← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

يكون مسلمًا، وقالوا: لا حدَّ على من قذف كافرًا، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ...﴾ (١). وبما يُروى عن ابن عمر مرفوعًا «من أشرك بالله فليس بمحصن» (٢). بينما ذهب ابن حزم ﵀ إلى وجول الحد على من قذف محصنة من أهل الكتاب إذا كانت عفيفة. ٣، ٤ - العقل والبلوغ: اختلف العلماء فيمن قذف صغيرًا أو مجنونًا (٣)، فقال الجمهور: لا يجب عليه الحد، لأن ما رمى به الصغير والمجنون لو تحقق لم يجب به الحد، فلم يجب الحدُّ على القاذف، كما لو قذف عاقلًا بما دون الوطء. وقال مالك بجلد من قذف المجنون دون الصغير، لكنه قال في الصبيَّة التي يجامع مثلها: يحدُّ قاذفها، خصوصًا إذا كانت مراهقة، فإن الحدَّ بعلة إلحاق العار، ومثلها يلحقه. وأما ابن حزم فأوجب الحد على قاذف المجنون والصغير مطلقًا، وناقش الجمهور بما ملخصه: أن القاذف لا يخلو من ثلاثة: إما أن يكون صادقًا صحَّ صدقه فلا خلاف أنه لا حدَّ عليه، وإما أن يكون ممكنًا صدقه وممكنًا كذبه فيحدُّ بلا خلاف لإمكان كذبه فقط، ولو صح صدقه فلا حدَّ عليه، وإما أن يكون كاذبًا صحَّ كذبه [وأنتم تقولون أن من قذف المجنون أو الصغير قد تيقن كذبه] فالآن حقًّا طابت النفس بوجوب الحد عليه بيقين. ٥ - الحرية: اختلف العلماء فيمن قذف عبدًا أو أمة، هل يحدُّ أو لا؟ على قولين: فقال جماهير أهل العلم (منهم: النخعي والشعبي وعطاء والحسن والزهري والأوزاعي والثوري، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد)، لا حدَّ عليه، واحتجوا بما يلي:

стр. 1577

١ - حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من قذف مملوكه بالزنا يُقام عليه الحدُّ يوم القيامة إلا أن يكون كما قال» (١). قالوا: «لو وجب على السيد أن يُجلد في قذف عبده في الدنيا لذكره كما ذكره في الآخرة، وإنما خصَّ ذلك بالآخرة تمييزًا للأحرار من المملوكين، فأما في الآخرة فإن ملكهم يزول عنهم ويتكافئون في الحدود، ويقتص لكل منهم إلا أن يعفو، ولا مفاضلة حينئذٍ إلا بالتقوى» اهـ (٢). ٢ - ادِّعاء الإجماع على أن الحرَّ إذا قذف عبدًا لم يجب عليه الحد (!!) وفيه نظر فإنه منقوض بما صح عن نافع قال: «سئل ابن عمر عمن قذف أم ولد لآخر، فقال: يُضرب الحدُّ صاغرًا» (٣) وبه قال الحسن البصري وأهل الظاهر (٤). ٣ - أن العبد - وكذا الأمة - لا حرمة له (!!) قال ابن حزم: قولهم لا حرمة للعبد ولا للأمة فكلام سخيف، والمؤمن له حرمة عظيمة، ورب عبد جلف خير من خليفة قريش عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم﴾ (٥). والناس كلهم أولاد آدم لا تفاضل بينهم إلا بأخلاقهم وأديانهم، لا بأعراقهم ولا بأبدانهم. الحاصل: يتحصَّل مما تقدم أنه يشترط في المقذوف الذي يجب الحدُّ على قاذفه .. ثالثًا: شروط المقذوف به (صيغة القذف): القذف على ثلاثة أضربُ: صريح، وكناية، وتعريض. فاللفظ الذي يقصد به القذف إن لم يحتمل غيره فصريح، كأن يقول: «يا زاني» أو «يا زانية»، أو يقول عبارة تجري مجرى التصريح كنفي نسبه عنه. وإلا فإن فُهم منه القذف بوضعه فكناية، كقوله لامرأة: «لا تردِّين يد

