Полный текст (970 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
فلم يكن مع بني يربوع من بني مالك، غير غالب، فلما نزلوا، وردت إبل غالب
فحبس منها ناقة كوماء، فنحرها وأطعمها. قال، فقال أناس: ليس فينا من بني مالك، غير رجل واحد،
وقد نحر ولم ننحر. فقالوا لسحيم بن وثيل الرياحي: انحر. فلما وردت إبل سحيم، حبس منها ناقة،
فنحرها من الغد فأطعمها. قال جهم: فقيل لغالب إنما نحر سحيم مواءمة، فضحك غالب، وقال: كلا،
لكنه امرؤ كريم وسوف أنظر. فلما وردت إبل غالب، حبس منها ناقتين، فنحرهما فأطعمهما. فلما
وردت إبل سحيم، نحر ناقتين فاطعمهما. فقال غالب: الآن علمت أنه يوائمني. قال إياس، فلما وردت
إبل غالب، حبس منها عشرا فعقلها، ثم أخذ الحربة فجعل ينحرها، فانفلتت ناقة منها، فانشامت في
بني يربوع، فركب غالب فرسه، فأدركها عند بيت الخرماء، وهي أسماء بنت عوف بن القعقاع،
وكانت امرأة الهذلق بن ربيعة بن عتيبة فعقرها، ثم لتب في سبلتها - أي وجأ، والسبلة موضع
المنحر وذلك المكان لا يخلو من شعرات هناك - فقالت الخرماء: مالك قطع الله يدك. فقال دونك
فاجتزريها، فإني لا اشتم ابنة العم، ولكن أجزرها. فسألت من هذا؟ فقالوا: هذا غالب بن صعصعة.
فقالت واسوأتاه. ورجع غالب فنصب قدوره، وغاظ ذلك بني يربوع، فأتوا سيدهم الهذلق فتجمعوا
اليه، فقالوا: ما ترى، قد فضحنا هذا، وصنع ما ترى، فما الرأي؟ قال الهذلق: أرى أن تأتوه فتأكلوا
من طعامه، وتنحروا كما نحر، وتصنعوا مثل صنعه. قالوا: لا، بل إذا فرغ من قدوره، غدونا،
فكفأناها، بما فيها، ففضحناه، فإن بني مالك حلماء رجح فنصغى إناءه، ونأتيهم، فنقر لهم بحقهم،
فيغفرون لنا، وذلك بمسمع من الخرماء أسماء بنت عوف، فتقنعت بملحفتها، وخرجت من كسر بيتها،
стр. 422
فأتت غالبا، فقالت له: قد سير بك وأنت لا تشعر، فأخبرته بما يريدون به. قال ومن أنت؟ قالت:
أسماء بنت عوف، وإنهم يريدون أن يكفؤا قدورك بما فيها، فيقنعوك خزية. فقال: هل شعر بك أحد؟
قالت: لا. قال فارجعي بأبي أنت وأمي، فحمل ابنه وابن أخ له على فرسين، ثم قال لهما: خذا أعداء
الوادي - أي ناحيتيه، أي أنت عن يمين، وأنت عن شمال، هاهنا وهاهنا - فانظرا أول صرم تريانه
من بني مالك، فعلي به، واحشرا من لقيتما منهم، فلقي أحدهما صرما من بني فقيم، ولقي الآخر
صرما من بني سبيع، ثم من بني طهية، فحشراهم، فأقبلوا على كل صعب، وذلول، حتى نزلوا حول
غالب، واستيقظ الهذلق، فقام من آخر الليل، فإذا أبيات ورجال لم يكن عهدهم من أول النهار، فقال:
إني لا تعرف وجوهاً لم أرها أول الليل، وأبنية ورجالا، فبعث إلي بني يربوع فقال: أترون ما أرى؟
قالوا: نعم. قال: جاءكم قوم يمنعون قدورهم، أليس هذا فلان وهذا فلان؟ أفترون أن تقتلوا هؤلاء في
غير جرم، قالوا فما الرأي؟ قال: أرى أن تأكلوا من طعامه، وتنحروا كما ينحر، وتصنعوا مثل ما
يصنع، فقعدوا فأكلوا من طعامه، ثم قالوا لسحيم: أعقر. فقال: والله إني ما أقوم لنحاري بني مالك،
إنما أقوم لنوكاهم. قالوا: إنا نرفدك. قال: فعلى بني مالك تعولون بالرفد، وهم أكثر منكم أموالا، ثم
وردت إبل سحيم فعقر منها خمس عشرة أو عشرين فضحك غالب.
قال أبو عبيدة، قال جهم: وكانت إبل غالب ترد لخمس، فجاء غلمته قد جبوا في حياضهم أنصافها،
فقال لهم: قدكم الآن، فقد أرويتم. قالوا له: وكيف أروينا وإنما جبينا في أنصاف الحياض، وكنا
نملؤها، ثم لا نضبطها، حتى نأخذ عليها قبلا سقيا على رءوسها فنسقيها. فقال:
стр. 423
بلى، قد أرويتم فحسبكم، فلما حان وردها - قال أعين بن لبطة - فلبس حلته وأخذ سيفه وانطلق معه الفرزدق.
قال: وصوأر واد ذاهب في الأرض. قال الفرزدق: فعلوناه وجاءت الأبل، فأمهل حتى إذا أدبرت،
فلم يبق منها شيء. انتضى سيفه فأهوى لعرقوبي آخرها، فنفرن لما رأين الدم، ووجدن ريحه،
فذعرن فأقبلن، حتى أطفن بالحياض نوافر عطاشا، وأقبل في أثرها، فلما لحقها، جعل يقول: عقرا
عقرا، ويقول للفرزدق: ردها يا هميم، فجعل الفرزدق يقول: إيه عقرا. إيه عقرا. قال أبو عبيدة، قال
إياس: فجعل يحول بينها وبين الحياض، فكلما ورد بعير عقره. قال جهم: حتى اضطرها إلى بيت أم
سحيم ليلى بنت شداد، فعقر عن يمينه وشماله، ومن ورائه، حتى قطعت أطنابه، فوقع عليها،
فخرجت عليه فسبته ودعت عليه، وقالت: يا غالب إن عقرك لن يذهب لؤمك، أو قالت: إن هذه
ليست مذهبة بلؤمك. فقال: إني لا أشتم ابنة العم، ولكن كلوا من هذا شحما ولحما. قال فجعل يعقرها
ويرتجز:
خذلني قومي وحان وِردي ... أسوقُها بذي حسامٍ فردِ
هل أنتَ يا سحيمُ غيرُ عبدِ ... أسودُ كالفلذِ من المغدِ
وقال أيضاً:
آل رياحٍ إنه الفَضَاحُ ... وإنها المخاضُ واللقاحُ
قد شاع في أسؤقها الجراحُ ... فلا تضجِّي واصبري رياحُ
قال أعين: وفيها غلام لغالب، يقال له سحيم، أبصر الناس بالإبل وأرعاهم، فجعل يقول يا أبا الصمة
ويأبى غالب. قال سحيم: فلم أزل
стр. 424
أطمع أن يكف حتى مر بفحل منها، ثمنه أربعة آلاف درهم، فعقره.
فلما عقره علمت أنه لن يستبقي شيئاً، فذهب سحيم غلامه يكفه عنه، فأهوى إليه السيف فأصاب
ركبته فقطع إحدى رجليه، فاستعدى عليه عثمان بن عفان، ﵁، فاعتقه، فلما قتل عثمان،
﵁، استرقه غالب. قال أعين: فعقر أربعمائة بعير، وزعم إياس أنها كانت مائة وأربعين
ناقة، فلما عقر مائة منها، ورأت البارقة ووجدت ريح الدم طار منها أربعون فندت، فنادى غالب: أنا
غالب بن صعصعة، من أخذ بعيرا فهو له. وأحرج على رجل يجمع بين بعيرين، فإني لا أحل له.
فطلبه عثمان، ﵁، ليعاقبه، فركب إلى أبيه صعصعة، فرحب به، وقال: حاجتك؟ قال:
جئت لتخلف عليَّ ما عقرت، فقد رحضت عنك الذم والعار فاخلف لي، قال: نعم وكرامة أخلف ما
عقرت، وأشترط عليك أن لا تعقر بعيراً ولا بهيمة، ولا تذبها ولا تمثل بها، قال غالب لا أعطيك هذا
الشرط أبدا. قال: فلا إلا على هذا الشرط. فلحق بالبصرة، فأتى منزل الحتات بن يزيد فالتزمه وقبله،
وقال: أقم تخرج أعطيه الحي، وفيهم ثمانون على الفين، فنقاسمك من أعطيتهم، ففعل فأخذ أربعين
الفا، فارتحل بحمل ورق، فأتى الموسم براحلة دراهم، فلما قضى نسكه، زار البيت في أول الناس، ثم
ركب بين خرجيه بعيرا نجيبا لا يجارى. ثم نادى بالبطحاء: يا أيها الناس، أنا غالب بن صعصعة،
فمن أخذ شيئا فهو له، ثم فتح الخرجين، ثم حثى أمامه، وعن يمينه، وعن شماله، ووراءه، حتى إذا
فرغ الخرجين من الورق، أحال السوط في بطن البعير، ثم نجا، فقيل لعثمان: عتبت على غالب في
العقر، وأخفته وطلبته لتعاقبه، فها هو ذاك قد أنهب ماله فبعث في طلبه فهرب فأعجزهم.
стр. 425
قال أبو عبيدة: وأما زبان أو مطرف الصبيري، وسعيد الرياحي، فزعما أن امرأة من بني رياح،
نذرت إن زوجت ابنها عجردا أن تنحر جزورين، فزوجته فنحرت جزورين لنذرها، فوافق ذلك نحر
غالب، فظن أنه مواءمة فلج الأمر، وفي ذلك يقوم الأخوص الرياحي:
فكنا بخير قبل قُبَّةِ عجردٍ ... وقبلَ جزورَي أُمِّه يوم صوأرِ
يعني قبة البيت الذي ابتنى فيه بامرأته. وبلغ بني مالك غضب بني يربوع فقال ذو الخرق الطهوي:
ما كان ذنبُ بني مالك ... بأن سُبَّ منهم غلامٌ فَسَبْ
عراقيب كومٍ طوالِ الذُّري ... تخرُّ بوائكُها للركب
واحدة البوائك بائكة، وهي الكريمة من الأبل.
