Полный текст (1 692 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
منصوب على التحذير.
...
٢٥ – ٣٩ – وقال:" أربع من كن فيه كان منافقا خالصا, ومن كانت فيه خصلة منهن
كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان, وإذا حدث كذب, وإذا عاهد
غدر, وإذا خاصم فجر ", رواه عبد الله بن عمر ﵁.
" عن ابن عمر ﵁ , عن النبي ﷺ أنه قال: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا " الحديث.
يحتمل أن يكون هذا مختصا بأبناء زمانه, فإنه – ﵇ – علم بنور الوحي بواطن
أحوالهم, وميز بين من آمن به صدقا وأذعن له نفاقا, وأراد تعريف أصحابه وتوقيفهم على
حال هؤلاء المنافقين, ليكونوا على حذر عن مكائدهم, ولم يذكرهم بأعيانهم لحكم وفوائد:
منها: أن منهم من علم الرسول ﷺ أو توقع أنه سيتوب عن نفاقه, فلم يرد تثبيته في
ديوان المنافقين وتشهيره بهذا الاسم.
ومنها: أن عدم التعيين أوقع في الدعوة وأدل على شفقته وحسن صنيعه معهم.
ومنها: أن لا ييأسوا عما ينافقون لأجله, فيظهروا المخاصمة ويلتحقوا بالمحاربين.
стр. 72
ويحتمل أن يكون عاما, والمراد هو الزجر عن هذه الخصال على آكد وجه وأبلغه, لأنه
بين أن هذه الأمور طلائع النفاق وأعلامه, وقد تمكن في العقول السليمة أن النفاق أقبح
القبائح, فإنه كفر مموه باستهزاء وخداع مع رب الأرباب وعالم الأسرار, ولذلك بالغ
سبحانه في شأنهم, ونعى عليهم بالخصال الشنيعة, ومثلهم بالأعمال الفظيعة, وجعلهم
شر الكفار, و‘د لهم الدرك الأسفل من النار, فيعلم من ذلك أن هذه الأشياء أولى
الأمور وأحقها بأن يهاجر عنها, ولا يؤتى مراتعها, فإن من رتع حول حمى النفاق يوشك
أن يقع فيه.
ويحتمل أن يكون المراد بالمنافق: المنافق العرفي لا الشرعي, ويشهد له قوله ﵇:"
ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ".
و" النفاق ": مأخوذ من النفق, وهو السرب الذي يكون له طريقان, والنافقاء: الباب
الذي يخرج منه اليربوع.
و (الفجور) في اللغة: الميل, وفي الشرع: الميل عن القصد والعدول عن الحق, والمراد
به ها هنا: الشتم والرمي بالأشياء القبيحة والبهتان.
...
من الحسان:
٢٦ – ٤١ – عن صفوان بن عسال ﵁ قال: قال يهودي لصاحبه:
стр. 73
اذهب بنا إلى هذا النبي فقال له صاحبه: لا تقل: نبي, إنه لو سمعك لكان له أربعة أعين
فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن تسع آيات بينات, فقال لهما رسول الله ﷺ :" لا تشركوا
بالله شيئا, ولا تسرقوا, ولا تزنوا, ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق, ولا تمشوا
ببريء إلى ذي سلطان ليقتله, ولا تسحروا, ولا تأكلوا الربا, ولا تقذفوا محصنة, ولا
تولوا للفرار يوم الزحف ووعليكم خاصة اليهود أن: ﴿لا تعدوا في السبت﴾ ", قال:
فقبلا يديه ورجليه, وقالا: نشهد أنك نبي, قال:"فما يمنعكم أن تتبعوني؟ " قالا: إن
داود دعا ربه أن لا يزال من ذريته نبي, وإنا نخاف إن تبعناك أن تقتلنا اليهود.
(من الحسان):
" عن صفوان بن عسال ﵁ قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي " الحديث.
" له أربعة أعين " ونظائره كنايات عن ازدياد الفرح وفرط السرور, إذ الفرح يوجب قوة
الأعضاء ويضاعف القوى والحواس, كما أن الغم يقتضي أضداد ذلك, وتضاعف القوى يشبه
تضاعف الأعضاء الحاملة لها, ويكون مسببا عنه.
وفي بعض الروايات: " أربع أعين " لتأنيث العين.
و (الآية): العلامة, سميت المعجزة آية لما فيها من الدلالة على
стр. 74
النبوة وصدق من ظهرت هي بسببه ولأجل دعواه, و: الحكم الشرعي, لما تضمنه من
الدلالة على حال من يتعاطى متعلقه في الآخرة من السعادة والشقاوة, والمراد بالآيات
ها هنا: إما المعجزات التسع المذكورة في قوله تعالى: ﴿ولقد ءاتينا موسى تسع آيات بينات﴾
الآية [الإسراء: ١٠١] , ويشهد له روى الترمذي ﵀: أنهما سألاه عن هذه الآية
, وعلى هذا فقوله:" لا تشركوا " كلام مستأنف ذكره عقيب الجواب, ولم يذكر الراوي
جوابه استغناء بما في القرآن أو غيره. وإما الأحكام العامة الشاملة للملل كلها, وبيانها
ما بعدها.
فإن قلت: كيف يكون هذا جوابا وهو عشر خصال, والمسؤول عنه تسع آيات؟!
قلت: الزيادة على السؤال جائز واقع في قوله ﵇, وقد سئل عن ماء البحر [فقال]
" طهور ماؤه, وحل ميتته ".
هذا وقوله:" علكم خاصة " حكم مستأنف مختص بدينهما, غير شامل لسائر الأديان, لا تعلق
له بسؤالهم, ولهذا غير سياق الكلام, والله أعلم.
وقد أجيب: بأنه ليس في بعض الروايات:" ولا تقذفوا محصنة ", وفي بعضها:" أو: لا تولوا
الفرار" على الشك, وهو لا ينتهض جوابا بالنظر إلى ما في الكتاب.
стр. 75
و"عليكم " خبر لـ" أن لا تعتدوا ",و" خاصة " حال, و " اليهود ": نصب على التخصيص
والتفسير وأي: أعني اليهود. وفي بعض طرق هذا الحديث:" يهود " مضموم بلا لام على أنه
منادى.
وفيه: أن ما يوصف به لا نحذف عنه حرف النداء إلا على شذوذ.
...
٢٧ – ٤٣ – عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا زنى العبد خرج منه الإيمان
, فكان فوق رأسه كالظلة, فإذا خرج من ذلك العمل رجع إليه الإيمان ".
