← Адаб

Адаб · id 13609

شرح نقائض جرير والفرزدق

أبو عبيدة معمر بن المثنى

Полный текст (970 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إن بني فزارة اجتمعوا، هم وبنو ثعلبة وبنو مرة، فالتقوا هم وبنو عبس بالخاثرة من جنب ذي بقر، فقتلوا منهم مالك بن سبيع بن عمرو الثعلبي، قتله الحكم بن مروان بن زنباع العبسي، وعبد العزى بن حذار الثعلبي، والحارث بن بدر الفزاري، وهرم بن ضمضم المري، قتله ورد ابن حابس العبسي، ولم يشهد ذلك اليوم حذيفة بن بدر، فقالت نائحة هرم بن ضمضم المري: يا لَهفَ نفسي لَهفَةَ المَفجُوعِ ... إذ لا أرى هرِما على مَودُوع أمِنْ أجلِ سيِّدِنا ومصرعِ جَنبِهِ ... عَلِقَ الفؤادُ بحنظَلٍ مَصدُوعِ ثم إن حذيفة جمع وتهيأ، فاجتمع معه بنو ذبيان بن بغيض، فبلغ بني عبس أنهم قد ساروا إليهم، فقال قيس بن زهير: أطيعوني، فوالله لئن لم تفعلوا لأتكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري، قالوا: فإنّا نطيعك، فأمرهم فسرّحوا السوام والضعفاء بليل، وهم يريدون أن يظعنوا من منزلهم ذلك، ثم ارتحلوا في الصبح، وأصبحوا على ظهر المعنقة، وقد مضى سوامهم وضعفاؤهم، فلما أصبحت طلعت الخيل عليهم من الثنايا، فقال: خذوا غير طريق المال، فإنه لا حاجة للقوم أن يقعوا في شوكتكم، ولا يريدون بكم في أنفسكم شراً من ذهاب المال. فأخذوا غير طريق المال، فلما أدرك حذيفة الأثر ورآه قال: أبعدهم الله وما خيرهم بعد ذهاب أموالهم. فاتّبع المال، وسارت ظعن بني عبس والمقاتلة من ورائهم، وتبع حذيفة وبنو ذبيان المال، فلما أدركوه ردّوا

стр. 107

أوله على آخره، ولم يُفلت منهم شيء، وجعل الرجل يطرد ما قدر عليه من الإبل، فيذهب بها. وتفرّقوا واشتد الحر، فقال قيس بن زهير: يا قوم إن القوم قد فرّق بينهم المغنم، فأعطفوا الخيل في آثارهم، فلم تشعر بنو ذبيان، إلا والخيل دوائس، فلم يقاتلهم كبير أحد، وجعل بنو ذبيان إنما همة الرجل في غنيمته، أن يحوزها ويمضي بها، فوضعت بنو عبس فيهم السلاح، حتى ناشدتهم بنو زياد البقية، ولم يكن لهم هم غير حذيفة فأرسلوا مجنبتين في أثره، وأرسلوا خيلاً تنفضُ الناس، ويسألونهم حتى سقط خبر حذيفة من الجانب الأيسر، على شدّاد بن معاوية بن ذهل بن قراد بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس، وعمرو بن الأسلع، والحارث بن زهير، وقرواش بن هني بن أسيد بن جذيمة، وجنيدب، وكان حذيفة استرخى حزام فرسه، فنزل عنه، فوضع رجله على حجر مخافة أن يُقتص أثره، ثم شد الحزام فوضع صدر قدمه على الأرض، فعرفوه وعرفوا حنف فرسه - والحنف أن تُقبل إحدى اليدين على الأخرى، وفي الناس أن تُقبل إحدى الرجلين على الأخرى، وأن يطأ الرجل على وحشيّهما، وجمع الأحنف حنف - فاتبعوه، ومضى حتى استغاث بجفر الهباءة، وقد اشتد الحر، فرمى بنفسه، ومعه حمل بن بدر، وحنش بن عمرو، وورقاء بن بلال، وأخوه، وهما من بني عدي بن فزارة، وقد نزعوا سروجهم وطرحوا سلاحهم، ووقعوا في الماء، وتمعّكت دوابهم، وبعثوا ربيئة فجعل يطّلع فينظر، فإذا لم ير شيئاً رجع فنظر نظرة فقال: إني رأيت شخصاً، كالنعامة أو كالطائر، فوق القتادة من قبل مجيئنا، فقال حذيفة: هنّا وهنّا عن شداد على جروة - وجروة فرس شدّاد، والمعنى دع ذكر شداد عن يمينك وشمالك، واذكر غيره لما كان يخاف من شداد - فبينما هم يتكلمون، إذا هم بشداد بن معاوية واقفاً عليهم، فحال

стр. 108

بينهم وبين الخيل، ثم جاء عمرو بن الأسلع، ثم جاء قرواش، حتى تتاموا خمسة، فحمل جنيدب على خيلهم، فاطّردها وحمل عمرو بن الأسلع وشداد عليهم في الجفر، فقال حذيفة يا بني عبس: فأين العود والأحلام؟ فضرب حمل بن بدر رأس كتفيه وقال: اتق مأثور القول بعد اليوم. فأرسلها مثلا. وقتل قرواش ابن هني حذيفة، وقتل الحارث بن زهير حمل بن بدر، وأخذ منه ذا النون سيف مالك بن زهير، وكان حمل أخذه من مالك بن زهير يوم قتله، فقال الحارث في ذلك: تركتُ على الهَباءَةِ غيرَ فَخرٍ ... حُذيفَةَ حولَه قِصَدُ العوالي سيُخبِرُ قومَهُ حَنَشُ بنُ عمروٍ ... إذا لاقاهُمُ وابنَا بلال ويُخبِرُهُم مكانَ النُونِ مني ... وما أُعطِيُتُهُ عَرقَ الخِلال العرق المكافأة والمودة، والخلال الخُلّة. يقول: لم يعطوني السيف عن مودة، ولكني قتلت وأخذت، فأجابه حنش بن عمرو أخو بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان:. سيُخبرُكَ الحديثَ بكم خَبيرٌ ... يجاهِدُكَ العَداوَةَ غيرُ آلِ بُداءَتُها لِقرواشٍ وعمروٍ ... وأنت تَجولُ جَوبُكَ في الشِّمال الجوب الترس، يقول بداءة الأمر لقرواش وعمرو بن الأسلع، حين اقتحما الجفر وقتلا من قتلا، وأنت تُرسك في يدك تجول، لم تغن شيئاً.

стр. 109

ويقال لك البداءة ولفلان العوادة. وقال قيس بن زهير: تَعلَّم أنَّ الناسِ مَيتٌ ... على جَفرِ الهَباءَةِ ما يَريمُ ولو ظُلمُهُ ما زِلتُ أبكي ... عليه الدهرَ ما طَلعَ النُّجومُ ولكنَّ الفتى حملَ بنَ بدرٍ ... بَغى، والبَغيُ مَرتَعُهُ وخِيمُ أظُنُّ الحِلمَ دلَّ عليَّ قومي ... وقد يُستَجهَلُ الرجلُ الحليمُ فلا تَغشَى المظَالِمُ أن تَراهُ ... يُمتَّعُ بالغِنَى الرجُلُ الظلومُ ولا تَعجَلْ بأمرِكَ واستَدِمهُ ... فما صَلَّى عَصاكَ كمُستديمِ يقول عليك بالتأني، وإياك والعجلة، فإن العجول لا يُبرم أمراً، كما أن الذي يُثقف العود إذا لم يُجد تصليته على النار لم يستقم له. أُلاقي من رجالٍ مُنكَرَاتٍ ... فأُنكِرُها وما أنا بالغَشُومِ ولا يُعِييكَ عُرقُوبٌ لِلأيٍ ... إذا لم يُعطِكَ النِّصفَ الخصيمُ قوله عرقوب، يقول: إذا لم يُنصفك خصمك فأدخل عليه عرقوباً ينسخ حجته. ومارستُ الرِّجالَ ومارَسُوني ... فمُعوَجٌ عليَّ ومستقيمُ وقال في ذلك شداد بن معاوية العبسي وهو أبو عنترة: مَنْ يَكُ سائلاً عني فإني ... وجَروَةَ لا تَرُودُ ولا تعارُ مُقرَّبَةُ الشِّتاءِ ولا تَرَاها ... أمامَ الحَيِّ تتبَعُها المِهار

стр. 110

لها بالصِّيفِ آصِرَةٌ وجُلٌّ ... وسِتٌّ من كرائِمِها غِزار ألاَ أبلغْ بني العُشَراءِ عني ... عَلانِيَةً وما يُغني السِّرارُ قتلتُ سَراتَكُم وحَسَلتُ منكم ... حَسيلاً مثلَ ما حُسِلَ الوَبَار وحسالة الناس، وحفالتهم، ورعاعهم، وخمانهم، وشرطهم، وحثالتهم، وحشارتهم، وغفاهم السفلة. وكان ذلك اليوم يوم ذي حسى، ويزعم بعض بني فزارة، أن حذيفة يومئذ كان أصاب فيمن أصاب من بني عبس، تُماضر بنت الشريد السلمية، أم قيس فقتلها وكانت في المال. ولم أقتَلُكُمُ سِرّاً ولكِنْ ... عَلانيَةً وقد سَطعَ الغُبارُ ثم إن بني عبس ظعنوا، فحلّوا إلى كلب بعراعر، وقد اجتمع عليهم بنو ذبيان، فقاتلتهم كلب فهزمتهم عبس، وقتلوا مسعود بن مصاد الكلبي، أحد بني عُليم بن جناب، فقال عنترة في ذلك، وهي في شعره: ألا هل أتاها أنَّ يومَ عُرَاعِرٍ ... شَفى سَقَماً لو كانتِ النفسُ تَشتفِي قال: فأجلتهم الحرب، فلحقوا بهجر، وامتاروا منها، ثم حلُّوا على بني سعد بني سعد بن زيد مناة، وهم بالفروقِ، وقد آمنتهم بنو سعد ثلاث ليال، فأقاموا، ثم إنهم شخصوا عنهم، فاتبّعهم ناس من بني سعد، فقاتلهم العبسيون فامتنعوا، حتى رجع بنو سعد، وقد خابوا ولم يظفروا منهم بشيء، فقال عنترة في ذلك:

