Полный текст (970 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
فغادَروا مَسْعودَهُم مُتَجَدّلا ... قَدْ أودَعوهُ جَادِلا وصَعيدا
وقال المغيرة بن حبناء في كلمة له طويلة - قال وذلك حين هاجى زياداً الأعجم - يُعير ربيعة
بفرارهم عن مسعود، وفرار مالكٍ وأشيم، ويحقق قتل مسعود في المقصورة:
فلما لَقيناكُمْ بِشَهباء فَيْلَق ... تَزَلْزَلَ منها جمعكم فتَبَدّرا
وطرْنا إلى المَقْصورتينْ عليكُمُ ... بأسيافنا يَفْرينَ دِرعا ومغْفَرا
وأبْتُمْ خَزايا قَدْ سُلِبْتُمْ سلاحَكُمْ ... وأسلَمْتُمُ مَسْعودَكُمْ فتَقَطّرا
وأفْلَتَنَا يسعى مِنَ الموتَ مالِكٌ ... ولو لم يَفِرّ ما رَعَى النّبتَ أخضرَا
وأشيَمُ إذْ ولىّ يَفوقُ بطَعْنَة ... بُبادِرُ بابَ الدار يهرُبُ مُدْبَرا
وقال العجاج في ذلك في أرجوزة له طويلة:
بل لو شهدتَ الناس إذْ تُكُمّوا ... بِفِتْنَةٍ غُمّ بِها وغُمُوا
وهي قصيدة طويلة. الرواية بغمة لو لم تُفرّج غموا. وقال أيضا القلاخ ابن حزن بن جناب، أحد
بني حزن بن منقر بن عبيد في ذلك:
إنّ لنا ضُبارِماً هوّاسا ... ذا لِبَدٍ غَضنْفراً دْرواسا
وهي قصيدة طويلة. ودرواس هو الشديد من نعت الأسد. والهوّاس أيضا الشديد، وهو من نعت
الأسد. وهو الذي يدق كل شيء فيأتي عليه اقتدار. وقال أيضاً القُحيف العنبري:
جاءتْ عُمانُ دَغَرَى لا صَفّا ... بَكْرُ وجمع الأزْدِ حينَ التَفّا
стр. 702
ويروى دغرا لا صفا، وهي طويلة. والدغرى الذين يحملون في دفعة واحدة، لا ينتظر بعضهم
بعضا. وقال سؤر الذئب أحد بني مالك بن سعد:
نحنُ خَبَطْنا الأزْدَ يومَ المَسجدِ ... والحَيّ مِنْ بَكرِ ويَومَ المِربَدِ
إذْ خَرّ مَسعودُ ولمْ يُسوسدِ ... ولم يجُنّ في سَواء المَلْحَدِ
قال وهي أيضاً طويلة. وقال القلاخ أيضاً في ذلك:
لمّا رأينا الأمرَ في مَرْجوسِ ... وهاجِسٍ مِنْ أمرهمْ مَهْجوسِ
وهي طويلة أيضاً. قال: ومن قال في قتل مسعود هذه القصص من شعراء تميم، أكثر من ذلك،
فتركناه اختصارا منا، لما فشا من قول الشعراء في ذلك، قديماً وحديثاً، اختصاراً لأنه أكثر من أن
يحصى. قال: ثم إن أهل اليمن بعد مقتل مسعود من الليل، زمّوا أمرهم ليلتهم، فأجمع أمرهم أن
رأسوا عليهم زياد بن عمرو بن الأشرف بن البختري ابن ذهل بن يزيد بن عكب بن الأشد بن
العتيك. قال: ثم خرجوا من الغد، وخرجت ربيعة بن نزار، عليهم مالك بن مسمع بن شيبان بن
شهاب يطلبون دماء من أصيب منهم، قال: فعبّوا الأزد قلبا، عليهم زياد بن عمرو، وعبّوا عبد القيس
وألفافها من أهل هجر، وعليهم الحكم بن مخربة ميسرة، وعبّوا بكرا وألفافها عنزة بن أسد بن ربيعة،
وبني ضبيعة بن ربيعة، والنمر بن قاسط، وعليهم مالك بن مسمع ميمنة، قال: وذلك في أول شوال
سنة أربع وستين، حتى كانوا بأعلى المربد. قال: وخرجت إليهم مضر، وعليهم الأحنف، وهو صخر
بن قيس، وقد عبّى بني سعد بن زيد مناة وألفافها من الأساورة والأندغان، قوم من العجم كانوا معهم،
وضبّة وعدي بن زيد مناة - قال وليس أحد من الرباب بالبصرة غير ضبة وعدي - وعليهم قبيصة
ابن حُريث بن عمرو بن ضرار الضبي - وهو الهملج، ومات في
стр. 703
الطاعون الجُراف سنة تسع وستين - قال: وعلى جماعة هؤلاء عبس ابن طلق الصريمي، فجعلهم ميمنة بإزاء الأزد.
قال: وعبّا قيس عيلان، وجعل عليهم قيس بن الهيثم بن قيس بن أسماء بن الصلت، فجعلهم بإزاء عبد القيس
وألفافها، وعبّى بني عمرو بن تميم، وجعل عليهم عبّاد بن حُصين، ومعهم بنو حنظلة بن مالك
وألفافها من بني العم، والزّطّ، والسيابجة، وعلى جماعتهم سلمة بن ذؤيب الرياحي، فجعلهم بإزاء بكر
وألفافها. قال: وفي ذلك يقول شاعر بني عمرو بن تميم:
سيَكْفيكَ عَبْسٌ أخو كَهْمَس ... مُقارَعَةَ الأزدْ بالمِربدِ
وتَكْفيكَ قَيسٌ على رِسلها ... لكَيزَ بنَ أفْصَى وما عددَ
ونكفيكَ بَكْرا وألْفافَها ... بضرب يشيبُ له الأمردُ
قال: فكانوا يتغادون فيقتتلون زماناً، ثم إنّ عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي من قريش، وعمر بن
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، مشيا للصلح فيما بينهما، حتى التقى مالك والأحنف
والعمران في الصلح، فجعل الأحنف يخفّ عند المراوضة، ويثقل مالك. فقال القرشيان: يا أبا بحر
مالك تخف وقد ذهب حلمك في الناس، ومالك يرزن. فقال إني أرجع إلى قوم يتأبون عليّ، ويرجع
إلى قوم، إن قال نعم، قالوا نعم. قال: فلم يتفق بينهم صلح، فتغادروا للقتال. ثم إنهم أرسوا الصلح
يقال تراسوا الصلح، يعني أسرّوا ذلك بينهم - على أن يكتبوا قتلاهم، ثم ينظروا في ذلك على ما
يتفق رئيس. قال: فاجتمعت ربيعة وأهل اليمن في دار مشورتهم، دار رفيدة في السوق. واجتمعت
مضر في دار شورهم، وهي الدار التي بنحر الطريق، إذا أقبلت من دار جبلة بن عبد الرحمن، وأنت
تريد السوق أو مسجد بني عدي، والأيسر يأخذ إلى صباغي قنطرة قُرة. قال: فكتبوا، وكتبت الأزد،
واليمن، وربيعة قتلاهم، فلما بلغوا دية مسعود، كتبوها عشر ديات.
стр. 704
قال: وذلك للمُثل التي مُثّلت به، فقالوا: لا تزيدوا على دية رجل من المسلمين، فقالوا: إنكم مثّلتم به
مثُلات، فأبى الأحنف، وكان الأحنف إذا قال لا، لم يقل نعم، إذا ظن أنه قد أنصف، قال: فاضطربوا
بالنعال وبالأيدي، وإنما كانوا جاءوا للصلح، قال: ثم تعاودوا السلاح، فاقتتلوا زُمنياً، ثم إن العُمرين
قالا: إن هؤلاء قد كانوا اصطلحوا فتشاجروا، فلو أتينا الأحنف فكلّمناه، وأتينا القوم أجمعين فعسى أن
يتراجعوا، فبدءا بالأحنف، فعظّما الإسلام، وحق الجيران، وقالا أخوالكم وأصهاركم ويدكم على العدو،
قال: فانطلقا فأعقدا على ما أحببتما، وأبعدا عني العار - قال وذلك بأعين الأزد وربيعة - فلما توجّها
قبل ربيعة واليمن، قال الأحنف لعبس: أما إنهم لن يسمعوا منهما، فاعل عليهم الريح، واستعن عليهم
بالتحكيم، فهو أسلس لهم عما وراء ظهورهم. قال: فلما دنوا، رماهما السفهاء فاتقيا بثيابهما وركضا،
حتى وقفا حيث لا ينالهما النشاب والنبل، قال: وصبّ عبس عليهم الخيل فأجلت عن قتل نفير، قال:
فقال ذوو الحِجَى للسفهاء: رميتم رجلين لم يزالا يمشيان في الصلح، قال: وقد أتيا الآخرين فسمعوا
كلامهما، ولم يفعلوا ما فعلتم، ثم ألووا إليهما - يعني أشاروا إليهما - فجاءا فعظما الإسلام، وقالا لهم
مثل ما قالا للأحنف، فقال: قد كنتم تراضيتم بالصلح، فقالوا: لن نقبل لمسعود دون عشر ديات -
وذلك للمثلة التي كانوا مثّلوا به، فقال عمر بن عبد الرحمن لعمر ابن عبيد الله: إن الأحنف قد أبى
هذا عليهم، هَلُمّ فلنحمل تسع دياب، فقال عمر بن عبيد الله: ولم نحملها كلانا؟ إما أن تحملها أنت وإما
أن أحملها أنا.
قال أبو عبيدة: فزعم محمد بن حفص أنه حملها - يعني عمر بن عبيد الله بن معمر - قال: وأما بنو
مخزوم، فزعمت أنهما احتملاها، قال: فرضي القوم، فأتيا الأحنف برضا القوم للحمالة، فرضي، ثم أتيا
стр. 705
الآخرين فأخبراهم برضا الأحنف، وقالا لهم: ارجعوا، فقالوا إنما يُربّثنا الأحنف، فلما رأى ذلك
عبد الله بن حكيم بن زياد بن حوي بن سفيان بن مجاشع بن دارم، وهو أحد القرينين، أتاهم فقال: أنا
في أيديكم رهينة بوفاء الأحنف لكم، فارتهنوه، ورضوا وتراجع الناس، ففي ذلك يقول الفرزدق يفخر
على جرير في كلمته التي قالها:
ومنا الذي أعطى يَدَيه رَهينةً ... لغارَيْ مَعَدّ يومَ ضربِ الجماجِم
رأتنا مَعَدٌ يومَ شالَتْ قُرومُها ... قياماً على أقتارِ إحدى العَظائمِ
رأونا أحقّ ابني نزار وغيرها ... بِإصلاح صَدع بينهمْ مُتفاقِمِ
حقَنّا دماء المسلمينَ فأصبحتْ ... لنا نعمةُ يُثنَى بها في المواسِمِ
عشيّة أعطَتنا عُمانُ أمورَها ... وقُدْنَا مَعَدّا كُلّها بالخَزائِمِ
فقال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة بن حدير عن مبارك بن سعيد بن مسروق، أخي سفيان الثوري، عن
إسحاق بن سويد، قال: فبدأ الأحنف فأتاهم، فحمد الله، ثم قال: وأما بعد يا معشر الأزد وربيعة، فإنكم
إخواننا وأخوالنا في الإسلام، وشركاؤنا في الصهر، وجيراننا في الدار، ويدنا على العدو، ووالله لأزد
البصرة، أحب إليّ من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحبّ إليّ من تميم الشام، فإذا استشرت شأفتكم -
يعني هاجت كما يهيج الشرى - وحميت جمرتكم، وأبى حسك صدوركم، ففي أموالنا وأحلامنا سعة
لنا، ولكن قد رضيتم أن نحمل هذه الدماء في بيت المال من أعطياتنا، قالوا قد رضينا يا أبا بحر،
قال: قد رضيتم، قالوا نعم.