" عن أبي هريرة ﵁: أنه – ﵇ – قال: إذا زنى العبد خرج منه الإيمان " الحديث.
المؤمن لا يزنى إلا إذا استولى شبقه, واستعلى شهوته بحيث يغلب إيمانه ويشغله عنه فيصير
في تلك الحالة فاقد الإيمان, أو كالفاقد له, لكن لا يرتفع عنه اسمه ولا يزول عنه حكمه,
بل هو بعد في كنف رعايته وظل عصمته, والإيمان مظل عليه كالظلة, وهي أول سحابة تظل
على الأرض, فإذا فرغ من ذلك وخرج منه زال الشبق المعاوق عن الثبات, على ما يأمره
إيمانه, والموجب لذهوله ونسيانه
стр. 76
عاد الإيمان, وأخذ في القوة والازدياد والحمل على البداء.
...
فصل
في الوسوسة
من الصحاح:
٢٨ - ٤٥ - وعن أبي هريرة ﵁ فال: جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد
في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به, قال: " أو قد وجدتموه؟ ",قالوا: نعم, قال:"
إذا صريح الإيمان ".
(فصل في الوسوسة)
(من الصحاح):
" قال أبو هريرة ﵁: جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ إليه, فسألوه: إنا نجد " الحديث.
ذلك إشارة إلى ما دل عليه قوله:" يتعاظم ",أي: علمكم بفساد تلك الوساوس,
وامتناع نفوسكم, والتجافي عن التفوه = بها صريح الإيمان, أي: خالصه.
...
٢٩ - ٤٦ - وقال ك قال رسول الله ﷺ :" يأتي الشيطان أحدكم
стр. 77
فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ
بالله, ولينته ".
" وعنه, عن النبي ﷺ أنه قال: يأتي الشيطان أحدكم " الحديث.
إنما أمره بالاستعاذة والاعراض ولم يأمر بالتأمل والنظر فيه لوجهين:
أحدهما: أن السبب في اعتوار أمثال ذلك احتباس المرء في عالم الحس, وما دام هو كذلك
لا يزيد فكره إلا انهماكا في الباطل وزيغا عن الحق.
وثانيهما: أن العلم باستغناء الواجب لذاته عن المؤثر والموجد أمر ضروري, لا يقبل
الاحتجاج والمناظرة له وعليه, فمن وقع له زيغ فيه فليس ذلك إلا لتسلط وهمه, ونقصان
عقله, واستيلاء الوساوس عليه, ومن كان هذا حاله فلا علاج له إلا بالاستعاذة بالله
والاستعانة منه, والاستعداد بالمجاهدة والرياضة, فإنها تزيل البلادة, وتصفي الذهن
ونزكي النفس.
...
٣٠ – ٤٨ – وقال:" ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن ", قالوا: وإياك
يا رسول الله! قال: " وإياي, إلا أن الله أعانني عليه فأسلم, فلا يأمرني إلا بخير ", رواه ابن مسعود.
стр. 78
"عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه
من الجن " الحديث.
روي:" فأسلم " بالفتح على صيغة الماضي, بمعنى: انقاد لي, أو: صار مسلما على
يدي, وبالرفع على أنه مضارع سلمت, أي: أخلص من إغوائه ووسواسه, والأول
أظهر طباقا واتساقا بقوله:" فلا يأمرني إلا بخير ".
وما قيل من أن القرين شيطاني مطبوع على التمرد والعصيان, فلا يتصور منه الانقياد
والإسلام, فكلام إقناعي لا يشهد له نقل ولا عقل.
...
٣١ – ٥٠ – وقال:" ما من بني آدم [من] مولود إلايمسه الشيطان حين يولد, فيستهل
صارخا من مس الشيطان, غير مريم وابنها ", رواه أبو هريرة.
" عن أبي هريرة ﵁: أنه – ﵇ – قال: ما من بني آدم مولود إلا يمسه
الشيطان " الحديث.
مس الشيطان: تعلقه بالمولود وتشويش حاله, والإصابة بما يؤذيه ويؤلمه أولا, كما
قال تعالى حكاية عن أيوب ﵇:" أني مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ [ص:٤١]
والاهتمام بحصول ما يصير ذريعة ومتسلقا له في إغوائه.
و (الاستهلال) والإهلال: رفع الصوت, و (الصراخ): هو الصوت.
стр. 79
واستثناء مريم وابنها – ﵉ – لاستعاذة أمها, حيث قالت: ﴿وإني أعيذها
بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ [آل عمران: ٣٦].
...
٣٢ – ٥٢ – وقال:" إن إبليس يضع عرشه على الماء, ثم يبعث سراياه يفتنون الناس
, فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة, يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا, فيقول:
ما صنعت شيئا, قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته,
فيدنيه منه ويقول: نعم أنت؟ ", قال الأعمش: أراه قال: فيلتزمه ".
" عن جابر ﵁: أنه – ﵇ – قال: إن إبليس يضع عرشه على الماء " الحديث.
(السرايا): جمع سرية, وهي القطعة من الجيش, والسبب في استبشار الشيطان
بالتفريق: ما فيه من انقطاع النسل, وما يتوقع من البداء والوقوع في الزنا, الذي هو
أفحش الكبائر وأكثرها معرة وفسادا.
...
٣٣ – ٥٣ – وقال ﷺ : " إن الشيطان قد أيس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب,
ولكن في التحريش بينهم ", رواهما
стр. 80
" وعنه, عن النبي ﷺ أنه قال: إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب,
ولكن في التحريش بينهم ".
عبادة الصنم عبادة الشيطان, بدليل قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿ياأبت
لا تعبد الشيطان﴾ [مريم:٤٤] وإنما جعل عبادة الصنم عبادة الشيطان لأنه الآمر به
والداعي إليه.
و" المصلون ": المؤمنون, كما في قوله ﵇:" نهيتكم عن قتل المصلين ", وإنما سمي
المؤمن لأن الصلاة أشرف الأعمال, وأظهر الأفعال الدالة على الإيمان.
ومعنى الحديث: إن الشيطان أيس أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم, ويرتد إلى
شركه في جزيرة العرب, ولا يرد على هذا ارتداد أصحاب مسيلمة والعنسي ومانعي
الزكاة, وغيرهم ممن ارتدوا بعد رسول الله ﷺ , لأنهم لم يعبدوا الصنم. وجزيرة العرب:
من حفر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن طولا, ومن رمل يبرين إلى منقطع سمارة –
وهي بادية في طريق الشام – عرضا, هكذا ذكره أبو عبيدة معمر بن المثنى. وإنما سميت جزيرة
, لأنها واقعة بين بحر فارس, والروم, والنيل, ودجلة, والفرات.
