Полный текст (1 692 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
٨٨١ - ٢٧٤٥ – وعن وائل بن حجر الحضرمي: أن طارق بن سويد سأل النبي ﷺ عن الخمر فنهاه, فقال: إنما أصنعها للدواء, فقال: " إنه ليس بدواء, ولكنه داء "
" وفي حديث وائل الحضرمي: فقال: إنه ليس بدواء, ولكنه داء ".
يحتمل أنه أراد به العموم, وأنه أراد به الخصوص, فلعله علم المرض الذي كان يداوى به, وعلم أن الخمر يزيد فيه ولا يبرئ عنه, ومن أجل ذلك اختلف أهل العلم في جواز التداوي بالخمر الصرف, والأكثر على المنع منه.
...
٨٨٢ - ٢٧٤٨ – وعن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال:" ما أسكر الفرق, فملء الكف منه حرام "
(من الحسان):
" عن عائشة عن النبي ﷺ : ماأسكر الفرق فملء الكف منه حرام "
" الفرق ": إناء يأخذ ستة عشر رطلا, وفيه لغتان: تحريك الراء وتسكينها, والأول أفصح, والحديث يدل على أن ما أسكر كثيره فقليله حرام, كما رواه جابر, وإليه ذهب أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: الأشربة المسكرة على أربعة أضرب:
стр. 1052
الأول: الخمر, وهي المعتصر من العنب إذا اشتد وغلا وقذف بالزبد, وهو حرام قليله وكثيره.
والثاني: المثلث, وهو عصير العنب إذا طبخ بحيث يذهب ثلثاه, وهو حلال, إلا قدر ما أسكر منه, وإن ذهب منه أقل من ذلك فهو كالخمر.
والثالث: نقيع الزبيب والتمر إذا اشتد, وهو حرام ما لم يطبخ, فإن يطبخ حل إلا المسكر منه, ولم يعتبر فيه ذهاب الثلثين.
والرابع: ما يتخذ من غيرهما كالحنطة والعسل, والقدر المسكر منه حرام دون ما دونه, سواء طبخ أو لم يطبخ.
***
стр. 1053
(١٦)
كتاب الإمارة والقضاء
стр. 1054
(١٦)
كتاب الإمارة والقضاء
من الصحاح:
٨٨٣ - ٢٧٥٢ - قال رسول الله ﷺ :" من أطاعني فقد أطاع الله, ومن عصاني فقد عصى الله, ومن يطع الأمير فقد أطاعني, ومن يعص الأمير فقد عصاني, وإنما الإمام جنة, يقاتل من ورائه ويتقى به, فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا, فإن قال بغيره فإن عليه منه "
(كتاب الإمارة والقضاء)
(من الصحاح):
" وفي حديث أبي هريرة المصدر به الكتاب: وإن قال بغيره فإن عليه منة "
أي: وإن أمر بما ليس فيه تقوى ولا عدل, بدليل أنه جعل قسيم " فإن أمر بتقوى الله وعدل " ويحتمل أن يكون المراد به القول المطلق, أو أعم منه, وهو ما يراه ويؤثره, من قولهم: فلان يقول بالقدر, أي: وإن رأى غير ذلك وآثره قولا كان أو فعلا, ليكون مقابلا لقسيمه
стр. 1055
بقطريه, وسدا لطريق المخالفة المؤدية إلى هيج الفتن.
" فإن عليه منة " أي: وزرا وثقلا, وهي في الأصل مشترك بين القوة والضعف, وقيل: هي تصحيف, والصواب: " منه " بحرف الجر والضمير, أي: فإن عليه الوزر والوبال, من قوله: " لا يتخطاه إليكم ما لم ترضوا به "
...
٨٨٤ - ٢٧٥٣ - وقال: " إن أمر عليكم عبد مجدع يقودكم بكتاب الله, فاسمعوا له وأطيعوا "
" عن أم الحصين: قال رسول الله ﷺ : إن أمر عليكم عبد مجدع, يقودكم بكتاب الله, فاسمعوا إليه, وأطيعوا ".
(المجدع): المقطوع الأنف, " يقودكم ": يسوقكم بالأمر والنهي على ما هو مقتضى كتاب الله وحكمه, هذا وأمثال ذلك حث على المداراة والموافقة, والتحرز عما يثير الفتن, ويؤدي إلى اختلاف الكلمة.
...
٨٨٥ - ٢٧٥٧ - وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة, في العسر واليسر, والمنشط والمكره, وعلى أثره علينا, وعلى أن لا ننازع الأمر أهله, وعلى أن
стр. 1056
نقول بالحق أينما كنا, لا نخاف في الله لومة لائم.
وفي رواية: وعلى أن لا ننازع الأمر أهله, إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان.
" عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا, على أن لا ننازع الأمر أهله, وعلى أن نقول بالحق أينما كنا, لا نخاف في الله لومة لائم "
" بايعنا رسول الله ﷺ " أي: عاهدناه بالتزام السمع والطاعة في حالتي الشدة والرخاء, وتارتي الضراء والسراء, وإنما عبر عنه بصيغة المفاعلة للمبالغة, أو الإيذان بأنه التزم لهم أيضا بالأجر والثواب والشفاعة يوم الحساب على القيام بما التزموا.
" والمنشط والمكره ": مفعلان من النشاط والكراهة للمحل, أي: فيما فيه نشاطهم وكراهتم, أو الزمان, أي: في زماني انشراح صدورهم وطيب قلوبهم, وما يضاد ذلك.