بأبيضَ يهتزُّ ذي هبَّةٍ ... يقطُّ العظامَ ويبري العصب
فلا تبعثوا ساقيا منكم ... قصيرَ الرِّشا ضعيفَ الكَرب
يسامي بحورَ بني مالك ... ترامىَ أواذيها بالخشب
وأبقى سحيمٌ على ماله ... وملَّ السؤالَ وخاف الحَرَب
وقال شعبة بن عمير:
لعمري لقد أروَى ابنُ ليلى لبونَه ... على صوأرِ والماءِ لزنَّ مشاربه
جرى سابقا لا يبلغ الجهدُ عفوه ... إلى غايةِ المجدِ الذي هاب صاحبه
وقال الفرزدق في ذلك وذكر عقر غالب يوم صوأر:
стр. 426
ألم تعلما يا ابن المجشَّر أنها ... إلى السيف تستبكي إذا لم تُعقَّر
منا عيشُ للمولى مرائيبُ للثأَى ... معاقيرُ في يوم الشتاء المذكر
وما عقرت إلا على عثم يُرى ... عراقيبُها مذعقَّرت يومَ صوأرِ
رجع إلى شعر جرير:
عَنيفُّ بِهز السَّيفِ قَيْنُ مُجاشِعٍ ... رَفيقٌ بأَخراتِ الفؤُوسِ الكرازِمِ
قوله رفيق بأخرات، يريد خرت الفأس، وهو الذي يقع فيه عموده، وهو ثقب الفاس، يريد أنه حداد.
قال والكرازم الفؤوس التي لها رأس عظيم عريض، ويقال: لها كرَزَم وكرْزم. وكَرْزن وكُرزنِ. قال
سعدان، وأنشدنا أبو عبيدة لقيس بن زهير في ذلك:
فقد جعلت أكبادنا تجتويكم ... كما تجتوي سوق العضاه الكرازنُ
ستُخبرُ يا ابنَ القينِ أنَّ رِماحَنا ... أباحَتْ لَنَا ما بَيْنَ فَلَج وعَاسَمِ
ويروى ألم تر. ويروى أباحت لكم.
ألاَ رُبَّ قوم قَدْ وفدْنَا عليهمِ ... بصُمِّ القنا والمقرباتِ الصَّلادِمِ
ويروى قد نكحنا بناتهم بسمر القنا أي سبينا هن ولم يكن هناك تزويج.
لقْدَ حظِيت يَوْماً سُليمٌ وعامِرٌ ... وعبسٌ بِتجريدِ السُّيوفِ الصوارِم
وعبسٌ هُمُ يومَ الفرُوقينِ طرَّفُوا ... بأسيافِهمْ قُدموسَ رأسٍ صُلادِمِ
стр. 427
ويروى مصادم. قوله طرفوا ردوا ومنعوا. والقدموس شيء ينتأ في رأس الجبل طولاً يشبه به رأس
القوم وسيدهم وكبيرهم، عنى بذلك رأس بني سعد بن زيد مناة بن تميم. وذلك أن بني عبس في
حرب داحس، ساروا إلى هجر ليمتاروا منها، فنزلوا في بني سعد بأمان ثلاث ليال، فنظر بنو سعد
إلى قلتهم، وإلى ظعنهم وكثرة أموالهم، فأجمعوا على الغدر بهم، فبلغهم ذلك، وقال لهم عنترة بن شداد
بن عمرو بن معاوية بن ذهل بن قراد بن مخزوم بن ربيعة بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس،
إن القوم أجمعوا على الغدر بكم، وهم كثير، فإذا جنَّكم الليل، ففرقوا النيران فيما حولكم من الشجر،
واظعنوا، فإن القوم إذا نظروا إلى النيران، ظنوا أنكم في منزلكم. ففرقوا النيران فميا حولهم من
الشجر، وارتحلوا وقد قدموا عيالاتهم وأموالهم بين أيديهم، وتخلَّف الفرسان، وأصبح بنو سعد فغدوا
ليقتسموا أموال بني عبس وظعنهم، فوجدوهم قد ساروا فتبعوهم حتى لحقوهم بالفروق، فاقتتلوا قتالا
شديدا، وامتنعت بنو عبس، ومنعوا ظعنهم وأموالهم، ورجع بنو سعد يتفادى بعضهم ببعض، لم ينالوا
خيرا. ففي ذلك يقوم عنترة بن شداد العبسي:
ألا قاتل الله الطلولَ البواليا ... وقاتلَ ذكراكَ السنينَ الخواليا
حديث يوم الفروقَينْ
قال سعدان، قال أبو عبيدة: لما أصيب أهل الهباءة، استعظمت غطفان قتل حذيفة بن بدر، فتجمعوا،
وعرفت بنو عبس أنه ليس لهم
стр. 428
مقام بأرض غطفان. قال: فخرجت متوجهة إلى اليمامة، يطلبون
أخوالهم - قال: وكانت عبلة بنت الدول، ويقال بنت الديل جميعاً ابن حنيفة أم رواحة - فأتوا قتادة
بن مسلمة فنزلوا اليمامة زمينا، ثم مرَّ ذات يوم قيس مع قتادة فرأى قحفاً فضربه برجله، وقال: كم
من ضيم قد أقررت به مخافة هذا المصرع، ثم لم تئل - أي لم تنج، يقال من ذلك قدوأل الرجل،
وذلك إذا نجا من مرض، وما كان من شيء إذا نجا - قال: فلما سمعها منه قتادة، كرهها وأوجس
منه. قال: ارتحلوا عنا، فارتحلوا حتى نزلوا هجر ببني سعد بن زيد مناة، فمكثوا فيهم زمينا. قال: ثم
إن بني سعد أتوا الجون وهو ملك هجر وملكهم، فقالوا: هل لك في مهرة شوهاء - يعني حسنة ترفع
إليها العين - وناقة حمراء، وفتاة عذراء، قال: نعم. قالوا بنو عبس، فإنهم غارون، نغير مع جندك
عليهم، وتسهم لنا من غنائمهم. قال: فأجابهم إلى ذلك. وفي بني عبس امرأة ناكح فيهم من بني سعد،
قال: فأتاها أهلها ليضموها، وأخبروها الخبر، فأخبرت به زوجها فأتى زوجها قيسا فأخبره، فأجمعوا
على أن يرحلوا الظعائن، وما قوي من الأموال من أول الليل، وتترك النار في الرثة من منزلهم -
الرثة الموضع الذي ارثوا فيه النار، يريد الموضع الذي كانوا فيه نزولا - فلا يستنكر القوم ظعن
بني عبس عن منزلهم.
قال: وتقدم الفرسان إلى الفروق، فوقفوا دون الظعن وبين الفروق، وبين سوق هجر نصف يوم، فإن
تبعوهم شغلوهم وقتلوهم، حتى تعجزهم الظعن، ففعلوا ذلك. قال: وأغارت عليهم جنود الملك، ومن
تابعهم من بني سعد، وذلك عند وجه الصبح. قال: وكذلك كانوا يغيرون في الجاهلية، قال: فوجدوا
الطعن قد أسرين ليلتهن، ووجدوا المنزل خلا. قال: فتبعوا القوم حتى انتهوا إلى الفروق، فإذا الخيل
والفرسان فقاتلوهم، وقد استراحت الظعن حتى خلوا سربهم، فمضوا
стр. 429
حتى لحقوا الظعن ثلاث ليال بأيامهن، حتى قالت ابنة قيس يا ابتاه، أتسير الأرض معنا، فعلم أنها قد جهدت، فقال: أنيخوا،
وامتنعت بنو عبس، ومنعوا ظعنهم. قال: ورجعت بنو سعد يتفادى بعضهم ببعض - أي يستتر
بعضهم ببعض - لم ينالوا خيرا.
قال ففي ذلك يقوم عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن ذهل بن قراد بن مخزوم بن ربيعة بن
غالب بن قطيعة بن عبس:
ألا قاتل الله الطلولَ البواليا ... وقاتل ذكراكَ السنينَ الخواليا
قال: معنى قوله قاتل الله، يريد التعجب. قال: والطلول: ما شخص لك من آثار الدار، مثل الوتد
والأثافي وغير ذلك، قال وهو مثل قولك للرجل: قاتلك الله أي قتلك الله.
وقولك للشيءِ الذي لا تناله ... إذا ما حَلاَ في الصدر يا ليتَ ذاليا
قال: وروى أبو عبد الله بن الأعرابي: إذا ما هو احلولى ألا ليت ذاليا
ونحن منعنا بالفَروقِ نساءنا ... نذبب عنها مشيلات غواشيا
ويروى نطرف أولى مشعلات غواشيا. وروى أبو عبد الله: نطرف عنها مسبلات غواشيا. مسبلات
بالسين بلا إعجام. قال والمشبلات بالشين يريد الأسد، من قولهم أشبل عليه، وذلك إذا قاتل عنه،
وأشفق عليه. والغواشي التي تغشاهم، يريد غشيتهم الرماح. قال: والمسبلات، يريد أسبل عليهم أي
صب عليهم. قال: وفي قول أبي عبد الله نطرف،
стр. 430
فالتطريف الرد. يقال من ذلك للرجل، قد تطرف الخيل عن رحالك،
وذلك إذا ولوا عن حريمك. قال: والمسبلات المغذفات. وغواشيا يريد غشيتهم
الرماح، يريد غشين هؤلاء النساء.
حلفتُ لكم والخيلُ تَردي بنا معا ... نزايلكم حتى تهزُّوا العواليا
قال وروى أبو عبد الله: والخيل تدمى نحورها. وقال تردي هو من قولك ردت، فهي تردي، وردى
فهو يردي وذلك إذا رمى وردى يردي ردى شديدا، وذلك إذا هلك. وقوله حتى تهروا العواليا، يريد
حتى تكرهوا، كأنه مشتق من هر الكلب، وهو أن يكره الكلب شيئا فيهر منه، قال: والعوالي الرماح
بأعيانها في هذا الموضع. قال: والعالية طرف الرمح.