وقال مالك بن أنس ﵁: جزيرة العرب مكة والمدينة واليمن.
و" التحريش ": الإغراء على الشيء بنوع من الخداع, من: حرش الضب الصياد: إذا
خدعه, أي: يخدعهم ويغري يعضهم على بعض.
стр. 81
من الحسان:
٣٤ – ٥٥ – وقال:" إن الشيطان لمة بابن آدم, وللملك لمة, فأما لمة الشيطان فإيعاد
بالشر وتكذيب بالحق, وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق, فمن وجد ذلك فليعلم
أنه من الله, فليحمد الله, ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ", ثم قرأ: ﴿الشيطان
يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾ ",غريب.
(من الحسان)
" عن ابن مسعود ﵁: أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن للشيطان لمة بابن آدم, للملك
لمة " الحديث.
(اللمة) بالفتح: القرب والإصابة, ويقال: فلان أصابه لمة من الجن, أي: أصابه مس,
من: الإلمام وهو القرب, والمراد بها: الهمة التي تقع في القلب بواسطة الشيطان أو الملك.
والرواية الصحيحة: " إيعاد " بالياء, على زنة: إفعال في الموضعين, وإنما سوغ استعماله
في الخير – مع اختصاصه عرفا في الشر – للمزاوجة, والإتباع, والأمن عن الاشتباه بذكر
الخير بعده.
ونسب لمة الملك إلى الله تعالى, تنويها لشأن الخير وإشادة بذكره.
стр. 82
٣٥ – ٥٧ – عن عمرو بن الأحوص ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول في حجة الوداع:"
ألا لا يجني جان على نفسه, ألا لا يجني جان على ولده, ولا مولود على والده, ألا إن
الشيطان قد أيس أن يعبد في بلادكم هذه أبدا وولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من
أعمالكم فسيرضى به ".
" عن عمرو بن الأحوص ﵁ أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول في حجة الوداع " الحديث.
سمي تلك الحجة: حجة الوداع, لأنها كانت آخر حجة حجها رسول الله ﷺ , وتوفي بعده
في العام القابل, فكأنه ودع الحرم والبيت بها, لما روي: أنه قال في خطبة خطبها في تلك
الحجة:" هل بلغت؟ " فقيل: نعم, فطفق يقول:" اللهم اشهد ", ثم ودع الناس, ولما روى أبو أمامة أنه قال في تلك الخطبة (يا أيها الناس! أنصتوا فلعلكم لا تروني بعد عامكم هذا).
و" ألا ": حرف تنبيه, و" لا يجني ": خبر في معنى النهي, وفيه مزيد تأكيد, لأنه كأنه
نهاه فقصد أن ينتهي فأخبر عنه, وهو الداعي إلى العدول عن صيغة النهي إلى صيغة الخبر,
ونظيره: إطلاق لفظ الماضي في الدعاء, ولمزيد التأكيد والحث على الانتهاء أضاف الجناية
إلى نفسه, والمراد به: الجناية على الغير, بيانه: أن الجناية على الغير لما كان سببا للجناية
عليه اقتصاصا ومجازاة كان كالجناية
стр. 83
على نفسه, فأبرزها على ذلك, ليكون أدعى إلى الكف وأمكن في النفس, لتضمنه ما يدل
على المعنى الموجب للنهي.
ودليل هذا التأويل أنه روي في بعض الطرق هذا الحديث:" ألا لا يجني جان إلا على نفسه ".
وقوله:" ولا يجني جان على ولده, ولا مولود على والده " يحتمل أن يكون المراد النهي عن
الجناية عليها, وإنما أفردهما بالتصريح والتنصيص لاختصاص الجناية عليهما بمزيد قبح وشناعة,
وأن يكون المراد به تأكيد قوله) لا يجني جان على نفسه) , فإن العرب في جاهليتهم كانوا
يأخذون بالجناية من يجدونه من الجاني وأقاربه, الأقرب فالأقرب, ولعلهم شنوا القتل فيهم,
وعليه الآن ديدن أهل الجفاء من سكان البوادي والجبال.
فالمعنى على هذا: لا يجن أحد على غيره, فيؤخذ بها هو ووالده وولده, ويكون في الحقيقة
جنايته على الغير جناية على نفسه ووالده وولده.
...
٣ - باب
الإيمان بالقدر
من الصحاح:
٣٦ - ٥٨ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 84
" كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين أف سنة, قال:
وكان عرشه على الماء ".
(باب الإيمان بالقدر)
(من الصحاح):
" عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : كتب الله مقادير الخلائق "الحديث.
" كتب الله " معناه: أجرى القلم على اللوح المحفوظ بتحصيل
стр. 85
ما بينهما من التعلق, وأثبت فيه مقادير الخلائق على وفق ما تعلقت به إرادته أزلا إثبات
الكاتب ما في ذهنه بقلمه على لوحة, أو: قدر وعين مقاديرهم تعيينا بتا لا يتأتى خلافه.
وقوله:" بخمسين ألف سنة " معناه: طول الأمد وتمادي ما بين التقدير والخلق من المدد,
أو: تقديره ببرهة من الدهر الذي يوم منه كألف سنة مما تعدونه, وهو الزمان, أو:
من الزمان نفسه.
فإن قلت: كيف تحمله على الزمان, وهو على ما هو المشهور مقدار حركة الفلك الذي
لم يخلق حينئذ؟
قلت: فيه كلام, وإن سلم فمن زعم ذلك قال بأنه مقدار حركة الفلك الأعظم الذي هو
عرش الرحمن, وكان موجودا حينئذ, بدليل قوله: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ , وهو أيضا
بظاهره دليل لمن زعم أن أول ما خلق الله في هذا العالم الماء, ثم ادعى أنه سبحانه أوجد
منه سائر الإجرام, تارة بالتلطيف, وأخرى بالتكثيف.
...
٣٧ – ٦٠ – وقال:" احتج آدم وموسى عند ربهما, فحج آدم موسى, قال موسى:
أنت آدم الذي خلقك الله بيده, ونفخ فيك من روحه, وأسجد لك ملائكته, وأسكنك
في جنته, ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك
الله برسالته وبكلامه, وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء, وقربك نجيا
стр. 86
فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاما, قال آدم: فهل
وجدت فيها: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾؟ قال: نعم, قال: أفتلومني على أن عملت
عملا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ " قال رسول الله ﷺ : فحج أدم
موسى ", رواه أبو هريرة.
" عن أبي هريرة ﵁: أنه قال ﵇: احتج آدم وموسى عند ربهما " الحديث.