وقوله: " وعلى أثرة علينا " أي: ذي فضل, والأثرة بالتحريك: اسم من آثره: إذا فضله, قال تعالى: ﴿لقد آثرك الله علينا﴾ [يوسف: ٩١] أي: فضلك الله علينا, وقيل: هو اسم من استأثره: إذا اختار لنفسه واستبد به, وهو عطف على " السمع والطاعة ", وقوله:
стр. 1057
" على أن لا ننازع الأمر أهله " بدل عليه بدل الاشتمال, ويدل عليه حذف المبدل في بعض الروايات, والمعنى: بايعناه على أن نراعي حق أهل الفضل علينا, ولا ننازعهم فيما يستحقونه ويستأهلونه.
في بعض الروايات: " وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان " أي: كفرا جهارا لا خفاء به ولا تأويل له - من باح بالشيء وأباحه: إذا جهر به - يكون عندكم من الله ما يدل قطعا على أنه كفر, وهو يدل على أن الإمام لا ينعزل بطريان الفسق, وللعلماء فيه خلاف, لكن لو أمكن تبديله بغير حرب وإثارة فتنة بدل.
...
٨٨٦ - ٢٧٦٠ - وقال ﷺ : " من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات, مات ميتة جاهلية, ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية, أو يدعو لعصبية, أو ينصر عصبية فقتل, فقتله جاهلية, ومن خرج على أمتي بسيفه يضرب برها وفاجرها, ولا يتحاشى من مؤمنها, ولا يفي لذي عهد عهده, فليس مني ولست منه "
" وعن أبي هريرة أنخ ﵊ قال: من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات, مات ميتة جاهلية, ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية, أو يدعو لعصبية, أو ينصر عصبية, فقتل فقتلة جاهلية ".
стр. 1058
(الميتة) و (القتلة) بالكسر: الحالة التي يكون عليها الإنسان من الموت والقتل, والمعنى: أن من خرج عن طاعة الإمام, وفارق جماعة الإسلام, وشذ عنهم, وخالف إجماعهم, ومات على ذلك, فقد مات على هيئة كانت يموت عليها أهل الجاهلية, لأنهم ما كانوا يرجعون إلى طاعة أمير, ولا يتبعون هدي إمام, بل كانوا مستنكفين عنها, مستبدين في الأمور, لا يجتمعون في شيء, ولا يتفقون على رأي.
" ومن قاتل تحت راية عمية " أي: مجهولة, لا يعرف أنها رفعت لإعلاء الحق وإظهار الدين, أو لأن الأمريخالف ذلك, ولم يكن له في ذلك غرض وى داع سوى العصبية, فاتفق أن قتل, فقتله على حالة كانت يقتل عليها أهل الجاهلية, فإن تقاتلهم لم يكن إلا كذلك, ولا ينبغي للمؤمن أن يقاتل, ولا أن يخاصم, إلا لإعلاء كلمة الله, وإظهار دينه, و" قتلة " خبر مبتدأ محذوف, والجملة خبر (من) , والفاء فيه لتضمن المبتدأ معنى الشرط.
...
٨٨٧ - ٢٧٦٢ - عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : " يكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون, فمن أنكر فقد بريء, ومن كره فقد سلم, ولكن من رضي وتابع " وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: " لا, ما صلوا, لا, ما, صلوا " يعني: من كره بقلبه وأنكر بقلبه ".
стр. 1059
" عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : يكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون, فمن أنكر فقد بريء, ومن كره فقد سلم, ولكن من رضي وتابع! قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا ".
" تعرفون وتنكرون " صفتان لـ (أمراء) والراجع فيهما محذوف, أي: تعرفون بعض أفعالهم, وتنكرون بعضها, يريد أن أفعالهم يكون بعضا حسنا وبعضها قبيحا, فمن قدر أن ينكر عليهم قبائح أعمالهم وسماجة حالهم, وأنكر فقد برئ عن المداهنة والنفاق, ومن لم يقدر [على] ذلك ولكن أنكر بقلبه, وكره ذلك, فقد سلم من مشاركتهم في الوزر والوبال, ولكن من رضي بفعلهم بالقلب, وتابعهم في العمل, فهو الذي شاركهم في العصيان, واندرج معهم تحت اسم الطغيان, حذف الخبر لدلالة الحال وسياق الكلام على أن حكم هذا القسم ضد ما أثبته لقسيمه, وإنما منع عن مقاتلتهم ما داموا يقيمون الصلاة التي هي عماد الدين, وعنوان الإسلام, والفاروق بين الكفر والإيمان, حذرا من هيج الفتن واختلاف الكلمة, وغير ذلك مما يكون أشد نكاية من احتمال نكرهم والمصابرة على ما ينكرون منهم.
٨٨٨ - ٢٧٦٣ - عن عبد الله ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : " إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها " قالوا: فما تامرنا يا رسول الله؟ قال: " أدوا إليهم حقهم, وسلوا الله حقكم ".
стр. 1060
وفي حديث ابن مسعود: " إنكم سترون بعدي أثرة, أمورا تنكرونها "
أي: ما يستأثر به من أمور الدنيا, فيفضل غيركم عليكم بلا استحقاق في الفيء ونحوه, و"أمورا " بدل عنها, وروي: " أثرة " بضم الهمزة وسكون الثاء, و"أمورا " بالعاطف على أن المراد بها أشياء أخر لا تستحسنونها, ويؤيد الأول قوله ﵊ في جواب " فما تأمرنا ": " أدوا إليهم حقهم, واسألوا الله حقكم " أي: لا تكافئوا استئثارهم باستئثاركم, ولا تقاتلوهم لاستيفاء حقكم, بل وفروا عليهم حقهم واسألوا الله من فضله أن يوصل إليكم حقكم, وكلوا إليه أمركم "
...
٨٨٩ - ٢٧٦٥ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسو الله ﷺ يقول: " من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له, ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية "
" وفي حديث ابن عمر: " من خلع يدا من طاعة لقي الله تعالى يوم القيامة لا حجة له "
يريد: من نقض العهد وخلع نفسه عن بيعة الإمام, لقي الله
стр. 1061
تعالى آثما لا عذر له, ولما كان وضع اليد كناية عن إنشاء البيعة, وتجري العادة على وضع اليد على اليد حال المعاهدة, كنى عن النقض بخلع اليد ونزعها.