стр. 111

ألا قاتلَ الله الطُّلولَ البَواليا ... وقاتلَ ذِكرَاكَ السِّنينَ الخَواليا ونحن منَعنَا بالفَروُقِ نِساءَنا ... نُطَرِّفُ عنها مُسبِلاتٍ غَواشيا وسُئل قيس بن زهير، كم كنتم يوم الفروق؟ قال مائة فارس كالذهب، لم نكثر فنفشل، ولم نقل فنضعف. ثم سارت بنو عبس حتى وقعوا باليمامة، فقال قيس بن زهير: إن بني حنيفة قوم لهم عز وحصون، فحالفوهم، فخرج قيس بن زهير حتى أتى قتادة بن مسلمة الحنفي، وكان أحد جرّاري ربيعة - قال ابن حبيب: الجرار من قاد ألف فارس، فإن لم يقد ألف فارس فليس بجرار - وهو يومئذ سيدهم، فعرض عليهم قيس نفسه وقومه، فقال: ما يُرد مثلكم، ولكن لي في قومي أمراء، لابد من مشاورتهم، وما نُنكر حسبك ولا نكايتك، فلما خرج قيس من عنده، قيل له ما تصنع، تعمد إلى أفتك العرب وأجرئهم فتُدخله أرضك، فيعلم وجوه أرضك، وعورة قومك، ومن أين يؤتون؟ فقال كيف أصنع وقد وأيت له - أي وعدت - أستحيي من رجوعي، فقال له السمين الحنفي: أنا أكفيك. قيس هو رجل حازم متوثق، لا يقبل إلا الوثقة، فلما أصبح غدا فلقيه السمين الحنفي، فقال: إنك على خير، وليست عليك عجلة، فلما رأى ذلك قيس، ومر على جمجمة إنسان بالية فضربها برجله، وقال: رُبّ خسف قد أقرّت به هذه الجمجمة، مخافة مثل هذا اليوم، وإن مثلي لا يقبل إلا القوي من الأمر. فلما لم ير ما يُحب، احتمل فلحق ببني عامر بن صعصعة، فنزل هو وقومه على بني شكل، من بني الحريش، وهم بنو أختهم، وكانت أمهم عبسية، فجاوروهم وكانوا يرون عليهم أثرة، وسوء جوار، واستخفافاً بهم. فقال نابغة بني ذبيان:

стр. 112

لَحا الله عُبساً عَبسَ آل بُغيِّضٍ ... كَلَحي الكِلابِ العَوياتِ وقد فَعَل فأصبحتُمُ والله يفعلُ ذاكُمُ ... يَعزُّكُمُ مَولَى مواليكم حَجَل إذا شاءَ منهم ناشِئٌ دَربَخَتْ له ... لطيفَةُ طَيءِّ الكَشحِ رابِيَةُ الكَفَل دربخت له جبّت وقامت على أربع حتى يأتيها. فأصبحتُمُ والله يَفعلُ ذاكُمُ ... تَنيكُ النِّساءَ المُرضِعاتِ بَنُو شَكَل فمكثوا مع بني عامر، يتجنون عليهم، ويرون منهم ما يكرهون، حتى غزتهم بنو ذبيان وبنو أسد ومن تبعهم من بني حنظلة، يوم جبلة، فأصابوا يومئذ زبّان بن بدر، فكانوا معهم ما شاء الله. ثم إن رجلاً من الضباب، أسره بنو عبد الله بن غطفان، والضبابي هو أخو الحنبص، فاستودعه الذي أسره يهودياً ليغزو، ثم يعود فاتهمه اليهودي بامرأته فخصاه، فقال لحنبص الضبابي لقيس بن زهير: أدَّ إلينا ديته، فإن مواليك بني عبد الله أصابوا صاحبنا، وبنو عبد الله بن غطفان حلفاء بني عبس، فقال قيس: ما كنا لنفعل. فقال: والله لو أصابه مر الريح لوديتموه. فقال قيس في ذلك: لَحى الله قوماً أرَّشُوا الحربَ بيننا ... سَقَونَا بها مُرّاً مِنَ الشِّربِ آجِنا وحَرمَلَةَ النَّاهيهمُ عَنْ قِتَالِنا ... وما دَهرَهُ إلا يكونُ مُطَاعِنَا أُكَلَّفَ ذا الخُصيّينِ إن كانَ ظالماً ... وإن كان مَظلوماً وإن كان شَاطِنا

стр. 113

خَصَاهُ امرؤٌ من أهلِ تَيمَاءَ طَابنٌ ... ولا يَعدَمُ الأنسِيُّ والجِنُّ طَابِنا الطابن الفطن، يقول: يخصه يهودي وأكلف أناديته. فهلاَّ بَني ذُبيانَ وسطَ بُيُوتهم ... رَهَنتَ بمَرِّ الريحِ إن كنتَ رَاهِنا وخَابَستُهُم حقِّي خلالَ بُيُوتهم ... وان كنتُ ألقَى من رجالٍ ضَغَائِنا إذا قلتُ قد أُفلِتُ من شرِّ حَنبَصٍ ... لَقيتُ بأُخرى حنبَصاً مُتَباطِنا فقد جَعلتْ أكبَادُنَا تَجتوِيكُمُ ... كما تجتوِي سُوقُ العَضَاهِ الكَرازِنَا تَدَرَّوَننا بالمُنكَراتِ كأنّما ... تَدرَّونَ ولداناً تَرَمَّى الرَّهَادِنا تدرّوننا تختلوننا والرهادن جمع رهدن وهو شبيه بالعصفور، ويقال باللام كما قالوا غرين وغريل، وهو التقن في أسفل الحوض، وترمى من الرمي. وقال النابغة الذبياني يرد على قيس بن زهير: إبكِ بُكاءَ النِّساءِ إنكَ لن ... تهَبِطَ أرضاً تُحبُّها أبدَا نحن وَهَبنَاكَ للحَريش وقد ... جَاوَرتَ في أرضِ جَعفَرٍ عَددا وأغار قرواش بن هني العبسي، وبنو عبس يومئذ في بني عامر، على بني فزارة، فأخذه أحد بني العشراء، الأخرم بن سيار، أو قطبة بن

стр. 114

سيار بن عمرو بن جابر بن عقيل بن سمي بن مازن بن فزارة، أخذه تحت الليل فقال له: من أنت؟ فقال له: رجل من بني البكاء، فعرفت كلامه فتاة من بني مازن بن فزارة كانت ناكحاً في بني عبس، فعرفت صوته فقالت: أبا شريح، أما والله لنعم مأوى الأضياف، وفارس الخيل أنت. قال: ومن هو؟ قالت: قرواش بن هني، فدفعوه إلى بني بدر فقتلوه وكان قتل حذيفة. وزعم بعض الناس أنهم دفعوه إلى بني سبيع، فقتلوه بمالك بن سبيع. وكان قتل مالك بن سبيع الحكم بن مروان بن زنباع، فقال نهيكة بن الحارث الفزاري: صبراً بغيضَ بنَ رَيثٍ إنها رَحِمٌ ... جِئتُم بها فأناخَتكُم بِجَعجَاع فما أشَطَّتْ سُميٌّ أنْ هُمُ قَتلوا ... بني أُسيدٍ بقتلى آل زِنباعِ لقد جزتكُم بنو ذُبيانَ ضاحِيَةً ... بما فعلتُم ككَيلِ الصَّاعِ بالصَّاع قتلاً بقتلٍ وتعقيراً بعَقرِكُم ... مهلاً حُميضَ فلا يسعى بنا الساعي وقال في ذلك عنترة هَدِيُّكُم خيرٌ أباً من أبيكُمُ ... أعَفُّ وأوفى بالجِوارِ وأحْمَدُ الهدي هاهنا الأسير، والهدي الجار، والهدي العروس، والهدي ما أهديت إلى بيت الله الحرام. أهل العالية يخفّفون الهدى إلى بيت الله ، وأهل نجد يُحركونه ويثقلونه -

стр. 115

وأحمىَ لدى الهَيجا إذا الخيلُ صَدَّها ... غَداةَ الصَّباحِ السَّمهَرِيُّ المُقصَّدُ فهلاَّ وفي الغَوغاءُ عمرو بنُ جابرٍ ... بذَمَّتِهِ وابنُ اللقيطَةِ عِصيَدُ سَيأتيكُمُ مني وإن كنتُ نائِياً ... دُخانُ العَلَندَى حولُ بيتيَ مِذوَدُ أي هجاء يذود عني، والعلندي شجر كثير الدخان مؤذ، يقول: يأتيكم هجاء مؤذ. قصائدُ مِن بَزِّ امرئٍ يحتذِيكمُ ... وأنتم بجسمي فارتَدُوا أو تقلَّدوا وقال قيس بن زهير: ما لي أرى إبلي تَحِنُّ كأنها ... نَوحٌ تُجاوِبُ مَوهِناً أعشارا الموهن بعد صدر من الليل. وأعشار جمع عشر. لن تهبطي أبداً جُنوبَ مُويسِرٍ ... وقَنا قُراقِرَتينِ والإمرارا أجَهِلتِ من قومٍ هَرَقتُ دِمَاءَهم ... بيَدي ولم أدِهِم بجَنبِ تعَارا إنَّ الهوادَةَ لا هوادةَ بيننا ... إلا التجاهُدُ فاجَهدِنَّ فَزارا إلا التَّزاوُرُ فوقَ كلِّ مُقَلِّصٍ ... يهدِي الجِيادَ إذا الخميسُ أغارا فلأهبِطَنَّ الخيلَ حُرَّ بِلادِكم ... لُحقَ الأياطِلِ تَنبِذُ الأمهارا حتى تزورَ بلادَكم وتُرَى بها ... مِنكُم مَلاحِمُ تُخشِعُ الأبصارا وقال قيس بن زهير في مالك بن زهير، ومالك بن بدر: أخي والله خيرٌ من أخيكُم ... إذا ما لم يَجِد بَطلٌ مَقاما

