Полный текст (970 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الأحزة جمع حزيز وهو ما غلُظ من الأرض وانقاد، وظهر البصرة يسمى الحزيز وحوران من عمل
دمشق. والسريح النعال، واحدتها سريحة. والمخدم المشدود إلى أرساغها بالسيور الخدام.
وأُدني وسَادي مِنْ ذِراعِ شِمِلَّةٍ ... وأترُكَ عَاجاً قد علِمتِ ومعصَمَا
الشملة الخفيفة. والعاج أسورة من عاج، ومن ذبل، ومن قرون، يقال لها: المسك أيضاً.
وعَاوٍ عَوى من غيرِ شَيئٍ رَمَيتُهُ ... بِقَارِعَةٍ أنَفَاذُهَا تَقطُرُ الدَّمَا
أنفاذها جماعة نفذ، ورويَ إنفاذُها، وإنفاذها مصدر، وروى أبو عبيدة أقطارُها تقطر الدما.
وإني لقَوالٌ لكلِّ غَريبةَ ... ورُودٍ إذا السَّارِي بَلَيلٍ تَرَنَّما
الغريبة من الشعر التي لم يُقل مثلها. والورود التي ترد البلدان على أفواه من يتغنى بها إذا سار ليله
كما قال الفرزدق:
تَغنَّى يا جريرُ لغيرِ شيءٍ ... وقد ذهبَ القصائدُ للرُّواةِ
فكيفَ ترُدُّ ما بعُمانَ منها ... وما بجبالِ مصرَ مُشَهَّراتِ
وكما قال الأعشى:
به تُنفَضُ الأحلاسُ في كلِّ منزلٍ ... وتُعقَدُ أطرافُ الحبالِ وتُطلَقُ
خَروجٍ بأفواهِ الرُّواةِ كأنها ... قَرى هُندُوانِيٍّ إذا هُزَّ صَمَّمَا
стр. 72
قرى كل شيء متنه، وتصميم السيف مضيه في ضريبته. سيف مطبق إذا وقع في المفصل.
والمصمم الذي يقطع العظام وغيرها من السلاح، والسراط كذلك، والسقاط الذي يقطع الضريبة
ويسقط من ورائها، وأنشد للنمر بن تولب:
تظلُّ تحفِرُ عنهُ إن ضَربتَ به ... بعدَ الذراعينِ والساقين والهادي
خروج ماضية، يعني ما قال فيه من الشعر، والرواة حملة الشعر، الواحد راوية وهو مأخوذ من
الرواية، وهو ما استُقي عليه من جمل أو غيره، والقرى الظهر، وهندواني سيف منسوب إلى الهند،
وصمم مضى في العظم.
فانِّي لهاجيهِم بكلِّ غريبة ... شَرُودٍ إذا الساري بلَيلٍ تَرَنَّما
غرائبَ أُلاَّفاً إذا حانَ وردُهَا ... أخَذنَ طريقاً للقصائدِ مَعلَمَا
لعمري لقد جَارَى دَعيُّ مجاشع ... عَذُوماً على طول المُجارَاة مرجَمَا
عذوما عضوضاً. مرجما يرجم الأرض بنفسه رجماً شديداً، أي يضربها ضرباً.
فأينَ بَنو القعقاعِ عَن ذَودِ فَرتَنَا ... وعن أصلِ ذاكَ القِنِّ أن يُتَقَسَّمَا
يعني القعقاع بن معبد بن زرارة، كانت أم البعيث أمَة له، واسمها وردة، من سبي إصبهان اشتراها
منه، أو وهبها له بشر بن خالد، فولدت البعيث، وكل أمَة عند العرب فهي تُدعى فرتنا، والقن ابن
العبد والأمة، وقوله أن يُتقسما المعنى: أين
стр. 73
هم عنه أن لا يتقسموه فإنه هو عبد لهم.
فتؤخذَ مَن عندِ البعَيثِ ضَريبَةٌ ... ويُترَكَ نَسَّاجاً بدَارِينَ مُسلَمَا
أرى سَوءةً فَخرَ البَعيث وأمُّهُ ... تُعَارِضُ خالَيه يَسَاراً ومُقسَمَا
يبَينُ إذا ألقى العمَامَةَ لُؤمُهُ ... وتعرفُ وجهَ العَبد حينَ تَعَمَّما
فهلاَّ سَألتَ الناسَ إن كُنتَ جاهلاً ... بأيّامِنَا يا ابنِ الضَّروُطِ فتَعلَمَا
ورِثْنَا ذُرى عِزٍّ وتُلقَى طريقَنَا ... إلى المجدِ عَادِيَّ الموَارِدِ مَعلَمَا
ويروى نحوط حمى مجد وتُلقى، الموارد الطرق واحدها مورد، عادي قديم، معلم ظاهر، والمجد
الشرف، ويقال في مثل: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار. يضرب مثلاً للرجل، يخبر
بفضله، ثم يُبر عن غيره أنه أفضل منه.
وما كانَ ذُو شَغبٍ يُمارِسُ عيصَنَا ... فينظُرَ في كَفَّيه إلا تَنَدَّما
العيص الشجر الملتف، وقوله فينظر في كفيه. يقول: إذا تعيّف فنظر في يديه علم أنه لاقٍ شراً.
سَأحمَدُ يَربوعاً على أنّ وردَهَا ... إذا ذيدَ لم يُحبَس وإن ذادَ حَكَّمَا
الورد هاهنا الجيش، شبهه بالورد من الإبل، والورد الإبل بعينها، والورد الماء والورد الحمّى،
والورد العطش، والورد الجزء من الليل يكون على الرجل يُصلّيه ويقرؤه وأنشد:
ظلَّت تَخفَّقُ أحشائي على كبدي ... كأنني من حِذارِ البَينِ مورُودُ
стр. 74
وذيد حبس، يقول: إذا دُفع لم يندفع، وإذ ذاد هو منع، والتحكيم المنع، والحاكم من هذا أُخذ لأنه يمنع
الناس من الظلم، وكذلك حكمة اللجام، لأنها تمنع من غرب الدابة، ويقال قد حكم الرجل إذا انتهى
وكف. قال المرقّش:
يأتي الشبابُ الأقورِينَ ولا ... تَغبِط أخاكَ أن يُقالَ حَكَم
مَصَاليتُ يومَ الرَّوعِ تَلقى عصيَّنَا ... سُرَيجيَّةً يَخلينَ ساقاً ومَعصَمَا
مصاليت ماضون، واحدهم مصلات، والسريجية نسبها إلى بني سريج من بني معرض بن عمرو
بن أسد بن خزيمة، وكانوا قيونا. ويخلين يقطعن كما يُخلى البقل.
وإنّا لقَوَّالُونَ للخَيلِ أقدَمي ... إذا لم يَحِدْ وغُل الفوارِسَ مُقدَمَا
الوغل الضعيف، والوغل دخول الرجل على القوم يأكلون ويشربون، ليس منهم، فيأكل معهم من
غير أن يُدعى. وقال عمرو بن قميئة:
إنْ أكُ مِسكيراً فلا أشربُ ال ... وَغْلَ ولا يسلَمُ مني البعير
والواغل الطفيلي وهو الراشن، والوغل ما جلّ في الغربال عن دقة.
ومَنَّا الذي ناجى فَلم يُخزِ قَومَهُ ... بأمرٍ قويٍّ مُحرزا والمُثلَّمَا
المناجي عميرة بن طارق، والمناجيان البرجميان اللذان ناجاهما عميرة، حين أراد أبجر أن يغزو
بني يربوع، وهو يوم بلقاء،
стр. 75
ويوم صمد، ويوم أود، ويوم ذي طلوح.
ويومَ أبي قابُوسَ لم نُعطِهِ المُنى ... ولكن صَدَعْنَا البْيَضَ حتى تَهزَّمَا
خبرُ يومِ ذاتِ كهفٍ ويومِ طخفَةَ
وكان من حديثه أنه لما هلك عتّاب بن هرمي بن رياح بن يربوع، وكانت الردافة له وكان الملك إذا
ركب ردف وراءه، وإذا نزل جلس عن يمينه فتُصرّف إليه كأس الملك إذا شرب، وله ربع غنيمة
الملك من كل غزوة يغزو، وله إتاوة على كل من في طاعة الملك فنشأ له ابن يقال له عوف بن
عتاب، فقال حاجب بن زرارة: إن الردافة لا تصلح لهذا الغلام لحداثة سنه، فاجعلها لرجل كهل. قال:
ومن هو؟ قال: الحارث ابن بيبة المجاشعي فدعا الملك بني يربوع، فقال: يا بني يربوع، إن الردافة
كانت لعتّاب وقد هلك، وابنه هذا لم يبلغ فأعقبوا إخوتكم، فإني أريد أن أجعلها للحارث بن بيبة.
