← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13614

تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة

ناصر الدين البيضاوي

Полный текст (1 692 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين بحمد الله ومنه أسترفد وبحسن توفيقه أستنجد وعلى سوابغ لطفه أستند وفي أوضح سبله بأبين دلائله أسترشد وبعصم الهداية عن غياهب الضلالة أستبعد وبالتوسل بمحمد سيد البشر وشفيع المحشر أستسعد وباقتفاء هديه واتباع أمره أستمجد وفي الصلاة عليه وعلى آله وصحبه غاية وسعي أستنفد. ثم إلى الله سبحانه أرغب في تيسير ما هممت به من تفسير معوصات كتاب المصابيح المقتبسة من النور العلوي الفائض على الروح القدسي المصطفوي وحل مشكلاته وإبانة معضلاته واستكشاف أسراره واستيقاد أنواره والتنبيه على مزالق أهل الأهواء عن صراط السواء وما ارتبكت به علاتهم واشتبكت به جهالاتهم والإرشاد إلى ما يظهر عمايتهم ويزيح غوايتهم بحسب ما تسعه قدرتي وتفي به

стр. 2

مُنَّتي ليكون تحفة لمن سمت همته إلى اقتباس المعالم الدينية واقتناص المعارف القدسية وترقى بمراقي الفكر إلى عوالي الدرجات بلغه الله أقصى الغايات ووفقه لاستجماع أنواع الكمالات ودليلا لي يوم القيامة يهديني ونورا على الصراط يسعى بين يدي وبيميني والله سبحانه ولي التوفيق وبإسعاف راجيه حقيق ولنصدر الكتاب بتقديم مقدمات المقدمة الأولى في بيان طريق روايتي لهذا الكتاب وهي من طرق متعددة ووجوه مختلفة أجلها وأقواها أني قد قرأته وسمعته ملرارا على والدي مولاي ولي الله الوالي قاضي قضاة الأعظم السعيد إمام الحق والدين: أبي القاسم عمر بن المولى العلامة قاضي قضاة المغفور له فخر الدين أبي عبد الله محمد بن الإمام الماضي صدر الدين أبي الحسن علي قدس الله أرواحهم ونور ضرائحهم وهو يرويه عن والده المذكور لقبه واسمه ونسبه وعن عمه أقضى القضاة السعيد شمس الدين أبي نصر أحمد بن علي وعن الإمام

стр. 3

القاضي حجة الدين عبد المحسن بن أبي العميد الأبهري وعن الصدر السعيد كافي الدين فناخسرو بن فنا خسرو فيروز الشيرازي وعن الإمام زين الدين علي بن إبراهيم بن الحسين البيضاوي وهؤلاء يروونه عن الإمام الحافظ الناقد أبي موسى محمد المديني عن مؤلفه الإمام محيي السنة ناصر الحديث أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي ﵏ وكان ﵁ يرويه أيضا عن الإمام السعيد مخلص الدين أبي عبد الله محمد بن معمر بن عبد الواحد القرشي عن والده عن المؤلف وعن الإمام المقتدي أرشد الدين علي بن محمد النيريزي والإمام المتبحر موفق الدين أبي القاسم عبد الرحمن السروستاني عن الإمام السعيد قوام الدين أبي مقاتل مناور بن فزكوه الديلمي عن المؤلف وأعلاها: أنه قد أجاز لي روايته خالي الإما السعيد الرباني شهاب الدين أبو بكر ابن الإمام الماضي نجم الدين عبد الرحمن البيضاوي والصاحب السعيد غياث الدين أبو مضر محمد بن أسعد

стр. 4

العقيلي اليزدي والإمام المرحوم جمال الدين أحمد الهمداني المعروف ب (عاج) وهؤلاء ﵏ يروونه عن الحافظ عن المؤلف وإني قد سمعته بعضه وأجاز لي روايته باقيه الإمام المعمر جمال الدين عثمان بن يوسف المكي عن الإمام أبي منصور بن حفدة الطوسي عن المؤلف ولهل طرق أخرى تركتها حذرا عن الإكثار وإيثارا للاختصار والله ولي التوفيق المقدمة الثانية في بيان فضل الفن من العلم على سائر الفنون سنتلو عليك فيما يتلو هذه المقدمة ما يدل على مؤاخاة وتناسب بين الكتاب والسنة وأنهما من واد واحد وناهيك بهذا لها شرفا وفضلا وهي كعين ينشعب عنها أنهار العلوم الدينينة والمعالم الشرعية فإن علم التفسير - مع جلالة قدره ونباهة ذكره - مبناه على تأويلات وبيانات صدرت عن الشارع صلوات الله عليه وسائر العلوم منشعبة عن هذين العلمين ومتفرعة عليهما لأن من الآيات والسنن ما هي متعلقة بالعقائد

стр. 5

والمعارف ومنها ما يتعلق بأفعال الناس وأحوالهم وإما على طريقة شرع الأحكام أو على سبيل القصص والأخبار. والأول استأثر الناظر في المعارف والطالب للحقائق وتصرف فيها بالتفصيل والتكميل حتى تحصل على الطبقة العليا والمعرفة الأولى المسماة بـ: العلم الإلهي وأصول الدين وعلم الكلام والقسم الثاني: وهو ما يتعلق بالأفعال على طريق التخيير أو الاقتضاء انقسم قسمين يتعلق أحدهما بالأعمال الظاهرة وثانيهما بالأحوال الباطنة فأخذ المجتهد في طلب الأحكام الشرعية القسم الأول من هذين القسمين وجعل ما كان منهما معربا عن قاعدة كلية يمكن التوصل بواستطها إلى أحكام شتى أوضاعا وأساسا وسماها مع ما انضاف إليها مما يشاكلها ويتعلف بأذيالها أصول الفقه وما كان دليلا على قضايا تختص بفعل فعل سندا وأصولا وتامل فيها حق تأمله وبذل غاية جهده حتى حصل له من مفهوم منظومها ومدلول مفهومها ومقتضى معقولهل أحكام يقف الحاصي دون إحصائها وسماها: علم الفقه وعلم الشريعة وعلم المذهب واستخلص أرباب السلوك السائحين في الملأ الأعلى السائرين إلى الله تعالى قسيم هذا القسم وغاصوا فيها وجعلوها ظهرا لبطن ففهما ظواهرها وورثوا بالعمل بها حقائقها وبواطنها فجمعوا الأمرين مناصحة للمريدين ومعاونة للمقتبسين فسموا القسم الأول: علم التصوف وعلم مكارم الأخلاق وعلم الرياضة