стр. 1578

لامس»، وإلا فتعريض وهو الكلام الذي له وجهان ظاهر وباطن، فيقصد قائلُه الباطن ويُظهر إرادة الظاهر. ١ - القذف الصريح: من قذف غيره بصريح الزنا وجب عليه الحدُّ بشروطه باتفاق الفقهاء. ٢ - القذف الكنائي: وأما الكناية - كمن قال لامرأة: «لا تردِّين يد لامس» أو قال لها: «يا قحبة» ونحو ذلك مما يحتمل القذف وغيره - فللعلماء فيه قولان (١): الأول: يُحدُّ قائله إلا أنه إذا أنكر القذف صُدِّق بيمينه: وهو قول المالكية والشافعية، ويُعزَّرُ للإيذاء عند جمهور الشافعية، وقيَّده الماوردي بما إذا خرج اللفظ مخرج السبِّ والذم، فإن أبى أن يحلف حُبس عند المالكية، فإن طال حبسه ولم يحلف عُزِّر. وهؤلاء اختلفوا في بعض الألفاظ كم قال لامرأته: «يا فاجرة أو يا فاسقة أو يا خبيثة» ونحو ذلك وهل يقبل يمينه بأنه لم يرد بها القذف أو لا، على أوجه تراجع في كتب الفروع. الثاني: لا حدَّ عليه، وإنما الحدُّ على من صرَّح بالقذف فقط: وهو قول الحنفية والحنابلة، فلو قال: «يا قحبة أو يا فاجر» فلا حدَّ عليه عندهم لأنه لم ينسبه - أو ينسبها - إلى صريح الزنا، قالوا: والفجور قد يكون بالزنا وغير الزنا، فلا يكون قذفًا بصريح الزنا، فلو أوجبنا الحدَّ، أوجبناه بالقياس، ولا مدخل للقياس في الحد، لكن عليه التعزير لارتكابه حرامًا، وليس فيه حدٌّ مقدَّر، ولأنه ألحق به نوع شَيْن بما نسبه إليه، فيجب التعزير لدفع ذلك الشين عنه. ٣ - التعريض بالقذف: وأما التعريض بالقذف - كأن يقول لصاحبه في مقام الخصام والتنازع: «ما أنا بزانٍ، وأمي ليست بزانية!!» - فقد اختلف الفقهاء في وجوب الحدِّ به على قولين (٢):

стр. 1579

الأول: لا حدَّ في التعريض بالقذف: وهو قول الجمهور منهم الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وابن حزم واحتجوا بما يلي: ١ - حديث أبي هريرة قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال: «هل لك من إبل؟»، قال: نعم، قال: «ما لونها؟» قال: حُمْر، قال: «فيها من أوراق؟» قال: نعم، قال: «فأنَّى كان ذلك»؟ قال: أراه عرق نزعه، قال: «فلعلَّ ابنك هذا نزعه عرق» (١). قالوا: لما كان قول الأعرابي محتملًا لغير القذف لم يحكم النبي ﷺ فيه بحكم القذف، فدلَّ على أنه لا حدَّ في التعريض بالقذف. واعترض ابن القيم على هذا الاستدلال بأن قول الأعرابي (إن امرأتي ولدت غلامًا أسود) (٢) ليس فيه ما يدل على القذف ولا صريحًا ولا كناية وإنما أخبره بالواقع مستفتيًا عن كم هذا الولد، أيستلحقه مع مخالفة لونه للونه أم ينفيه؟ فأفتاه النبي ﷺ وقرَّب له الحكم بالشبه الذي ذكره ليكون أذعن لقبوله وانشراح صدره له، فأين في هذا ما يبطل حدَّ القذف؟!!. ٢ - أن أحكام الشرع مضت في الحدود وغيرها على ما يظهره العباد، والله تعالى يُدين بالسرائر، بل قال الشافعية - في الأصحِّ عندهم -: إن هذا ليس بقذف وإن نواه (!!)؛ لأن النية إنما تؤثر إذا احتمل اللفظ المنوي، ولا دلالة هنا في اللفظ ولا احتمال، وما يفهم منه مستنده قرائن الأحوال. ٣ - أن التعريض يتضمن الاحتمال، والاحتمال شبهة تسقط الحدَّ. ٤ - أن الله تعالى فرَّق بين التعريض بالخطبة والتصريح بها فكذلك في القذف. القول الثاني: يجب الحدُّ في التعريض بالقذف إن فُهم القذف بتعريضه بالقرائن: وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي، وهو مذهب مالك - إلا أنه استثنى أن يكون المُعَرّض الأَبَ فإنه لا يحدُّ عنده لبعده عن التهمة - وهو مقابل الأصح عند الشافعية - فقالوا: هو كناية عن القذف لحصول الفهم والإيذاء، فإن أراد النسبة إلى الزنا فقذف عندهم فإلا