عواليَ سُمراً من رماح رُدينة ... هريرَ الكلابِ يتَّقينَ الأفاعيا
قوله من رماح ردينة، قال أبو عثمان، وقال أبو عبيدة: ردينة امرأة من قضاعة نسبوا الرماح إليها.
تفاديتُمُ أستاهَ نَيبٍ تجمعت ... على رِمَّة من الرماح تفاديا
قوله تفاديتم، يقول ك اتقى بعضكم ببعض، وتكل بعضكم على بعض، وذلك من الفرق، والجزع
والخوف. قال والرمة الحبل الخلق، قال: والمعنى في ذلك يقول: تفاديتم من الرماح. يقول: هربتم
كإبل تجمعت على رمة تأكلها. قال والرمة العظام البالية. قال والإبل تأكل العظام - وقد قال لبيد في
ذلك:
стр. 431
والنيبُ إن تعرُمني رِمَّةً خلقا ... بعد الممات فإني كنت أتئر
قوله والنيب هي المسان من الإبل. وقوله إن تعرمني يريد أن تأتي، يقال من ذلك عروته واعتروته،
كل ذلك إذا أبليته. وقوله أتئر، يقول: كنت آخذ بثأري. ويقال كنت أتئر. يقول كنت أعروها ولا
أبقي عليها. يقول: فهذه النيب إن أكلت عظامي، فقد كنت أصنع بها هذا، فأنا أدرك بثأري أنال
حاجتي.
ألم تعلموا أن الأسنَّةَ أحرزت ... بقيتَّنا لو أن للدهر باقيا
في نسخة عثمان: تعتبنا. يقول: صبرنا على القتال فنجونا - وقالت الخنساء في مثله:
نهين النفوسَ وهونَ النفو ... سِ يومَ الكريهةِ أبقى لها
وقال الشاعر في مثله أيضاً:
وما ينجي من الغمرات إلا ... بَراكاءُ القتال أو الفرارُ
رجع إلى شعر عنترة:
أبينا أبينا أن تضبَّ لثاتُكم ... على مرشفات كالظباء عواطيا
قوله أن تضب لثاتكم، يقال للرجل إذا جاء حريصا، يطمع في الشيء، جاء الرجل تدمى لثته، وجاء
تضب وتبض لثته جميعاً يقالان. ويقال أيضا: جاء الرجل يدمى فوه ويسيل فوه، وجاء ناشرا أذنيه،
كل ذلك إذا
стр. 432
جاء طامعا فيما يريد، حريصاً عليه. ويقال ما يبض حجره، وما تندى صفاته. قال: وذلك
إذا لم يطمع منه في شيء. قال: والبض والضب السيلان، قال: وكل هذا أعرابي، يعني هذا كلام
الأعراب ولغتهم واختيارهم.
وقلتُ لمن أخطرِ الموتُ نفسَه ... ألا من لأمرٍ حازمٍ قد بدَاليا
وقلت لهم ردوا المغيرَةَ عن هَوىً ... سوابقَها وأقبلوها النواصيا
قوله ردوا يعني هذه الخيل، يعني ردوها عن طمع سوابقها، وهواها ما تريد، وأقبلوها نواصي
خيلكم أي ردوها.
فما وجودنا بالفروق أشابة ... ولا كُشُفاً لكن وجدنا مواليا
ويروى ولا كشفا ولا نبتنا مواليا: قوله: ولا نبتنا مواليا، يقول: لم نكن حلفاء في قوم وإنما كنا
بعضنا في بعض. وقال ابن الأعرابي: ولا وجدونا مواليا، وقال: نبتنا فكأنه أراد بالنبت الشيء
المحدث، فنحن لنا القدم والأصل المعروف، ويروى عند الطعان. والفروق موضع معروف. قال:
وهو الموضع الذي ذكره جرير، وهذا حديثه. قال: وقوله أشابة، قال والأشابة الخلط، ومنه يقال فلان
مؤتشب الحسب، وذلك إذا كان مغمورا في حسبه وليس بخالص. ومنه يقال شب لبنك بالماء يا
رجل، يريد أخلطه. قال: والأكشف من الرجال، الذي ينكشف في الحرب فلا يثبت. وهذا قول أبي
عبد الله ابن الاعرابي. وقال غيره: الأكشف من الرجال، الذي لا ترس معه. قال، وقال الأصمعي
كقول ابن الأعرابي في تفسيره. قال: والأكشف الذي يولي سريعا.
وإنا نقود الخيل حتى رؤوسها ... رؤوس نساء لا يجدنَ فواليا
قوله لا يجدن فواليا يعني من الشعث والضر.
стр. 433
رجع إلى شعر جرير:
وإنَّي وقيساً يا ابنَ قين مُجاشِعٍ ... كرِيمٌ أُصفَّي مدحتي للأكارِمِ
إذا عُدَّتَ الأيامُ أخزيتَ دارِماً ... وتُخزيكَ يا ابنَ القينِ أيامُ دارِمِ
ألمْ تُعطِ غصباً ذا الرقيبة حُكمهُ ... ومنُيةُ قيسٍ في نصيبِ الزَّهادِمِ
ويروى وأعطيت غصبا. وقوله ومنية قيس، يريد قيس بن زهير العبسي حين أخذ للزهدمين
نصيبهما من حاجب بن زرارة مائة ناقة من فدائه، وقوله ألم تعط غصبا ذا الرقيبة حكمه. فإن ذا
الرقيبة هو مالك بن عامر بن سلمة بن قشير، أخذ فداء حاجب ألف بعير، وأخذ منه قيس للزهد مين
مائة ناقة، فقال في ذلك قيس بن زهير:
جزاني الزهدمانِ جزاء سوء ... وكنتُ المرءُ يُجزَى بالكرامة
وقد دافعتُ قد علمت معدٌّ ... بني قُرطٍ وعمُّهُم قدامه
أجاثيهم على الركباتِ حتى ... أثبتكم بها مائةً ظُلامه
وأنتُمْ فررتُمْ عَنْ ضرارٍ وعثجلٍ ... وأسلمَ مسعودٌ غداةَ الحفاتِمِ
قوله وأنتم فررتم عن ضرار. يعني ضرار بن قعقاع بن معبد بن زرارة، أسره بشر بن لأي أخو
بني تيم اللات بن ثعلبة يوم الوقيط، وقد كتبنا حديثه فيما مضى من الكتاب.
قال: وأخذ طيسلة العجلى عثجل بن المأمون بن شيبان بن علقمة بن زرارة يوم الوقيط أيضاً، وفي
نسخة ابن سعدان طيلسة. وقوله مسعود، وهو مسعود بن القصاف بن عبد قيس بن حرملة بن مالك
ابن أبي سود بن مالك بن حنظلة، قتله إياس بن عبلة أخو بني جثم بن
стр. 434
عدي بن الحارث بن تيم اللات بن ثعلبة. في نسخة ابن سعدان: إياس ابن حنظلة.
وَفِي أيَّ يومٍ فاضِحٍ لَمْ تُقرنُوا ... أُسارَى كتقرين البِكارِ المقاحِمِ
قوله المقاحم الواحد مقحم، وهو الذي يقتحم سنين في سن، في سنة واحدة. قال وذلك أن يكون حُقاً،
فيحسب جذعاً أو جذعا، فيحسب ثنيا، ولا يكون هذا إلا في الضعيف لا غير.
ويومَ الصَّفا كُنتُمْ عَبِيداً لِعامِرٍ ... وبالحزنِ أصبحتُم عَبيدَ اللهازِمِ
قوله ويوم الصفا، يعني يوم جبلة. وقوله وبالحزن يعني يوم الوقيط، يعني كنتم عبيداً لعامر يعني
أسروكم. ويروى وبالحنو أصبحتم.
وليلةِ وادِي رحرحانَ رفعتُمُ ... فِراراً ولَمْ تلوُوا زَفِيفَ النَّعائِم
أي رفعتم بالسير بالفرار. والزفيف السرعة. ويروى تركتم خليدا.
تركتُمْ أبا القعقاعِ في الغُلِّ مُعبداً ... وأيَّ أخٍ لَمْ تُسلِمُوا للأداهم
ويروى وأي أخ اسلمتموه. قال اليربوعي، قال شريح: إن الأحوص ابن جعفر أسر معبد بن زرارة
يوم رحرحان، وأعطاه لقيط فداء معبد، وقد كتبنا حديثه فيما مضى من أملائنا.
تركتُمْ مَزاداً عِندَ عوفٍ يقودُهُ ... برُمَّةٍ مخذُولٍ على الدَّينْ غارِمِ
ويروى على الدين راغم. ويروى جلبتم إلى عوف مزادا فقاده برمة.
стр. 435
وَلا متْ قُريشٌ في الزُّبيرِ مُجاشَعاً ... ولمْ يعذِروا مَنْ كانَ أهلَ الملاوِمِ
وقالتْ قُريشٌ ليتَ جارَ مُجاشِعِ ... دَعا شبثاً أوْ كانَ جارَ ابنِ خازمِ
قوله دعا شبثا يعني شبث بن ربعي الرياحي، وعبد الله بن خازم السلمي
إذا نزلُوا نجداً سمعتُمْ ملامةً ... بجمعٍ مِنَ الأعياصِ أوْ آل هاشمِ
ويروى إذا نزلوا يوما سمعت ملامة. قال: والأعياص هم بنو أمية. وهم العاصي، وأبو العاصي،
والعيص، وأبو العيص، فلذلك سماهم الأعياص.
أحاديثُ رُكبانِ المحجَّةِ كُلَّما ... تاوَّهْنَ خُوصاً دامياتِ المناسِمِ
وجارَتْ عليكُمْ في الحكومة مِنقرٌ ... كَما جارَ عوفٌ في قتيلِ الصماصِمِ
وأُخزاكُمُ عوفٌ كما قَدْ خزِيتُمُ ... وأدركَ عمَّارٌ تراتِ البراجِمِ
قال سعدان لم يعرف الأصمعي ولا أبو عبيدة عمارا.
