Полный текст (970 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
فما لكَ لا تَعُدُّ بني كُليب ... وتَنْدُبَ غيرهُمْ بالمَأثُراتِ
وفَخْرُكَ يا جريرُ وأنتَ عبدٌ ... لِغير أبيكَ إحدى المُنكراتِ
تعنّي يا جريرُ لغيرِ شيء ... وقدْ ذهبَ القصائدُ للرواةِ
فكيفَ تَرُدُّ ما بعُمانَ منها ... وما بجبالِ مصر مُشَهّراتِ
غَلَبتُكَ بالمُفَقَئ والمُعَنّى ... وبيتِ المُحتَبِي والخافِقاتِ
قوله بالمفقئ، يريد قوله:
ولستَ وإنْ فَقّأتَ عَينَكَ واجداً ... أباً عنْ كُلَيبٍ أو أباً مثلَ دارِم
ويروى أباً لك إذ عُد المساعى كدارم. وقوله والمعنّى يريد قوله:
وإنكَ إذْ تسعى لِتُدرِكَ دارِماً ... لأنتَ المُعَنّى يا جريرُ المُكلّف
وقوله وبيت المحتبي يريد قوله:
بَيتاً زُرارَةُ محتَبٍ بِفِنائِهِ ... ومجاشِعٌ وأبو الفوارِسِ نهشَلُ
وقوله والخافقات، يريد قوله:
وأينَ تُقَضيّ المالِكانِ أمورَها ... بِحَقّ وأينَ الخافِقاتُ اللوامِعُ
قال: يعني بقوله المالكان، مالك بن زيد مناة، ومالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة.
стр. 737
فأجابه جرير، وهو يهجو الزبرقان وبني طهية، فقال:
تُعَلّلُنا أمامَةُ بالعِداتِ ... وما تَشفي القُلوبَ الصّادياتِ
فلولا حُبُّها وإله موسِى ... لَوَدّعْتُ الصبا والغانياتِ
وما صبري عن الذّلْفاء إلا ... كصبرِ الحوتِ عن ماء الفراتِ
ويروى وما صبري أمامة عنك إلا كصبر النون. ويروى عن الهيفاء.
إذا رضيتْ رضيتُ وتعتريني ... إذا غضبتْ كَهَيضاتِ السّباتِ
أنا البازي المُطلُّ على نُميَرْ ... على رغْمِ الأنوفِ الرّاغِماتِ
إذا سَمعتْ نُميرٌ مَدّ صوتٍ ... جَسِبْتَهُمُ نِساءَ مُنْصِتاتِ
رَجَوتْمْ يا بَني وَقْبانَ مَوتي ... وأرجو أنْ تطولَ لكمْ حياتي
بنو وقبان هم بنو مجاشع.
إذا اجتمعوا عليّ فخَلّ عنهُمْ ... وعَنْ بازٍ يَصُكُ حُبارَيات
قال أبو عثمان: حدثني الأصمعي، قال: حدثني جعفر بن سليمان بن علي، قال: وقف أعرابي علي.
فقلت: ما بال الأرنب أحبّ إلى الصقر من الحبارى؟ قال: لأنها والله، تكبح سبلته، وتسلح على
وجهه، وهو آمن من الأرنب أن تفعل به ذلك.
إذا طَربَ الحَمامُ حمَامُ نَجْدٍ ... نَعَى جارَ الأقارِعِ والحُتاتِ
قال جار الأقارع يعني الزبير، وقوله نعى، قال: وذلك أنه إذا ذكر شيئاً كان منه فقد نعاه.
إذا ما الليلُ هاجَ صَدىً حزيناً ... بَكَى جَزَعاً عليهِ إلى المَماتِ
стр. 738
ويروى نثا خزياً عليكَ.
أيَفَخَرُ بالمُحمّم قَين ليلى ... وبالكِيرِ المُرَقّعِ والعَلاتِ
وأمكُمُ قُقَيرةُ رَبّبَتْكُمْ ... بِدارِ اللُّؤم في دِمنِ النّباتِ
قال الأصمعي: نبات الدمن لا يرعى، وذلك لأنه نشر خبيث، وداء، حتى تصيبه الأمطار مرات
فتغسله، ويذهب داؤه، فيصير مرعى، كما قال زفر الكلابي:
وقدْ يَنبُتُ المَرعَى على دِمَنِ الثّرى ... وتَبقَى حَزازاتُ النُفوسِ كما هِيا
قال الأصمعي: والمعنى في هذا البيت، يقول: قد يصلح نبات الدمن بعد فساده وخبثه، إذا غسلته
الأمطار، وذهب ما فيه من الوباء. وما في النفس من الحزازات لا يُذهبها شيء. قال أبو العميثل في
النشر:
كَا نَشَأتْ في الحَرّ مُزْنَةُ صَيفٍ ... وضُمّنَتِ الأكوارُ عاقِبَةَ النّشر
غَدَرْتُمْ بالزُبيرِ وخُنْتُموهُ ... فما تَرجو طُهَيّةُ مِنْ ثَباتِ
ولمْ يَكُ ذو الشّذاةِ يخافُ مني ... فما تَرجو طُهَيّةُ مِنْ شَذاتي
قال: الشذاة الحدّة وسوء الخلق.
كِرامُ الحَيّ إنْ شَهِدوا كَفَوني ... وإنْ وَصّيْتُهُمْ حَفِظوا وَصاتي
وحانَ بَنو قُفَيرةَ إذْ أتوني ... بِقَينٍ مُدْمِنٍ قَرْعَ العَلاتِ
قال: العلاة سندان الحداد. والقين الحداد.
تركتُ القَينَ أطوعَ مِنْ خَصيِّ ... ذَلولٍ في خِزامَتِهِ مُواتِ
أبالقَيْنَينْ والنّخَباتِ تَرجو ... لَيربوع شَقاشِقَ باذِخاتِ
هُمُ حَبَسوا بِذي نَجَبٍ حِفاظاً ... وهُمْ ذادوا الخَميسَ بِوارِداتِ
стр. 739
قد مر حديث يوم ذي نجب فيما أمليناه من الكتاب مفسراً تاماً. وقوله بواردات، قال أبو عبيدة:
واردات على يسار الطريق، وأنت ذاهب إلى مكة، من دون الذنائب عن يسار طخفقة وأنت مُصعد
إلى مكة، وهو لبني عامر بن ربيعة بن عامر.
قال أبو عبيدة: وهو يوم اللوى، أغارت فيه بنو يربوع على بني ثعلبة ابن سعد بن ذبيان، فقتلوا
عارضاً. وقال آخرون: ليس يوم واردات يوم اللوى، وإنما لقوا بواردات أهل اليمن.
وتَرْفَعُنا عليكَ إذا افْتَخَرنا ... لِيربوعٍ بَواذخُ شامخِاتِ
قوله بواذخ شامخات، أي عاليات وإنما ضربه مثلاً للشرف. يقول: شرفي ومنصب قومي قد علا
وشمخ في السماء، لا يناله من فاخرني وأراد أن يباذخني.
هُمُ سَلبوا الجَبابِرَ تاجَ مُلْكٍ ... بِطِخْفَةَ عندَ مُعْتَركِ الكُماةِ
قد مر حديث يوم طخفة في أول الكتاب، وأمليناه تاماً. ومعترك الكماة، هو الموضع الذي تقتتل فيه
الكماة، وهم الأشداء. ومن إذا لاقى لم يفر، والمعترك موضع القتال، وهو موضع الاعتراك، وهو
الاجتلاد. ويقال قد اعترك القوم إذا تجالدوا بالسيوف وغيرها.
فقدْ غَرقَ الفرزدقُ إذْ عَلَتْهُ ... غَوارِبُ يَلْتَطمْنَ مِنَ الفُراتِ
رَأيتُكَ يا فرزدقُ وسطَ سَعدٍ ... إذا بُيّتّ بِئسَ أخو البَياتِ
ويروى إذا ما نمت بئس أخو الفتات.
وما لاقيتَ ويلكَ منْ كريمٍ ... ينامُ كما تنامُ عن التراتِ
نسيتُمْ عُقرَ جِعْثِنَ واحتَبَيْتُمْ ... ألا تباً لفخركَ بالحُباتِ
وقدْ دَمِيَتْ مواقعُ رُكْبَتَيها ... منَ التّبراكِ ليسَ منَ الصّلاتِ
стр. 740
تَبيتُ الليلَ تُسلَقُ إسكَتاها ... كَدَأبِ الترك تلعبُ بالكُراتِ
وحَطّ المِنْقَرِي بها فقَرّتْ ... على أمّ القَفا والليلُ عاتِ
قوله والليل عات، يريد والليل عاتم، يريد اشتدت ظلمته.
تُنادي غالِباً وبَني عِقالٍ ... لقدْ أخْزَيْتِ قَومَك في النّداتِ
أخزيت قومك الرواية. وقوله في الندات، يريد المجالس، الواحد ناد، مثل قاض وقضاة، وساع
وسُعاة، وهو حيث يجتمع القوم فيتحدثون في مجالسهم. وهي أنديتهم.
وَجَدْنا نِسوَةً لبَني عِقالٍ ... بِدارِ الذُلّ أغراضَ الرماةِ
أغراض الرماة جمع غرض، وهو حيث يُرمى به في الأهداف.
غَوانٍ هُنّ أخبَثُ مِنْ حمير ... وأمجنُ مِنْ نساء مُشرِكاتِ
وسَوداء المُجَرّد مِنْ عِقالٍ ... تُبايعُ مَنْ دَنا خُذْها وهاتِ
وأنتُمْ تَنْقُرونَ بِظُفْرِ سَوْء ... وتأبى أنْ تلينَ لكم صَفاتي
يريد وأنتم تنقرون صفاتي بظفر سوء، ثم قال: وتأبى أن تلين لكم صفاتي. والصفاة الصخرة، وإنما
ضربه مثلاً للشرف.