стр. 6

وعلم التزكية وعلم التخلية وسموا الثاني: علم الحقائق وعلم المشاهدة وعلم المكاشفة والقسم الثالث: من الأقسام الثلاثة: الأول أخذه القاص باعتبار الحكاية نفسها: تارة متبددة وتارة متسقة وبنى عليه علمي القصص والتواريخ والمذكر باعتبار ما يصحبها من الاعتبار المرغب والمرهب واستخرج منها علم التذكير فظهر بهذا أن علم الحديث رئيس العلوم ورأسها ومينى قواعد الدين وأساسها المقدمة الثالثة في بيان تناسب الكتاب والسنة قد جرى فيما مضى من الكلام أن الأحاديث تنقسم إلى أقسام ثلاثة: عقائد وأحكام وأخبار والقسم الأخير بأسره غيب لا يمكن الوقوف عليه بإيحاء وتوقيف سواء كانت إخبارا عن أمور مترقبة كالفتن الحادثة والوقائع النازلة في دور دور والأشراط الدالة على دنو القيامة أو قصصا وحكايات عن أشياء سالفة وأشخاص دارجة فإنها أيضا ممن لم يكن حاضر تلك الأحوال ولم يمارس شيئا من كتب الأخبار ولم يصاحب أحدا يعلم هذا الفن ويعتمد فيه على قوله غيب صرف لا يتصور معرفته إلا بنوع من الوحي والإلهام من عالم الغيب والشهادة

стр. 7

والقسمان الآخران وإن أمكن أن يكون فيهما ما صدر عن استدلال عقلي في مسألة عقلية أو اجتهاد في حكم واقعة لم نجد فيه نصا فإن الشافعي وأبا يوسف - رحمهما الله - جوزاه وتوقف فيه الباقون غير أبي علي وابنه فإنهما منعا وجمع فرقوا بين الحروب وغيرها إلا أن ظاهر قوله تعالى ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم:٣ - ٤] يمنع ذلك فإن قلت: من المحتمل أنه تعالى أوحى إليه وأمره بالاستدلال والاجتهاد وحينئذ يكون ما قاله استدلالا واجتهادا قولا بالوحي واتباعا له. قلت: أخبر أن ما يقوله وحي لا أنه بالوحي وتسمية ما يكون مسببا عن الشيء باسمه مجاز والصل يمنعه فظهر إذا أن الأحاديث كالآيات في كونها وحيا منزلا من عن الله تعالى لكنها تفارقها من وجوه: الأول: أن الكتاب هو المنزل لأجل الإعجاز والتحدي به ولا كذلك الحديث. والثاني: أن ألفظ القرآن متعبد بها لا يجوز تغييرها وتعويضها بما يفيد عين فائدتها بخلاف السنن فإن أكثر الأمة على جواز نقلها بالمعنى والثالث: أن ألفاظ القرآن ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ وليس لجبريل ولا للرسول - صلوات الله عليهما - تصرف فيها أصلا

стр. 8

وأما الأحاديث فمن المحتمل أن يكون النازل على جبريل معنى صرفا فكساه حلة عبارته وبينه للرسول ﷺ بتلك العبارة وألهمه كما لقيه فأعرب الرسول بعبارة تفصح عنه هذا ما لاح لي ارتجالا والعلم عند الله وحده المقدمة الرابعة في بيان أنواع الحديث ينبغي لك أن تعلم أنه ليس كل مل ينسب إلى الرسول - صلوت الله عليه - صدقا والاستدلال به جائزا فإنه روي عن شعبة ﵀ أنه قال: نصف الحديث كذب وعن أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم من أئمة الحديث ﵏ نحو ذلك ولأنه نسب إليه - صلوات الله عليه - أنه قال "سيكذب علي" فهذا الخبر إن كان صدقا فلا بد من أن يكذب عليه وإن كان كذبا فقد كذب عليه وللمخافة عن هذا أوعد الشارع عليه وقال "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" وهذا إنما وقع من الثقات لا عن تعمد بل إما لنسيان كما روي عن ابن عمر ﵁ روى "إن الميت ليعذب ببكاء أهله" فبلغ ابن عباس ﵁ فقال: "ذهل أبو عبد الرحمن إنه ﵇ مر بيهودي يبكي على ميت فقال "إنه ليبكي عليه وإنه ليعذب"

стр. 9

أو لالتباس لفظ أو وقوع خطأ في تعبير العبارة والنقل بالمعن نظيره: أن ابن عمر ﵁ روى: أنه ﵇ وقف على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا" ثم قال "إنهم الآن يسمعون ما أقول" فذكر ذلك لعائشة ﵂ فقالت "لا بل قال: إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق" أو لأنه ذكره الرسول - صلوات الله عليه - حكاية فحسب الراوي أنه يقوله من تلقاء نفسه كما روي أنه قال: الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار فقالت عائشة ﵂: إنما قال الرسول - صلوات الله عليه - حكاية عن غيره. أو لأن ما قاله - صلوات الله عليه - كان مختصا بسبب فغفل الراوي عنه كما روي أنه قال "التاجر فاجر" فقالت عائشة: إنما قال ذلك في تاجر يدلس أو لنحوها. وقد وقع عن تعمد: إما عن الملاحدة طعنا في الدين وتنفيرا للعقلاء عنه كما روي أنه قيل له: يارسول الله مم ربنا؟ فقال ﷺ : خلق خيلا فأجراها فعرقت فخلق نفسه عن ذلك العرق " تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وتبرأ الرسول ﷺ عما بهتوه بهتانا عظيما وإما عن الغواة المتعصبين تقريرا لمذهبهم وردا لخصومهم

стр. 10

كما روي أنه قال: سيجيء أقوام من أمتي يقولون: القرآن مخلوق فمن قال: مخلوق فقد كفر بالله العظيم وطلقت امرأته من ساعته لأنه لا ينبغي لمؤمنة أن تكون تحت كافر" أو عن جهلة القصص ترقيقا لقلوب العوام وترغيبا لهم في الأذكار والأوراد كما حكي: أن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين - رحمة الله عليهما - حضرا مسجد رصافة في جماعة فقام بين أيديهم قاص وقال: أخبرنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ " من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة منها طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان " وأخذ في قصة طويلة فنظر يحيى إلى أحمد وقال: أنت حدثته؟ فقال: والله ما سمعته إلا الساعة فدعاه يحيى وقال له: أنا يحيى وهذا أحمد وما سمعنا بهذا قط فقال: لم أزل أسمع أن يحيى أحمق وما تحققته إلا الساعة ليس في الدنيا غيركما أحمد ويحيى قد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. أو عن المتهالكين على المال والجاه تقربا إلى الحكام كما وضعوا في دولة بني العباس نصوصا على إمامة العباس وأولاده إلى غيرهم من الزائغين عن الهدى.