لقدْ ذُقتَ مِنِّي طعمَ حربٍ مريرةٍ ... ومَا أنتَ إنْ جاريتَ قيساً بِسالِمِ
ويروى إذا ذقت مني طعم حرب مريرة. أي مرة. ويروى: وما أنت إذ جاريت.
قُفيرةُ مِنْ قِنٍّ لسلمى بِنْ جندَلٍ ... أبُوكَ ابنُها بينَ الأماء الخوادِمِ
سيُخبرُ ما أبلتْ سيُوفُ مجاشِعٍ ... ذَوِي الحاج والمُستعملاتِ الرَّواسِمِ
стр. 436
حديث المراعي وعرادة النميري
قال سعدان، قال أبو عبيدة، قال مسمع: كان عرادة النميري نديماً للفرزدق، فقدم الراعي البصرة،
فاتخذ عرادة طعاما وشرابا، ودعا الراعي. قال: فلما أخذت الكأس منهما، قال عرادة: يا أبا جندل، قل
شعرا تفضل به الفرزدق على جرير، فلم يزل يزين له حتى قال:
يا صاحبيَّ دنا الأصيل فسيرا ... غلبَ الفرزدقُ في الهجاء جريرا
فغدا به عرادة على الفرزدق، وأنشده إياه. قال: وكان عبيد الراعي شاعر مضر، وذا سفه، فتحسب
جرير أنه مغلب للفرزدق عليه، فلقيه يوم جمعة، بعدما انصرف الناس، فقال: يا أبا جندل، إني أتيتك
لخبر أتاني، إني وابن عمي هذا نستب صباح مساء، وما عليك غلبة المغلوب ولا لك غلبة الغالب،
فإما أن تدعني أنا وصاحبي، وإما أن تكون وجه منك إلى أن تغلبني عليه. فإني وإن كنت ولابد
داخلاً بين كلبين من حنظلة أولى منك بتلك، لانقطاعي إلى قيس، وذبي عنهم، وحطبي في حبلهم،
فقال له الراعي: صدقت، نعم لا أبعدك من خير، ميعادك المربد غدا. قال فصبحه جرير، فبينما هما
يستنبث كل واحد منهما مقالة صاحبه، رآهما جندل بن عبيد الراعي، قال: فأقبل يركض على فرس
له، حتى ضرب وجه البغلة التي تحت أبيه الراعي، وقال: مالك يراك الناس واقفا على كلب من
كليب فصرفه. قال أيوب بن كسيب، قال جرير: فحميت، فقلت: أما والله يا ابن بروع، لتأتين بني
نمير بأعباء ثقال، إن أهلي ساقوا بي وبراحلتي، حتى وضعوا بقارعة الطريق بالمربد، والله ما
أكسبهم دنيا ولا أخرى، إلا لأسب من سبهم
стр. 437
من الناس، وإن عبيدا بعثه أهله على رواحلهم من اكتاف
خلص وهبود، يلتمس عليها الميرة والخير، وايم الله لأوقرن رواحله مما ساء نسوة بني نمير. قال
فأتى جرير رحله في دار بني مصاد، في موضع دار جعفر بن سليمان، وهو في غرفة، فجعل لا يهدأ
قلقاً مما يجد في نفسه. قال: فصعد إليه بعضهم، فقال له: ما عراك يا أبا حرزة؟ قال: لا شيء، حتى
فعل ذلك عامة ليله. قال: ويصعدون إليه فيسألونه ما شأنك، فلا يخبرهم بشيء، حتى افتتح له هجاؤه
كما أراد، فقال: إني كنت أحاول هجاء العبد حتى أطلعت طلع هجائه. واستتب لي من ذلك ما أردت
منه. قال: وأدخل طرف ثوبه بين رجليه ثم هدر كما يهدر البعير، وقال: أخزيت ابن بروع، حتى إذا
أصبح غدا فرأى الراعي وابنه في سوق الإبل فقال:
أجندلُ ما تقول بنو نميرٍ ... إذا ما الأيرُ في است أبيك غابا
فقال الراعي لما سمع ذلك: شراً والله تقول.
علوتُ عليك ذروةَ خندفيٍّ ... ترى من دونها رتبا صعابا
لنا حوضُ النبيِّ وساقياه ... ومن وَرَث النبوةَ والكتابا
إذا غضبت عليك بنو تميمٍ ... حسبتَ الناسَ كلَّهم غضابا
فغضَّ الطرفَ إنك من نُميرٍ ... فلا كعباً بلغتَ ولا كلابا
أتجعلُ دِمنةً خَبُثتْ وقلَّت ... إلى فرعين قد كثرا وطابا
فقال الراعي وهو يريد نقضها:
أتاني أنَّ جحشَ بني كليب ... تعرَّض حول دجلَة ثم هابا
стр. 438
ويروى: أتانا الجحش جحش. ويروى حوم وهو أصح.
فأولَى أن يظلَّ العبدُ يطفو ... بحيثُ ينازع الماءُ السحابا
أتاك البحرُ يضربُ جانبيه ... أغرَّ تَرى لجزيتهِ حُبابا
قال أبو عبد الله: فكف الراعي ورأى أن لا يجيبه، قال: فأجاب عنه الفرزدق على روي قوله:
أنا ابنُ العاصمين بني تميم ... إذا ما أعظم الحدثان نابا
قال: ثم قال الراعي فلم يهجه ولم ينزع - قال: وبعض قومه يقول إن جندلا قالها:
إني أتاني كلامٌ ما غضبت له ... وقد أراد به من قال إغضابي
جنادب لاحق بالرأسِ منكبه ... كأنه كودَنٌ يوشي بكلاب
قولُ امرئٍ غرَّ قوماً من نفوسهم ... كخرز مكرهةٍ في غير أطناب
قوله يوشي، يستخرج ما عنده. فغلبهما جرير. قال أبو عثمان، وأخبرنا الأصمعي، قال: مرَّ الراعي
برجل يتغنى بشعر جرير، فتسمع له، وإذا هو يقول:
وعاوٍ عوَى من غيرِ شيء رميتهُ ... بقافيةٍ أنفاذُها تقطُرُ الدما
خرُوجٍ بأفواه الرواةِ كأنها ... قرى هندواني إذا هُزَّ صمَّمَا
قال: فقال الراعي ما لجرير لعنة الله. ثم قال الراعي: علام يلومني الناس أن غلبني هذا. قال أبو
عثمان، حدثني أبو عطارد، عن حسين
стр. 439
راوية جرير، قال: لقي جرير الراعي، فأخذ بيده، واعتذر اليه
الراعي، فرآهما جندل بن الراعي، فأقبل فنتر يد أبيه من يد جرير، فقال جرير: وكانت فيه غنة، أما
والله لأثقلن رواحلك، ثم أقبل جرير إلى منزله، فقال للحسين روايته: زد في دهن سراجلك الليلة،
واعدد ألواحا ودواة. قال: ثم أقبل على هجاء بني نمير. قال: فلم يزل حتى ورد عليه قوله:
فغضَّ الطرفَ إنكَ من نميرٍ ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
فقال جرير للحسين روايته: حسبك أطفئ سراجك ونم، فقد فرغت منه - يعني قتلته - قال: ثم إن
جريرا أتم هذه القصيدة بعد. قال: وكان جرير يسميها الدماغة، ويسميها الدهقانة. قال: وكان يسمي
هذه القافية المنصورة. قال: وذلك لأنه قال قصائد على قافيتها، كلهن أجاد فيها. قال سعدان: وأما
عمارة بن عقيل، فانه قال: قال جرير لراعي الإبل، وهو يزجره، أن يقع بينه وبين الفرزدق، وبلغه
عنه قول قال: فقال جرير: يا أبا جندل، إني قد كنت بهذا المصر سبع سنين، لا أكسب أهلي دنيا ولا
آخرة، إلا أن أسب من سبهم، فلا يقع بيني وبين هذا الرجل منك ما أكره، وأنت شيخ مضر
وشاعرهم، وقولك مسموع فمهلا. فقال: معاذ الله، لا أفعل ما تكره. قال: وجرير قائم لازم بعنان بغلة
الراعي، وقد قال له الراعي ميعادك وميعاد قومك غدا مجلسكم في المسجد الجامع، فأعتذر إليكم مما
بلغكم، وأرجع عما ساءكم. قال جرير: وقد بلغني أنك ترفع الفرزدق وقومه، حتى لو تقدر أن تجعلهم
في السماء لفعلت، وتقع في بني يربوع حتى تصير إليَّ في رحلي. قال وابنه جندل وراءه يسمع
ذلك، وهو على فرس له، فقال لرجل من هذا الذي أبي واقف عليه، قال له: ذلك جرير بن الخطفى.
قال: فأقبل يشتد به فرسه حتى يهوى بالسوط لمؤخر بغلة أبيه. قال: فزحمتني والله
стр. 440
زحمة وقعت منها على كفي في الأرض. قال: وندرت قلنسوتي. قال: وسمعته يقول: إنك لواقف على كلب من كليب
تعتذر إليه. قال: فمضيت وأنا أوعده في نفسي وأقول ما فيه دركي، مما أنال فيه شفاء غليظي. قال:
فما مررت على مجلس إلا قلت: جاء ابن بروع برواحله من أهله بخلص وهبود يكسبهم عليهم، أما
والله لأوقرن رواحله مما يثقلها خزيا ينقلب به إلى أهله. قال: فلما انتهيت إلى أهلي، فدخلت منزلي،
واجتمعت إلى مشيخة قومي، فذكروا ما كان مني ومنهم تلك العشية، فقالوا: غلام سفيه فلا تكافئه
بإساءته ولا تعجل بمكافأته، فإن الشيخ يلقانا بالبشر والطلاقة. قال: فلما انصرفنا من الجمعة، اجتمعنا
في حلقتنا ومجلسنا في المسجد، فلم نحسه حتى صلينا العصر، وأردنا الانصراف، فوقف علينا رجل
من بني أسيد قد علم الأمر، قال: فمع منا. فقال هاهو ذا جالسا في حلقة بني نمير ناحية المسجد، فقلنا
للأسيدي: اذهب فتعرض له، واذكر مجلسنا، لعله نسي الذي قال لنا بالأمس، فأتاه، فقال: يا أبا جندل،
هذه بنو يربوع تنضح جباههم العرق، ينتظرون ميعادك مذ اليوم. قال فوثب ليأتينا، فأدركته حلقة
بني نمير، فأخذوا بأسافل ثوبه، وقالوا: أجلس، فو الله لأن ينضح قبرك غدوة في الجبانة، أحب الينا
من أن يراك الناس تعتذر إلى هذه الكلاب - قال: وذلك بحدثان قتل وكيع قتيبة بن مسلم فباهلة
ونمير غضاب على بني يربوع، قال: فأتى الرجل فاخبرنا، فانصرفنا. قال وارتكبه جرير فهجاه، قال
جرير: فقلت من قصيدتي ليلتي ثمانين بيتا، فلما أتيت في آخر الليل على قولي:
فغضَّ الطرفَ إنك من نميرٍ ... فلا كعباً بلغتَ ولا كلاباً
علمت أني قد نلت منه حاجتي، وبلغت غايتي فيه. قال: وزعم
стр. 441
الكلبي أن جريرا بلغه قول عرادة النميري حيث يقول:
رأيت الجحشَ جحشَ بني كليب ... تيمم حول دجلةَ ثم هابا
قال: ثم أتممت القصيدة، ثم غدوت بها وهو قاعد بفنائه في المربد، فأنشدته إياها، فلما أتيت على
قولي: فغض الطرف. قال: أخزيتهم أخزاك الله آخر الدهر. قال: فلما أتيت على قولي:
أجندل ما تقول بنو نمير ... إذا ما الأيرُ في است أبيك غابا
قال: تقولون شرا. أرسل يا غلام فبئس، والله، ما كسبنا قومنا.