قال أبو عبيدة: ألا ترى أن ربيعة والأزد الطالبون، وأن القتلى منهم أكثر، وزعم أبو نعامة العدويّ،
أن مما حُمِل حُمِل، خمسون ألف
стр. 706
درهم لمُثلة مسعود. قال: فقالت الأزد وربيعة لا نرضى إلا أن يقوم
بها رجل، فقال الأحنف: دياتكم إلي، فقالوا: لا، لأنك رأس قومك، فإذا بدا لك ألا تفعل، لم تفعل، وإن
ارتددت بما قبلك أطاعوك، فانظر لنا رجلا غيرك ترضى دينه وشرفه.
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة بن حدير عن إسحاق ابن سويد، قال: فرجع الأحنف
فمشى غير واحد من وجوه مقاعس - قال: ومقاعس اسم جمع جميع بني عمرو بن كعب بن سعد بن
زيد، وهم بنو عبيد بن الحارث: منقر ومُرة رهط الأحنف، وعامر وسائر بني عبيد، عبد عمرو
وغيرهم من بني عبيد بن الحارث بن كعب، وصريم رهط عبس، وربيع رهط مُرة بن محكان ابنا
الحارث. قال: فعرضها الأحنف عليهم، فهابوها فأبوا - فقلنا لإسحاق: ومن هم يا أبا محمد؟ فقال:
عبد الله بن زيد بن سريع بن مرثد بن عُبادة بن النزال بن مرة بن عبيد، وصعصعة بن معاوية بن
عبادة بن نزال بن مرة بن عبيد، وجزء بن معاوية بن الحصين بن عُبادة بن النزال بن مرة بن
عبيد، قال: وذكر رجالا منهم أيضا هابوها، فأبوا أن يقبلوا ذلك - فعرضها الأحنف على إياس بن
قتادة بن أوفى بن موألة بن عبد الله بن عتبة بن مُلادس بن عبشمس بن سعد بن زيد مناة - قال: وأم
إياس من بني نزال بن مرة بن عبيد رهط الأحنف - فأجابه إلى حملها - وأوفى بن موألة كان من
أشراف بني سعد في الجاهلية، وله يقول اليربوعي في يوم طخفة:
يَطُفْنَ بِأوفى أوْ بِعَمرو بنِ خالدِ ... عَباهِلُ لا يَعرِفْنَ أمّا ولا أبا
فعرض الأحنف إياساً على الأزد وربيعة، فقالوا: شريف مسلم رضينا به، قال: فأتاهم فحمل لهم.
стр. 707
قال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة عن أبي نعامة، قال: فلما رجع إياس إلى قومه، وقد حمل دماء أولئك
الازد وربيعة قالوا: لا مرحباً، والله لتحملنّ لهم دماءهم ولتطلّن دماؤنا، فأين دماؤنا؟ قال: فأنا أحمل
دماءكم أيضا. فحملها فرضوا، وذلك في أوائل ذي القعدة سنة أربع وستين، وفي ذلك يقول القلاخ بن
حزن:
ثمّ بعثنا لهمْ إياسا ... حمّالَ أثقالٍ بِها قِنْعاسا
إذا أردنا أنْ يَريسَ راسا
يريس يتبختر في مشيته، ولو كان من الرئاسة لكان يرأس. وعمد عمر إلى ما حمل لهم الغد فبعث
به إلى الأزد ولم يُدرك ذلك الزمان، يذكر ما ضوعف من دية مسعود وتعجيلها، ويزعم إنما أدركوا
ذلك بمالك بن مسمع:
قَتلنا بقتلى الأزدْ قتلى وضُوعفَتْ ... دياتٌ وأهدَرنا دماء تميمِ
بعَشر ديات لابنِ عمرو فوُفيّتْ ... عِيانّا ولم تجعل ضمارَ نُجومِ
نَزَلْتُمْ على حُكمْ الأغَرّ بنِ مسمع ... على حُكمِ طلاّبِ التّراثِ غَشومِ
يعني بقوله أهدرنا دماء تميم. يقول: لم يحملها منا ولا من الأزد حامل في أعطياتنا، ولم نقم بها لهم
كما قام إياس لنا، ولم نرهنهم كما ارتهنا منهم. قال: ونُدّم الأحنف فندم وقال: كلمّوا إياس يردها علي
ويجعلها إلي، قال: فأتوا إياساً فكلموه في ردها على الأحنف، فقال: دعوني حتى أرى في ذلك. قال:
فلما أمسى، كتب من تحت الليل إلى العرفاء، ومن كان له عنده اسم من أولياء القتلى برقعة: أن
اغدوا إلى حقّكم بالغداة. قال: فغدا الناس، فأتى بهم بيت المال، فأعطى كل ذي طائلة بطائلته من
الفريقين، قال: والناس مجتمعون بعد على عبد الله بن الحارث الهاشمي، قال: والدليل على ذلك، أن
أهل البصرة إنما كتبوا إلى عبد الله بن الزبير بطاعتهم له، حين سكنت الفتنة في ذي القعدة سنة أربع
وستين، قال: فكتب عبد الله بن الزبير - رضي الله
стр. 708
عنهما - إلى أنس ابن مالك ﵁
أن صَلّ بأهل البصرة وكتب بعهد عمر بن عبيد الله بن معمر على أهل البصرة، في ذي القعدة سنة
أربع وستين، فلقيه رسول بن الزبير في طريق مكة يريد الحج، فرجع فكان على أهل البصرة، في
ذي القعدة سنة أربع وستين، قال: وكانت هذه الهزاهز ثمانية أشهر أو تسعة أشهر. قال: ففي ذلك
يقول إياس بن قتادة، وفي ندم الأحنف بن قيس:
إنّ مِنَ الساداتِ مَنْ لو أطعتَهُ ... دَعاكَ إلى مارٍ يَفورُ سَعيرُها
وقالوا أعرِها خالَكَ اليومَ ذكرها ... وهَلْ مثلَهُ في الناسِ مثلي يُعيرُها
فقلتُ لهمْ لا تَعجلوا إنّ حاجتي ... لأن تعلمَ الآفاقُ كيفَ مصيرُها
إذا ما مضى شهرٌ وعشرٌ فإنّهُ ... بعيدٌ معَ الركبِ العجالِ مسيرُها
فلما مضى غِبُ الحديثِ وبرّزتْ ... تنفُسَها ساداتُها وبُحورُها
وقال رجالُ ليتَها أنها لنا ... وأيُّ رجالٍ بالأمورِ بصيرُها
سأورثُ قيساً بعدَ خندفَ مجدَها ... يكونُ لها بعدي سَناها وخيرُها
تدبّرتْ أذنابَ الحَمالاتِ بعدما ... مضى ذِكرُها لأهلِها وأجورُها
عَقدْتُ لها حبلَ الأمانة بيننا ... وشرُ الحبالِ رَثُها وقصيرُها
وكنتُ متى أحملْ لقومٍ أمانةً ... فإن الوفاء بِرُها وظُهورُها
فرد عليه صعصعة بن معاوية فقال:
لقدْ ضاعَ أمرٌ يا إياسُ وليتَهُ ... وخُطّةُ قومٍ كُنت أنتَ تُديرها
وحُقّ لها مِنْ خُطة إنْ تُدُبّرتْ ... تَضيعُ وإبهامُ الحُبارى سفيرُها
قال أبو عبيدة: إنما قال: وإبهام الحبارى، لأن إياس بن قتادة كان قصيراً من الرجال، فنبزه بإبهام
الحبارى، يعني لقّبه بالقصر، قال: فما لزمه ذلك ولا ضره ما نبزه به.
وللحَمد حَوْماتٌ ترى لكَ دونَها ... مَهابلَ مقطوعاً عليكَ جُسورُها
стр. 709
قال أبو عثمان: فقلت لأبي عبيدة: فهذا الأحنف قد ذكر أن مسعوداً قتله الخوارج، وأقرّ بذلك فقال:
إنما ذلك قول الأحنف: اعلوا عليهم الريح، واستعينوا عليهم بالتحكيم، قال: فقال عامر أو مسمع
أخوه: العجب للأحنف، وهو يُزن بحلم وعقل ساد بهما، يستعين على ربيعة بالتحكيم وهو فيهم. فقال
عامر: والله لوددت أنّا عرمنا عشرة آلاف ألف درهم، وأنّ هذا الرأي خرج منا، فإنه قد أفنى فرساننا
ووجوهنا، وأقل عددنا، وإنه لا يزال فارس منا لا يُسقط الروع رمحه، قد خرج فقتل ضياعا. قال:
وقال عامر في مجلس آخر: العجب لمالك والأحنف، والله ما كان مالك في أمر يبرأ منه هؤلاء التجار
والموالي، والأحنف بإزائه في ذلك الأمر، فلم يضره ذلك عند الناس، فقال له ابن نوح: إنّ الأحنف
كان يتأول الدين، وإنّ مالكاً كان يتغشمر، ألا ترى أنه يوم مسعود لم يستحل حرمه، حتى قامت
البينة، وأنهم قد سفكوا الدماء، وركبوا المحارم. قال أبو عثمان: هذا خبر مسعود قد تم، وإلى هاهنا
سمعناه من الأصمعي وأبي عبيدة لم يجاوزا ذلك.
رجع إلى شعر الفرزدق:
هُنالِكَ لو تَبغي كُلَيباً وجَدتَها ... بَمنزِلَة القِردانِ تحتَ المَناسِم
قوله المناسم، قال: المنسمان ظُفرا خُفي البعير.