...
٨٩٠ - ٢٧٦٦ - عن أبي هريرة ﵁, عن النبي ﷺ قال: " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي, وإنه لا نبي بعدي, وسيكون خلفاء فيكثرون " قالوا: فما تأمرنا؟ قال: " فوا بيعة الأول فالأول, أعطوهم حقهم, فإن الله تعالى سائلهم عما استرعاهم "
" وفي حديث أبي هريرة: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء "
أي: كان سواسهم ورؤساؤهم الذين يقومون بسياستهم وإصلاح أمرهم الأنبياء.
...
٨٩١ - ٢٧٦٧ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا بويع لخليفتين, فاقتلوا الآخر منهما "
" وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما "
قيل: أراد بالقتل المقاتلة, لأنها تودي إليه من حيث إنه غايتها, وقيل: أراد به إبطال بيعته وتوهين أمره, من قولهم: قتلت الشراب:
стр. 1062
إذا مزجته, وكسرت سورته بالماء.
...
٨٩٢ - ٢٧٦٨ - وقال: " إنه سيكون هنات وهنات, فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع, فاضربوه بالسيف كائنا من كان "
وفيه أنه " ستكون هنات وهنات " أي: أشياء قبيحة مستنكرة, واحدها: هنة, وهي كناية عما لا تريد أن تصرح به لشناعته.
...
٨٩٣ - ٢٧٧٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة, فنعمت المرضعة, وبئست الفاطمة "
" وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إنكم ستحرصون على الإمارة, وستكون ندامة يوم القيامة, فنعمت المرضعة, وبئست الفاطمة "
شبه الولاية بالمرضعة, وانقطاعها بالموت أو العزل بالفاطمة, أي: نعمت المرضعة الولاية, فإنها تدر عليك المنافع واللذات العاجلة, وبئست الفاطمة المنية, فإنها تقطع عنك تلك اللذات والمنافع وتبقي عليك الحسرة والتبعة, فلا ينبغي للعاقل أن يلم بلذة تتبعها حسرات.
***
стр. 1063
٩٨٤ - ٢٧٧٨ - وقال: " ما من عبد يسترعيه الله رعية, فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة "
" وقال ﵊: ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة [الجنة] ".
" يسترعيه الله " أي: يجعله راعيا, بأن ينصبه للقيام بمصالحهم, ويعطيه زمام أمورهم, والراعي: الحافظ المؤتمن على ما يليه, من الرعاية وهي الحفظ.
" فلم يحطها " أي: يحفظها, يقال: حاطه يحوطه حوطا وحيطة وحياطة: إذا كلأه ورعاه, والمراد بالنصيحة إرادة الخير والصلاح, ومنه سمي الخياط ناصحا, لأنه يصلح.
...
٨٩٥ - ٢٧٧٩ - وقال: " إن شر الرعاء الحطمة "
عن عائشة أنه ﵊ قال: " إن شر الرعاء الحطمة "
(رعاء) بالكسر: جمع راع, كتجار في جمع تاجر, والمراد بـ (الحطمة): الفظ القاسي, الذي يظلم الرعية ولا يرحمهم, من الحطم: وهو الكسر, وقيل: الأكول الحريص, الذي يأكل ما يرى ويقضمه, فإن من هذا دأبه يكون دنيء النفس, ظالما بالطبع, شديد الطمع فيما في أيدي الناس.
***
стр. 1064
٨٩٦ - ٢٧٨١ - وقال: " إن المقسطين عند الله على منابر من نور يمين الرحمن, وكلتا يديه يمين, الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا "
" وعن عائشة عنه قال ﵊: إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن, وكلتا يديه يمين, الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا "
(المقسط): العادل, وبإزائه: القاسط, وكلاهما مأخوذان من القسط, الذي هو النصب, فكأن القسوط أخذ قسط الغير, والإقساط إزالة القسوط وسلبه, شبههم في دنوهم من الحق ومكانتهم عند الله بمن يجلس على الكراسي والسرر عن يمين السلطان, فإنه يكون أعظم الناس قدرا, وأرفعهم لديه منزلة.
" وكاتا يديه ": دفع لتوهم من يتوهم أن له يمينا من جنس أيماننا التي تقابلها يسار, أو أن من سبق إلى التقرب إليه حتى فاز بالوصول إلى مرتبة من مراتب الزلفى من الله عاق غيره عن أن يفوز بمثله, كالسابق إلى محل من مجلس السلطان, بل جهاته وجوانبه التي يتقرب إليها العباد سواء.
وقوله: " الذين يعدلون ... " إلى آخره, بيان للمقسطين, وكشف لأحوالهم, والراجع إلى الموصول في " ما ولوا " محذوف, أي: ما ولوه, يريد به ما في ولايتهم وتحت أمرهم.
***
стр. 1065
٨٩٧ - ٢٧٨٣ - وقال أنس ﵁: كان قيس بن سعد ﵁ من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير.
" وعن أنس: كان قيس بن سعد من النبي ﵇ بمنزلة صاحب الشرط من الأمير ".
هو قيس بن سعد بن عبادة رئيس الخزرج وابن رئيسهم, وكان من الدهاة المشهود له بالرأي الصائب, والمشار إليه في الشجاعة والسخاوة.
" وصاحب الشرط ": هو الذي يتقدم بين يدي الأمير لتنفيذ أوامره, وينوب منابه في إقامة الأمور السياسية, ويكون زعيم الشرط وقائدهم, وهم قواد الأمير وحراسه, ويقال للواحد منهم: شرطة وشرطي, سموا بذلك لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها, من الشرط وهو العلامة.
