءِ الرَّجعِ تَنسِجُهُ الشَّمُولُ
وأبقَى طوالُ الدهرِ مَن عَرصَاتَها ... بقيةَ أرمامٍ كأرديَةِ الطَّبلِ
стр. 149
عرصات الدار ساحاتها لاعتراص الولد فيها، والعرص اللعب، ويقال رمح عرّاص إذا اشتد
اصطرابه عند الهز، وبرق عراص إذا دام لمعانه، ويقال بعير معرّص للذي ذل ظهره ولم يذل
رأسه، ولحم معرص للذي لم يُنعم طبخه ولم ينضج. والأرمام الأخلاق. وأردية الطبل جنس من
البرود منسوبة. وحكي عن أبي عبيدة، قال: الطبل تخم من تخوم خراج مصر، وأرديته ثياب تُجبى
فيه، والطبل أيضاً الناس، يقال ما أدري أي الطبل هو، وأي الطبن هو، وأي الورى، وأي الأورم
هو، وأي القبيض هو، وأي الهوز هو، وأي دهداء الله هو، وأي برنساء هو، وأي النخط هو، وأي
ولد الرجل هو، وأي من أكل اللحم هو.
وعَيسٍ كَقَلقَالِ القِداحِ زَجرتُها ... بمُعتَسَفٍ بينَ الأجَارِدِ والسَّهلِ
العيس الإبل البيض الصفر الأطراف، يقال أعيس وعيساء. وقلقال مصدر القلقلة، وتقلقلها خفتها في
السير وأجارد جمع جردة من الأرض، وهو مالا نبت فيه. والمعتسف من الأرض المركوب على
غير هدى.
بَرَى النِّقيَ عن أصلابِها كُلُّ غَربةٍ ... قَذُوفٍ وإدآبُ المَنَصَّة والذَّملِ
النقي الشحم، والنقي المخ، والغربة البرية البعيدة، وكذلك القذوف تقذف بهم إلى البعد، والمنصة
الارتفاع في السير، ومن هذا قيل: نُصّ الحديث إلى أهله، أي ارفعه. ومنصة العروس أُخذت من هذا
الأنها ترفع عليها وترى الناس. والذمل والذميل فوق العنق.
وخَفَّتْ تَواليها ومَارَتْ صُدِورُها ... بأعضَادِ جُون عن جَآجئها فُتلِ
стр. 150
تواليها أرجلها ومآخيرها، والجآجي الصدور، واحدها جؤجؤ، والجون البيض: والجون السود وهذا
من الأضداد، والفتل المفرجة التي بانت أعضادها عن صدورها وهو أتعب لها.
وجروِيَّةٍ صُهبٍ كأنَّ رُؤُوسَها ... مَحَاجِنُ نَبعٍ في مُثَقَّفَة عُصلَ
الجروية إبل نسبها إلى جروة، وهم من بني القين بن جسر من قضاعة، والمحجن شبيه بالصولجان،
وإنما سمي محجنا لأن الراعي يحتجن بها، مثقفة يعني مقومة، عصل معوجة.
تَجَاوَزنَ مِن جَوشَينِ كلَّ مَفازَة ... وهُنَّ سَوامٍ في الأزِمةَّ كالإجلِ
قوله جوشين أراد جوشاً وحده، فثنى به، وهما جبلان في بلاد بلقين، والسوامي الروافع الرؤوس،
الطوامح من نشاطها. والإجل القطيع من البقر.
وقَلّتْ نِطافُ القومِ إالا صُبابَةً ... وخَوَّدَ حَادِيها فشَمَّرَ كالرَّألِ
حادينا رواه أبو عبيدة.
النطاف الماء، يقول: نفدت نطافهم إلا صبابة، والتخويد العدو كعدو النعامة، والرأل فرخ النعام،
والرأل هاهنا الظليم بعينه.
ألا أصبحتَ خَنساءُ جَاذِبَةَ الوَصلِ ... وضَنَّتْ علينا والضَّنينُ من البُخل
الجاذبة التي انقطع وصلها، وقوله والضنين من البخل، والضنين البخيل، وهو كقولك أنت من
الجود، وأنت من الكرم، يريد أنت من أهل الكرم.
стр. 151
فصَدَّتْ فأعدانا بهَجرٍ صُدُودُها ... وهُنَّ من الإخلافِ قَبلَكَ والمَطلِ
يقول: صدت فصددنا نحن كما صدت، وكان ذلك كعدوى المرض والجرب، لأنها حين صدت،
أعدانا صدها. وقوله: وهن من أهل الإخلاف، معناه هن من أهل الإخلاف.
أنَاةٌ كأنّ المسكَ تحتَ ثيابها ... وريحَ خُزامَى الطَّلِّ في دَمث سَهلِ
ويروى في دمث الرمل، الأناة الرزينة البطيئة القيام، وهو مأخوذ من التأني، والدمث ما لان من
الأرض، والخزامى نبت شبيه بالخيري.
كأنكَ لم تَعرِفْ لُبانَةَ عاشِقٍ ... وموقِفَ رَكبٍ بينَ عُسفَانَ والنَّخلِ
ويروى بين ميسان وهو جبل لبني سعد.
عسفان على مرحلتين من مكة إلى المدينة، والنخل بطن مر.
غَداةَ لقينَا من لُؤيِّ بن غالبٍ ... هجانَ الغَواني واللِّقَاءُ على شُغلِ
من همز لؤي بن غالب، أخذه من تصغير اللأي، وهو الثور من الوحش. ومن ترك الهمز أخذه من
لويت الشيء، والهجان البيض، والغواني العفائف اللاتي غنين بأزواجهن. وقوله واللقاء على شغل
أي كان لقاؤنا إياهن ونحن محرومون، مشاغيل عنهن، ويقال: الغواني اللواتي غنين بحسنهن عن
الحلي. ويقال غنين بمالهن، وقال أبو زيد: كل شابة غانية.
عَطَونَ بأعناقِ الظِّباءِ وأشرَقتْ ... محاجِرُهُنَّ الغُرُّ بالأعيُنِ النُّجلِ
стр. 152
عطون مددن، والنجل الواسعة مشق العيون.
لعَمري لقد ألهَى الفرزدقَ قيدُهُ ... ودُرجُ نوارٍ ذو الدِّهَانِ وذو الغِسلِ
يقول: شغله قيده والجلوس مع النوار بنت أعين امرأته، والقيام على نفسه عن الذب عن أعراض
مجاشع. والغسل الخطمي. ع: الغسل كل ما غُسل به الرأس. وما امتشطت به المرأة، فهو غسل.
قال: والغسل واحد ولم أسمع له بجمع.
فياليتَ شِعري هل ترى لي مُجاشعٌ ... غَنائيَ في جُلِّ الحوادِثِ أو بَذلِ
وذَبِّيَ عن أعراضِهِمِ كلَّ مُترَفٍ ... وجدِّي إذا كانَ القيامُ على رِجلِ
كل مترف كل متكبر، والعرض حسن ذكر الرجل وثناؤه. وقال الأصمعي طيب ريح بدنه أيضاً
عرضه. يقال فلان طيب العرض. وخبيث العرض. إذا كان خبيث الريح. قال: والعرب تقول للسقاء
إذا تغيرت ريحه، خبيث العرض. وقوله: إذا كان القيام على رجل يعني للمفاخرة يضع إحدى رجليه
على الأخرى للتحدي، يعني يفاخر ويباري.
وثَبتِي على ضَاحِي المَزِلِّ عَلتْ بهِ ... جُدودُ بني سُفيانَ عن زَلَّة النَّعلِ
ثبت ثبات على المكان. والضاحي الظاهر البارز. والمزل الأملس الزلق يزلق فيه. فيقول: أنا في
مثل هذا المكان ثابت. علت به أي ارتفعت جدود بني سفيان أي حظوظهم، ويقال جدودهم آباؤهم
عن زلة النعل، أي عن أن تزل نعالهم، وجعل النعل كناية عن القدم.