هذه محاجة نفسانية ومكالمة روحانية جرت بينهما في عالم الغيب وحظيرة القدس, والظاهر:
أن المراد بهذه الكتبة كتبها في الألواح التي أعطى موسى, وذكر في كتابه العزيز وصفه
وقال: ﴿وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء﴾ [الأعراف:١٤٥]
وقال: ﴿وألقى الألواح﴾ [الأعراف: ١٥٠] ,أو: في اللوح المحفوظ.
وقوله:" فحج آدم موسى " معناه: غلب عليه بالحجة, بأن ألزمه أن جملة ما صدر عنه لم يكن ما هو مستقل به متمكنا من تركه, بل كان أمرا مقضيا عليه, وما كان كذلك لم يحسن اللوم عليه
عقلا, وأما ما ترتب عليه شرعا من الحد والتعزير فحسنه من الشارع لا يتوقف على غرض
أو نفع, وإن سلم فالمقصود منه أن يكون أسبابا منكلة له عن العود إليه, ولغيره عن الاشتغال
بمثله, فيتقي
стр. 87
منه من أراد التوقي عن هذا النوع من العصيان, كما يوجد ما يوجد في عالمنا مرتبطا بأسبابها
لحكمة اقتضت إناطة الحوادث بأسباب تتوسط بينه وبينها.
ومن المعلوم أن موسى – صلوات الله عليه – لم يكن متعبدا بلومه ﵇, ولم يكن لومه
أيضا في ذلك العالم نافعا, فلا يحسن.
...
٣٨ – ٦١ – وقال رسول الله ﷺ : " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة,
ثم يكون علقة مثل ذلك, ثم يكون مضغة مثل ذلك, ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات,
فيكتب عمله, وأجله, ورزقه, وشقي أو سعيد, ثم ينفخ فيه الروح, وإن الرجل ليعمل
بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع, فيسبق عليه الكتاب, فيعمل بعمل أهل
الجنة, فيدخل الجنة, وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع,
فيسبق عليه الكتاب, فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار ", رواه ابن مسعود ﵁.
" عن ابن مسعود ﵁: إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه ",الحديث.
" إن خلق أحدكم ",أي: مادة خلق أحدكم, أو: ما يخلق منه
стр. 88
أحدكم يجمع, أي: يقرر ويحرز في بطنها.
وقوله:" ثم يبعث الله إليه ملكا ", أي: يبعث الله إليه الملك في الطور الرابع, حينما
يتكامل بنيانه وتتشكل أعضاؤه, فيعين له, وينفث فيه ما يليق به من الأعمال والأرزاق
حسبما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته, فمن وجده مستعدا لقبول الحق واتباعه, ورآه
أهلا للخير وأسباب الصلاح متوجهة إليه, أثبته في عداد السعداء, وكتب له أعمالا
صالحة تناسب ذلك, ومن وجده كزا جافيا قاسى القلب ضاريا بالطبع متأبيا عن الحق أثبت
ذكره في ديوان الأشقياء الهالكين, وكتب له ما يتوقع منه من الشرور والمعاصي, هذا إذا
لم يعلم من حاله وقوع ما يقتضي تغير ذلك, فإن علم من ذلك شيئا كتب له أوائل أمره
وأواخره, وحكم عليه وفق ما يتم به عمله, فإن ملاك العمل خواتيمه, وهو الذي يسبق
إليه الكتاب, فيعمل بعمل أهل الجنة أو النار.
****
٣٩ – ٦٣ – وقالت عائشة ﵂: دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من
الأنصار, فقلت: طوبى لهذا! عصفور من عصافير الجنة, لم يعمل سوءا, قال:" أو
غير ذلك يا عائشة! إن الله
стр. 89
خلق الجنة وخلق النار, فخلق لهذه أهلا, ولهذه أهلا, خلقهم لهما وهم في أصلاب آبائهم ".
" عن عائشة – ﵂ – أنها قالت: دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار"
الحديث.
" طوبى ": فعلى, تأنيث: أطيب ووطوبى له معناه: أطيب المعيشة له.
وقوله:" أو غير ذلك " إشارة إلى ما ذكرنا أن الثواب والعقاب ليسا لأجل الأعمال, وإلا
لزم أن لا يكون ذراري المسلمين والكفار من أهل الحنة والنار, بل الموجب لهما هو اللطف
الرباني والخذلان الإلهي المقدر لهم وهم في أصلاب آبائهم, بل هم وآباؤهم وأصول أكوانهم
بعد في العدم, فالواجب فيهم التوقف وعدم الجزم بشيء من ذلك.
فإن قلت: كيف التوفيق بينه وبين قوله:" [هم] من آبائهم "؟
قلت: ذلك في الأحكام الدنيوية, وهذا في أمر الآخرة, فإن الطفل يتبع أبويه في حكم
الإيمان والكفر, لا فيهما, فإن الإيمان والكفر عبارتان عن التصديق والتكذيب المخصوصين,
وهما لا يحصلان لمن لم يتصف بهما تبعا لغيره.
...
٤٠ – ٨٩ – عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله! ذراري المؤمنين؟
قال::" من آبائهم ", فقلت: يا رسول الله! بلا عمل؟
стр. 90
قال: " الله أعلم بما كانوا عاملين ", فقلت: فذرلري المشركين؟ قال: من آبائهم ",
قلت: بلا عمل؟ قال: " الله أعلم بما كانوا عاملين ".
وقول عائشة بعد ذلك:" يا رسول الله! بلا عمل؟ " سؤال معناه: أن الحكم على الإيمان
والكفر إنما هو بسبب ما يصدر عنه من الإقرار والإنكار, وسائر ما يدل على التصديق
والتكذيب من الأعمال, فكيف يحكم على الذراري بالإيمان والكفر, ولم يظهر منهم ما
يشعر بحالهم؟!
وجوابه: قوله ﵇ " الله أعلم بما كانوا عاملين ", وهو إشارة إلى أنهم لما لم يأتوا
بما يدل على ما يستعدونه من الخير والشر, ويشعر بحالهم لو عاشوا وبلغوا سن البلوغ,
جنحنا إلى إتباعهم آباءهم, إذ الغالب أن ولد اليهودي يتهود, وولد النصراني يتنصر, وولد
المسلم يسلم, لما غلب على الطباع من التقليد والحرص على المألوف, والميل إلى مشايعة
الأباء وتعظيم شأنهم وترويج آرائهم, فحكمنا بإسلام ولد المسلم وترقبنا خلاصه, وأسجينا كفر
الكافر على ولده, وخفنا عليه بناء على هذا الأمر الظاهر وإن احتمل غيره, كما يتوقع الخلاص
للصالح المذعن ويخاف على الفاسق المتمرد, وإن جاز عكسه, وسيأتيك مزيد كشف لذلك.