وما تجعلُ الظربَى القِصارَ أنوفُها ... إلى الطّمّ مِنْ مَوجِ البحارِ الخضارِمِ
الطم بفتح الطاء في نسخة أبي عثمان، قال أبو عثمان: سمعت الأصمعي وأبا عبيدة يقولان: الظربى
جمع، واحده ظربان، قال: وهو دابة فويق السنور، منتن الرائحة قال: والطم العدد الكثير. والخضارم
من الأبار الغزار الكثيرة الماء، ويقال من ذلك بئر خضرم، وذلك إذا كانت غزيرة، قال: ويقال رجل
خضرم. قال: وذلك إذا كان
стр. 710
جواداً يعطي المال سحا، والخضرم البحر، قال: فكأنه مشتق من كثرة
الماء وغزارته، يقال رجل خضرم، إذا كان كثير الإعطاء، مأخوذ من كثرة ماء البئر وغزارتها، قال:
وذلك أن العرب تُشبّه الشيء، بالشيء وإن لم يكن من شكله ولا من طرازه.
لهاميمُ لا يسطيعُ أحمالَ مثلهِمْ ... أنوحٌ ولا جاذٍ قصيرُ القوائِمَ
قوله لهاميم، يقول هم واسعة أجوافهم سادة، يلتهمون كل شيء لا يهولهم أمر شديد وقوله أنوح، وهو
أن يسعل الرجل إذا ثقل حمله وفدحه، يقول: فهم يحملون أثقالهم مُستضعلون لها، ولا يكرثهم ذلك،
كما يكرث غيرهم، فيسعلون من ثقل ما عليهم، وإنما هذا مثل ضربه لهم، لأنهم مستضلعون بما
عليهم من حمل. وقوله ولا جاذ، قال: الجاذي من الخيل، الذي في رُسغه انتصاب، قال: وذلك عيب
في الخيل، وهو أضغف له إذا لم يكن مفروشاً، وفرش الرجل أن ترى فيها كالعوج، ترى ذلك في
الحافر إذا كان الفرس قائماً، وإنما ضرب ذلك مثلا لهم لأنهم براء من كل عيب، الفرش تباعدُ ما بين
العُرقوبين من غير إفراط، فإن أفرطَ صار عقلا، وإذا انتصب رُسغُ الدابة كان أصلبَ له وأقوى،
وهو مدح، ألا ترى أنهم يُشبهونه برسغ الثور في انتصابه، فإذا لان ولم ينتصب كان عيباً.
يقولُ كِرامُ الناسِ إذ جَدّ جدنا ... وبيّن عَنْ أحسابِنا كُلُ عالمِ
عَلامَ تَعَنّى يا جرير ولم تجدِ ... كُلَيباً لها عادِيّةُ في المَكارِمِ
قوله عادية، يقول لم يكن لكليب قديم تُعرف به، فلا تعن في أمر لا تبلغه.
ولستَ وإنْ فَقّأتَ عينيكَ واجداً ... أباً لكَ إذْ عُدّ المَساعي كَدارِمِ
هوَ الشيخُ وابنُ الشيخِ لا شيخَ مثلَهُ ... أبو كُلّ ذي بيتِ رفيع الدّعائمِ
تعنّى مِنَ المَرّوت يرجو أرومتي ... جَريرٌ على أمّ الجَحاشِ التّوائمِ
стр. 711
قال: المروت واد في بلاد بني كليب. قال: والأرومة الأصل. وقوله أم الجحاش، يعني الأتان. وقوله
التوائم، هو أن تلد المرأة اثنين في بطن واحد، وامرأة متئم وهو أن تلد اثنين في بطن.
وِنْحياكَ بالمَرّوتِ أهونُ ضَيعَةً ... وجَحْشاكَ مِنْ ذي المأزِقِ المُتلاحِمِ
النحي الزق، يعيّره بأنه راع، فالزق معه فيه اللبن لا يفارقه، قال: والمأزق المتلاحم، يريد المتضايق
لشدته، يقول: فأنت بنحيك أعلم منك بالحروب في شدتها، ضيق موضعها في القتال. قال: ومنه يقال
ملحمة، يريدون بالملحمة القتال الشديد المسرف القتل. ملحمة فيها لحمى أي قتلى.
فلو كُنتَ ذا عقل تبيّنت إنّما ... تَضولُ بأيدي الأعجزينَ الألائمِ
وروى أبو عمرو بالملائم، ويروى تنوء أي تنهض.
نماني بنو سعد بن ضَبّةَ فانتسبْ ... إلى مثلهم أخوالِ هاج مُراحِمِ
وضَبّةُ أخوالي همُ الهامةُ التي ... بِها مُصرٌ دَمّاغَة للجَماجمِ
وهلْ مثلُنا يا ابنَ المَراغَة إذ دَعا ... إلى البأس داع أو عِظامِ المَلاحمِ
أي داعٍ يدعو إلى خلافة رجل يجعل خليفة. قال: والملاحم الفتن والقتال.
وما لكَ مِنْ دَلو تُواضِخُني بها ... ولا مًعْلم حام عَنْ الحَيّ صارِم
ويروى حامي الحقيقة. قال: المواضخة في السقي، أن تجذب كما يجذب صاحبك، وتنزع في الدلو
كما ينزع، وقوله ولا مُعلم، لأنه لا يعلم في الحرب إلا الأشداء. يقول: فليس لك فارس يُعرف بذلك.
стр. 712
قال الأصمعي: وإنما يُعلم الفارس، فيلبس ما يُشتهر به نفسه، ليراه الناس فيُعرف مكانه، لأنه لا يفر
عند اللقاء، وقال: إن حمزة ﵁ كان معلماً يوم أُحد بريشة نعامة، كانت في صدره
ليُعرف مكانه، فكان أسد الله وأسد رسوله ﷺ وكان الفارس والراجل يتعجبان
من صنيع حمزة ﵁ وهو يفري الفري فمن ثم سمي أسد الله.
وعندَ رسولِ اللهِ قامَ ابنُ حابسٍ ... بخُطّة سَوّار إلى المَجد حازم
لهُ أطلقَ الأسرىَ التي في حِبالهِ ... مَغَلّلَةً أعناقُها في الأداهِمِ
كفى أمهات الخائفينَ عليهم ... عَلاء المُفادي أو سهامَ المُساهمِ
قال أبو عثمان: قال الأصمعي، قال اليربوعي، حدثني الشرقيّ بن القُطامي عن الكْلبي، أنّ الأقرع
بن حابس كلّم رسول الله ﷺ في أصحاب الحجرات، وهم من بني عمرو بن
جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، وقال: يا رسول الله، ارْدُدْ سبايا قومي، وأنا أحمل الدماء، قال:
فرد النبي ﷺ السبي وحمل الأقرع الدماء عن قومه. قال: ففي ذلك يقول
الفرزدق وهو يفخر على بني نهشل، وبني فُقيم بن دارم، وجرير - وهو فُقيم وقيس ابن مالك
ومعاوية بن مالك، قال: وهما الكُردوسان -:
وعندَ رسولِ الله إذْ شَدّ قَبضَهُ ... ومُلئ مِنْ أسرىَ تميم أداهمُهْ
فككنا عَنِ الأسرىَ الأداهمَ بعدَ ما ... تخَمّطَ واشتَدّتْ عليهمْ شكائمُهْ
مَكارمُ لمْ تُدركْ فُقيمٌ قَديمَها ... ولا نهشَلٌ أحجارُهُ وتَوائِمُهُ
ألمْ تعلما يا ابني رَقاشِ بأنني ... إذا اختارَ حَربي مثلُكُمْ لا أسالمُهْ
قال: وفي ذلك يقول الفرزدق أيضاً:
ومِنّا الذي أعطى الرسولُ عَطِيّة ... أسارَى تمَيم والعُيونُ دَوامِعُ
стр. 713
فإنّكَ والقومَ الذينَ ذَكرْتهُمْ ... رَبيعَةَ أهلَ المُقرَبات الصّلادِم
الصلادم الصلاب الشداد.
بناتُ ابنِ حلابٍ يرُحنَ عَليهِمِ ... إلى أجَمِ الغابِ الطِوالِ الغواشِمِ
قوله بنات ابن حلاّب، قال: حلاب اسم فرس فحل كان لبني تغلب. قال: والغواشم التي تغشم
وتغصب، وأنشد:
وما طَلَبَ الأوتار مثلُ ابنِ حُرّة ... طَلوب لأوتار الرجالِ غَشومِ
أي يتعدى الحق ولا يرضى به حتى يجاوزه. قال: والغاب الرماح، وإنما شبّه كثرة الرماح بكثرة
القصب الذي يكون في الغاب، وهي الأجمة أيضاً.
فلا وأبيكَ الكَلب ما مِنْ مخَافَة ... إلى الشّأم أدّوا خالداً لمْ يُسالمِ
ولكنْ ثَوى فيهمْ عَزيزاً مَكانُهُ ... على أنفِ راض مِنْ مَعَدّ وراغِمِ
قوله أدّوا خالداً لم يُسالمِ، يعني خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية.
قال أبو عثمان: فحدثني أبو الحسن المدائني، قال: سار مُصعب بن الزبير من البصرة يريد قتال
عبد الملك بن مروان سنة سبعين، قال: وخلّف عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي على الصلاة،
وعبّاد بن حصين بن يزيد بن عمرو بن غنم بن سيف بن حلزة بن أوس بن نزار ابن سعد بن
الحارث - والحارث هو الحبط بن عمرو بن تميم - على شرطته، فمضى فنزل باجمُيرا، وقد أقبل
عبد الملك يريد زُفر بن الحارث بقرقيسيا بالجزيرة، فقال خالد بن عبد الله لعبد الملك: إن مصعباً لم
يدع بالبصرة أحداً من أهل الشرف والنجدة إلا وقد أشخصه
стр. 714
معه، فإن وجهتني إلى البصرة رجوت أن أغلب عليها. فوجهه عبد الملك. قال: فأقبل خالد إلى البصرة،
فنزل على عمرو بن أصمع، ثم تحول عنه فنزل على مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب بن عبّاد بن قلع بن جحدر - ولشيبان بن شهاب يقول الأعشى:
مَنْ مُبْلِغُ شَيبانَ أنّ ... المْ نَكُنْ أهلَ الحَقارَةْ
يدعو إلى عبد الملك بن مروان، وتميم تقاتل عن ابن الزبير، وتدعو إليه ما خلا عبد العزيز بن
بشر، جَدّ نُميلة بن مُرة، وأبا حاضر الأسيدي صبرة بن شريس، قال فاجتمعت ربيعة مع مالك بن
مسمع، والأزد مع خالد بن مالك، قال: فاجتمعوا على جُفرة خالد، فسار إليهم عبّاد بن الحُصين ومن
معه من تميم، فاقتتلوا في جفرة خالد.