فأني أمرؤٌ من آل بَيبَةَ نَابِهٌ ... وسادَ بني سُفيانَ أوّلهُم قَبلي
стр. 153
أي ساد أول بيبة بني سفيان، ويروى بنو سفيان. يقول: لم يزالوا سادة. نابه رفيع الذكر.
وكلَّ تُراثِ المجدِ أورثَني أبي ... إذا ذُكرَ الغالي من الحَسبِ الجَزلِ
الغالي المرتفع، والجزل الضخم.
وجدتُ أبي مِن مالكٍ حَلَّ بيتُهُ ... بحيثُ تنصَّى كلُّ أبيض ذي فَضلِ
مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. والتنصي التعلق بالشيء، وهو مأخوذ من مناصاة
الرجل، وهو أن يأخذ كل إنسان بناصية صاحبه.
أغَرَّ يباري الريحَ في كُلِّ شَتوَةٍ ... إذا أغبَرَّ أقدَامُ الرجَالِ مِنَ المَحلِ
منَ الدار ميِّينَ الذينَ دَماؤُهم ... شِفَاءٌ مَن الداءِ المَجنَّةِ والخَبل
يقول: هم ملوك، فدماؤهم شفاء والمجنة الجنون، والخبل، قال الأصمعي: كل فساد في البدن من
ذهاب يد أو رجل أو لسان فهو خبل.
فإنَّ لنا جَداً كريماً ونَجوةً ... تَتِمُّ نواصيها إلى كاهلٍ عَبلِ
النجوة المرتفع من الأرض، وهذا مثل، لأن من نزل بنجوة لم ينله السيل. يقول: فلنا عز رفيع
وشرف، والعبل الضخم.
أُجَدِّعُ أقواما إذا ما هَجوتُهُم ... وأُوقدُ نارَ الحَيِّ بالحَطبِ الجَزلِ
التجديع قطع الأذنين والأنف والجدع كله قطع، وإنما هذا مثل. والجزل ما غلظ من الحطب،
والضرام من الحطب ما دق ورقّ، وأسرعت فيه النار، وقال حاتم:
стр. 154
ولكن بِها ذَاكَ اليَفاعِ فأوقِدي ... بجَزلٍ ولا تَستوقدي بِضِرام
وعَمِّي الذي اختارتْ مَعَدٌّ فحَّكمُوا ... فألقوا بأرسَانٍ إلى حَكمٍ عَدلِ
عمه الأقرع بن حابس وكان أحد حكام بني تميم، حتى بعث الله نبيه محمداً ﷺ ،
وكان أول من داهن في الحكومة. وهو الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع.
وكان حكام بني تميم في الجاهلية ستة: ربيعة بن مخاشن أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم، وزرارة
بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، وضمرة بن ضمرة النهشلي وأكثم بن صيفي، وأبوه صيفي
من بني أسيد بن عمرو. ويقال: إن الأقرع بن حابس أول من حابى في الحكومة في منافرة جرير بن
عبد الله البجلي وخالد بن أرطاة الكلبي، وكان الذي جر المنافرة بين جرير بن عبد الله بن جابر، وهو
الشليل بن مالك بن نضر بن ثعلبة بن جشم بن عويف بن خزيمة بن حرب بن مالك بن سعد بن نذير
بن قسر بن عبقر بن أنمار، وبين خالد بن أرطاة بن خشين بن شبث بن إساف بن هذيم بن عدي بن
حناب، أن كلباً أصابت في الجاهلية رجلاً من بجيلة من بني عادية بن عامر بن قداد يقال له مالك بن
عتبة - أو عنبة، شك في اسمه الكلبي - فوافوا له عكاظ. ومر العادي بابن عم له يقال له القسم بن
عقيل يأكل تمراً، فتناول من ذلك التمر شيئاً ليتحرم به، ومعه رجل من كلب يمسكه، فجذ به الكلبي
بقده فقال: إنه رجل من عشيرتي فقال: لو كانت لك عشيرة منعتك. فانطلق القسم بن عقيل إلى بني
زيد بن الغوث بن أنمار، فاستتبعهم - أي سألهم أن يتبعوه - فقالوا: كلما طارت وبرة
стр. 155
من بني زيد أردنا أن نتبعها في أيدي العرب.
فانطلق إلى جرير بن عبد الله فكلّمه فكان القسم يقول بعد: إن أول ما رأيت فيه الثياب المصبغة،
والقباب الحمر، ليوم جئت جريراً في قسر. قال: فاتبعني ثم فتشني عن الرجل، فقال: اطوِ الخبر،
وخلا بأشراف بني مالك بن سعد بن نذير بن قسر فدعاهم إلى انتزاع العادي من كلب فتبعوه، فخرج
يمشي بهم حتى هجم على منازل كلب بعكاظ، فانتزع منهم الأسير مالكاً فقامت كلب دونه فقال جرير:
زعمتم أن قومه لا يمنعونه، فقالت كلب جماعتنا خُلوف عنا فقام جرير فقال: لو كانوا حضوراً لم
يدفعوا عنه شيئاً. فقالوا: كأنك تستطيل على قضاعة فقال: إن شاؤوا قايسناهم المجد. وزعيم كلب
يومئذ خالد بن أرطاة، فقال: ميعادك من قابل سوق عكاظ. فجمعت كلب، وجمعت قسر، ووافوا
عكاظ. وصاحب كلب الذي أقبل بهم في العام المقبل خالد بن أرطاة، فحكمّوا الأقرع بن حابس
التميمي، حكّمه جميع الحيين، ووضعوا الرهن على يدي عقبة بن ربيعة بن عبد شمس القرشي، في
أشراف من قريش، وكان في الرهن من قسر الأضرم بن أبي عويف بن عويف بن مالك ابن ذبيان
بن ثعلبة بن عمرو بن يشكر. ومن أحمس حازم بن أبي حازم بن صخر ابن العيّلة ومن بني زيد بن
الغوث رجل. ثم قام خالد بن أرطاة، فقال لجرير: ما تجعل؟ فقال: الخطر في يدك قال: ألف ناقة
حمراء لألف ناقة حمراء. فقال له جرير: ألف قينة عذراء لألف قينة عذراء، وإن شئت فألف أوقية
صفراء لألف أوقية صفراء قال خالد: من لي بالوفاء؟ قال: كفيلي اللاّت، والعزى، وإساف، ونائلة،
وشمس، ويعوق، والخلصة، ونسر فمن عليك بالوفاء؟ قال: ودّ ومناة، وفلس، ورضى. قال جرير: لك
الوفاء سبعون غلاماً معماً مخولا، يوضعون على أيدي الأكفاء من أهل الله. فوضعوا الرهن من بجيلة ومن
стр. 156
كلب، على أيدي من سمينا من قريش، وحكّموا الأقرع بن حابس وكان عالم العرب في زمانه.