فقالت بنو يربوع: إنه لا حاجة لأخوتنا فيها، ولكن حسدونا مكاننا من الملك، وعوف بن عتّاب على
حداثة سنه، أحرى للردافة من الحارث بن بيبة، ولن نفعل ولا ندعها، قال: فإن لم تدعوها فأذنوا
بحرب. قالوا: دعنا نسر عنك ثلاثاً ثم آذنّا بحرب. فسارت بنو يربوع ذاهبة عن الملك، ومعها
برجمة من البراجم، والملك يومئذ المنذر بن ماء السماء، فخرجت بنو يربوع حتى نزلوا شعباً بطخفة
فدخلوا فيه هم وعيالهم - فجعلوا العيال في أعلاه، والمال في أسفله. وهو شِعب حصين له مدخل
كالباب. فلما مضى له ثلاث ليال، أرسل في أثرهم قابوس ابنه، وحسّاناً أخاه في جيش كثير من أفناء
الناس، واحتبس عنده شهاب بن عبد قيس بن كُباس بن
стр. 76
جعفر بن ثعلبة بن يربوع، وحاجب بن
زرارة، فلما مضى للجيش ثلاث، دعاهما الملك. وكانت الملوك تعطى العرب على حسن ظنونهم؛
والكلام الحسن، تُستقبل به الملوك. فقال لحاجب بن زرارة: يا حاجب، قد سهرت الليلة، فأرسلت
إليك لتحدثني أنت وشهاب، وأرسل إلى شهاب أيضاً، فقال لشهاب: ما ظنك بالجيش؟ فقال شهاب:
ظني أنك قد أرسلت جيشاً مختلف الأهواء، وإن كثروا، إلى قوم عند نسائهم وأموالهم، يدهم واحدة،
وهواهم واحد، يقاتلون فيُصدقون، فظني أن سوف يظفرون بجيشك، ويأسرون ابنك وأخاك. فقال
حاجب: أنت قد اهترت - أي كبرت - فقال شهاب: أنت أكذب. فتراهن هو وحاجب على مائة لمائة
من الإبل. وكان لشهاب رئي من الجن مغضباً، فانتبه من الليل وهو يقول:
أنا بَشيرُ نفسية ... نَفَّرتُ حاجباً مِيَهْ
فرددها مراراً، فسمعها الملك، فقال لحاجب: ما يقول هذا؟ قال يُهجر. قال: لا والله ما أُهجر، ولكن
جيشك قد هزم، وأُسر ابنك وأخوك، وآية ذلك أن يُصبّحك راكب بعيراً، جاعلاً أعلى رمحه أسفله
يُخبرك بذاك. وانطلق الجيش، حتى أتوا الشعب، فدخلوا فيه، حتى إذا كانوا في متضايقه حملت
عليهم بنو يربوع النعم، وخرجت الفرسان
стр. 77
من شعابه، فقعقوا بالسلاح للنعم فذعرها ذلك، وحُمل على
الجيش فردوا وجوههم، واتبّعتهم خيل بني يربوع، تقتل وتطعن، فأدرك طارق بن ديسق بن حصبة
بن أزنم قابوس بن المنذر، فاعتنقه وضرب طارق فرس قابوس بالسيف على وجهها، فأطن جحفلتها،
ومضى حتى ذبحها، واحتطّه عن السرج. وشد عمرو بن جوين بن أهيب بن حميري بن رياح على
حسان أخي المنذر فأسره وهُزم الجيش، وأُخذت الأنهاب، وقُتل يومئذ أبو مندوسة المجاشعي لا يُدرى
من قتله. فصبّح الملك تلك الغداة التي قال في ليلتها شهاب. رجل انهزم من أول الجيش، على بعير،
فأخبره ما قال له شهاب لم يخرم منه شيئاً. فدعا شهاباً، فقال: يا شهاب: أدرك ابني وأخي، فإن
أدركتهما حيّين فلبني يربوع حكمهم، وأرد عليهم ردافتهم، وأُهدر عنهم ما قتلوا، وأهنئهم ما غنموا
وأحمل لهم من قُتل منهم، فأعطيهم بها ألفي بعير. فخرج شهاب، فوجد الرجلين حيين، قد جُزّت
ناصية قابوس جزّها طارق، فقال قابوس لطارق: إن الملوك لا تُجزّ نواصيها. قال: قد قال ذاك ابن
المتمطر لابن عمك حين أسره ثم أطلقه فكفره.
لو خِفتُ أن تُدعَى الطَّلاقةُ غيرهَا ... لَقِظْتُ ودوني بطنُ جوٍّ ومِسْطَحٌ
فهل مَلِكٌ في الناسِ بعدكَ مُطلَقٌ ... له لِمَّةٌ إلا هوَ اليومِ أجلَحُ
وإن شهاباً أتاهم فضمن لهم ما قال لهم المنذر، فرضوا، وعادت الردافة إلى ابن عتّاب بن هرمي،
فلم تزل لهم حتى مات الملك، وقال شريح بن الحارث اليربوعي:
وكنتُ إذا ما بابُ مَلكٍ قَرَعتُهُ ... قرعتُ بآباءٍ أُولي شَرفٍ ضَخمِ
بأبناءِ يربوعٍ وكان أبوهُمُ ... إلى الشَّرفِ الأعلى بآبائه يَنمي
همُ مَلكُوا أملاكَ آل مُحَرَّقٍ ... وزادوا أبا قابوسَ رَغماً على رَغمِ
стр. 78
وقادوا بِكُرهٍ من شهابٍ وحاجبٍ ... رُؤوسَ مَعدٍّ بالأزِمَّةِ والخُطمِ
عَلا جدُّهُم جَدَّ الملوكِ فأطلقوا ... بطِخفَةَ أبناءَ الملوكَ على الحُكمِ
وأيهاتَ من أنقاضِ قاعٍ بقَفرةٍ ... بُدورٌ أنافت في السماءِ على النَّجمِ
حِمانَا حِمَى الأُسدِ التي بِشُبُولها ... تَجُرُّ من الأقرانِ لَحماً على لَحمِ
وكنّا إذا قومٌ رَمينا صفاتَهُم ... تركنا صُدوعا بالصَّفاةِ التي نرمي
ونرعى حِمَى الأقوامِ غيرَ مُحَرَّمٍ ... علينا ولا يرعى حِمانا الذي نحمي
وقال متمم بن نويرة:
ونحن عَقرنا مُهرَ قابوسَ بعدما ... رأى القومُ منه الموتَ والخيلُ تُحلَبُ
عليه دِلاصٌ ذاتُ نَسجأٍ وسَيفُهُ ... جُرازٌ من الجُنثيُّ أبيضُ مِقضَبُ
وقال عمرو بن حوط بن سلمى بن هرمي بن رياح:
قَسَطنا يومَ طِخفَةَ غيرَ شَكٍّ ... على قابوسَ إذكُرِهَ الصباحُ
لَعَمرُ أبيكَ والأنباءُ تَنمي ... لَنِعمَ الحيُّ في الجُلّى رياحُ
أبَوا دِينَ الملوكِ فهُم لَقَاحٌ ... إذا هِيجُوا إلى حَربٍ أشاحُوا
فما قومٌ كقومي حين يَعلُو ... شهابُ الحربِ تُسعِرُهُ الرِّماح
وما قومٌ كقومي حين يُخشى ... على الخودِ المُخدّرةِ الفِضَاح
стр. 79
أذبُّ عن الحَفَائِظِ في مَعَدٍّ ... إذا ما جدَّ بالقومِ النِّطاح
كأنهم لِوَقعِ البِيضِ بُزْلٌ ... تَغُضُّ الطَّرفَ وارِدةً قِماحُ
القماح الرافعة رؤوسها عن الماء لا تشرب.
صَبرنَا نَكسِرُ الأسلاَتِ فيهم ... فَرُحْنَا ناهِرِينَ لهم وراحوا
ورُحنَا تَخفِقُ الرَّاياتُ فينا ... وأبناءُ المُلوكِ لهم أُحاح
الأُحاح أصله الفلي، وهو العطش.
وقدْ أثكَلَتْ أُمَّ البَحِيرَين خَيلُنا ... بِوِردٍ إذا ما استعْلَنَ الرَّوعُ سَوَّماً
البحيرين أراد بحيراً وفراساً ابني عبد الله بن عامر بن سلمة بن قشير. واستعلن ظهر، وسوّم أعلم
للقتال.
وكان من حديث هذا اليوم، وهو يوم المرُّوت، أن قعنب بن الحارث ابن عمرو بن همام بن يربوع،
التقى هو وبحير بن عبد الله بن عامر ابن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة
بعكاظ، والناس متوافقون. فقال بحير، يا قعنب، ما فعلت البيضاء فرسك، قال: هي عندي. قال فكيف
شكرك لها؟ قال: وما عسيت أن أشكرها به؟ قال: وكيف لا تشكرها وقد نجتك مني؟ قال قعنب:
ومتى كان ذلك؟ قال حيث أقول:
لو أمكنتني من بَشامةَ مُهرتي ... لَلاقَى كما لاقت فوارسُ قَعنبِ
تمطَّت به البيضاء بعد اختِلاسِهِ ... على دَهَشٍ، وخِلتُني لم أُكُذَّبَ
стр. 80
فأنكر ذلك قعنب، وتلاعنا وتداعيا أن يقتل الصادق منهما الكاذب. ونذر قعنب أن لا يراه بعد ذلك
الموقف إلا قتله أو مات دونه. فضرب الدهر من ضربانه، ثم إن بحيراً أغار على بني العنبر يوم
إرم الكلبة، وهو نقاً قريب من النباح، فأصاب منهم ناساً، وانفلت منهم منفلتون، فأنذروا بني حنظلة
وبني عمرو بن تميم، فركبوا في أثر بحير، وقد سار بمن أخذ من بني العنبر. فكان أول من لحق،
بنو عمرو بن تميم، فقال بحير لأصحابه: أنظروا ما ترون؟ قالوا: نرى خيلاً عارضة الرماح. قال:
أولئكم بنو عمرو بن تميم. فلحقوا ببحير وهو بالمروت، فاقتتلوا شيئاً من قتال، ثم لحق بنو مالك بن
حنظلة، فقال بحير لأصحابه انظروا ما ترون؟ قالوا: نرى خيلاناً ناصبة الرماح. قال: أولئكم بنو
مالك بن حنظلة فقاتلوا شيئاً من قتال، ثم لحقت خيل شماطيط فقال بحير: ما ترون؟ قالوا نرى خيلاً
شماطيط - أي متفرقة أرسالاً - ليس معها رماح. قال أولئكم بنو يربوع رماحهم عند آذان الخيل وما
قوتلتم منذ اليوم إلا الساعة، فكان أول من لحق منهم، نعيم بن عتاب، فطعن المثلم بن قرط أخا بني
قشير فصرعه وأسره. ثم لحق قعنب بن عصمة بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بحيراً
فطعنه، فأذراه عن فرسه، فوثب عليه كدّام بن نخيلة المازني، فأبصره قعنب بن عتاب وهو في يد
كدام، فحمل عليه فأراد كدام منعه، فقال قعنب: رأسك مازِ والسيف - أراد يا مازني رأسك والسيف
- فخلى عنه كدام، فضربه قعنب بن عتاب فأطار رأسه.
وأخذ يومئذ أرقم بن نويرة صهبان بن ربيعة بن قشير، وكانت أم صهبان امرأة من مازن بن مالك
بن عمرو بن تميم. فقالت بنو عمرو:
стр. 81
يا بني يربوع قتلتم أسيرنا في أيدينا - يعنون بحيراً - فهمّوا
بالقتال. فقال أرقم بن نويرة: يا بني يربوع أعطوا بني مازن ابن أختهم من أسيرهم، فأعطاهم بنو
يربوع صهبان فرضيت بنو مازن، فأطلقوه. وقتلت بنو يربوع يومئذ بُريك بن قُرط بن عامر وأخاه.