قال أبو عثمان: وسمعت أبا الحسن المدائني يقول: اقتتلوا في جُفرة خالد أربعة وعشرين يوماً، قال
ففُقئت عين مالك في بعض الأيام، يقال فقأها عبد بن حُصين، وقال بعضهم: بل فقأهل بعض
الأساورة، وهم الرماة الذين لا يكاد يسقط لهم سهم. فقال في ذلك عرهم بن قيس أحد بني العدوية:
تَقاضَوْكَ عَيناً مَضّةً فقَضَيْتَها ... وفي عَيْنِكَ الأخرى عليكَ خُصومُ
قوله عيناً مضّة يريد شدة الوجع، يقال قد مضّه الجرح إذا أوجعه، وقال أبو عبد الله: أنشدنا محمد
بن يزيد:
تَعَلّمْ أبا غَسّان أنّكَ إنْ تَعُدْ ... تَعُدْ لكَ بالبِيضِ الرّقاقِ تمَيمُ
أجَهْلا إذا ما الأمرُ غَشّاكَ ثَوْبَهُ ... وحِلْماً إذا ما كَدّحَتْكَ كُلومُ
قوله كدّحتك، يريد أثّرت فيك، ومنه يقال لرجل مكدّح، وذلك إذا جرّب الأمور وعرفها، وكلوم
جراح.
стр. 715
فَولّيْتَ رَكْضاً نَحو ثَأج مُوالياً ... وجارُكَ يا بنَ الجَحْدَرِيّ مُقيمُ
قوله وجارك، يعني خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد.
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: فلما بلغ مصعباً خبر خالد، نكص راجعاً إلى البصرة، فلما سمع القوم
ذلك، رَسِّوا بينهم صُلحاً أربعين يوماً، على أنه من شاء من الفريقين منهم أن يرتحل إلى حيث شاء
ارتحل، ومن أقام أقام آمناً. وقال مالك: أدخلوا في كتابكم عبّاد بن الحصين، فإنا وجدناه أشدّكم حرباً،
وأوفاكم سلماً. قال: ففعلوا. ومضى مالك نحو ثأج هارباً. ومضى خالد بن عبد الله إلى الشام. وقدم
مصعب البصرة. فأرسل خداش بن زياد الكوفي، وكان من بني أسد، في أثر مالك فلم يلحقه. وبعث
إلى الرهط الذين حالفوه، فقال عمر بن عبيد الله: إني قد آمنتهم على دمائهم وأموالهم. فقال مصعب:
يا هذا، قد آمنتهم على دمائهم وأموالهم، أفامنتهم أن أشتمهم؟ قال: لا. قال: فبعث إليهم، فقال مصعب
لعبد الله بن عامر النّعّار، أحد بني مجاشع بن دارم: إنك إنما تبعث أعرابي قيس - يعني مالك بن
مسمع - لبول أخيه في فرج أختك - قال: وكانت أخت النعار عن أخي مالك بن مسمع - وقال لابن
أبي بكرة: يا ابن الفاعلة، إنما مثل أمك، مثلُ كُليبة وثبت عليها ثلاثة أكلب: كلب أسود، وكلب أحمر،
وكلب أبيض، فجاءت لكل كلب بنجله. وقال لحمران بن أبان: يا ابن الفاعلة، إنما أنت نبطي من
عين التمر، وزعمت أنّ أباك أبان، وإنما هو أبي. وقال لزياد ابن عمرو: يا ابن الكرماني أزعمت
أنك من الأزد، وأنت دهقان ابن علج، قطع أبوك على خشبة من كرمان إلى عمان، وشتم القوم، وعم
الأحنف بن قيس، وصعصعة بن معاوية، وأبا حاضر الأسيدي، وصفوان بن الأهتم، وعمرو بن
اصمع، وعبد العزيز بن بشر، جدّ نميلة بن مرة. فقال الفرزدق فيمن لحق بخالد من بني تميم، وخلع
بن
стр. 716
الزبير:
عَجِبْتُ لاقوامٍ تمَيمٌ أبوهُمُ ... وهمْ في بني سعدٍ عِظامُ المَباركِ
وكانوا رُؤوسَ الناس قبلَ مَسيرِهمْ ... معَ الأزْد مُصفراً لحاها ومالِكَ
ونحنُ نفينا مالكاً عن بلادنا ... ونحنُ فقأنا عينهُ بالنيازكِ
أبا حاضرِ إنْ تَلْقَهُ الخيلُ تَلْقَهُ ... على لاحِق إبزيمُهُ بالسّنابِكِ
الإبزيم حلقة الحزام، أي من شدة جريه تضرب حوافره بطنه.
فما ظَنّكمْ بابن الحَواريّ مُصعَب ... إذا افْترّ عن أنيابهِ غير ضاحِكِ
رجع إلى شعر الفرزدق:
وما سَيرّتْ جاراً لها مِنْ مخَافَة ... إذا حَلّ مِنْ بَكر رُءوسَ الغَلاصمِ
بِأيّ رشاء يا جريرُ وماتِح ... تَدَلّيْتُ في حَوماتِ تلكَ القَماقمِ
قال: الحومة مجمع الماء وكثرته، وكذلك حومة القتال أشد موضع فيه وأكثرع قتلا. قال: والقماقم
البحور شبّه السادة بالبحور، قال: والرشاء حبل البئر.
ومالَكَ بيتُ الزّبرقان وظلّهُ ... ومالَكَ بيتٌ عندَ قيسِ بن عاصمِ
قال: يريد قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد. قال: والزبرقان لقب لقب به، واسمه
حصين بن بدر بن امرئ القيس بن خالد بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم،
قال: ولقيس بن عاصم يقول زيد الخيل:
стр. 717
ألا هَلْ أتى غَوثاً ومازنَ أنني ... حَللتُ إلى البيضِ الطوالِ السواعدِ
إلى الواخِدِ الوهّابِ قيسِ بنَ عاصِم ... لهُ قادحا زَندي سنانِ بن خالدِ
ولكن بَدا للذْلّ رأسُكَ قاعداً ... بِقَرقرة بينْ الجداء التّوائم
قوله بقرقرة، هي القاع المستوي من الأرض. وقوله بين الجداء التوائم، يريد التل تلد اثنين في
بطن.
تَلوذُ بأحقِي نهشل مِنْ مجُاشِع ... عياذَ ذَليل عارفاً للمظالمِ
ويروى عارف. وقوله عارفا نصب عارفا على الحال، ويكون على الاستغناء، ويكون على أنه
خارج من الحال. قال: والعارف المقر. يقول أنت مظلوم لا تقدر على أن تنتضر.
قال أبو عثمان: وخبرّنا أبو عبيدة، قال: وزعم خالد بن جبلة وسعيد ابن خالد أن فيها قوله:
ولا نقتُلُ الأسرى ولكنْ نفُكُهمْ ... إذا أثقلَ الأعناقَ حملُ المغارِم
فهل ضربَةُ الرُوميّ جاعلةٌ لكمْ ... أباً عن كليب أو أباً مثلَ دارم
فإنكَ كَلْبٌ من كُليب لكَلبَة ... غَذَتْكَ كليب في خَبيثِ المَطاعِم
وليسَ كليبيّ إذا جَنّ لَيلهُ ... إذا لم يجد ريحَ الأتانَ بِنائِم
يقولُ إذا أقلو لى عليها وأقردَتْ ... ألا هل أخو عيشِ لذيذ بدائم
يُعَلقُ لمّا أعجبتهُ أتانُهُ ... بأرآد لحييها حِيادَ الكَمائِم
فأجابه جرير فقال:
لا خيرْ في مُستعجلاتِ المَلاومِ ... ولا في خليل وصلُه غير دائم
стр. 718
قوله الملاوم واحدها ملامة. قال: والمعنى في ذلك، يقول لا خير في العجلة باللوم حتى تتثبت فتعلم
على ما تلوم صاحبك، فلعلك تلومه وأنت له ظالم.
ولا خيرَ في مالٍ عليهِ أليّةٌ ... ولا في يمينٍ غيرَ ذاتِ مخَارِم
قوله ألية يعني يميناً. وقوله مخارم، يعني جمع مخرم وهو طريق يمضي فيه التحليل والاستثناء.
قال: والمعنى في ذلك يقول لا تحلف يميناً ليس لك فيها مخرج ولا خير.
تَركتُ الصّبا مِنْ خَشيَة أنْ يهيجَي ... بِتُوضِحَ رَسمُ المَنزلِ المُتقادِمِ
وقالَ صِحابِي ما لَهُ قُلتُ حاجَة ... تهَيجُ صُدوعَ القَلبِ بينَ الحَيازِمِ
قوله الحيازم، قال: الحيزوم الصدر وما حوله.
تقولُ لنا سَلمَى مَنِ القَوم إذْ رأتْ ... وُجوهاً كِراماً لُوّحَتْ بالسِمائِم
قوله لوّحت، يعني تغيّرا واسودّت من الرحلة في طلب المعالي، والوفادة إلى الملوك فقد غيّرها ذلك.
وقوله وجوهاً عِتاقاً يعني حساناً رقاقاً.
لقدْ لُمتنا يا أمّ غَيْلانَ في السرى ... ونِمْتِ وما ليلُ المَطيّ بنائِم
يريد ما المطي بنائم ليله كلّه في طلب العلى. أم غيلان يعني ابنته. يقول لابنته لا تلومينا في السرى
في ليلتنا ونهارنا.
وأرفَعُ صَدرَ العَنْسِ وهي شِمِلّةٌ ... إذا ما السرى مالَتْ بَلوثِ العَمائم
قوله أرفع صدر العنس يريد في السير، وهي شملة، يقول وهي خفيفة، يريد هذه الناقة التي نسير
عليها، يقول وإن كانت خفيفة فأنا
стр. 719
أرفع في السير صدرها، وإن كانت خفيفة في سيرها. وقوله مالت
بلوث العمائم، يقول: إذا نعس أصحابي وهم يسيرون، ففسد لوث عائمهم، قال: واللوث لف العمامة
على رءوسهم، يقول فإذا كان ذلك رفعت أنا في السير لجلدي، ودلالتي، وطول مقاساتي لذلك. قال
أبو عبد الله: يقال لاث العمامة يلوثها إذا لفها غير متعمل لإصلاحها، فإذا تعمّل لإصلاحها، قيل
رصفها، قال ابن الأعرابي: فإذا تغصّب بها، قيل اقتعطها، فإذا جعلها تحت حلقه قيل التحاها. قال أبو
عبد الله: حكي عن خالد بن عبد الله الصريفيني: ما استوت عمامة عاقل قط.
بأغْبرَ خَفّاقٍ كأنّ قَتامَهُ ... دُخانُ الغَضا يَعلُو فُروجَ المَخارِم
قوله بأغبر خفّاق، يقول: نحن نسير ببلد خفّاق بالسراب. وقتامه غبرته. قال: والمخارم منقطع
الطريق في الجبال، واحدها مخرم، يقول فسيرنا في مثل هذه الأرض.
إذا العُفرُ لاذتْ بالكِناسِ وهَجّجَتْ ... عُيونُ المُهارى مِنْ أجيج السّمائِم
العفر الظباء تعلوها حمرة. وقوله لاذت يقول دخلت العُفر تحت ظل شجرة، وإنما تفعل ذلك من شدة
الحر، قال: ولوذ كل شيء ناحيته، وقوله وهجّجت، يريد غارت عيون هذه المهارى، وهي إبل كرام
نسبها إلى مهرة، وهم قوم من العرب معروفون بنتاج كريم، يقول: فغارت عيون هذه الإبل، ورجعت
إلى الرءوس من الجهد والعطش والتعب.