فقال الأقرع: ما عندك يا خالد؟ قال ننزل البراح، ونطعن بالرماح، ونحن فتيان الصباح. قال: الأقرع
وما عندك يا جرير؟ قال: نحن أهل الذهب الأصفر، والأحمر المعتصر - يعني الخمر - نخيف ولا
نخاف، ونُطعم ولا نستطعم. ونحن حي لقاح ونُطعم ما هبّت الرياح. نُطعم الشهر، ونضمن الدهر،
ونحن الملوك قسر. قال الأقرع: واللاّت والعزى لو فاخرت قيصر ملك الروم، وكسرى عظيم فارس،
والنعمان ملك العرب، لنفرتك عليهم. وأقبل نعيم بن حجيّة النمري - وقد كانت قسر ولدته - بفرس
إلى جرير فركبه من قبل وحشية، فقالوا: لم تُحسن تركب الفرس فقال جرير: إن الخيل ميامين، وإنا
نركبها من وجوهها، ونادى عمرو بن الخثارم، وهو أحد بني جشم بن عمرو بن قداد فقال:
يا ابَني نِزارٍ انصُرَا أخَاكُما ... إنَّ أبي وجَدتُهُ أبَاكُما
لا يُغلَبُ اليومَ أخٌ وَالاكُما
وقال أيضاً
يا أقرعَ بنَ حابِسٍ يا أقرَعُ ... إنّكَ إن تَصرَعْ أخاكَ تُصرَعُ
وقال أيضاً
يَالَ نِزارٍ دعوةَ المُثَوِّبِ ... أحسَابُكُم أخطرْتُها وحَسبَي
стр. 157
فزعمت مضر أن الأقرع بن حابس، إنما نفر جريراً وبجيلة على خالد بن أرطاة وكلب لأنه زعم أن
أنماراً ابن نزار، وأنه لقرابته بمضر وربيعة، أفضل وأكثر عدداً بإخوته من قضاعة، لأن قضاعة بن
معد وهو عم هؤلاء. وقال الكميت بن زيد الأسدي:
وأنمارٌ وإن رَغِمَتْ أُنوفٌ ... معدِّيُّ العُمومَةِ والخؤُولِ
وعَمرو بنُ الخُثارِمِ كان طباٍّ ... بنِسبَتِهمِ وتَصديقي لقيلي
وليس ابنُ الخُثارِمِ في مَعَدٍّ ... بمقصِيِّ المحلِّ ولا دَخيلِ
لهم لُغَةٌ تُبيِّنُ من أبوُهُم ... مع الغُرَرِ الشَّوادِخِ والحُجُولِ
وقال الأخطل يمدح جريراً، ويذكر ما كان بينه وبين خالد بن أرطاة:
يرمي قُضاعَةَ مَجدوعٌ مَعَاطِسُها ... وهمٌ أشَمٌ تَرى في رأسِهِ صَيَداً
ويروى وهو أشم.
صافى الرسولَ ومِنْ قومٍ هُمُ ضَمِنوا ... مالَ الغريبِ ومَن ذا يضمَنُ الأبَدا
كانوا إذا حَلَّ جارٌ في بُيوتِهِمُ ... عادوا عليه فأحصَوه مالَهُ عَددا
قال: كانت بجيلة إذا جاورهم جار، عمدوا إلى ماله فأحصوه، ودفعوه إلى ثقة، فإن مات له شاة أو
بعير أخلفوه عليه. حتى ينصرف موفوراً، فإن مات قبل أن يصير إلى وطنه ودوه، وإن قُتل طلبوا
بدمه، وإن حُرب أخلفوا عليه.
стр. 158
رجع إلى القصيدة:
ويومٍ شَهِدنَاهُ تَسامى مُلُوكُهُ ... بمُعتَركٍ بينَ الأسِنّةِ والنَّبلِ
تسامى: تفاخر كما تسامى فحول الإبل بأعناقها إذا تصاولت وارتفع بعضها على بعض، والمعترك
موضع القتال وهو المعركة.
إذا رَكِبَ الحَيَّانِ عَمروٌ ومَالِكٌ ... إلى الموتِ أشباهَ المَعَبَّدةِ البُزلِ
عمرو بن تميم ومالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهم يد على الرباب. والمعبدة
المهنوءة. فشبه الرجال عليها الحديد والسلاح بالإبل المهنوءة، وقال البزل لأنها أعظم ما تكون إذا
بزلت، وبزول الجمل طلوع نابه.
سَمونَا بعِرنينٍ أشمَّ وسَادَةٍ ... مَراجيحَ ذَوَّادينَ عن حَسبِ الأصلِ
سمونا ارتفعنا، بعرنين أشم أي بأنف أشم طويل الأرنبة والقصبة، وذوّادين دفّاعين، مراجيح ثقال
رزان.
وألفَيتَنا نَحمي تَميماً وتنتَميَ ... إلينا تَميمٌ بالفوارسِ والرَّجلِ
الرجل الرجَّالة، يقال رَجل ورِجال ورُجّال ورُجالى ورَجالى وأرَاجل وأراجيل إذا كانوا رجّالة.
وإنَّا لضَرَّابونَ تَغشَى بَنانَنَا ... سَوابِغُ مِنْ زَغفِ درَصٍ ومَنْ جَدلِ
ويروى علينا من الماذي كل مفاضة، سوابغ. الرغف ما صغر من حلق الدرع، والدلاص الملس
وكذلك الدلامص والدمالص كما قالوا للكريم مصاص ومصامص، والجدل سيور كانت تجدل يلبسها أهل
стр. 159
اليمن، واليلب مثله.
وإنَّا لذَاواّدونَ كلَّ كَتيبَةٍ ... تجُرُّ منايا القومِ صادِقَةِ القتَلِ
نُطاعِنُهُمْ والخَيلُ عابِسَةٌ بِنَا ... ونُكرِهُهَا ضَربَ المُخيضِ على الوحلِ
ويروى نضاربهم المخيض الذي أخاض فرسه، حمله على الوحل.
تخَطَّى القَنا والدَّارعينَ كأنما ... تَوثَّبُ أجرَالاً بكُلِّ فَتىً جَزلِ
ويروى يطأن، الأجرال الحجارة، واحدها جرول وجرل وجراول، ويقال: أرض جرلة إذا كانت
كثيرة الحجارة.
ونحنُ مَنَعنا يومَ عَينينِ مِنقَراً ... ولم نَنبُ في يومي جَدُودَ عَنِ الأصلِ
يوم عينين موضع بالبحرين، كانت بنو منقر خرجوا يمتارون من البحرين فعرضت لهم عبد القيس
فاستغاثوا ببني نهشل، فحمتهم بنو نهشل حتى استنقذوهم.
يوم جَدُودَ
وأما يوم جدود، فإن الحوفزان، وهو الحارث بن شريك الشيباني، أغار على بني تميم، هو وأبجر
بن جابر العجلي، خرجا متساندين يريدان الغارة على بني تميم فمروا ببني يربوع وهم بجدود، فلما
رأوهما نهدوا إليهما، وحالوا بينهما وبين الماء وأردوا قتالهما، فقال لهم الحوفزان: والله ما إياكم
أردت، ولا لكم سموت، وإنما أردت بني
стр. 160
سعد بن زيد مناة، فهل لكم في خمسمائة جلة وفضل ما معنا من ثوب.
ولكم الله أنّا لا نروّع حنظلياً ولا نقاتله، وخلّوا بيننا وبين بني سعد. فخلّوا له وجهه،
وصالحوه ثلاث سنين، وأخذوا منه جلال التمر. فمضى الى بني سعد، فأغار على بني ربيع بن
الحارث، فأصاب نسوة وهم خلوف، وأصاب إبلاً فأتى الصريخ بني سعد، فركب قيس بن عاصم في
بني سعد، فأدركوه وهو قائل برغام والمقاد، وقد أمن من الطلب في نفسه، وذلك في يوم شديد الحر.
فزعموا أن سنان بن سمي المنقري أتاهم من أمامهم، فقالوا من الرجل؟ قال: من القوم؟ فلم يزالوا
حتى عاقدهم ألا يكتم بعضهم بعضاً شيئاً. فقال: من أنتم؟ قال الحوفزان، وهذه بنو ربيع معي، قد
احتويتها، فمن أنت؟ قال: أنا سنان بن سمي المنقري في الجيش وفي الحي، فأتى أصحابه فأخبرهم
الخبر، فأكبّوا عليهم الخيل كباً، فاقتتلوا قتالاً شديداً.