стр. 116

أخي والله خيرٌ من أخيكُم ... إذا لم يَجِد راعٍ مَساما ويروى مُساما. يقال: سامت الإبل مَساما، وأسمتُها مُساما. أخي والله خيرٌ من أخيكُم ... إذا الخَفِراتُ أبدَينَ الخِداما قتلتُ به أخاكَ وخيرَ سَعدٍ ... فإنْ حَرباً حُذُيفُ وإن سلاما تَرُدُّ الحربُ ثَعلبةَ بنَ سعدٍ ... بحمدِ الله يَرعَونْ البِهاما وتُغني مُرَّةَ الأثرَينَ عنّا ... عُروجُ الشَّاءِ تَترُكهُ قِياما وكيف تقولُ صبرُ بني حجَانٍ ... إذا غَرِضوا ولم يَجِدُوا مَقاما غرضوا ملُّوا في هذا الموضع. ولولا آلُ مُرَّةَ قد رأيتُم ... نَواصِيَهُنَّ يَنضُونَ القَتَاما وقال نابغفة بني ذبيان: أبْلِغْ بني ذبيانَ إلاّ أخَالَهم ... بعَبسٍ إذا حَلُّوا الدِّماخَ فأظلَمَا بجَمعٍ كلَونِ الأعبَلِ الوَردِ لونُهُ ... ترى فيه نَواحيهِ زُهيرا وحذيَما الأعبل الحجارة البيض، ويقال الجبل الأبيض، واحدها أعبل، والجمع أعابل. همُ يَرِدُونَ الموتَ عند لقائِهِ ... إذا كان وَردُ الموتِ لابدَّ أكرَما

стр. 117

ثم إن بني عبس ارتحلوا عن بني عامر، فساروا يريدون بني تغلب، فأرسلوا إليهم أن أرسلوا إلينا وفداً، فأرسل إليهم بنو تغلب ثمانية عشر راكباً، فيهم ابن الخمس التغلبي، قاتل الحارث بن ظالم. وفرح بهم بنو تغلب وأعجبهم ذلك. فلما رأى الوفد بني عبس قال لهم قيس: انتسبوا نعرفكم، فانتسبوا حتى مر بابن الخمس، فقال: أنا ابن الخِمس، فقال قيس: إن زمانا أمنتنا فيه لزمان سوء. قال ابن الخمس: وما أخاف منك؟ والله لأنت أذل من قُراد تحت منسم بعيري. فقتله قيس، وإنما قتله بالحارث بن ظالم لأن الحارث كان قتل بزهير بن جذيمة، خالد بن جعفر بن كلاب، فلما دخل الحارث على النعمان، قال: من كان له عند هذا ثأر فليقتله، فقام إليه ابن الخمس فقتله، فقال: تقتلني ياابن شر الأظماء. قال: نعم يا ابن شر الأسماء. فقتل قيس ابن الخمس بالحارث بن ظالم. فلما رأى ذلك قيس، قال: يا بني عبس، ارجعوا إلى قومكم فهم خير الناس لكم فصالحوهم، فأما أنا فلا والله لا أجاور بيتاً غطفانياً أبداً، فلحق بعمان فهلك بها. ورجع الربيع وبنو عبس فقال الربيع بن زياد في ذلك: حَرَّقَ قيسٌ عليَّ البلادَ ... حتى إذا اضطَرَمتْ أجذَما جَنِيَّةُ حربٍ جَناها فما ... تُفُرِّجَ عنه ولا أُسلِما عَشيَّةَ يُردِفُ آلَ الرِّبا ... بِ يُعجِلُ بالرَّكضِ أنْ يُلجِما

стр. 118

ونحنُ الفوارسُ يومض الهَريرِ ... إذ تُسلِمُ الشَّفَتانِ الفَمَا ويروى إذ تقلص، أراد تقلص الشفتان من الهول. إذا ذُعِرَتْ من بَياضِ السُّيو ... فِ قُلنا لها أقدِمي مُقدَمَا ولما انصرف الربيع بن زياد، وكان يُدعى الكامل، أتى بني ذبيان ومعه ناس من بني عبس، فأتى الحارث بن عوف بن أبي حارثة، فوقفوا عليه فقالوا: هل أحسست لنا الحارث بن عوف، وهو يعالج نحياً. فقال: هو في أهله. ولبس ثيابه، فطلبوه ثم رجعوا وقد لبس ثيابه فقالوا: ما رأينا كاليوم قط مركوباً إليه. قال: ومن أنتم؟ قالوا: بنو عبس، ركبان الموت. قال: بل أنتم ركبان السلم والحياة، مرحباً بكم، لا تنزلوا حتى تأتوا حصن بن حذيفة. فقالوا: نأتي غلاماً حديث السن، وقد قتلنا أباه وأعمامه ولم نره قط! فقال الحارث: نعم إن الفتى حليم، وإنه لا صُلح حتى يرضى. فأتوه عند طعامه، فلما رآهم، ولم يكن رآهم حصن، قالوا: هؤلاء بنو عبس. فلما أتوه حيّوه. قال: من أنتم؟ قالوا: ركبان الموت، فحياهم، وقال: بل أنتم ركبان السلم والحياة، إن تكونوا احتجتم إلى قومكم، فقد احتاج قومكم إليكم. هل أتيتم سيدنا الحارث ابن عوف؟ قالوا: لم نأته. وكتموا إتيانهم إياه. قال: فأتوه. فقالوا: ما نحن ببارحيك حتى تنطلق معنا. فخرج يضرب أوراك أباعرهم قبله، حتى أتوه. فلما أتوه، حلف له حصن هل أتوك قبلي؟ قال: نعم. فقال: قم بين عشيرتك، فإني معينك بما أحببت. قال الحارث: فأدعوا معي خارجة بن سنان. قال: نعم. فلما اجتمعا قالا لحصن: تُجيرنا من

стр. 119

خصلتين: من الغدر بهم، والخذلان لنا، قال: نعم فقاما بينهم، فباءؤوا بين القتلى، وأخرجا لبني ثعلبة بن سعد ألف ناقة، وأعانهم فيها حصن بخمس مائة ناقة. وزعموا أنه لما اصطلح الناس، وكان حصين بن ضمضم قد حلف أن لا يصيب رأسه غُسل، حتى يقتل بأخيه هرم بن ضمضم. فأقبل رجل من بني عبس يقال له ربيعة بن وهب بن الحارث ابن عدي بن بجاد، وأمه امرأة من بني فزارة، يريد أخواله، فلقيه حصين بن ضمضم المري فقتله بأخيه الذي قتله ورد بن حابس العبسي. فقال حيّان بن حصين العبسي: سالَمَ الله مَنْ تَبرَّأ مِن غَيْ ... ظٍ ووَلَّى أثَامَها يَربوعا قَتلونَا بعدَ المواثيقِ بالسُّح ... مِ تَرَاهُنَّ في الدِّماءِ كُروعا إن تُعيدوا حَربَ القَليبِ علينا ... تجدُوا أمرَنا أحَذَّ جميعا فلما بلغ فزارة قتل حصين بن ضمضم، ربيعة بن وهب، غضبوا وغضب حصن في قتل ابن أختهم، وفيما كان من عقد حصن لبني عبس. وغضب بنو عبس فأرسل إليهم الحارث ابنه، فقال: اللبن أحب إليكم أم أنفسكم؟ يعني ابنه. يقول: إن شئتم فاقتلوه، وإن شئتم فالدِّية. قالوا: اللبن أحب إلينا. فأرسل إليهم مائة من الإبل، دية ربيعة ابن وهب. فقبلوا الدية، وتموا على الصلح. فقال شييم بن خويلد الفزاري: حلَّت أُمَامَةُ بطنَ البَينِ فالرَّقَمَا ... واحتَلَّ أهلُكَ أرضاً تُنبِتُ الرَّتَما الرتم شجر، الواحدة رتمة.

