Полный текст (1 692 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
اختياره, وإن كان على خلاف الهوى.
ألا ترى أن المريض يعاف الدواء وينفر عنه بطبعه, ويميل إليه باختياره
ويهوى تناوله بمقتضى عقله, لما علم أو ظن أن صلاحه فيه؟!
فالمرء لا يؤمن إلا إذا تيقن أن الرسول ﷺ لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه
صلاح عاجلي, أو خلاص آجلي, وأنه آخذ بحجزه يكفه عن النار من غير
غرض وتوقع عوض.
وقد علم أن الوالد كان غرضه في ابتداء أمره قضاء وطره, وغاية
صمته في كفالته أيام صغره أن يكون ردءا له في كبره, وخلفا له بعد
عمره, وولده إن بر به, فبره أداء لما عليه من سوابق الأيادي والنعم.
وإذا علم ذلك علم قطعا أن الرسول ﷺ أعطف الناس عليه وأنفعهم له,
بل الشفيق الحقيقي هو لا غير, وحينئذ يقضي العقل بترجيح جانبه ولزوم
طاعته, فثبت أن المرء لا يؤمن ولا يعتد بإيمانه حتى يقتضي عقله ترجيح
جانب الرسول ﷺ على ما سواه من المخلوقات, وهذا أول درجات الإيمان
وكفايتها, وكمالها: أن تتمرن نفسه ويرتاض طبعه, بحيث يصير هواه تبعا
لعقله, مذعنا لأمر [هـ] ,مساعدا على تحصيل فضائله, فيطاوع الرسول ﷺ
ويرجح جانبه بعقله وطبعه, ويصير الرسول ﷺ أحب إليه عقلا وطبعا,
والإيمان به والإذعان لحكمه ملائما لنفسه موافقا لطبعه, ويلتذ به التذاذا
عقليا, إذ اللذة إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك, [لا]
من حيث إنه
стр. 37
مطعوم أو منكوح, ألا ترى أنه قد يشتهي تارة, ويعاف عنه أخرى,
وأن صاحب الجاه كثيرا ما يعرض عن المطاعم الشهية والمناكح البهية
مراعاة لحشمته, وهي وإن لم تكن من المحسوسات فهي من اللذائذ
الخسيسة الحيوانية, وليست بينها وبين اللذائذ العقلية الأبدية – سيما
الكمالات الإيمانية والحالات الوجدانية التي تعرض لأولياء الله المقربين
- نسبة يعتد بها, والشارع – صلوات الله عليه – عبر عن هذه الحالة
بالحلاوة, لأنها أطهر اللذائذ الحسية.
****
٤ – ٦ – وقال: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان
الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله,
ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في
النار " رواه أنس.
" فيما روي أنه قال: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله
ورسوله أحب إليه مما سواهما, ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله, ومن يكره
أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار "
وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانا لكمال الإيمان المحصل لتلك اللذة,
لأنه لا يتم إيمان امريء حتى يتمكن في نفسه أن المنعم بالذات والقادر
على الإطلاق هو الله تعالى, ولا مانح ولا مانع سواه
стр. 38
وما عداه وسائط ليس لها في حد ذاتها إضرار ولا إنفاع, وأن الرسول
- صلوات الله عليه – هو العطوف الحقيقي, الساعي في إصلاح شأنه
وإعلاء مكانه, وذلك يقتضي أن يتوجه بشراره نحوه, ويحب ما يحبه,
لكونه وسطا بينه وبينه, وأن يتيقن أن جملة ما وعد به وأوعد حق لا يحوم
الريب حوله يقينا يخيل إليه الموعود كالواقع, والاشتغال بما يؤول إلى الشيء
ملابسة به, فيحب مجالس الذكر رياض الجنة, وأكل مال اليتيم أكل النار,
والعود إلى الكفر إلقاء في النار, فيكرهه كما يكره أن يلقى في النار.
فإن قلت: لم ثنى الضمير ها هنا, ورد على الخطيب قوله:"ومن عصاهما
فقد غوى " في حديث عدي بن حاتم, وأمره بالإفراد؟!
قلت: ثنى الضمير ها هنا إيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين,
لا كل واحدة, فإنها وحدها ضائعة لاغية, وأمر بالإفراد في حديث عدي
إشعارا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية, فإن قوله:"ومن
عصى الله ورسوله "- من حيث إن العطف في تقدير التكرير, والأصل فيه استقلال كل من المعطوف عليه في الحكم – في قوة قولنا: ومن عصى الله
فقد غوى, ومن عصى الرسول فقد غوى ولا كذلك قول الخطيب:
" ومن عصاهما فقد غوى ".
стр. 39
٥ – ٨ – وقال:" والذي نفس محمد بيده, لا يسمع بي أحد من هذه
الأمة يهودي أو نصراني, ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من
أصحاب النار " رواه أبو هريرة ﵁.
" عن أبي هريرة ﵁: أنه قال ﵊:" والذي نفس
محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة, يهودي ولا نصراني, ثم
يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ".
"الأمة " جمع لهم جامع من دين أو زمان أو مكان أو غير ذلك, فأمة
محمد تطلق تارة ويراد بها: كل من كان مبعوثا إليهم وآمن به أو لم
يؤمن, ويسمون: أمة الدعوة, وتطلق أخرى ويراد بها: المؤمنون به
والمذعنون له, وهم أمة الإجابة, وهي ها هنا بالمعنى الأول بدليل قوله
:" ولم يؤمن بي " واللام فيها للاستغراق أو للجنس.
و" يهودي ولا نصراني " صفتان مقيدتان ل "أحد " أو بدلان عنه بدل
البعض عن الكل, واللام للعهد, والمراد بها أهل الكتاب, ويعضده
توصيف الأحد باليهودي والنصراني, والموجب لتخصيصهما دفع
التخصيص فيهما, والإشعار على سائر حال الكفرة بالوجه الآكد الأبلغ
, فإنه لما كان لمتوهم تخصيص ذلك لمن لم يكن أهل الكتاب, ويتوقع
للكتابي بسبب ما له من الإيمان بنبيه والاستسلام لشرعه خلاصا ونجاة =
نص على أنهم – وإن كانوا أصحاب شرع – فإنه لكونه منسوخا لا ينفعهم
ولا يغنيهم, ولا محيص لهم عن الإيمان
стр. 40
به والانقياد له, وإذا كان حال هؤلاء, وهم أولاد الأنبياء وأرباب
الأديان كذلك, فما ظنك بالمعطلة وعبدة الأوثان وأضرابهم؟!
وقولهم: لا يكون كذا إلا وكان – أو يكون – كذا, من المحرفات التي
تستعمل للإثبات الكلي, مثاله: لا يكون طير إلا ويكون له جناحان
أي: كل طير فله جناحان.
ومعنى الحديث: أن كل أحد من هذه الأمة يسمع بي وتتبين له معجزتي,
ثم لم يؤمن برسالتي ولم يصدقني في مقالتي, كان من أصحاب النار, سواء
الموجود ومن سيوجد.