ثم إن بكر بن وائل انهزمت، وأوجعوهم قتلاً وأسراً، واستنقذوا النسوة والنعم، وقُتلت قتلى كثيرة،
واتبع قيس بن عاصم الحوفزان على فرس له يدعى الزبد، وقيس بن عاصم على الزعفران بن الزبد
فرس الحوفزان، فإذا استوت بهما الأرض لحقه قيس، وإذا وقعا في هبوط وصعود سبقه الحوفزان
بقوة فرسه وسنه، فلما خشي أن يفوته، قال استأسر يا حارث، قال: الحوفزان: ما شاء الزبد! ثم زجر
فرسه وجعل يقول:
اليوم أبلو فرسي وجِدِّي
ويروى اليوم أبلو حلبي وحشدي - قال: استأسر يا حارث خير أسير. فيقول الحوفزان: شر أسير
فلما خشي قيس أن يفوته، زرقه
стр. 161
بالرمح زرقة هجمت على جوفه وأفلت بها، وزعموا أن الحوفزان
انتقضت به طعنته من العام المقبل فمات منها. والتقى مالك بن مسروق الربيعي يومئذ، وشهاب بن
جحدر أحد بني قيس ابن ثعلبة، وجد المسامعة، وهو أحد بني قيس بن ثعلبة. فقال مالك لشهاب: من
أنت؟ قال:
أنا شِهابُ بنُ جَحدَر ... أطعُنُهُم عندَ الكَرْ=تحتَ العَجاجِ الأكدَرْ
ومعه العدل، رجل من قومه فقال مالك:
أنا مالك بن مسروق بن غيلان ومعي سنان حران وإنما جئت الآن أقسم لا تؤوبان.
ثم حمل على شهاب فقتله، ثم أعاد على العدل فقتله، وقال قيس بن عاصم في ذلك:
جزى الله يربوعاً بأسوَإ سَعيِها ... إذا ذُكِرَتْ في النائبَاتِ أُمورُها
ويومَ جَدُودٍ قد فَضحتُم أبَاكُمُ ... وسالمتُمُ والخيلُ تَدمَى نُحورُها
فأصبحتمُ والله يفعلُ ذاكُمُ ... كمَهنوُءةٍ جَرباءَ أُبرِزَ كورُها
أفَخراً على المولى إذا ما بَطِنتُمُ ... ولُؤماً إذا ما الحربُ شَبَّ سَعِيرُها
ويروى إذا ما الحرب تغلي قدورها.
ستَخطِمُ سَعدٌ والرِّبابُ أُنُوفَكُم ... كما غاطَ في أنَفِ الظَّؤُورِ جَرِيرُها
أتاني وعيدُ الحوفزانِ ودُونَهُ ... من الأرضِ صَحرَاواتُ فَلج وَقُورُها
أقِمْ بسبيلِ الحيِّ إن كنتَ صادِقاً ... إذا حَشَدَتْ سَعدٌ وجاشَ نَصِيرُها
стр. 162
عَصَمنا تميماً في الحُروبِ فأصبحتْ ... يَلُوذُ بنا ذو مالِها وفقيرُها
وأصبحتَ وَغلاً في تميمٍ وأصبحتْ ... مَعَادِنُها تُجبَى سِواكَ وخِيرُها
وقال سوار بن حيان المنقري:
ونحنُ حَفزنَا الحوفزانَ بطَعنَةٍ ... تَمُجُّ نَجيعاً من دَمِ الجَوفِ أشكَلا
وحُمرَانُ أدَّتهُ إلينا رِمَاحُنا ... يُنازِعُ غُلاًّ في ذِراعيهِ مُقفَلا
حمران بن عبد عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد.
أبَى الله أنَّا يومَ تُقتسَمُ العُلا ... أحَقُّ بها منكم وأعطى وأجزَلا
فلستَ بمُسطِيعِ السماءِ ولم تجدْ ... لِعَزٍّ بَنَاه الله فوقَكَ مَنقَلا
ومالكَ مِنْ أيّامِ صِدقٍ تَعُدُّها ... كيومِ جُوَاثَا والنِّباجِ وثَيتلا
وقال سلامة بن جندل السعدي:
ومَنْ كان لا تعتَدُّ أيامُهُ له ... فأيّامُنا عنّا تُجلِّي وتُعرِبُ
ألاَ هَلْ أتى أفناءَ خِندِفَ كلّها ... وعَيلانَ إذ ضمَّ الخمسينِ يترَبُ
جَعلنا لهم ما بين كُثلَةَ رَوحَةً ... إلى حيثُ أوفى صُوّتَيهِ مُثقَّبُ
غداةَ تَركنا في الغُبارِ ابنَ جَحدَرٍ ... صَريعاً وأطرافُ العوالي تَصبّبُ
стр. 163
وأفلتَ منا الحوفزانُ كأنهُ ... برَهوَةَ قَرنٌ أفلتَ الخيلَ أعضَبُ
غَداةَ رَغامِ حينَ ينجُو بطَعنَةٍ ... سَؤُوقِ المنايا قد تُزِلُّ وتُعطِبُ
لَقُوا مِثلَ ما لاقي اللُّجَيمي قَبلَهُ ... قَتادَةُ لمّا جاءَنا وهو يَطلُبُ
اللجيمي قتادة بن مسلمة الحنفي، وكان أحد جراري ربيعة.
فآبَ الى حَجرٍ وقد فُضَّ جمعُهُ ... بأخبَثِ ما يأتي به مُتَأوِّبُ
وقد نالَ حَدُّ السيفِ مِنْ حُرِّ وجهِهِ ... إلى حيثُ ساوىَ أنفَهُ المُتَنقَّبُ
وجَثَّامَةُ الذُّهِليُّ قد وسَجَتْ بهِ ... إلى أهِلنا مَخزُومَةٌ وهو مُحقَبُ
تعرَّفُهُ وسطَ البُيوتِ مُكَبَّلاً ... رَبَائِبُ من أحسَابِ شَيبانَ تثقُبُ
وهَوذَةَ نجَّى بعدَ ما مالَ رأسُهُ ... يمانٍ إذا ما خالَطَ العَظمَ مِخدَبُ
المخدب الجارح، خدبه جرحه، وهوذة بن علي الحنفي.
فأمسكهُ من بعدِ ما مالَ رأسُه ... حِزامٌ على ظهرِ الأغَرِّ وقَيقَبُ
غداةَ كأنَّ ابني لُجيمٍ ويَشكُراً ... نَعَامٌ بصَحراءَ الكَديدَينِ هُرَّبُ
وقال سلامة أيضاً:
فسائِلْ بسَعدَيَّ في خِندِفٍ ... وقيسٍ وعندَكَ تِبيَانُها
стр. 164
وإنْ تسألِ الحَيَّ من وائِلٍ ... تُنَبِّئكَ عِجلٌ وشيبَانُها
بوادي جَدُودَ وقد غُودِرَتْ ... بضَيقِ السَّنَابِكِ أعطَانُها
بأرعَنَ كالطَّودِ من وائِلٍ ... يَؤُمُّ الثغورَ ويَعتَانُها
يعتانها من الربيئة وهو عين القوم.
تكادُ له الأرض من رِزَّهِ ... إذا سارَ تَرجُفُ أركانُها
قَداميسُ يقدُمُها الحوفزانُ ... وأبجَرُ تَخفِقُ عِقَبانُها
وجَثَّامُ إذ سارَ في قومِهِ ... سَفاهاً إلينا وحُمرانُها
وتغلِبُ إذ حَربُها لاقِحٌ ... تُشَبُّ وتُسعَرُ نِيرانُها
غَداةَ أتانَا صَريخُ الرِّبابِ ... ولم يكُ يَصلُحُ خِذلانُها
صَريخٌ لضَبِّةَ يوم الهُذَيلِ ... وضَبَّةُ تُردَف نِسوانُها
تَدَارَكَهُم والضُّحَى غُدوَةٌ ... خَنَاذِيدُ تُشعَلُ أعطانُها
بأُسدٍ من الفِزرِ غُلبِ الرِّقَابِ ... مَصَالِيتَ لم تُخشَ إدهانُها
الفزر سعد بن زيد مناة.