وأما المُثلم فإنه بقي بعد طعنه نعيم إياه، فافتدى نفسه بمائة من الإبل، وهُزم بنو عامر. فقال أوس بن
حجر:
زَعَمتُم أن غَولاً والرِّجامَ لكم ... ومَنعِجاً فاَذكُرُوا والأمرُ مُشترَكُ
وقلتم ذاكَ شِلوٌ سوفَ نأكُلُهُ ... فكيف أكلُكُمُ الشِّلوَ الذي تَرَكُوا
نفسي الفِداءُ لمن أدَّاكُمُ رَقَصاً ... تَدمَى حَرَاقِفُكُم في مشيكم صَكَكُ
الحرقفتان من الإنسان وغيره: رأسا الوركين المتصلان بالصلب، وهما الغرابان، والصكك اصطكاك
الركبتين عند المشي.
وقال أوس بن بحير في ذلك:
لَعَمرُكَ ما أصابَ بَنُو رِياحٍ ... بما احتَمَلوا وغيرُهُم السَّقيمُ
بقَتلِهِمُ امرءاً قد أنزَلَتهُ ... بنو عمروٍ وأوْهَطَهُ الكُلومُ
فإن كانت رياحاً فاقتُلوها ... وآلُ نُخَيلَةَ الثَّأرُ المُنيمُ
الثأر المنيم: الذي ينام صاحبه ويهدأ إذا أدركه.
стр. 82
وقال يزيد بن عمرو بن الصعق:
أوارِدَةٌ عليَّ بنو رِياحٍ ... بِعِيرِهِمُ وقد قَتَلُوا بَحيراً
فقالت العوراء أخت بني رياح ترد عليه:
قَعِيدَكَ يت يزيدُ أبا قُبيسٍ ... أتُنْذِرُ كي تُلاقينَا النُّذورا
وتُوضِعُ تُخبِرُ الأقوامَ أنَّا ... وُجِدْنَا في ضِراسِ الحربِ خُورا
الإيضاع: السير الرفيع، يقال أوضعت بعيري ووضع هو.
وأنشد لأبي محمد الفقعسي
سِلْقٍ وراعٍ فإذا كان فَزَعْ ... ألفَيتَني مُحتَمِلاً بَزِّي أضع
ألم تعلم قَعِيدَكَ با ابنَ عَمروٍ ... بأنّا نَقمَعُ الشَّيخَ الفَخُورا
ونُطلِقُهُ فيَكفُرُ ما سَعَينا ... ونلفِيه لِنُعمانَا كَفورا
فأبلِغْ إن عَرضتَ بني كِلابٍ ... بأنّا نحنُ أقعَصنَا بَحيرا
وغادَرنَا بُرَيكَيكُم جميعاً ... فأصبحَ مُوثَقا فينا أسيرا
أي بريك وأخوته.
أفَخراً في الرَّخاءِ بغيرِ فخرٍ ... وعندَ الحربِ خَوَّاراً ضَجُورا
وكان المصفّى أخو بني قشير، قتل عمرو بن واقد الرياحي، فقتله نعيم بن عتاب يوم المروت، فقال
نعيم في ذلك:
стр. 83
ما زِلتُ أرميِهم بثَغرَةِ نَحرِهِ ... وفارسِهِ حتى ثأرتُ ابنَ واقدِ
أُحاذِرُ أن يُخزى قبيلي ويُؤثَروا ... وهم أُسرتي الدُّنيا وأقربُ والدِ
شَهيدي سُوَيدٌ والفَوارسُ حوله ... وما أبتَغَي بعدَ سُويدٍ بشاهِدِ
أسرة الرجل، وفصيلته وعشريته، وناهضته، وظهرته، البطن الذي هو منه دون القبيلة العظمى.
وقالتْ بَنو شَيبانَ بالصَّمدِ إذ لَقُوا ... فَوارِسَنا يَنعَونَ قَيلاً وأيهَمَا
كان يوم الصمد، وهو الذي ذكره جرير، وهو يوم ذي طلوح لبني يربوع خاصة، ولم يكن فيه من
بني دارم إلا رجل واحد، نقيل في بني يربوع، وهو حنظلة بن بشر وعمرو بن عمرو بن عُدس بن
زيد بن عبد الله بن دارم، الذي شرك في أسر الحوفزان، فافتخر به البعيث والفرزدق على جرير،
وهو لجرير دونهما. وأما قيل وأيهم، فكان سبب قتلهما يوم طلحات حومل، وهو يوم مليحة، وذلك أن
بسطام بن قيس خرج مغتزياً، وذلك حين ولى الربيع، واشتد الصيف، وقد توجّهت بنو يربوع بينهم،
وبين طلح، فذكر لأخريات بني يربوع، أنهم رأوا منسراً فبعثوا مرسلاً أخا بني حرملة بن هرمي بن
رياح، فأشرف ضفرة حومل - والضفرة والعقدة: الحبل المتراكم من الرمل - فرُفع له عشرون
بعيراً، يعدهن عند طلحات حومل، فحسب أنه ليس غيرهم، والجيش في الخبراء دونهم - والخبراء
التي تمسك الماء وتُنبت السدر، والجماعة خبارى - فكرّ يدعو يا آل يربوع الغنيمة، فتسارع الناس
أيهم يسبق إليها، فجاءوا متقطعين، فسقطوا على الجيش من دون
стр. 84
الطلحات في الخبراء، فلم تجئ
عصبة إلا أُخذوا، وقُتل يومئذ عصمة ابن النحّار بن ضباب بن أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع،
فقال بسطام حين رآه قتيلاً، ويحكم من قتل ابن النحار؟ وما قُتل هذا إلا لتثكل رجلاً أمه، فكان قاتله
الهيش بن المقعاس، من بني الحارث بن همام، فقتلته بنو يربوع بابن النحار يوم العُظالى. وأصابوا
نعمان بن قيل. وأيهم اليربوعيين، أصابتهما بنو شيبان، فلما أخذ بنو شيبان اليربوعيين وأسروهم،
نظر بنو شيبان فإذا هم لا ماء معهم يبلّغهم، فقالوا: يا بني يربوع، إنكم تموتون قبلنا، وإنّا شاربون ما
معنا من الماء، ومانعوه منكم، وليس مُبلغنا، فاختاروا إن شئتم أن تجيرونا بغير طلاقة ولا نعمة، حتى
نتوّفى كل سقاء، ونسقى كل دابة من طلح، وإما أن نرجع بكم، فهو هلاكنا وهلاككم. فأجارهم بنو
يربوع على غير طلاقة ولا نعمة، فخلّوا عن اليربوعيين واستقى بنو شيبان، فذلك قول عميرة بن
طارق:
حلفتُ فلم تَأثَمْ يميني لأثأرَنْ ... عَدِيّاً ونعمانَ بنَ قَيلٍ وأيهَمَا
وغِلمتَنَا السَّاعِينَ يومَ مُلَيحةٍ ... وحَومَلَ في الرَّمضَاء يوماً مُجَرَّما
أشَيبانُ لو كانَ القِتالُ صَبَرتُمُ ... ولكنَّ سَفعاً مِنْ حريقٍ تَضَرَّمَا
يقول: لو كنتم تُناصِفون القتال لصبرتم، ولكن لقيتم النار لا يد لكم بها، كما قال أوس بن حجر:
فما جَبنُوا أنَّا نَسُدُّ عليهم ... ولكن لَقُوا ناراً تَحُسُّ وتَسفَعُ
تحس تحرق، وقوله نسد عليهم من السداد، أي لسنا نناصفهم
стр. 85
القتال، ولكن كنا عليهم مثل النار.
وعَضَّ ابنُ ذي الجَدَّينِ حولَ بُيُوتِنا ... سَلاَسِلُهُ والقِدُّ حَولاً مُجَرَّمَا
ابن ذي الجدين بسطام بن قيس. ويروى وسط بيوتنا.
خبرُ يومِ أعشاشٍ ويومِ صحراءِ فَلْجٍ
وكان من قصة هذا اليوم، ما حكاه الكلبي، عن المفضّل بن محمد، عن زياد بن علاقة التغلبي، أن
أسماء بن خارجة الفزاري حدّثه بذلك، قال: أغار بسطام بن قيس ببني شيبان، على بني مالك بن
حنظلة، وهم حالّون بالصحراء من بطن فلج، ومع بني مالك الثعلبات، بنو ثعلبة بن سعد بن ضبة،
وثعلبة بن عدي بن فزارة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، وعتيبة بن الحارث بن شهاب، نقيل في بني
مالك، ليس معهم يربوعي غيره، فأخذ بسطام بن قيس نسوة فيهن أم أسماء بن خارجة، وهي امرأة
من بني كاهل بن عذرة بن سعد هذيم - وإنما كان هذيم عبداً لأبي سعد، فحضن سعداً، فغلب عليه -
وأسماء يومئذ غلام شاب يذكر ذلك، فأتى الصّريخ بني مالك، فركبوا في أثره، فاستنقذوا ما أصاب،
وأردكه عتيبة بن الحارث بن شهاب بن عبد قيس بن كباس بن جعفر بن ثعلبة بن يربوع، فأسره
وأخذ أم أسماء، وقد كان بسطام قتل مالك بن حطّان بن عوف بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن
يربوع، وبجير بن عبد الله بن الحارث بن عاصم - وعبد الله هو أبو مليل - وأثقل الأحيمر
اليربوعي، فأشفق عتيبة أن يأتي به بني عبيد بن ثعلبة، مخافة أن يقتلوه بمالك بن حطّان أو ببجير،
ورغب في الفداء، فأتى به عامر بن مالك بن جعفر، وكانت عمته خولة بنت شهاب، ناكحاً في بني
الأحوص - ولدت زعموا في بني الأحوص - فزعموا أن بسطاماً لما
стр. 86
توسط بيوت بني جعفر قال:
واشيناناه ولا شيبان لي، فبعث إليه عامر ابن الطفيل، إن استطعت أن تلجأ إلى قبتي فافعل، فإني
سأمنعك، وإن لم تستطع فاقذف بنفسك في الرَّكيَّ التي خلف بيوتنا، وكانت الركي بديئاً، إنما حُفر
منها قامتان، فأتت أم حمل - وهي تابعة له كانت من الجن - عتيبة، فخبّرته بما كان من أمر عامر،
فأمر عتيبة ببيته، فقوّض وركب فرسه، وأخذ سلاحه، ثم أتى مجلس بني جعفر وفيه عامر بن
الطفيل فحيّاهم، ثم قال: يا عامر، إنه قد بلغني الذي أرسلت به إلى بسطام، فأنا مخيّرك فيه خصالاً
ثلاثاً، فاختر أيتهن شئت، قال عامر: ما هن يا أبا حزرة؟ قال: إن شئت فأعطني خلعتك وخلعة أهل
بيتك - يعني بخلعته ماله ينخلع عنه - حتى أُطلقه لك، فليست خلعتك وخلعه أهل بيتك بشر من
خلعته وخلعة أهل بيته، فقال عامر: هذا مالا سبيل إليه. فقال عتيبة: فضع رجلك مكان رجله، فلست
عندي بشر منه، فقال عامر: ما كنت لأفعل فقال عتيبة: فأُخرى هي أهونهن، فقال عامر: ما هي؟
قال عتيبة: تتبعني إذا أنا جاوزت هذه الرابية، فتقارعني عنه الموت، فإما لي، وإما علي. فقال
عامر: تيك أبغضهن إليّ فانصرف عتيبة إلى بني عبيد بن ثعلبة، فإنه لفي بعض الطريق، إذا نظر
بسطام إلى مركب أم عتيبة، فقال يا عتيبة: أهذا مركب أمك؟ قال: نعم. قال: ما رأيت كاليوم قط
مركب أم سيد، مثل هذا إنّ حِدج أمك لرث. قال عتيبة: ألك إرث، قال: نعم. قال عتيبة: أما واللات
والعزى، لا أطلقك حتى تأتيني أمك بكل شيء ورّثك قيس بن مسعود، وبجملها، وحدجها، فأتته أم
بسطام على جملها وحدجها، وبثلاثمائة بعير. وهي ليلى بنت الأحوص بن عمرو بن ثعلبة الكلبي
فقال عتيبة في ذلك:
أبْلِغْ سَراةَ بني شَيبانَ مَالَكَةً ... إني أباتُ بعبدِ الله بِسطامَا
стр. 87
أبأته من البواء وهو أن يُقتل الرجل بمن قتل.