стр. 11

إذا عرفت هذا فتقول: ما نقل عن الرسول - صوات الله عليه - ثلاثة أقسام: ما يعلم صدقه وما يعلم كذبه وما لا يعلم حاله والأول: كل خبر بلغت كثرة رواته في كل طبقة مبلغا أحال العقل تواطؤهم على الكذب ويسمى: متواترا. والثاني: ما يخالف قاطعا ولم يكن يقبل التأويل أو كان من الشواذ المروية في أمر تتوفر الدواعي على إشاعته إما لغرابته, أو لكونه أصلا في الدين ويسمى: موضوعا. والثالث: على ثلاثة أقسام لأنه: إما أن يكون راحج الصدق, أو راجح الكذب, أو مستوى الطرفين. والأول: ما سلم لفظه ومعناه, واتصل إسناده إلى الرسول - صلوات الله عليه - بعنعنة ثقات معلومي العدالة ويسمى: صحيحا, وقد يقسم هذا القسم بنوعين من التقسيم إلى أقسام أربعة: التي أوردها الإمامان محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري ومسلم بن حجاج القشيري في جامعيهما - تسمى صحاحا وإن كانت فرادى في كل الطبقات أو بعضها تسمى: حسانا وعلى هذا اصطلح صاحب الكتاب, ولا شك أن القسم الأول عند التعارض أرجح من الثاني, لتأكد الظن فيه, واتفاق القائلين بالخبر الواحد على هذا النوع خاصة. والثاني: أن الحديث إن كان مما دونه الحفاظ وشاع فيما بينهم سمي: مشهورا, وإن تفرد به حافظ واحد, ولم

стр. 12

ينكره غيره سمي: غريبا, وقد يطلق الغريب ويراد به: ما رواه التابعي عن صحابي لم يكن مشهورا به. والثاني: ما يكون في لفظه ركاكة أو خلل لا يحسن إصلاحه, أو في معناه خور, مثل أن يكون على خلاف آية أو خبر متواتر أو إجماع, ويسمى: مستقيما, أو في أحد رواته قدح وتهمة, ويسمى: ضعيفا ومنكرا, وقد يطلق السقيم عليه أيضا. والثالث: ما لا يكون في متنه علة, ولا في راويه خلل بين, لكن بعض رواته لم يعلم بعين أو وصفه, والأول: إن كان هو الصحابي سمي الحديث: مرسلا, وإن كان غيره سمي: منقطعا, وإن كان كليهما سمي: معضلا, والثاني: ما لا يعرف عدالة رواته, وسمي: مجهولا. والمنقطع والمعضل لا استدلال بهما, وفي المرسل والمجهول خلاف, فاعتبرهما أبو حنيفة, ورد الشافعي ﵁ المجهول مطلقا, والمرسل إذا لم يكن مؤبدا بإرسال آخر, أو فتوى أهل العلم أو العلم بأن الراوي الفرع لا يروي إلا من العدل وللكلام بعد مجال, لكن الاقتصار أولى والاشتغال بالمقصود أجدى.

стр. 13

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى والصلاة التامة الدائمة على رسوله المجتبى محمد سيد الورى وعلى آله نجوم الهدى. قال الشيخ الإمام الأجل السيد, محيي السنة, ناصر الحديث ركن الإسلام, قدوة الأمة, إمام الأئمة, أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء, البغوي, نور الله قبره: أما بعد, فهذه ألفاظ صدرت عن صدر النبوة, وسنن سارت عن معدن الرسالة, وأحاديث جاءت عن سيد المرسلين وخاتم النبيين, هن مصابيح الدجى, خرجت عن مشكاة التقوى التقي, مما أوردها الأئمة في كتبهم, جمعتها للمنقطعين إلى العبادة, لتكون لهم بعد كتاب الله حظا من السنن, عونا على ما هم فيه من الطاعة. تركت ذكر أسانيدها حذرا من الإطالة عليهم, واعتمادا على نقل الأئمة, وربما سميت في بعضها الصحابي الذي يرويه عن رسول الله ﷺ لمعنى دعا إليه وتجد أحاديث كل باب منها تنقسم إلى صحاح وحسان.

стр. 14

أعني بـ (الصحاح): ما أخرجه الشيخان, أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري, وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري رحمهما الله, في جامعيهما, أو أحدهما. وأعني بـ (الحسان) ما أورده أبوداود سليمان بن الأشعث السجستاني وأبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي, وغيرهما من الأئمة في تصانيفهم – ﵏ – مما لم يخرجه الشيخان, وأكثرها صحاح بنقل العدل عن العدل غير أنها لم تبلغ غاية شرط الشيخين في علو الدرجة من صحة الإسناد, إذ أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن. وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه, وأعرضت عن ذكر ما كان منكرا أو موضوعا, والله المستعان وعليه التكلان. روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لامريء ما نوى, فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله, فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " (عنوان الكتاب) (قوله: وربما سميت في بعضها الصحابي الذي يرويه عن رسول الله ﷺ لمعنى دعا إليه)

стр. 15

لذكر الصحابي فوائد: الأولى: معرفة الناسخ والمنسوخ, لأنه إذا تعارض خبران, وعلم أن أحدهما يرويه من كان له صحبة مع الرسول ﷺ زمانا محدودا, وراوي الآخر أسلم بعد انقطاع صحبته, علم أن الأول منسوخ بالثاني. والثانية: التنبيه على رجحان الخبر بحال الراوي من علمه وزيادة ورعه وعلو منصبه, إلى غير ذلك, كما بيناه في كتابي "المنهاج" و"المرصاد" والثالثة: أن الحديث الواحد قد يروى عن جماعة بطرق مختلفة طعن في فروع بعضهم, فينسب الحديث إلى الآخر توقيا عن ذلك. والرابعة: أن المعاني المتقاربة قد تروى عن أشخاص من الصحابة بألفاظ متفاوتة, فيذكر الصحابي الذي يرويه بهذه العبارة تمييزا لها عن أخواتها. (قوله: وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه) مر تعريف أقسام الأحاديث, ولقائل أن يقول: الضعيف – كما ذكرت – ساقط عن درجة الاعتبار والاحتجاج, فلم أثبته في تضاعيف ما أورده؟ وجوابه: أن حاصل الضعيف, راجع إلى طعن رمي به الراوي,

стр. 16

وليس كذلك ما هو قادح عند أحد قادحا عند كل أحد، فإن مجال الخلاف في أسباب الجرح فسيح, فلعل الحديث الضعيف عنده لم يكن ضعيفا عند غيره, بل كان أصلا تبنى عليه المسائل, وكم من خلاف منشؤه ذلك, فأثبته الشيخ في الكتاب تعميما لنفعه, وأشار إلى ضعفه تنبيها على ما هو عنده, وأيضا كثير من الأحاديث الضعاف استشهد به من لم يتحقق كنه حالها ولا ركاكة رجالها, وأشهرها بين الناس حتى صارت من الزائغات المقبوله, فأوردها وذكر ضعفها إزاحة لذلك, والله أعلم. "عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إنما الأعمال بالنيات, وإنما لامرئ ما نوى, فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله, ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" الموجب لتقديم هذا الحديث أمران: أحدهما: أن أول ما يجب على العبد هو القصد إلى النظر المفيد للمعرفة, كما بين في الكتب الأصولية, ومن قال بأن أول الواجبات هو المعرفة أراد به: أول الواجبات المقصودة بالذات, لا أول ما يجب كيف كان, فكان جديرا بأن يقدم ما ورد فيه. ثانيهما: أن يكون أول ما يقرع السمع ويتمكن في النفس: إنما الأعمال بالإخلاص, فيزكي المتعلم أولا سره عن الأغراض والمطامع