فحَطَّ الربيعَ فتىً شَرمَحٌ ... أخُوذُ الرَّغائِبِ مَنَّانُها
فقَاظَ وفي الجِيدِ مَشهُورَةٌ ... يُغنَيِّهِ في الغُلِّ إرنانُها
رجع إلى القصيدة:
стр. 165
ونحنُ ردَدنا سَبي عَمرو بنِ عامرٍ ... مِنَ الجَيشِ إذ سعدُ بنُ ضَبَّةَ في شُغلِ
عمرو بن عامر بن ربيعة بن كعب بن ثعلبة بن سعد بن ضبة.
ونحنُ مَنَعنا بالكُلاَبِ نِسَاءَنا ... بِضَربٍ كأفواه المُقَرَّحَةِ الهُدلِ
هذا يومُ الكُلابِ الثاني
كان من حديث يوم الكلاب، أنه لما أوقع كسرى ببني تميم يوم الصفقة بالمشقر، فقتلت المقاتلة،
وبقيت الذرية والأموال، بلغ ذلك مذحج، فمشى بعضهم الى بعض، وقالوا: اغتنموا بني تميم، ثم
بعثوا الرسل في قبائل اليمن وأحلافها من قضاعة، فقالت مذحج للمأمور الحارثي الكاهن: ما ترى؟
فقال: لا تغزوا بني تميم، فإنهم يسيرون أغباباً، ويردون مياهاً جباباً. فتكون غنيمتكم تراباً، يعني أنهم
يسيرون منقلتين في منقلة واحدة، أُخذ من الغِبّ.
فزعموا أنه اجتمع من مذحج ولفّها اثنا عشر ألفاً، فكان رئيس مذحج عبد يغوث بن وقاص بن
صلاءة، ورئيس همدان رجل يقال له مشرح، ورئيس كندة البراء بن قيس بن الحارث الملك، فأقبلوا
إلى بني تميم فبلغ ذلك سعداً والرباب، فانطلق ناس من أشرافهم إلى أكثم بن صيفي فاستشاروه، فقال
أكثم بن صيفي: أقلّوا الخلاف على أمرائكم، واعلموا أن كثرة الصياح من الفشل، والمرء يعجز لا
المحالة، وتثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين، ورُبذ عجلة تهب ريثاً، وابرزوا للحرب، وادرعوا الليل،
فإنه أخفى للويل، ولا جماعة لمن اختلف.
стр. 166
فلما انصرفوا من عند أكثم بن صيفي تهيئوا للغزو، واستعدوا للحرب، وأقبل أهل اليمن، من
أشرافهم: يزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المخرم، ويزيد بن الكيشم بن المأمور، ويزيد بن هوبر،
حتى إذا كانوا بتيمن - وتيمن ماء بين نجران إلى بلاد بني تميم - نزلوا قريباً من الكلاب، ورجل
من بني زيد بن رياح بن يربوع يقال له مشمت بن زنباع، في إبل له، وهو عند خال له من بني
سعد، ومعه رجل يقال له زهير، فلما أبصرهم المشمت، قال لزهير: دونك الإبل، وتنح عن طريقهم
حتى آتي الحي فأنذرهم.
فأعدوا للقوم وصبّحوهم، فأغاروا على النعم فاطردوه، وجعل رجل من أهل اليمن يقول:
في كلِّ عامٍ نَعَمٌ ننتَابُه ... على الكُلابِ غُيَّباً أربابُه
فأجابه غلام من بني سعد كان في نعم على فرس فقال:
عمَّا قليلٍ تَلحَقَنْ أربَابُهْ
وأقبلت بنو سعد والرباب، ورئيس الرباب النعمان بن جساس، ورئيس بني سعد قيس بن عاصم -
وأجمع العلماء أن قيس بن عاصم كان الرئيس يومئذ - فقال رجل من بني ضبة حين دنا من القوم:
стр. 167
في كلِّ عامٍ نَعمٌ تَحوُونَهْ ... يُلقِحُهُ قومٌ وتُنتِجُونَهْ
أربَابُهُ نَوكى فلا يَحمُونَهْ ... ولا يُلاقُونَ طِعاناً دونَهْ
أنَعمَ الأبنَاءِ تَحسَبونَهْ ... أيهَاتَ أيهاتَ لمِا ترجُونَهْ
الأبناءُ كلُّ بني سعدِ بنِ زيدِ ... مَناةَ، إلا بني كَعبِ بنِ سعدٍ
فقال ضمرة بن لبيد الحماسي - والحماس ربيعة بن فلان بن كعب بن الحارث ابن كعب: انظروا
إذا سُقتم الإبل فإن أتتكم الخيل عصباً - العصبة تقف للأخرى حتى تلحق - فإن أمر القوم هين، وإن
لحق بكم القوم ولم ينظروا إليكم، حتى يردوا وجوه النعم، ولا ينظر بعضهم بعضاً، فإن أمر القوم
شديد.
وتقدمت سعد والرباب، فالتقوا في أوائل الناس، فلم يلتفتوا إليهم، واستقبلوا النعم من قبل وجوهه،
فجعلوا يصرفونه بأرماحهم، واختلط القوم، فاقتتلوا قتالاً شديداً يومهم، حتى إذا كان آخر النهار، قُتل
النعمان بن جساس، رماه رجل من أهل اليمن، كانت أمه من بني حنظلة، يقال له عبد الله بن كعب،
فقال حين رمى: خذها وأنا ابن الحنظلية، فقال النعمان: ثكلتك أمك، رب ابن حنظلية قد غاظني.
فظن أهل اليمن أن بني تميم ليسوا بكثير، حتى قُتل النعمان، فلم يزدهم ذلك عليهم إلا جرأة. فاقتتلوا
حتى حجز بينهم الليل، فباتوا يحرس بعضهم بعضاً، فلما أصبحوا غدوا على القتال، فنادى قيس بن
عاصم: يال سعد، ونادى عبد يغوث: يال سعد قيس، يدعو سعد بن زيد مناة، وعبد يغوث يدعو سعد
العشيرة.
стр. 168
فلما سمع ذلك قيس نادى: يال كعب، ونادى عبد يغوث: يال كعب قيس، يدعو بني كعب بن سعد،
وعبد يغوث يدعو بتي كعب بن عمرو.
فلما رأى قيس صنيع عبد يغوث قال: ما لهؤلاء أخزاهم الله لا ندعو بشعار الا دعوا بمثله.
فنادى قيس: يال مقاعس - وهو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم – فسمع
الصوت وعلة بن عبد الله الجرمي جرم قضاعة، وكان صاحب اللواء يومئذ فطرحه، وكان أول من
انهزم منهم، وحملت سعد والرباب فهزموهم، وجعل رجل منهم يقول:
يا قومِ لا يُفلِتكُمُ اليَزيدانْ ... يزيدُ حَزنٍ ويزيدُ الرَّيّانْ
مُخرِّمٌ أعني به والدَّيّانْ
مخرم بن شريح بن المخرم بن جرم بن زياد بن مالك بن الحارث بن مالك ابن ربيعة بن كعب بن
الحارث، وهو صاحب المخرم الذي ببغداذ.