стр. 1580

فلا (١) - وهو الرواية الأخرى عن أحمد، وانتصر له العلامة ابن القيم، واحتج هؤلاء في الجملة بما يلي. ١ - حدُّ عمر لمن عرَّض بالقذف وموافقة الصحابة عليه: فقد ثبت أن رجلًا - في زمن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ما أمي بزانية، ولا أبي بزان، قال عمر: «ماذا ترون؟» قالوا: رجل مدح نَفْسَهُ، قال: «بل انظروا، فإن كان بالآخر بأس فقد مدح نفسه، وإن لم يكن به بأس فلم قالها؟ فوالله لأحدَّنَهَ» فحدَّه (٢). وفي رواية: فاستشار عمر بن الخطاب، فقال قائل: مدح أباه أمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمِّه مدح غير هذا، نرى أن تجلده الحدَّ، فجلده عمر الحدَّ ثمانين» (٣). وردَّ الشافعي ﵀ دعوى الاتفاق بأن عمر استشار الصحابة فخالفه بعضهم، ومع من خالفه احتمال القذف وعدمه وهي شبهة تدرأ الحدَّ. وأجاب ابن القيم بأن القائل الأول لم يكن يخالف عمر، فإنه لما قيل له: إنه قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا، فهم أنه أراد القذف فسكت، وهذا إلى الموافقة أقرب منه إلى المخالفة، على أنه قد صحَّ عن عمر هذا الحكم من أوجه أخر مما يدل على تقوية الاتفاق على استمرار عمر ﵁ على الحكم بذلك واشتهاره، فعن ابن عمر: «أن عمر كان يحدُّ في التعريض بالفاحشة» (٤). ٢ - ما رُوي «أن رجلًا قال لرجل: يا ابن شامة الوذر، فاستعدي عليه عثمان بن عفان، فقال: إنما عنيتُ به كذا وكذا، فأمر عثمان بن عفان فجُلد الحدَّ» (٥) ولا يصحُّ. ٣ - أن من التعريض بالقذف ما هو أوجع وأنكى من التصريح وأبلغ في