стр. 120

فذاتَ شَكٍّ إلى الأعراجِ مِن إضَمٍ ... وما تَذكُّرُهُ من عاشِقٍ أمَمَا هَمٌّ بعيدٌ وشَأوٌ غيرُ مُؤتَلَف ... إلا بمرؤودَةٍ ما تشتكي السَّأمَا المزؤودة المرعوبة من ذكائها. أنْضَيتُها مِن ضُحَاهَا أو عَشيَّتِها ... في مُستَتِبٍّ تَشُقُّ البِيدَ والأكَما تسمعُ أصواتَ كُدرِيِّ الفِراخِ به ... مِثلَ الأعاجِمِ تُغشي المُهرَقَ القَلما يا قومَنا لا تَعُرُّونا بمَظلَمَةٍ ... يا قومَنا واذكُروا الآلاءَ والذِّمَمَا في جارِكم وابنِكم إذ كان مَقتَلُهُ ... شَنعاءَ شَيَّبت الأصداغَ واللِّمَما عيَّ المَسُودُ بها والسَّائِدونَ فلم ... يُوجَدْ لها غيرُنا مولىً ولا حَكما كُنَّابِها بعدما طِيخَتْ عُروضُهُمُ ... كالهِبرقيَّةِ ينفي لِيطُها الدَّسَما الهبرقية السيوف والهبرقي الحداد. أراد كالسيوف الماضية تسبق الدم. والليط اللون. إني وحِصناً كذِي الأنفِ المَقُولِ له ... ما مِنكَ أنفُك إن أعضَضتَهُ الجَلَما أإنْ أجارَ عليكم لا أبَا لكُمُ ... حِصنٌ تقطَّرُ آفاقُ السماءِ دَما أدُّوا ذِمَامَةَ حِصنٍ أو خُذوا بِيَدٍ ... حرباً تَحُشُّ الوَقودَ الجَزلَ والضَّرَما وقال ابن عنقاء الفزاري، وهو عبد قيس بن بحرة:

стр. 121

إنْ تَأتِ عبسٌ وتَنصُرها عَشيرتُها ... فليس جارُ ابنِ يربوعٍ بمخذولِ كِلا الفريقينِ أعيَا قتلِ صاحِبِهِ ... هذا القَتيلُ بمَيتٍ غيرِ مَطلولِ باءَتْ عَرارِ بِكَحلٍ والرِّفاقُ معاً ... فلا تَمنَّوا أمانيَّ الأضَاليلِ عرار وكحل ثور وبقرة كانا في بني إسرائيل، فعُقر كحل فعُقرت به عرار، فوقعت الحرب بينهم، حتى تفانوا، وزعموا أن بني مرة وبني فزارة لما اصطلحوا وباؤوا بين القتلى، أقبلوا يسيرون حتى نزلوا على ماء، يقال له قلهى، وعليه بنو ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فقالت بنو مرة، وبنو فزارة، لبني ثعلبة: أعرضوا عن بني عبس فقد باؤوا بالقتلى بعضهم ببعض. فقالت بنو ثعلبة: فكيف تأتون بعبد العزّى بن حذار، ومالك بن سبيع، أتهدروانهما وهما سيدا قيس عيلان، فوالله ما نشم هذا بأنوفنا أبداً. فمنعوهم الماء حتى كادوا يموتون عطشاً. فلما رأوا ذلك أعطوهم الدية. فقال في ذلك معقل بن عوف بن سبيع الثعلبي: لَنِعمَ الحيُّ ثعلبةَ بنَ سعدٍ ... إذا ما القومُ عَضَّهُمُ الحديدُ همُ رَدُّوا القبائلَ من بغيض ... بغيظِهِمُ وقد حَمِيَ الوقود تُطَلُّ دماؤُهم والفَضلُ مِنَا ... على قَلهَى ونَحكمُ ما نُريد وقال شريح بن بجير الثعلبي: نحنُ حَبسنَا بالمَضيقِ ثَمانِيا ... نَحُشُّ الجِيادَ الرَّاءَ فهي تأوَّدُ

стр. 122

الراء شجر مر، يقول: حبسنا نحبس خيلنا على الثغر، حفاظا. فهي تأود ضعفاً. وفيها إذا جَدَّ الصَّوارِخُ شاهدٌ ... مِنَ الجَريِ أو تُدعى لها فتُجَرَّدُ ولو أنّ قومي قومُ سَوءٍ أذِلَّةٌ ... لأخرَجَني عَوفٌ وعَوفٌ وعِصيَدُ الأول عوف بن أبي حارثة، والثاني عوف بن سبيع، وعصيد لقب لحصن بن حذيفة. وعَنترةُ الفَلحَاءُ جاءَ مُلأّماً ... كأنكَ فِندٌ من عَمَايةَ أسودُ الفلحاء، كان مشقوق الشفة، ومنه قولهم الحديد بالحديد يفلح، والفلاح الأكار الذي يشق الأرض. والفلح شق. وفند قطعة من الجبل، وعماية جبل. تُطيفُ به الحُشَّاشُ يُبسٌ تِلاعُهُ ... حِجارَتُهُ من قِلةِ الخيرِ تَصلِدُ الحشاش الذين كانوا يحتشون. يقول: لا خير فيهم، والصلد اليابس. ولكنَّ قومي أحرَزَتني رِماحُهُم ... فآبَى وأُعِطي الوُدَّ مَنْ يَتودَّدُ إذا جاءَ مُرِّيٌّ جَرَرنا برَأسه ... إلى الماءِ والعَبسيُّ بالنارِ يَفأدُ يفأد يشوي. والفئيد الشواء. فأمّا ابنُ سيَّارِ بنِ عمرِو بنِ جابرٍ ... ففوزَ ظِمءَ الضَّبِّ أو هوَ أجلَدُ فوزّ أي ركب المفاوز كالضب الذي لا يشرب الماء.

стр. 123

فهذا ما كان من حديث داحس والغبراء، وبلغنا أن الحرب كانت فيهم أربعين سنة، وصار داحس مثلا. وقال البعيث: أأنْ أمرعَتْ مِعزَى عطَّيةَ وارتَعَتْ ... تِلاعاً مِنَ المرَوُّتِ أحوى جميمُهَا أمرعت أخصبت. والتلاع مسايل الماء، والمروت من بلاد بني تميم، والأحوى الشديد الخضرة، والجميم من النبت ما كثر وأمكن المال أن يرعاه. تعرَّضتَ لي حتى ضَرَبتُكَ ضربةً ... على الرأس يَكبو لليدينِ أميمُهَا ويروى صككتك صكة، والأميم هو المأموم الذي تهجم ضربته على أم الرأس، وهي الجلدة التي تجمع الدماغ تحت العظم إذا شقّها شيء ووصل إليها مات صاحبها. إذا قاسَها الآسي النِّطاسيُّ أُرعِشَتْ ... أنَامِلُ كَفيَّهْ وجاشَتْ هُزُومُهَا الآسي المتطبب. والنطاسي البصير العالم، يقال: فلان نَطِس ونَطُس ونطيس. ويقال أسوتُ آسو أسواً وهزومها صدوعها واحدها هزم. كُليبٌ لِئامُ الناسِ قد تعلَمونَهُ ... وأنتَ إذا عُدَّتْ كُليبٌ لَئيمُها ويروى أليس كليبٌ ألأمَ الناس كلهم.

стр. 124

لقىً مُقعَدُ الأحسَابِ مُنقَطَعٌ بهِ ... إذا القومُ رامُوا خُطَّةً لا يَرُومُهَا لقى ملقى مقعد الأنساب يعني قصير النسب، أي إذا القوم راموا بلغة أي شيئاً يُتبلّغ به وليس بطائل. لا يرومها لا يطمع فيها عجزاً عنها. أترجو كُليبٌ أنْ يَجيء حَديثُها ... بخيرٍ وقدْ أعيا كُليباً قديمُهَا يقول أترجو كليب أن يكون لها حديث من المجد ولا قديم لها. وقال غيره: أترجو كليبٌ أن يأتي أخيرها بشرف ولا شرف لها، والتفسير الأخير أجود. على عَهدِ ذي القَرنَينِ كانت مُجاشِعٌ ... أعِزّاءَ لا يَسطِيعُها مَن يَضِيمُها ويروى .. أعزّ فلا يسطيعها من يرومها. وروى غير أبي عبيدة .. سماما على الأعداء لُدّاً خصومها. فأجابه جرير: ألاَ حيِّ بالبُردَينِ داراً ولا أرى ... كدَارِ بقوٍّ لا تُحيَّا رُسُومُهَا البردان غديران بينهما حاجز يبقى ماؤهما الشهرين والثلاثة. لقدْ وَكَفَتْ عيناهُ أنْ ظَلَّ واقِفاً ... على دِمنَةٍ لمْ يبقَ إلا رَميمُهَا أبَينَا فلم نسمعْ بِهندٍ مَلامَةً ... كما لم تُطِعْ هِندٌ بِنَا مَنْ يَلُومُهَا إذا ذُكِرَتْ هِندٌ لهُ خَفَّ حِلمُهُ ... وجَادَتْ دُموعُ العَينِ سَحّاً سُجُومُها وأنّى لهُ هِندٌ وقدْ حالَ دُونَها ... عُيونُ وأعداءٌ كثيرٌ رُجُومُها

стр. 125

رجومها أي ترجم بالغيب رجما، أي يظنون بنا غير الحق واليقين. إذا زُرتُمَا حالَ الرقيبانِ دُونُهَا ... وإن غِبتُ شَفَّ النفسْ عَنها هُمومُها شف النفس أضمرها وأنحلها. أقولُ وقد طالتْ لِذكرَاكِ ليلتي ... أجِدَّكِ لا تسري لما بي نُجومُها أجدّك أي أبجدّك، معناه هو الجد منك. يا ليلة خاطبها ثم رجع عن المخاطبة فقال: ما تسري نجومها طولا عليّ. أنا الذّائِدُ الحامِي إذا ما تَخَمَّطَتْ ... عَرانينَ يَربوعٍ وصَالتْ قُرُومُهَا الذائد الدافع. وتخمّط الفحول إيعاد بعضها بعضاً. وعرانين القوم أشرافهم. وقرومها فحولها. والقرم الفحل الذي لم يمسسه حبل، واتخذ للفحلة فشبه الرجل الرئيس بها. دَعُوا الناسَ إني سوفَ تنهَى مخافتي ... شياطينَ يُرمَى بالنحاس رَجيمَها ويروى سوف يكفي. النحاس الدخان وإنما أراد النار لأن النار لا تكون إلا بدخان. فما ناصَفَتنا في الحِفاظِ مجاشعٌ ... ولا قَايَست في المجدِ إلا نَضيمُها ويروى ولا قايستنا المجد. فما ناصفتنا أي لم تبلغ نصف حفاظنا، ولا قايستنا إلا ضمناها. وروي ناصبتنا، ولا قايستنا الفضل.