****
٦ – ٩ – وقال:" ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه
وآمن بمحمد, والعبد المموك إذا أدى حق الله وحق مواليه, ورجل
كانت عنده أمة يطؤها, فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها
ثم أعتقها فتزوجها, فله أجران " رواه أبو موسى الأشعري ﵁.
" عن أبي موسى الأشعري أنه قال ﷺ : ثلاثة لهم أجران: رجل
من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد, والعبد المملوك إذا أدى حق
стр. 41
الله وحق مواليه, ورجل كانت عنده أمة يطؤها, فأدبها فأحسن تأديبها
وعلمها فأحسن تعليمها, ثم أعتقها فتزوجها, فله أجران ".
المراد بالكتابي: نصراني تنصر قبل المبعث أو بلوغ الدعوة إليه وظهور
المعجزة لديه, ويهودي تهود قبل ذلك, إن لم تجعل النصرانية ناسخة
لليهودية, إذ لا ثواب لغيره على دينه, فيضاعف باستحقاقه ثواب
الإيمان به, ويدل على ذلك أن البخاري ﵁ روى هذا الحديث وذكر
:" آمن بعيسى " بدل:"آمن بنبيه ".
ويحتمل إجراؤه على عمومه, إذ لا يبعد أن يكون طرآن الإيمان به
سببا لقبول تلك الأعمال والأديان وإن كانت منسوخة, كما ورد في
الحديث أن مبرات الكفار وحسناتهم مقبولة بعد إسلامهم.
****
٧ – ١٠ – وقال:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا
الله وأن محمدا رسول الله, ويقيموا الصلاة, ويؤتوا الزكاة, فإذا
فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام, وحسابهم
على الله, " رواه ابن عمر ﵁.
" عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى
يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, ويقيموا الصلاة,
ويؤتوا الزكاة, فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق
الإسلام, وحسابهم على الله ".
стр. 42
إذا قال الرسول ﷺ : " أمرت " فهم منه أن الله تعالى أمره, وإذا
قاله الصحابي فهم منه أن الرسول ﷺ أمره, فإن من اشتهر بطاعة رئيس
إذا قال ذلك فهم منه أن الرئيس أمره, وإنما خص الصلاة والزكاة
بالذكر والمقاتلة عليهما أيضا بحق الإسلام, لأنهما أما العبادات البدنية
والمالية, والعيار على غيرهما والعنوان له, ولذلك سمى الصلاة
" عماد الدين " والزكاة: " قنطرة الإسلام ", وأكثر الله سبحانه ذكرهما
مقترنتين في القرآن.
وقوله:" وحسابهم على الله " أي: فيما يسرون به من الكفر والمعاصي
, والمعنى: إنا نحكم عليهم بالإيمان, ونؤاخذهم بحقوق الإسلام,
بحسب ما يقتضيه ظاهر حالهم, والله سبحانه يتولى حسابهم, فيثيب
المخلص, ويعاقب المنافق, ويجازي المسر بفسقه أو يعفو عنه.
...
٨ – ١١ – وقال: " من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا, وأكل ذبيحتنا,
فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله, فلا تخفروا الله في ذمته ".
رواه أنس ﵁.
" عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: من صلى صلاتنا, واستقبل
قبلتنا, وأكل ذبيحتنا, فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله, فلا
تخفروا الله في ذمته ".
стр. 43
إنما لم يذكر سائر الأركان استغناء بالصلاة التي هي عنوان الإسلام,
وإيذانا بأن الواجب أن يكتفى بما يظهر من طلاء الدين وأمارات الإيمان
, وتفوض سرائرهم إلى عالم الغيوب.
وأضاف الصلاة احترازا عن صلاة اليهود والنصارى وسائر أرباب الملل,
وإنما ذكر استقبال القبلة – والصلاة متضمنة لها – لأنه أعرف وأشهر,
فإن كل أحد يعرف قبلتهم, ولا كذلك صلاتهم, وإن قبلتنا لا تلابس
قبلتهم, والصلاة تتشابه في كثير من أعمالها, ثم لما ميز المسلم عن غيره
باعتبار العبادات عقبه بذكر ما يوجب ذلك عادة, وقال:"وأكل ذبيحتنا".
و (الذمة): الأمان, وأذمه: أجاره, أي: له أمان الله من نكال الكفار
وما شرع لهم من القتل والقتال, وخفر يخفر – بالكسر – خفرا فهو خفير
: إذا أجاره, وكذلك خفر يخفر تخفيرا.
قال أبو جندب الهذلي:
يخفرني سيفي إذا لم أخفر
والخفرة – بالضم -: الذمة. وأخفرته يجيء للتعدية إلى مفعول ثان
بمعنى: جعلت له خفيرا, وللسلب بمعنى: غدرت به ونقضت عهده,
وعليه معن قوله:" ولا تخفروا الله في ذمته " أي: لا تعاملوه
стр. 44
معاملة الغادر في نقض عهده واغتيال مؤمنه.
****
٩ – ١٤ - عن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: جاء رجل من أهل نجد
ثائر الرأس, نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول, حتى دنا, فإذا هو
يسأل عن الإسلام, فقال رسول الله ﷺ : " خمس صلوات في اليوم
والليلة ", فقال: هل علي غيرهن؟ فقال: " لا إلا أن تطوع ",
قال: " وصيام شهر رمضان ", قال: هل علي غيره؟ قال: "لا إلا أن
تطوع ", قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة, فقال: هل علي غيرها؟
فقال: " لا إلا أن تطوع ". قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد
على هذا ولا أنقص منه, فقال رسول الله ﷺ : " أفلح الرجل إن صدق ".
(النجد): ما ارتفع من الأرض, والأراضي الواقعة بين تهامة والعراق
سميت بها لارتفاعها على أراضي تهامة.
" ثائر الرأس ": منتشر شعر الرأس, من: ثار الغبار يثور ثورا وثورانا.
و (دوي الصوت): حفيفه.
وقوله:" فإذا هو يسأل عن الإسلام " معناه: يسأل عن شرائع الإسلام
وأصول أعماله, ولذلك لم يتعرض للشهادة في جوابه, وهذا
стр. 45
إذا قلنا: إن الحديث مغاير لما روى أبو هريرة, وإن قلنا باتحادهما
- كما قاله بعض أصحاب الحديث – فلا حاجة إلى هذا التأويل
ويكون عدم ذكر الشهادة في هذه الرواية لنسيان الراوي أو ذهوله
عنه.
فإن قلت: كيف يصح القول بالاتحاد, وقد أبرم الحكم بالفلاح
في رواية أبي هريرة, وقال:" من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة
فلينظر إلى هذا ", وعلق في هذه الرواية بصدقه؟!
قلت: لعله – ﵇ – علق أولا بحضرة السائل لئلا يتكل,
أو قبل نزول الوحي فيه والاطلاع على صدقه, ثم أخبر الحاضرين
بذلك, فاقتصر كل واحد من الراويين على نقل أحدهما لذهوله, أو
نسيانه للآخر.
وينبغي لك أن تعلم أن الحديث الواحد إذا رواه راويان, واشتملت
إحدى الروايتين على زيادة, فإن لم تكن مغيرة لإعراب الباقي قبلت,
وحمل ذلك على نسيان الآخر أو ذهوله أو اقتصاره بالمقصود في صورة
الاستشهاد, وإن كانت مغيرة مثل:"في أربعين شاة نصف شاة "
تعارضت الروايتان, وتعين طلب الترجيح.