стр. 1581

الأذى، وظهوره عند كل سامع بمنزلة ظهور الصريح، والعبرة في الشريعة بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني. ٤ - أن الكناية مع القرينة الصارفة إلى أحد محتملاتها كالصريح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى، كما حكى الله تعالى عن مريم ﴿يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا﴾ (١). فعرضوا لمريم بالزنا ولذا قال تعالى: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما﴾ (٢). قال القرطبي ﵀: «وكفرهم معروف، والبهتان العظيم هو التعريض لها، أي: ما كان أبوك امرأ سوء وكانت أمك بغيًّا، أي: أنت بخلافهما وقد أثبت بهذا الولد» اهـ. ٥ - أن هذا الحكم مؤيد بالقياس على وقوع الطلاق والعتق والوقف والظهار بالتصريح والكناية، والعلة كون الكل ألفاظًا يمكن أن يفيد غير الصريح منها ما يفيده الصريح. الراجح (٣): الذي يبدو أن الحدَّ يجب بالتعريض في القذف بشرط قيام القرائن على تحديد القصد في ذلك، بحيث يُفهم من التعريض القذفُ فهمًا واضحًا لا لبس فيه، إذ لا يكون للمعرِّض تأويل مقبول يصحُّ حمل الكلام عليه، وفي هذا إعمال لقاعدتي الشريعة: (العبرة في الشريعة بالمقاصد والنيات) وقاعدة (درء الحد بالشبهات). فإذا احتفت القرائن مع أن المراد بالتعريض ذات القذف، انتفت الشبهة وتحقق الحدُّ، وإذا ضعفت القرائن، قويت الشبهة وانتفى الحد (٤). ولئلا يتذرَّع الناس لقذف بعضهم بألفاظ التعريض التي يُفهم منها القذف بالزنا، والله أعلم. تنبيه: القائلون بانتفاء الحد عن المعرِّض بالقذف - أو أكثرهم - يرون أنه لابد أن يعاقب بالتعزير للأذى الذي صدر منه لصاحبه بالتعريض.

стр. 1582

ثبوت حدِّ القذف: يثبت القذف بأحد بأمرين (١): (١) إقرار القاذف: فإن أقرَّ على نفسه مرةً وجب عليه الحد، لكون إقرار المرء لازمًا له. فإن أقرَّ بالقذف ثم رجع لم يُقبل رجوعه؛ لأن للمقذوف فيه حقًّا، فيكذبه في الرجوع، بخلاف ما هو خالص حق الله تعالى، لأنه لا مكذب له فه فيقبل رجوعه. (٢) شهادة عدلين: ولا تقبل - في القذف - شهادة النساء مع الرجال في قول عامة الفقهاء، فعن الزهري قال: جرت السنة على عهد رسول الله ﷺ والخليفتين من بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود». ومما يؤيد ذلك أن الحدود تدرأ بالشبهات، وقد قال الله في شأن النساء: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ (٢). ولا تقبل فيه الشهادة على الشهادة، ولا كتاب القاضي إلى القاضي؛ لأن موجبه حدٌّ يندرئ بالشبهات، وهو قول النخعي والشعبي وأبي حنيفة وأحمد. وقال مالك وأبو ثور والشافعي - في المذهب -: تقبل الشهادة على الشهادة، وفي كل حق؛ لأن ذلك يثبت بشهادة الأصل، فيثبت بالشهادة على الشهادة، كما يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي. فائدة: لو ادَّعى على رجل أنه قذفه فأنكر المدعي عليه: ففي هذه المسألة مذهبان (٣): الأول: يستحلف، وبه قال الزهري وإسحاق وأبو ثور، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، واختاره ابن المنذر، قالوا: لقوله ﷺ : «اليمين على المدعى عليه» (٤) ولأنه حق آدمي فيستحلف فيه كالدين.