...
من الحسان:
٨٩٨ - ٢٧٨٥ - قال رسول الله ﷺ : " آمركم بخمس: بالجماعة, والسمع, والطاعة, والهجرة, والجهاد في سبيل الله, فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر, فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه, إلا أن يراجع, ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثاء جهنم, وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ".
стр. 1066
(من الحسان):
" عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : آمركم بخمس, بالجماعة, والسمع, والطاعة, والهجرة, والجهاد, وإنه من خرج من الجماعة قيد الشبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع, ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثاء جهنم, وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم "
المراد بـ (الجماعة): موافقتهم والانخراط فيهم وبـ (السمع) أن يصفوا إلى الأوامر والنواهي فيفهموها, وبـ (الطاعة) أن يمتثلوها.
و" قيد الشبر ": قدره, يريد به أي قدر خالف وانحرف عن الجماعة, وخرج عن موافقتهم.
و (الربق): بالكسر: حبل فيه عدة عرى, يشد به البهم الواحدة من تلك العرى: ربقة, شبه ذمة الاسلام وعهده بالربقة التي تجعل في أعناق البهائم, من حيث إنه يقيده, فيمنعه أن يتخطى حدود الله, ويرتع مراتع حرماته.
والمعنى: إن من فارق الجماعة بترك السنة وارتكاب البدعة, ولو بشيء يسير, نقض عهد الإسلام, ونزع يده عن الطاعة.
و (الدعوى): اسم يطلق للإدعاء وللدعاء أيضا هو النداء, والمعنى: من نادى في الإسلام بنداء الجاهلية, وهو أن الرجل منهم إذا غلب عليه خصمه نادى بأعلى صوته قومه, فيبتدرون إلى نصره
стр. 1067
ظالما كان أو مظلوما, جهلا منهم وعصبية.
" فهو من جثاء جهنم " أي: من جماعاتها, وهو جمع جثوة, وهي في الأصل: ما جمع من تراب أو غيره, فاستعير للجماعة.
وروي: " جثي " بكسر الثاء وتشديد الياء: وهو جمع جاث, من الجثو أو الجثي, وهو الجلوس على الركبتين, قال تعالى: ﴿ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا﴾ [مريم: ٦٨] , ويحتمل أن يكون المراد بدعوى الجاهلية: سننها على الإطلاق, لأنها تدعو إليها.
...
٨٩٩ - ٢٧٨٩ - وقال: " ويل للأمراء, ويل للعرفاء, ويل للأمناء, ليتمنين أقوام يوم القيامة أن نواصيهم معلقة بالثريا, يتجلجلون بين السماء والأرض وأنهم لم يلوا عملا ".
" وعن أبي هريرة أنه ﵊ قال: ويل للأمراء, ويل للعرفاء, ويل للأمناء, ليتمنين أقوام يوم القيامة أن نواصيهم معلقة بالثريا, يتجلجلون بين السماء والأرض, وأنهم لم يلوا عملا "
" العرفاء ": جمع عريف, وهو القيم بأمر قبيلة أو محلة, يلي أمرهم, ويتعرف الأمير منه أحوالهم, من: عرف يعرف عرافة, بمثل: كتب يكتب كتابة, إذا عمل ذلك, وعرف - بالضم - عرافة - بالفتح - إذا صار عريفا.
стр. 1068
والمراد بالأمناء: من ائتمنه الإمام على الصدقات والخراج وسائر أموال المسلمين, ويدل عليه عطفه على الأمراء والعرفاء, قوله: " وأنهم لم يلوا عملا " أو كل من ائتمنه غيره على مال أو غيره.
والمعنى: أن هذه الأمور وإن كانت مهمة لا ينتظم صلاح الناس ولا يتم معاشهم دونها - ولذلك قال في الحديث الذي بعده: " إن العرافة حق " أي: أمر ينبغي أن يكون - لكنها خطر, والقيام بحقوقها عسير, فلا ينبغي للعاقل أن يقتحم عليها, ويميل بطبعه إليها, فإن من زلت قدمه فيها عن متن الصواب قد يندفع إلى فتن تودي به إلى عذاب يؤثر عليه أن تكون نواصيه معلقة بالثريا (يتجلجل) بالجيم: أي: يتردد ويتحرك بين السماء والأرض, ويتمنى أن يكون حاله كذلك, ولم يل ما تولاه من عمله الذي أفضى به إلى هذا العذاب, وهو المراد بقوله في الحديث الآخر: " ولكن العرفاء في النار " لا كل عريف, فإن من قام بها حق القيام, وتجنب فيها عن الظلم والحيف, استحق به الثواب, وصار ذا حظ القيام مما وعد به ذو سلطان عادل, لكن لما كان الغالب عليهم خلاف ذلك, أجرى الغالب مجرى الكل, وأتى بصيغة العموم.
...
٩٠٠ - ٢٧٩٢ - عن ابن عباس ﵁, عن النبي ﷺ قال: " من سكن البادية جفا, ومن اتبع الصيد غفل, ومن أتى السلطان افتتن ".
ويروى: " من لزم السلطان افتتن, وما ازداد عبد من السلطان
стр. 1069
دنوا إلا ازداد من الله بعدا "
" عن ابن عباس, عن النبي ﷺ قال: من سكن البادية جفا, ومن اتبع الصيد غفل, ومن أتى السلطان افتتن "
" جفا " الرجل: إذا غلط قلبه وقسا, ولم يرق لبر وصلة رحم, وهو الغالب على سكان البوادي, لبعدهم عن أهل العلم, وقلة اختلاطهم بالناس, فصارت طباعهم كطباع الوحوش, وأصل التركيب للنبو عن الشيء.
وغفلة التابع للصيد: إما لحرصه الملهي, أو لشبهه بالسباع, وانجذابه عن الترحم والرقة.