فقال جرير:
أقلِّي اللَّومَ عاذِلَ والعِتابا ... وقُولي إنْ أصبتُ لقدْ أَصابا
أجدَّكَ ما تذكُّرُ أهلَ نَجْد ... وحيًّا طالَ ما انتظرُوا الأيابا
ويروى: ما يذكر عهد نجد.
بلى فارفض دمْعُكَ غيْرَ نزْر ... كَما عيَّنتَ بالسِّرب الطِّبابا
قال: التعيين في موضعين حين يفرغ من خرز الوعاء، يقولون، يومئذ، عيِّن وعاءك فيصب فيه
الماء، فينظر من أين يسيل ومن أين عيبه فيسد. قال: والطباب الجلدة تضرب على أسفل المزادة.
قال والسرب السيلان. قال: وقال بعضهم التعيين الرقة والفساد في الجلد. والطباب أيضا الشرائك،
ويجمع بين أديمي المزادة.
стр. 442
وهاجَ البرْقُ ليلةَ أضرِعاتِ ... هَوىً ما تستطِيعُ لَهُ طِلابا
فقُلْتُ بحاجة وطَويتُ أُخرَى ... فهَاجَ علىَّ بينهُما اكِتئابا
ووجْدٍ قَدْ طويتُ يكادُ مِنْهُ ... ضَميرُ القلبِ يلتهِبُ التِهابا
سألناها الشِّفاءَ فَما شَفتْنا ... ومنَّتنا المواعِدَ والخِلابا
ويروى: التودد. وقوله الخلاب، الكذب من مواعيدهن وقول الباطل.
بشتَّانَ المُجاوِرُ ديرَ أروَى ... ومنْ سكَنَ السَّليلَةَ والجِنابا
أسيلةُ معقِدِ السَّمطَين مِنْها ... وريَّا حيثُ تعتقِدُ الحِقابا
ولا تمشُيِ اللِّئامُ لَها بِسرٍّ ... ولا تُهدِي لجارَتها السِّبايا
أباحَتْ أمُّ حزرةَ مِنْ فُؤادِي ... شِعابَ الحُبِّ إنَّ لَهُ شِعابا
مَتى أُذْكَرْ بِخُورِ بَني عِقالٍ ... تبيَّنُ في وُجوهِهِم اكتئابا
ويروى تبين. ويروى متى أقصد لخور بني عقال.
إذا لاقَى بنُو وقبانَ غمًّا ... شَددتُ على أُنوفِهِمِ العِصابا
قوله العصابا، يعني عصاب الغمامة التي تشد على أنف الناقة، وذلك إذا أرادوا أن يعطفوها على
غير ولدها، كيلا تشمه، وإنما تعرف ولدها بالشم.
أبَى لِي ما مَضَى لِي فِي تَميمٍ ... وفِي فرعيْ خُزيمةَ أَنْ أُعابا
ويروى وفي حبي خزيمة. وحيا خزيمة يريد كنانة وأسدا.
ستعلمُ مَنْ يصيرُ أبُوهُ قيناً ... ومَنْ عُرِفتُ قصائدُهُ اجتِلابا
أثعلبَةَ الفوارِسَ أوْ رِياحا ... عدلتَ بِهمْ طُهَّيةَ والخِشابا
قوله طهية يعني طهية بنت عبشمس بن سعد ولدت لمالك بن حنظلة
стр. 443
أبا سود. قال: والخشاب ربيعة ورزام إخوتهم، بنو مالك بن حنظلة من غير طهية.
كأنَّ بَنِي طُهَيَّةَ رهطَ سَلمَى ... حِجَارَةُ خارئٍ يرْمِي كِلابا
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة والأصمعي: كان أبو البلاد الطهوي الشاعر، خطب سلمى بنت عم
أبي البلاد لحا، فقال أبوها: أنت سبريت - وإن شئت سبروت قال وهو الذي لا يملك شيئاً - قال،
فقال له أبو البلاد: فإني أؤاجرك نفسي حتى تجتمع لي عمالة أقوى بها. قال: فأجابه إلى ما سأله.
قال: ثم إنه رعى عليه زمانا، حتى إذا ظن أن قد قدر على صدقتها، ورد الماء لخمس، وقد أنكحها
أبوها رجلا سواه. قال: ثم إن أبا البلاد تجهز إلى الكوفة ليمتعها، وقد بقي له من زاده آراب في
مكتل، وقد شد في عمود البيت. قال والآراب كل عظم يكسر، فهو إرب. وهو من قول العرب قطعته
إربا إربا، يعني عضوا عضوا. قال وقد شد الزبيل في عمود البيت، فتلقته أمة لبعض أهل الماء في
حاجة لها. فقالت: يا أبا البلاد، قد أجيلت جوائل سلمى، فهات محورتك - قال وإنما أرادت قول أبي
البلاد حيث يقول:
سيعلمُ أكياسُ الرجالِ محورتي ... إذا الأمر من سلمى أجيلت، مجاوله
قوله أجيلت مجاوله يعني قضى الأمر الذي يريدون، يعني قضي أمر سلمى، فزوجت وأنت لا تدري
- قال، فقال للأمة: ويحك، ما تقولين؟ قالت: أنت وذاك فسل تخبر.
قال: فقصد إلى بيت سلمى. قال، فقالت سلمى: فرأيت وجهه مصفراً، وظننت أنه من الجوع
والضر. قالت: فقمت إلى المكتل ثم دفعته
стр. 444
إلى فناء البيت قبله، ثم قمت إلى ستارتي فجعل يعبث
باللحم، وذاك برأي عيني. قالت: فملأني خوفاً ورعباً، وخفته على نفسي، وعلمت أنه لا جوع به،
وأن الذي في نفسه، ما ظننت أنه قد بلغه من تزويجي. قالت: فخرجت موائلة أبادر كسر البيت،
لأنجو منه بنفسي - قال وكسر البيت أثناء مواخيره الواقعة على الأرض - قالت ويقفوني بالسيف،
فأهوى لعرقوبي، فضربهما. قال: فبقيت سلمى سائرة يومها، ثم ماتت. قال وهرب أبو البلاد هائما
في البلاد.
وقال بعضهم: ضرب حبل عاتقها، ثم قال أبو البلاد في نفسه، بعدما أمعن في البلاد هربا من أي
شيء: أهرب فو الله ما أدري أحية هي أم ميتة. ثم إنه رجع ليعلم علمها. قال: فإذا أهلها يوقدون
عندها، ويقلبونها على النار، وهو ينظر إليهم من حيث لا يعلمون به، قال: فماتت، فقال بعد موتها:
يا موقدَ النارِ أوقِدها بعرفجةٍ ... لمن تُبيِّنها من مدلج سارِ
قال: وإنما اختار العرفج، وذلك لأن نار العرفج أسرع التهابا من غيره، وناره أوسع وأكثر ضوءا.
تبدي لك النار سلمى كلما وقدت ... للهِ دَرُّكِ ما تُبدين من نارِ
قال: ثم إن أبا البلاد انطلق حتى أتى نافع بن قتب، سيد بني طهية، فنادى ابنه عصاما، فقال له: من
ذا؟ قال: أنا أبو البلاد. فقال له: ما تشاء؟ قال، وذلك تحت الليل. ثم قال له: آذن أباك بي، فأتاه
فأخبره. فقال: ما جاء به في هذه الساعة خير، وإني لأخاف شره. قال: فخرج إليه، فقال له: ما شأنك
يا أبا البلاد؟ فقال له: قتلت فلانا، وسمى له
стр. 445
رجلا، وحاد عن ذكرها. وقال له: مر لي بزاد وراحلة
وسقاء. قال: فأعطاه راحلة ونصف جلة وسقاء. قال: ثم هرب فبلغ الخافقين - الخافقان المشرق
والمغرب - قال: ثم أنه ندم على قتل سلمى، فقال يعذل نفسه ويوبخها ويلومها على قتل سلمى:
غدرَت أبا البلادِ بقتلِ سلمى ... وكنت أبا البلادِ فتى غدوراً
قال: ولقي أبا البلاد الغول فقتلها. وقال في هربه ذلك:
لهانَ على جهينة ما ألاقي ... من الروعات عند رحى بطانِ
لقيتُ الغولَ تسري في ظلام ... بسهب كالعباية صحصحان
فقلتُ لها: كلانا نقض أرض ... أخو سفر فصدّي عن مكاني
فصدَّت وانتحيتُ لها بعضبٍ ... حسامٍ غيرِ مؤتشب يمان
فقدت سلاتها والبركَ منها ... فخرّت لليدين وللجران
فقالت زد، فقلت لها وإني ... على أمثالها ثبتُ الجنان
ويروي: فقلت رويد.