فإن قلت: كيف قرره الرسول – صلوات الله عليه – على حلفه هذا,
وقد جاء النكير على من حلف أن لا يفعل خيرا, والنهي عنه في قوله
تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا﴾ [البقرة:٢٢٤]؟!
стр. 46
قلت: المنع عما كان هن عناد أو مراء, ولا شك أن ترك النوافل جائز,
والحلف على المباح غير محرم, وما كان كذلك فالتقرير عليه جائز, ولهذا الكلام محمل آخر, وهو أن السائل كان رسولا, فحلف أن لا يزيد في الإبلاغ على ما سمعت ولا أنقص
****
١٠ – ١٥ – وعن ابن عباس أنه قال:" إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ
قال:"من القوم – أو من الوفد؟ ", قالوا: ربيعة, قال: " مرحبا بالقوم –
أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى ", قالوا: يا رسول الله! إنا لا نستطيع أن
نأتيك إلا في الشهر الحرام, وبيننا وبينك هذا الحي من مضر, فمرنا بأمر
فصل نخبر به من وراءنا, وندخل به الجنة, وسألوه عن الأشربة, فأمرهم
بأربع, ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده, فقال: أتدرون ما
الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم, قال: شهادة أن لا إله إلا
الله وأن محمدا رسول الله ’ وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, وصيام رمضان,
وأن تعطوا من المغنم الخمس ", ونهاهم عن أربع: عن الحنتم, والدباء,
والنقير, والمزفت, وقال: " احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم ".
" الوفد " جمع وافد, من: وفد فلان على السلطان, بمعنى:
стр. 47
ورد عليه رسولا إليه, وعبد القيس من ربيعة, وهي قبيلة عظيمة من
قبائل العرب, ومضر في مقابلتهم.
ولفظة "أو" شك من الراوي, و"مرحبا" مأخوذ من: رحب رحبا – بالضم –
إذا وسع, وهو من المفاعيل المنصوبة بعامل مضمر لازم إضماره, والمعنى:
أتيتم رحبا وسعة.
و"غير " حال عن (الوفد) أو (القوم) , والعامل فيه الفعل المقدر.
و"خزايا ": جمع خزيان, من: خزي بمعنى ذل.
و" ولا ندامى " معناه: ولا نادمين, وغير مراعاة لمطابقة قوله:"غير خزايا ".
وكان العرب في جاهليتهم يعظمون الأشهر الحرم, ويستعظمون القتال فيها
والانتهاب, واستقر ذلك في بدء الإسلام, ثم نسخ.
و (الأمر الفصل) هو المحكم الواضح الذي لا إجمال فيه.
والظاهر أن الأمور الخمسة تفسير للإيمان, وهو أحد أربعة المأمور بها,
والثلاثة الباقية حذفها الراوي نسيانا أو اختصارا.
ويحتمل أن يقال:" أمرهم بالإيمان " ليس تفسير لقوله:" أمرهم بأربع "
بل هو مستأنف, وتفصيله الأربعة المذكورة بعد الشهادة, و"إقام الصلاة ",
: خبر مبتدأ محذوف, وفي الكلام تقديم وتأخير, وتقديره: أمرهم بالإيمان
بالله وحده, قال: أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم, قال:
شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد
стр. 48
رسول الله, وأمرهم عقيب ذلك بأربع ونهاهم عن أربع, والمأمورات
الأربع: إقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, وصوم رمضان, وإعطاء الخمس.
و" الحنتم " الجرة الخضراء, و" الدباء " بضم الدال: القرع, و"النقير ":
أصل الخشب ينقر, فينبذ فيه, و" المزفت ": المطلي بالزفت وهو القير,
والمقصود بالنهي ليس استعمالها مطلقا, بل التنقيع فيها والشرب منها
ما يسكر, وإضافة الحكم إليها إما لاعتيادهم استعمالها في المسكرات,
أو لأنها أوعية تسرع بالاشتداد فيما يستنقع فيها, فلعلها تغير النقيع
في زمان قريب ويتناوله صاحبه على غفلة, بخلاف السقاء, فإن التغير
إنما يحدث فيه على مهل ومرور زمان فلا يخفى.
والدليل على هذا: ما روى أنه – ﵇ – قال: نهيتكم عن النبيذ, إلا
في سقاء, فاشربوا في الأسقية كلها, ولا تشربوا مسكرا ".
...
١١ - ١٦ – وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ وحوله
عصابة من أصحابه:" بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا, ولا تسرقوا, ولا تزنوا,
ولا تقتلوا أولادكم, ولا تأتون ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم, ولا تعصوا في
معروف, فمن وفى منكم فأجره على الله, ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب
في الدنيا فهو كفارة له, ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله عليه فهو إلى الله,
إن شاء عفا عنه, وإن شاء عاقبه, فبايعناه على ذلك ".
стр. 49
" وعن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ وحوله عصابة من
أصحابه: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا, ولا تسرقوا, ولا تزنوا, ولا تقتلوا
أولادكم, ولا تأتون ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم, ولا تعصوا في معروف,
فمن وفى منكم فأجره على الله, ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو
كفارة له, ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله, إن شاء عفا عنه,
وإن شاء عاقبه, فبايعناه على ذلك ".
(العصابة): الجماعة من العصب, ومنه: العصب, لأنه يشد الأعضاء بعضها ببعض.
و (المبايعة): المحالفة والمعاهدة, شبهت بالمعاملة وومبايعتهم إياه: إلتزام طاعته وبذل
الوسع في امتثال أوامره وأحكامه, ومبايعته إياهم: الوعد بالثواب على ذلك.
و (البهتان): الكذب الذي يبهت المكذوب عليه, أي: يدهشه ويجعله متحيرا.
و (الافتراء): الاختلاق, والفرية: الكذب, كأنه أخذ من: الإفراء, الذي هو القطع
على وجه الإفساد, والفري: قطعه على جهة الإصلاح, وإنما أضاف إلى الأيدي
والأرجل لأنها العاملة, ولأن المفتري غالبا يكون من الأمور التي تحصل بمزاولة هذين
العضوين.
стр. 50
و (العصيان) في الأصل: الامتناع عن الشيء والتأبي عنه, ولهذا المعنى سمي العصا عصا,
وإجماع المسلمين عصا في قوله " وما شققت عصا المسلمين " وفي العرف يفيد الامتناع
عن المطاوعة, كما في قوله تعالى: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾ [التحريم:٦] ﴿ولا أعصي
لك أمرا﴾ [الكهف: ٦٩].
و (المعروف) في اصطلاح الشارع: ما عرف من الشرع حسنه, وبإزائه المنكر: هو ما
أنكره وحرمه.
و"ذلك " في قوله:" ومن أصاب من ذلك شيئا, فعوقب في الدنيا فهو كفارة له, ومن
أصاب من ذلك شيئا, ثم ستره الله فهو إلى الله, إن شاء عفا عنه, وإن شاء عاقبه,".