وجعل قيس ينادي: يا آل تميم لا تقتلوا إلا فارساً، فإن الرجّالة لكم، وجعل يرتجز ويقول:
لمّا تَولَّوا عُصَباً شَوازِبَا ... أقسَمتُ لا أطعُنُ إلا رَاكِباً
إني وجدتُ الطَّعنَ فيهم صائباً
وجعل يأخذ الأسرى، فإذا أخذ أسيراً قال: ممن أنت؟ قال: من بني زعبل - وهو زعبل بن كعب،
اخوة الحارث بن كعب، وهم أنذال،
стр. 169
يريدون بذلك رُخص الفداء -
فجعل قيس إذا أخذ منهم أسيراً دفعه إلى ثلاثة من بني تميم، فيقول: أمسكوا حتى أصطاد لكم زعبلة
أخرى.
فما زالوا في أثر القوم يقتلون ويأسرون، حتى أسروا عبد يغوث بن وقاص ابن صلاءة الحارثي،
أسره رجل من بني عبشمس بن سعد، وقُتل يومئذ علقمة بن سبّاح القريعي، وهو فارس هبود، وهو
فرس عمرو بن الجعيد المرادي. وأسر الأهتم وهو سمى بن سنان بن خالد ابن منقر، رئيس كندة،
ويومئذ هُتم الأهتم، وقتلت التيم الأوبر بن أبان ابن دارع الحارثي، وآخر من بني الحارث يقال له
معاوية، قتلهما النعمان بن جساس قبل أن يُقتل، وكان قد قتل يومئذ خمسة من أشرافهم، وقتلت بنو
ضبة ضمرة بن لبيد الحماسي الكاهن، قتله قبيصة بن ضرار بن عمرو الضبي، وأما عبد يغوث فانه
انطلق به العبشمي إلى أهله، وكان العبشمي أهوج، فقالت له أمه - ورأت رجلا شريفاً عظيماً جليلاً
جميلاً - فقالت لعبد يغوث: من أنت؟ قال: أنا سيد القوم. فضحكت وقالت: قبحك الله سيد قوم حين
أسرك هذا فقال عبد يغوث الحارثي:
وتضحكُ مني شَيخَةٌ عَبشَميَّةٌ ... كأنْ لم ترى قبلي أسيراً يمانِيا
فقال: أيتها الحرة، هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: أعطي ابنك مائة من الإبل، وينطلق بي
إلى الأهتم، فإني أتخوّف أن تنتزعني سعد والرباب منه؛ فضمن لها مائة من الإبل، وأرسل إلى بني
الحارث، فسرحوا بها إليه، فقبضها العبشمي، وانطلق به إلى الأهتم، فقال عبد يغوث:
стр. 170
أأهتمُ يا خيرَ البريَّةِ والداً ... ورَهطاً إذا ما الناسُ عَدُّوا المَسَاعيا
تدارَكْ أسيراً عانياً في حِبالِكُم ... ولا تُثقِفَنِّي التيمَ ألقى الدَّواهِيا
ويروى: فإن تثقفني التيم ألق الدواهيا، قال: فمشت سعد وتيم إلى الأهتم فيه، فقالت الرباب: يا بني
سعد، قتل فارسنا، ولم يُتلك لكم فارس مذكور، فدفعه إليهم، فأخذه عصمة بن أبير التيمي، فانطلق به
إلى منزله، فقال عبد يغوث: يا بني تيم، اقتلوني قتلة كريمة، فقال عصمة: وما القتلة الكريمة؟ قال:
اسقوني الخمر، ودعوني أنوح على نفسي. فجاءه عصمة بالشراب، ومضى عصمة وجعل معه ابنين
له، فقالا لعبد يغوث: جمعت أهل اليمن، ثم جئت لتصطلمنا، فكيف رأيت الله صنع بك؟
وذاك أنه لما أسر قال: شدوا لسانه بنسعة لا يهجكم، فضحكت منه عجوز من بني عبشمس بن سعد،
فقال عبد يغوث في ذلك:
ألا لا تَلُومَاني كَفى اللَّومَ ما بِيا ... فما لكما في اللَّومِ نفعٌ ولا لِيَا
ألم تعلما أنّ الملامةَ نَفعُها ... قليلٌ وما لَومي أخي من شِمالِيَا
فيا رَاكِباً إما عرضتَ فبَلِّغَنْ ... نَدَاماي من نَجرَانَ ألاّ تَلاقيا
أبا كَرِبٍ والأ يهمَينِ كِليهما ... وقيساً بأعلى حَضرموتَ اليَمانيا
وتضحكُ مني كَهلَةٌ عبشَمِسَّةٌ ... كأنْ لم ترى قبلي أسيراً يمانيا
وظلَّ نِساءُ التَّيمِ حوليَ رُكَّدا ... يُرَاوِدنَ مني ما تُريدُ نِسائِيا
стр. 171
أقولُ وقد شَدُّوا لساني بنِسعَةٍ ... أمعشرَ تَيمٍ أطلِقوا عن لِسانيا
فإنْ تقتُلوني تقتُلوا بي سيّداً ... وإن تُطلِقوني تحرُبُوني بماليا
أحَقاً عبادَ اللهِ أنْ لستُ سامِعا ... نشيدَ الرُّعاءِ المئثعزِبِينَ المَتَاليا
كأني لم أركبْ جواداً ولم أقُلْ ... لخَيلي كُرِّي نفسي عن رِجَاليا
ولم أسبَأِ الزِّقَّ الرَّويَّ ولم أقُلْ ... لأيسارِ صِدقٍ عَظِّموا ضَوءَ نارِيا
لَحا الله خيلاً بالكُلابِ دعوتُها ... صَريحَهُمُ والآخرينَ المَوالِيا
فلو شِئتُ نجتّني كُمَيتٌ رَجِيلَةٌ ... ترى خلفها الحُوَّ العِتَاقَ تَوالِيا
ولكنني أحمي ذِمارَ أبيكُمُ ... وكان العوالي يَختَطِفنَ المُحاميا
فأبو إلا قتله. فقتلوه بالنعمان بن جساس.