شددت عقالها وحللتُ عنها ... لأنظرَ غدوةً ماذا أتاني
إذا عينان في وجهٍ قبيح ... كوجه الهر مسترق اللسان
ورِجلا مخدج وسراةُ كلب ... وثوبٌ من فِراءٍ أو شنان
قال: ثم إنه رجع بعدما مل الحياة، وقد حمل ديتها رجل من بني طهية، وأداها عن أبي البلاد. قال،
وقال غيره: سلمى امرأة من بني طهية، قتلها أبو شداد القشيري. قال: وذلك أنها كانت قد هجته فعير
стр. 446
جرير بني طهية قتلها.
رجع إلى شعر جرير:
رأينَ سوادهُ فدنَوْنَ مِنْهُ ... فيرميهنَّ أخطأَ أوْ أَصابَا
فلاَ وأَبيكَ ما لاقيتُ حياً ... كيربُوعٍ إذا رفعُوا العُقابا
قال: العقاب، هاهنا، الراية التي تحمل في القتال، والناس يقاتلون معها وحولها، ما دامت قائمة، فإذا
سقطت انهزم أهلها. قال: والراية لا تهمز.
ومَا وجدَ المُلُوكُ أعزَّ مِنَّا ... وأسرَعِ مِنْ فَوارِسنا اسْتِلابا
إذا حربٌ تلقَّحُ عَن حِيالٍ ... ودرَّتْ بعدَ مرْيَتِها اغْتِصابا
قوله اغتصابا، قال: وذلك أن الناقة إذا امتنعت فلم تدر، عصبت فخذاها.
قال فتلك العصوب. قال وإنما شبه الحرب بالناقة. قال وإذا طال جيال الناقة لقحت في أول قزعة.
قال: وكذلك الحرب إذا تراخى سكونها وطال أمرها لقحت في أول هيج. قال: فضرب الناقة مثلا
للحرب. قال: ومرية الناقة أن يمسح ضرعها حتى تدر. قال: فكذلك الحرب تهيج بالشيء بعد الشيء
حتى تلقح.
ونحنُ الحاكِمُونَ عَلى قُلاخٍ ... كَفينا ذا الجَريرةَ والمُصابا
قوله على قلاخ، قالوا قلاخ أرض، وقالوا موضع باليمن، كانت به
стр. 447
وقعة. قال واختلفوا فيها، فكان
الحكم في بني رياح، إلى بني حميري بن رياح بن يربوع وولده. قال فرضى بحكمهم. ويروى ونحن
الحاكمون على عكاظ. قال وذلك أن الحكام والأئمة في الموسم كانوا بعد عامر بن الظرب في بني
تميم. فكان الرجل يلي الموسم منهم ويلي غيره القضاء. فكان من اجتمع له الموسم والقضاء جميعا
سعد بن زيد مناة بن تميم. قال ثم ولى ذلك حنظلة بن مالك بن زيد مناة. ووليه ذؤيب بن كعب بن
عمرو بن تميم. ثم وليه مازن بن مالك بن عمرو بن تميم. ثم وليه ثعلبة بن يربوع بن حنظلة. ثم
معاوية بن شريف ثم جروة ابن أسيد بن عمرو بن تميم. ثم الاضبط بن قريع بن عوف بن كعب ابن
سعد. ثم صلصل بن أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة. قال وكان آخر تميمي اجتمع
له القضاء والموسم سفيان بن مجاشع فمات. فافترق الأمر فلم يجتمع القضاء والموسم لأحد منهم حتى
جاء الإسلام. وكان محمد بن سفيان بن مجاشع يقضي بعكاظ، فصار ميراثا لهم. فكان آخر من قضى
منهم الذي وصل إلى الإسلام الأقرع ابن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان.
حَمينا يومَ ذِي نجبٍ حمانا ... وأحرزْنا الصَّنَائِعَ والنِّهابا
قوله يوم ذي نجب كان لبني يربوع خاصة، دون بني حنظلة.
لَنَا تحتَ المحامِل سابِغاتٌ ... كنَسْجِ الرَّيحِ تَطَّرِدُ الحَبابا
ويروى ترى تحت المحامل سابغات. قال والمحامل يعني محامل السيوف واحدها محمل. قال وهي
أيضا الحمائل. وقوله الحباب قال الحباب الذي تراه على الماء مثل الوشم تراه وتبينه إذا حركته
الريح.
وذَي تاجٍ لَهُ خرزاتُ مُلْكِ ... سَلبناهُ السُّرادقَ والحجابا
стр. 448
ألا قَبحَ الإلهُ بَني عقال ... وزادهُمُ بغدرْهم ارْتيابَا
أجيرانَ الزُّبير برئْتُ منكُمْ ... فألقُوا السَّيفَ واتَّخذُوا العِيَابا
يقول أنتم نساء فاتخذوا العياب ودعوا السلاح.
لقْدْ غرَّ القيونُ دَماً كَريماً ... ورحلاً ضاعَ فانتُهبَ انتِهابا
وقدْ قعستْ ظُهُورُهم بِخيل ... تُجاذبُهمْ أعنَّتها جذابا
يقول يريدون الانهزام والتأخر القهقرى، والخيل تريد التقدم وهي تجاذبهم أعنتها.
عَلاَمَ تقاعسُونَ وقَدْ دَعاكُمْ ... أهانَكُمُ الَّذي وَضعَ الكتابَا
تعشَّوْا من خزيرهمُ فنامُوا ... ولَمْ تهجعْ قرائبُه انتحَابَا
أتنسونَ الزُبيرَ ورهْطَ عوفٍ ... وجعثنَ بعدَ أعينَ والرَّبَابَا
قوله رهط عوف، يعني عوف بن القعقاع بن معبد بن زرارة. ورهطه مزاد بن الأقعس بن ضمضم.
قال وقد مر حديثه فيما امليناه من الكتاب وكتب في موضعه. قال وأما قوله بعد أعين، فإن حديث
أيمن بن ضبيعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، ان عليا ابن أبي طالب، رضي
الله عنه، كان بعثه إلى البصرة فقتل بها، وذلك أن بني حوي بن سفيان بن مجاشع، والرباب بنت
الختات بن يزيد المجاشعي - أظن أنه غراب البين وكان أسود كأنه حبشي - قال وكان يزعم أنه من
بني مرة بن عوف من غطفان، وكان مصدقا على بني تميم لابراهيم بن عربي فقال إنها انغلت منه
- أنغلت جاءت بولد نغل ولد زنا - ووجد غراب البين عند هند بنت عبد الله بن حكيم القرين
فعقروا ناقته وفيه يقول جرير يعيرهم بذلك:
стр. 449
ترضى الغراب وقد عقرتم نابه ... بنت القرين بمحبس وسرير
قالت فدتك مجاشع واستنشقت ... من منخريه عصارة القفور
وحنت هنيدة خزية لمجاشع ... إذ أولمت لهم بشر جزور
وحنت وجنت أيضا كل هذه روايات. وقال جرير في هذه القصة:
سأذكر من هنيدة ما علمتم ... وأرفع شأن جعثن والرباب
وأصبح غاليا فتقسموه ... عليكم لحم راحلة الغراب
رجع:
ألْم تَرَ أنَّ جعثِنَ وَسْطَ سعْد ... تُسَمَّى بَعدَ قضَّتها الرِّحابا
تُحزحزُ حينَ جاوزَ رُكبتيها ... وهزَّ القُزبريَّ لهَا فغَابا
تحزحز أي تقدم حرها. ويروى
تحزحزُ حينَ جلف ركبتيها ... وهز القسبري لها فغابا
وتخزخز وتحزحز واحد أي تحرك.
تَرَىَ بَرصاً بِمَجمَعِ إسكتيهاً ... كنعفقةِ الفرزدقِ حينَ شابا
يعني بأسفل. ويروى لها برص بأسفل إسكتيها. في نسخة ابن سعدان بجانب إسكتيها.
وهَلْ أُمٌّ تكُونُ أشدَّ رعياً ... وصرَّاً مِنْ قُفيرةَ واجتِلابا
стр. 450
ويروى وما أم. ويروى أشد نعظا. ويروى أشد فطرا. والفطر مسح الضرع ليدر.
ومقرفة اللَّهازِمِ مِنْ عِقالٍ ... يُغَرِّقُ ماءَ نخبتِها الذُّبابا
قوله ماء نخبتها، الماء هاهنا سلحها. والنخبة يعني الدبر. والنخبة جلد الاست ويروى:
وسوداء المحاجر من عقال ... تغرق من مشيمتها الثيابا
ويروى يشين سواد محجرها النقابا.
تُواجهُ بعلَها بِعُضارِطِي ... كأنَّ عَلىَ مَشافِرِهِ جُبابا
ويروى تواجه بعلها بسراطمي. قال والجباب من ألبان الإبل ما تجمع وتكمز. مثل الزبد والسراطمي
الذي يسترط كل شيء. قال والجباب شبيه بالزبد يجتمع من ألبان الإبل ولا زبد له. تكمز صار
كمزا. ويروي بضراطمي من الضراط والميم زائدة.
وخُورُ مُجاشِعٍ تركُوا لقِيطاً ... وقالُوا حِنْوَ عينكَ والغُرابا
يقول احفظ الغراب بعينك فإن ذهبت عينك جاء الغراب فأكلها. وحنو العين الحجاج. قال وكان لقيط
بن زرارة قتل يوم جبلة. وقوله حنو عينك، قال حنو العين عظم الحاجب المنحني على العين. قوله
والغرابا يقول هو قتيل فالغراب ينقره وهو واقع على عينه. وقالوا حنوها ناحيتها يعني تركوه
صريعا يهزأ به. يقول أحذر لا يأكل عينك الغراب.
وأضبعُ ذي مَعارِكَ قَدْ علمتُمْ ... لقِينَ بجنبهِ العَجبَ العُجابا
стр. 451
ويروى لقين بجيبه. ويروى بجلبة. أضبع جمع ضبع. وذو معارك موضع. وجلبة موضع.
فإن مُجاشِعاً جمعُوا فِياشاً ... وأستاهاً إذا فَزعُوا رِطابا
قوله فياشاً فإن الرجل يفخر بما ليس له ويكذب في فخره. وقوله رطابا يقول إذا فزعوا سلحوا.