...
٤١ – ٦٤ – وقال رسول الله ﷺ : " ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده
من الجنة ", قالوا: يا رسول الله!
стр. 91
أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: " اعملوا فكل ميسر لما خلق له, أما من كان
من أهل السعادة فسييسر لعمل السعادة, وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعلم الشقاوة
" ثم قرأ: ﴿فأما من أعطى واتقى () وصدق بالحسنى﴾ الآية " رواه على بن أبي طالب.
" عن علي ﵁: أنه قال ﵊: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من
النار ومقعده من الجنة " الحديث.
فيه إشارة إلى أن الله تعالى دبر أمر العباد وقدر أحوالهم في المعاد قبل وجودهم, ووهم يتشبث
به المجبرة المانعون للتكليف, ويتشكل به القدرية المنكرون للقدر, وهو أن السعادة والشقاوة
لو كانتا مقدرتين بحيث لا يتطرق إليهما التغير والتبدل لم تكن التكاليف والأعمال مفيدة, فإن من كتب مقعده من الجنة لا يزحزحه عن مقعده كفر وفسوق, ومن قدر مقعده من النار لا يخلصه عنه إيمان وخلوص.
وتنبيه على الجواب عنه: وهو أن الله تعالى دبر الأشياء على ما شاء, وربط بعضها ببعض, وجعلها أسبابا ومسببات, وإن كان يقدر على إيجاد الجميع ابتداء بلا أسباب ووسائط, كما
خلق المباديء والأسباب, لكنه أمر اقتضته حكمته وسبقت به كلمته وجرت عليه عادته, فمن
قدر أنه من أهل الجنة قدر له ما يقربه إليها من الأعمال, ووفقه لذلك بإقداره وتمكينه منه
وتحريضه عليه بالترغيب والترهيب, وألان قلبه لقبول الحق, وأرشده للتمييز بين الباطل والحق
ومن قدر
стр. 92
أنه من أهل النار قدر له خلاف ذلك, وخذله حتى اتبع هواه, وران على قلبه الشهوات, ولم يغن عنه النذر والآيات, فأتى بأعمال أهل النار وأصر بها, حتى طوى عليه صحيفة عمره, وكان ما يدخله النار ملاك أمره, وهو معنى قوله:" وكل ميسر لما خلق له ".
...
٤٢ – ٦٥ – وقال: " إن الله تعالى – كتب على ابن آدم حظه من الزنا, أدرك ذلك لا محالة, فزنا العين النظر, وزنا اللسان المنطق, والنفس تتمنى وتشتهي, والفرج يصدق ذلك أو يكذبه "
وفي رواية:" الأذنان زناهما الاستماع, واليد زناها البطش, والرجل زناها الخطا ".رواه أبوهريرة ﵁.
" عن أبي هريرة ﵁ , عن النبي ﷺ : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا " الحديث.
أراد بالزنا: مقدماته من التمني, والتخطي لأجله, والتكلم فيه طلبا أو حكاية, واستماع
ذلك, ونحوها.
" والفرج يصدق ذلك ويكذبه ",أي: بالإتيان بما هو المقصود من ذلك, أو بالترك والكف عنه, ولما كانت المقدمات – من حيث إنها طلائع وأمارات – تؤذن بوقوع ما هي وسيلة إليه تشابه
المواعيد والأخبار عن الأمور المترقبة, سمي ترتب المقصود عليها – الذي هو كالمدلول لها – وعدم ترتبه: صدقا وكذبا.
стр. 93
وقوله: (كتب عليه) أي قضى, فأثبت في اللوح المحفوظ, وقيل: خلق له أداته وعدده من الحواس وغيرها, والأول هو المناسب لمعاني هذا الباب, والله أعلم.
...
٤٣ – ٦٦ – وعن عمران بن حصين: أن رجلين من مزينة قالا: يا رسول الله! أرأيت ما يعمل
الناس, ويكدحون فيه, أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر سبق, أم فيما يستقبلون؟
فقال:" لا بل شيء قضي عليهم, وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ونفس وما سواها () فألهمها فجورها وتقواها﴾ [الشمس: ٧ - ٨] ".
" وفي حديث عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون؟ ".
أي: يسعون, والكدح: السعي والعناء.
...
٤٤ - ٦٧ – وقال رسول الله ﷺ :" يا أبا هريرة! جف القلم بما أنت لاق, فاختص على
ذلك أو ذر ".
" وعن أبي هريرة ﵁ , عن النبي ﷺ أنه قال: يا أبا هريرة! جف القلم بما أنت لاق,
فاختصر [فاختص] على ذلك أو ذر ".
стр. 94
(جفاف القلم): كناية عن الفراغ عن التقدير, وثبت المقادير, إذ الكاتب إنما يجف قلمه
بعد فراغه عن الكتابة.
و (أو) للتسوية.
ومعناه: أن الاختصار على التقدير والتسليم له وترك الإعراض عنه سواء, فإن ما قدر لك
من خير أو شر, فهو لا محالة لاقيك, وما لم يكتب, فلا حيلة ولا طريق إلى حصوله لك.
وروي: " فاختص " من (الاختصاء) ويشهد له ما روي صدرا لهذا الحديث, وهو: أن
أبا هريرة قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! إني رجل شاب, وإني أخاف العنت,
ولست أجد طولا أتزوج به النساء, فاذن لي أن أختصي, فقال رسول الله ﷺ :" جف القلم
بما أنت لاق, فاختص على ذلك أو دع ", وعلى هذا يكون (على ذلك) حالا.
...
٤٥ – ٦٨ – وقال ﷺ : " إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن, كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ", ثم قال رسول الله ﷺ : "اللهم مصرف القلوب, صرف قلوبنا على طاعتك ", رواه عبد الله ابن عمرو
стр. 95
" وعن ابن عمر [و] ﵄: أنه قال: قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن "الحديث
يقال: فلان قبض الملك بين إصبعيه, ويقلبه بأنملته, إذا تمكن منه, واستقل بأمره وجرى حسب تصرفه وتدبيره ومن غير استعصاء وتمانع.
والمعنى: إن الله تعالى هو المتمكن من قلوب العباد, والمتسلط عليها, والمتصرف فيها, يصرفها
كيف يشاء, كما قال تعالى: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ [الشمس: ٨].