قاظَ الشِّرِبَّةَ في قيدٍ وسِلسِلَةٍ ... صوتُ الحديدِ يُغَنِّيهِ إذا قاما
إنْ يحصُروكَ بذي قارٍ فَذَاقِنَةٍ ... فقد أُعَرِّفُهُ بِيداً وأعلاما
وقال عتيبة أيضاً:
ألاَ مَنْ مُبلِغٌ جَزءَ بنَ سَعدٍ=فكيف أصاتَ بَعدُكُم النَّقِيلُ
أصات من الصيت والشرف. وروى الكلبي: أصاب، والنقيل يعني نفسه، لأنه كان نقيلاً في
الثعلبات.
أُحامي عن ذِمار بني أبيكمُ ... ومثلي في غُواتِكِمُ قليلُ
كما لاقى ذَوو الهِرماسِ مني ... غَداةَ الرَّوعِ إذ فُرِيَ الشَّليلُ
إذا اختَلَفتْ نواصي الخيل ظنُّوا ... بأنّ بصَعدَتي يُشفى الغليلُ
صعدته رمحه. وأنشد عن أبي توبة:
صعدة نابتة في حائر ... أينما الريح تميلها تمل
وقال جرير في ذلك اليوم ولم تتم قصيدته الأولى بعد:
ألا طالَ ما لم نُعُطِ زيقاً بحُكمِهِ ... وأدّى إلينا الحُكمَ والغُلُّ لازِبُ
حَوينَا أبا زِيقٍ وزيقاً وعَمَّهُ ... وجدَّةُ زيقٍ قد حَوَتها المَقَانِبُ
ألم تعلموا يا آل زِيقٍ فوارسي ... إذا احمرَّ من طُولِ الطِّرادِ الحواجبُ
حوت هانئاً يومَ الغبيطينِ خيلُنا ... وأدرَكنَ بِسطاماً وهُنَّ شَوازِبُ
رجع إلى القصيدة.
стр. 88
وتَكذِبُ أستاهُ القُيونِ مُجاشِعٌ ... متى لم نَذُذْ عن حَوضِنَا أن يُهدّمَا
جعل مجاشعاً قيوناً لعبد كان لصعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان يسمى جبيراً، فنسب
جرير غالباً أبا الفرزدق إلى القين، ولذلك يقول جرير:
وجَدنَا جُبَيراً أبا غالبٍ ... بعيدَ القَرابَةِ من مَعبدِ
أتَجعَلُ ذا الكِيرِ من دارِمٍ ... وأينَ سُهيلٌ من الفَرقَدِ
إذا عُدَّ فَضلُ السعيِ مِنّا ومنهُمُ ... فَضَلنَا بني رَغوانَ بُؤسى وأنعُمَا
بنو رغوان بنو مجاشع، وكان مجاشع خطيباً، فسمعت كلامه امرأة بالموسم فقالت: كأنه يرغو فسمي
بهذا. وحكي أن مجاشعاً وفد على بعض الملوك، فكان يُسامره، وكان نهشل بن دارم رجلاً جميلاً، ولم
يكُ وفّاداً إلى الملوك، فسأله الملك عن نهشل فقال له: إنه مقيم في ضيعه، وليس ممن يفد إلى الملوك،
فقال: أوفده. فأوفده، فلما اجتهره نظر إلى جماله، قال: حدثني يا نهشل، فلم يجبه، فقال له مجاشع:
حدّث الملك يا نهشل، فقال: الشر كثير وسكت، ثم أعاد إليه مجاشع، فقال: حدّث الملك. فقال إني
والله لا أحسن تكذابك وتأثامك تشول بلسانك شولان البروق. البروق بفتح الباء هي التي تشول بذنبها
فيظن أنها لاقح وليس بها ذلك، فأرسلها مثلا.
ألمْ تَرَ عَوفاً لا تزالُ كِلاَبُهُ ... تَجُرَّ بِأكمَاعِ السِّباقَين ألحُمَا
عوف بن القعقاع بن معبد بن زرارة، والسباقان واديان، وأكماعهما نواحيهما، والألحم التي ذكر: لحم
مزاد بن الأقعس بن ضمضم، أخي
стр. 89
هبيرة بن ضمضم. وكان من حديث هذا اليوم، أن الحارث بن حاطب،
كان على صدقات بني حنظلة، فورد على بني مالك بن حنظلة فصنعوا له طعاماً، فسبق
طعام بني طهية طعام بني عوف بن القعقاع فاقتتلوا بينهم، فقتلت بنو طهية قيس بن عوف بن القعقاع
رُمي بحجر فانتهوا إليه وهو يقول: ظُهير قتلني، وفيهم رجلان كل واحد منهما يسمى ظهيراً، فادّعوا
على ظهير أخي بني ميثاء، وجاء عوف برجلين يشهدان على ظهير هذا، فشهدا أن ظُهيراً هو
القاتل، وكان أحدهما من بني ضبة، والآخر من بكر بن وائل. فقال لهم الأمير: هل تطعنون في
شهادة هذين الرجلين الشاهدين؟ فقال الأخضر بن هبيرة ابن المنذر بن ضرار الضبي، وكان أخواله
بنو ميثاء، أشهد على الضبي أنه لم تبق سوأة إلا وقد عملها، غير أني لم أره يأتي أمه! فأبطل شهادة
الضبي، فقُضي لعوفٍ بالدية، فأبى عوف أن يأخذها وخلّى سبيل ظهير. وأن مورق بن قيس بن
عوف بن القعقاع، لقيَ غلاماً من بني ميثاء، يقال له حكيم بن برق، نحره فقتله بأبيه وقال:
كَسَوتُ حُكيماً ذا الفَقَارِ ومَنْ يكُنْ ... شِعاراً له ترِنن عليهِ أقارِبُه
فمن مُبلِغٌ عُليَا طُهيّةَ أنني ... رَهِينٌ بيومٍ لا تَوارى كَواكِبُه
جَزاءً بيومِ السَّفحِ عند ابنِ حاطِبٍ ... ومِثلُ خَبِيِ السَّوءِ دَبّتْ عقارِبُه
ثم إن بني طهية استعدت زياد بن أبيه، فبعث إلى بني عوف هبيرة ابن ضمضم المجاشعي، فطلب
بني عوف فأدركهم بكنهل، فقتل منهم عمرو بن عوف، وجعل عمرو يرتجز ويقول:
إن كنتَ لا تدري فإني أدري ... أنا القُباعُ وابنُ أمِّ الغَمرِ
هل أُقتَلَنْ إن قَتَلتُ ثأرِي
стр. 90
ويروى وابن أم عمرو.
فأمهل الناس حتى إذا مات معاوية واضطرب الأمر، نهض بنو عبد الله بن دارم فأخذوا هبيرة بن
ضمضم، فقالوا: قتلت عمرو بن عوف. فقال: إنما كنت عبداً مأموراً، والله ما أردتُ قتله، وإنما بَوّأت
له بالرمح ليستأسر، فحمل نفسه على الرمح، ودفع اليهم مزاد بن الأقعس ابن أخيه رهينة بالرضا،
وكان مزاد غلاماً حديث السن، فلما فارق هبيرة الحي، دعا عوف غلاماً له أسود يقال له نُبيه، فأمره
بضرب عنق مزاد، ففعل. فخرج أحد الأقعسين الأقعس أو هبيرة يطلب عوفاً بدم مزاد، فأتاه ليلا فلما
دنا منه هابه فرماه بسهم، فأصاب ركبته ثم انصرف، فعرج عوف من الرمية، فقال الفرزدق:
لو كنتَ بالمغلوبِ سيفَ ابنَ ظالمٍ ... ضربتَ أبا قيسٍ أرَنَّتْ أقارِبُهُ
ولكن وجدتَ السَّهمِ أهونَ فُوقَةً ... عليكَ فقد أودَى دمٌ أنت طالِبُه
حَسِبتَ أبا قيسٍ حمارَ شَريعَةٍ ... قَعدْتَ له والصُّبحُ قد لاحَ حاجِبُه
فإنْ أنتُما لم تجعلا بأخيكُما ... صَدىً بينَ أكماعِ السباقِ يُجاوِبُه
فليتَكُما يا ابنَي سُفينَةَ كُنتما ... دماً بينَ رجَلَيها تسيلُ سَبَائِبُهُ
стр. 91
وقد لَبِسَتْ بعدَ الزبيرَ مجاشِعٌ ... ثيابَ التي حَاضَتْ ولم تَغسِلِ الدَّمَا
يعيره بإخفار النعر بن الزمام المجاشعي الزبير بن العوام، وقد استجاره فقتل في جواره. وكان من
حديث قتل الزبير ﵁ أن الزبير لما انصرف عن الجمل يريد المدينة، جاء رجل إلى
الأحنف بن قيس، فقال: هذا الزبير بن العوام قد مر آنفاً، فقال: ما أصنع به، جمع بين الفئتين من
المسلمين عظيمتين، فقتل بعضهم بعضاً، ثم لحق بقومه. فاستجار النعر بن الزمام المجاشعي، فنهض
عمرو بن جرموز، وفضالة بن حابس، ونفيع بن كعب بن عمير السعديون، فاتبعوا الزبير فلحقوه
بوادي السباع - وادي السباع فيما بين مكة إلى البصرة، بينه وبين البصرة خمسة فراسخ - فكرّ
عليهم الزبير حين رآهم فانهزموا عنه، ولحق الزبير ابن جرموز، فقال: أنشدك الله يا أبا عبد الله،
فكفّ عنه ورجع الزبير، فانصرف فضالة ونقيع ولزمه ابن جرموز فسايره، في ليلة مقمرة، فكرّ
عليه الزبير، فقال: أنشدك الله يا أبا عبد الله فكف عنه. وسايره وأغفى الزبير فطعنه فأذراه عن
فرسه، فقال الزبير: ما له قاتله الله يُذكّر بالله وينساه، ومات الزبير. ورجع ابن جرموز إلى علي
﵁ فأخبره أن قاتل الزبير بالباب، فقال: بشروا قاتل ابن صفية بالنار، وكان ابن
جرموز أخذ سيف الزبير فأخذه علي منه، وقال سيف طالما فرّج الغماء عن وجه رسول الله صلى
الله عليه وسلم.