وإنّ سَوادَ الليلِ لا يستَفزُني ... ولا الجاعلاتُ العاجَ فوقَ المَعاصِم
قوله لا يستفزني، يقول: لا يستخفني سواد الليل ولا يهولني. قال: والعاج الذبل، قال: والمعنى في
ذلك، يقول: إذا رأيت سواد الليل لم أهبه، ثم قال: ومع هذا لا يستخفني الغزل أيضاً ولا الصبا،
стр. 720
فأتحبّس عليه ولا يحبسني ذلك من تزيّن النساء.
ظَلِلْنا بِمُسْتَنّ الحَرورِ كأننا ... لدى فَرسٍ مُستقبلِ الريحِ صائِم
قوله ظَللنا بمُستن الحرور، قال: مُستن الحرور كجرى الريح الحارة. وقوله صائم، يهني قائماً لدى
فرس، يريد عند فرس، يعني بيتاً بناه من برود وغيرها من الثياب يُستظل به.
أغرّ مِنَ البُلقِ العِتاقِ يَشُفُهُ ... أذى البَقّ إلا ما احتمى بالقوائِم
قواله أغرّ، يقول: هذا الفرس في وجهه غرة، وهي البياض.
وظَلّتْ قَراقيرُ الفَلاةِ مُناخَةً ... بأكوارِها مَعكوسةً بالخَزائِم
قوله وظلّت قراقير الفلاة مناخة، يعني الأبل، وشبهها بالقراقير، وهي السفن الكبار، فهي تسير في
البر بما عليها كما تسير السفن الموقرة في الماء. وقوله بأكوارها، يريد أداتها أي وعليها أكوارها لم
تخط عنها. وقوله معكوسة بالخزائم، والعكاس أن يُعلّق الحبل في عنق البعير، ثم على أنفه ثم يشد
إلى فوق ركبتيه من ذراعه فيصار - يعني يمال - البعير، فلا يقدر أن يتحرك.
أنخنَ لتَغْويرٍ وقدْ وقَدَ الحَصَى ... وذابَ لُعابُ الشمسِ فوقَ الجَماجِمِ
قال: التغوير الاستراحة نصف النهار، وهو مثل التعريس في آخر الليل. قال: ولعاب الشمس شدة
حرها، وتوقدها، والتهابها، وهو أشد وقت الحر.
ومنقوشَة نقشَ الدنانيرِ عُوليَتْ ... على عَجل فوقَ العِتاقِ العَياهِم
قوله ومنقوشة، يعني رحالاً تعمل باليمن ينقشونها ويحسنون عملها. وقوله فوق العتاق العياهم، هي
ضخام الإبل.
стр. 721
بَنَتْ ليَ يَربوعُ على الشّرفِ العُلى ... دَعائِم فوقَ ذَرعِ الدّعائمِ
قال الدعائم، دعائم البيت، وإنما ضربه مثلا للشرف. ويروى فوق كل الدعائم، يقول فشرفي يعلو
كل شرف.
فمنْ يستجرنا لا يخَفْ بعدَ عَقدنا ... ومَنْ لا يُصالحْنا يَبِتْ غير نائِمِ
بَني القَين إنّا لن يفوتَ عَدونَا ... بِوترٍ ولا نُعطيهِم بالخَزائِم
ويروى ولا نعطي حذار الجرائم.
وأنيَ مِنَ القومِ الذينَ تَعُدُهُمْ ... تميمٌ حمُاةَ المأزِق المُتلاحِمِ
المأزق معترك الخيل. والمتلاحم المتضايق. التحم بعضهم ببعض.
ترى الصيدَ حولي مِنْ عُبيد وجَعفر ... بُناةً لِعادِيّ رفيع الدعائِم
ويروى دوني. وقوله ترى الصيد هم الأشراف الكرام. وقوله من عبيد وجعفر، يعني عبيد بن ثعلبة
بن يربوع. وعادي قديم.
تَشَمّسُ يربوعٌ ورائيَ بالقَنا ... وتُلقَى حِبالي عُرضَةً للمُراجِم
قوله تشمّس يربوع، يريد تمتنع وتمنعني من ورائي بالقنا. وقوله عرضة، يقول هي قوية على
فعلها. وقوله للمراجم، يريد للمتقاذف، يقال من ذلك راجم فلان فلاناً إذا قاذفه. فقال له ورد عليه.
إذا خَطر حولي رياحُ تَضَمَّنَتْ ... بفوزِ المعالي والثّأى المُتَفاقِم
خطرت ترفع الرماح وتخفضها للطعن، كما يخطر الفحل بذنبه، وهو أن يتبختر في مشيته، وقوله
رياح يريد رياح بن يربوع، المعالي من
стр. 722
الأمور واحدتها معلاة. والباء في قوله بفوز المعالي مقحمة، وأنشد في المعلاة للعجاج:
سامٍ إلى المَعلاة غير حَنبَل
قال: والمعالي جمع المُعلى من السهام، وهو أعلاها كلها، وأوّلها خُروجاً إذا ضرُب بها. قال والثأي
الفتق، والمتفاقم يريد الشديد.
وإنْ حَلّ بيتي في رَقاشِ وَجَدْتني ... إلى تُدْرَء مِنْ حَومِ عِزّ قُماقِم
قوله في رقاش، هي رقاش بنت شهبرة بن قيس بن مالك بن زيد مناة ابن تميم، قال وهي أم كليب
وغدانة ابني يربوع، قال: وقد ولدت لدارم بن مالك نهشلاً وجريراً، وجرير هو فقيم بن دارم -
وقوله إلى تُدرء، يعني إلى دافع يدفع عني. قال: وإنما هو تُفعلُ من درأت، يعني دفعت والتاء زائدة
فيه. قال الراجز في مثل ذلك:
كَمْ ليَ مِنْ ذي تُدْرَء مِذبّ ... يَغْرفُ مِنْ ذي حَدَبٍ لا يُؤبيِ
قوله لا يؤبي، يقول لا ينفد.
وقوله من حوم، حوم الماء كثرته ومعظمه، وإنما يريد به العز والشرف. وقوله قماقم، يعني بحراً
عظيماً كثير الماء. قال: وإنما يريد كثرة العدد، فضربه مثلا للشرف.
رأيتُ قُرومي مِنْ قُرَيبةَ أو طأوا ... حمِاكَ وخيلي تَدعِي يالَ عاصِم
قوله قرومي، قال: القرم فحل الإبل، ثم نُقل فصار في الرجال، فقالو قرم القوم، أي سيدهم المعتمد
عليه، وأصل القرم في الإبل. وقوله من قريبة، قال: قريبة من بني طُهية، وهي أم أزنم بن عبيد،
وأما عاصم
стр. 723
بن عبيد، فأمه الضعيفة بنت ثوب بن عبد الله، من بني عبد الله بن غطفان.
وإنّ لِيربوعِ مِنَ العِزّ باذِخاً ... بعيدَ السّواقي خِندِفّي المَخارِمِ
قوله بعيد السواقي، يعني أن له عروقاً تسقيه من هاهنا وهاهنا. قال: والعرب تقول فلان كريم تسقيه
عروق كرام، وقال: رجل من بني سعد يقال له مزرّد بن عوف:
فلما التقيتا بالرماح عَلمْتُمُ ... بِأنّ لَنا مِنَ الطّعان سَواقيا
أخذْنا يزيداً وأبنَ كَبشَةَ عَنْوَةً ... وما لم تَنالوا مِنْ لهُانا العَظائِم
قوله من لهانا، قال اللهوة القُبضة من الطعام تُلقى في الرحا وغيرها. وإنما ضربه مثلاً للعز
والمنعة.
ونحنُ اغْتَصبنا الحَضرميّ بنَ عامِر ... ومَروانُ مِن أنفالنا في المقاسِمِ
قال: والحضرمي ابن عامر الأسدي، أسره أسيد بن حنّاءة السليطي، ومروان بن زنباع العبسي،
أسرته بنو حميري بن رياح يوم الصرائم. قال: وقد كتبنا حديثه.
ونحنُ تداركْنا بَحيراً ورَهْطَهُ ... ونحنُ مَنَعنا السّبيَ يومَ الأراقِمِ
يعني بحير بن عبد الله القشيري، وقد كتبنا حديثه ومقتله. قال: ومن روى ونحن تداركنا ابن حصن
ورهطه، فإنما يعني عيينة بن حصن ابن حذيفة بن بدر، وبني مرة بن عؤف بن سعد بن ذبيان،
أغاروا على التيم، فأصابوا سبيهم، فطلبتهم بنو يربوع، فأدركوهم على حقيل - وحقيل جبل -
فقاتلوهم قتلاً شديداً، واستنفذوا منهم سبي التيم،
стр. 724
وهزموهم، ففي ذلك يقول جرير:
تَدارَكنا عُيَيْنَةَ وابنَ شَمخِ ... وقَدْ مروا بِهنّ علىَ حَقيل
فردّ المُرْدَفاتِ بناتِ تَيمٍ ... ليربوع فَوارِسُ غير ميلِ
قوله ابن شمخ، هو مالك بن حمار بن حزن بن خشين بن لأي بن شمخ، ويقال إنهم من بني جشم
بن معاوية بن بكر. قال مالك بن حمار يوم بُسيان:
ويلُ أمّ قومٍ صَبَحناهُمْ مُسَوّمَةً ... بَينْ الأبارِقِ مِنْ بُسيانَ فالأكَمِ
بسيان والأكم موضعان.
الأقرَبينَ فلمْ تنفَعْ قَرابَتُهُمْ ... والمُوجَعينَ فلمْ يُشفَوا مِنَ الألمِ
طَعَنْتُ بالرمحِ جَسّاساً وقلتُ لهْ ... إني أمرؤ كانَ أصلي مِنْ بني جُشَم
قوله جساساً، يعني جساسا بن مُدلج أخا شيطان بن مُدلج. قال: وكان من فرسانهم. قال: وفرس
شيطان خميرة، وفيها يقول:
جاءتْ بما تَزْبي الدّهَيمُ لأهلها ... خمُيرةُ أو مسرى خمُيرةَ أشأمُ
وبَينا أرَجّي أنْ تَؤوبَ بَمَغْنَم ... أتتني بألفي فارسٍ مُتَلَئّمِ
قال: وذلك أن خميرة كانت وديقاً، ومر جيش لبني أسد، فاستروحت ريح الحصن، فأقبلت نحوها،
فطردها الجيش، فأقبلت إلى أهلها، قال: فأوقعوا بهم. وقوله تزبي، يعني تجلب، يقال من ذلك زبى
الأمر إذا جلبه. قال جرير للتيم:
أتهجُونَ يَربوعاً وقدْ رَدّ سَبْيَكمْ ... فَوارِسُنا والبِيضُ يُلوينَ بالخُمر
стр. 725
خَدَمْنَ بَني غَيظ بنِ مُرّةَ بعدَ ما ... سقَين النّدامَى مِنْ سرَاةِ بني بَدر
إذا ما أستبَوا خمراً نَقَلْتُمْ زِقاقَها ... إليهمْ ولا يَسقُونَ تَيماً مِنَ الخَمرِ
ويروى إذا استبأوا خمرا. ويروى زقاقهم. وأما قوله: ونحن منعنا السبي يوم الأراقم، يعني به يوم
إراب، وقد مر حديثه فيما أمليناه.