أليسَ الزّبرِقانُ أحَقّ عَيرٍ ... بِرَمي إذْ تَعَرّضَ للرُماةِ
ويروى:
أرى ابنَ الزبرقانِ أحَقّ عَبْد ... بأن يُرمَى تَعَرّض للرماة
تضَمّنَ ما أضَعتَ بَنو قُرَيع ... لجِاركَ أنْ يموتَ مِنَ الخُفاةِ
ويروى إذ يموت، ويروى تضمّن بعد ما علمت قريع بجارك أن. قوله
стр. 741
منَ الخفاة، يريد من الجوع.
يقول لا يجوع من لجأ إليهم، فهو عندهم في رفاهية وكفاية، لا يلقاه جوع ولا شدة. يقول: فقد تضمّن
بنو قريع ما أضعت من جارك فأشبعوه وكفوه وأغنوه.
تَدَلّى بِابْن مُرّةَ قدْ علمتُمْ ... تَدَلّى ثمّ تَنْهَزُ بِالدّلاةِ
قوله بالدلاة يريد الدلو. قا بعضهم: يجعل الدلاة هي الدلو وأداتها كلها. قال: والنهز أن يُجذب الدلو
جذبة بعد جذبة حتى تمتلئ. وقوله بابن مرة، يعني عمران بن مرة المنقري، صاحب جعثن، وهو
الذي يقول فيه جرير:
غمزَ ابنُ مُرّة يا فرزدَقُ كَينَها ... غَمزَ الطبيبِ نَغانِغَ المَعْذورِ
الكين لحم الفرج الخارج منه، والباطن يسمى الزرنب.
وقال جرير:
ألا حَيّ أهلَ الجَوفِ قَبلَ العَوائِق ... ومِنْ قَبل رَوعاتِ الحبيبِ المُفارقِ
قوله العوائق، قبل ما يعوق الناس من مُلمات الأمور. قال: والروعات ما يروعه أي يُفزعه.
سَقَى الحاجِزَ المِحْلالَ والباطنَ الذي ... يَشُنّ على القَبرينِ صوتَ الغوادِقِ
وقوله يشن، يريد يصب على القبرين. صوب الغوادق، يعني السحائب الكثيرات الماء.
ولمّا لقينا خيلَ أبجرَ أعلنوا ... بِدعوَي لجُيمٍ غير ميلِ العواتِق
قوله خيل أبجر، يريد أبجر بن جابر العجلي. قال: ولجيم بن صعب
стр. 742
ابن علي بن بكر بن وائل.
صَبرنا لهُمْ والصبرْ مِنا سَجِيّةٌ ... بِأسيافِنا تحتَ الظلالِ الخَوافِقِ
قوله سجية. أي طبيعة. يقال سجية وخليقة وطبيعة بمعنى واحد. يقول: فالصبر منا عند القتال سجية
لا نعرف غيره. وقوله تحت الظلال يعني السيوف.
فلما رأوا ألا هَوادَةَ بيننا ... دَعَوا بعدَ كَرْب يا عَميرَ بنَ طارِقِ
قوله عمير بن طارق، يعني عميرة بن طارق بن حصبة بن أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وأمه
طيبة بنت بجير العجلي، وهو الذي يقوله فيه جرير للبعيث:
ومِنّا الذي ناجَى فلمْ يخز رَهطَهُ ... بأمر قَويّ محرِزاً والمُثَلّما
ومُبْد لَنا ضِغْناً ولولا رِماحُنا ... بأرضِ العدَى لم يرعَ صوبَ البَوارِقِ
عَرَفْتُمْ لِعَتّاب عليكم ورَهْطِهِ ... نِدامَ المُلوِك وافتراشَ النّمارِق
يعني عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع. قال: وهو أحد أرداف الملوك، قال: والردف الذي يقوم
بعد الملك، المربض للملك.
همُ الداخلونَ البابَ لا تَدخُلونَهُ ... على المَلك والحامونَ عندَ الحَقائِق
وأنتم كِلابُ النارِ تُرمَى وجوهُكُم ... عَنِ الخير لا تغشونَ بابَ السرادِق
مَنَعنا بِجَنْبي ذي طُلوحِ نساءَكُمْ ... ولمْ تمنَعوا يا ثَلْطَ زَبّاءَ فارِق
وإنّا لَنَحميكم إذا ما تَشَنّعتْ ... بنا الخيلُ تردي مِنْ شَنونٍ وزاهقِ
стр. 743
تشنعت أسرعت في العدو. والشنون الذي قد أخذ في السمن. والزاهق السمين. قال: والزباء الناقة
الكثيرة شعر الأذنين. والفارق الناقة التي إذا أرادت النتاج فارقت الإبل، فأخذت في وجه حتى يُدركها
النتاج.
стр. 744
حديث يوم ذي طُلوح
قال أبو عبيدة: وهو يوم الصمد، ويوم أود. وأود واد. وكان من حديث يوم ذي طلوح، أن عميرة بن
طارق بن حصبة بن أزنم بن عبيد ابن ثعلبة بن يربوع، تزوج مُريّة بنت جابر، أخت أبجر بن جابر
العجلي لأبيه وأمه. قال: فخرج عميرة حتى ابنتى بامرأته مرية في بني عجل، وتحت عميرة بنت
النطف بن خيبري السليطي.
قال أبو عبيدة، قال سليط بن سعد: بل هي امرأة من بني طهية، خلّفها في قومه. قال: فأتى أبجر
أخته مرية امرأة عميرة يزورها، فقال لها: إني لأرجو أن آتيك بابنة النطف، امرأة عميرة. وسمعه
عميرة فقال: ما أراك تُبقي علي تحرُبني وتسلبُني. فندم أبجر، فقال لعميرة: ما كنت لأغزو قومك،
ولكني متياسر في هذا الحي من تميم. قال: فغزا أبجر والحوفزان - واسمه الحارث بن شريك -
متساندين: هذا فيمن تبعه من اللهازم، وهذا فيمن تبعه من بني شيبان. قال: ووكّلا بعميرة بن طارق
حُرقصة بن جابر، لئلا يأتي قومه فينذرهم، وتحت أبجر امرأة من بني طُهية، يقال لها سلمى بنت
محصن، فأتاها عميرة فقال لها: كيف أنت لو قد جاء غلمان بكر بن وائل فسبوا نساءك، وإني رجل
موكل بي، فأعينيني على حيلتي. فقالت له سلمى: وأنا أعينك على ما أردت. وهي حبلي مُتّم برافع
بن أبجر. قال: فأصبح الناس ظاعنين يتحملون إلى الكلواذة. فقالت: أما إني ماخض. قال: وسار
عميرة في السلف ساعة، ثم قال لحُرقُصة الموكّل به: لعلي لو قد رجعت إلى أهلي فاحتملتهم، فقد
ولدت صاحبتك. فقال حُرقصة: لا أبالي أن تفعل فكرّ عميرة على ناقة له، يقال لها الجنيبة، فلقي
سلمى بنت محصن، امرأة أبجر، قد احتُملت هي وصواحبُها، فأتاها
стр. 745
فوافقته. فقالت له: قد خبأت لك
خبيئة حيث كان فراشي: زادك، وسقاء. قال: فمضى حتى أخذهما، فلم يُفقد حتى تحال الناس عند
المساء، ففقده حُرقصة، فأتى امرأته، فقال أين عميرة؟ فقالت: لقينا ضُحى، فوافقنا، ثم مضى إلى
دورنا، فلم نره بعد. فاستحيى حرقصة أن يذكر أمره لأحد. قال: ومضى عميرة، فمضى يومه وليلته
والغد، حتى إذا لقي أنف الزور من الصحراء، وغربت الشمس، أناخ فقيّد راحلته، ثم نام، حتى إذا
علاه الليل، قام فلم ير ناقته. فقال عميرة: فقمت فسعيت ليلاً طويلاً. قال: فإذا سواد في الليل عظيم،
فظننته الجيش، فبت أراصده مخافة أن أوخذ، حتى أضاء الصبح. فإذا نعام كثير، وإذا ناقتي تخطر
قريباً مني، فقمت غضبان على نفسي، فأجددت السير يومي وليلتي، حتى أرد سفار - وهو ماء لبني
تميم - فوجدت في منزل القوم نسعة، فسقيت بها راحلتي، وطعمت من تمري الذي كان معي،
وشربت من الماء، ثم ركبتها مُسى الثالثة، فأصبحت بالحطامة من ذي كريب، فإذا ناس يعلقون السدر
- يعني يرعونه - فتحرّفت عنهم مخافة أن يأخذوني. فناداني بعضهم إنما نحن صُدّار البيت، فلا
تخف - يعني مكة والصدار الراجعون - فنفذت حتى أصبح طلح، وبها جماعة بني يربوع، فقلت: قد
غزاكم الجيش من بكر بن وائل فشأنكم. قال: فبعث بنو رياح بن يربوع فارسين طليعة، أحدهما غلام
للمشبر أخي بني هرمي بن رياح. وبعث بنو ثعلبة فارسين في وجه آخر، أحدهما المطوّح بن أطيط،
والآخر جراد بن أنيف بن الحارث بن حصبة. قال: ومكثت بنو يربوع يوقدون نيرانهم على صمد
طلح، فكانوا كذلك ثلاثاً، ثم إن فارسي بني ثعلبة جاءا فقالا: لم نحس شيئاً، مخافة أن يكونوا أرادوا
غيرهم، فيكون ما حدّثتهم به باطلاً، وليلة ذهبت ناقتي مخافة أن أوخد، فيقال نام فأخذ فلما تعالى
النهار من اليوم الثالث، طلع فارسا بني يربوع. قال: وإذا العبد لا يُوقّي فرسه خباراً، ولا حجراً، ولا
جُرفاً،
стр. 746
وهو على الخصي فرس بني هرمي بن رياح. فقالا: تركنا القوم حين نزلوا القسوميّة. قال:
فتلببنا، ثم ركبنا، ثم أخذنا طريقاً مختلفاً، حتى وردنا الينسوعة، فوجدنا منزل القوم حين استقوا،
وسقوا، ونثروا التمر، وتخففوا للغارة، واستقبلوا أسفل ذي طلوح. قال: فاتبعناهم، وتحتي فرس
ذريعة العنق، فتقدمت الخيل، فوقفت حتى أدركوني، ثم بعثنا طليعة، فجاءنا فأخبرنا أنهم بالطلحتين
نزول بأسفل ذي طلوح، فمكثنا حتى إذا برق الصبح، ركبنا وركب القوم وهم يريدون الغارة، فكنت
أول فارس طلع فناديت: يا أبجر، هلم. قال: من أنت؟ قلت: عميرة بن طارق. فكذبني، فسفرت عن
وجهي، فعرفني، فنزل عن فرس كان عليها مركباً لابن الغزالة السكوني - قال: وبنو الغزالة في بني
شيبان اليوم - وعلي مُلاءة حمراء، فطرحتها، وجلس عليها. فقال: إني مركّب، فاعلم - قال:
والمركب أن يأخذ الرجل فرس صاحبه، فما أصاب على ظهره فلصاحب الفرس نصفه - قال ثم إنهم
التقوا، فأسر الجيش إلا أقلّهم، فكان ممن انفلت منهم، وابصة أحد بني أسعد بن همام، وأخذ أخوه، فلما
أتى أهله، أتته بنت أخيه تسأله عن أبيها، فقال الشيخ في ذلك:.