وقد عَلِمَ الجيرَانُ أنّ مجاشِعاً ... فُرُوجُ البَغَايا لا يرى الجَارَ مَحرَما
ولو عَلقَتْ حبلَ الزبيرِ حبَالُنَا ... لكانَ كَناجٍ في عَطالَةَ أعصَمَا
стр. 92
يقول: لو تعلق منا الزبير بذمة لأصبح في عز ومنعة كناج: كوعل في عطالة، وعطالة اسم جبل
بالبحرين منيع شامخ.
ألم تَرَ أولادَ القُيُون مجاشِعاً ... يَمُدُّونَ ثَدياً عندَ عَوفٍ مُصَرَّمَا
عوف بن القعقاع قاتل مزاد هذا. يقول: يتقربون إليه برحم غير مرعية ولا موصولة، مصرّم مقطّع
والتصريم أن يكوى خلف الناقة حتى ينقطع لبنها ويكون أشد لها.
ولمّا قَضى عَوفٌ أشَطَّ عليكُم ... فأقسَمتُم لا تفعلُونَ وأقسَما
أشط: جار كلّفكم شططاً، فلم يرض منكم دون قتل مزاد هذا، يقول: أقسمتم لا تعطونه إلا الدية وأقسم
لا يأخذ إلا الجزاء أي القتل.
أبَعدَ ابنِ ذَيَّالٍ تقولُ مجاشِعاً ... وأصحابَ عوفٍ يُحسِنُونَ التَّكلُّمَا
ابن ذيال: عمرو بن جرموز بن فاتك بن ذيال السعدي. معنى تقول: تظن، ولا تقول تظن في القول
إلا في فعل مستقبل، وأنشد:
أنُوَّاماً تقولُ بني لُؤَيٍّ ... قَعيدَ أبيكَ أم مُتَنَاوِمينا
معنى تقول تظن بني لؤي.
فأُبتُمْ خَزَايَا والخَزيزُ قِرَاكُمْ ... وباتَ الصَّدى يدعو عِقالاً وضَمضَمَا
عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، وضمضم بن مرة بن سيدان، والصدى: صدا مزاد المقتول،
خزايا واحدهم خزيان والمرأة خزيا، والمصدر الخزى، وهو كل أمر يُستحى منه، والخزير شيء
يُعمل من الدقيق شبه العصيدة.
стр. 93
وتغضَبُ مِن شأنِ القُيُونُ مجاشِعٌ ... وما كانَ ذِكرُ القَين سِرَّا مُكَتَّمَا
ولاقيتَ مني مِثلُ غاية دَاحسٍ ... وموقِفِهِ فأستَأخِرَنْ أو تقَدَّمَا
يقول: لقيت مني نكداً وشؤما، كما لقي عبس وذبيان، ابنا بغيض وفزارة بن ذبيان في داحس.
ترى الخُور جِلداً من بَنَاتِ مجاشِعٍ ... لدى القَينِ لا يَمنعنَ منهُ المُخَدَّمَا
الخور الفاسدة، والمخدم موضع الخلخال، قوله جلداً يعني جلوداً.
إذا ما لَوى بالكَلبَتينِ كتيفَةً ... رَأينَ وراءَ الكِيرِ أيراً مُحَمَّمَا
الكتيفة ضبة من حديد، والمحمم الأسود يريد أنه حداد.
ويروى ترى الخور أجلاد بنات مجاشع.
لقد وجدتْ بالقين خُورُ مجاشِعٍ ... كوَجدِ النصارى بالمسيحِ بن مَريمَا
شبه نساءهم بالخور من الإبل، وهي الغزار الرقيقة الجلود، الطويلة الأوبار، اللينات الأبشار.
حديث داحس عن الكلبيِّ
ذكر الكلبي قال: كان من حديث داحس، أن أمه فرس كانت لقرواش ابن عوف بن عاصم بن عبيد
بن ثعلبة بن يربوع، يقال لها جلوى، وكان أبوه ذا العُقّال.
стр. 94
وكان لحوط بن أبي جابر بن أوس بن حميري بن رياح. وإنما سمي داحساً، أن بني يربوع احتملوا
ذات يوم سائرين في نجعة، وكان ذو العقال مع ابنتي حوط بن أبي جابر تجنبانه، فمرت به جلوى
فرس قرواش، فلما رآها الفرس ودى. وضحك شباب من الحي رأوه، فاستحيت الفتاتان فأرسلتاه فنزا
على جلوى، فوافق قبولها فأقصّت، ثم أخذه لهما بعض الحي فلحق بهما حوط، وكان رجلاً شريراً
سيء الخلق، فلما نظر إلى عين الفرس قال: والله لقد نزا فرسي فأخبراني ما شأنه، فأخبرتاه الخبر،
فقال: يال رياح، لا والله لا أرضى أبداً حتى آخذ ماء فرسي. فقال له بنو ثعلبة: والله ما استكرهنا
فرسك، إنما كان منفلتاً، فلم يزل الشر بينهم حتى عظم، فلما رأى ذلك بنو ثعلبة قالوا: دونكم ماء
فرسكم، فسطا عليها حوط، وأدخل يده في ماء وتراب، ثم أدخلها في رحمها، حتى ظن أنه قد أخرج
الماء، واشتملت الرحم على ما فيها، فنتجها قرواش مهراً، فسمي داحساً لذلك، وخرج كأنه أبوه ذو
العقال، وفيه يقول جرير:
إنَّ الجيادَ يَبِتنَ حولَ قِبَابِنَا ... مِنْ آل أعوَجَ أو لِذي العُقَّالِ
أعوج فرس لبني هلال، فلما تحرك المهر شيئاً مرَّ مع أمه وهو فلو يتبعها، وبنو ثعلبة سائرون فرآه
حوط فأخذه، فقالت بنو ثعلبة: يا بني رياح، ألم تفعلوا فيه ما فعلتم أول مرة، ثم هذه الآن، فقالوا: هو
فرسنا، ولن نترككم، أو نقاتلكم عليه، أو تدفعوه إلينا، فلما رأى ذلك بنو ثعلبة قالوا: إذاُ لا نقاتلكم
عليه، أنتم أعز علينا منه. هو فداؤكم فدفعوه إليهم، فلما رأى ذلك بنو رياح قالوا: والله لقد ظلمنا
اخوتنا
стр. 95
مرتين، وقد حلموا وكرموا، فأرسلوا به إليهم مع لقوحين، فمكث عند قرواش ما شاء الله أن
يمكث، وخرج أجود خيول العرب. ثم إن قيس ابن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، أغار على
بني يربوع، فلم يصب أحداً غير ابنتي قرواش بن عوف، ومائة من الإبل لقرواش، وأصاب الحي
خلوفاً لم يشهد من رجالهم، غير غلامين من بني أزنم ابن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، فجالا في متن
الفرس مرتدفيه، وهو مقيد، أعجلهما القوم عن حل قيده. واتبعهما القوم، فضبر بالغلامين ضبراً حتى
نجوا به، ونادتهما إحدى الجاريتين، إن مفتاح القيد مدفون في مرود الفرس بمكان كذا وكذا، فسبقا
إليه حتى أطلقاه فلما رأى ذلك قيس بن زهير، رغب في الفرس، فقال لهما: لكما حكمكما وادفعا إلي
الفرس، فقالا أو فاعل أنت؟ قال: نعم، فاستوثقا منه على أن يرُدّ ما أصاب من قليل أو كثير، ثم
يرجع عوده على بدئه، ويُطلق الفتاتين، ويُخلّى عن الإبل، وينصرف عنهم راجعاً. ففعل ذلك قيس
فدفعا إليه الفرس فلما رأى ذلك أصحاب قيس قالوا: لا نُصالحك أبداً، أصبنا مائة من الإبل،
وامرأتين، فعمدت إلى غنيمتنا، فجعلتها في فرس لك، تذهب به دوننا، فعظم في ذلك الشر بينهم،
حتى اشترى منهم غنيمتهم بمائة من الإبل. فلما جاء قرواش، قال للغلامين الأزنميين أين فرسي؟
فأخبراه، فأبى أن يرضى إلا أن يُدفع إليه فرسه، فعظم في ذلك الشر، حتى تنافروا فيه، فقضي بينهم
أن تُرد الفتاتان والإبل إلى قيس بن زهير، ويُرد عليه الفرس، فلما رأى ذلك قرواش رضي بعد شر.
وانصرف قيس بن زهير، ومعه داحس فمكث ما شاء الله.
فزعم بعضهم أن الرهان إنما هاجه بين قيس بن زهير، وحذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية بن
لوذان بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن
стр. 96
بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن
مضر أن قيساً دخل على بعض الملوك، وعنده قينة لحذيفة بن بدر تغنيه بقول امرئ القيس:
دارٌ لِهرٍّ والرَّبابِ وفَرْتَنَا ... ولَميسَ قبلَ حَوادِث الأيام
- وهن فيما يُذكر نسوة من بني عبس - فغضب قيس بن زهير، وشق رداءها، وشتمها. فغضب
حذيفة، فبلغ ذلك قيساً، فأتاه ليسترضيه، فوقف عليه، فجعل يكلمه وهو لا يعرفه من الغضب، وعنده
أفراس له فعابها، وقال: أيرتبط مثلك مثل هذه يا أبا مُسهر؟ فقال حذيفة: أتعيبها؟ قال: نعم فتجاريا
حتى تراهنا.