فقالت صفية بنت الخرع التيمية ترثي النعمان بن جساس:
نِطاقُهُ هُندُوَانِيٌّ وجُبَّتُهُ ... فضفَاضَةٌ كأضَاةِ النَّهي مَوضُونَهْ
غابتْ تميمٌ فلم تشهدْ فوارِسُها ... ولم يكونوا غَداةَ الرَّوعِ يُخزُونَهْ
لقد أخذنا شِفاءَ النفسِ لو شُفيتْ ... وما قتلنا به إلا امرءاً دونَهْ
وقال علقمة بن السبّاح لعمرو بن الجعيد، وكان كاهنا فيما يذكرون:
стр. 172
لمّا رأيتُ الأمرَ مخلوجَةً ... أكرَهتُ فيه خُرُصاً مارِنا
قلتُ له خُذهَا فإني امرؤٌ ... يَعرِفُ رُمحي الرجلَ الكاهِنا
وأما وعلة فإنه لحقه رجل من بني سعد فعقر به فنزل الجرمي، وعلة يُحضر على رجليه، فلحق
رجلاً من بني نهد، يقال له سليط بن قتب، فقال له وعلة: أردفني خلفك، فأبى أن يردفه، فنجا
الجرمي يُحضر، وأدركت بنو سعد النهدي فقتلوه، فقال وعلة حين أتى أهله:
لمّا سَمِعتُ الخيلَ تدعو مقاعِساً ... تطلّعَ مني ثُغرةَ النَّحرِ جائِرُ
نَجوتُ نَجاءً ليس فيه وَتيرَةٌ ... كأنّي عِقَابٌ دون تَيمَنَ كاسِر
خُدارِيَّةٌ صَقعاءُ لَبدَ رِيشَها ... بطِخفَةَ يومٌ ذو أهاضِيبَ ماطرُ
وقد قلتُ للنَّهدِيِّ هل أنتَ مُردِفي ... وكيفَ رِدَافُ الفَلِّ أمَّكَ عابِر
أُناشِدُهُ بالرِّحمِ بيني وبينَه ... وقد كان في نَهدٍ وجَرمٍ تَدابُرُ
فمن يَكُ يرجو في تميمٍ هوادَةً ... فليس لِجرمٍ في تميمٍ أواصِر
وذلك أن قيس بن عاصم، لمّا أكثر قومه القتل في اليمن، أمرهم بالكف عن القتل، وأن يحزوا
عراقيبهم. فقالت نائحة عمرو بن الجعيد:
أشَابَ قَذَالَ الرَّأسِ مَصرَعُ سَيِّدٍ ... وفارِسُ هَبُّودٍ أشَابَ النَّواصيا
стр. 173
وقال محرز بن المكعبر الضبي:
فِدىً لقومي ما جمّعتُ مِنْ نَشَبٍ ... إذ ساقَتِ الحربُ أقواماً لأقوامِ
قد حُدِّثَتْ مَذْحِجٌ عنّا وقد عَلِمَتْ ... أنْ لنْ يُورّعَ عن أحسَابِنا حامي
دارت رَحاكُم قليلاً ثمّ وجَّهَكُم ... ضَربٌ يُصَيَّحُ منهُ مَسكِنُ الهام
ساروا إلينا وهم صِيدٌ رؤُوسُهُمُ ... فقد جعلنا لهم يوماً كأيّامِ
ظلّتْ ضِبَاعُ مُجيراتٍ يعُدنَهُمُ ... والحَمُوهُنّ منهم أي إلحَام
ولا حُذُنَّةَ لم نترُك لها سَبُعا ... إلا له جَزَرٌ من شِلوِ مِقدام
حذنة: أرض لبني عامر بن صعصعة:
ظَلّتْ تدُوسُ بني عَمروٍ بِكَلكَلِها ... وهمَّ يومُ بني سَعدٍ بِإظلامِ
رجع إلى القصيدة:
وجئنا بأسلابِ المُلوك وأحرَزَتْ ... أسنَّتُنا مجدَ الأؤِبَّةِ والأكلِ
الأربة جمع الرباب، الاكل قطائع كانت الملوك تؤكّلها الأشراف.
وجئنا بعمروٍ بعدَ ما حَلّ سَربُهَا ... مَحلَّ الذَّليلِ خلفَ أطحَلَ أو عُكلِ
وجئنا بعمروٍ بعدَ ما كانَ تابعاً ... حليفاً لتَيمِ الُلاَّتِ أو لبني عجلِ
стр. 174
يريد عمرو بن تميم، وكانوا غالبوا بني حنظلة، فحالفوا بكر بن وائل، فأقاموا فيهم، وهو قول أوس
بن حجر:
نحنُ بنو عَمروِ بنِ بكرِ بنِ وائلٍ ... نُحَالِفُهُم ما دامَ للزَّيتِ عاصِرُ
فلما احتفلت سعد والرباب على بني حنظلة، خافوا أن يكثروهم ويهتضموهم، فسارت وجوه حنظلة
إلى بني عمرو بن تميم، فحالفوهم وردوهم، فهم يد مع بني حنظلة على سعد والرباب. وأطحل جبل
ينزله بنو ثور بن عبد مناة. وعكل هو عوف بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن اليأس بن مضر بن
نزار، وإنما سمي عُكلا لأن أمَة سوداء حضنته، يقال لها عكل فغلبت على اسمه.
أبى لكُليبٍ أن تُسامي مَعشَراً ... مِنَ الناسِ أن ليسُوا بفَرعٍ ولا أصلِ
سَوَاسيَةٌ سُودُ الوجوهِ كأنهُم ... ظَرَابيُّ غِربَانٍ بمَجرُودَةٍ مَحلِ
السواسية المستوون في الشر خاصة، ولا يقال في الخير. والظرابي جمع ظربان وهو دويبة مثل
جرو الكلب منتن الريح كثير الفسو، والأنثى ظربانه.
فقُل لجريرِ اللُّؤمِ ما أنتَ صانِعٌ ... وبيِّنْ لنا إنّ البيانَ مِنَ الفَصلِ؟
أبُوكَ عَطاءٌ ألأمُ الناسِ كلِّهِم ... فقُبِّحَ مِن شَيخٍ وقُبِّحتَ مِنْ نَجل
رواية كهل.
يقال نجل الرجل، ونسله، وشلخه، وشرخه، وزكوته، وزكبته
стр. 175
وزكمته، بمعنى واحد. وأنشد:
زُكوَةُ عمَّارٍ بَنُو عمَّارِ ... مثلُ الحَراقِيص على الحِمارِ
الحرقوص خنيفس يقرض الوطاب وما أشبهها، إنما همّتهم شيء قذر.
ألستَ كُليبياً إذا سِيَم خُطّةً ... أقَرَّ كإقرَارِ الحَليلَةِ للبَعلِ
وكُلُّ كُلَيبِيٍّ صَفِيحَةُ وجَههِ ... أذَلُّ لأقدَامِ الرِّجالِ مِنَ النَّعلِ
ويروى صحيفة وجهه.
وكُلُّ كُليبيٍّ يَسُوقُ أتانَهُ ... لهُ حاجَةٌ مِن حيثُ تُثقَرُ بالحَبلِ
قال أبو عثمان: سمعت أبا عبيدة يقول: سألت بعض بني كليب: ما أشد ما هُجيتم به عليكم؟ فأنشده
هذه الثلاثة الأبيات. قال أبو جعفر: فقالت عجوز منهم لا، ولكن قول الفرزدق:
أنتم قَرارَةُ كُلِّ مَدفَعِ سَوءةٍ ... ولكُلِّ سائِلَةٍ تَسيلُ قَرارُ
فقال جرير يجيب البعيث. ويهجو الفرزدق:
عُوجِي علينا وأربَعي رَبَّةَ البَغلِ ... ولا تقتُليني لا يَحِلُّ لكم قتلي
أعَاذلُ مَهلاً بعضَ لَومِك في البُطلِ ... وعَقلُكِ لا يذهَبْ فإنّ معي عقلي
فانّكَ لا تُرضي إذا كنتَ عاتباً ... خليلَكَ إلا بالمودّةِ والبَذلِ
أحقّاً رأيتَ الظاعنينَ تَحمَّلُوا ... مِنَ الغِيلِ أو وادي الوريعةَ ذي الأثلِ
стр. 176
وادي الوريعة: لبني يربوع.
لياليَ إذ أهلي وأهلُكِ جيرَةٌ ... وإذ لا نخافُ الصُّرمَ إلا على وصلِ
يقول: لا نتصارم تصارم قطيعة، وإنما صرمنا دلال، ويروى إلا على رحل، أي على عجلة لا
نخاف الصرم إلا أن يعجل بنا فراق.
وإذ أنا لا مالٌ أريدُ ابتياعَهُ ... بمالي ولا أهلٌ أبيعُ بِهم أهلي
خليليَّ هِيجَا عَبرَةً أو قِفا بِنا ... على مَنزلٍ بينَ النقيعَةِ والحبلِ
ويروى على طلل.
النقيعة خبراء بين بلاد بني سليط وضبة، والخبراء أرض تنبت الشجر.
فإني لَبَاقي الدَّمعِ إن كنتُ باكياً ... على كُلِّ دارٍ حلَّها مَرَّةً أهلي
تُريدينَ أن أرضى وأنتِ بخيلَةٌ ... ومَنْ ذا الذي يُرضي الأخِلاّءَ بالبُخلِ
لعَمرُكَ لولا اليأسُ ما انقطعَ الهوى ... ولولا الهوى ما حَنَّ مِن والهٍ قبلي
سقى الرملَ جَونٌ مُستهِلٌّ رَبابُهُ ... وما ذاكَ إلا حُبُّ مَن حَلّ بالرَّملِ
متى تجمعي مَناً كثيراً ونائِلاً ... قليلاً تُقطّعْ منكِ باقيةُ الوَصلِ
ألا تبتغي حلماً فينهى عنِ الجهلِ ... وتصرِمُ جُملاً راحةً لكَ مِنْ جُملِ
فلا تعجبا مِن سورةِ الحُبِّ وانظُرا ... أتنفعُ ذا الوجدِ الملامةُ أو تُسلي
ألا رُبّ يومٍ قد شَرِبتُ بمَشرَبٍ ... سقى الغيمَ لم يشربْ بهِ أحدٌ قبلي
المشرب يعني الريق، والغيم العطش.