تُسائلُني هُنَيْدَةُ عَنْ أبيها ... وما أدري وما عَبَدَتْ تمَيمُ
غَداةَ عَهِدْتهُنّ مُقَلّصاتٍ ... لهُنّ بكلّ محنِيّة نَحيمُ
قوله نحيم، يعني صوتاً، يريد الخيل، والنحيم شبه الزفير.
فما أدري أجُبْناً كانَ دَهري ... أمِ الكُوسَى إذا عُدّ الحَزيمُ
стр. 747
قال: وأخذ حنظلة بن بشر بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، الحوفزان. وكان حنظلة
في بني يربوع، وأخذه معه أبو مليل، وأخذه معهما عبد عمرو بن سنان بن وعلة بن عوف بن جارية
بن سليط. قال: واختصموا فيه، ثم حكموا الحوفزان في نفسه، فأعطى الحوفزان أبا مُليل مائة من
الإبل، وأعطى عبد عمرو مائة أيضاً، وجعل ناصيته لحنظلة بن بشر. فقال عبد عمرو للحوفزان: إن
بين بني جارية بن سليط، وبين بني مرة بن همام موادعة، فلا آخذ من مالك شيئاً. وكان أبو مليل
يسمى ما أخذ منه الخباسة. وأخذ سوادة ابن زيد بن بجير، ابن عم أبجر، أسرة عتوة بن أرقم،
فانتزعه ابن طارق منه، وأسر شريك بن الحوفزان، وأسر أسود، وفلحس، وهما من بني أسعد بن
همام. وأخذ ابن عنمة الشاعر الضبي مع بني شيبان، فافتكه منهم متمم بن نويرة، فيما زعم سليط بن
سعد بن معدان بن عميرة بن طارق بن حصبة بن أزنم بن عبيد بن ثعلبة. قال: فأما حماد الراوية،
فزعم أن مالك بن نويرة افتكّه. فقال ابن عنمة في ذلك يمدح متمماً:
جَزيَ اللهُ رَبُ الناسِ عني مُتمماً ... بَخَيرِ الجَزاء ما أعفّ وأمجدا
أُجيرَتْ بهِ أبناؤنا ودماؤنا ... وشاركَ في إطلاقِنا وتَفَرّدا
أبا نهشلٍ إني لكُمْ غير كافرٍ ... ولا جاعِلٍ مِنْ دونكَ المالَ مُؤصدا
وقال عميرة بن طارق:
أقِليَ عَليّ اللومَ يا أمّ خِثْرِما ... يكن ذاكَ أدنى للصوابِ وأكرَما
ولا تعذُليني أنْ رَأيتِ مَعاشِراً ... لهمْ نَعَمٌ دَثْرُ وأن كنتُ مُصرما
مَتَى ما نَكُنْ في الناسِ نحنُ وهمْ معاً ... نكنْ منهمُ أكسَى جُنوباً وأطعما
стр. 748
مَناكِ إلهي إذْ كَرهتِ جمَاعَنا ... بمثلِ أبي قُرط إذا الليلُ أظلما
يسوقُ الفِراء لا يحُسّينَ غيرهُ ... كَفيحاً ولا جاراً كريماً ولا ابنَما
فدَعْ ذا ولكن غيرهُ ثدْ أهمّني ... أميرٌ أرادَ أنْ ألاَم وأشتَما
فلا تأمُرَنيّ يا ابنَ أسماء بالّتي ... تجرُ الفتى ذا الطعمِ أنْ يتكلّما
بأنْ تَغْتَزُوا قومي وأقعُدَ فيكُمُ ... وأجعلَ علمي ظَنّ غَيب مُرَجّما
ولمّا رَأيتُ القومَ جَدّ نَفيرُهُم ... دَعَوتُ نَجيّي محرزاً والمُثَلّما
قوله محرزاً والمثلّما، هما رجلان من البراجم أخوالهما من عجل. قال: وكان عميرة بن طارق، لما
أراد أن يسير إلى بني يربوع أعلمهما ذلك، فقال: لا ترجع إلى أرض الجوع.
فأجابه الفرزدو فقال:
إنْ تَكُ كَلْباً مِنْ كُليبٍ فإنّني ... مِنَ الدّارِميينّ الطّوِال الشّقاشق
قال: الشقشقة التي يُخرجها الفحل عند هيجانه من فمه. قال الأصمعي: وسمعت بعض العرب ممن
يُقدّم في علمه منهم يقول: إنها لُهاته وهي التي تسميها العامة الكركرة، قال: وإنما يفعل البعير ذلك إذا
هاج، وإذا أرد الضّراب. من أسماء العامة الشقشقة والكركرة فقط.
نَظَلّ نَدامىَ للملوكِ وأنتُمُ ... تمشونَ بالأرباقِ ميلَ العَواتِقِ
وإنّا لَتروَى بالأكُفّ رِمَاحُنا ... إذا أرْعشَت أيديكُمُ بالمَعالِق
ويروى وإنا لتمضي. وأنا لنروي بالأكف رماحنا.
وإنّ ثيابَ المُلكِ في آلِ دارِمٍ ... هُمُ وَرِثوها لا كُليبُ النّواهِقِ
стр. 749
ثيابُ أبي قابوسَ أورثها ابنَهُ ... وأورثناها عن مُلوكِ المَشارقِ
وإنّا لتجري الخمرُ بين سَراتنا ... وبين أبي قابوسَ فوقَ النّمارِقِ
لَدُنْ غُدوَةً حتى نَروحَ وتاجُهُ ... عليناَ وذاكي المسكِ فوق المَفارِقِ
كُليبٌ وراء الناسِ تُرمَى وُجوهُها ... عنِ المجد لا تَدنو لبابِ السرادِقِ
وإنّ ثيابي مِنْ ثيابِ محُرّقِ ... ولمْ أستَعِرها مِنْ مُعاع وناعِقِ
قوله معاع، قال: المعاعي الراعي، والمعاعاة زجر الغنم، قال: والنعيق مثله.
يظلُ لنا يومانِ يومٌ نُقيمُهُ ... نَدامَى ويومٌ في ظِلالِ الخَوافِقِ
ويروى يظل لنا يومان يوم إقامة.
ولو كنتَ تحتَ الأرضِ شَقّ حَديدَها ... قَوافي عن كَلب مَعَ اللّحد لاصِقَ
ويروى: ولو كنت في لحد من الأرض شقّه. ويروى عن ميت مع اللحد لازق.
خَرَجْنَ كَنِيران الشتاء عَواصِيّا ... إلى أهل دَمخ مِنْ وَراء المَخارِقِ
على شَأوِ أولاهُنّ حتى تَنَازَعَتْ ... بِهنّ رُواةٌ مِنْ تَنوخٍ وغافِقِ
ونحنُ إذا عدّتْ تميمٌ قديمَها ... مكانَ النواصي مِنْ وُجوه السوابِقِ
مَنَعْتُك ميراثَ المُلوكِ وتاجَهُمْ ... وأنتَ لِذَرعي بَيْذَقٌ في البَياذِقِ
وقال الفرزدق:
عَرَفْتَ المَنازِلَ مِنْ مَهْدَدِ ... كَوَحْي الزّبورِ لدى الغَرْقَدِ
стр. 750
قال: الوحي الكتاب. والغرقد ضرب من الشجر تدوم خُضرته في الشتاء والصيف لا يكاد يتغير.
أناختْ بهِ كُلّ رَجّاسَة ... وساكِبَةِ الماء لم تُرْعُدِ
قوله رجّاسة، يعني سحابة راعدة.
فأبْلَتْ أوارِيّ حيثُ استَطافَ ... .. فلوُ الجِياد على المروَد
الفلو المُهر. وأواري يريد أواخي. والمرود حديدة يُشد بها حبل الفرس فيدور حيث استدار.
بَرَى نُؤيَها دارِجاتُ الرياح ... كما يُبْترَى الجَفْنُ بالمِبرد
ويروى ابتُريَ. قال ودارجات الرياح ما درج منها فجرى. والجفن جفن السيف. ترى بين أحجارها
للرماد .. كنفض السحيق من الاثمد يريد الأثافي. والسحيق المسحوق من الإثمد. وروى أبو عمر
كلون السحيق.
وبِيضٍ نَواعِمَ مِثل الدُمى ... كِرامٍ خَرائِدَ مِنْ خُرّد
ويروى وبيض كواعب، وخراعب، وقوله خرائد، هن النساء الحييات. قال: والدمى واحدتها دمية
وهي الصورة. وقوله من خرد، يقول: ولدتهن نساء خرد، أي حييات.