ويزعم بعضهم أن الذي هاج الرهان، أن رجلاً من بني عبد الله بن غطفان، ثم أحد بني جوشن،
وهم أهل بيت شؤم، أتى حذيفة زائراً، فعرض عليه حذيفة خيله فقال: ما أرى فيها جواداً مبراً -
المبر الغالب، وأنشد:
أبرُّ على الخُصُومِ فليس خَصمٌ ... ولا خَصمانِ يَغلِبُهُ جِدالا
فقال له حذيفة: ويحك فعند من الجواد المبر؟ قال: عند قيس بن زهير. فقال: هل لك أن تراهنني
عنه؟ قال: نعم، قد فعلت. فراهنه على ذكر من خيله وأنثى. قال: ثم إن العبدي أتى قيس بن زهير،
فقال: إني قد راهنت على فرسين من خيلك، ذكر وأنثى، وأوجبت الرهان. فقال
стр. 97
قيس: لا أبالي من راهنت غير حذيفة، قال: ما راهنت غيره. فقال له قيس: إنك ما عملت لأنكد، ثم ركب قيس حتى
أتى حذيفة، فوقف عليه، فقال له: ما غدا بك؟ قال: غدوت لأواضِعك الرهان، قال: بل غدوت لتغلقه.
قال: ما أردت ذلك، فأبى حذيفة إلا الرهان، فقال قيس: أخيّرك بثلاث خلال، فان بدأت واخترت فلي
خلّتان ولك الأولى، وإن بدأت واخترت فلك خصلتان ولي الأولى. قال حذيفة: فابدأ. قال: الغاية من
مائة غلوة، قال حذيفة: فالمضمار أربعون ليلة، والمجرى من ذات الإصاد ففعلا، ووضعا السبق على
يدي غلاّق أو ابن غلاّق أحد بني ثعلبة بن سعد، فزعموا أن حذيفة أجرى الخطّار والحنفاء، وزعمت
بنو فزارة أنه أجرى قُرزُلاً والحنفاء، وأجرى قيس داحساً والغبراء.
وزعم بعضهم أن ما هاج الرهان، أن رجلا من بني المعتم بن قطيعة ابن عبس يقال له سراقة،
راهن شاباً من بني بدر، وقيس غائب، على أربع جزائر من خمسين غلوة، فلما جاء قيس كره ذلك،
وقال لم ينته رهان قط إلا إلى شر. ثم أتى بني بدر فسألهم المواضعة، فقالوا: لا، حتى يُعرف لنا
سبقُنا، فإن أخذنا فحقنا، وإن تركنا فحقنا. فغضب قيس ومحك، وقال: أما إذ فعلتم ذلك، فأعظِموا
الخطر، وأبعدوا الغاية. قالوا: فذلك لك، فجعلوا الغاية من واردات إلى ذات الإصاد، وذلك مائة غلوة،
والثنية فيما بينهما، وجعلوا القصبة في يدي رجل من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، يقال له حصين.
ويقال رجل من بني العشراء من بني فزارة، وهو ابن أخت لبني عبس، وجعلوا البركة ماء، وجعلوا
السابق أول الخيل يكرع فيها. ثم إن حذيفة بن
стр. 98
بدر، وقيس ابن زهير أتيا المدى الذي أُرسلن منه،
ينظران إلى الخيل كيف خروجها منه، فلما أُرسلت عارضاها، فقال حذيفة: خدعتك يا قيس، فقال:
ترك الخداع من أجرى من مائة. فأرسلها مثلا. ثم ركضا ساعة، فجعلت خيل حذيفة تنزق خيل قيس.
فقال حذيفة: سُبقت يا قيس. فقال قيس: جري المُذكّيات غلاب. فأرسلها مثلا. ثم ركضا ساعة، فقال
حذيفة: إنك لا تركض مركضاً. فأرسلها مثلا. ثم قال: سُبقت خيلك يا قيس. فقال قيس: رويد يعلون
الجدد. فأرسلها مثلا. وقد جعلت بنو فزارة كميناً بالثنية، فاستقبلوا داحساً فعرفوه فأمسكوه وهو
السابق، ولم يعرفوا الغبراء، وهي خلفه مصلّية، حتى مضت الخيل وأسهلت من الثنيّة، ثم أسهلوه
فتمطّر في آثارها، أي أسرع. فجعل يبدرها فرسا فرسا، حتى سبقها إلى الغاية مصلّيا، وقد طرح
الخيل غير الغبراء، ولو تباعدت الغاية سبقها فاستقبلها بنو فزارة فلطموها ثم حلّؤوها عن البركة ثم
لطموا داحساً، وقد جاءا متواليين. وكان الذي لطمه عمير بن نضلة، فجفّت يده فسمي جاسئا، فجاء
قيس وحذيفة في أخرى الناس، وقد دفعتهم بنو فزارة عن سبقهم، ولطموا فرسيهم، ولو تطيقهم بنو
عبس لقاتلوهم، وإنما كان من شهد ذلك من بني عبس، أبياتاً غير كثير. فقال قيس بن زهير: يا قوم
إنه لا يأتي قوم إلى قومهم شراً من الظلم، فأعطونا حقنا. فأبى بنو فزارة أن يعطوهم شيئاً، وكان
الخطر عشرين من الإبل. فقالت بنو عبس فأعطونا بعض سبقنا، فأبوا. فقالوا: أعطونا جزوراً
ننحرها، نطعمها أهل الماء، فإنا نكره القالة في العرب. فقال رجل من بني فزارة: مائة جزور
وجزور واحدة سواء، والله ما كنا لنقر بالسبق علينا ولم
стр. 99
نسبق، فقام رجل من بني مازن بن فزارة فقال: يا قوم إن قيساً كان
كارهاً لأول هذا الرهان، وقد أحسن في آخره، وإن الظلم لا ينتهي إلا إلى
شر، فأعطوه جزوراً من نعمكم. فأبوا. فقام إلى جزور من إبله فعقلها ليُعطها قيساً ويرضيه، فقام ابنه
فقال: إنك لكثير الخطأ، أتريد أن تخالف قومك وتُلحق بهم خزاية بما ليس عليهم، فأطلق الغلام
عقالها، فلحقت بالنعم. فلما رأى ذلك قيس بن زهير، احتمل ومن معه من بني عبس، فأتى على ذلك
ما شاء الله. ثم إن قيساً أغار فلقي عوف بن بدر فقتله، وأخذ إبله، فبلغ ذلك بني فزارة فهمّوا بالقتال
وغضبوا، فحمل الربيع بن زياد أحد بني عوف بن غالب بن قُطيعة بن عبس دية عوف ابن بدر،
مائة عُشراء متلية - والعُشراء التي أتى على حملها عشرة أشهر من ملحقها، والمتالي التي نتج
بعضها والباقي يتلوها في النتاج. وأم عوف وأم حذيفة بنت نضلة بن جوية بن لوذان بن عدي بن
فزارة - واصطلح الناس، ومكثوا ما شاء الله. ثم إن مالك بن زهير أتى امرأة يقال لها مليكة بنت
حارثة، من بني غراب بن فزارة، فابتنى بها باللقاطة قريباً من الحاجر. فبلغ ذلك حذيفة بن بدر،
فدس له فوارس على أفراس من مسانّ خيلهم، وقال لا تُنظروا مالكاً إن وجدتموه أن تقتلوه، والربيع
بن زياد بن عبد الله بن سفيان بن قارب العبسي، مجاور حذيفة بن بدر، وكانت تحت الربيع بن زياد
معاذة بنت بدر، فانطلق القوم فلقوا مالكاً فقتلوه، ثم انصرفوا عنه فجاؤوا عشية، وقد جهدوا أفراسهم،
فوقفوا على حذيفة، ومعه الربيع بن زياد، فقال حذيفة: أقدرتم على حماركم؟ قالوا: نعم، وعقرناه،
فقال الربيع: ما رأيت كاليوم قط، أهلكت أفراسك من أجل حمار. فقال حذيفة لما أكثر عليه الربيع
من الملامة، وهو يحسب أن الذي أصابوا حمار: إنّا لم نقتل حمارا، ولكنا قتلنا مالك بن زهير، بعوف
بن بدر. فقال الربيع:
стр. 100
بئس لعمر القتيل قتلت. أما والله إني لأظنه سيبلغ ما تكره فتراجعا شيئاً ثم
تفرقا. فقام الربيع يطأ الأرض وطئاً شديدا، وأخذ يومئذ حمل ابن بدر ذا النون، سيف مالك بن
زهير، فزعموا أن حذيفة لمّا قام الربيع أرسل أمَة له مولّدة، فقال اذهبي إلى معاذة بنت بدر، امرأة
الربيع، فانظري ماذا ترين الربيع يصنع. فانطلقت الجارية حتى دخلت البيت، فاندست بين الكفاء
والنضد، وجاء الربيع فنفذ البيت، حتى أتى فرسه، فقبض بمعرفته، ثم مسح متنه، حتى قبض بعكوة
ذنبه، ثم رجع إلى البيت ورمحه مركوز بفنائه، فهزّه هزاً شديداً، ثم ركزه كما كان، ثم قال لامرأته
اطرحي لي شيئاً، فطرحت له شيئاً فاضطجع عليه، وكانت قد طهرت تلك الليلة فدنت إليه، فقال
إليك، فقد حدث أمر، ثم تغنّى فقال:
نام الخَليُّ وما أُغمِّضُ حارِ ... مِن سيِّيءِ النَّبَأِ الجليلِ السارِي
مِن مِثلهِ تُمسي النِّساءُ حواسِراً ... وتقوم مُعوِلةً معَ الأسحار
مَن كان مسروراً بمقتَلِ مالكٍ ... فليأتِ نِسوَتنا بِوَجهِ نهار
قد كُنَّ يَخبأنَ الوجوهَ تَسَتُّرا ... فاليومَ حين بَدونَ للنُظَّار
يَحبَأنَ حُرَّاتِ الوُجوهِ على امرئٍ ... سَهلِ الخليقةِ طَيِّبِ الأخبار
أفَبَعدَ مَقتلِ مالكِ بنِ زُهيرٍ ... ترجو النساءُ عَواقبَ الأطهار
ما إنْ أرى في قَتلهِ لِذَوي الحِجَا ... الا المَطِيَّ تُشَدُّ بالأكوار
ومُجَنَّباتٍ ما يَذُقْنَ عَذَوَّفاً ... يقذِفنَ بالمُهرَاتِ والأمهار
стр. 101
ومَساعِرا صَدَأُ الحديدِ عليهِمُ ... فكأنّما طُلِيَ الوجوهُ بِقار
يا رُبَّ مَسرورٍ بمقتلِ مالكٍ ... ولَسَوفَ يَصرِفُهُ لِشرِّ مَحَار
فرجعت الأمَة فأخبرت حذيفة فقال: هذا حين اجتمع أمر إخوتكم، ووقعت الحرب. وقال الربيع
لحذيفة وهو يومئذ جار لحذيفة: سيرني، فإني جاركم. فسيّره ثلاث ليال، ومع الربيع فضلة من خمر،
فسار الربيع ثلاث ليال فدسّ في أثره فوارس فقال لهم: اتبعوه، فإذا مضت ثلاث ليال فإن معه فضلة