стр. 17

الدنيوية, ويتوجه بقلبه إلى الحضرة الإلهية. ولا يقصد بسعيه – سيما في هذا الفن – سوى الفوز بالمعرفة والزلفى من الله تعالى. ولفظة (إنما) تفيد الحصر, لأنها مؤلفة من (أن) التي للإثبات و (ما) التي للنفي, والأصل يقتضي بقاء مفهومها بعد التركيب, ولا ريب في أن (إن) لا تقتضي إثبات غير المذكور, و (ما) نفي المذكور, فتعين عكسه. ويشهد له قول الأعشى: [و] إنما العزة للكاثر وقول الفرزدق: ........... وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي فالمعنى: لا عمل إلا بالنية, والنفي المضاف إلى الأفعال مثل: لا صلاة, ولا صيام, ولا نكاح , متروك الظاهر, لأن الذوات غير منتفية, والمراد به نفي الأحكام المتعلقة بوجودها كالصحة والفضيلة, والحمل على نفي الصحة أولى, لأنه أشبه بنفي الشيء في نفسه, لأن اللفظ يدل بالتصريح على نفي الذات, وبالتبع على نفي جميع الصفات, فلما منع الدليل على نفي الذات بقي دلالته على نفي جميع الصفات. والنية: عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من

стр. 18

جلب نفع أو دفع ضر, حالا أو مآلا. وتحقيق ذلك: أن الأفعال الاختيارية لا تتم إلا بثلاثة أمور: علم, وإرادة, وقدرة, فإن الفعل لايوجد إلا بتأثير القدرة, والقدرة لا تعمل ما لم تستعملها الإرادة ولم تعين لها أحد الطرفين الممكنين, أعني: الفعل والترك, والإرادة لا تبعث ولا تتوجه نحوه ما لم يتصور فيه مصلحة تدعوه إليه, فتلك الإرادة إذا أبرمت وصارت عزما جزما, عبر عنها بالنية لغة. والشرع خصصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله تعالى وامتثالا لحكمه, فمن فعل نائما أو غافلا ففعله معطل مهمل, يماثل أفعال الجماد, ومن أتى طاعة رياء وسمعة, أو طمعا في عطاء دنيوي, أو توقعا لثناء عاجل, أو تخلصا عن تعنيف الناس فهو مزور أو مستعيض, لا مطمع ولا مطمح له سوى الدنيا, وما له في الآخرة من خلاق, كما قال ﵇:" إن أول الناس يقضى إليه يوم القيامة: رجل استشهد, فأتى به فعرفه نعمه فعرفها, قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت, قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال: رجل جريء وقد قيل فأمر به فسحبت على وجهه حتى ألقي في النار " الحديث.

стр. 19

ومن عمل صالحا فهو مخلص في عمله, مستقبل بوجهه نحو معبوده, صعد من الحضيض الإنسي إلى الأوج القدسي, واستحق ما أعد له من الثواب في دار المآب. وتحقيق ذلك: أن المقصود الأعظم من شرع الأعمال وإدآب الجوارح: تمثل الملكات الفاضلة في النفس, وتمكن العقائد الحقة فيها فإن العبادة تذكر المعبود, ويمكن ذكره تكررها والمواظبة عليها, وتوجب للنفس صدقا في محبته وشوقا إلى قربه, وشغفا إلى ما عند من نعائم العقبى وطرائقها, وزهدا في حطام الدنيا وزخارفها ويشهد له قوله تعالى (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) وقوله ﵇: " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم, بل إلى قلوبكم ونياتكم " وقوله: " نية المؤمن خير من عمله ونية الفاجر شر من عمله ". والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي, ليحسن تطبيقه بما بعده وتقسيمه بقوله: (فمن كانت هجرته) إلى آخره, فإنه تفصيل لما أجمله, واستنباط للمقصود عما أصله إذ روي: أن رجالا هاجروا شغفا بمهاجرات وطمعا في منح الأنصار فورد فيهم الحديث.

стр. 20

(١) كتاب الإيمان

стр. 21

(١) كتاب الإيمان ١ - باب من الصحاح: ١ - ١ - قال عمر بن الخطاب ﵁ بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب, شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر, ولا يعرفه منا أحد, حتى جلس إلى النبي ﷺ , وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع يديه على فخذيه, فقال: يا محمد أخبرني عن الإيمان, فقال: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر, وتؤمن بالقدر خيره وشره " فقال: صدقت, قال: فأخبرني عن الإسلام, قال: " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, وتقيم الصلاة ووتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان, وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا " قال: صدقت, قال: فأخبرني عن الإحسان, قال: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك " قال: فأخبرني عن الساعة قال: " ما المسؤول عنها

стр. 22

بأعلم من السائل " قال: فأخبرني عن أماراتها, قال: " أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العلة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان " ثم انطلق, فلبثت مليا, ثم قال لي: " يا عمر أتدري من السائل؟ " قلت: الله ورسوله أعلم قال: " فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم " ورواه أبو هريرة ﵁ وفي روايته: " وأن ترى الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض في خمس لا يعلمهن إلا الله: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث) الآية. (كتاب الإيمان) (من الصحاح) " قال عمر بن الخطاب ﵁: بينما نحن عند رسول الله ﷺ , إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب, شديد سواد الشعر ولا يرى عليه أثر السفر, ولا يعرفه منا أحد, حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه, ووضع يديه على فخذيه, وقال: يا محمد أخبرني عن الإيمان, فقال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر, وتؤمن بالقدر خيره وشره, فقال: صدقت, قال: فأخبرني عن الإسلام, قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان, وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا, قال: صدقت, قال: فأخبرني عن الإحسان, قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه

стр. 23

يراك, قال: فأخبرني عن الساعة, قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل, قال: فأخبرني عن أماراتها, قال: أن تلد الأمة ربتها, وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان, قال: ثم انطلق فلبثت مليا, ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله روسوله أعلم, قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ". ورواه أبو هريرة وفي روايته: " وأن ترى الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض في خمس لا يعلمهن إلا الله: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث) الآية [لقمان ٣٤] أي: الساعة معدودة من المغيبات الخمس التي ذكرت في القرآن, كقوله تعالى: (إن الله عند علم الساعة) الآية. " بينما " أصله: بين, و (ما) مزيدة معوضة عما يستحقه من المضاف إليه, ولذلك لا يضاف, (بينا (مثله في المعنى, والألف فيه حصلت من إشباع الفتحة, قال الشاعر: فبيناه يشري نفسه قال قائل ... لمن جمل رخو الملاط نجيب والمعنى: بين أوقات أو أحوال نحن جالسون فيها عند رسول الله ﷺ زمان طلوع هذا الرجل, أي: بدوه وظهوره. " الإيمان ": (إفعال) من الأمن بمعنى الطمأنينة, يقال: أمنته وأمننيه فلان, ثم يقال: أمنته, أي: صدقته, وحقيقته: أمنته عن

стр. 24

التكذيب والمشاقة, وتعديته لتضمنه معنى أقر وأعترف. و" الله " أصله: (إله) فحذفت همزته معوضا عنها حرف التعريف, وكذلك قطع الألف وأدخل عليه حرف النداء, فقيل: يا ألله و (الإله): فعال بمعنى المفعول, كالكتاب بمعنى المكتوب, من: أله إلاهة , أي: عبادة, أو أله ألها, أي: تحير, فإن الفطن يدهش في معرفة المعبود, والعقول تتحير في كبريائه, فغلب على المعبود بحق, وأما (الله) فمختص به لا يقع على غيره, واختلف في أنه وصف أو اسم, فمن زعم أنه اسم احتج بأن صفاته تعالى لا بد لها من اسم تجري عليه, وسائر الألفاظ الجارية على الله صفات بالاتفاق, ومن أنكر ذلك تمسك بأن ذاته من حيث هو غير معقول, فلا يمكن وضع اللفظ له, والظاهر أنه من الصفات الغالبة ز و (الملائكة) جمع: ملاك على الأصل, كالشمائل جمع: شمال والتاء لتأنيث الجمع, مشتق من الألوكة بمعنى: الرسالة غلبت على الجواهر العلوية النورانية المبرأة عن الكدورات الجسمانية, التي هي وسائط بين الله تعالى والبشر. و (كتبه): ما أنزل على أنبيائه صلوات الله عليهم, إما مكتوبا على نحو ألواح, أو مسموعا من الله تعالى من وراء حجاب, أو من ملك مشاهد مشافه أو مصوت هتاف, وأشار سبحانه إلى هذه الأقسام في قوله: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) [الشورى ٥١] وإنما قدم ذكر الملك على الكتاب

стр. 25

والرسل اتباعا لترتيب الواقع, فإنه سبحانه أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول لا تفضيلا للملك عليهما. والموجب لدخول الإيمان بها في مفهوم الإيمان الصحيح – مع أن المقصود بالذات معرفة المبدأ والمعاد – أن الناس تنقسم إلى: فطن ذكي يرى المعقولات كالمحسوسات, ويدرك الغائبات إدراك المشاهدات ومنهم الأنبياء صلوات الله عليهم, وإلى من ليس هذا صفتهم, بل الغالب عليهم متابعة الحس ومشايعة الوهم, والعجز عن التخطي إلى ما وراء ذلك, وهم أكثر الخلق وعامة الناس. فإذا: لا بد لهم من معلم يدعوهم إلى الحق, ويذودهم عن الزيغ, ويكشف لهم الحقائق والمغيبات, ويحل عن عقولهم العقد والشبهات, وما هو إلا النبي صلوات الله عليه, المبعوث لهذا الأمر, وهو – وإن كان نافذ البصيرة, مشتعل القريحة, يكاد زيتها يضيء, ولو لم تمسسه نار – يحتاج إلى نور يظهر له الغائبات إظهار نور الشمس للمشاهدات, وهو الوحي والكتاب, ولذلك سمي القرآن: نورا. ثم لا بد لهذا النور من حامل يحمله, وموصل يوصله, وهو الملك المتوسط بين الله ورسوله, فالمرء لا يصير مؤمنا إلا إذا تعلم من النبي ﷺ ما علمه وتحققه بإرشاد الكتاب الواصل غليه بتوسط الملك, وهو أن له ولجميع ما يشار له في الحدوث والإمكان صانعا واحدا واجب الوجود وفائض الجود, مقدسا عن سمة الإمكان ووصمة النقصان.

стр. 26

وهنا أسرار دقيقة لا يتفطن لها إلا الأفراد من الصديقين. و (اليوم الآخر) يوم القيامة, لأنه آخر أيام الدنيا, أو آخر الأزمنة المحدودة, والمراد بالإيمان به: الإيمان بما فيه من البعث والحساب, ودخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار, إلى غير ذلك مما ورد النص القاطع عليه. و (القضاء): هو الإرادة الأزلية, والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص, و " القدر ": تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها. والقدرية قالوا: القضاء علمه تعالى بنظام الموجودات, وأنكروا تأثير قدرة الله تعالى في أعمالنا وتعلق إرادته بأفعالنا, وزعموا أنها واقعة بقدرتنا ودواع منا, فأثبتوا لنا قدرة مستقلة بالإيجاد والتأثير في أفعالنا, كما هي ثابتة لله تعالى في أفعاله, ولذلك سماهم النبي ﷺ : مجوس هذه الأمة. و" الإسلام ": هو الانقياد والإذعان يقال: سلم وأسلم واستسلم: إذا خضع وأذعن, ولذلك أجاب عنه بالأركان الخمسة. وهذا صريح بأن الأعمال خارجة عن مفهوم الإيمان, وأن الإسلام والإيمان متباينان, كما أضشعر به قوله تعالى (قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) [الحجرات: ١٤] وإليه ذهب أبو الحسن الأشعري ﵀. وقال بعض المحدثين وجمهور المعتزلة: الإيمان والإسلام عبارتان عن معبر واحد, وهو المجموع من التصديق بالجنان, والإقرار

стр. 27

باللسان والعمل بالأركان. ويرد عليهم: أنه سبحانه عطف الأعمال الصالحة والانتهاء عن المعاصي على الإيمان في مواضع لا تحصى, ولو كانت الأعمال داخلة في الإيمان لما حسن ذلك. وعلى المحدثين خاصة أنه لو كان كذلك للزم خلروج الفاسق بفسقه عن عداد المؤمنين, كما قاله المعتزلة, ولكنهم أشد الناس إنكارا لهذه المقالة. فإن قلت: فما تصنع بقوله تعالى ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران:١٩] ﴿رضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة:٣] (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) [آل عمران: ٨٥] فإن الإيمان لو كان مغايرا للإسلام لم يكن عند الله دينا, ولما كان مرضيا ولا ومقبولا؟! وبقوله ﵇:" الإيمان بضع وسبعون شعبة, أفضلها قول: لا إله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق "؟! قلت: الآيات تدل على أن الشرائع والأعمال المغايرة للإسلام غير مقبولة, ولا معتد بها, ولا يلزم من ذلك أن يكون ما ليس من قبيل الأعمال كذلك, مع أن الآيتين الأوليين لا تفيدان الحصر, والإيمان المذكور في الحديث مجاز, لأن إماطة الأذى عن الطريق ليس من مفهوم الإيمان الحقيقي وفاقا, والتصديق القلبي ليس خارجا عنه. والحديث أخرجه عن الشعب البضع والسبعين, إذ لو دخل فيه لزم أن يكون القول أفضل من العقد, وليس كذلك.