وهِزَّةِ أظعانٍ كأنّ حُمُولَها ... غَداةَ استقَلّتْ بالفَرُوقِ ذُرى النّخلِ
стр. 177
هزة أظعان يعني تحركها في السير، وأصل الأظعان النساء على الإبل، ثم استعمل حتى جُعل للنساء بغير إبل.
طَلبتُ ورَيعانُ الشبابِ يقودُني ... وقد فُتنَ عيني أو تَوارَينَ بالهَجلِ
ريعان الشباب أوله، وريعان النهار أوله، وريعان الخيل أولها، والهجل البطن المطمئن من الأرض.
فلما لحِقناهُنّ أبدَينَ صَبوَةً ... وهُنّ يُحاذِرنَ الغَيورَ منَ الأهل
ويروى العيون.
على ساعةٍ ليستْ بساعةِ مَنظَرٍ ... رَمينَ قُلوب القومِ بالحَدَقِ النُّجلِ
ويروى بالأعين.
وما زِلنَ حتى كادَ يَفطِنُ كاشِحٌ ... يزيدُ علينا في الحديث الذي يُبلي
يروى يُملي.
فلم أرَ يوماً مثلَ يومٍ بذي الغَضا ... أصبنا بهِ صَيداً غزيراً على رِجلِ
يروى على رسل.
ألَذَّ وأشفى للفؤادِ مِنَ الجَوى ... وأغيظَ للواشينَ مِنهُ ذوي المَحلِ
الواشي: المبلغ الكلام يريد به الشر، يقول العرب: وشى بينه يشي وشاية، ووشى الثوب يشيه وشياً
ووشية حسنة، قال أبو عبد الله: لا يقال وشى حتى يزينه ويغيره عن حاله، والمحل التبليغ
والتحريش بالنميمة. قال أبو عبد الله: يقال نم الحديث ينمه إذا حكاه، فإذا غيّره
стр. 178
ولونه، قيل وشى، ومن هذا الوشي في الثوب من التلوين، وقوله ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾ أي لون فيها غير الصفرة.
وهاجِدِ مَؤماةٍ بعثتُ إلى السُّرى ... وللنومُ أحلى عندَهُ مِن جنَى النَّحلِ
الموماة هاهنا الفلاة والجمع موام، وهاجد هاهنا الساهر ع هاجد نائم، موماة بلد قفر، وهاجد موماة،
يريد وهاجد في موماة، بعثت أيقظته من نومه، والهاجد في غير هذا الموضع الساهر وهو من
الأضداد.
يقول:
نُزولُ الرَّكبِ فيها كَلاَ ولاَ ... غِشاشاً ولا يَدنُونَ رَحلاً إلى رَحلِ
يريد أنهم يعرسون ولا يحطون عن إبلهم، إنما يخفق أحدهم خفقة ثم ينهض، كقولك لا ولا في
السرعة، والغشاش العجلة، يقال أغششتني عن حاجتي أي أعجلتني.
ليَومٍ أتتْ دونَ الظِّلالِ سَمُومُهُ ... وظَلِّ المَهاصُوراً جَماجِمُها تغلي
يقول: نبهتهم لسير يوم هذه صفته، والصور الموائل الرؤوس سدراً من الحر، كما قال مضرّس بن
ربعي:
ويومٍ مِنَ الشِّعرَى كأنّ ظِبَاءَهُ ... كواعِبُ مقصُورٌ عليها سُتُورُها
تَدلَّتْ عليها الشمسُ حتى كأنما ... بِهنّ صُداعٌ أو فَوَالٍ يصُورُها
стр. 179
تَمنّى رجالٌ مِن تَميمٍ ليَ الرِّدى ... وما ذادَ عن أحسابهم ذائِدٌ مثلي
الردى الهلاك، وقوله رجال من تميم يعني الفرزدق بن غالب، والبعيث بن بشر، وعمر بن لجأ،
وغسان بن ذهيل السليطي، والمستنير بن عمرو، وهو البلتع.
كأنهمُ لا يعلمُونَ مَواطني ... وقدْ عَلِموا أني أنا السابقُ المُبلِي
ويروى وقد جربوا. يريد الذي يبلي البلاء الحسن الجميل.
وأوقَدتُ ناري بالحديدِ فأصبحتْ ... لها لَهبٌ يُصلِي به اللهُ مَنْ يُصلي
يروى وهج.
يعني المواسم وإنما يريد مواسم الشعر وهذا مثل.
إذا سارَ في الرَّكبِ البَعيثُ عَرفتُمُ ... تَزَمُّرَ حمراء العِجانِ على الرَّحْلِ
التزمر التحرك، يقول: إذا رأيت البعيث عرفت حركات أمه فيه أي الهجنة بينة فيه.
لَعَمري لقد أخزى البعيثُ مُجاشِعاً ... وقالَ ذَوو أحسابهم ساء ما يُبلي
ألامَ ابنُ حَمراء العجانِ وباستها ... جُلوبُ القَنا بعدَ الكَلاليبِ والرَّكلِ
ألام من اللوم أساء وأتى بما يلام عليه، والكلاليب مقارع، واحدها كُلاّب والكلاّب المقرعة، جلوب
قروح.
أهُلْبَ استِها فَقعاً بِشَرِّ قَرارَةٍ ... بمَدرَجةٍ بينَ الحُزُونَةِ والسَّهلِ
стр. 180
الهلب الشعر، والفقع الكمأة البيضاء، فقع وفقعة، وجبء وجبأة والجبء الأحمر والأسود جميعاً،
ويقال للأحمر من الكمأة والأسود جميعاً جبأة، ومنها بنات أوبر، وهي كمآت صغار زغب، ومنها
الذعاليق والبرانيق، وهي إلى الطول، ومنها المغاريد وهي صغار مستديرة واحدها مغرود، ومن
جنس الكمأة الذآنين واحدها ذؤنون وهي تنبت في أصول الأرطى - سألت أبا جعفر عن الذآنين
فقال: نبت كأنه البصل ثم يجف فيخرج منه شبيه بالخنافس تمشي، وقد رأيته وأطعمته جملي - ومن
جنس الكمأة وليس بها الطراثيث، واحدها طرثوث وهي تنبت في أصول الرمث، والكمأة تنبت في
أصول الأجرد والقصيص، وهما ضربان من الشجر، والعساقل والعقابل صغار شبيه ببنات أوبر، إلا
أنها أكبر منها، وأنشدنا محمد بن القاسم الباهلي:
ولقد جَنَيتُكَ أكمُؤاً وقَعَابِلا ... ولقد نَهيتُكَ عن بناتِ الأوبِرَ
وأنشدنا النمري وعساقلا مكان قعابل.
جَزِعتَ إلى دُرجَي نَوارَ وغِسلِها ... وأصبحتَ عَبداً لا تُمِرُّ ولا تُحلي
يعني الفرزدق. يقول: لم يكن لك نكير إلا الرجوع إلى امرأتك والجلوس معها، نوار بنت أعين بن
ضبيعة بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع.
لعَمري لَئِن كانَ القُيونُ تَواكَلُوا ... نَوارَ لقد آبتْ نَوارُ إلى بَعلِ
يروى فحل.
следующие страницы →