وإنما قال:" من أصابع الرحمن " ولم يقل: من أصابع الله, إشعارا بأن الله تعالى إنما تولى بنفسه
أمر قلوبهم, ولم يكله إلى أحد من ملائكته رحمة منه وفضلا, كيلا يطلع على سرائرهم, ولا يكتب عليهم ما في ضمائرهم.
...
٤٦ – ٦٩ – وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة
,فأبواه يهودانه, أو ينصرانه أو يمجسانه, كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء, هل تحسون فيها من
جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟ " ثم يقول:" ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ ".
" عن أبي هريرة ﵁ , عن النبي ﷺ أنه قال: ما من مولود إلا
стр. 96
يولد على الفطرة " الحديث.
بناء " الفطرة " يدل على النوع, من: (الفطر) وهو الابتداء والاختراع, كالجلسة والركية
واللام فيها إشارة إلى معهود, وهو ما نطق به قوله تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله
التي فطر الناس عليها﴾ [الروم: ٣٠].
والمراد بها: الخلقة التي خلق الله الناس عليها, من الاستعداد للمعرفة, وقبول الحق, والتأبي عن
الباطل, والتمييز بين الخطأ والصواب.
والمعنى: أن كل مولود يولد على وجه لو ترك بحاله, ولم يعتوره من الخارج ما يصده عن النظر الصحيح من فساد التربية وتقليد الأبوين والألف بالمحسوسات والانهماك في الشهوات ونحو ذلك
, لنظر فيما نصبه من الدلائل على التوحيد وصدق الرسول وغير ذلك نظرا صحيحا يوصله إلى الحق ويهديه إلى الرشد, وعرف الصواب واتبع الحق, ولم يختر إلا الملة الحنيفية, ولم يلتفت إلى
جنبة سواها, لكن يصده عن ذلك أمثال هذه العوائق.
وضرب (الجمعاء) و (الجذعاء) لذلك مثلا, فإن البهيمة تولد سوية الأراب سليمة الأعضاء من الجذع ونحوه, فلو لم يتعرض الناس لها بقيت سليمة كما ولدت, وسميت السليمة جمعاء,
لاستجماعها جميع ما ينبغي أن يكون له من الأعضاء.
وقيل: المراد بالفطرة ملة الإسلام, ويعضده: أنه روي:" كل
стр. 97
مولود يولد على الملة " بدل: (الفطرة) , وفيه نظر, لأنه يؤدي إلى مخالفة الحديث للآية
التي استشهد بها, فإنها دلت على أن تلك الفطرة لا تتبدل, كما قال: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾
[الروم: ٣٠] , والإسلام يبدله تهويد الأبوين وتمجيسهما على ما نطق الحديث.
ولعله – ﵇ – تلفظ بالعبارة الثانية في مجلس آخر, وأراد بها أن كل مولود يولد على
حكم الإسلام, على معنى أنه لو خلي وطبعه, ونظر فيما نصب له من الآيات اختار الإسلام
واستقر عليه.
...
٤٧ – ٧٠ – وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات, فقال:
:" إن الله تعالى لا ينام, ولا ينبغي له أن ينام, يخفض القسط ويرفعه, يرفع إليه عمل الليل قبل
عمل النهار, وعمل النهار قبل عمل الليل, حجابه النور, لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه
ما انتهى إليه بصره من خلقه ".
" عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات " الحديث.
كان رسول الله ﷺ إذا وعظ قام
وقوله:" بخمس كلمات " حال: أي قام متفوها بخمس كلمات, وما بعده تفصيل له, والنوم
استراحة للقوى والحواس, ومن كان بريئا من ذلك ولا يشغله شأن عن شأن لا ينبغي له أن ينام.
стр. 98
" يخفض القسط ويرفعه ": ينقص النصيب باعتبار ما كان يمنحه قبل ذلك, ويزيد بالنظر إليه
بمقتضى قدره الذي هو تفصيل لقضائه الأول.
وقيل: القسط: هو الميزان, لما روى أبو هريرة:" يخفض الميزان ويرفعه ", سمي بذلك لأنه
تحصل به المعدلة في القسمة, وخفضه ورفعه كنايتان عن التوسيع والتقتير.
" يرفع إليه عمل الليل ",أي: إلى خزائنه, كما يقال: حمل المال إلى الملك, فيضبط إلى يوم
الجزاء, أو يعرض عليه وإن كان أعلم به, ليأمر ملائكته إمضاء ما قضى لفاعله جزاء له على
فعله. " قبل عمل النهار " أي: قبل أن يؤتى بعمل النهار, وهو بيان لمسارعة الكرام الكتبة
إلى رفع الأعمال, وسرعة عروجهم إلى ما فوق السماوات, وعرضهم على الله تعالى, فإن
الفاصل بين الليل والنهار أن لا يتحرى هو آخر الليل وأول النهار, وقيل: قبل أن يرفع إليه
عمل النهار, والأول أبلغ.
" حجابه النور " أي: تحيرت البصائر والأنظار, وأبيحت طرق الأفكار دون أنوار عظمته
وكبريائه وأشعة عزه وسلطانه, فهي كالحجب التي تحول بين العقول البشرية وما وراءها, لو كشفت فتجلى ما وراءها لأحرقت عظمة جلال ذاته وأفنت ما انتهى إليه بصره من خلقه,
لعدم إطاقته, وهو بعد في الدار الدنيا منغمس في الشهوات, متآلف
стр. 99
بالمحسوسات, محجوب بالشواغل البدنية والعوائق الجسمانية عن حضرة القدس, والاتصال بها
ومشاهدة جمالها.
و (السبحات): جمع سبحة, والمراد بها: الأنوار التي إذا رآها الملائكة المقربون سبحوا لما
يروعهم من جلال الله وعظمته.
...
٤٨ – ٧٢ – وعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن ذراري المشركين فقال:" الله
أعلم بما كانو عاملين ".
" وعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ عن ذراري المشركين, فقال: الله أعلم بما كانوا
عاملين ".
(الذراري): جمع ذرية, هي نسل الرجل إما من الذر بمعنى التفريق, سموا بذلك لأن الله تعالى
ذرهم في الأرض, فهي فعلية كسرية, أو فعلولة قلبت الراء الثالثة ياء كما في: تقضيت, ثم
قلبت الواو ياء وأدغمت فيها, والمراد بها: الأطفال, وأمرهم فيما يتعلق بالأور الدنيوية تبع لأشرف الأبوين في الدين, وهو معنى قوله – ﵇ – حيث قال: " [هم] من آبائهم ",
وفيما يعود بأمر الآخرة من الثواب والعقاب فموقوف موكول إلى علم الله, لأن السعادة والشقاوة ليستا معللتين عندنا بالأعمال, بل الله تعالى خلق من شاء سعيدا ومن
стр. 100
شاء شقيا, وجعل الأعمال دليلا على السعادة والشقاوة.