стр. 28

ووجه التجوز: أن الإقرار اللساني يعرب عن التصديق النفساني والعمل يصدقه من حيث إنه من ثمراته ونتائجه. فإن قلت: فعلى هذا لا يزيد ولا ينقص, وقد قال تعالى ﴿ويزداد الذين آمنوا إيمانا﴾ [المدثر:٣١] ﴿فأما الذين آمنوا فزادهم إيمانا﴾ [التوبة:١٢٤] ﴿ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم﴾ [الفتح: ٤]؟! قلت: المعنى: أن تصديقهم يتضاعف بنزول آية بعد أخرى, فإنهم لما كانوا مؤمنين بآية, ثم نزلت آية أخرى وآمنوا بها أيضا, تعدد إيمانهم وازداد. هذا وإن التصديق لو جاز فيه التقليد قبل التنقص والاشداد ضعفا وقوة, وهو ظاهر, وكذا إن لم يجوز, لأنه يقوى برسوخه في النفس بكثرة ممارسته وتعاضد أدلته والألف به, فإن له تأثيرا في ذلك, وكثيرا ما لأجله يتشابه النظري بالضروري, وتتفاوت الأوليات في الجلاء. (وإقامة الصلاة): تعديل أركانها, من أقام العود: إذا قومه وسواه, أو إدامتها والمحافظة عليها, من قامت السوق: إذا نفقت واستديمت, والصلاة: (فعلة) من: صلى بمعنى دعا, أو حرك الصلوين, فإن المصلي يفعله في ركوعه وسجوده, كالزكاة بمعنى: نما أو طهر, فإن المال يزيد بأداء الزكاة ويطهر بها. و (الصوم) في اللغة: الإمساك, و (الحج) هو القصد, فخصا بهذين النوعين عن الإمساك والقصد, و (البيت) اسم جنس غلب

стр. 29

على الكعبة, وصار له مثل: النجم للثريا, والسنة لعام القحط. و" الإحسان " ها هنا بمعنى: الإخلاص والجد في الطاعة, ولذلك فسره بذلك, فإن من زاول طاعة الملك في حضرته كان أجد وأنشط في عمله, وأطمع في معروفه, وأخوف من تأديبه على تقصيره وسوء صنيعه, وذلك بسبب اطلاعه على حاله, وعلمه بأفعاله, لا لرؤية المطاع إياه, وهو بمعنى قوله:" وإن لم تكن تراه فإنه يراك ". والظاهر أن عدم التصديق عقب من هذا الجواب من إغفال بعض الرواة, فإن مسلم بن حجاج – ﵀ – رواه عن أبي هريرة ﵁ وذكر في طريقه عمر ﵁ , أنه قال – يعني عمر – بعد قوله: " فإنه يراك " في كل ذلك يقول له:" صدقت " وبتقدير أن يكون من جبريل فسببه ظهور الجواب وجلاؤه. ومدة بقاء هذا العالم, وتعين الوقت الذي تقوم فيه الساعة, سر استأثره الله بعلمه, لا يعرفه ملك مقرب ولا نبي مرسل, ولذلك قال ﵊:" ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " أي: تساويا في عدم العلم بها. وقال في رواية أبي هريرة: " في خمس لا يعلمهن إلا الله ", أي: الساعة معدودة في خمس, واستدل بقوله تعالى ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ [لقمان: ٣٤]. والحكمة في هذا السؤال والجواب: هو الفصل بين ما يمكن معرفته ويحسن النظر فيه, وما لا يمكن ولا يفيد الخوض فيه والسؤال

стр. 30

عنه, والإقناط الكلي لمن يطمع التطلع. و (الأمارة): العلامة, وتأنيث " ربتها " على تأويل النفس أو النسمة, وقد روي: " ربها " هو ولد المستولدة عن السيد, وتسمية " ربتها " إما لأجل أنه سبب عتقها, أو لأنه ولد ربها أو مولاها بعد الأب, وذلك إشارة إلى قوة الإسلام, لأن كثرة السبي والتسري دليل على استعلاء الدين واستيلاء المسلمين, وهي من الأمارات, لأن قوته وبلوغ أمره غايته منذر بالتراجع والانحطاط المؤذن بأن القيامة ستقوم, لامتناع شرع آخر بعد, إذ هو آخر الأديان والهدى, واستمرار عادته سبحانه على أن لا يدع عباده أبدا سدى. و" الحفاة " جمع: حاف, وهو الذي لا نعل له, من: حفي يحفى حفية وحفاية, و" العراة " جمع عار, و" العالة " جمع: عائل, من: عال بمعنى كثر عياله, أي: يغلب الأرذال, ويذل الأشراف, ويتولى الرئاسة من لا يستحقها, ويتعاطى السياسة من لا يحسنها. و" لبثت مليا ", أي: زمانا طويلا. و" جبريل ": ملك يتوسط بين الله ورسله, ومن خواص الملك أن يتمثل للبشر, فيراه جسما مشكلا محسوسا, ثم إن هذا المثل بقوة ملكية, أو ملكية نفسانية؟ فيه خلاف, وتفاوت الحاضرين عند نزول الوحي في ذلك دليل على الرأي الثاني, وتحقيق القول فيه تطويل وعدول عن المقصود.