стр. 126

ولا نعتصي الأرطَى ولكن عِصيُّنَا ... رِقَاقُ النّواحي لا يُبلُّ سليمُها الأرطى شجر ينبت في الرمل، يقال بل المريض وأبلّ برأ، وكذلك اطرغش وقشّ قشوشاً وأصل القشوش في الجُرح إذا جفّ للبرء. كَسونا ذُبابَ السيفِ هامةَ عارضٍ ... غَداةَ اللوى والخيلُ تَدمى كُلُومُهَا عارض رجل من بني جشم بن معاوية بن بكر، ويقال بل من بني ثعلبة بن مسعد بن ذبيان وكان أغار على بني يربوع في مقنب يوم واردات، فقتله أبو مليل. ويومَ عُبيدالله خُضنَا برَايَةٍ ... وزَافِرَةٍ تَمَّتْ إلينا تَميمُها الزافرة ناهضة الرجل وأعوانه لذين بهم يصول: وهذا يوم عُبيد الله بن زياد بن أبيه وذلك أنه لما مات يزيد بن معاوية، خرجت بنو تميم حين بلغهم أن عبيد الله بن زياد ترك دار الإمارة، وبايعوا لعبد الله بن الحارث الهاشمي، حتى أدخلوه الدار فأمروه عن غير مشورة من اليمن وربيعة، فقال شاعر منهم: نَزَعنا وأمَّرنا وبكرُ بنُ وائِلٍ ... تجُرُّ خُصَاها تبتغي مَن تُحالِفُ فما بات بكريٌّ منَ الدهرِ ليلةٌ ... فيُصبحَ إلا وهو للذلِّ عارِفُ وقال الفرزدق: وبايعتُ أقواماً وفَيتُ بعَهدِهِمِ ... وبَبَّةُ قد بايَعتُهُ غيرَ نادِمِ

стр. 127

ببة هو عبد الله بن الحارث، وإنما سمي ببة لأن أمه كانت ترقّصه فتقول: لأُنكِحَنَّ بَبَّه ... جارِيَةً كالقُبَّهْ ويروى جارية في قبه، ويروى جارية حدلُكّهْ مُكرَمَةً مُحَبَّهْ ... تَجُبُّ أهلَ الكَعبةْ تجب تفضل. فلما بلغ ذلك اليمن قالوا: لا نرضى أن يؤمر علينا أمير من غير مشورة منا ولا رضاً، فركب مسعود بن عمرو العتكي، وكان يقال له قمر العراق، في اليمن وربيعة قد رأسوه عليهم، حتى دخل المسجد الجامع، وعبد الله بن الحارث في الدار، وغفل الناس عن الحرورية فأتوا بالسلاح، فخرجوا من السجن، فدخلوا المسجد، لا يلقون أحداً إلا قتلوه. فقتلوا مسعوداً في المسجد، وقتلو معه اثني عشر رجلاً من قومه، ثم طمّوا - طموا ذهبوا - إلى الأهواز من وجههم، فأقبل ناس من بني منقر، فاجترّوا مسعوداً إلى دورهم فمثّلوا به. فسارت اليمن وربيعة حتى ملأت سكة المربد، فذكر إسحاق بن سويد العدوى قال: إني لواقف على باب دارنا، إذ مرت بنا كبكبة، فقلت من هذا؟ فقالوا: مالك بن مسمع. ثم مكثت غير طويل فإذا كبكبة أخرى قد ملأت سكة المربد، فقلت من هذا: فقالوا: القمر. قلت: ومن القمر؟ قالوا: مسعود. فأتت بنو سعد الأحنف فسألوه أن ينهض، فأبى. فقالوا: أنت

стр. 128

سيدنا. فقال: لست بسيدكم، إنما سيدكم الشيطان. فقال سلمة بن ذؤيب الرياحي: يا معشر الفتيان، قد سمعتم ما قال هذا المهتر. فانتدبوا مع رجل يقوم بهذا الأمر، فأنُتدب معه خمسمائة من بني تميم. فلما كان في بعض الطريق، لقيه أربعمائة من الأساورة، عليهم ما فروردين، فساروا حتى انتهوا إلى أفواه السكك، فوقفت الخيل، فقال لهم ما فروردين، بالفارسية (جوان مردان جبوذ كنشويذ) قالوا بالفارسية: (نما هلند تاكارزار كنيم) قال: (دهادشان بنجكان - معناه ارموهم بخمس نشّابات كل رجل منكم - فرموهم بألفي نُشّابة. قال: ودخلوا المسجد، ومسعود على المنبر يخطب. فانزلوه فضربوا عنقه، فأما زهير بن هنيد فحدّث عن ناشب بن الحنشاش قال: أتينا الأحنف بن قيس فيمن ينظر في بني عامر بن عبد الله، وقد اعتزل الفتنة، ونزل منزله، فأتته امرأة بمجمرة فقالت: مالك وللسؤدد، والرياسة، إنما أنت امرأة فتجمّر، فقال: استُ المرأة أحقُّ بالمجمر وقال: لا أجيبهم إلى إعانة حتى أُوتى، فقيل له: إن عبلة بنت ناجية - وقال آخرون بل عزّة الخزّ - قد انتُهبت وسُلبت حتى انتزع خلخالها من رجلها - ودارها حيال مطهرة رحبة بني تميم - وقيل له قُتل الصباغ الذي على طريقك، وقُتل المقعد الذي على باب المسجد الجامع، فقال: أقيموا بيّنة فشهد عنده بشر. فقال: أجاء عبّاد بن حصين؟ فقيل: لا. وسأل ثانية وثالثة فقيل لا. فقال: أهاهنا عبس أخو كهمس الصريمي؟ قالوا: نعم. فدعاه ثم انتزع معجراً في رأسه، فعقده في رمح، ثم دفعه إليه، وقال سر. فلما ولّى قال: اللهم لا تخزها، اللهم انصرها، فإنك لم تخزها فيما مضى. فقصد نحو مسعود،

стр. 129

وصاح الشباب: هاجت زبراء، أي غضب الأحنف، وزبراء اسم وليدته، فكنوا بها عنه من إجلاله. قال: وسمعت أبا الخنساء العنبري، قال: سمعت الحسن يقول في مجلسه في المسجد: أقبل مسعود من هاهنا في أمثال الطير - وأشار بيده إلى منازل الأزد - معلماً بقباء ديباج أصفر، معيّن بسواد، يأمر بالسنة وينهى عن الفتنة - فقال الحسن: ألا إن من السُنّة أن يؤخذ ما فوق يديك - فأتوه وهو على المنبر فاستنزلوه علم الله فقتلوه. وذكروا أن بنت مسعود لما بلغها مقتل أبيها يومئذ، ركبت دابة موكّفة وولّت وجهها نحو ذنبها، ونشرت شعرها، وتجلببت مسحاً، منادية تقول: مسعود من نقتل بك! أحنف لا نعطى بك، قفيز لا نرضى بك - قفيز كان قصيراً فسمي قفيزا، وقفيز عبد الله بن عبد الله بن عامر بن كريز، وكان عرض عليهم نفسه في الصلح - حتى وقفت على مالك بن مسمع وهو عند دار العقار في سكة المربد، فقال لها ارجعي، فقالت: لا، حتى أوتى برأس الأحنف. فأمر برأس رجل جميل، فأُتيت به فقالت: هذا رأس علج. فأمر برأس رجل ضخم، فأُتيت به، فأزمت عليه بأنفه، وغمست طرفي كمّيها في دماء لغاديده، ثم انصرفت لا تشك أنه الأحنف. فقال عرهم بن عبد الله بن قيس بن بلعدوية: ومسعودَ بنَ عَمرِو إذا أتانا ... صَبَحْنَا حَدَّ مَطرُورٍ سَنينا رَجا التأميرَ مسعودٌ فأضحَى ... صَريعاً قد أذَقنَاهُ المَنُونَا سيُجمَعُ جَمعُنا لبني أبينا ... كما لَزُّوا القَرينَةَ والقَرينا وتُغني الزُّطُّ عبدَ القيسِ عنّا ... وتكفينا الأسَاوِرَةُ المَزونا الزط السيابجة، قوم من السند بالبصرة لهم قدم، وكانوا يحفظون بيت المال في الدهر الأول. والمزون مدينة عمان. وقال: جاءَتْ عُمانُ دَغَرَى لا صَفَّا ... بَكرٌ وجمعُ الأزْدِ حين التَفَّا

стр. 130

قوله دغرى لا صفّا أي يحملون أنفسهم لا يصطفون ولا يقفون. كيف رأيتَ جيشَها اقلَعَفّا ... لما رأوا عِيصاً لنا ألَفّا المقلعف المنقطع من أصله. في حارةِ الموتِ يَدِفُّ دَفّا ... ضَرباً بِكُلِّ صارمٍ مُصَفّى إنْ أخطَأ الرأسَ أصابَ الكَفّا ... ولّواخزايا قد أُقِصّوا الحَتفَا وأُمُّ مسعودٍ تُنادي لَهفَا ... قد ذَأفَ الموتُ عليه ذَأفا وسالَ شَحمُ البَطنِ منه هِفّا والهِف الرقيق. قال: وكان الأحنف بعد الحرب أقام إياس بن قتادة ابن موألة العبشمي يوم المربد، فحمل دماء الحيين. فجاءت بنو مقاعس فقالوا للأحنف: يكون الأمر لبني مقاعس، ويحمل الحمالة رجل من عبشمس لا نرضى، فدعاه الأحنف فقال: تجاف لأخوالك عنها. فقال: سمع وطاعة، فجاءت الأبناء وهم عبشمس، وعوف، وجشم، وعوافة، ومالك بنو سعد، فقالوا: لا نرضى أن تخرج حمالتنا من أيدينا، وحددوا لبني مقاعس، وحددت لهم فخلاّها الأحنف. فقال إياس: فجهدت أن يقوم لي بها أهل الحضر، فلم يفعلوا، ولم يُغنوا فيها شيئاً. فخرجت إلى البادية، فجعلوا يرمونني بالبكر وبالاثنين، حتى اجتمع لي من حمالتي سواد صالح، وصرت بالرمل إلى رجل ذُكر لي، فلما دُفعت إليه، إذا رجل أسيود، أفيحج، أعيسر، أكيشف، فلما انتسبت له، وذكرت له حمالتي، قال: قد بلغني شأنك، فانزل فوالله ما قراني ولا بنى عليّ فلما كان من الغد، أقبلتْ إبله لوردها، فإذا الأرض مسودة، وإذا هي لا ترد في يوم لكثرتها، وقد ملأ غلمانه حياضه، فجعل كلما ورد رسل من إبله، جاء يعدو حتى ينظر في وجهي فيقول: أنت حويمل