من خمر، فإن وجدتموه قد هراقها، فهو جاد وقد مضى، فانصرفوا، وإن لم تجدوه هراقها فاتبعوه،
فإنكم تجدونه قد مال لأدنى منزل فأرتع وشرب فاقتلوه، فتبعه القوم فوجدوه قد شق الزق ومضى
فانصرفوا، فلما أتى الربيع قومه، وقد كان بينه وبين قيس بن زهير شحناء، وذلك أن الربيع ساوم
قيس بن زهير بدرع كانت عنده، فلما نظر إليها وهو راكب، وضعها بين يديه، ثم ركض بها، فلم
يردّها على قيس، فعرض قيس لفاطمة بنت الخرشب الأنمارية، من بني أنمار بن بغيض، وهي
إحدى منجبات قيس، وهي أم الربيع بن زياد العبسي، وهي تسير في ظغائن من بني عبس، فاقتاد
جملها، يريد أن يرتهنها بالدرع حتى تُرد عليه، فقالت له: ما رأيت كاليوم قط فعل رجل، أين ضل
حلمك، أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد أبداً، وقد أخذت أمهم، وذهبت بها يميناً وشمالاً، فقال الناس
في ذلكم ما شاءوا أن يقولوا، وحسبك من شر سماعه. فأرسلتها مثلا. فعرف قيس بن زهير ما قالت،
فخلّى سبيلها واطّرد إبلاً لبني زياد،
стр. 102
فقدم بها مكة، فباعها من عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب
بن سعد بن سعد تيم بن مرة القرشي. فقال في ذلك قيس بن زهير:
ألمْ يَبلُغكَ والأنباءُ تَنمِي ... بما لاقت لَبُونُ بني زيادِ
ومَحبَسُها على القُرَشِيِّ تُشرَى ... بِأدراعٍ وأسيافٍ حِداد
كما لاقيتُ من حَمَلِ بنِ بدرٍ ... وإخوتِه على ذاتِ الإصاد
همُ فَخرُوا عليَّ بغيرِ فخرٍ ... وذادوا دونَ غايتهِ جوادي
وكنتُ إذا مُنيتُ بخَصمِ سَوءٍ ... دَلَفتُ له بداهيةٍ نآد
ويروى بآبدة
بداهيةٍ تَدُقُّ الصُّلبَ منه ... فتقصِمُ أو تجوبُ عن الفُؤاد
وكنتُ إذا أتاني الدهرَ رِبقٌ ... بداهيةٍ شَدَدتُ لها نِجادي
ألم يعلم بنو الميقابِ أني ... كريمٌ غيرُ مُغتَلِثِ الزِّناد
ويروى معتلث. الوقب الأحمق. والميقاب التي تلد الحمقى.
أُطَوِّفُ ما أُطوِّفُ ثم آتي ... إلى جارٍ كجارِ أبي دُؤادَ
جاره يعني ربيعة الخير بن قرط بن سلمة بن قشير - وجار أبي دؤاد يقال له الحارث بن همام بن
مرة بن ذهل بن شيبان. وكان أبو دؤاد في جواره، فخرج صبيان الحي يلعبون في غدير، فقمس
الصبيان ابن أبي دؤاد فقتلوه، فخرج الحارث، فقال: لا يبقى في الحي صبي إلا غُرّق في الغدير،
فودوا ابن أبي دؤاد ديات عدة، فهو قول أبي دؤاد:
стр. 103
إبلي الإبلُ لا يُحَوِّزُها الرَّا ... عُونَ مَجَّ النَّدى عليها المُدامُ
إليكَ رَبيعةَ الخيرِ بنِ قُرطٍ ... وَهُوباً للطَّريفِ وللتِّلادِ
كفاني ما أخافُ أبو هِلالٍ ... ربيعةُ فانتَهتْ عني الأعادي
تظلُّ جيادُهُ يَجزِمنَ حولي ... بذاتِ الرِّمثِ كالحِدَأِ الغَوادي
كأني إذ أنَختُ إلى ابنِ قُرطٍ ... عَلِقتُ إلى يَلَملَمَ أو نِضَادِ
وقال قيس بن زهير أيضاً:
إنْ تكُ حربٌ فلم أجنِهَا ... جَنَتهَا صُبَارَتُهُم أوهُمُ
حّذارِ الرَّدى إذ رَأوا خيلَنا ... مُقَدَّمُها سابحٌ أدهَمُ
عليه كَمِيٌّ وسِربَالُهُ ... مُضَاعَفَةٌ نَسجُها مُحكَمُ
فإن شَمَّرَتْ لكَ عن ساقِها ... فَوَيهاً ربيعُ ولا تَسأمُوا
نَهيتُ رَبيعاً فلم يَنزَجِرْ ... كما انزَجَرَ الحارِثُ الأضجَمُ
وروى ابن الأعرابي الحارث الأجذم. والأضجم رجل من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وهو
صاحب المرباع. فكانت الشحناء بين بني زياد وبين بني زهير، فكان قيس يخاف خذلانهم إياه،
فزعموا أن قيساً دسّ غلاماً له مولّدا، فقال انطلق كأنك تطلب إبلاً، فإنهم سيسألونك، فاذكر مقتل
مالك، ثم احفظ ما يقولون. فأتاهم العبد، فسمع الربيع يتغنى بقوله:
стр. 104
أفبَعدَ مقتلِ مالكَ بنِ زُهيرٍ ... تَرجُو النساءُ عواقِبَ الأطهارِ
فلما رجع العبد إلى قيس، فأخبره بما سمع من الربيع بن زياد، عرف قيس أن قد غضب.
فاجتمعت بنو عبس على قتال بني فزارة فأرسلوا إليهم أن رُدوا علينا إبلنا التي وديناها عوفاً أخا
حذيفة بن بدر لأمه فقال لا أعطيكم دية ابن أمي، وإنما قتل صاحبكم حمل بن بدر، وهو ابن الأسدية
فأنتم وهو أعلم. وزعم بعض الناس أنهم كانوا ودوا عوف بن بدر مائة متلية - أي دنا نتاجها - وأنه
أتى على تلك الإبل أربع سنين، وقد توالدت. وإن حذيفة بن بدر أراد أن يردها بأعيانها، فقال له
سنان بن أبي حارثة المريّ: أتريد أن تُلحق بنا خزاية، فتعطيهم أكثر مما أعطونا، فتسبّنا العرب
بذلك، فأمسكها حذيفة وأبي بنو عبس أن يقبلوا إلا إبلهم بعينها، فمكث القوم ما شاء الله أن يمكثوا.
ثم إن مالك بن بدر خرج يطلب إبلاً له، فمر على بني رواحة، فرماه جنيدب، أخو بني رواحة بسهم
فقتله، فقالت ابنة مالك بن بدر، وهذا يوم المعنقة:
فللهِ عَينَا مَن رأى مِثلَ مالِكٍ ... عَقيرةَ قومٍ أن جَرَى فَرَسانِ
فليتَهما لم يَشرَبا قَطُّ قَطرَةً ... وليتَهما لم يُرسلاَ لِرِهانِ
стр. 105
أحَلَّ جُنيدِبُ أمسِ نَذرَهُ ... وأيُّ قتيلٍ كان في غَطَفانِ
إذا سَجَعَت بالرَّقمتَين حمامةٌ ... أو الرَّسِّ تبكي فارِسَ الكُتُفانِ
ثم إن الأسلع بن عبد الله بن ناشب بن زيد بن هدم بن لدم بن عوذ ابن غالب بن قطيعة بن عبس،
مشى في الصلح، ورهن بني ذبيان ثلاثة من بنيه، وأربعة من بني أخيه، حتى يصطلحوا، وجعلهم
على يدي سبيع بن عمرو من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فمات سبيع وهم عنده، فلما حضرته
الوفاة، قال لابنه مالك بن سبيع إن عندك مكرمة لا تبيد إن احتفظت بهؤلاء الأغيلمة، وكأني بك، لو
قد مُت قد أتاك خالك حذيفة - وكانت أم مالك هذا بنت بدر - فعصر عينيه وقال: هلك سيدنا، ثم
خدعك عنهم حتى تدفعهم إليه فيقتلهم، فلا شرف بعدها. فان خفت ذلك، فاذهب بهم إلى قومهم. فلما
ثقل، جعل حذيفة يبكي ويقول: هلك سيدنا فوقع ذلك له في قلب مالك، فلما هلك سبيع أطاف بابنه
مالك وأعظمه فقال له: يا مالك إني خالك، وأنا أسن منك، فادفع إلي هؤلاء الصبيان ليكونوا عندي،
إلى أن ننظر في أمرنا، ولم يزل به حتى دفعهم إلى حذيفة باليعمرية - واليعمرية ماء بواد من بطن
نخل من الشربة لبني ثعلبة - فلما دفع مالك إلى حذيفة الرهن، جعل يبرز كل يوم غلاماً فينصبه
غرضاً ثم يرمي ويقول: ناد أباك، فينادي أباه حتى تخرقه النبل، وقال لواقد بن جنيدب: ناد أباك،
فجعل ينادي يا عماه، خلافا عليهم، يكره أن يأبس أباه بذلك - والأبس القهر والحمل على المكروه -
وقال لابن جنيدب بن الأسلع: ناد حبينة، فجعل ينادي يا عمراه، باسم أبيه حتى قُتل، قتله عتبة بن
قيس بن زهير. ثم
стр. 106
إن بني فزارة اجتمعوا، هم وبنو ثعلبة وبنو مرة، فالتقوا هم وبنو عبس بالخاثرة
من جنب ذي بقر، فقتلوا منهم مالك بن سبيع بن عمرو الثعلبي، قتله الحكم بن مروان بن زنباع
العبسي، وعبد العزى بن حذار الثعلبي، والحارث بن بدر الفزاري، وهرم بن ضمضم المري، قتله
ورد ابن حابس العبسي، ولم يشهد ذلك اليوم حذيفة بن بدر، فقالت نائحة هرم بن ضمضم المري:
يا لَهفَ نفسي لَهفَةَ المَفجُوعِ ... إذ لا أرى هرِما على مَودُوع
أمِنْ أجلِ سيِّدِنا ومصرعِ جَنبِهِ ... عَلِقَ الفؤادُ بحنظَلٍ مَصدُوعِ
ثم إن حذيفة جمع وتهيأ، فاجتمع معه بنو ذبيان بن بغيض، فبلغ بني عبس أنهم قد ساروا إليهم، فقال
قيس بن زهير: أطيعوني، فوالله لئن لم تفعلوا لأتكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري، قالوا: فإنّا
نطيعك، فأمرهم فسرّحوا السوام والضعفاء بليل، وهم يريدون أن يظعنوا من منزلهم ذلك، ثم ارتحلوا
في الصبح، وأصبحوا على ظهر المعنقة، وقد مضى سوامهم وضعفاؤهم، فلما أصبحت طلعت الخيل
عليهم من الثنايا، فقال: خذوا غير طريق المال، فإنه لا حاجة للقوم أن يقعوا في شوكتكم، ولا يريدون
بكم في أنفسكم شراً من ذهاب المال.