فيه إشارة إلى ما سبق سوى الشرك, فإنه لا يكفر بالقتل عليه, ولا يعفى عنه, والتنصيص
على تخيير المعاقبة والمعافاة دليل على المعتزلة, لأنهم يوجبون العقاب على الكبائر قبل
التوبة, ويحرمون التعذيب بعدها.
...
١٢ - ١٧ – وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى –
أو: فطر –إلى المصلى فمر على النسائ فقال:" يا معشر النساء تصدقن, فإني
أريتكن أكثر أهل النار ",
стр. 51
فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن, وتكفرن العشير, ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن ", قلن: وما نقصان
ديننا يا رسول الله؟ قال: " أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ ",
قلن: بلى, قال: " فذلك من نقصان عقلها ", قال:" أليس إذا حاضت لم تصل
,ولم تصم, قلن: بلى, قال: " فذلك من نقصان دينها ".
" عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ خرج في أضحى – أو فطر – إلى
المصلى ", الحديث.
(المعشر): الجماعة, من: العشرة, بمعنى: المعاشرة والعشير: المعاشر, والمراد به
الزوج, و" من ناقصات ": صفة حذف موصوفها, أي: وما رأيت أحدا من ناقصات.
و (العقل): هو غريزة في نفس الإنسان يدرك بها المعاني الكلية, ويحكم ببعضها على
بعض, وهو رئيس القوى الإنسانية, وخلاصة الخواص النفسانية, ونور الله في قلب
المؤمن المعني بقوله: ﴿مثل نوره﴾ [النور:٣٥] بدليل قراءة ابن مسعود: (مثل نوره
في قلب المؤمن) , ولذلك سمي لبا وبصيرة.
و" أذهب ":أفعل تفضيل وقع صفة لمفعول " ما رأيت ", وقد نقل في بعض طرق
الحديث: " تجلس إحداكن شطر عمرها, فلا تصلي ولا تصوم ", وهو أوفق لما قبله
وأفيد, لأنه يدل على أن الحيض قد يتمادى خمسة عشر يوما, كما هو قول الشافعي
﵁ فإن
стр. 52
شطر الشيء نصفه, مأخوذ من أخلاف الناقة, فإن لها أربعة أخلاف: قادمان ومتأخران
,ويسمى كل خلفين: شطرا.
...
١٣ – ١٨ – وقال رسول الله ﷺ : " قال الله تعالى: كذبني ابن آدم, لم يكن له ذلك
وشتمني, ولم يكن له ذلك, فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني, وليس أول
الخلق بأهون علي من إعادته, وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا, وأنا الأحد الصمد,
لم ألد ولم أولد, يكن لي كفوا أحد ".
وفي رواية:" فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولد ", رواه ابن عباس ﵁.
" عن ابن عباس ﵁: أنه – ﵇ – قال: قال الله تعالى: كذبني ابن آدم, ولم
يكن له ذلك " الحديث.
قوله:" وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته ": إشارة إلى برهان يحقق للعالم إمكان
الإعادة, وهو أن مواد البدن وصوره وما يتوقف عليه تحققه إن لم يمكن وجودها, لما وجدت أولا, وقد وجدت, وإن أمكن لم يمتنع لذاته, وهو محال, وتنبيه على تمثيل يرشد العامي:
وهو أنا نرى في الشاهد أن من عمد إلى اختراع صنعة لم ير مثلها ولم
стр. 53
بجد لها عددا وموادا صعب عليه ذلك, وتعب فيها تعبا شديدا, وافتقر إلى مكابدة
أفعال ومعاونة أعوان ومرور أزمان, ومع ذلك فكثيرا ما لا يستتب له الأمر ولا يتم له
المقصود, ومن أراد إصلاح منكسر وإعادة منهدم ركبه وبناه, وكانت العدد حاصلة
, والمواد باقية هان عليه ذلك وسهل جدا, فيا معشر الغواة! كيف تحيلون إعادة
أبدانكم, وأنتم معترفون على جواز ما هو أصعب منها؟! بل هو كالمتعذر بالنسبة إلى
قدركم وقواكم, وأما بالنسبة إلى قدرته تعالى فلا سهولة ولا صعوبة, يستوي عنده تكوين
بعوض طيار وتخليق فلك دوار, كما قال عز اسمه " ﴿وما أمرنا إلا واحدة كلمح
بالبصر﴾ [القمر:٥٠].
و (الشتم): توصيف الشيء بما هو إزراء ونقص به, وإثبات الولد له كذلك, لأنه
قول بمماثلة الولد له في تمام حقيقته, وهي مستلزمة للإمكان المتداعي إلى الحدوث
,ولأن الحكمة في التوالد استحفاظ النوع, إذ لو كانت العناية الأزلية مقتضية بقاء
أشخاص الحيوان, لاستغنى عن التناسل استغناء الأفلاك والكواكب عنه, فلو كان الباريء
تعالى متخذا ولدا لكان مستخلفا خلفا يقوم بأمره بعد عصره, تعالى عن ذلك علوا كبيرا,
كما قال:" سبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا! ".
...
١٤ – ١٩ – وقال:" قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم, يسب الدهر, وأنا الدهر,
أقلب الليل والنهار ". رواه أبوهريرة ﵁.
стр. 54
" عن أبي هريرة ﵁: أنه قال ﵇: قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم " الحديث.
من عادة الناس إسناد الحوادث والنوازل إلى الأيام والأعوام وسبها, لا من حيث إنها
أيام وأعوام, بل من حيث إنها أسباب تلك النوائب, وموصلتها إليهم على زعمهم
وحسبانهم, فهو في الحقيقة ذموا فاعلها وعبروا عنه بالدهر, فالباري تعالى في الحقيقة
هو المعني بالدهر في شتمهم, وهو معنى قوله:" أنا الدهر ", لا أن حقيقته حقيقة الدهر.
ولإزاحة هذا الوهم الزائغ أردف ذلك بقوله:" أقلب الليل والنهار ", فإن مقلب الشيء
ومغيلاه لا يكون نفسه.
وقيل: فيه إضمار, والتقدير: أنا مقلب الدهر والمصرف فيه, والمعنى: إن الزمان
يذعن لأمري, لا اختيار له, فمن ذمه على ما يظهر فيه صادرا مني فقد ذمني, فإني
الضار والنافع, والدهر ظرف لا أثر له, ويعضده نصب (الدهر) في رواية على أنه
ظرف متعلق بقوله: (أقلب) , والجملة خبر مبتدأ.
...
١٥ – ٢١ – وقال:" قال الله تعالى: الكبرياء ردائي, والعظمة إزاري, فمن
نازعني واحدا منها أدخلته النار ", رواه أبو هريرة ﵁.
стр. 55
" وعنه: أنه قال ﵇: قال الله تعالى: الكبرياء ردائي, والعظمة إزاري
,فمن نازعني واحدا منها أدخلته النار ".