стр. 131

بني سعد، ثم يخرج يرقص، فأقول: أخزى هذا وأخزى من دلني عليه، حتى إذا رويت وضربت بعطن - يعني برك بأعطانها - قال أين حويمل بني سعد؟ قلت: قريب منك. قال: هات حبالك، فما ترك لي حبلاً إلا ملأه بقرينين، ثم قال: حبالك؟ فجئنا بمرائر محالبنا، وأرشية دلائنا، وأروية زواملنا، ثم قال حبالك؟ فحللنا عُصم قربنا وعُقل إبلنا وخُطمها فملأها لنا ثم قال: حبالك؟ قلت: لا حبال فقال: قد عرفت في دقّة ساقيك أنه لا خير عندك. فقال سوّار بن حيان المنقري: ألمْ تكُن في قَتلِ مَسعودٍ عِبَرْ ... جاءَ يريدُ إمرَةً فما أمَرْ حتى ضَربنَا رأسَ مَسعودٍ فَخرْ ... ولم يُوَسَّدْ خَدُّهُ حيثُ انعَفَرْ فأصبحَ العبدُ المَزونيُّ عَثرْ ... حتى رأى الموتَ قريباً قد حَضرْ يَطمُّهُم بحرُ تميمٍ إذْ زَخرْ ... وقيسُ عيلانَ ببَحرٍ فانفَجرْ مِن حولِهِم فادَرَوا أينَ المَفرْ ... حتى عَلا السَّيلُ عليهم فغَمرْ وودوا مسعود بن عمرو بعشر ديات، لأنهم مثّلوا به، وباؤوا بين القتلى - باؤوا سووا بين القتلى - وتم الصلح، وأخرجوا عبيد الله بن زياد إلى الشام. رجع إلى قصيدة جرير: لنا ذَادَةٌ عندَ الحِفاظِ وقَادَةٌ ... مَقادِيمُ لم يذهبُ شَعاعاً عَزِيمُهَا الشعاع المتفرق، يقال شعّ الشيء تفرّق، وواحد المقاديم مقدام. وعزيمها رأيها وعزمها على الأمر. ويقال أشع الرجل ببوله إشعاعا إذا فرّقه.

стр. 132

إذا رَكِبوا لم تَرهَبِ الرَّوعَ خَيلُهُم ... ولكن تُلاقي البَأسَ أنّى نُسيمُهَا ويروى: إذا فزعوا لم تُعلف القتّ خيلنا يقول: لم ترهب الروع لكثرة غشيانها الحرب وعادتها، نُسيمها نعلمها من السيماء. إذا فَزِعوا لم تعَلِف القَتَّ خَيلُهُم ... ولكنْ صُدورَ الأزأنِيِّ نَسُومُهَا ويروى وإن فزعوا، ويروى صدور الثائرين. نسومها نحملها على صدور القنا. ويقال الأزاني واليزأني أيضاً، لم تُعلف القتّ يعني أنهم أهل بدو ويعلفون خيلهم الحشيش، لا أهل قرى يعلفونها القت. عَنِ المِنبَر الشرقيِ ذَادَتْ رِمَاحُنا ... وعنَ حُرمَةِ الأركَانِ يُرمَى حَطيمُهَا المنبر الشرقي بالبصرة، وكان ابن الأعرابي يقول: هو منبر خراسان، وذلك أن البصرة غلب عليها أيام الفتنة سلمة بن ذؤيب الرياحي، يوم قُتل مسعود بن عمرو العتكي. وغلب على الكوفة مطر بن ناجية اليربوعي لابن الأشعث. وأُخرج منها عامل الحجاج. وغلب على المدينة لابن الزبير، الأسودبن نعيم بن قعنب اليربوعي. وغلب على خراسان وكيع بن حسّان بن أبي سود الغداني ثم اليربوعي. وقُتل قتيبة بن مسلم الباهلي بها. وأما منع الحطيم وذكره، فإن عبد الله بن الزبير - ﵄ لمّا حصره أهل الشام نادى من ينصر الله؟ من ينصر الكعبة، فأتاه الخوارج والمرجئة والشيعة، وكل ذي رأي ينصرون

стр. 133

الكعبة، وكان عُظم الخوارج من تميم إذ ذاك، وكان بنو الماحوز التميميون، الزبير وإخوته، رؤساء الخوارج، وكان معهم نجدة بن عامر الحنفي، فقاتلوا مع ابن الزبير حتى مات يزيد بن معاوية وانصرف أهل الشام من مكة، ثم أتوا عبد الله بن الزبير ليمتحنوه، فعرضوا عليه المحنة، فقال: تغدون عليّ، فجمع أصحابه وألبسهم السلاح، فلما أتوه سألوه عن أبي بكر وعمر ﵄ فذكر ما هما أهله وتولاّهما، ثم سألوه عن عثمان - رضي الله عنه - فقال كذلك، فتبرؤوا منه، ولعنوه، وجانبوه، وانصرفوا إلى مواطنهم. رأى الموتَ مَّنا مَن يَرومُ قَنَاتَنا ... فغيرُ ابنِ حَمرَاءِ العِجَانِ يَرُومُهَا يرى رواية أراد فليرمها كما قال عدي بن زيد: وما قَصَّرتُ عن طَلبِ المَعالي ... فتَقصُرُ بي المِنيَّةُ أو تَطُولُ معناه فلتقصر بي المنية أو فلتطل، فلما نقله عن الجزم رفعه. ويروى فعلّ ابن حمراء. سَعَرنَا عليكَ الحربَ تَغلي قُدورُهَا ... فهلاَّ غَداةَ الصِّمَّتَينِ تُدِيمُها سعرنا أوقدنا، وتُديمها تسكنها، ومنه الماء الدائم يعني الساكن.

стр. 134

الصمتان معاوية بن مالك بن علقة بن غزية وأخوه وكان الصمّة الجشمي أغار على بني حنظلة يوم عاقل، فأسره الجعد بن الشماخ أحد بني صُدي بن مالك بن حنظلة يوم عاقل، فأسره الجعد بن الشماخ أحد بني صدي بن مالك بن حنظلة، وهُزم جيشه، وأصيب فيهم، ثم إن الجعد منّ عليه، وجزّ ناصية بعد سنة، وكان الصمة قد أبطأ فداؤه، وكان الجعد يأتيه كلّ هلال شهر بأفعى، فيحلف بما يُحلف به لئن هو لم يفد نفسه، ليُعضّنها إياه، فلما طال ذلك جزّ ناصيته على الثواب. ثم أتاه مستثيباً، فقال له الصمة: مالك عندي ثواب، فقدمه فضرب عنقه، فضرب عليه الدهر، ثم إن الصمة أتى عكاظ فلقي ثعلبة ابن الحارث بن حصبة بن أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وهو أبو مرحب، وكان حرب بن أمية يدعو الناس، رجلين رجلين، فيكرمهما، ويخص بذلك أهل الفضل. فجاءت دعوة الصمة وأبي مرحب، فكره الصمة ذلك لحداثة أبي مرحب، فقرّب إليهما حرب تمراً، فجعل الصمة يأكل التمر، ويُلقي النوى بين يدي ثعلبة، فقال الصمة لثعلبة: أبصر ما عندك من النوى، فقال له أبو مرحب: إنك أكلت ما أكلت بنواه، فذاك الذي أعظم بطنك. فقال الصمة: لا، ولكن أعظم بطني دماء قومك، أين الجعد بن الشماخ؟ فقال أبو مرحب: ما ذِكرك رجلاً أسرك ومنّ عليك، ثم جاء يستثيبك فغدرت به وقتلته، أما والله لا ألقاك بعد يومي هذا إلا قتلتك، أو مُتّ دونك. فمكث الصمة زمانا، ثم غزا بني حنظلة، فأسره الحارث بن بيبة المجاشعي، وهزم جيشه - ويقال بل هُزم جيشه - فأجاره الحارث بن بيبة من إساره ذلك، وكان رجل من بني أسد يقال له ابن الذهوب مع ابن أخت له يقال له مرارة بن شداد، من بني عمرو ابن يربوع فأسر ابن الذهوب معيّة بن الصمة، فأما الحارث بن بيبة فباع الصمة نفسه، وقال الصمة: سِر بي في قومك حتى اشتري أُسراء