تُقَطّعُ لِلّهْو أعناقَها ... إذا ما تَسَمّعْنَ للمُنشِد
قوله تقطع للهو أعناقها، يقول: تُميّل أعناقها للذي يُنشد الشعر، تفرح بذلك فصيره كاللهو عندها.
ألمْ تَرَ أنّا بَني دارِم ... زُرارةُ مِنّا أبو مَعبَدِ
стр. 751
إنما نصب بني دارم على الفخر والمدح، ولم يجعل ذلك خبراً لأن، وجعل خبر أن في قوله: ألم ترَ
أنّا زرارة منا، وكذلك قال الشاعر:
نحنُ بَني ضَبّةَ أصحابُ الجَمَلْ
فنصب بني ضبة على الفخر والمدح على ذلك المعنى، وقال ذو الرمة:
أبى اللهُ إلاّ أنّنا آل خِنْدفٍ ... بِنا يَسمَعُ الصّوت الأنامُ ويُبصرُ
وقوله زرارة منا يني زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، كذلك فسره أبو عبيدة
والأصمعي.
ومنّا الذي مَنَعَ الوائِدات ... وأحيى الوَئيدَ فلمْ يُوءد
قوله ومنا الذي منع الوائدات، يعني صعصعة بن ناجية جد الفرزدق، وقد مر حديث الوائدات فيما
أمليناه من الكتاب في موضعه.
وناجيةُ الخَيرِ والأقْرَعان ... وقَبر بِكاظِمَةَ المَوْردِ
ويروى وقبر بكاظمة المورد. رده على كاظمة، وهو موضع معروف على البحر، يريد ناجية بن
عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع. والأقرعان الأقرع وفراس ابنا حابس بن عقال. والعرب إذا
جمعوا بين اسمين، أحدهما أنبه من الآخر وأخف في اللفظ، جمعوهما به فقالوا: سنة العمرين، يريد
أبا بكر وعمر. وقالوا: الأحوصان يريد الأحوص ابن جعفر وابنه. وقبر بكاظمة، يعني قبر أبيه
غالب. وقوله مورد، قال: إنما أضاف كاظمة إلى المورد، وذلك لأنها مياه تورد كثيراً دائمة الماء،
فأضاف ذلك إليها.
إذا ما أتى قبرهُ غارمُ ... أناخَ إلى القبر بالأسعد
стр. 752
بالأسعد، يعني بنجم يسعد به. والأسعد جمع سعد.
فذاكَ أبي وأبوهُ الذي ... لِمَقعَدِهِ حُرَمُ المَسجِد
ويروى حرم المسجد، أي حرمته كحرمة المسجد، أي يهابه الناس ويتقونه. وقوله فذاك أبي، يعني
غالبا. وقوله حرم المسجد، قال: وذلك لأنه لا ينطق عنده بأمر قبيح، ولا بفحش، ولا خنىً، ولا يؤذى
عنده جليس، ولا يُسفه عليه، وذلك لقدره في قومه، وعند العرب، أي يجلونه كما يجلون المسجد.
ألسنا بِأصحابَ يومِ النّسار ... وأصحابِ ألويَةِ المِربَدِ
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: كان حاجب بن زرارة على بني تميم يوم النسار، ويوم الجفار. قال:
وبينهما سنة. قال والنسار قبل الجفار، وكان بعد جبلة، ولذلك رأسهم حاجب ابن زرارة. قال: وذلك
لأن لقيطاً قُتل يوم جبلة، ولو كان حيا ما تقدّمه حاجب. قال: وإنما نبُهَ أبو عكرشة بعد أبي نهشل،
وكانا قبل مبعث النبي ﷺ بسبع وعشرين سنة. وكان عام جبلة مولد النبي -
ﷺ وأركضت كبشة بنت عروة بن عتبة، بعامر بن الطفيل يوم جبلة، وكان
ناجية بن عقال، جد الفرزدق، معه رئي من الجن، فكان يشير على بني تميم يوم النسار. قال: فلذلك
زعم أعين بن لبطة، أن عبد الله ومجاشعاً شيء واحد. وقوله وأصحاب ألوية المربد، يعني القرين
عبد الله بن حكيم بن ناقد بن حوي بن سفيان بن مجاشع، أعطى بيده رهينة في حرب مسعود. قال:
وإنما سمي القرين، لأنه كان لا يفارق رجلاً من بني ضبة. فقال زياد بن أبي سفيان: هذان قرينان لا
يفترقان. قال: وإنما نريد الاختصار، وأن لا نعيد ما مر من الأخبار. قال أبو عمرو: يوم النسار يوم
منعت فيه بنو
стр. 753
ضبة الحارث بن ظالم من الملك.
ألَسنا الذين تَميمٌ بهِمْ ... تَسامَى وتَفخَرُ في المَشْهَد
وقَدْ مَدّ حولي مِنَ المالِكَين ... أواذِيٌ ذي حَدَبٍ مُزْبدِ
قوله أواذي، يريد الأمواج. يقال من ذلك جاش الفرات بأواذيه، يريد بأمواجه. وقوله ذي حدب، أي
ارتفاع. قال: وحدبه أن يرتفع وسطه. قال: وذلك لعلو موجه وكثرته يرتفع وسطه وينحط طرفاه.
إلى هادِراتٍ صِعابِ الرُءوسِ ... ... قَساوِرَ للقَسوَرِ الأصيدِ
صعاب الرؤوس، يقول: هذه الفحول من الإبل تهدر وهي صعاب الرؤوس. والقسور يريد به الرجل
الشديد، وهو مشتق من أسماء الأسد. وقال: هم الرماة. قال: والأصيد الشريف المعظّم المبجّل،
فضرب ذلك مثلاً للفحول.
أيَطْلُبُ مجدَ بني دارِم ... عَطيّةُ كالجُعَل الأسوَد
ومجدُ بني دارِم فَوقَهُ ... مكانَ السّماكَين والفَرقَد
سَأرمي ولوْ جُعلَتْ في اللّئِام ... ... ورُدّتْ إلى دِقّةِ المَحتِدِ
المحتد يريد الأصل، يقال من ذلك: إنه للئيم المحتد، وكريم المحتد.
كُلَيباً فما أوقدتْ نارَها ... لِقِدحِ مُفاضِ ولا مِرفَدِ
قوله لقدح مفاض، يقول مجال مضروب به عند الميسر، يقال من ذلك: أجل قدحك أي اضرب
بقدحك.
ولا دافعوا ليلةَ الصّارِخينَ ... ... لهُمْ صوتَ ذي غُرّة مُوقِد
стр. 754
ويروى ولا رفعوا ليلة. ويروى ضوء ذي العزة الأتلد. والأتلد القديم. وقوله ذي غُرّة، أي فرس له
غرة. وقوله موقد، أي موقد للحرب، فيجتمع إليه الصارخون، يعني المستغيثين.
ولكنّهُمْ يَلْهَدونَ الحمَير ... رُدافَى على الظّهْرِ والقَرْدَدِ
ويروى يُكهدون. قال الأصمعي: اللهد أن يهيَ اللحم من داخل، ولا ينشق الجلد، يقال من ذلك ظل
فلان لهيداً حين سمع ذلك. قال: واللهد عنتُ لحم الجنب من ثقل الحمل. ويروى ولكنهم يُكهدون
الحمير. يعني يسوقونها سوقا شديدا. قال أبو عبد الله: الرواية يكهرون. قال والقردد سيساء الظهر
وارتفاعه. قال: وقد قالوا القُردودة. ويروى ردافى على العجب. وهو أصل الذنب.
على كُلّ قَعْساء محزومَة ... بِقطْعةِ ربْق ولم تُلْبَد
قال: القعس دخول وسط الظهر وطمأنينته. قال: والربق حبل يُمد بين وتدين، فيه حبال قصار تشد
إلى ذلك الحبل الطويل، تُربط فيها العنوق والجداء. وقوله لَ تُلبد، يقول: هي مركوبة بكساء أو
عبادة، وليس تُلبد كإلباد الخيل.
مُوَقّعَة بِبَياضِ الرُكوب ... كَهودِ اليَدَيْن مَعَ المُكْهِدِ
المكهد المتعب بالسوق.
قَرَنْبَى بَسوفُ قَفا مُقْرفٍ ... لَئيم مَآثِرُةُ قُعْددِ
قال: القرنبى ضرب الخنفساء أرقط طويل القوائم، وإنما شبه جريراً وأباه بها. قال: وخُفض قرنبى
على تكرير، أراد مع قرنبى. وقوله قُعدد، يقول: هو لئيم بن لئيم في هذا الموضع والقعدد في غير
هذا الموضع الكريم الآباء. قال أبو عبد الله: هذا جائز، والأكثر قُعدد بضم
стр. 755
الدال الأولى. قال أبو عبد الله: يقال فلان أقعد من فلان، أي أقل عدد آباء إلى الأب الأكبر، وقد يقال للثيم قُعدد.
يَنيكونَهُنّ ويجملنَهُمْ ... وهُنّ طَلائِعُ بالمُرْصَد
تَرَى كُلّ مُصْطَرّة الحافرَيْن ... يُقالُ لها للنّكاح ارْكُدِي
وروي للنزاء. ويروى يقال لها للسباق اركدي. وقوله مصطرة الحافرين، هو المجتمع الضيق ليس
بأرح. والأرح من الحوافر الواسع الكثير الأخذ من الأرض ويروي كل مصرورة الحافرين.
والمصرورة مثل المصطرة، وفي معناه. واركدي اثبتي.
بهِنّ يحُابُونَ أختانهُمْ ... ويَشْفُونَ كلّ دَم مُقْصَدِ
يقال حبا فلان فلاناً، وذلك إذا أعطاه وأكرمه ووصله. وإنما يريد بقوله يحابون أختانهم، يعطون
نساءهم مهورهن الحمير. وقوله مقصد، يقول: مقتول، فدياتهم من الحمير، ليست من الإبل كديات
سائر العرب. وإنما يعيّرهم بذلك. يقول: إنما يرعون الحمير ولا مال لهم غيرها.