" الكبرياء " فعلياء كجرباء بمعنى: الكبر وهو الترفع على الغير, بأن يرى لنفسه
شرفا عليه, و" العظمة ": أن يكون الشيء في نفسه كاملا شريفا مستغنيا, فالأول
أرفع من الثاني, ولذلك مثله بالرداء, فكبرياء الله تعالى – والعلم عنده -: ألوهيته
التي هي عبارة عن استغنائه عما سواه واحتياجه إليه, وعظمته: وجوبه الذاتي الذي
هو عبارة عن استقلاله واستغنائه عن الغير, فإنما مثلهما بالرداء والإزار إدناء للمتوهم
من المشاهد, وإبرازا للمعنى المعقول في صورة المحسوس, فكما لا يشارك الرجل في
إزاره وردائه, ويستقبح طلب الشراك فيهما, لا يمكن مشاركة الباري تعالى في
هذين الوصفين, فإنه الكامل المنعم المستغني المتفرد بالبقاء, وما سواه ناقص محتاج
على صدد الفناء, كما قال تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص:٨٨].
فكل مخلوق استعظم نفسه واستعلى على الناس فهو مزور ينازع رب العزة في حقه,
مستوجب لأقبح نقمه وأفظع عذابه, أعاذنا الله منه ومن موجباته.
стр. 56
١٦ – ٢٣ – وعن معاذ ﵁ قال: كنت ردف النبي ﷺ على حمار, ليس بيني
وبينه إلا مؤخرة الرحل, فقال: " با معاذ! هل تدري ما حق الله على العباد؟
وما حق العباد على الله؟ , قلت: الله ورسوله أعلم, قال: " فإن حق الله على
العباد أن يعبدوه, ولا يشركوا به شيئا, وحق العباد على الله أن لا يعذب من
لا يشرك به شيئا ", فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: لا, فيتكلوا ".
"عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: كنت ردف النبي ﷺ على حمار, ما بيني وبينه
إلا مؤخرة الرحل, فقال: يا معاذ! هل تدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد
على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم, قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه لا
يشركوا به شيئا, وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا, فقلت:
يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: لا فيتكلوا ".
(الردف): الرديف التابع, وقوله تعالى: ﴿ردف لكم﴾ [النمل:٧٢] أي: تبعكم
من: الردف وهو العجز, و" مؤخرة الرحل ": آخرته.
والحق الثابت: تحقق العبادة على العباد قضية أمره المحتوم, وتحقق الثواب على الله
مقتضى وعده المصدق, لا إيجاب العقل علينا شكرا لإنعامه, وعليه سبحانه إثابة
لمساعي عبيده كما زعمته المعتزلة, فإن البراهين قاطعة على فساد ذلك, كما بيناه
في الكتب الأصولية.
стр. 57
فإن قلت: كيف ذكر هذا الحديث, والرسول – صلوات الله عليه – منع منه؟!
قلت: لعله كان في بدء الإسلام حينما كان الكسل بعد مستوليا على الطباع, ولم
تتمرن النفوس على الطاعات, ولم تتيقظ للرموز والإشارات, ولم تتنبه بأن الإيمان
لا يتم, ولا يكمل إلا بأن يتدرع بلباس التقوى, والتجافي عن اقتفاء الهوى, أو:
قبل ورود الأمر بالتبليغ والوعيد على الكتمان والتضييع, ويؤيد ذلك ما روي أنه
رواه آخر عمره تأثما.
...
١٧ – ٢٥ - وعن أبي ذر ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب أبيض وهو نائم
,ثم أتيته وقد استيقظ, فقال: " ما من عبد قال: لا إله إلا الله, ثم مات على ذلك
, إلا دخل الجنة ", قلت: وإن زنى, وإن سرق, قال:" وإن زنى وإن سرق ",
قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن ونى وإن سرق ", قلت: وإن زنى وإن سرق؟
قال: " وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر ", وكان أبو ذر إذا حدث بهذا
الحديث قال: وإن رغم أنف أبي ذر.
" عن أبي ذر ﵁ أنه قال: أتيت النبي ﷺ , وعليه ثوب أبيض " الحديث.
стр. 58
"رَغِم": لصق بالرغام, وهو التراب, يستعمل هذا التركيب مجازا بمعنى: كره, من
باب إطلاق اسم السبب على المسبب, أو الاستعارة, فإن حصول المكروه يشارك
رغم الأنف في الهوان.
والحديث دليل على أن الكبائر لا تسلب اسم الإيمان, فإن من ليس بمؤمن لا يدخل
الجنة وفاقا, وأنها لا تحبط الطاعات, لأنه – ﵇ – عمم الحكم ولم يفصل,
فلو كانت الكبائر محبطة على طريق الموازنة أو غيره لزم أن لا يبقى لبعض الزناة شيء
من الطاعات. والقائل بالاحباط يحيل دخول الجنة لمن هذا شأنه, وإن أرباب الكبائر
من أهل القبلة لا يخلدون في النار.
...
١٨ – ٢٦ – وعن عبادة بن الصامت ﵁ ,عن النبي ﷺ قال: من شهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له, وأن محمدا عبده ورسوله, وأن عيسى عبد الله ورسوله
وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه, والجنة حق, والنار حق = أدخله الله
الجنة على ما كان من العمل ".
" عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: من شهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له, وأن محمدا عبده ورسوله " الحديث.
ذكر عيسى – صلوات الله عليه – تعريضا للنصارى, وإيذانا بأن إيمانهم مع القول بالتثليث
شرك محض لا يخلصهم عن النار, أو
стр. 59
لأنهم كانوا حضورا.
والكلمة: اللفظ الدال على معنى مفرد بالوضع, وقد يطلق على مركبات لها وحدة
اجتماعية – كما يقال: كلمة الحويدرة, لقصيدته – متسقة, من الكلم بمعنى الجرح,
لأنها مؤثرة في النفس كما يؤثر الجرح في البدن, وإنما سمي عيسى كلمة الله لأن خلقه
من غير ماء ونطفة يشبه إيجاد الإبداعات المحصلة لمجرد تعلق الإرادة والأمر, كما قال
تعالى: ﴿إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ [يس:٨٢].
أو: لأنه تكلم في غير أوانه, [فسمي بالكلمة لذاته فصاحته وفرط استغراب الكلام منه,
كما سمي العادل] بالعدل, والمواظب على الصوم بالصوم, وما يتعجب منه بالعجب,
وأضيف إلى الله تعظيما له, أو: لأن كلامه كان خارقا للعادة خارجا عما عليه البشر.
وقوله: " ألقاها إلى مريم " معناه: أوصلها إليها وأوجدها فيها.
" وروح منه " أي: مبتديء منه, فإن سائر الأرواح
стр. 60
أجسام سارية في البدن, ولا كذلك روحه وروح آدم صلوات الله عليهما, فإنه تعالى
خلقهما بلا توسط أصل وسبق مادة, ولا ما يشابه ذلك, فلهذا خصهما الله تعالى بهذا
الفضل وأضافهما إلى نفسه, فقال: ﴿فنفخنا فيها من روحنا﴾ [الأنبياء:٩١] ,
وقال: ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ [ص:٧٢].
ولعله سمي روحا لأن الله تعالى أحيا به الأموات كما أحيا بالأرواح الأبدان.
وأفرد " الحق " لأنه مصدر, أو على تأويل: كل واحد.