стр. 31

٢ - ٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " الإيمان بضع وسبعون شعبة, فأفضلها قول: لا إله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق, والحياء شعبة من الإيمان ". " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الإيمان بضع وسبعون شعبة, أفضلها قول: لا إله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق, والحياء شعبة من الإيمان " (البضع والبضعة) بكسر الباء: ما فوق الواحد دون العشرة, وقيل: ما فوق الثلاثة, بدليل لحوق التاء به حالة التذكير والعراء عنها حالة التأنيث, ولا يستعمل إلا مفردا أو نيفا للعشرات, فلا يقال: بضع ومئة, ولا: بضع وألف, وهو من البضع بمعنى القطع, ويرادفه: البعض. و (البضع والبضعة) بالفتح: القطعة من الشيء, وفي الحديث: " فاطمة بضعة مني " والمرة من البضع. و (الشعبة): الطائفة من الشيء, والغصن من الشجر, والجمع: شعب, والشعب - بالكسر -: الطريق في الجبل, وبالفتح: القبيلة العظيمة, والشعوبية: جيل العجم, وتشعب القوم: تفرقوا, فالتركيب كما ترى دال على التفرق والانقسام. قوله:" بضع وسبعون " يحتمل أن يكون المراد به التكثير دون التعديد, كما في قوله تعالى ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ [التوبة:٨٠]

стр. 32

واستعمال لفظة السبعة والسبعين للتكثير كثير, وذلك لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد, فإنه ينقسم إلى فرد وزوج, وكل منهما إلى أول ومركب, والفرد الأول ثلاثة, والمركب خمسة, والزوج [الأول] الاثنان, والمركب أربعة, وينقسم أيضا إلى منطف كالأربعة, وأصم كالستة, والسبعة تشمل جميع هذه الأقسام, ثم إن أريد مبالغة جعلت آحادها أعشارا. وأن يكون المراد تعداد الخصال وحصرها, وبيانه: أن شعب الإيمان – وإن كانت متعددة متبددة – إلا أن حاصلها يرجع إلى أصل واحد, وهو تكميل النفس على وجه به يصلح معاشه ويحسن معاده, وذلك بأن يعتقد الحق ويستقيم في العمل, وإليه أشار صلوات الله عليه, حيث قال لسفيان الثقفي حين سأله في الإسلام قولا جامعا: " قل آمنت بالله ثم اسقم ". وفن الاعتقاد ينشعب إلى ست عشرة شعبة. طلب العلم, ومعرفة الصانع, وتنزيهه عن النقائص وما يتداعى إليها, والإيمان بصفات الإكرام مثل الحياة والعلم والقدرة, والإقرار بالوحدانية, والاعتراف بأن ما عداه صنعه لا يوجد ولا يعدم إلا بقضائه وقدره, والإيمان بملائكته المطهرة عن الرجس المعتكفين في حظائر القدس, وتصديق رسله المؤيدين بالآيات في ادعاء البنوة,

стр. 33

وحسن الاعتقاد فيهم, والعلم بحدوث العالم, واعتقاد فنائه على ما ورد به التنزيل, والجزم بالنشأة الثانية وإعادة الأرواح إلى الأجساد والإقرار باليوم الآخر – أعني بما فيه من الصراط والحساب وموازنة الأعمال وسائر ما تواتر عن الرسول صلوات الله عليه -, والوثوق على وعد الجنة وثوابها, واليقين بوعيد النار وعقابها. وفن العمل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: ما يتعلق بالمرء نفسه, وهو ينقسم إلى قسمين: أحدهما: ما يتعلق بالباطن, وحاصله: تزكية النفس عن الرذائل, وأمهاتها عشرة: شره الطعام, وشره الكلام, وحب الجاه, وحب المال, وحب الدنيا, والحقد, والحسد, والرياء, والعجب, وتحلية النفس بالكمالات، وأمهاتها ثلاثة عشرة: التوبة, والخوف, والرجاء, والزهد, والحياء, والشكر, والوفاء, والصبر, والإخلاص, والصدق, والمحبة, والتوكل, والرضا بالقضاء, وثانيهما: ما يتعلق بالظاهر, ويسمى: فن العبادات, وشعبها ثلاث عشرة: طهارة البدن عن الحدث والخبث, وإقامة الصلاة, وإيتاء الزكاة, والقيام بأمر الجنائز, وصيام رمضان, والاعتكاف, وقراءة القرآن, وحج البيت والعمرة, وذبح الضحايا, والوفاء بالنذور, وتعظيم الإيمان, وأداء الكفارات.

стр. 34

وثانيها: ما يتعلق به, وبخواصه وأهل منزله, وشعبها ثمان: التعفف عن الزنا ’ والنكاح, والقيام بحقوقه, وبالبر بالوالدين, وصلة الرحم, وطاعة السادة, والإحسان إلى المماليك والعتق. وثالثها: ما يعم الناس وينوط به صلاح العباد, وشعبها سبع عشرة: القيام بإمارة المسلمين واتباع الجماعة ومطاوعة أولي الأمر, والمعاونة على البر, وإحياء معالم الدين ونشرها, والأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, وحفظ الدين بالزجر عن الكفر ’ومجاهدة الكفار, والمرابطة في سبيل الله, وحفظ النفس بالكف عن الجنايات, إقامة حقوقها من القصاص والديات, وحفظ أموال الناس بطلب الحلال, وأداء الحقوق, والتجافي عن المظالم, وحفظ الأنساب وأعراض الناس بإقامة حدود الزنا والقذف, وصيانة العقل بالمنع عن تناول المسكرات والمجننات بالتهديد والتأديب عليه, ودفع الضرر عن المسلمين, ومن هذا القبيل: إماطة الأذى عن الطريق. و"أدناها"أي: أقربها منزلة, وأدونها مقدارا, من الدنو بمعنى القرب, يقال: فلان داني القدر وقريب المنزلة كما يعبر بالبعيد عن ضد ذلك, يقال: فلان بعيد الهمة بعيد المنزلة, بمعنى: الرفيع العالي, ولذلك استعمله في مقابلة الأعلى, و (الإماطة):الإبعاد,

стр. 35

من: ماط, أي: بعد, والدفع بمعنى المِيَاط. و"الأذى": في الأصل مصدر, يقال: آذاه يؤذيه أذى وإيذاء وأذية, فاستعمل فيما يؤذي مطلقا, ثم خص بالخبث والأوساخ, والمقصود الظاهر منه: صيانة الطرق عما يؤذي المارة وينغص المرور. و"الحياء ":تغير وانكسار يعتري المرء من خوف ما يلام به ويعاب, مأخوذ من الحياة, يقال: حيى الرجل, كما يقال: نسي وحشي, إذا اعتلت النسا والحشا, وكأن الحيي صار لما يعتريه من التغير والانكسار متنقص الحياة منتكس القوى, ولذلك قيل: مات حياء, وجمد في مكانه خجلا, وإنما أفرده بالذكر لأنه كالداعي والباعث إلى سائر الشعب, فإن الحيي يخاف فضاحة الدنيا والآخرة, فينزجر عن المعاصي ويتثبط عنها. ٣ - ٥ - وقال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه والده وولده والناس أجمعين ",رواه أنس. "عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ". المراد بالحب ها هنا ليس الحب الطبيعي التابع للميول والشهوات النفسانية, فإنه خارج عن حد الاخيار والاستطاعة, بل الحب العقلي الذي هو: إيثار ما يقتضي العقل رجحانه ويستدعي