فأخذوا غير طريق المال، فلما أدرك حذيفة الأثر ورآه قال: أبعدهم الله وما خيرهم بعد ذهاب
أموالهم. فاتّبع المال، وسارت ظعن بني عبس والمقاتلة من ورائهم، وتبع حذيفة وبنو ذبيان المال،
فلما أدركوه ردّوا
стр. 107
أوله على آخره، ولم يُفلت منهم شيء، وجعل الرجل يطرد ما قدر عليه من الإبل،
فيذهب بها. وتفرّقوا واشتد الحر، فقال قيس بن زهير: يا قوم إن القوم قد فرّق بينهم المغنم، فأعطفوا
الخيل في آثارهم، فلم تشعر بنو ذبيان، إلا والخيل دوائس، فلم يقاتلهم كبير أحد، وجعل بنو ذبيان
إنما همة الرجل في غنيمته، أن يحوزها ويمضي بها، فوضعت بنو عبس فيهم السلاح، حتى ناشدتهم
بنو زياد البقية، ولم يكن لهم هم غير حذيفة فأرسلوا مجنبتين في أثره، وأرسلوا خيلاً تنفضُ الناس،
ويسألونهم حتى سقط خبر حذيفة من الجانب الأيسر، على شدّاد بن معاوية بن ذهل بن قراد بن
مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس، وعمرو بن الأسلع، والحارث بن زهير، وقرواش بن
هني بن أسيد بن جذيمة، وجنيدب، وكان حذيفة استرخى حزام فرسه، فنزل عنه، فوضع رجله على
حجر مخافة أن يُقتص أثره، ثم شد الحزام فوضع صدر قدمه على الأرض، فعرفوه وعرفوا حنف
فرسه - والحنف أن تُقبل إحدى اليدين على الأخرى، وفي الناس أن تُقبل إحدى الرجلين على
الأخرى، وأن يطأ الرجل على وحشيّهما، وجمع الأحنف حنف - فاتبعوه، ومضى حتى استغاث بجفر
الهباءة، وقد اشتد الحر، فرمى بنفسه، ومعه حمل بن بدر، وحنش بن عمرو، وورقاء بن بلال،
وأخوه، وهما من بني عدي بن فزارة، وقد نزعوا سروجهم وطرحوا سلاحهم، ووقعوا في الماء،
وتمعّكت دوابهم، وبعثوا ربيئة فجعل يطّلع فينظر، فإذا لم ير شيئاً رجع فنظر نظرة فقال: إني رأيت
شخصاً، كالنعامة أو كالطائر، فوق القتادة من قبل مجيئنا، فقال حذيفة: هنّا وهنّا عن شداد على جروة
- وجروة فرس شدّاد، والمعنى دع ذكر شداد عن يمينك وشمالك، واذكر غيره لما كان يخاف من
شداد - فبينما هم يتكلمون، إذا هم بشداد بن معاوية واقفاً عليهم، فحال
стр. 108
بينهم وبين الخيل، ثم جاء
عمرو بن الأسلع، ثم جاء قرواش، حتى تتاموا خمسة، فحمل جنيدب على خيلهم، فاطّردها وحمل
عمرو بن الأسلع وشداد عليهم في الجفر، فقال حذيفة يا بني عبس: فأين العود والأحلام؟ فضرب
حمل بن بدر رأس كتفيه وقال: اتق مأثور القول بعد اليوم. فأرسلها مثلا. وقتل قرواش ابن هني
حذيفة، وقتل الحارث بن زهير حمل بن بدر، وأخذ منه ذا النون سيف مالك بن زهير، وكان حمل
أخذه من مالك بن زهير يوم قتله، فقال الحارث في ذلك:
تركتُ على الهَباءَةِ غيرَ فَخرٍ ... حُذيفَةَ حولَه قِصَدُ العوالي
سيُخبِرُ قومَهُ حَنَشُ بنُ عمروٍ ... إذا لاقاهُمُ وابنَا بلال
ويُخبِرُهُم مكانَ النُونِ مني ... وما أُعطِيُتُهُ عَرقَ الخِلال
العرق المكافأة والمودة، والخلال الخُلّة. يقول: لم يعطوني السيف عن مودة، ولكني قتلت وأخذت،
فأجابه حنش بن عمرو أخو بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان:.
سيُخبرُكَ الحديثَ بكم خَبيرٌ ... يجاهِدُكَ العَداوَةَ غيرُ آلِ
بُداءَتُها لِقرواشٍ وعمروٍ ... وأنت تَجولُ جَوبُكَ في الشِّمال
الجوب الترس، يقول بداءة الأمر لقرواش وعمرو بن الأسلع، حين اقتحما الجفر وقتلا من قتلا،
وأنت تُرسك في يدك تجول، لم تغن شيئاً.
стр. 109
ويقال لك البداءة ولفلان العوادة. وقال قيس بن زهير:
تَعلَّم أنَّ الناسِ مَيتٌ ... على جَفرِ الهَباءَةِ ما يَريمُ
ولو ظُلمُهُ ما زِلتُ أبكي ... عليه الدهرَ ما طَلعَ النُّجومُ
ولكنَّ الفتى حملَ بنَ بدرٍ ... بَغى، والبَغيُ مَرتَعُهُ وخِيمُ
أظُنُّ الحِلمَ دلَّ عليَّ قومي ... وقد يُستَجهَلُ الرجلُ الحليمُ
فلا تَغشَى المظَالِمُ أن تَراهُ ... يُمتَّعُ بالغِنَى الرجُلُ الظلومُ
ولا تَعجَلْ بأمرِكَ واستَدِمهُ ... فما صَلَّى عَصاكَ كمُستديمِ
يقول عليك بالتأني، وإياك والعجلة، فإن العجول لا يُبرم أمراً، كما أن الذي يُثقف العود إذا لم يُجد
تصليته على النار لم يستقم له.
أُلاقي من رجالٍ مُنكَرَاتٍ ... فأُنكِرُها وما أنا بالغَشُومِ
ولا يُعِييكَ عُرقُوبٌ لِلأيٍ ... إذا لم يُعطِكَ النِّصفَ الخصيمُ
قوله عرقوب، يقول: إذا لم يُنصفك خصمك فأدخل عليه عرقوباً ينسخ حجته.
ومارستُ الرِّجالَ ومارَسُوني ... فمُعوَجٌ عليَّ ومستقيمُ
وقال في ذلك شداد بن معاوية العبسي وهو أبو عنترة:
مَنْ يَكُ سائلاً عني فإني ... وجَروَةَ لا تَرُودُ ولا تعارُ
مُقرَّبَةُ الشِّتاءِ ولا تَرَاها ... أمامَ الحَيِّ تتبَعُها المِهار
стр. 110
لها بالصِّيفِ آصِرَةٌ وجُلٌّ ... وسِتٌّ من كرائِمِها غِزار
ألاَ أبلغْ بني العُشَراءِ عني ... عَلانِيَةً وما يُغني السِّرارُ
قتلتُ سَراتَكُم وحَسَلتُ منكم ... حَسيلاً مثلَ ما حُسِلَ الوَبَار
وحسالة الناس، وحفالتهم، ورعاعهم، وخمانهم، وشرطهم، وحثالتهم، وحشارتهم، وغفاهم السفلة.
وكان ذلك اليوم يوم ذي حسى، ويزعم بعض بني فزارة، أن حذيفة يومئذ كان أصاب فيمن أصاب
من بني عبس، تُماضر بنت الشريد السلمية، أم قيس فقتلها وكانت في المال.
ولم أقتَلُكُمُ سِرّاً ولكِنْ ... عَلانيَةً وقد سَطعَ الغُبارُ
ثم إن بني عبس ظعنوا، فحلّوا إلى كلب بعراعر، وقد اجتمع عليهم بنو ذبيان، فقاتلتهم كلب فهزمتهم
عبس، وقتلوا مسعود بن مصاد الكلبي، أحد بني عُليم بن جناب، فقال عنترة في ذلك، وهي في
شعره:
ألا هل أتاها أنَّ يومَ عُرَاعِرٍ ... شَفى سَقَماً لو كانتِ النفسُ تَشتفِي
قال: فأجلتهم الحرب، فلحقوا بهجر، وامتاروا منها، ثم حلُّوا على بني سعد بني سعد بن زيد مناة،
وهم بالفروقِ، وقد آمنتهم بنو سعد ثلاث ليال، فأقاموا، ثم إنهم شخصوا عنهم، فاتبّعهم ناس من بني
سعد، فقاتلهم العبسيون فامتنعوا، حتى رجع بنو سعد، وقد خابوا ولم يظفروا منهم بشيء، فقال عنترة
في ذلك:
следующие страницы →