ونَحْن صَدَعنا هامةَ ابن خويلد ... على حيثُ تَسْتَسقيهِ أم الجَواثِمِ
قوله ابن خويلد، هو يزيد بن عمرو بن الصعق، وهو خويلد بن نُفيل ابن عمرو بن كلاب. قال:
وذلك أنه أسره أنيف بن الحارث بن حصبة ابن أزنم بن عبيد بن ثعلية بن يربوع، بعد ضربة
بالسيف على رأسه أمّتهُ في يوم ذي نجب، وقد مر حديثه فيما أمليناه. وقوله أم الجواثم يعني الهامة.
قال: والجواثم الدماغ، وإنما يريد قول ذي الإصبع العدواني:
إنّكَ إلا تَدَعْ شَتْمي ومَنْقَصَتي ... أضرْبكَ حيثُ تقولُ الهامةُ أسقوني
قال: وجثوم الفرخ وقوعه وتَمكّنه على الأرض.
ونحنُ تَداركْنا المَجَبّةَ بعدَما ... تجاهَدَ جَريُ المُبقياتِ الصّلادِمِ
قال: يريد المجبّة بن الحارث من بني أبي ربيعة، قتله المنهال بن عصمة، أخو بني حميري بن
رياح في يوم عين التمر. قال: والمنهال ابن عصمة، هو الذي يقول فيه متمم بن نويرة:
لقدْ كفّنَ المِنهالُ تحتَ رِدائِه ... فتىً غير مِبطانِ العَشيَاتِ أروَعا
стр. 726
وقوله جريُ المبقيات، يريد التي فيها بقية جري. قال: والصلادم من الخيل الشداد.
ونحنُ ضربنا هامَةَ ابنِ محُرّقٍ ... كذلكَ نَعصَى بالسيوفِ الصّوارِمِ
قوله هامة ابن محرق، قال: هو قابوس بن المنذر بن النعمان الأكبر، أسره طارق بن حصبة بن
أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، ثم مَنّوا عليه وجزّوا ناصيته، وأطلقوه، وقد مرّ حديث فيما أمليناه.
وقوله نعصى بالسيوف، يقول نضرب بها كما نضرب بالعصي، نتخذ السيوف عصيا لا نضرب إلا
بها.
ونحنُ ضربنا جارَ بَيْبَةَ فانتهى ... إلى خَسْفِ محكوم لهُ الضّيْمُ راغِمِ
قوله جار بيبة، يعني الصمة بن الحارث أبا دريد الجشمي، قتله ثعلبة بن حصبة بن أزنم، وهو أسير
الحارث بن بيبة المجاشعي، وفي جواره وقد مر حديثه.
فوارِسُ أبلَوا في جُعادَةَ مَصدَقا ... وأبكَوا عُيوناً بالدموع السّواحِم
قوله أبلوا في جعادة، قال: هو الجعد بن الشماخ بن شوذب بن عامر ابن صُدي بن مالك بن حنظلة
بن مالك بن زيد مناة.
عَلَوتُ عليكُمْ بالفُروع وتَستَقِي ... دِلائيَ مِنْ حَومِ البِحارِ الخَضارمِ
قال: فرع كل شيء أعلاه، يقول: فأنا أعلو عليكم في شرفي وعزّ قومي. ثم قال: وتستقي دلائي،
قال: والحوم كثرة الماء ومعظمه. قال: والخضارم السادة والخضرم البحر. قال الأصمعي: وإنما
شبّهوا الرجال من السادة بالبحور.
مَدَدنا رِشاء لا يُمَدُ لرِيبَة ... ولا غَدْوَة في السالفِ المتُقادِمِ
الرشاء الحبل، وإنما ضربه مثلا للشرف والعز. يقول: ليس لأحد من
стр. 727
الشرف والعز مالي.
تَعالَوا نُحاكمْكُمْ وفي الحقّ مَقْنَعٌ ... إلى الغُرّ مِنْ آلِ البِطاح الأكارِمِ
تقول هم آل فلان، وأهل بلد كذا. ويدخل أهل على آل، ولا يدخل آل في موضع أهل.
فإن قُريشَ الحَقّ لَنْ تَتبعَ الهوى ... ولنْ يقبَلوا في الله لَومَةَ لائمِ
فإنيّ لَراضٍ عبدَ شَمسٍ وما قَضتْ ... وراضٍ بَحُكم الصيدِ مِنْ آلِ هاشِم
وراضٍ بَني تَيم بن مُرّة إنهمْ ... قُرومُ تَسامى للعُلى والمَكارمِ
وأرضَى المُغيريّينَ في الحُكم إنهمْ ... بُحورٌ وأخوال البُحورِ القَماقِم
وراضٍ بحُكم الحَيّ بَكر بن وائِل ... إذا كانَ في الذُهلَين أو في الهّازمِ
قال: الذهلان شيبان بن ثعلبة، وذهل بن ثعلبة. قال وإليهم تحلّفت الذهلان. قال: وبهم سموا: وهم
شيبان وذهل، ويشكر، وضبيعة ابن ربيعة. هذه الأربع القبائل الذهلان. واللهازم: بنو قيس، وتيم
اللات بن ثعلبة، وعجل بن لجيم، وعنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وبيت شيبان في بني مرة بن
ذهل.
فإن شئتَ كانَ اليَشكُريَونَ بَيننا ... بحُكم كَريمٍ بالفَريضَة عالمِ
نُذَكّرُهُمْ بالله مَنْ يُنهلُ القَنا ... ويَفرجُ ضيقَ المَأزق المُتلاحم
ويروى نذكركم. كأنهم قد اجتمعوا فهو يخاطبهم.
ومَنْ يضربُ الجبارَ والخيلُ ترتقي ... أعنّتُها في ساطع النّقْع قاتمِ
ومَنْ يُدرِكُ المُستردَفات عَشيّة ... إذا ولهَتْ عُوذُ النساء الروائِم
أرَدْنا غَداةَ الغبّ ألا تَلومَنا ... تميمٌ وحاذَرْنا حديثَ المواسِم
وكُنتمْ لنَا الأتباعَ في كلّ مُعظَم ... وريشُ الذُنابي تابعٌ للقوادِمِ
وما زادني بُعدُ المدى نَقضَ مرّة ... وما رَقّ عظمى للضرّوسِ العَواجِم
стр. 728
قوله للضروس العواجم، يريد العواض.
تَراني إذا ما الناسُ عَدّوا قديمَهُمْ ... وفَضلَ المَساعِي مُسْفراً غيرَ واجِم
قوله غير واجم غير ساكت. يقول: أبسط لساني في ذكر مساعي قومي، وأفخر بأيامهم.
وإنْ عُدّت الأيامُ أخزيتَ دارماً ... وتخزيك يا ابنَ القَين أيامُ دارمِ
فخَرْتُ بأيام الفوارس فافْخَروا ... بأيامِ قَينَيكُمْ جُبيرٍ وداسم
بأيام قَوم ما لقومكَ مثلُها ... بِها سَهّوا عني خَبارَ الجَراثمِ
قال: الحبار، حجرة الفأر وما أشبهها. قال: والجرائم، ما يجتمع في أصول الشجر من التراب، ومنه
يقال: إن فلاناً في جرثومة من قومه، وذلك إذا كان في عز ومنعة.
أقينْ بنَ قَين لا يَسرُ نساءنا ... بذي نَجَب أنّا أدّعَينا لدارمِ
قال: وقد مرّ حديث ذي نجب، وقد أمليناه.
وَفينا كما أدّتْ ربيعةُ خالداً ... إلى قومهِ حرباً وإنْ لم يُسالِ
يعني خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وقد مر حديثه فيما أمليناه فيما
مضى من الكتاب. ويروى ولما يُسالم.
هو القين وابن القين لاقين مثله ... لفطح المساحي أو لجدل الأداهم
وفَي مالكُ للجارِ لمّا تحَدّبَتْ ... عليهِ الذُرى من وائل والغَلاصِم
قوله وفي مالك، يعني مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب بن عباد بن قلع بن جحدر، وقد مر حديثه
فيما أمليناه.
ألا إنما كانَ الفرزدقُ ثعلباً ... ضَغا وهوَ في أشداقِ ليثٍ ضُبارمِ
قوله ليث ضبارم، وهو الأسد الشديد الغليظ، يشبه الرجل به، وذلك إذا كان ذا بأس ونجدة.
стр. 729
لقدْ ولَدَتْ أمُ الفرزدقُ فاسقاً ... وجاءتْ بِوَزْواز قصير القوائمِ
الوزواز الكثير النزوان والتحرك، نسبه إلى الطيش والخفة.
جَريتَ بعِرْقٍ مِن قُفَيرةَ مُقرفٍ ... وكَبوةِ عرق في شَظى غير سالمِ
قوله بعرق من قفيرة، قال قفيرة جدّة الفرزدق.
إذا قيلَ مَنْ أمُ الفرزدقِ بَيّنَتْ ... قُفيرةُ منهُ في القفا واللهازِم
قال الأصمعي: قفيرة جدة الفرزدق، وهي أم صعصعة بن ناجية بن عقال. قال: وكانت سبية من
قُضاعة، سباها سلمى بن جندل يوم الحرجات، فلذلك قال من قِنّ لسلمى بن جندل.
قُفيرةُ مِنْ قِنّ لسلمى بنِ جَندَل ... أبوكَ ابْنُها وابنُ الإماء الخَوادِمِ
وأورثكَ القَينُ العَلاةَ ومرجَلاً ... وإصلاحَ أخرْاتِ الفؤوسِ الكَرازمِ
قوله الكرازم واحدها كرزم، وهي الكرزان أيضاً، وقال قيس بن زهير:
فقلت جعلتْ أكبادُنا تجتويكُمُ ... كما تجتوي سوقُ العضاه الكرازنا
والكرزم والكرزن واحد، وهي الفأس لها رأسان.