وافتتان المتقرب إلى السلطان ليس مما يخفى, فإنه إن وافقه فيما يأتيه ويذره فقد خاطر على دينه , وإن خالفه فقد خاطر على روحه.
...
٢ - باب
ما على الولاة من التيسير
من الصحاح:
٩٠١ - ٢٨٠٥ - وقال: " لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به "
وقال: " لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة, ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة "
стр. 1070
(باب ما على الولاة من التيسير)
(من الصحاح):
" عن أبي سعيد الخدري أنه ﵊ قال: لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة, ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير العامة "
الغدر في الأصل: ترك الوفاء, وهو شائع في أن يغتال الرجل من عهده وأمنه, والمعنى: أن الغادر ينصب وراءه لواء يوم القيامة تشهيرا له بالغدر, وإخزاء وتفضيحا على رؤوس الأشهاد.
وإنما قال: " عند استه " استخفافا بذكره, واستهانة لأمره , أو لأنه لما كان أمارة الوفاء وحسن العهد رواء الوجه وبهاؤه ناسب أن تكون علامة الغدر ولواؤه فيما هو كالمقابل له وضده.
يريد بـ (أمير العامة): من قدمه العوام وسفلات الناس, ولم يكن له استحقاق, ولا لأهل الحل والعقد من خواص الناس عليه اتفاق, وإنما عظم غدره وفضله على سائر أنواع الغدر, لأنه نقض عهد الله ورسوله بتولي ما لا يستعده, ومنعه عمن يستحقه , وعهود المسلمين بالخروج على إمامهم والتغلب على نفوسهم وأموالهم.
...
من الحسان:
٩٠٢ - ٢٨٠٧ - عن عمرو بن مرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال:
стр. 1071
من ولاه الله شيئا من أمر المسلمين, فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم, احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره " وفي رواية: " أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته "
(من الحسان):
" عن عمرو بن مرة عن رسول الله ﷺ قال: من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين, فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم, احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره "
المراد باحتجاب الوالي: أن يمنع أرباب الحوائج والمهمات أن يلجوا عليه فيعرضوها, ويعسر عليهم إنهائها , واحتجاب الله تعالى: أن لا يجيب دعوته, ويخيب آماله.
والفرق بين الحاجة والخلة والفقر:
أن الحاجة: ما يهتم به الإنسان, وأن يبلغ حد الضرورة, بحيث لو لم يحصل لاختل به أمره.
و (الخلة): ما كان كذلك, مأخوذة من الخلل , ولكن ربما لم يبلغ حد الاضطرار, بحيث لو لم يوجد لامتنع التعيش.
و (الفقر): وهو الاضطرار إلى ما لا يمكن التعيش دونه, مأخوذ من الفقار, كأنه كسر فقاره, ولذلك فسر الفقير بالذي لا شيء له
стр. 1072
أصلا, واستعاذ رسول الله ﷺ من الفقر.
...
٣ - باب
العمل في القضاء والخوف منه
من الحسان:
٩٠٣ - ٢٨١٠ - قال رسول الله ﷺ : " من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين "
(باب العمل في القضاء والخوف منه)
(من الحسان):
" عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين "
يريد به القتل بغيره, كالخنق والتغريق والإحراق والحبس عن الطعام والشراب, فإنه أصعب وأشد من القتل بالسكين, لما فيه من مزيد التعذيب وامتداد مدته, شبه به التولية, لما في الحكومة من الخطر والصعوبة, ويحتمل أن يكون المراد: أن التولية إهلاك, ولكن لا بآلته المحسوسة, فينبغي ألا يتشوف به ولا يحرص عليه.
***
стр. 1073
٩٠٤ - ٢٨١٣ - وقال: " من طلب قضاء المسلمين حتى يناله, ثم غلب عدله جوره فله الجنة, ومن غلب جوره عدله فله النار "
" وعنه أنه ﵊ قال: من طلب قضاء المسلمين حتى يناله, ثم غلب عدله جوره فله الجنة, ومن غلب جوره عدله فله النار "
الإنسان خلق في بدو فطرته بحيث يقوى على الخير والشر والعدل والجور, ثم إنه يعرض له دواعي داخلة وأسباب خارجة تتعارض وتتصاعد, فيجذبه هؤلاء مرة, وهؤلاء أخرى, حتى يفضي التطارد بينهما إلى أن يغلب أحد الحزبين ويقهر الآخر, فينقاد له بالكلية, ويستقر على ما يدعوه إليه.
فالحاكم إن وفق حتى غلب له أسباب العدل, وتمكن فيه دواعيه صار بشراشره مائلا إلى العدل مشغوفا به, متحاشيا عما ينافيه, نال به الجنة, وإن خذل بأن كان حاله على خلاف ذلك جار بين الناس ونال بشؤمه النار, وقيل: معناه: من كان الغالب على أقضيته العدل والتسوية بين المترافعين فله الجنة, ومن غلب في أحكامه الجور والميل إلى أحدهما فله النار, فلعل الله تعالى يتجاوز عما يندر من الجور ببركة العدل الغالب, والله أعلم.
***
стр. 1074
٤ - باب
رزق الولاة وهداياهم
من الصحاح:
٩٠٥ - ٢٨١٩ - عن عائشة ﵂ قالت: لما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي, وشغلت بأمر المسلمين, سيأكل آل أبي بكر من هذا المال, ويحترف للمسلمين فيه "
(باب رزق الولاة وهداياهم)
(من الصحاح):
" عن عائشة قالت: لما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي, وشغلت بأمر المسلمين, فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال, ويحترف للمسلمين فيه "
لعله أراد بـ (قومي) قريشا, و (حرفته) التي كان يتغنى بها من الكسب وهي التجارة.