يَسوفُ مَناقِعَ أبوالهِا ... إذا أقْرَدَتْ غيرَ مُستَقْرد
فما حاجِبٌ في بَني دارِمٍ ... ولا أسرَةُ الأقرَع الأمجد
يريد حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم. قال: والأقرع بن حابس بن عقال بن
محمد بن سفيان بن مجاشع.
ولا آلُ قَيْسٍ بَنو خالِدٍ ... ولا الصيدُ صِيدُ بَني مَرْثَد
стр. 756
قال: يريد قيس بن خالد بن عبد الله ذي الجدين بن عمرو بن الحارث ابن همام بن مرة بن ذهل بن
شيبان. ومرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة.
بِأخْيَلَ مِنْهُمْ إذا زَيّنوا ... بِمَغْرَتِمْ حاجِبَيْ مُؤجَد
قوله بأخيل منهم، يعني بأفخر منهم، يعني من الخيلاء. ومؤجد حمار موثّق يهزأ بهم.
حِمارٌ لهُمْ مِنْ بناتِ الكُداد ... يُدَهِمْجُ بالوَطْبِ والمِزْوِدَ
ويروى حصان. الدهمجة القرمطة في السير. قال: والوطب السقاء الذي يكون فيه اللبن شبه
الزكرة. والمزود للطعام.
يَبيعونَ نَزْوَتَهُ بالوَصيفِ ... وكَوْمَيهِ بالنّاشِئ الأمرَدِ
يقول لكرم نتاجهم في الحمير يبيعون نزوة الحمار بالوصيف.
فهذا سِبابي لكُمْ فاصْبرَوا ... على النّاقِراتِ ولمْ أعتَدِ
يقول فإنما سبابي لكم تعييري بالحمير ولم أعتده إلى غيره. قال: والناقرات يريد المصيبات
المقرطسات من السهام. قال: والقاصرات التي لا تبلغ القرطاس. والعاصدات التي تصيب يمنة
الهدف فيجوزه. قال: والحوابي التي تقرب من القرطاس ولم تصب.
قال أبو عبد الله: سهم حاب لا يجوز إلا ... والحوابي بالباء والياء وهو الذي يحبو نحو القرطاس.
قال أبو عبد الله: يقال تحاتن الراميان إذا تساويا، ولم يكن لأحدهما فضل على الآخر. والحتن المثل.
وقوله أعتدي، يعني أتعدّى
стр. 757
المقرطسات إلى غيرها، وإنما أراد بقوله ما قال من هذا كله من إصابة
القرطاس، أي أقول فلا أخطئ بقولي، وأصيب المعنى ولا أكذب فيما أقول.
إذا ما اجتدَعْتُ أنوفَ اللئِامِ ... عَفَرْتُ الخُدودَ إلى الجَدجَدِ
ويروى جدعت الأنوف على الجدجد. ويروى عفرت المناخر بالجدجد. قوله عفرت الخدود، يقول
جررتها على العفر. قال: والعفر التراب.
قال الأصمعي: ومنه قول العرب "ما على عفر الأرض مثله" يكون مدحاً ويكون هجاء، يريد ما على
تراب الأرض مثله، وذلك إذا تعجبوا من خيره أو شره. قال: والجدجد من الأرض الصلب المستوي.
يَغور بِأعْناقِها الغائرونَ ... ... ويخبِطْنَ نَجْداً معَ المُنجِدِ
ويروى تغور المغار بأعناقها. قوله يغور يذهب بها إلى الغور. قال: والغور تهامة وما اطمأن من
الأرض. وقوله ويخبطن نجداً مع المنجد، يقول: يسرنَ في نجد ليلاً. قال والخبط السير بالليل عن
غير هداية. قال: وإنما قال: ويخبطن، لأنه إذا سار بالليل خبط في مشيه وسيره، فلم يبصر في
مسيره. قال: ونجد، يريد ما ارتفع من الأرض وظهر. والمنجد الرجل السائر إلى نجد. يقال من ذلك
اتهموا وأنجدوا، ولا يقال إلا غاروا.
قال الأصمعي: إلا أنه قد جاء حرف عن العرب، وهو شاذ لا يقاس عليه، وإنما يقاس على الأكثر لا
على الأقل، وهو قولهم في الموسم: أشرق ثبير كيما نغير. أي نسرع الانصراف. وليس هذا من
الغور وأتيانه. والحجة في أغار بيت الأعشى: غار لعمري في البلاد.
стр. 758
ويروى أغار. قال: كانوا يقولون ذلك صبيحة النحر في موقف بجمع. وقولهم أشرق ثبير، أي أشرق
بطلوع الشمس. وهو قول الكميت:
ونحنُ غَداةَ كانَ يُقالُ أشرِقْ ... ثَبيرُ أتى لِدَفعَةِ واقِفينا
قال أبو عبد الله الرواية:
ونحنُ غَداةَ كانَ يُقالُ أشرقْ ... ثَبيرُ أنيَ لِوَقعَةِ دافعينا
يريد بقوله أنى حان ذلك وبلغ إناه - هذا مقصور - وهو من قول الله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.
يريد وقته ومبلغه. قال أبو عبيدة: وذلك أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ
كانوا يدخلون على النبي ﷺ كأنهم يريدون بلوغ غداة النبي قال: وكان النبي -
ﷺ يستحيي منهم أن يقول لهم في ذلك شيئا فأنزل الله تعالى على رسوله - صلى
الله عليه وسلم - يُعلّمهم ويؤدبهم ألا ينتظروا في جلوسهم بلوغ طعامه ﷺ .
وكانَ جريرٌ على قَوْمِهِ ... كَبَكْرِ ثَمودٍ لها الأنْكَد
رَغا رَغْوَةً لِمَناياهُمُ ... فصاروا رَماداً معَ الرّمْدَدِ
كِلابٌ تَعاظَلُ سُودُ الفِقا ... حِ لمْ تحمِ شَيئا ولمْ تَصْطَدِ
قوله تعاظل، يقول تسافد. قال: والمعاظلة سفاد السباع كلها. وقوله سود الفقاح، يقول: هم سود.
стр. 759
وتَرْبُقُ باللومِ أعناقَها ... بِأرْباقِ لُؤمِهِم الأتْلَدِ
ويروى نربط باللؤم. قال: والأتلد بمعنى القديم الذي لم يزل لابائِهم.
إلى مَقْعدٍ كَمَبيتِ الكِلاب ... ... قصيرٍ جَوانبُهُ مُبْلَدِ
قال: وكذلك الكلاب في مبيتها، يجتمع بعضها إلى بعض تستدفئ بالليل، يريد اجتماعهم بالليل.
وقوله مبلد، يقول: لازم للبلد الذي ليس فيه شيء. وقال الأصمعي: قوله مبلد، يقول: ليس بينه وبين
الأرض شيء، إنما هو على بلد الأرض.
يُوارِي كُليبا إذا استَجْمَعَتْ ... ويَعجِزُ عَنْ مجلسِ المُقعَدِ
ويروى إذا جمعت. ويروى يواري كليبا إذا ذنّبت. يقول: دخلت بأعجازِها قبل رءوسها، وهي
مدبرة. قال: وكذلك دخول الكلاب في أمكنتها. والتذنيب أن يرى الضيف، فيزحف، فيدخل البيت
بعجزه، ولا يقوم لئلا يراه الضيف. وأنشد بيت المغيرة بن حبناء يقوله لأخيه:
لحَى اللهُ أدنانا عَنِ الضّيفِ بالقَرى ... وأضعَفَنا عَنْ عِرضِ والدِهِ ذَباً
ويروى وأعجزنا. ويروى لحى الله أدنانا إلى اللوم زلفة.
وأجْدَرَنا أن يَدخُلَ البيتَ بأستهِ ... إذا القُف دَلّى مِنْ مخَارِمهِ ركبا
ويروى إذا الأرض أبدتْ مِن مخارمها.
فأجابه جرير يرد عليه، ويجمع معه البعيث والأخطل:
стр. 760
زارَ الفرزدقُ أهلَ الحِجاز ... فَلمْ يحظَ فيهم ولمْ يحمَدِ
الحجاز ما بين الجُحفة إلى جبلي طي، وإنما سمي حجازاً لأنه حجز ما بين نجد والغور.
وأخزَيتَ قومَكَ عند الحَطيمِ ... وبين البَقيعَين والغَرْقَدِ
ويروى وعند. قال والبقيعان والغرقد بالمدينة. قال: وقد مر حديثه في ذكر المدينة. وهما بقيعان:
بقيع الغرقد، وبقيع الزبير.
وَجَدْنا الفَروزدقَ بالموسمينِ ... خبيثَ المَداخِلِ والمَشهَدِ
نَفاكَ الأغر ابنُ عبد العزيزِ ... بحقّكَ تُنفَى عنِ المسجدِ
هذا يقول للفرزدق، لأن الفرزدق حيث أجّله عمر ثلاثة أيام، ليخرج من المدينة، قال:
أوعَدَني وأجّلَني ثلاثاً ... كما وُعدَتْ لمَهْلكها ثَمودُ
يعني عمر بن عبد العزيز.
وشَبّهْتَ نفسكَ أشقَى ثَمودَ ... فقالوا ضَلِلْتَ ولم تهتَدِ
قوله أشقى ثمود، يعني قُداراً عاقر الناقة.
وقدْ أجلّوا حينَ حَلّ العذابُ ... ثلاثَ ليالٍ إلى المَوعِدِ
وشَبّهْتَ نفسَككَ حُوقَ الحِمارِ ... خَبيثَ الأوارِيّ والمِرْوَدِ
قال: والرواية حوض الحمار. وذلك أن غالباً أبا الفرزدق كان يلقب حوض الحمار.
стр. 761
وَجَدْنا جُبَيراً أبا غالِبٍ ... بَعيدَ القَرابةِ مِنْ مَعْبَدِ
قال: كان جبير قيناً لصعصعة جدّ الفرزدق، فنسب غالباً إليه افتراء عليه. ومعبد بن زرارة بن
عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم.