وأورثنا آباؤنا مَشرفيّة ... تمُيتُ بأيدينا فُروخَ الجَماجمِ
أتحلُم بالقتلى هُبير بنَ ضَمْضَم ... إذا نمتَ أير في أست أمّ الضّماضِم
لقدْ جنَحَتْ بالسلمِ خرِبانُ مالكٍ ... وتَعلَمُ يا ابنَ القَينِ أن لمْ أسالمِ
قال: وذلك أن هبيرة بن ضمضم المجاشعي، بات ليلة، ثم أصبح فقال: إني رأيتني الليلة قتلت عوف
بن القعقاع بن معبد بن زرارة،
стр. 730
قال: وكان عوف قتل ابن أخيه مزاد بن الأقعس بن ضمضم. وقد مر
حديثه وأمليناه فيما مضى من الكتاب، من قتل عوف مزاداً، وقصة هبيرة. قال: فقعد الأقعس بن
ضمضم لعوف بسهم، فخرج عوف من الليل يبول، فرماه الأقعس بسهم، فأصاب رجله فأسواه -
يقول لم يصب المقتل، يقال من ذلك قد رُمىَ فأشوى، وذلك إذا رُمي فمر السهم بين شواه. والشوى
القوائم - ففي ذلك يقول الفرزدق:
حَسبْتَ أبا قيس حمارَ شريعَة ... قَعَدْتَ لهُ والصبحُ قدْ لاحَ حاجِبُه
فلو كنتَ بالمَعلوبِ سيف ابنِ ظالمِ ... ضرَبتَ لزارَتْ قبرَ عَوف قَرائِبُهْ
ولكنْ رأيتَ النبلَ أهونَ فُوقَةٌ ... عليكَ فقدْ أودى دمٌ أنتَ طالبُهْ
قال: والمضماضم، هبيرة بن ضمضم، وأهل بيته.
وقال الفرزدق:
حَلفْتُ بِرَبّ مَكةَ والمُصَلىّ ... وأعناقِ الهَدِيّ مُقَلّدات
قوله المصلى، يريد المسجد. وقوله مقلدات، يريد الهدي مقلدة بالنعال. قال الأصمعي وذلك لأن البدنة
تُقلد، ليعلم أنها هدية إلى بيت الله الحرام.
لقدْ قلّدْتُ جِلْفَ بَني كُلَيب ... قلائدَ في السّوالفِ باقِياتِ
ويروى خلف. قال: والجلف الجبان، النخب، الجوف، الجافي، الذي لا فؤاد له. قال الأصمعي:
الجلف الدن الفارغ، قال: والمسلوخ أيضاً إذا أخرج بطنه، يقال له جلف أيضاً.
стр. 731
قال: والسوالف صفاح الأعناق، الواحدة سالفة، والسالفة عرض العنق من جانبيه.
قلائدَ ليسَ منْ ذهب ولكنْ ... مَواسمَ منْ جَهنم مُنْضِجاتِ
فكيفَ ترى عَطيّة حينَ يَلقَى ... عِظاماً هامُهُنّ قُراسِياتِ
يريد حين يلقى فحولاً عظاماً هاماتهن. قال: والقراسيات الضخام من الإبل التامات الأسنان.
قُروماً مِنْ بَني سفيان صِيداً ... طوالاتِ الشّقاشِقِ مُصْعَباتِ
قال: القروم المصعبات، والمصاعب، والمقرمات، كلها بمعنى واحد، قال: وهي الفحول التي لم
يصبها حبل، قال: وقوله صيداً، يريد متكبرين، رجع إلى المعنى في الرجال، يريد يميلون رءوسهم
للكبر.
قال الأصمعي. وأصل الصيد، عيب في الإبل، وذلك أنه يأخذ الإبل في رءوسها، فيرم ما حول
أنوفها، وتسيل أنوفها، فتميل لذلك في رءوسها، فيقال حينئذ للبعير قد صيد، فهو يصيد صيدا شديداً
وصاداً. قال: وكذلك كل ما كان خلقة، خرج على الأصل، وذلك مثل قولهم: حول الرجل يحول،
وعور الرجل يعور عوراً، وجيد يجيد جيداً، وذلك إذا طالت عنقه فاستدقت من أعلاها. قال: وقال
بعضهم عارت العين فهي تعار. وقال ابن أحمر:
وسائِلَةٍ بظهرِ الغيبِ عني ... أعارت عَينهُ أمْ لمْ تَعارا
قال: ومثل للعرب في الرجل الذي يُذنب ثم يرجع عليه عيبه. كالكلب عاره ظفره. قال: والمعنى في
ذلك، يقول فقأ الكلب عين نفسه بظفره، كالذي يجني على نفسه، قال: يضرب ذلك مثلاً للرجل، يُذنب
стр. 732
الذنب فترجع عليه بليته. قال: فشُبّه المتكبرون من الرجال بالصيد من الإبل، وذلك أن البعير إذا
أصابه ذلك، رفع رأسه للداء الذي أصابه. فشُبه المتكبر من الرجال بذلك، لأنه يرفع رأسه كأنه شمخ
بأنفه، وسفيان الذي ذكره جد الفرزدق سفيان بن مجاشع.
ترى أعناقَهُنّ وهُنّ صَيدُ ... على أعناقِ قَومكَ سامياتِ
ساميات يعني مُشرفات. قال: وإنما يريد بني سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك.
فرُمْ بِيَدَيكَ هَلْ تَسطيعُ نقلا ... جِبالاً مِنْ تهِامَةَ راسِياتِ
قوله راسيات، يريد ثابتات، يقال من ذلك رسا يرسو رُسُوا ورَسْوا، وذلك إذا ثبت.
أبْصرْ كيفَ تَنبُو بالأعادِي ... مَناكِبُها إذا قُرِعَتْ صَفاتي
يريد وأبصر كيف تنبو بالأعادي صفاتي، إذا قُرعت مناكبها، فقدّم وأخّر. مناكبها نواحيها، تنبو عنها
المعاول فلا تؤثر فيها، وذلك لصلابتها، وإنما هذا مثلٌ ضربة لأصلهم وعزّهم.
وإنكَ واجِدٌ دوني صَعوداً ... جَراثيمَ الأقارِع والحُتاتِ
ويروى فإنك. يريد فرُمهم بيدك، فإنك واجد. والأقارع يريد الأقرع وفراساً ابني حابس. والحتات بن
يزيد بن عامر بن علقمة بن حوي ابن سفيان بن مجاشع. قال أبو عبيدة: واسم الحتات بشر. قال
والحتات نبز - وهو اللقب.
ولستَ بِنائِل بِبَني كُلَيب ... أرومَتَنا إلى يومِ المَماتِ
стр. 733
الأرومة بضم الهمزة لبني تميم، وسائر الناس يفتحها. والأرومة الأصل.
وجدتُ لدارِمِ قومي بُيوتاً ... على بُنيان قَومكَ قاهراتِ
دُعِمْنَ بِحاجَب وابني عِقال ... وبالقَعقاعِ تَيّارِ الفُراتِ
يعني حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، قال: والقعقاع بن معبد بن زرارة،
كان يقال له تيار الفرات من سخائه، والتيار الموج. وابنا عقال، هما ناجية وحابس ابن عقال بن
محمد بن سفيان.
وصَعْصعةَ المُجيرِ على المَنايا ... بِذِمّتهِ وفَكّاكِ العُناة
يريد صعصعة بن ناجية بن عقال.
وصاحِبِ صَوأر وأبي شُريَح ... وسلمى مِنْ دَعائمَ ثابتاتِ
قوله وصاحب صوأر، يعني غالب بن صعصعة أبا الفرزدق. وقد مر حديث صوأر فيما أمليناه.
قال: وأبو شريح عمرو بن عمرو بن عدس ابن زيد بن عبد الله دارم. قال: وسلمى بن جندل بن
نهشل. قال: والدعائم، دعائم البيت، وإنما أراد الشرف، والقديم من عز آبائه، فضربه مثلا للدعائم.
بَناها الأقرعُ الباني المعالي ... وهَوْذَةُ في شوامخَ باذِخاتِ
يريد الأقرع بن حابس، ومرّة بن سفيان بن مجاشع. وقوله بواذخ، البواذخ الجبال العالية المتحلقه
في السماء. وإنما أراد الشرف والمجد. وهوذة من بني نهشل بن دارم.
стр. 734
والشامخات المشرفات. قال: وهو من قول العرب: لقد شمخ فلان بأنفه، وذلك إذا تعظم وتكبر.
لَقيطٌ مِنْ دَعائمِها ومنْهُمْ ... زُرارَةُ ذو النّدَى والمَكْرُمات
قال: يريد لقيط بن زرارة، وزرارة بن عدس.
وبالعَمْرَين والضّمْرَين نَبني ... دَعائمَ مجدُهُنّ مُشَيّداتِ
ويروى دعائم مجدهن مشيدات، وهي الرواية الصحيحة بنصب المجد، وبكسر ياء مشيدات. قال:
وقوله وبالعمرين، وهما عمرو وعامر ابنا قطن بن نهشل. قال والضمران ضمرة بن ضمرة من بني
نهشل. يقول نبني دعائم مشيدات مجدهن.
دَعائِمُها أولاكَ وهُمْ بَنوْها ... فمَنْ مِثلُ الدعائِم والبناة
قوله أولاك، يقول أوّلونا من آبائنا بنوا لنا هذا المجد.
أولاكَ، لِدارِم وبَنات عَوْفٍ ... لِخَيراتٍ وأكرَمِ أمّهاتِ
قال الأصمعي: وبنات عوف، يعني تماضر بنت عوف أم الأحجار، وهم: جندل، وجرول، وصخر،
بنو نهشل. قال: وشراف بنت عوف أم سفيان بن مجاشع، وعمرو وهو القداح، ومرثد وهو الأبيض،
والنعمان بن مجاشع. وتماضر بنت علباء بن عوف بن كعب ولدت لسفيان بن مجاشع، محمداً،
ومرة، وحوباً وأنساً. وليلى بنت زنباع بن أحيمر بن بهدلة بن عوف، ولدت لعدس بن زيد بن عبد
الله بن دارم عمراً، وبشراً، وشراحيل.
جَزِعتَ إلى هِجاء بني نُميرْ ... وخَلّيتَ أستَ أمّكَ للرُماةِ
فأبصرِني وأمكَ حينَ أرمي ... مَشّقَ عِجانِها بالنّاقِراتِ
стр. 735
قال: الناقرات يريد الصائبات، يعني المقرطسات.
وتمسي نِسوَةٌ لبَني كُلَيب ... بأفواهِ الأزقّوِ مُقْعياتِ
ويروى تبيتُ نسيّة لبني كليب. قال: والمقعي القاعد على أسته كما يقعي الكلب.
زَوايا سِكّة نَنَتَتْ حَديثاً ... بأخْبَثِ نَبْتَة شرّ النباتِ
ويروى زواني سكة. ويروى بأخبث منبت. ويروى منزل.
بأحراج خَبيثات المَلاقِي ... شَمطْنَ وهُنّ غيرُ مخُتّنانِ
يَبعْنَ فُروجَهُنّ بكُلّ فَلْسٍ ... كَبيعِ السوقِ خُذ مني وهاتِ
تخالُ بُظورَهُنّ إذا أنيختْ ... على رُكَباتهِنّ مخُوّباتِ
أيورَ الخيلِ قَدْ سَقطتْ خُصاها ... بأطرافِ المَفاوزِ لاغباتِ
قوله لاعبات يعني معيبات، وهو من قوله الله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾.
كَبرْنَ وهُنّ أزنَى مِنْ قُرودٍ ... وأنجَسُ مِنْ نِساء مُشرِكاتِ
ويروى وأرجس، ويروى وأمجن.