وأنت تعلم أن عدم الدليل وعدم العلم به لا يوجبان عدم المدلول والعلم بعدمه, وكما أن البالغين منهم شقي وسعيد, فأما الذين شقوا فهم مستعملون بأعمال أهل النار حتى يموتوا عليها,
فيدخلوا النار, وأما الذين سعدوا فهم موفقون للطاعات وصالح الأعمال حتى يتوفوا عليها, فيدخلوا الجنة, فالأطفال منهم من سبق القضاء بأنه سعيد من أهل الجنة, فهو لو عاش عمل أعمال أهل الجنة, ومنهم من جف القلم بأنه شقي من أهل النار, فهو لو أمهل لاشتغل بالعصيان
وانهمك في الطغيان, وهو معنى قوله:" والله أعلم بما كانوا عاملين ".
...
من الحسان:
٤٩ – ٧٤ – وسئل عمر بن الخطاب عن هذه الآية " ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ الآية قال عمر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عنها فقال:" إن الله خلق آدم, ثم
مسح ظهره بيمينه, فاستخرج منه ذرية, فقال: خلقت هؤلاء للجنة, وبعمل أهل الجنة يعملون
ثم مسح ظهره, فاستخرج منه ذرية, فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون ",
فقال رجل: ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ :" إن الله إذا خلق العبد
стр. 101
للجنة استعلمه بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة, وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار, فيدخله النار ".
(من الحسان)
" سئل عمر بن الخطاب ﵁ عن هذه الآية: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عنها " الحديث.
معنى الآية: أن الله تعالى أخرج من أصلاب بني آدم نسلهم, وأشهدهم على أنفسهم بأن نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته, وركب فيهم العقول والبصائر, وجعلها مميزة بين الحق والباطل, نزل تمكينهم من العلم بربوبيته بنصب الدلائل, وخلق الاستعداد فيهم وتمكينهم من معرفتها والإقرار بها = منزلة الإشهاد والاعتراف تمثيلا وتخييلا.
ونظيره قوله تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ [النحل: ٤٠] وقوله: ﴿فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١].
وقول الشاعر:
إذ قالت الأنساع للبطن الحق
стр. 102
وقوله:
قالت لها ريح الصبا قرقار
فإن من البين الذي لا يشك فيه أنه لا قول ولا خطاب ثم, وإنما هو تمثيل وتصوير للمعنى, فظاهر الحديث لا يساعد هذا المعنى ولا ظاهر الآية, فإنه لو أراد أن يذكر أنه استخرج
الذرية من صلب آدم دفعة واحدة لا على توليد بعضهم من بعض على مر الزمان, لقال: وإذ
أخذ ربك من ظهر آدم ذريته.
والتوفيق بينهما: أن يقال: المراد من " بني آدم " في الآية آدم وأولاده, وكأنه صار اسما للنوع كالإنسان والبشر, والمراد من الإخراج توليد بعضهم من بعض على مر الزمان وواقتصر في الحديث على ذكر آدم اكتفاء بذكر الأصل عن ذكر النوع.
قوله:" مسح ظهر آدم " يحتمل أن يكون الماسح هو الملك الموكل على تصوير الأجنة وتخليقها وجمع موادها وإعداد عددها, وإنما أسند إلى الله تعالى من حيث هو الآمر به, كما أسند إليه التوفي في قوله تعالى ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ [الزمر: ٤٢] والمتوفي لها هو الملائكة ولقوله تعالى: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة﴾ [النحل: ٢٨] ويحتمل أن يكون الباري تعالى.
والمسح من باب التمثيل, وقيل ك هو من المساحة بمعنى
стр. 103
التقدير كأنه قال: قدر ما في ظهره من الذرية.
****
٥٠ – ٧٥ – وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ وفي يده كتابان, فقال للذي في يده اليمنى: " هذا كتاب من رب العالمين, فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم, ثم أجمل على آخرهم, فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا " ثم قال للذي في شماله:" هذا كتاب من رب العالمين, فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وأسماء قبائلهم, ثم أجمل على آخرهم, فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا" ثم قال: بيديه فنبذهما, ثم قال: " فرغ ربكم من العباد, ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ ".
" وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ وفي يديه كتابان " الحديث.
(قال للذي بيديه) , أي: أشار إليه, أو: قال لأجله وفي شأنه, والظاهر أن قوله: " هذا كتاب من رب العالمين " كلام صادر على سبيل التمثيل والتصوير, مثل الثابت في علم الله تعالى, أو المثبت في اللوح بالمثبت في الكتاب الذي كان في يده
стр. 104
وقوله: "ثم أجمل على آخرهم" من قولهم: أجمل الحساب إذا تمم ورد من التفصيل إلى الجملة,
وأثبت في آخر الورقة مجموع ذلك وجملته.
وقوله:" فرغ ربكم " إلى آخره فذلكة الكلام ونتيجته, فإنه سبحانه لما قسم العباد قسمين ووقدر أحد القسمين على التعيين أن يكون من أهل الجنة, وقدر القسم الآخر أن يكون في النار, وعينهم تعيينا لا يقبل التغيير والتبديل, فقد فرغ من أمرهم: ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ [الشورى: ٧].
...
٥١ – ٧٩ – وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:" إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة, فألقى عليهم من نوره, فمن أصابه من ذلك النور اهتدى, ومن أخطأه ضل, فلذلك أقول: جف القلم على علم الله ".
" عن عبد الله بن عمرو, عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة " الحديث.
المراد بالظلمة: ظلمة الطبيعة, والميل إلى الشهوات ووالركون إلى المحسوسات, والغفلة عن معالم الغيب وأسرار عالم القدس, والنور الملقى إليهم ما نصب لهم من الشواهد والحجج وما أنزل
стр. 105
عليهم من الآيات والنذر, إذ لولا ذلك لبقوا في ظلمات الطبيعة حيارى متخبطين مثل الأنعام, كما هو حال الكفرة المنهمكين في الشهوات, المعرضين عن الآيات, الذين أخبر عنهم بقوله: ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾ [الأعراف: ١٧٩].
...
٥٢ – ٨٣ – عن ابن عباس ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ :" صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية ",غريب.
" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية ".
" المرجئة " بالهمز: القائلون بالجبر الصرف, المنكرون للتكليف, سموا بها لأنهم أخروا أمر الله تعالى ولم يعتبروه, من: أرجأ إذا أخر.