وقوله:" أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " دليل على المعتزلة في مقامين:
أحدهما: أن العصاة من أهل القبلة لا يخلدون في النار, لعموم قوله:" من شهد ".
وثانيهما: أنه تعالى يعفو عن السيئات قبل التوبة واستيفاء العقوبة, لأن قوله:"على
ما كان من العمل " حال من قوله:" أدخله الله الجنة ", كما في قولك: رأيت فلانا
على أكله, أي: آكلا, ولا شك أن العمل غير حاصل حينئذ, بل الحاصل حال إدخاله
استحقاق ما يناسب عمله من الثواب والعقاب, ولا يتصور ذلك في حق العاصي الذي
مات قبل التوبة إلا إذا أدخل قبل استيفاء العقوبة.
فإن قلت: ما ذكرت يستدعي أن لا يدخل النار أحد من العصاة؟!
стр. 61
قلت: اللازم عموم العفو, وهو لا يستلزم عدم دخول النار, لجواز أن يعفو عن
بعضهم بعد الدخول وقبل استيفاء العذاب, هذا وليس يحتم عندنا أن يدخل النار أحد من الأمة, بل العفو عن الجميع بموجب وعده, حيث قال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به
ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] وقال: ﴿يغفر الذنوب جميعا﴾ [الزمر:٥٣].
...
١٩ – ٢٧ – وقال عمرو بن العاص ﵁: أتيت النبي ﷺ , فقلت له: ابسط يمينك
فلأبايعك, فبسط يمينه, فقبضت يدي, فقال: ما لك يا عمرو؟ " قلت: أردت
أن أشترط, قال: تشترط ماذا؟ " قلت: أن يغفر لي, قال: "أما علمت يا عمرو
! أن الإسلام يهدم ما كان قبله, وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها, وأن الحج يهدم
ما كان قبله؟ ", فبايعته.
" قال عمرو بن العاص ﵁: أتيت النبي ﷺ " الحديث.
المراد بـ"ما قبله ": ما سبق من كفر وعصيان, وما ترتب عليهما من العقوبات التي هي
من حقوق الله تعالى, فأما حقوقه المالية ككفارة
стр. 62
الأيمان فلا تنهدم بالهجرة والحج, وفي الإسلام خلاف, أما حقوق العباد فلا تسقط بالحج
والهجرة إجماعا, ولا بالإسلام لو كان المسلم ذميا, وكذا لو كان حربيا وكان الحق ماليا.
...
من الحسان:
٢٠ – ٢٨ – عن معاذ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة,
ويباعدني عن النار, قال:" لقد سألت عن عظيم,,وإنه ليسير على من يسره الله عليه,
: تعبد الله ولا تشرك به شيئا, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان, وتحج
البيت ", ثم قال: " ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة والصدقة تطفيء الخطيئة
كما يطفيء الماء النار, وصلاة الرجل في جوف الليل " ثم تلا:" ﴿تتجافى جنوبهم عن
المضاجع﴾ حتى بلغ ﴿يعلمون﴾ , ثم قال:"ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ "
قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام, وعموده الصلاة, وذروة سنامه
الجهاد ", ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ ", قلت: بلى يا نبي الله! فأخذ بلسانه
وقال: " كف عليك هذا ", فقلت: يا نبي الله! إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: "
ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم – أو: على مناخرهم –
إلا حصائد ألسنتهم؟ ".
стр. 63
(الحديث من الحسان)
" عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة "الحديث.
" يدخلني ": مرفوع واقع في حيز الصفة, وإن صح الجزم فيه كان جزاء الشرط محذوفا
, تقديره: أخبرني بعمل إن عملته يدخلني الجنة, والجملة الشرطية بأسرها صفة لـ"عمل "
أو جوابا للأمر, وتقديره: إن إخبار الرسول – صلوات الله عليه – لما كان وسيلة إلى عمله, وعمله ذريعة إلى دخول الجنة, كان الإخبار سببا بوجه ما لإدخال الجنة, ونظيره قول من
يسأل منك شيئا: إن تعطيني دينارا كفاني اليوم.
وقوله:" وإنه ليسير على من يسره الله عليه " إشارة إلى أن أفعال العباد واقعة بأسباب
ومرجحات تفيض عليهم من عنده, وذلك إن كان نحو طاعة سمي: توفيقا ولطفا, وإن
كان نحو معصية سمي: خذلانا وطبعا.
و (الجنة) بالضم: الترس, وبالكسر: الجنون, وبالفتح: الشجر المظل, قال الشاعر:
تسقي جنة سحقا
أي: نخلا طويلا.
стр. 64
وأطلق على البستان لما فيه من الأشجار, وعلى دار الثواب لما فيها من البساتين, وثلاثتها
مأخوذ من: الجن بمعنى الستر, وإنما جعل الصوم جنة لأنه يقمع الهوى ويردع الشهوات
التي هي من أسحة الشياطين, فإن الشبع محبلة للآثام منقصة للإيمان, ولهذا قال عليه
السلام: " ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه ", فإن من ملأ بطنه انتكست بصيرته وتشوشت
فكرته, لما يستولي على معادن إدراكه من الأبخرة الكثيرة الصاعدة من معدته إلى دماغه,
فلا يتأتى له نظر صحيح. ولا يتفق له رأي صالح, ولعله يقع في مداحض فيزيغ عن الحق
كما أشار إليه – صلوات الله عليه – في قوله:"لا تشبعوا, فتطفئوا نور المعرفة من قلوبكم "’
وغلب عليه الكسل والنعاس, فيمنعه عن وظائف العبادات, وقويت قوى بدنه وكثرت
المواد والفضول فيه, فينبعث غضبه وشهوته, ويشتد شبقه لدفع ما زاد على ما يحتاج إليه بدنه
, فتوقعه بسبب ذلك في المحارم.
و"صلاة الرجل ": مبتدأ خبره محذوف, تقديره: وصلاة الرجل في جوف الليل كذلك
أي: تطفيء الخطيئة, أو: هي من أبواب الخير, والأول أظهر, إذ الآية التي استشهد بها
نظمها في سلك واحد.
وإنما جعل هذه الثلاثة أبواب الخير لأن المرء إذا تصدق وصلى
стр. 65
في جوف الليل انطفأ ما سلف من الخطايا, وإذا صام واعتاد قلة الأكل والشرب انقمعت
شهواته, وانقلعت مواد الذنوب من أصها, وحينئذ دخل في الخير من كل وجه, وأحاطت
به الحسنات.
و"رأس الأمر ": أصله, ألا ترى أنه فسر بالإسلام؟ و" عموده ": ما يقوم به ويعتمد عليه,
ونظيره قوله ﵊:" الصلاة عماد الدين " ولأنها العمل العام الدائم
الظاهر الفارق بين المؤمن والكافر.
و" ذروة السنام ": أعلاه, ولا ريب في علو أمر الجهاد وتفوقه على سائر الأعمال.
و (ملاك الشيء): أصله ومبناه, وأصله ما يملك به كنظام.
وقوله:" كف عليك " أي: كف عليك لسانك, فلا تتكلم بما لا يعنيك, فإن من كثر
كلامه كثر سقطه وومن كثر سقطه كثرت ذنوبه, ولشره الكلام مفاسد يطول إحصاؤها.