стр. 135

قومي، فسار به حتى أناخ به في بني يربوع، والحجرة يومئذ لبني عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، فأناخا إلى الحجرة، فدخلاها، فأقبل إليهما الناس، وأقبل إليه أبو مرحب، فلما رأى الصمة عرفه، فخنس عنه، وأخذ سيفه ثم جاء، فضرب به بطن الصمة فأثقله. فلما رأى ذلك الحارث خرج فدعا: يال مالك، فأقبل بنو مالك إلى بني يربوع. فلما خافوا القتال، قام رجل من بني عرين بن ثعلبة، يقال له مصعب بن أبي الخير، فقال: يابني مالك، هذه يدي بجاركم، فهي لكم وفاء. فقال راجز بني مالك: نحن أبأنا مُصعباً بالصِّمَّهْ ... كِلاهُما شيخٌ قليلُ اللِّمَّهْ فقالت بنو يربوع: خذوا مُعية فأدّوه مكان أبيه. فكلّموا ابن الذهوب في معية فأبى عليهم. فأتوا ابن أخته فكلّموه فأبى عليه. فقال: أغيروا عليّ وعليه، وخذوا معية ومالي، وعليّ رضاه. ففعلوا فأخذوا معية، فأعطوه الحارث بن بيبة، وأعطى مرارة خاله سبعين بكرة وجارية بيضاء مولّدة، فذلك قول جرير: ومِنّا الذي أبلَى صُدَيَّ بنَ مالِكٍ ... ونَفَّرَ طيراً عن جُعَادَةَ وقُعَّاضا رجع إلى الشعر: تركناكَ لا تُوفي بِزندٍ أجَرتَهُ ... كأنّكَ ذاتُ الوَدعِ أوفَى بَرِيمُها الزند الذي تُقدح به النار. يقول: لا تمنع زندا فما فوقه كأنك امرأة

стр. 136

ضاع بريمها فليس عندها إلا البكاء، وبريمها حقابها. وإنما قال ذات الودع لأن الودع من لباس الإماء، وإنما يريد أن أمك أمَة. يُعَدُّ ابنُ حَمراءِ العِجَانِ لزِنيَةٍ ... إذا عُدَّ مَولَى مَالِكِ وصَمِيمُها لهُ أمُّ سَوء ساءَ ما قَدَّمتْ لهُ ... إذا فارِطُ الأحسابِ عُدَّ قديمُها ويروى إذا فرط الأحساب، وهو ما مضى منها وسبق، يعني أوائلها. فقد أخذَتْ عيناكَ مِن حُمرَةِ استَها ... وجَنباكَ جَنبَاها وخِيمُكَ خيمُها ولمَّا تغشّى اللُّؤمُ ما حَولَ أنفهِ ... تَبَوَّأ في الدارِ التي لا يريمُها ألم تر أنّي قد رميتُ ابنَ فَرتَنا ... بصَّمَّاءَ لا يرجو الحياةَ أميمُها ويروى سليمها. إذا ما هوى من صَكَّةٍ وقعتْ بهِ ... أظَلَّتْ حَوامِي صَكَّةٍ يستديمُها يستديمها يتوقعها أو ينتظرها. وحوامي صكة أي موجعات صكة، أي صكة حامية حارة. فلم تَدريَا هُلْبَ اُستها كيفَ تتقي ... شَمُوساً أبتْ إلا لقَاحاً عقيمُها الشموس المنوع في الخيل. وهذا مثل يقول: أبت عقيمها إلا أن تلقح، وإذا لقحت الحرب كان أشد لأمرها وأعظم. رجا العبدُ صُلحِي بعدما وقعتْ بهِ ... صَواعِقُها ثمّ استَهلَّتْ غُيُومُها استهلت مطرت، والاستهلال صوت وقع المطر.

стр. 137

لقد سرَّني لَحبُ القوافي بأنفهِ ... وعَلَّبَ جِلدا الحاجبينِ وسُومُها اللحب والعلب واحد وهو الأثر البين ويروى وعلب بجلد الحاجبين. لقد لاحَ وسمٌ مِن غَواشٍ كأنّها ... الثُّرَيَّا تَجلَّتْ مِن غُيومٍ نُجُومُها غواش ما غشيه من الشدائد ويروى في غواش. أتارِكَةٌ أكلَ الخزيرِ مجاشِعٌ ... وقد خُسَّ إلا في الخزيرِ قَسيمُها قسيمها حظها. والخزير أن يُطبخ الدقيق بودك أو قديد أو لحم، وقد يكون إنما يُطبخ الشختيت، وهو دقاق سويق الشعير ثم يُطرح فيه الدقيق والودك. سيَخزى ويرضى باللّفَاءِ ابنُ فَرْتَنا ... وكانتْ غَداةَ الغْبِّ يُودَى غَريمُها ويوفى. اللفاء ما دون الحق، وهو الشيء القليل. إذا هَبطتْ جَوَّ المراغِ فعَرَّستْ ... طُروقاً وأطرافُ التَّوادي كُرُومُها الطروق النزول بعد هدأة من الليل قريب من الفجر، والتوادي العيدان التي تُصر بها أخلاف الإبل، واحدتها تودية. والكروم الحلي يريد أنها راعية، فإن التوادي معلّقة في عنقها مكان الحلي، ويروى تكرّست عروشا. تكرست جُمعّت شجرا فعرّشته فسكنت فيه، وذلك فعل الرعيان. فكيف تُرى ظنَّ البَعيثُ بأُمِّه ... إذا باتَ علجُ الأقعسَينِ يَكُومُها

стр. 138

الأقعسان هبيرة والأقعس ابنا ضمضم. إذا استَنَّ أعلاجُ المصيفِ وجَدتَها ... سريعاً إلى جَنبِ المرَاغِ جُثُومُها المراغ موضع من الأرض تمرّغ فيه الإبل، جثوم لزوم للأرض وانكباب. ضَرُوطٌ إذا لاقتُ عُلوجَ ابنِ عامرٍ ... وأينَعَ كُرَّاثُ النِّبَاجِ وثُومُها أراد عبد الله بن عامر بن كريز بن عامر بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وهم أصحاب النباج. بني مالِكٍ إنّ البِغالَ مجاشعاً ... مُبَاحٌ بحمراءِ العِجانِ حَريمُها بني مالك يعني مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. قوله مباح حريمها أي لا تُرعى حرمتهم ولا ذمتهم. بحمراء العجان يعني أم البعيث، والعجان ما بين الفرجين، وقال حمراء لأنها من العجم. لئن راهَنت عَدواً عليكً مُجاشِعٌ ... لقد لقيتْ نقصاً وطاشتْ حُلُومُها فأبقُوا عليكُم واتَّقُوا نابَ حيَّةٍ ... أصابَ ابنَ حمراءِ العِجانِ شَكيمُها شكيمتها شدة نفسها وسوء سمّها، يقال: هو شديد الشكيمة إذا كان جلداً إذا خِفتُ من عَرٍّ قِرافاً شفَيتُهُ ... بصادقَةِ الإشعال باقٍ عصيمُها العر الجرب. والقراف الدنو. وعصيمها أثرها، العر مفتوح الأول

стр. 139

الجرب، والعر مضموم الأول: قرح سوى الجرب. قرافاً مخالطة، والإشعال الإحراق والعصيم أثر الهناء. وبقية أثر الخضاب في اليد والرجل أيضاً عصيم. لهُ فَرَسٌ شَقراءُ لم تَلقَ فارِساً ... كريماً ولم تَعلَقْ عَناناً يُقيمُها له فرس شقراء يعني أم البعيث. أولُ ابتداء الفرزدقِ قال أبو عبيدة: وقد كان الفرزدق قبل قول البعيث، هجا بني ربيع ابن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة فقال: أترجُو رُبيعٌ أن تَجيءَ صِغارُها ... بخيرٍ وقد أعيَا رُبيعاً كِبارُها كأنّ رُبيعاً حين تُبصِرُ مِنقَرا ... أتانٌ دَعاها فاستجابَتْ حِمارُها فلما سمع قول البعيث: أترجو كُليبٌ أن يجيءَ حديثُها ... بخيرٍ وقد أعيا كليباً قديمُها قال الفرزدق: إذا ما قُلتُ قافيةً شَرُوداً ... تَنَخَّلَها ابنُ حمراءِ العِجانِ قال أبو عبد الله: تنخّلها أي أخذ خيارها، وتنحّلها انتحلها، وابن

стр. 140

حمراء العجان يعني البعيث. فأجابه البعيث: تَناومتُم لأعيَنَ إذ دَعَاكُم ... بني القَينَاتِ للقَينِ اليماني. ويروى عن أعين. ويروى بني الميقاب من قين يماني. تَبادَرَهُ سُيوفُ بني حُوَيٍّ ... كأنّ عليه شُقّةَ أُرجُوَانِ هذا أعين بن ضبيعة أبو النوار امرأة الفرزدق. وكان علي بن أبي طالب ﵁ – وجهّه إلى البصرة فقُتل بها، قتله رجل من بني حوي بن عوف بن سفيان ابن مجاشع وله حديث. قال أبو عبيدة: وذلك أنه لما شخص عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵄ من البصرة إلى علي بن أبي طالب ﵁ استخلف عبد الله بن عباس ﵄ - زياد بن أبي سفيان، فتجمعت العثمانية وبقايا من شهد يوم الجمل، فرأسوا عليهم عبد الله بن عامر الحضرمي فغلب على البصرة، فهرب زياد فلحق بصبرة بن شيمان الحداني عائذاً به، فبلغ ذلك علياً ﵁ فندب جنداً للبصرة، فقال له أعين بن ضبيعة وكان شيعة لعلي بن أبي طالب - ﵁ قُلّباً، وهو أبو النوار امرأة الفرزدق. وهو الذي اطلع في هودج عائشة - رضي الله عنها - يوم الجمل فدعت عليه فقالت: اللهم اقتله ضيعة: أنا أُكفيك البصرة بقومي. فقال علي - ﵁ أحب الأشياء إلىّ ما كفيته، فأقبل أعين يطم - أي يسرع - لا يلوي على شيء، حتى نزل داره في بني مجاشع، ولم يُخف نفسه، ولم يجمع جمعاً فبات، ويطرقه عبد الله بن عامر الحضرمي في رحله، فنادى أعين يال تميم، حتى انتهى إلى بني مجاشع، وما يجيبه أحد.