أتجعلُ ذا الكِيرِ مِنْ مالِكٍ ... وأينَ سُهيلٌ مِنَ الفَرقَدِ
يريد سهيل يمان. والفرقد شآم. ما أبعد ما بينهما، فضرب ذلك مثلاً للبعد.
وعِرقُ الفَرزدقِ شر العُروقِ ... خبيثُ الثّرَى كابيُ الأزنُدِ
وقال: الثرى الذي فيه العروق من الشجر. قال: والكابي من الزناد الذي لا يُورى، فيقال من ذلك كبا
الزند، وصلد إذا لم يور.
وأوصى جبيرٌ إلى غالَبٍ ... وَصيّةَ ذي الرحمِ المُجْهَدِ
فقالَ ارْفُقضنّ بِلّي الكَتيفِ ... وحَكّ المَشاعِبِ بالمِبرَدِ
قوله بلي الكتيف، الكتيف ضباب الحديد، الواحدة كتيفة، وكتائف جمع الجمع.
وجِعْثِنُ حَطّ بِها المِنْقَريُّ ... كَرَجْع يَدِ الفالجِ الأحرَدِ
قوله حط بها، يقول: أتعبها واعتمد عليها. قال: والمنقري عمران بن مرة. قال: والفالج من الإبل له
سنامان. والأحرد الذي في عصب يده يبس، فهو يضرب بها الأرض شديداً.
تَثاءبُ مِن طُولِ ما أبركَتْ ... تَثاؤبَ ذي الرّقْيةِ الأدْرَد
قال: الأدرد الذي ليس في فمه سن، واذا تثاءب كان أسمح له.
فهلاّ ثأرتَ بِبنتِ القُيونِ ... وتَتركُ شَوقاً إلى مَهْدَدِ
стр. 762
وهَلاّ ثأرْتَ بحَلّ النطاقِ ... ودَقّ الخَلاخيلِ والمِعْضَدِ
فأصبحتَ تَقْفُرُ آثارَهُمْ ... ضُحى مشيَةَ الجادِفِ الأعقَدِ
ويروى مشية الحذف الأعقد. قال: وهي ضرب من الغنم صغار الأجسام. والأعقد من الكلاب
الواضع ذنبه على ظهره مثل الحلقة، وهن قصار الأذناب. والجادف الكلب الذي يجدف خطوه يقارب
بينه.
كَليلاً وَجَدتُمْ بَني مِنقَر ... سِلاحَ قَتيلكُمُ المُسنَدِ
قال: المسند المعلق في القوم ليس منهم.
تقولُ نَوارُ فضحْتَ القُيونَ ... فَليتَ الفَرزدقَ لمْ يُولَدِ
وفاز الفرزدق بالكَلْبَتَين ... وعِدْلٍ مِنَ الحُمَمِ الأسودِ
فرقّعْ لجَدّكَ أكْيارَهُ ... وأصْلحْ مَتاعَكَ لا تُفْسِدِ
وأدْنِ العَلاةَ وأدْنِ القَدومَ ... ووَسّعْ لِكيركَ في المَقعَد
العلاة سندان الحداد. ويروى في المُلحد والمَلحَد.
قَرَنْتُ البَعيثَ إلى ذي الصليبِ ... معَ القَينِ في المَرسَ المُحْصَد
وقَدْ قُرِنوا حينَ جَدّ الرِهانُ ... بِسامٍ إلى الأمدِ الأبعدِ
قوله بسام أي مرتفع، يعني نفسه.
يُقطعُ بالجري أنفاسَهم ... بِثَني العِنانِ ولم يجهَدِ
يقول: سبق وهو ثاني العنان، وعنانه في يده لم يملأه كله. وقوله لم يُجهد، يقول: أتى ولم يتعب،
قبل أن يتعب فرسه كان له السبق.
стр. 763
فإنّا أناسُ نحبُ الوَفاء ... حَذارَ الأحاديثِ في المَشهَد
ولا نَحتَبي عندَ عقدِ الجوارِ ... بغير السيوفِ ولا نرتدي
شَدَدْتُم حُباكُمْ على غَدرَةَ ... بجيشانَ والسيفُ لمْ يُغمدِ
ويروى على خزية. قال: جيشان وادي السباع. يقول: غدرتم بالزبير فيه. وقوله لم يغمد، يعني يوم
الجمل.
فلما احتبيتَ وأنتَ الذليلُ ... قَعَدتَ على أستِ امرئ قُعدُدِ
فبُعدا لقومٍ أجاروا الزبير ... وأما الزبير فلا يبعَدِ
أعبْتَ فوارسَ يومِ الغَبيطِ ... وأيام بِشرِ بني مَرثَدِ
ويوماً ببلقاء يا ابنَ القُيونِ ... شَهدنا الطّعانَ ولم تَشهَدِ
فصَبّحنَ أبجَرَ والحَوفَزانَ ... بِوِردْ مُشيحٍ على الذُوّدِ
قال: وقد مرت أخبار هذه الأيام فيما أمليناه من الكتاب. مشيح حاد سريع محاذر.
ويومَ البَحيرَينِ ألحقَنَنا ... لهُنّ أخاديدُ في القَرْدَدِ
نُعِضُ السيوفَ بهِام المُلوكِ ... ونَشفِي الطّماحَ منَ الأصيدِ
قال: الأصيد الرجل المميل رأسه المتكبر، شبهه بالأصيد من الإبل، وهو الذي يصيبه داء فيرفع
رأسه لذلك. يقول: نضرب رأسه فيقيمه لنا ذُلاّ ورجوعاً إلى الحق.
стр. 764
قال أبو عثمان، وقال أبو عبيدة: كانت النوار بنت أعين بن ضبيعة بن ناجية بن عقال، جعلت
الفرزدق جريّها، أن يُنكحها رجلا كان خطبها. قال: فأشهد عليها بالجراية مُبهماً في تزويجها. قال:
فجاء الخاطب والشهود فخطبها، وأجابه الفرزدق، حتى إذا انتهى إلى موضع الإنكاح، مال إلى نفسه
فتزوجها على عدة ما ذكر الخاطب من المهر. قال: وتفرّق القوم، وأتيت المرأة بالخبر، فأبت وقالت:
ما أنا له بزوجة، إنما أذنت له في تزويجي هذا الرجل فغدر. ولجأت إلى بني قيس بن عاصم، فقال
الفرزدق في ذلك:
بَني عاصِمٍ لا تُلجِئُوها فإنّكُمْ ... مَلاجئ للسّواءات دُسمُ العَمائِمِ
بَني عاصِمِ لو كانَ حَيّا لَدَيكُمُ ... لَلامَ بَنيهِ اليومَ قيسُ بنُ عاصِم
قال: فقالوا للفرزدق لئن زدتَ لنقتلنك. فنافرته إلى عبد الله بن الزبير بمكة. قال: وكان لها ولد من
رجل قبل ذلك، فقالت بيني وبينك ابن الزبير، وطلبت الكراء، فتحاماها الناس، فأكراها رجل من بني
عدي فقال الفرزدق في ذلك:
ولولا أن يقولَ بَنو عَديّ ... أليستْ أمّ حنظلَةَ النّوارُ
أي لولا أن النوار - وهي بنت جل بن عدي من جدات الفرزدق - ولدتكم لهجوتكم.
إذا لأتى بَني مِلكانَ مِنّي ... قَواذِفُ لا تُقَسّمُها التّجارُ
стр. 765
قال: والملكاني الذي شخص بها وقال الفرزدق:
ولولا أنّ أمي مِنْ عَديّ ... وأنيّ كارِهٌ سُخطَ الرّبابِ
إذا لأتَى الدّواهي مِنْ قريبٍ ... بِخزي غيرْ مَصروِف العِقابِ
وقال الفرزدق، يعني الملكاني الذي شخص بها:
سرى بِنَوارٍ عَوْهَجِيّ يَسوقُهُ ... عُبيدٌ قَصيرُ الشّبرِ نائي الأقاربِ
تَؤمٌ بِلادَ الأمنِ دائبةَ السُرى ... إلى خيرِ وال من لُؤي بنِ غالِب
فدونَكَ عِرسي تبتَغي نَقْضَ عُهدتي ... وإبطالَ حقّي بالمُنى والأكاذِبِ
قال: وكان بنو أمّ النُسير تجنبوها، فقال لهم في ذلك:
لَعَمري لقدْ أردَى نَوارَ وساقَها ... إلى الغَورِ أحلامٌ خِفافٌ عُقولهُا
مُعارضَةَ الرُكبانِ في شَهر ناجِرٍ ... على قَتَبٍ يعلو الفَلاةَ دَليلُها
وما خِفْتُها إذْ أنْكَحَتني وأشهدَتْ ... على نفسِها أنْ تَنْتَحيني غُلولهُا
قال أبو عبد الله: ويروى أن تبجس غُولها.
أطاعَتْ بني أمّ النُسيرْ فأصبحتْ ... على شارِف ورقاء صعبٍ ذَلولها
وقدْ سَخطَتْ مني نَوارُ الذي ارتضى ... بهِ قَبلَها الأزواجُ خابَ رَجيلُها
وإنّ أميرَ المؤمنينَ لَعالمِم ... بِتَأويلِ ما وصّى العِبادَ رَسولهُا
أي ما أوصى النبي ﷺ من التزويج: "فإني مُكاثِرٌ بكم الأممَ".