أو: لا تتكلم بما يهجس في نفسك من الوساوس, فإنك غير مأخوذ به ما لم يظهر, لما روى
أبو هريرة أنه قال ﵇:" إن الله تعالى تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها
ما لم تعمل ". أو: لا تتكلم – أو: لاتتفوه – بما ستره الله عليك, فإن التوبة عنه أرجى
قبولا ووالعفو عنه أرجى وقوعا.
و" ثكلتك أمك ": فقدتك, والثكل: موت الولد وفقد الحبيب, وهذا وأمثاله أشياء
مزالة عن أصلها إلى معنى التعجب وتعظيم الأمر.
стр. 66
و" ويكب ": مضارع كبه بمعنى: صرعه على وجهه فأكب, وهذا من النوادر.
و (الحصائد): جمع حصيد بمعنى: محصود, من: حصد الزرع, واستعير للكلام
المتنوع المتفرق.
...
٢١ – ٣١ – وقال:" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده, والمؤمن من أمنه
الناس على دمائهم وأموالهم, والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله, والمهاجر من هجر
الذنوب ", رواه فضالة بن عبيد ﵁.
" عن فضالة بن عبيد ﵁: أنه ﵇ قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه
ويده " الحديث.
من لم يراع حكم الله تعالى في ذمام المسلمين والكف عنهم لم يكمل إسلامه, ومن لم يكن
له جاذبة نفسانية إلى رعاية الحقوق وملازمة العدل فيما بينه وبين الناس فلعله لا يراعي
ما بينه وبين الله تعالى, فيخل بإيمانه, والمقصود الأعظم من الجهاد: تكميل من يحاربه
كرها, ليصير الكمال بالتدرج له طباعا وخلقا, لا قتله وأسره, ولذلك يصحح الإيمان
حالة الإكراه لا غير.
فالواجب على المجاهد: أن يقبل على نفسه أولا ويجاهد معها,
стр. 67
ويستكمل فضائلها, فإن حقها آكد, والشفقة عليها أليق, كما جاء في الأخبار:"
أنه سبحانه أوحى إلى المسيح صلوات الله عليه: عظ نفسك, فإن اتعظت فعظ الناس,
وإلا فاستحيي مني ", ولذلك سماه رسول الله ﷺ الجهاد الأكبر.
والحكمة في الهجرة أن يتمكن المرء من الطاعة بلا مانع ووازع, ويتبرأ عن صحبة الأشرار
المؤثرة بدوامها في اكتساب الأخلاق الذميمة والأفعال الشنيعة, فهي في الحقيقة التحرز
عن ذلك, والمهاجر الحقيقي من يتحاشى عنها.
...
٢ - باب
الكبائر وعلامات النفاق
من الصحاح:
٢٢ - ٣٣ - قال عبد الله بن مسعود ﵁: قال رجل: يا رسول الله! أي الذنب
أكبر عند الله؟ قال: " أن تدعوا لله ندا وهو خلقك ", قال: ثم أي؟ قال:" ثم
أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ", قال: ثم أي؟ قال: ثم أن تزاني حليلة جارك ",
فأنزل الله تصديقها: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله
стр. 68
إلا بالحق ولا يزنون﴾ الآية.
(باب الكبائر وعلامات النفاق)
(من الصحاح):
" قال ابن مسعود ﷺ : قال رجل: يا رسول الله! أي الذنب أكبر عند الله؟ " الحديث.
(الند): المثل المناوي, قال جرير:
أتيما تجعلون إلي ندا ... وما تيم لذي حسب نديد
من: ند ندودا: إذا نفر.
و (الحليلة): الزوجة, والحليل: الزوج, سميا بذلك لأن كلا منهما حلال للآخر,
من: حل يحل بالضم, أو حال عنده, من: حل يحل, كما سمي الجار: حليلا.
وليس لقائل أن يقول: كيف عد الكبائر ها هنا ثلاثا, وأربعا في حديث ابن عمر وأنس,
وسبعا في حديث في حديث أبي هريرة؟!
لأنه – ﵇ – لم يتعرض للحصر في شيء من ذلك, ولم يعرب به كلامه, أما في
هذا الحديث فظاهر, وأما في حديث ابن عمر فلأن الحكم فيه مطلق, والمطلق لا يفيد الحصر.
فإن قلت: بل الحكم فيه كلي, إذ اللام في (الكبائر) للاستغراق؟!
لو كان اللام للاستغراق لا للجنس لكان المعنى: كل واحدة من
стр. 69
الكبائر كل واحدة من هذه الخصال, أو مجموع هذه الخصال, وهو فاسد, وأما في حديث
أبي هريرة فلأن قوله:" اجتنبوا السبع الموبقات " – أي: المهلكات – لا يستدعي عدم وجوب
الاجتناب عن غيرها, ولا أن غيرها غير موبق, لا بلفظه ولا بمعناه, ومفهوم اللقب ضعيف
مزيف.
فإن قلت: ما وجه مخالفة أنس ابن عمر, فإنه روى:" شهادة الزور " بدل:"اليمين الغموس "؟
قلت: لعلها لاختلاف المجلس وتعدد الحديث, أو لنسيان كل واحد أو ذهوله عن واحد منهما.
والزور: الكذب, من: زورت بمعنى: قدرت, سمي به كما سمي بالحلق مجازا.
والغموس: الحلف الكاذب على ما مضى, سمي غموسا لأنه يغمس صاحبه في الإثم, وللفقهاء
خلاف مشهور في تعلق الكفار به.
...
٢٣ – ٣٥ – وقال:" اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله, والسحر, وقتل النفس التي
حرم الله إلا بالحق, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, والتولي يوم الزحف, وقذف المحصنات
المؤمنات الغافلات ", رواه أبو هريرة.
" وقوله في حديث أبي هريرة: والتولي يوم الزحف " معناه:
стр. 70
الإدبار للفرار يوم الازدحام للقتال, والزحف: الجماعة الذين يزحفون إلى العدو, أي: يمشون
إليهم بمشقة.
...
٢٤ – ٣٦ – وقال:" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن, ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو
مؤمن, ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن, ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين
ينتهبها وهو مؤمن, ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن, فإياكم وإياكم ",
رواه أبو هريرة ﵁.
" عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يزني الزاني حين يزني وهو
مؤمن " الحديث.
ظاهر دليل على أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن, وأصحابنا أولوه بأن المراد بالمؤمن
الكامل في إيمانه, أو ذو أمن من عذاب الله, وبأن صيغ الأفعال – وإن كانت واردة
على طريقة الإخبار – فالمراد منها النهي, ويشهد له أنه روي:" لا يزنون " بحذف
الياء, " ولا يشرب " بكسر الباء, توفيقا بينه وبين ما سبق من الدلائل على أن
الإيمان هو التصديق, والأعمال خارجة عنه, وقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من
المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩] ونظائره.
و (الانتهاب): الغارة, و (الغلول): الخيانة, والمضارع منه: يغل بالضم, والغل: الحقد
, ومضارعه: يغل بالكسر, و" إياكم ":
стр. 71
منصوب على التحذير.
...