" لم تكن تعدز عن مؤونة أهلي " أي: لم تكن تقصر عن مؤنتهم, وفيه: تنبيه على لما تقلد العمل لم يقبله لفاقة عيال وطمع في مال.
و" أل أبي بكر ": أهله, عدل عن التكلم إلى الغيبة على طريقة الالتفات, وقيل: نفسه, و (آل) مقحم, لقوله: " ويحترف " وليس
стр. 1075
بشيء, بل المعنى: أني كنت أكسب لهم فيأكلونه, والآن أكسب للمسلمين بالتصرف في أموالهم والسعي في مصالحهم ونظم أحوالهم, فيأكلون من مالهم المعد لمصالحهم, وهو مال بيت المال.
وقوله هذا لمحضر من الصحابة مع عدم إنكارهم عليه دليل على أن للحاكم أن يأخذ من بيت المال ما يكفيه, ولا أرى أحدا من الأئمة منع عن ذلك, غير أنه حكي عن ابن مسعود: أنه كان يكرهه, وهو ظاهر إذا كان مستغنيا عن ذلك.
...
من الحسان:
٩٠٦ - ٢٨٢١ - وقال عمر ﵁: عملت على عهد رسول الله ﷺ فعملني "
(من الحسان):
" قال عمر: عملت على عهد رسول الله ﷺ فعملني.
أي: أعطاني عمالتي, وهي أجرة العمل.
...
٩٠٧ - ٢٨٢٣ - عن المستورد بن شداد ﵁ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 1076
يقول: " من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة, فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما, فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا "
ويروى: " من اتخذ غير ذلك فهو غال "
" عن المستورد بن شداد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان عاملا فليكتسب زوجة, فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما, فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا "
قيل: أراد به أن العامل أن يأخذ مؤونة زوجه, ويتخذ خادما ومسكنا إن لم يكن له ذلك, ليتفرغ للعمل, وقيل: معناه: أنه يباح له اكتساب ذلك من عمالته, التي هي أجرة مثل عمله.
...
٩٠٨ - ٢٨٢٥ - عن عبد الله بن عمرو قال: " لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي ".
" عن عبد الله بن عمر قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي "
يريد: المعطي والآخذ وإنما سمي منحة الحكام رشوة بالفتح والضم, لأنها وصلة إلى المقصود بنوع من الشفيع, مأخوذ من: الرشاء, وهو الحبل الذي يتوصل به إلى نزح الماء.
***
стр. 1077
٩٠٩ - ٢٨٢٦ - وعن عمرو بن العاص قال: أرسل إلي رسول الله ﷺ : أن اجمع عليك سلاحك وثيابك ثم ائتني, قال: فأتيته وهو يتوضأ فقال: " يا عمرو, إني أرسلت إليك لأبعثك في وجه يسلمك الله ويغنمك, وأزعب لك زعبة من المال " فقلت: يا رسول الله! ما كانت هجرتي للمال, ما كانت إلا لله ولرسوله, فقال:: نعما بالمال الصالح للرجل الصالح "
" وفي حديث عمرو بن العاص: وأزعب ذلك زعبة من المال "
أي: أجعل لك قطعة من المال, يقال: زعبت له زعبة من المال: إذا قطعت له دفعة, والزعبة - بفتح الزاي وضمها: الدفعة من المال, قال في " الفائق ": الزعبة بالفتح: بناء المرة, وبالضم: المدفوع.
...
٥ - باب
الأقضية والشهادات
من الصحاح:
٩١٠ - ٢٨٢٨ - وقال: " من حلف على يمين صبر, وهو فيها فاجر, يقتطع بها مال امرئ مسلم, لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان "
стр. 1078
(باب الأقضية والشهادات)
(من الصحاح):
" عن ابن مسعود أنه – ﵊ – قال: من حلف على يمين صبر, وهو فيها فاجر بها مال امرئ مسلم, لقي الله تعالى يوم القيامة وهو عليه غضبان "
يريد بـ" يمين صبر ": اليمين اللازمة لصاحبها من جهة الحكم, فيصبر لأجلها, أي: يحبس, والمعنى: أن من توجه عليه الحلف, وألزمه الحاكم بعد الترافع, فحلف كاذبا, ليذهب بطائفة من مال امرئ مسلم لقي الله تعالى يوم القيامة, وهو يريد عذابه.
وإنما قال) على يمين) تنزيلا للحلف منزلة المحلوف عليه على الاتساع, وأقام الفجور مقام الكذب, ليدل على أنه من أنواعه.
و (اقتطاع الشيء): فصل قطعة منه وأخذها.
...
٩١١ – ٢٨٣٠ – وقال: " إنما أنا بشر, وإنكم تختصمون إلي, ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض, فأقضي له على نحو ما أسمع منه, فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه, فإنما أقطع له قطعة من النار "
" وفي حديث أم سلمة: إنما أنا بشر, وإنكم تختصمون إلي,
стр. 1079
ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض, فأقضي له على نحو ما أسمع منه "
أي: أفطن بها, من: اللحن – بفتح الحاء -, يقال: لحن الرجل يلحن لحنا فهو لاحن: إذا فطن لما لا يفطن له غيره, وأصله: الميل وإنما صدر الكلام بقوله: " إنما أنا بشر " تأسيسا لجواز أن لا يطابق حكمه ما في الواقع, لأنه بشر لا يعلم الغيوب, ولا يطلع على ما في الضمائر والنفوس, وإنما يحكم على حسب ما يسمعه من المترافعين, فلعل أحدهما أفطن بحجته وأقدر على تقريرها, فيقررها على وجه يظن أن الحق معه, فيحكم له, كما قال – ﵊:" أنا أحكم بالظاهر "
وكان الواقع أن الحق لخصمه, ولكن لم يتفطن لحجته, ولم يقدر على معارضته, وتمهيدا لعذره فيما عسى يصدر عنه من أمثال ذلك, ولو نادرا, وليس هذا من قيبل الخطأ في الحكم, فإن الحاكم مأمور مكلف بأن يحكم بما يسمع من كلام الخصمين وبما تقتضيه البينة, لا بما في نفس الأمر, حتى إن المبطل في الدعوى إذا أتى بشاهدي زور, فظن القاضي عدالتهما, فحكم له فهو محق في الحكم, وإن لم يكن المحكوم به ثابتا, وإن المحق إن أتى ببينة غير مرضية في ظاهر الشرع, فحكم بها فهو مبطل في الحكم, وإن كان المحكوم به ثابتا في الواقع.