стр. 766
فدونَكَها يا ابنَ الزبيرْ فإنها ... مُوَلّعةٌ يُوهِي الحجارَةَ قيلُها
وما خاصَمَ الأقوامَ من ذي خُصومَة ... كَوَرهاء مشْنوء إليها حَليلُها
تَراها إذا التَجّ الخُصومُ كأنما ... ترى رُفقَةً مِنْ ساعةٍ تَسْتَحيلُها
يقول: هي طامحة الطرف عن زوجها، لا تنظر إليه من بغضة، كأنها تنظر إلى رُفقة من مكان
بعيد. وقال الفرزدق:
هَلُمّ إلى ابْنِ عَمّكِ لا تَكوني ... كمُخْتارٍ على الفَرَس الحِمارا
قال أبو عبيدة: فتجاولا زُميناً، لا يُفصل بينهما، وانقطعت إلى امرأة ابن الزبير، بنت منظور بن
زبّان الفزاري، وانقطع هو إلى حمزة بن عبد الله بن الزبير، وقال له:
أمسَيتُ قَدْ نَزَلتْ بِحَمزَةَ حاجتي ... إنّ المُنَوّهَ باسمِهِ المَوثوقُ
قال أبو عبد الله: ويروى أصبحت قد نزلت. فلم يصنع في حاجته شيئاً. قال:
أمّا بَنوهُ فلَمْ تُقبلْ شَفاعَتُهمْ ... وشُفّعَتْ بنتُ منظورِ بنِ زَبّانا
ليسَ الشفيعُ الذي يأتيكَ مؤتزِراً ... مثلَ الشفيع الذي يأتيكَ عُريانا
ثم قال لابن الزبير:
تخُاصِمُني النّوارُ وغابَ فيها ... كَرَأس الضّبّ يلتمسُ الجَرادا
стр. 767
فقال له ابن الزبير:
ألا تِلْكُمُ عرْسُ الفرزدقِ جامحِاً ... ولوْ رَضيَتْ رَمحَ أستِهِ لاستَقَرّتِ
قال: فلم يزل بها حتى واقعها، وأقبلت من مكة حبلى، وكانت تُشارهُ، فأراد أن يغيظها، فتزوج عليها
غير واحدة. فتزوج عليها حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد
الله بن عمرو بن الحارث بن همام بن مرة بن ذُهل بن شيبان. وولد قيس بن مسعود بساطما وبشراً،
وهو السليل، وعمراً، وهو الأحوص، وبجاداً. وولد بسطام بن قيس الأحوص، وزيقاً، وفريصاً،
وفروة، بني بسطام. فحدراء بنت زيق بن بسطام، والأحوص أخوها. والأحوص الكبير عمها.
فتزوجها الفرزدق على، مائة من الإبل.
قال أبو عبيدة: قال جهم: فقالت للفرزدق النوار: ويلك تزوجت أعرابية دقيقة الساقين، تبول على
عقبيها على مائة بعير. فقال الفرزدق: يفضلها عليها ويعيرها بأمها، وكانت أمَة:
لجاريَةٌ بين السليلِ عُروقُها ... وبَين أبي الصّهباء مِنْ آل خالِدِ
قوله أبي الصهباء، يعني بسطاما. والسليل بن قيس أخو بسطام بن قيس.
أحَقٌ بِإغلاء المُهورِ مِنَ التي ... رَبَتْ وهيَ تَنزو في جُحورِ الوَلائِد
وقال الفرزدق أيضاً:
لو أنّ حَدراء تجزيني كما زَعَمتْ ... أنْ سوفَ تفعلُ مِنْ بذْلٍ وإكرامِ
لَكنتُ أطوَعَ مِنْ ذي حَلْقَة جُعلتْ ... في الأنفِ ذَلَّ بتقواد وتَرسامِ
стр. 768
عَقيلَةُ مِنْ بني شَيبانَ تَرفعُها ... دَعائمُ للعُلى مِنْ آلِ همّامِ
مِنْ آلِ مُرّة بَين المُستضاء بهِمْ ... مِنْ بين صِيد مَصاليت وحُكامِ
بينْ الأحاوصِ مِنْ كَلبٍ مُرَكّبها ... وبين قيسِ بنِ مسعودٍ وبِسطامِ
وقال الفرزدق أيضاً:
لَعَمري لأعرابيةٌ في مِظلّة ... تظلّ بَروقَيْ بَيتها الريحُ تخفقُ
كَأمّ غَزالٍ أو كَدُرّة غائص ... إذا ما بَدَتْ مثلَ الغَمامةِ تُشرقُ
أحَبُّ إلينا مِنْ ضِناك ضِفنّة ... إذا رُفعَتْ عنها المَراوِحُ تَعرقُ
كَبطّيخَة الزّرّاع يُعجبُ لَونُها ... صحيحاً ويبدو داؤها حينَ تُفلَقُ
ويروى إذا وضعت عنها المراوح. فأجابه الباهلي:
أعوذُ باللهِ مِنْ غُولٍ مُغَولةٍ ... كأنّ حافِرَها في حَدّ ظُنْبوبِ
ورُكْبتاها سلاحٌ ما يقومُ لها ... إلا الشياطينُ في تلكَ الأعاريبِ
تَستروِحُ الشاةَ مِنْ ميلٍ إذا ذُبحتْ ... حُبّ اللّحامِ كما يستروحُ الذّيبُ
قال: فلما سمعت النوار بعثت إلى جرير، وقالت للفرزدق: أما والله لأخزينّك يا فاسق، فجاءها
جرير، فقالت له: ألا ترى ما قال لي الفاسق؟ وشكت إليه ما قال لها، فقال لها جرير أنا أكفيكه. فقال
جرير:
ألستُ بمُعطِي الحُكمِ عَنْ شِفّ مَنصبٍ ... ولا عَنْ بناتِ الحَنظَليّينَ راغِبُ
стр. 769
ويروى ولا أنا معطي الحكم عن شف منصب. قال: والشف هاهنا النقصان، وقد يكون الشق الفضل
أيضاً. يقال: هذا أشف من هذا، وهذا يشف على هذا، أي يزيد عليه. وقال أبو عثمان: أنشدني أبو
عبيدة:
بَني يَثربي حَصّنوا أينُقاتكُم ... وأفراسكُمْ عنْ نَزو أحمرَ مُسهَمِ
ولا أعرفَنْ ذا الشّقّ يطلبُ شفّهُ ... يُداويِهِ مِنكُمْ بالأديمِ المُسَلّمِ
قوله حصنوا أينقاتكم وأفراسكم، يعني بناتكم وقرائبكم. عن نزو أحمر، عن برذون، ليس بعربي.
وقوله مسهم بعني يجعل له سهم في الغزو. وقوله يداويه منكم بالأديم المسلم، يقول: يُصحح عيب
نسبه وأديمه بأديمكم الصحيح المسلم إذا انكحتموه.
قال أبو عبد الله: يقال أسهم له إذا جعل له سهماً، وسهمه إذا خرج سهمه على سهمه، فكانت له
الغلبة.
وقوله ذا الشف، قد قال النابغة الجعدي في الشف إذا كان فضلا:
فاستَوتْ لِهْزِمَتا خَدّيهِما ... وجرى الشّفّ سواء فاعْتَدَلْ
قال: والشف هاهنا فضل ما بين الحمار والفرس. قال: جرى الفرس حتى لحق بالحمار، فاستويا
فطعنه الغلام.
أراهُنّ ماءَ المُزن يُشفى بِهِ الصدَى ... وكانتْ مِلاحاً غَيرهُنّ المَشارِبُ
قوله أراهن، يعني بنات الحنظليين. والصدى العطش. يقول أرى المشارب إلا إياهن، فضربهن مثلا
للمشارب.
стр. 770
لقدْ كنتَ أهلا إذْ تَسوقُ دِياتكُمْ ... إلى آل زيقٍ أنْ يَعيبَكَ عائِبُ
قال أبو عبد الله: ويروى أن تسوق. وهو أجود في المعنى. وقوله إذ تسوق دياتكم، يريد المائة من
الإبل التي ساقها الفرزدق إليهم.
وما عَدَلَتْ ذاتُ الصّليبِ ظَعينَةً ... عُتَيبَةُ والرّدفان مِنها وحاجِبُ
قوله ذات الصليب، يريد حدراء. وذلك أن أجدادها كانوا نصارى فعيّره بذلك. وقوله ظعينة، يريد
امرأة. قال وأصل الظعينة المرأة تكون على البعير. قال: ثم استعملت العرب الظعينة، حتى صيّروا
المرأة ظعينة بغير بعير، والأصل في ذلك ما خبرتك. وقوله عتيبة، يريد عتيبة بن الحارث بن
شهاب بن عبد قيس بن كُباس بن جعفر بن ثعلبة ابن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن
تميم، وقد رأس، وكان فارس مضر في زمانه. وحاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله ابن
دارم. وقوله والردفان، عتّاب بن هرمي بن رياح بن يربوع، وعوف بن هرمي. قال: والردف الذي
يُربض للملك، فيكون القائم بعد الملك، فهو الردف عند العرب في الجاهلية. قال أبو جعفر: والردف
الذي يردف الملك، يعادله في ركوبه، ويجلس في مجلسه.
ألا رُبما لم نُعطِ زِيفاً بحُكمِهِ ... وأدّى إلينا الحُكمَ والغُلُ لازِبُ
قوله والغل لازب، يعني لازماً. ولازب ولازم سواء بمعنى واحد. والعرب تقول ضربة لازب
ولازم، بمعنى واحد، كذلك كلام العرب.
حَوَينا أبا زِيقٍ وزِيقاً وعَمّهُ ... وجَدّةُ زيقٍ قدْ حَوَتها المَقانبُ
قوله حوينا، يريد أخذنا فصار في أيدينا. قال: وأبو زيق، أسره عتيبة ابن الحارث، وأسر زيقاً
وحلف أن لا يطلقه حتى يأتيه بكل ما أورثه قيس بن مسعود: قال: وجدّةُ زيق أم بسطام، وهي ليلى بنت
стр. 771
الأحوص الكلبي. قال: فأتته أم بسطام بثلثمائة بعير، فقبضها عتيبة وجزّ ناصيته وخلّى سبيله.