стр. 36

اختياره, وإن كان على خلاف الهوى. ألا ترى أن المريض يعاف الدواء وينفر عنه بطبعه, ويميل إليه باختياره ويهوى تناوله بمقتضى عقله, لما علم أو ظن أن صلاحه فيه؟! فالمرء لا يؤمن إلا إذا تيقن أن الرسول ﷺ لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه صلاح عاجلي, أو خلاص آجلي, وأنه آخذ بحجزه يكفه عن النار من غير غرض وتوقع عوض. وقد علم أن الوالد كان غرضه في ابتداء أمره قضاء وطره, وغاية صمته في كفالته أيام صغره أن يكون ردءا له في كبره, وخلفا له بعد عمره, وولده إن بر به, فبره أداء لما عليه من سوابق الأيادي والنعم. وإذا علم ذلك علم قطعا أن الرسول ﷺ أعطف الناس عليه وأنفعهم له, بل الشفيق الحقيقي هو لا غير, وحينئذ يقضي العقل بترجيح جانبه ولزوم طاعته, فثبت أن المرء لا يؤمن ولا يعتد بإيمانه حتى يقتضي عقله ترجيح جانب الرسول ﷺ على ما سواه من المخلوقات, وهذا أول درجات الإيمان وكفايتها, وكمالها: أن تتمرن نفسه ويرتاض طبعه, بحيث يصير هواه تبعا لعقله, مذعنا لأمر [هـ] ,مساعدا على تحصيل فضائله, فيطاوع الرسول ﷺ ويرجح جانبه بعقله وطبعه, ويصير الرسول ﷺ أحب إليه عقلا وطبعا, والإيمان به والإذعان لحكمه ملائما لنفسه موافقا لطبعه, ويلتذ به التذاذا عقليا, إذ اللذة إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك, [لا] من حيث إنه

стр. 37

مطعوم أو منكوح, ألا ترى أنه قد يشتهي تارة, ويعاف عنه أخرى, وأن صاحب الجاه كثيرا ما يعرض عن المطاعم الشهية والمناكح البهية مراعاة لحشمته, وهي وإن لم تكن من المحسوسات فهي من اللذائذ الخسيسة الحيوانية, وليست بينها وبين اللذائذ العقلية الأبدية – سيما الكمالات الإيمانية والحالات الوجدانية التي تعرض لأولياء الله المقربين - نسبة يعتد بها, والشارع – صلوات الله عليه – عبر عن هذه الحالة بالحلاوة, لأنها أطهر اللذائذ الحسية. **** ٤ – ٦ – وقال: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله, ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار " رواه أنس. " فيما روي أنه قال: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله, ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار " وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانا لكمال الإيمان المحصل لتلك اللذة, لأنه لا يتم إيمان امريء حتى يتمكن في نفسه أن المنعم بالذات والقادر على الإطلاق هو الله تعالى, ولا مانح ولا مانع سواه

стр. 38

وما عداه وسائط ليس لها في حد ذاتها إضرار ولا إنفاع, وأن الرسول - صلوات الله عليه – هو العطوف الحقيقي, الساعي في إصلاح شأنه وإعلاء مكانه, وذلك يقتضي أن يتوجه بشراره نحوه, ويحب ما يحبه, لكونه وسطا بينه وبينه, وأن يتيقن أن جملة ما وعد به وأوعد حق لا يحوم الريب حوله يقينا يخيل إليه الموعود كالواقع, والاشتغال بما يؤول إلى الشيء ملابسة به, فيحب مجالس الذكر رياض الجنة, وأكل مال اليتيم أكل النار, والعود إلى الكفر إلقاء في النار, فيكرهه كما يكره أن يلقى في النار. فإن قلت: لم ثنى الضمير ها هنا, ورد على الخطيب قوله:"ومن عصاهما فقد غوى " في حديث عدي بن حاتم, وأمره بالإفراد؟! قلت: ثنى الضمير ها هنا إيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين, لا كل واحدة, فإنها وحدها ضائعة لاغية, وأمر بالإفراد في حديث عدي إشعارا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية, فإن قوله:"ومن عصى الله ورسوله "- من حيث إن العطف في تقدير التكرير, والأصل فيه استقلال كل من المعطوف عليه في الحكم – في قوة قولنا: ومن عصى الله فقد غوى, ومن عصى الرسول فقد غوى ولا كذلك قول الخطيب: " ومن عصاهما فقد غوى ".

стр. 39

٥ – ٨ – وقال:" والذي نفس محمد بيده, لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني, ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار " رواه أبو هريرة ﵁. " عن أبي هريرة ﵁: أنه قال ﵊:" والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة, يهودي ولا نصراني, ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ". "الأمة " جمع لهم جامع من دين أو زمان أو مكان أو غير ذلك, فأمة محمد تطلق تارة ويراد بها: كل من كان مبعوثا إليهم وآمن به أو لم يؤمن, ويسمون: أمة الدعوة, وتطلق أخرى ويراد بها: المؤمنون به والمذعنون له, وهم أمة الإجابة, وهي ها هنا بالمعنى الأول بدليل قوله :" ولم يؤمن بي " واللام فيها للاستغراق أو للجنس. و" يهودي ولا نصراني " صفتان مقيدتان ل "أحد " أو بدلان عنه بدل البعض عن الكل, واللام للعهد, والمراد بها أهل الكتاب, ويعضده توصيف الأحد باليهودي والنصراني, والموجب لتخصيصهما دفع التخصيص فيهما, والإشعار على سائر حال الكفرة بالوجه الآكد الأبلغ , فإنه لما كان لمتوهم تخصيص ذلك لمن لم يكن أهل الكتاب, ويتوقع للكتابي بسبب ما له من الإيمان بنبيه والاستسلام لشرعه خلاصا ونجاة = نص على أنهم – وإن كانوا أصحاب شرع – فإنه لكونه منسوخا لا ينفعهم ولا يغنيهم, ولا محيص لهم عن الإيمان

стр. 40

به والانقياد له, وإذا كان حال هؤلاء, وهم أولاد الأنبياء وأرباب الأديان كذلك, فما ظنك بالمعطلة وعبدة الأوثان وأضرابهم؟! وقولهم: لا يكون كذا إلا وكان – أو يكون – كذا, من المحرفات التي تستعمل للإثبات الكلي, مثاله: لا يكون طير إلا ويكون له جناحان أي: كل طير فله جناحان. ومعنى الحديث: أن كل أحد من هذه الأمة يسمع بي وتتبين له معجزتي, ثم لم يؤمن برسالتي ولم يصدقني في مقالتي, كان من أصحاب النار, سواء الموجود ومن سيوجد. **** ٦ – ٩ – وقال:" ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد, والعبد المموك إذا أدى حق الله وحق مواليه, ورجل كانت عنده أمة يطؤها, فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها, فله أجران " رواه أبو موسى الأشعري ﵁. " عن أبي موسى الأشعري أنه قال ﷺ : ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد, والعبد المملوك إذا أدى حق
следующие страницы →