يقول قد جمعوا الخفر بالكذب والسلاح.
وَلاَ وأَبيكَ ما لهُمُ عُقولٌ ... ولا وُجِدتْ مكاسِرُهُمْ صِلابا
وليلةَ رحرحانْ تركتَ شِيباً ... وشُعثاً في بيُوتِكُمُ سِغابا
رضعتُمْ ثُمَّ سالَ عَلى لِحاكُمْ ... ثُعالَةَ حيثُ لَمْ تجِدُوا شَرابا
تركتُمُ بِالوقيِطِ عُضارِطاتٍ ... تُردِّفُ عِنْدَ رِحلتِها الركَّابا
لَقَدْ خَزَي الفرزدقُ في معدٍ ... فأمْسَى جهدُ نُصرَتِهِ اغتِيابا
يقول أخزيته فلم يكن عنده انتصار لنفسه إلا الاغتياب فقط.
ولاَقَى القينُ والنِّخَباتُ غَمًّا ... تَرَى لِوُكُوفِ عبرتِهِ انْصِبابا
ويروى:
ولاَقَى القينُ والنِّخَباتُ غَمًّا ... على غم وزادهم عذابا
والنخبات الجبناء من الرجال واحدهم نخبة.
أتُوعِدِني وأنتَ مُجاشِعِيٌّ ... تَرَى في خَنْثِ نخبِتِهِ اضْطِرابا
أصل الخنث اللين. وقولك في خنث يريد في عطف نخبتك لينا وانثناء. قال والنخبة الدبر. وخنثها
شرجها. ويروى أرى في خنث لحيتك اضطرابا.
стр. 452
فَما هِبْتُ الفرزدقَ قَدْ علمتُمْ ... وَما حَقُّ ابْنِ يروَعَ أنْ يَهابا
ويروى فما هيت الفرزدق. وابن يروع يعني الراعي.
أعَدَّ الله للِشُّعرَاءِ مِنِّى ... صَواعِقَ يخضعُونَ لَها الرِّقابا
قرنْتُ العبْدَ عبدَ بَنى نُميرٍ ... مَعَ القينينِ إذْ غُلِبا وَخابا
أَتانِي عَنْ عَرادةَ قولُ سُوءٍ ... فَلا وأبِي عَرادَةَ مَا أَصَابا
يعني عرادة النميري راوية الراعي.
وكَمْ لَكَ يا عَرادَ مِن أمِّ سُوءٍ ... بِأرضِ الطَّلْح تحتبِلُ الزَّبابا
الزبابة شبيه الفأرة.
عَرادةُ مِنْ بقيَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ... ألا تَبا لما عملُوا تبابا
لَبِئسَ الكسبُ تكسبُهُ نُميرٌ ... اذا استأنوكَ وانتظروا الأيابا
أنا البازِي المُدِلُّ على نُميرٍ ... أتِحْتُ مِنَ السَّماءِ لهَا انصبابا
ويروى المطل على نمير، ويروى أتحت من السماء له انصبابا.
إذا علقَتْ مَخالِبُهُ بِقرْنٍ ... أصابَ القَلْبَ أوْ هتكَ الحِجابا
تَرَى الطَّيرَ العِتاقِ تظلُّ مِنْهُ ... جوانِحَ لِلْكلاكلِ أنْ تُصابا
الكلاكل الصدور. قال وإنما أراد أنها لاصقة بالأرض من مخافته فشبه نفسه بالبازي.
стр. 453
ولَوْ وُضِعت فِقاحُ بَني نِميرٍ ... عَلَى خَبث الحَدِيدِ إذا لذَابا
فَلا صلَّى الإِلهُ عَلى نُميرٍ ... وَلا سقيتْ قُبُورُهمُ السَّحابا
وخضْراءِ المغابِنِ مِنْ نُمير ... يشينُ سوادُ مَحْجِرها النِّقابا
ويروى وسوداء المحاجر وسوداء المغابن. ويروى ومقرفة المغابن. قال والمغابن ما تثنى من الجلد
واسترخى من جلد المرأة والرجل أيضا. والمحجر من المرأة ما خرج من النقاب ولم يغطه النقاب.
ويقال المحجر ما حول العين وهو بارز من النقاب إذا انتقبت المرأة.
إذا قامَتْ لِغيْرِ صَلاةِ وِتْرٍ ... بُعيْدَ النَّومِ أنْبحَتَ الكلاِبا
تطلَّى وهَيَ سيئَة المعَرَّى ... بصِنَّ الوَبْرِ تَحْسبهُ مَلابا
كانَّ شَكِيرَ نابِتِ إسْكتَيْها ... سِبالُ الزُّطِّ علَّقَتِ الرِّكابا
قال الشكير الزغب تحت الشعر ن والريش الصغار تحت الكبار، والورق الصغار الذي ينبت تحت
الكبار.
وقَدْ جلَّتْ نساءُ بَني نُميرٍ ... وَما عرفَتْ أَنامِلُها الخِضَابا
جلت لقطت الجلة من كثرة ما تعالج الأبعار، ويقال جلت من الجلال والجلالة يريد به من الكبر.
وقال في مثله الشاعر:
فإن تنسني الأيام الا جلالة ... أعش حين لا تأسى علي العوائد
قال والمعنى في ذلك: إن تؤخرني الأيام ويتأخر أجلي أعش فاهرم،
стр. 454
فلا تحزن علي عوائدي ولا
تبالي حياتي، ولا نفع عندي ولا دفع. قال أبو عبد الله وقد حلبت من الحلب ويروى:
لقد حلبت أناملها وصرت ... وما عرفت أناملها الخضابا
إذا حلَّتْ نساءُ بنِي نُميْرٍ ... عَلى تِبراكَ خبثت التُّرابا
تبراك هو ماء لبني العنبر. قال أبو عثمان سمعت الاصمعي يقول: جاءت عن العرب أربعة أحرف:
قوله تعشار وهو لبني ضبة. وتبراك وهو لبني العنبر. وقولهم تقصار وهو القلادة اللاصقة بالحلق.
وقولهم تلقاء - ويروى إذا جلست نساء بني نمير - وفي المصادر تلقاء وتبيان. أبو عبد الله ما سوى
هذين - يعني تلقاء وتبيان - من المصادر فهو مفتوح الأول.
وَلوْ وُزِنتْ حُلُومُ بَنِي نُمَيرٍ ... عَلى المِيزانِ ما وَزنتْ ذُبابا
فَبراً يا تُيُوسَ بَنَي نميرٍ ... فإن الحربَ مُوقِدةٌ شِهابا
بَعمرُ أبي نِساءِ بَنِي نُميرٍ ... لسَاءَ لَها بمقصبتي سِبايا
ستهدِمُ حائِطَيْ قرماءَ مِنِّي ... قَواف لا أريد بِها عِتابا
دخْلَنَ قُصُورَ يثربَ مُعلماتٍ ... ولَمْ يتركنَ مِنْ صنعاءَ بابا
يقول سارت القوافي فيهن فبلغن كل مكان. وقوله ولم يتركن من صنعاء بابا وذلك أن الأقرع بن
حابس قاد الخيل من أرض نجد حتى دخل نجران فأغار على بني الحارث بني كعب وأغار الاضبط
ابن قريع والنمر بن مرة بن حيان، والرئيس الأول، وهو محلم بن سويط الضبي، في جماعة من بني
تميم على أهل اليمن حتى انتهوا إلى صنعاء.
تَطُولكُمُ جِبالُ بَنِي تميمٍ ... ويحمِي زأرُها أجماً وغابا
يقال من ذلك طاولته فطلته أي كنت أطول منه. قال أبو عبد الله
стр. 455
الراوية وتحمي أسدها.
ألمْ نُعتِقَ نِساءَ بَني نُميرِ ... فَلا شُكراً جَزَيْنَ وَلا ثَوابا
أجندلُ ما تقُولُ بَنُو نُميرٍ ... إذا ما الأيرُ في استِ أبيكَ غابا
ألمْ ترَني صُبِبْتُ عَلَى عُبيدٍ ... وقَدْ فَارتْ أَبا جِلُهُ وَشابا
قوله فارت يعني تعقدت وورمت.
أُعِدُّ لهْ مواسِمَ حامِياتٍ ... فَيَشفَى حرُّ شُعلتِها الجرابا
فغُضّ الطرفَ إنَّكَ مِن نُميرٍ ... فَلا كعباً بلغتَ ولا كِلابا
أتعدلُ دِمنَةٌ خبثت وقلَّت ... إلى فرعينِ قَدْ كَثرا وَطابا
الدمنة نمير، والفرعان كعب وكلاب.
وحُقَّ لمِنْ تكنَّفُهُ نُميرٌ ... وضَبَّةُ لا أَبا لَكَ أَنْ يعابا
يعني قريع بن الحارث بن نمير، وضبة بن نمير. ويروى وحق لمن تعد له نمير.
فَلَولا الغُرُّ مَنْ سَلفيْ كِلابٍ ... وكعْبٍ لاغتصبتُكُمُ اغْتِصابا
فَانَّكُم قَطِينُ بَني سُليْمٍ ... تُرَى بُرقُ العباءِ لكُمْ ثِيابا
ويروى قطع العباء. وقطع العباء الفراء. قوله برق العباء يقول: اكسيتهم برق أي فيها بياض وسواد
يبرق فيها. ويقال من ذلك جبل ابرق، أي قوة بيضاء، وقوة سوداء. والقوة الطاقة.
إذا لنفيتُ عبْدَ بَني نُميرٍ ... وعلِّي أَنْ أزيدهُمُ ارْتِيابا
ويروى فماذا عند عبد بني نمير فعلي أن أزيدهم. وقال أبو عبد الله
стр. 456
فماذا راب عبد بني نمير فعلي.
فيَا عَجبِي أتُوعِدُني نُميرٌ ... براعِي الإبلِ يحتْرشُ الضِّبابا
الاحتراش أن يجبئ الرجل إلى جحر الضب، فيحرك يده عليه فيحسبه الضب أفعى أو حية، فيخرج
الضب إليه ذنبه فيضربه بذنبه، فلا يزال به حتى يأخذ بذنبه فيخرجه. قال ومثل من أمثال العرب
"أنا أعلم بضب احترشته". ومثل آخر من أمثالهم "هذا أجل من الحرش".