و" القدرية ": المنكرون للقدر, القائلون بأن أفعال العباد مخلوقة بقدرهم ودواعيهم, لا يتعلق بخصوصها قدرة الله تعالى أو إرادته, نسبوا إلى القدر لأن بدعتهم نشأت من قولهم في القدر.
...
٥٣ – ٩٠ – عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: " الوائدة والموؤدة في النار ".
" عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: الوائدة والموؤدة في النار ".
стр. 106
الوأد: دفن الولد الحي في القبر, وكانت العرب في جاهليتهم يدفنون البنات حية, فالوائدة في النار لكفرها وفعلها, والموؤدة فيها لكفرها.
والحديث دليل على تعذيب أطفال المشركين, ولعل المراد بالوائدة: القابلة, وبالموؤدة: الموؤدة لها وهي أم الطفل, فحذفت الصلة, إذ كان من ديدنهم أن المرأة إذا أخذها الطلق حفر لها حفرة عميقة, فجلست عليها, والقابلة وراءها تترقب الولد, فإن ولدت ذكرا أمسكت, وإن ولدت أنثى ألقتها في تلك الحفرة, وأهالت عليها التراب.
...
٤ - باب
إثبات عذاب القبر
من الصحاح:
٥٤ - ٩٢ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال::" إن العبد إذا وضع في قبره, وتولى عنه أصحابه, وإنه ليسمع قرع نعالهم = أتاه ملكان وفيقعدانه, فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ - لمحمد -, فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله, فيقال له ك انظر إلى مقعدك من النار, قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة, فيراهما جميعا, وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول:
стр. 107
لا أدري كنت أقول ما يقول الناس, فيقال له: لا دريت ولا تليت, ويضرب بمطرقة من حديد ضربة, فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين ".
(باب إثبات عذاب القبر)
(من الصحاح):
" عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه " الحديث.
(القرع): الصوت.
وقوله: " إنه ليسمع قرع نعالهم ",أي: لو كان حيا, فإن جسده قبل ما يأتيه الملك فيقعده ميت لا يحس بشيء, والمراد بالإقعاد: التنبيه والإيقاظ عما هو عليه بإعادة الروح إليه, أجري الإقعاد مجرى الإجلاس. وقد يقال: أجلسته من نومه: إذا أيقظته, والحديث ورد بهما, والظاهر أن لفظ الرسول صلوات الله عليه: (فيجلسانه) , وبعض الرواة بدله بهذا اللفظ, فإن الفصحاء يستعملون الإقعاد إذا كان من قيام, والإجلاس إذا كان من اضطجاع.
و" لا دريت ولا تليت ": عن الدراية والتلاوة, دعا عليه بنحو ما أجابه.
و (الثقلان): الإنس والجن, وإنما منعوا عن سماعها لئلا تنتقص حكمة التكليف, ويرتفع الابتلاء والامتحان, ولا يعرضوا عن التدابير
стр. 108
والصنائع ونحوها مما يتوقف عليه بقاء الشخص والنوع, فيبطل معاشهم وينقطع إدبارهم.
فإن قلت: مفهوم الحديث أن هذا السؤال إنما يكون ممن دفن وقبر, وأما غيره فهو بمعزل عن ذلك, ويشهد له ظاهر قوله – ﵇ – في حديث زيد بن ثابت:" لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ".
قلت: بل هو أمر يشمل الأموات ويعمهم, حتى إن من مات وأكلته سباع البهائم والطيور, وتفرقت في الشرق والغرب, فإن الله ﵎ يعلق روحه الذي فارقه بجزئه الأصلي الباقي من أول عمره إلى آخره, المستمر على حاله حالتي النمو والذبول الذي يتعلق به الروح أولا, فيحيا ويحيا بحياته سائر أجزاء البدن, ليسأل, فيثاب أو يعذب.
ولا يستبعد ذلك, فإن الله تعالى عالم بالجزئيات كلها حسب ما هي عليها, فيعلم الأجزاء بتفاصيلها, ويعلم مواقعها ومحالها, ويميز بين ما هو منها أصل وما هو فضل, ويقدر على تعليق الروح بالجزء الأصلي منها حال الانفراد تعليقه به حال الاجتماع, فإن البنية عندنا ليست شرطا للحياة, بل لا يستبعد تعليق ذلك الروح الشخصي الواحد في آن واحد بكل واحد من تلك الأجزاء المتفرقة في المشارق والمغارب, فإن تعلقه ليس على سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول في جزء الحلول في آخر.
стр. 109
ومن أراد تحقيق ذلك فليطالع كتابي " الطوالع " ليعلمه علم اليقين.
والحديث ورد على ما هو الغالب.
وقوله:" لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم " معناه: أن الله تعالى لو أسمعكم صياح الأموات وصراخهم حينما يعذبون لاشتد عليكم الرعب, وحملكم على التحرز عن الأموات والتباعد عنهم, والإعراض عن الاشتغال بدفنهم مخافة أن يصيحوا وأنتم متدافنون, لا حذرا من عذاب القبر, فإنه لا يرد من قدر الله, ولا يغني من عذابه.
...
٥٥ - ٩٦ – عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :" إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان, يقال لأحدهما: المنكر وللآخر النكير, فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله, أشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمدا رسول الله, فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا, ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراعا, ثم ينور له فيه وثم يقال له: نم, فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم؟ فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه, حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك, وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله, لا أدري
стр. 110
فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك, فيقولان للأرض: التئمي عليه, فتلتئم عليه, فتختلف أضلاعه, فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك ".
(من الحسان):
" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان " الحديث.
يحتمل أن يتمثل الملكان للميت بهذا اللون, ويحتمل أن يكون المراد بالسواد قبح الصورة وفظاعة المنظر, يقال: كلمت فلانا فما رد علي سوداء ولا بيضاء, أي: ما أجابني بكلمة حسنة ولا قبيحة, وبالزرقة: قليب البصر وتحديد النظر, يقال: زرقت عينه نحوي: إذا انقلبت وظهر بياضها, وهي كناية عن شدة الغضب, فإن الغضبان ينظر إلى المغضوب عليه شزرا بحيث تنقلب عينه, ومن هذا يوصف العدو, فيقال: أسود الكبد أزرق العين.
و" يفسح له في قبره " أي: يوسع مرقده, و" العروس " يطلق على الذكر والأنثى, وإنما مثل استراحة الميت بنومه ولأنه من أعز أحوال الإنسان وأرغده في الاستراحة
***
следующие страницы →