стр. 141

واعتوره القوم بالضرب حتى ظنوا أنهم قد قتلوه، وأصبح وبه رمق، فبلغ ذلك زيادا وهو في الأزد، فجاؤوا فارتثّوه، فلم يلبث أن مات فقبره اليوم بفناء قبر أبي رجاء العودي، فعيّرهم ذلك البعيث وجرير أيضاً: قال أبو عبيدة: حتى إذا غمّ جرير نساء بني مجاشع وقد كان الفرزدق حج، فعاهد الله، بين الباب والمقام، أن لا يهجوا أحداً أبداً، وأن يقيد نفسه، ولا يحل قيده حتى يجمع القرآن. قال أبو عبيدة: فحدثني مسحل بن كسيب قال: حدثتني أمي زيداء بنت جرير قالت: فمر بنا الفرزدق حاجاً، وهو معادل النوار بنت أعين بن ضبيعة امرأته، حتى نزل بلغاط، ونحن بها، فأهدى له جرير، ثم أتاه فاعتذر إليه من هجائه البعيث، وقال فعل وفعل، ثم أنشده جرير والنوار خلفه في فسيطيط صغير، فقالت: قاتله الله، ما أرق منسبته وأشد هجاءه - المنسبة أرادت التشبيب بالنساء - فقال لها الفرزدق: أترين هذا، أما إني لن أموت حتى أُبتلى بمهاجاته. قال: فلم يلبث من وجهه حتى هجا جريراً، فقدم الفرزدق البصرة، وقيد نفسه، وقال توبة من الشعر: ألم تَرنَي عاهدتُ ربي وإنني ... لَبينَ رِتاجٍ قائماً ومَقام على حَلفَةٍ لا أشتِمُ الدهرِ مُسلماً ... ولا خارجاً من فِيَّ سُوءُ كلام الرتاج باب البيت، ويروى ولا خارجاً من فيّ زور كلام. قال: وبلغ نساء بني مجاشع فحش جرير بهن، فأتين الفرزدق مقيداً فقلن: قبّح الله قيدك، فقد هتك جرير عورات نسائك فلُحيت شاعر قوم، فأحفظنه

стр. 142

- أي أغضبنه - ففض قيده، ثم قال. فقال الفرزدق إذ ذاك، وقد كان الفرزدق قيّد نفسه قبل ذلك، وحلف أن لا يطلق قيده حتى يجمع القرآن، فلما رأى ما وقع فيه البعيث، قال الفرزدق، وهو همّام بن غالب ابن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم: ألا استَهزأتْ مِّني هُنيدَةُ أنْ رَأتْ ... أسيراً يُداني خَطوَهُ حَلقُ الحِجلِ ويروى ألا هزئت، الحجل ها هنا القيد، وهو الخلخال، هنيدة امرأة الزبر قان بن بدر، وهي عمة الفرزدق. ولو عَلِمتْ أنّ الوثَاقَ أشَدُّه ... إلى النارِ قالت لي مَقالَةَ ذي عَقل ويروى أشُدّه. فمن قال أشَدّه شدة الوثاق إلى النار، ومن قال أشُدّه خوف النار. يقول استهزأت بي حين رأتني أرسف في القيد، ولو علمت أن أشد الوثاق، وثاق النار، لما استهزأت ولا لامت رجلاً قيد نفسه خوف النار. لَعَمرِي لئِن قيَّدتُ نفسي لطالما ... سَعيتُ وأوضَعتُ المَطِيَّةَ للجَهلِ هذا مثل، أوضعتها رفعتها في السير أي أسرعت. ثلاثينَ عاماً ما أرى مِن عَمايَةٍ ... إذا بَرقتْ إلاّ شَددتُ لها رَحلِي ويروى أشد لها. عماية جهالة يقول لا أرى عماية تظهري لي إلا قصدتها.

стр. 143

أتتني أحاديثُ البَعيث ودُونهُ ... زَرُودُ فشاماتُ الشقيقِ إلى الرَّملِ زرود لبني مجاشع، بين الثعلبية والأجفر، ليس لهم بالتربة ماء غيره، من طريق الكوفة. والشقيقة الجدد بين الرملتين وربما كان أميلاً. فقُلتُ أظنَّ أبنُ الخَبيثةِ أنني ... شُغِلتُ عن الرامي الكنانَةَ بالنَّبِلْ يريد بهذا جريراً بهجاء البعيث وغيره، كما صنع صاحب الكنانة؛ وهو أن رجلاً من بني أسد، ورجلاً من بني فزارة، كانا راميين، فالتقيا، ومع الفزاري كنانة جديد، ومع الأسدي كنانة رثة، فلم يدر الأسدي كيف يأخذها من الفزاري، فقال له الأسدي أنا أرمي أو أنت؟ قال الفزاري: أنا أرمى منك، أنا علّمتك الرمي، فقال له الأسدي: فاني أنصب كنانتي، وتنصب كنانتك، حتى ترمي فيهما. فنصب الأسدي كنانته في خطر قد سمياه، فجعل الفزاري يرميها فيُقرطس، حتى أنفذ سهامه، كل ذلك يصيبها ولا يخطئها. فلما رأى الأسدي أن سهام الفزاري قد نفدت، قال: انصب لي كنانتك حتى أرميها، فنصبها له فرمى نحو الكنانة، ثم عطفه وسدده نحو حتى قتله، فضربه الفرزدق مثلا. فإنْ يكُ قيدي كانَ نَذراً نَذرتُهُ ... ما بي عن أحسابِ قوميَ مِن شُغلِ أنا الضامِنُ الراعي عليهِم وإنما ... يُدافِعُ عن أحسابِهم أنا أو مثلي ولو ضاعَ ما قالوا أرعَ مِنَّا وجَتَهُم ... شِحاحاً على الغالي منَ الحسَبِ الجَزلِ يقول: لو ضيعت أنا أحسابهم فلم أرعها لم يضيعوها. والجزل الضخم. إذاً ما رَضُوا مني إذا كنتُ ضامناً ... بأحسابِ قومي في الجبال أو السهل

стр. 144

ويروى قوم. ويروى في الجبال ولا السهل. فمَهما أعِشْ لا يُضمِنُوني ولا أُضِعْ ... لهم حسَباً ما حرَّكَتْ قدمي نَعلي الضمن الزمن، والضمانة الزمانة، وهو هاهنا العجز، يقال: أضمنت الرجل إذا وجدته ضمناً، وكذلك أبخلته إذا أصبته بخيلاً، وأحمدته إذا أصبته محموداً. قال وجاء رجل من الأعراب إلى عيسى بن موسى وهو يكتب الزمنى فسأله أن يكتبه فقال: إنْ تكتُبُوا الزَّمنَى فإني لَضَمِنْ ... من ظاهِرِ الدّاءِ وداءٍ مُستَكِنْ ولا يكادُ يَبرَأُ الداءُ الدَّفِنْ ... أبيتُ أهوى في شياطين تُرِنْ مُختَلِفٍ نجرَاهُما حِنٍّ وجِنْ ... يَبِتْنَ يَلعبنَ حَوالىَّ الطَّبِنْ والطبن لعبة يقال لها الفيال وهي السُّدر. قال: والسدر الخليط بالتراب، والحن ضرب من الجن، قال: وأتى عمرو بن معدي كرب الزبيدي، مجاشع بن مسعود السلمي بالبصرة، فقال له: احملني على فرس يشبهني وأجزني جائزة تشبهني، فأتاه بفرس، فأخذ عمرو بعكوته ثم غمزه، فأخلده إلى الأرض، فقال: لا يحملني هذا فأتاه بفرس من خيل كلب، فغمزه فلم يتحلحل، وأمر له بخمسة آلاف درهم ودرع وسيف وكسوة، فقال: لله أنتم يا بني سليم، لقد شاعرنا كم فما أفحمناكم، وقاتلناكم فما أجبناكم، وسألناكم فما أبخلناكم. ولستُ إذا ثِارَ الغُبارُ على امرئٍ ... غداةَ الرِّهانَ بالبِطَيء ولا الوغلَ الوغل ما جل في الغربال عن الدُّقاق، والوغل الضعيف، والواغل الطفيلي على الشراب والوارش على الطعام.

стр. 145

ولكنْ تُرى لي غايةُ المجدِ سابقاً ... إذا الخيلُ قَادَتها الجيادُ مع الفَحلِ ويروى على الحبل. يريد أنه يُقرن بأجود الخيل. ويروى أدتها الجياد إلى الفحل، يريد أدتها أمهاتها إلى آبائها في الجودة والشبه. وأدتها الجياد إلى الفحل أنسلتها. وحَولَكَ أقوامٌ رَددتُ عُقولَهُم ... عليهم فكانوا كالفراشِ من الجَهل ويروى إليهم. رَفعتُ لهم صوتَ المُنادِي فأبصَرُوا ... على خَدِبَاتٍ في كَواهِلِهم جُزلِ يقول: أبصروا وعقلوا بعد ما جزلت كواهلهم. والخدبة الجراحة التي قد هجمت على الجوف، يقال جراحة خدباء، وروي خدبات أي ضربات في كواهلهم، والكاهل ما بين الكتفين مما يلي العنق. جزل متقطعة يقول: أقصروا عني وقد أوقعت بهم، فجزلت كواهلهم. وواحدة الخدبات خدبة. ولولا حَياءٌ زدْتُ رأسَكَ هَزمَةً ... إذا سُبِرَتْ ظلَّتْ جَوانِبُها تَغلي الهزمة الشق. والسبر تقدير الجراحة. بعيدةَ أطراف الصُّدُوعِ كأنها ... رَكَّيةُ لُقمانَ الشَّبيهَةُ بالدَّحلِ ركية لقمان بثأجٍ، وهي مطوية بحجارة، الحجر أكثر من ذراعين،
следующие страницы →