***
стр. 1080
٩١٢ – ٢٨٣١ – وقال: " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم "
" وعن عائشة أنه – ﵊ – قال: إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم "
" الألد ": الشديد الخصومة, و" الخصم ": كثيرها, بحيث تصير الخصومة عادته وشأنه.
...
٩١٣ – ٢٨٣٥ – وقال: " ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها ".
" عن زيد بن خالد أنه – ﵇ – قال: أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها ".
ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يحكم بالشهادة في حقوق الناس قبل الاستشهاد, كما لا يجب اليمين قبل الاستحلاف.
ويدل عليه ما ورى عمران بن حصين أنه – ﵊ – قال: " خير الناس قرني, ثم الذين يلونهم, ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون, ويحلفون ولا يستحلفون ", وخصصوا الحديث بشهادة الحسبة, وهي فيما يكون حق الله تعالى, كالزكاة والكفارات ورؤية هلال رمضان وموجب الكفر, أو له فيه حق مؤكد كالطلاق والعتاق.
стр. 1081
وقيل: المراد بإتيان الشهادة قبل السؤال: إعلام المشهود له إذا لم يكن يعلم أنه شاهد على ما يدعيه.
...
٩١٤ – ٢٨٣٦ – وقال: " خير الناس قرني, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم, ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه, ويمينه شهادته ".
" وفي حديث ابن مسعود التالي لهذا الحديث: ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه, ويمينه شهادته "
ومعناه: أنه يكون في القرن الرابع قوم حراص على الشهادة مشغوف برويجها, يحلفون على ما يشهدون به, فتارة يحلفون قبل أن يأتوا بالشهادة, وتارة يعكسون.
...
٩١٥ – ٢٨٣٧ – وعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ عرض على قوم اليمين فأسرعوا, فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف "
" وعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ عرض اليمين على قوم, فأسرعوا, فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف ".
يمكن تصوير هذه القضية بأحد وجهين:
стр. 1082
أحدهما: أن القوم تنازعوا في مال ليس في أيديهم, فعرض اليمين عليهم, لعل بعضهم يحلف وبعضهم ينكل, فيحكم للحالف على الناكل, فلما رأى أنهم يسرعون إلى اليمين " أمر أن يسهم بينهم " أي: أن يقرع بينهم, ويحلف من خرجت له القرعة ويستحق, وعلى هذا فهو عين ما روي أبو رافع, عن أبي هريرة: أن رجلين اختصما في دابة, وليس لهما بينة, فأمرهما رسول الله ﷺ أن يستهما على اليمين, ونظيره, وبه قال علي ﵁.
وثانيهما: أنهم أقاموا البينة, فعرض عليهم الحلف إما لأن بينتهم قد تعارضت وتهاترت, وكأن لا بينة لهم, أو لأنه ربما يحلف بعض دون بعض, فترجح بينته بيمينه, فلما أسرعوا إليها ولم يتقاعد أحد عنها أقرع, وحلف من خرجت له القرعة, لتترجح بينته فيستحق وهو قول الشافعي ﵁
...
من الحسان:
٩١٦ – ٢٨٤٧ – عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة – ولو على سواك أخضر – إلا تبوأ مقعده من النار, أو وجبت له النار "
(من الحسان):
" عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحلف أحد عند منبري
стр. 1083
هذا على يمين آثمة, ولو على سواك أخضر إلا يتبوأ مقعده من النار "
تقييد الحلف بأن يكون عند المنبر يدل على أن للأمكنة تأثيرا في تغليظ اليمين, ومن لم يرد لك أوله بالمحكمة, لأن المحكمة كانت ثمة, ويقال: إن قضاة المدينة يجلسون ثمة للحكومة.
و (اليمين الآثمة): هي الكاذبة, سميت آثمة كما سميت فاجرة على الاتساع.
...
٩١٧ – ٢٨٤٩ – عن عائشة ﵂ ترفعه قالت: لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود حدا, ولا ذي غمر على أخيه, ولا ظنين في ولاء, ولا قرابة, ولا القانع لأهل البيت. ضعيف.
" عن عائشة ترفعه: لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة, ولا مجلود حدا, ولا ذي غمر على أخيه, ولا ظنين في ولاء ولا قرابة, ولا القانع مع أهل البيت ".
" ترفعه " أي: إلى الرسول – صلوات [الله] وسلامه عليه.
و (الخائن): الذي يخون فيما ائتمنه عليه الناس, ويحتمل لأن يكون المراد به الأعم منه, وهو الذي يخون فيما ائتمن عليه, سواء ما ائتمنه الله عليه من احكام الدين, أو الناس من الأموال, قال الله تعالى:
стр. 1084
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم﴾ [الأنفال: ٢٧] , ويكون إفراد " المجلود حدا " وعطفه عليه, لعظم خيانته, وهو يتناول الزاني الغير المحصن والقاذف والشارب.
" ولا ذي غمر " أي: حقد وعداوة وإنما قال: " على أخيه " تلبينا لقلبه, وتقبيحا لصنيعه.