ألا قَبَحَ الإلهُ بني كُليبٍ ... أكَيلبَ ثَلّةٍ مُتعاظِلاتِ
قال الثلة يعني الغنم. وقوله متعاظلات أي متسافدات.
ترى أرباقَهُمْ مُتَقَلّديها ... إذا صدئ الحديد على الكُماة
قوله على الكماة، هم الأشداء الأبطال من الرجال. وقوله أرباقهم الربقة الحبل، وجماعه أرباق، وهو
الحبل الذي تُشد به الجداء.
стр. 736
فما لكَ لا تَعُدُّ بني كُليب ... وتَنْدُبَ غيرهُمْ بالمَأثُراتِ
وفَخْرُكَ يا جريرُ وأنتَ عبدٌ ... لِغير أبيكَ إحدى المُنكراتِ
تعنّي يا جريرُ لغيرِ شيء ... وقدْ ذهبَ القصائدُ للرواةِ
فكيفَ تَرُدُّ ما بعُمانَ منها ... وما بجبالِ مصر مُشَهّراتِ
غَلَبتُكَ بالمُفَقَئ والمُعَنّى ... وبيتِ المُحتَبِي والخافِقاتِ
قوله بالمفقئ، يريد قوله:
ولستَ وإنْ فَقّأتَ عَينَكَ واجداً ... أباً عنْ كُلَيبٍ أو أباً مثلَ دارِم
ويروى أباً لك إذ عُد المساعى كدارم. وقوله والمعنّى يريد قوله:
وإنكَ إذْ تسعى لِتُدرِكَ دارِماً ... لأنتَ المُعَنّى يا جريرُ المُكلّف
وقوله وبيت المحتبي يريد قوله:
بَيتاً زُرارَةُ محتَبٍ بِفِنائِهِ ... ومجاشِعٌ وأبو الفوارِسِ نهشَلُ
وقوله والخافقات، يريد قوله:
وأينَ تُقَضيّ المالِكانِ أمورَها ... بِحَقّ وأينَ الخافِقاتُ اللوامِعُ
قال: يعني بقوله المالكان، مالك بن زيد مناة، ومالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة.
стр. 737
فأجابه جرير، وهو يهجو الزبرقان وبني طهية، فقال:
تُعَلّلُنا أمامَةُ بالعِداتِ ... وما تَشفي القُلوبَ الصّادياتِ
فلولا حُبُّها وإله موسِى ... لَوَدّعْتُ الصبا والغانياتِ
وما صبري عن الذّلْفاء إلا ... كصبرِ الحوتِ عن ماء الفراتِ
ويروى وما صبري أمامة عنك إلا كصبر النون. ويروى عن الهيفاء.
إذا رضيتْ رضيتُ وتعتريني ... إذا غضبتْ كَهَيضاتِ السّباتِ
أنا البازي المُطلُّ على نُميَرْ ... على رغْمِ الأنوفِ الرّاغِماتِ
إذا سَمعتْ نُميرٌ مَدّ صوتٍ ... جَسِبْتَهُمُ نِساءَ مُنْصِتاتِ
رَجَوتْمْ يا بَني وَقْبانَ مَوتي ... وأرجو أنْ تطولَ لكمْ حياتي
بنو وقبان هم بنو مجاشع.
إذا اجتمعوا عليّ فخَلّ عنهُمْ ... وعَنْ بازٍ يَصُكُ حُبارَيات
قال أبو عثمان: حدثني الأصمعي، قال: حدثني جعفر بن سليمان بن علي، قال: وقف أعرابي علي.
فقلت: ما بال الأرنب أحبّ إلى الصقر من الحبارى؟ قال: لأنها والله، تكبح سبلته، وتسلح على
وجهه، وهو آمن من الأرنب أن تفعل به ذلك.
إذا طَربَ الحَمامُ حمَامُ نَجْدٍ ... نَعَى جارَ الأقارِعِ والحُتاتِ
قال جار الأقارع يعني الزبير، وقوله نعى، قال: وذلك أنه إذا ذكر شيئاً كان منه فقد نعاه.
إذا ما الليلُ هاجَ صَدىً حزيناً ... بَكَى جَزَعاً عليهِ إلى المَماتِ
стр. 738
ويروى نثا خزياً عليكَ.
أيَفَخَرُ بالمُحمّم قَين ليلى ... وبالكِيرِ المُرَقّعِ والعَلاتِ
وأمكُمُ قُقَيرةُ رَبّبَتْكُمْ ... بِدارِ اللُّؤم في دِمنِ النّباتِ
قال الأصمعي: نبات الدمن لا يرعى، وذلك لأنه نشر خبيث، وداء، حتى تصيبه الأمطار مرات
فتغسله، ويذهب داؤه، فيصير مرعى، كما قال زفر الكلابي:
وقدْ يَنبُتُ المَرعَى على دِمَنِ الثّرى ... وتَبقَى حَزازاتُ النُفوسِ كما هِيا
قال الأصمعي: والمعنى في هذا البيت، يقول: قد يصلح نبات الدمن بعد فساده وخبثه، إذا غسلته
الأمطار، وذهب ما فيه من الوباء. وما في النفس من الحزازات لا يُذهبها شيء. قال أبو العميثل في
النشر:
كَا نَشَأتْ في الحَرّ مُزْنَةُ صَيفٍ ... وضُمّنَتِ الأكوارُ عاقِبَةَ النّشر
غَدَرْتُمْ بالزُبيرِ وخُنْتُموهُ ... فما تَرجو طُهَيّةُ مِنْ ثَباتِ
ولمْ يَكُ ذو الشّذاةِ يخافُ مني ... فما تَرجو طُهَيّةُ مِنْ شَذاتي
قال: الشذاة الحدّة وسوء الخلق.
كِرامُ الحَيّ إنْ شَهِدوا كَفَوني ... وإنْ وَصّيْتُهُمْ حَفِظوا وَصاتي
وحانَ بَنو قُفَيرةَ إذْ أتوني ... بِقَينٍ مُدْمِنٍ قَرْعَ العَلاتِ
قال: العلاة سندان الحداد. والقين الحداد.
تركتُ القَينَ أطوعَ مِنْ خَصيِّ ... ذَلولٍ في خِزامَتِهِ مُواتِ
أبالقَيْنَينْ والنّخَباتِ تَرجو ... لَيربوع شَقاشِقَ باذِخاتِ
هُمُ حَبَسوا بِذي نَجَبٍ حِفاظاً ... وهُمْ ذادوا الخَميسَ بِوارِداتِ
стр. 739
قد مر حديث يوم ذي نجب فيما أمليناه من الكتاب مفسراً تاماً. وقوله بواردات، قال أبو عبيدة:
واردات على يسار الطريق، وأنت ذاهب إلى مكة، من دون الذنائب عن يسار طخفقة وأنت مُصعد
إلى مكة، وهو لبني عامر بن ربيعة بن عامر.
قال أبو عبيدة: وهو يوم اللوى، أغارت فيه بنو يربوع على بني ثعلبة ابن سعد بن ذبيان، فقتلوا
عارضاً. وقال آخرون: ليس يوم واردات يوم اللوى، وإنما لقوا بواردات أهل اليمن.
وتَرْفَعُنا عليكَ إذا افْتَخَرنا ... لِيربوعٍ بَواذخُ شامخِاتِ
قوله بواذخ شامخات، أي عاليات وإنما ضربه مثلاً للشرف. يقول: شرفي ومنصب قومي قد علا
وشمخ في السماء، لا يناله من فاخرني وأراد أن يباذخني.
هُمُ سَلبوا الجَبابِرَ تاجَ مُلْكٍ ... بِطِخْفَةَ عندَ مُعْتَركِ الكُماةِ
قد مر حديث يوم طخفة في أول الكتاب، وأمليناه تاماً. ومعترك الكماة، هو الموضع الذي تقتتل فيه
الكماة، وهم الأشداء. ومن إذا لاقى لم يفر، والمعترك موضع القتال، وهو موضع الاعتراك، وهو
الاجتلاد. ويقال قد اعترك القوم إذا تجالدوا بالسيوف وغيرها.
فقدْ غَرقَ الفرزدقُ إذْ عَلَتْهُ ... غَوارِبُ يَلْتَطمْنَ مِنَ الفُراتِ
رَأيتُكَ يا فرزدقُ وسطَ سَعدٍ ... إذا بُيّتّ بِئسَ أخو البَياتِ
ويروى إذا ما نمت بئس أخو الفتات.
وما لاقيتَ ويلكَ منْ كريمٍ ... ينامُ كما تنامُ عن التراتِ
نسيتُمْ عُقرَ جِعْثِنَ واحتَبَيْتُمْ ... ألا تباً لفخركَ بالحُباتِ
وقدْ دَمِيَتْ مواقعُ رُكْبَتَيها ... منَ التّبراكِ ليسَ منَ الصّلاتِ
стр. 740
تَبيتُ الليلَ تُسلَقُ إسكَتاها ... كَدَأبِ الترك تلعبُ بالكُراتِ
وحَطّ المِنْقَرِي بها فقَرّتْ ... على أمّ القَفا والليلُ عاتِ
قوله والليل عات، يريد والليل عاتم، يريد اشتدت ظلمته.
تُنادي غالِباً وبَني عِقالٍ ... لقدْ أخْزَيْتِ قَومَك في النّداتِ
أخزيت قومك الرواية. وقوله في الندات، يريد المجالس، الواحد ناد، مثل قاض وقضاة، وساع
وسُعاة، وهو حيث يجتمع القوم فيتحدثون في مجالسهم. وهي أنديتهم.
وَجَدْنا نِسوَةً لبَني عِقالٍ ... بِدارِ الذُلّ أغراضَ الرماةِ
أغراض الرماة جمع غرض، وهو حيث يُرمى به في الأهداف.
غَوانٍ هُنّ أخبَثُ مِنْ حمير ... وأمجنُ مِنْ نساء مُشرِكاتِ
وسَوداء المُجَرّد مِنْ عِقالٍ ... تُبايعُ مَنْ دَنا خُذْها وهاتِ
وأنتُمْ تَنْقُرونَ بِظُفْرِ سَوْء ... وتأبى أنْ تلينَ لكم صَفاتي
يريد وأنتم تنقرون صفاتي بظفر سوء، ثم قال: وتأبى أن تلين لكم صفاتي. والصفاة الصخرة، وإنما
ضربه مثلاً للشرف.
أليسَ الزّبرِقانُ أحَقّ عَيرٍ ... بِرَمي إذْ تَعَرّضَ للرُماةِ
ويروى:
أرى ابنَ الزبرقانِ أحَقّ عَبْد ... بأن يُرمَى تَعَرّض للرماة
تضَمّنَ ما أضَعتَ بَنو قُرَيع ... لجِاركَ أنْ يموتَ مِنَ الخُفاةِ
ويروى إذ يموت، ويروى تضمّن بعد ما علمت قريع بجارك أن. قوله
следующие страницы →