لعلَكَ يا عُبيد حَسِبتَ حَرْبِي ... تُقلِّدُكَ الأصِرةَ والعِلابا
إذا نَهضَ الكِرامُ إلى المعالي ... نهضتَ بعلُبةٍ وأثْرَت نابا
تُنوِّخُها بِمحنيَةِ وحِيناً ... تُبادِرُ حدَّ دِرَّتها السِّقابا
ويروى تبوئها من الباءة وهو النكاح، وتبوخها مثله. قال والمحاني في الوادي مثل العواقيل في
الأنهار. ويقال المحاني ثني الوادي وعطفه. يقول تبادر ألبانها أولادها فتسبق أولادها أن تشرب اللبن
من أمهاتها فتشربه. قال والمعنى في ذلك يقول إنك راع يعيره بذلك.
تَحِنُّ لَهُ العِفاسُ إذا أفاقَتْ ... وتعْرِفُهُ الفِصالُ إذا أَهابا
قال والعفاس وبروع ناقتان كان الراعي ذكرهما في شعره، وقوله إذا أفاقت قال، وأفاقتها يريد
اجتماع درتها بعد الحلب. قال والاهابة الدعاء.
فأولِعْ بالعِفاسِ بَني نُميرٍ ... كما أولعتَ بالدَّبَرِ الغُرابا
وبِئْسَ القرضُ قرضُكَ عِندَ قيسٍ ... تُهيجُهُمُ وتمتدحُ الوِطابا
قوله تهيجهم تعرضهم للهجاء. الرواية الصحيحة تهجيهم من الهجاء.
стр. 457
وتَدْعُو خَمْشَ أُمِّكَ أَنْ تَرانا ... نُجُوماً لا تَرُومُ لَها طِلابا
قوله خمش أمك وهو مثل قولك ويل أمك، دعاء عليه أي تثكله أمه حتى تخمش عليه.
فَلنْ تَسْطِيعَ حنظَللتي وسُعْدى ... ولا عَمْري بلغتُ ولاَّ الرِّبابا
ويروى وسعدى وعمري إذا دعوت ولا الربابا.
قُرُومٌ تحملُ الأعباءَ عنكُمْ ... إذا ما الأمرُ في الحدثانِ نابا
هُمُ مُلَكُوا المُلْوكَ بِذاتِ كهفٍ ... وهُمْ منعُوا مِنَ اليَمنِ الكُلابا
قال أبو عبيدة: قوله بذات كهف، قال وهو انك إذا قطعت طخفة بينها وبين ضرية، والطريق بينها
وبين قنة الحمر، فهو يوم طخفة، ويوم الرخيخ، ويوم ذات كهف، ويوم خزاز. قال وذلك لانهن
متقاربات. وقوله: وهم منعوا من اليمن الكلابا، قال فيوم الكلاب لبني سعد والرباب. قال وإنما جاز
له أن يفخر به لأنه فخر به على راعي الابل النميري. قال أبو عبيدة وليس هذا الكلاب بالكلاب
الأول. قال وذلك لأن الكلاب الأول كان بين شرحبيل وسلمة الغلفاء ابني الحارث ابن عمرو الكندي،
لما هلك تنافس ابناه في الملك فقتل سلمة أخاه شرحبيل: قال وأما كلاب بني تميم، فكان بعد مبعث
النبي ﷺ ، قال وقال اليربوعي: قوله هم ملكوا الملوك بذات كهف، أن بني يربوع
أسروا قابوس بن المنذر بن ماء السماء، وحسان أخاه. قال والكلاب الأخير هو لسعد والرباب على
أهل اليمن ومذحج وغيرهم.
إذا غَضِبتَ عليكَ بنُو تَميمٍ ... حَسِبْتَ النَّاسَ كُلَّهُمْ غِضابا
ألسْنَا أكثَرَ الثَّقلينَ رَجلاً ... بِبطْنِ مِنىً وأعظمهُ قبابا
стр. 458
وأجْدَرَ إنْ تَجاسرَ ثُمَّ نادَى ... بِدَعْوَى يالَ خِندِفَ أَنْ يُجابا
قوله وأجدر يعني وأخلق أن يكون كذلك.
لَنا البَطحاءُ تُفْعِمُها السَّواقِي ... ولمْ يَكُ سيْلُ أودِيَتي شِعابا
فما أنتُمْ إذا عَدلتْ قُرُومِي ... شَقاشِقَها وَهافَتَتِ اللُّعابا
ويروى إذا هدلت. قوله إذا عدلت قرومي يعني إذا مالت رءوسها فهدرت. قال وكذلك يفعل الفحل
إذا هدر أمال رأسه ناحية كالتكبر الذي يميل رأسه تجبرا. قال فهو إذا هدر رأسه في ناحية شقته.
وقوله وهافتت اللعابا، يريد فألقت القروم لعابها، يريد زبدها إذا هدرت وهو الأصل، إلا أنهم نقلوه
إلى غيره. قالوا الهفيتة القوم تقحمهم السنة فيتهافتون على الناس في أمصارهم، كتهافت ذلك اللعاب
وهو زبد البعير إذا أهدر وألقاه من فيه. قال والقرم الفحل من الإبل الذي لم يمسسه حبل ولا حمل
عليه لكرمه، وإنما هو للفحلة فشبهوا السيد القوم وكريمهم بالفحل.
تَنَحَّ فإن بحْرِي خِنْدفيٌّ ... تَرَى في مَوْجِ حريتهِ حبابا
ويروى ترى في موج جريته عبابا، ويروى ترى لفحول جربته عبابا.
بِمَوجٍ كالجِبالِ فإن ترُمْهُ ... تُغَرَّقُ ثمَّ يَرم بِكَ الجنَابا
فما تَلْقى مَحِلِّيَ في تَميمٍ ... بِذِي زَلَلٍ ولا نَسْبَي ائتِشابا
ويروى على زلل. والمؤتشب المخلوط من كل ضرب، يقال قد تأشبوا إذا اختلطوا من كل حي.
ويقال أشبوا ايضا وهم الاشابة والاباشة.
стр. 459
ويروى ولا نسبي أشابا.
عَلَوتُ عليكَ ذِروةَ خِندفَي ... تَرى مِنْ دُونِها رُتُباً صِعابا
لَهُ حوضُ النَّبِيِّ وساقِياهُ ... وَمَنْ وَرِثَ النُّبوَّةَ والكِتابا
ويروى لنا حوض النبي وساقياه. قال سعدان وقال لنا الأصمعي وأبو عبيدة: كانت الاجازة في
الجاهلية لصفوان بن شجنة بن عطارد بن عوف بن سعد بن زيد بن مناة بن تيم.
ومِنَّا مَنْ يُجِيزُ حَجِيج جَمْعٍ ... وإنْ خاطبتَ عزَّكُمُ خِطابا
قالوا وقوله ومنا من يجيز، أراد كرب بن صفوان، قال وكان يجيز الناس من عرفات إلى مزدلفة
إلى منى. قال وكانت صوفة، وهم بنو الغوث بن حرب يجيزون من منى إلى الأبطح. وبكر بن وائل
يجيزون من الأبطح إلى الكعبة.
ستعْلَمُ مَنْ أعز حِمى بِنجْدٍ ... وأعظمُنَا بِغائرَةٍ هضابا
أعزُّكَ بِالحجازِ وإنْ تسهَّلْ ... بِغُورِ الأرْضِ تُنتهبِ انتِهابا
قوله اعزك يريد أغلبك، وهو من قولهم من عز بز. يقول من غلب قهر صاحبه، بزه ثيابة وما معه.
أتيعَرُ يا ابنَ بروعَ مَنْ بعيدٍ ... فَقَدْ أسْمعتَ فاستمع الجَوابا
قوله أتيعر يريد تصيح صياح التيس. قال واليعار صوت المعز، والثؤاج صوت الضأن.
فَلا تجزعْ فإن بَنِي نُميرٍ ... كأتوامٍ نفحتَ لهُمْ ذِنابي
قال الذناب النصيب وأصله الدلو.
стр. 460
شَياطِينُ البلادِ يخفْنَ زَأرِي ... وحيَّةُ أريُحاءَ لَيِ اسْتَجابا
ويروى رآبيل البلاد. وقال هي جمع رئبال بالهمز. أريحاء بالشأم مدينة بيت المقدس.
تَركتُ مُجاشِعاً وبنِي نُميرٍ ... كَدار السَّوْء أسرعَتِ الخَرابا
ألمْ تَرَني وسمتُ بَني نُميرٍ ... وردتُ عَلى أُنوفِهِمُ العِلابا
إليْكَ إليْكَ عبدَ بَنِي نُميرٍ ... وَلَما تقتَدِحُ مِنِّى شِهابا
فأجابه الفرزدق فقال:
أَنا ابْنُ العَاصِمينَ بَنِي تَميمٍ ... إذا ما أعظمُ الحدثانِ نابا
نما في كُلِّ أصْيدَ دارِميِّ ... أغرَّ تَرَى لقُبَّتِه حِجابا
مُلُوكٌ يبتنونَ توارثُوها ... سُرادِقُها المُقاولُ والقِبابا
مِنَ المستأذنِينَ تَرَى معدَّاً ... خُشُوعاً خاضِعِينَ لَهُ الرِّقابا
شُيوخٌ مِنْهُمُ عُدُسُ بنُ زيدٍ ... وسُفيانُ الَّذي وردَ الكُلابا
قال أبو عبد الله: هؤلاء عدس بضم الدال، وغيرهم عدس بفتح الدال. قال سعدان وأبو عبيدة: يقال
عدس بنصب الدال وبرفعها يقالان جميعا. قال وهو عدس بن زيد بن عبد الله بن درام، وسفيان بن
مجاشع بن درام جد الفرزدق. قال وأم سفيان شراف بنت بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد
مناة بن تميم، قال وكان سفيان بن مجاشع رئيس بني مالك بن حنظلة يوم الكلاب الأول.
следующие страницы →