و (الظنين): المتهم من: الظنة التي هي التهمة, قيل: أراد به الذي أضاف نفسه إلى غير مواليه, أو ينسب إلى غير أصوله وأقاربه, وإنما رد شهادته, لأن نفى الوثوق به عن نفسه, واحتمل أن يكون المراد به: المتهم بسبب ولاء أو قرابة.
وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا تقبل شهادة أحد المتوالدين للآخر, وتقبل شهادة غيرهم من الأقارب.
وقال الثوري: لا تقبل شهادة كل ذي رحم محرم من النسب, ولم نجد منهم أحدا رد شهادة المعتق لمعتقه أو بالعكس, وفي الجملة فالحديث ضعيف, مطعون الرواة, لا احتياج به.
و" القانع لأهل البيت ": هو الخادم والتابع لهم, وأصله: السائل فأطلق عليه لمشاركته إياه في الحاجة, وإنما رد شهادته إما لأنه لا يكون لأمثاله مروءة غالبا, أو لاتهامه بجر نفع فيها.
стр. 1085
وقولها: (ورد شهادة القانع) حكاية حال, فلا عموم فيه.
...
٩١٨ – ٢٨٥١ – وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ".
" وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ : لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ".
ذهب إليه مالك ورد شهادة البدوي على القروي, وأوله الباقون وقالوا: معنى " لا تجوز " أنه لا يحسن, إما لعدم ضبطه وتفطنه لما يحيل الشهادة عن وجهها, وإما لحصول التهمة ببعد ما بينهما, وإما لأن شهادته قلما تنفع, فإنه يعسر طلبه عند الحاجة إلى إقامة الشهادة.
...
٩١٩ – ٢٨٥٢ – عن عوف بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قضى بين رجلين, فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل, فقال النبي ﷺ : " إن الله يلوم على العجز, ولكن عليك بالكيس , فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل "
" وعن عوف بن مالك: أن النبي ﷺ قضى بين الرجلين, فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل, فقال النبي ﷺ : إن
стр. 1086
الله تعالى يلوم على العجز, ولكن عليك بالكيس, فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل.
لما عرض المقتضي عليه بقوله: " حسبي الله ونعم الوكيل " أنه مظلوم أجابه النبي ﷺ , فإنه ملوم من الله تعالى, مأخوذ بعجزه وتركه التدبير بالإشهاد وإقامة الحجة, وغير ذلك مما يوجب له الغلبة وثبوت الحق, وليس من التوكل ترك الأسباب وإغفال الحزم في الأمور, بل على العاقلة أن يتكيس في الأمور, بأن يتيقظ فيها, ويطلب ما يعن له بالتوجه إلى أسباب جرت عادة الله على ارتباط تلك المطالب بها, ويدخل عليها من أبوابها, ثم إن غلبه أمر, وعسر عليه مطلوب, ولم يتيسر له طريق, كان معذورا فيه, فليقل حينئذ: (حسبي الله ونعم الوكيل) , والله تعالى أعلم.
***
стр. 1087
(١٧)
كتاب الجهاد
стр. 1088
(١٧)
كتاب الجهاد
من الصحاح:
٩٢٠ ٢٨٥٤ - قال رسول الله ﷺ : " من آمن بالله وبرسوله, وأقام الصلاة, وصام رمضان, كان حقا على الله أن يدخله الجنة, جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها " قالوا: أفلا نبشر الناس؟ قال: " إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله, ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض, فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس, فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة, وفوقه عرش الرحمن, ومنه تفجر أنهار الجنة "
(كتاب الجهاد)
(من الصحاح):
" وفي حديث أبي هريرة - وهو المصدر به الكتاب -: فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس, فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ".
стр. 1089
أي: خير طبقات الجنة وأعلاها, مأخوذ من: الوسط, الذي هو أبعد من الخلل والآفات من الأطراف.
...
٩٢١ - ٢٨٥٦ - وقال: " انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي, وتصديق برسلي, أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة, أو أدخله الجنة "
" وعنه أنه ﵊ قال: انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة وأدخله الجنة "
" انتدب الله " أي: تكفل وضمن, وأصله: الاستجابة, يقال: ندبته فانتدب, وكأن المجاهد في سبيل الله الذي لا غرض له في جهاده سوى التقرب إلى الله تعالى والإيمان والتصديق برسله فيما أخبروه به أنه قربة إلى الله ووصلة ينال بها الدرجات العلى, تعرض بجهاده لطلب النصر والمغفرة, فأجاب الله تعالى بغيته, ووعد له إحدى الحسنيين, إما السلامة والرجوع بالأجر والغنيمة, وإما الوصول إلى الجنة والفوز بمرتبة الشهادة.
***
стр. 1090
٩٢٢ - ٢٨٦٠ - وقال: " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه, وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله, وأجري عليه رزقه, وأمن الفتان "
" وعن سلمان الخير: أن رسول الله ﷺ قال: رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه, وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله, وأجري عليه رزقه, وأمن الفتان "
(الرباط): المرابطة, وهو أن يربط هؤلاء خيولهم في ثغرهم, هؤلاء خيولهم في ثغرهم, ويكون كل منهم معدا لصاحبه, متربصا لقصده, ثم اتسع فيها, فأطلقت على ربط الخيل واستعدادها لغزو العدو حيث كان وكيف كان, وقد يتجوز به للمقام بأرض والتوقف فيها, وهو في الحديث يحتمل كل واحد من المعنيين.
قوله: " وإن مات " أي: المرابط, أضمره وإن لم يجر ذكره, لدلالة (الرباط) عليه.
" جرى عليه عمله الذي كان يعمل " أي: لا ينقطع أجره وثوابه, كما روى فضالة بن عبيد: أنه ﵊ قال: " كل ميت يختم على عمله, إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله, فإنه ينمي له عمله إلى يوم القيامة, ويأمن فتنة القبر ".
следующие страницы →