٢٥ – ٣٩ – وقال:" أربع من كن فيه كان منافقا خالصا, ومن كانت فيه خصلة منهن
كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان, وإذا حدث كذب, وإذا عاهد
غدر, وإذا خاصم فجر ", رواه عبد الله بن عمر ﵁.
" عن ابن عمر ﵁ , عن النبي ﷺ أنه قال: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا " الحديث.
يحتمل أن يكون هذا مختصا بأبناء زمانه, فإنه – ﵇ – علم بنور الوحي بواطن
أحوالهم, وميز بين من آمن به صدقا وأذعن له نفاقا, وأراد تعريف أصحابه وتوقيفهم على
حال هؤلاء المنافقين, ليكونوا على حذر عن مكائدهم, ولم يذكرهم بأعيانهم لحكم وفوائد:
منها: أن منهم من علم الرسول ﷺ أو توقع أنه سيتوب عن نفاقه, فلم يرد تثبيته في
ديوان المنافقين وتشهيره بهذا الاسم.
ومنها: أن عدم التعيين أوقع في الدعوة وأدل على شفقته وحسن صنيعه معهم.
ومنها: أن لا ييأسوا عما ينافقون لأجله, فيظهروا المخاصمة ويلتحقوا بالمحاربين.
стр. 72
ويحتمل أن يكون عاما, والمراد هو الزجر عن هذه الخصال على آكد وجه وأبلغه, لأنه
بين أن هذه الأمور طلائع النفاق وأعلامه, وقد تمكن في العقول السليمة أن النفاق أقبح
القبائح, فإنه كفر مموه باستهزاء وخداع مع رب الأرباب وعالم الأسرار, ولذلك بالغ
سبحانه في شأنهم, ونعى عليهم بالخصال الشنيعة, ومثلهم بالأعمال الفظيعة, وجعلهم
شر الكفار, و‘د لهم الدرك الأسفل من النار, فيعلم من ذلك أن هذه الأشياء أولى
الأمور وأحقها بأن يهاجر عنها, ولا يؤتى مراتعها, فإن من رتع حول حمى النفاق يوشك
أن يقع فيه.
ويحتمل أن يكون المراد بالمنافق: المنافق العرفي لا الشرعي, ويشهد له قوله ﵇:"
ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ".
و" النفاق ": مأخوذ من النفق, وهو السرب الذي يكون له طريقان, والنافقاء: الباب
الذي يخرج منه اليربوع.
و (الفجور) في اللغة: الميل, وفي الشرع: الميل عن القصد والعدول عن الحق, والمراد
به ها هنا: الشتم والرمي بالأشياء القبيحة والبهتان.
...
من الحسان:
٢٦ – ٤١ – عن صفوان بن عسال ﵁ قال: قال يهودي لصاحبه:
стр. 73
اذهب بنا إلى هذا النبي فقال له صاحبه: لا تقل: نبي, إنه لو سمعك لكان له أربعة أعين
فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن تسع آيات بينات, فقال لهما رسول الله ﷺ :" لا تشركوا
بالله شيئا, ولا تسرقوا, ولا تزنوا, ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق, ولا تمشوا
ببريء إلى ذي سلطان ليقتله, ولا تسحروا, ولا تأكلوا الربا, ولا تقذفوا محصنة, ولا
تولوا للفرار يوم الزحف ووعليكم خاصة اليهود أن: ﴿لا تعدوا في السبت﴾ ", قال:
فقبلا يديه ورجليه, وقالا: نشهد أنك نبي, قال:"فما يمنعكم أن تتبعوني؟ " قالا: إن
داود دعا ربه أن لا يزال من ذريته نبي, وإنا نخاف إن تبعناك أن تقتلنا اليهود.
(من الحسان):
" عن صفوان بن عسال ﵁ قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي " الحديث.
" له أربعة أعين " ونظائره كنايات عن ازدياد الفرح وفرط السرور, إذ الفرح يوجب قوة
الأعضاء ويضاعف القوى والحواس, كما أن الغم يقتضي أضداد ذلك, وتضاعف القوى يشبه
تضاعف الأعضاء الحاملة لها, ويكون مسببا عنه.
وفي بعض الروايات: " أربع أعين " لتأنيث العين.
و (الآية): العلامة, سميت المعجزة آية لما فيها من الدلالة على
стр. 74
النبوة وصدق من ظهرت هي بسببه ولأجل دعواه, و: الحكم الشرعي, لما تضمنه من
الدلالة على حال من يتعاطى متعلقه في الآخرة من السعادة والشقاوة, والمراد بالآيات
ها هنا: إما المعجزات التسع المذكورة في قوله تعالى: ﴿ولقد ءاتينا موسى تسع آيات بينات﴾
الآية [الإسراء: ١٠١] , ويشهد له روى الترمذي ﵀: أنهما سألاه عن هذه الآية
, وعلى هذا فقوله:" لا تشركوا " كلام مستأنف ذكره عقيب الجواب, ولم يذكر الراوي
جوابه استغناء بما في القرآن أو غيره. وإما الأحكام العامة الشاملة للملل كلها, وبيانها
ما بعدها.
فإن قلت: كيف يكون هذا جوابا وهو عشر خصال, والمسؤول عنه تسع آيات؟!
قلت: الزيادة على السؤال جائز واقع في قوله ﵇, وقد سئل عن ماء البحر [فقال]
" طهور ماؤه, وحل ميتته ".
هذا وقوله:" علكم خاصة " حكم مستأنف مختص بدينهما, غير شامل لسائر الأديان, لا تعلق
له بسؤالهم, ولهذا غير سياق الكلام, والله أعلم.
وقد أجيب: بأنه ليس في بعض الروايات:" ولا تقذفوا محصنة ", وفي بعضها:" أو: لا تولوا
الفرار" على الشك, وهو لا ينتهض جوابا بالنظر إلى ما في الكتاب.
стр. 75
و"عليكم " خبر لـ" أن لا تعتدوا ",و" خاصة " حال, و " اليهود ": نصب على التخصيص
والتفسير وأي: أعني اليهود. وفي بعض طرق هذا الحديث:" يهود " مضموم بلا لام على أنه
منادى.
وفيه: أن ما يوصف به لا نحذف عنه حرف النداء إلا على شذوذ.
...
٢٧ – ٤٣ – عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا زنى العبد خرج منه الإيمان
, فكان فوق رأسه كالظلة, فإذا خرج من ذلك العمل رجع إليه الإيمان ".
" عن أبي هريرة ﵁: أنه – ﵇ – قال: إذا زنى العبد خرج منه الإيمان " الحديث.
المؤمن لا يزنى إلا إذا استولى شبقه, واستعلى شهوته بحيث يغلب إيمانه ويشغله عنه فيصير
في تلك الحالة فاقد الإيمان, أو كالفاقد له, لكن لا يرتفع عنه اسمه ولا يزول عنه حكمه,
بل هو بعد في كنف رعايته وظل عصمته, والإيمان مظل عليه كالظلة, وهي أول سحابة تظل
على الأرض, فإذا فرغ من ذلك وخرج منه زال الشبق المعاوق عن الثبات, على ما يأمره
إيمانه, والموجب لذهوله ونسيانه
следующие страницы →