قال أبو جعفر: إنما كان بسطام عاب على عتيبة مركب أمّه، فحلف أن لا يطلقه حتى يأتيه بمركب
أمّه مع الفداء الذي فارقه عليه. قال سعدان: وعم زيق، السليل بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد
بن ذي الجدين. أسره قيس بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم، في يوم جوف دار. قال
وهي أرض هجر - قال أبو عبد الله: جوف وبال وهي أرض هجر - قال: وفي هذا اليوم يقول
نهشل بن حرّي بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم:
وقاظَ ابنُ ذي الجدَّين وسْطَ قبابِنا ... وكرْشاء في الأغلالِ والحَلَقِ السُمْرِ
قوله كرشاء، هو كرشاء بن المزدلف، وهو عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، أسره في هذا
اليوم المُجشر بن أبي بن ضمرة بن جابر ابن قطن بن نهشل.
ألمْ تعرِفوا يا آلَ زيقٍ فوارسي ... إذا اغبرّ مِنْ كَرّ الطّرادِ الحَواجِب
حَوَتْ هانئا يومَ الغَبيطَينْ خَيلُنا ... وأدرَكنَ بِسطاماً وهُنّ شَوازبُ
شوازب ضوامر. قال: وهانيء بن قبيصة الشيباني، أسره وديعة بن مرثد، من بني أزنم بن عبيد
بن ثعلبة بن يربوع. وقال اليربوعي: ناصية هانيء اليوم عند رجل من بني مازن، يقال له عطّاف
بن زهير الرزامي - وقال أبو عبد الله: لا أحفظ هذا الاسم.
صَبَحْناهُمُ جُرداً كأنّ غُبارَها ... شَابيبُ صَيفٍ يَزدَهيهِنّ حاصِبُ
قوله يزدهيهن، يعني يستخفهن فيذهب بهن. والحاصب الرياح
стр. 772
الشديدة الهبوب، تحمل الحصباء من شدة هبوبها، وفيها تراب وحصى لشدة هبوبها.
بِكُلّ رُديني تَطارَدَ مَتْنُهُ ... كما اخْتَبّ سيدُ بالمَراضَين لاغِبُ
أي صبحناهم هذا وهذا. وقوله بكل رديني هو رمح نسبه إلى ردينة. قال الأصمعي وردينة امرأة
كانت بالبحرين، ثثقف الرماح في الجاهلية معروفة بالفراهة. وقوله تطارد متنه، يعني يهتز إذا هُز.
وقوله كما اختب، هو افتعل من الخبب.
وحدثنا أبو عثمان سعدان بن المبارك، قال: سألت أبا عبيدة عن قوله بالمراضين. قال: هو موضع
معروف، وهو من أرض المدينة، بينه وبينها مسيرة يومين. وقوله لاغب، يعني معيباً وهو من قول
الله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ أي إعياء. قال أبو عثمان، فقلت لأبي عبيدة: هو من المدينة على
يومين منها. فقال إذا كان من عملها، وإن كان على يومين أو ثلاثة أيام فهو منها.
جزَى اللهُ زِيقاً وابنَ زيقٍ مَلامةً ... على أنني في وُدّ شَيبانَ راغِبُ
أأهدَيتَ يا زِيقَ بنَ زِيق غَريبَةً ... إلى شر ما تهدَي إليهِ الغَرائِبُ
ويروى وأنكحت يا. وإلى سر ما. وقوله غريبة، يقول: هي من ربيعة، ليست من تميم، فصيرها
غريبة لذلك.
فأمثَلُ ما في صِهْرِكُمْ أنّ صِهْركُمْ ... مجُيدٌ لكم ليّ الكَتيفِ وشاعِبُ
قال: الكتيفة الضبة من الحديد يُخبر أنه حداد.
عَرَفناكَ مِنْ حوضِ الحمارِ لزِنْيَة ... وكانَ لِضَمّاتٍ مِنَ القَين غالِبُ
بَني مالِكِ أدّوا إلى القَين حَقّهُ ... وللقَينْ حقٌّ في الفرزدقِ واجِبُ
стр. 773
أثائِرَة حَدراء مَنْ جُرّ بالنّقا ... وهل في بَني حَدراء للوِتر غالِب
النقا يريد الموضع الذي قُتل به بسطام، يقال له نقا الحسنين. قال أبو عبد الله: لا أعرف إلا نقا
الحسن. ويروى وهل فيك يا حدراء.
أتَثْأرُ بِسطاماً إذا ابْتلّتِ استُها ... وقَدْ بَولّتْ في مِسمَعَيهِ الثّعالِبُ
يعني بسطام بن قيس، قتله عاصم بن خليقة الضبي.
ذَكَرتَ بَناتِ الشمسِ والشمسُ لمْ تَلد ... وأيهاتَ مِنْ حُوقِ الحِمارِ الكواكبُ
ولوْ كُنتَ حُراً كانَ عشرٌ سَياقَةً ... إلى آلِ زِيقٍ والوصيفُ المُقاربُِ
قوله المقارب، يعني الدون. يقول: ما أقربه من الجيد.
فأجابه الفرزدق فقال:.
تقولُ كُليبٌ حينَ مَثّتْ سِبالهُا ... وأخْصَبَ مِنْ مَرّوِتها كُلُّ جانِبِ
مَثّت سالت من الدسم والخصب، كأنها دهنت بالشحم. ويقال مثّت يعني رشحت دسماً، وذلك من
كثرة شرب اللبن، كما يمثّ نحي السمن إذا روي وظهر منه السمن. يقال: قد مثّ يمث مثّا.
لِسُؤبْان أغنام رَعَتْهُنّ أمُهُ ... إلى أنْ عَلاها الشيبُ فوقَ الذّوائبِ
قوله لسؤبان، قال الأصمعي، وأبو عبيدة، جميعاً: السؤبان الرجل المصلح الحسن القيام على المال،
فيقال من ذلك سؤبان مال، وخال مال، وآئل مال، وخائل مال، وسرسور مال، وصدى مال، وعسل
стр. 774
مال، وعائس مال، وإزاء مال، وصصية مال، وعائل مال، كله بمعنى واحد، وذلك إذا كان الرجل
مصلحاً له بحسن القيام عليه. وقال حميد بن ثور الهلالي في إزاء، يصف امرأة بحسن التأني
للمعاش:.
إزاء مَعاشٍ لا تحلُّ نِطاقَها مِنَ الكيسِ فيها سُؤرةٌ وهيَ قاعِدُ
ويروى سورة. ويروى لا يزول نطاقها. أي لا تحله البتة من الخدمة. وقوله فيها سؤرة، يقول هذه
المرأة فيها فضل من قوة، وفيها بقية لإصلاح معاشها. وهي قاعد يقول: هي قاعد عن الزوج، ليست
بنافقة للأزواج. وقال الجعدي في خائل مال:
حلاّ بِأبْلِيّ وراحَ عليهما ... نَعَمُ القَطينِ وعازِبُ الخُوّال
أبلي اسم واد. والقطين التباع والحشم. قال: والخوّال، هاهنا، هم المصلحون للمال، يقال للواحد
خائل، وخوّال للجميع.
ألَستَ إذا القَعساء أنسَلَ ظَهرُها ... إلى آل بِسطامِ بنِ قيسٍ بِخاطِبِ
قال: والقعساء من النساء الداخلة الصلب، العظيمة البطن. وإنما عنى، ها هنا، أتاناً. وهي في غير
هذا الموضع، امرأة على هذه الصفة من دخول صُلبها وعظَمِ بطنها.
وقوله أنسل ظهرها، يقول: طرّت فسقط وبرها القديم، ونبت وبر جديد، وذلك لسمنها.
لَقُوا ابنَي جِعالٍ والجِحاشُ كأنها ... لهُمْ ثُكَنٌ والقَومُ مِيُل العَصائِبِ
قال: ابنا جعال، عطية وأخوه من بني غُدانة بن يربوع. وقوله ثكن،
стр. 775
يعني جماعات، الواحدة ثكنة. ميل العصائب، يعني العمائم من شدة التعب والسير.
فقالا لهُمْ ما بالُكم في بَرادِكُمْ ... أمِنْ فَزَعٍ أمْ حَولَ رَيّانَ لاعَبِ
قوله في برادكم، البُردة، هاهنا، كساء يُزيّن بالعهن، وهو الصوف المصبوغ ألواناً، واحدها عِهن،
وجميعها عُهون. والبَراد جمع بُردة، وهي أكسية من شعر الأعراب، يأتزرون بها. فقال لبني كليب:
ما بالُكم في برادكم كالفزعين؟ أمن فزع هذا، أم أنتم حول ريّان، أي سكران، يلعب فتزفنون معه؟.
فقالوا سَمِعنا أنّ حَدراء زُوّجَتْ ... على مائَة شُمّ الذّرى والغَوارِبِ
قوله شم الذرى، يعني طوال الأسمنة، قال الأصمعي: ذُروة كل شيء أعلاه. والغوارب جمع غارب،
وهو ما اضطمت عليه الكتفان، وهو مقدّم السنام يلي العنق.
وفينا مِنَ المِعزَى تِلادٌ كَأنها ... ظَفاريّة الجَزع الذي في الترائِبِ
قوله تلاد، التلاد ما كان لآبائهم قديماً. قال والطارف، الذي اتخذوه واستطرفوه. وقوله ظفارية
الجزع، يعني جزع ظفار. وظفار باليمن. قال وفي مثل للعرب "من دخلَ ظفار حمّر" يعني تكلم
بالحميرية. فقال: إن المعزى سود وبُلق. قال: وكذلك الجزع أسود في بياض. والترائب واحدتها
تربية، وهو موضع طرف القلادة من الصدر. والمعنى، يقول: إنها لحسان في أعينهم كالجزع الذي
يُلبس على الترائب - أي المخانق - من حسنها، أي خرجوا يعجبون من إبل تُعطى غيرهم – يعني
نفسه - أي خرجوا يعجبون من ابل تُساقُ في مهر حَدراء.
بهِنّ نَكَحنا غالياتِ نسائِنا ... وكُلُ دَم مِنّا عَلَيهنّ واجِبِ
قوله بهن نكحنا، يريد تزوجنا وحقنّا بهنّ أيضاً الدماء.
следующие страницы →