стр. 1583

الثاني: أنه لا يستحلف: وبه قال حماد والثوري وأصحاب الرأي، قالوا: لأنه حد، فلا يستحلف فيه كالزنا والسرقة، فإن امتنع عن اليمين لم يقم عليه الحد، لأن الحد يدرأ بالشبهات فلا يُقضى فيه بالنكول كسائر الحدود. عقوبات القاذف: من قذف مسلمًا بفاحشة الزنا، أو ما يستلزم الزنا كنفي ولد المحصنة عن أبيه، وعجز عن إثبات دعواه هذه، فإن الله تعالى أوجب عليه ثلاث عقوبات في نصٍّ قرآني صريح مُحكم، قال تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يألوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾ (١). وقد تضمنت الآية الكريمة العقوبات الآتية: الأولى: جلد القاذف ثمانين جلدة: وهذا من قواطع الأحكام في الإسلام، للآية الكريمة، ولفعل النبي ﷺ بمن قذف عائشة ﵂ في - حادثة الإفك - إذ جلد كل واحد ثمانين جلدة. إذا قذف العبد حُرًّا: العبد إذا قذف حرًّا محصنًا، فإنه يجب عليه الحد بشروطه المتقدمة، لكن اختلف أهل العلم: هل يُحدُّ كحدِّ الحرِّ (ثمانين جلدة) أم على النصف منه؟ على قولين (٢): الأول: حدُّ أربعون جلدة: وهو قول جمهور العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم، قالوا: لأنه حدٌّ ينتصَّف بالرقِّ كالزنا، وقد قال الله تعالى: ﴿فإن أتن بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ (٣). وقال مالك: قال أبو الزناد: سألت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ذلك فقال: «أدركت عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، والخلفاء وهلم جرا، فما رأيت أحدًا جلد عبدًا في فرية أكثر من أربعين» (٤).

стр. 1584

الثاني: حدُّ العبد كحد الحر ثمانون جلدة: وهو مروي عن ابن مسعود والزهري وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي، وهو مذهب ابن حزم، واحتجوا: بعموم قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ (١). قال صديق حسن خان ﵀: «الآية الكريمة عامة يدخل تحتها الحرُّ والعبد، والغضاضة بقذف العبد للحر أشد منها بقذف الحر للحر، وليس في حد القذف ما يدل على تنصيفه للعبد، لا من الكتاب ولا من السنة، ومعظم ما وقع التعويل عليه هو قوله تعالى في حد الزنا: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ (٢). ولا يخفى أن ذلك في حد آخر غير حد القذف، فإلحاق أحد الحدين بالآخر فيه إشكال، لاسيما مع اختلاف العلة، وكون أحدهما حقًّا لله محضًا، والآخر مشوبًا بحق آدمي» اهـ (٣). قلت: ويقول الجمهور أقول، لفعل الخلفاء الراشدين، والله أعلم. العقوبة الثانية: رَدُّ شهادة القاذف: وقد اتفقت الأمة على أن القاذف إذا حُدَّ للقذف، لم تُقبلْ شهادته بعد ذلك ما لم يَتُبْ، وقد نصَّ القرآن على ذلك، قال سبحانه: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ...﴾ (٤). حكم قبول شهادته بعد توبته: ثم اختلف أهل العلم في القاذف إذا تاب - وقد حُدَّ بقذفه - هل تقبل شهادته بعد ذلك؟ على قولين مشهورين (٥): الأول: لا تقبل شهادة المحدود في قذف ولو تاب: وهو مذهب أبي حنيفة، وطائفة من السلف منهم: القاضي شريح وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومكحول وعبد الرحمن بن زيد، وحجة هذا القول ما يلي:

стр. 1585

١ - أن الله سبحانه قد أبَّد المنع من قبول شهادتهم بقوله: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا﴾ وحكم عليهم بالفسق، ثم استثنى التائبين من الفاسقين، وبقي المنع من قبول الشهادة على إطلاقه وتأييده. وهذا الاستدلال راجع إلى مسألة أصولية مشهورة عند الحنفية، وهي: (أن الاستثناء إذا جاء بعد جمل متعاطفات رجع الاستثناء للأخير فقط). وعليه، فاستثناء الذين تابوا في هذه الآية إنما يرجع على وصفهم بالفسق فقط، فيرفع عنهم الفسق، ويبقون مردودي الشهادة أبدًا. ٢ - أن المنع من قبول شهادته جعل من تمام عقوبته، ولهذا لا يترتب المنع إلا بعد الحد، فلا يسقط هذا العقاب بالتوبة، كما أن الحد لا يسقط عنه بالتوبة. وتُعقِّب هذا الاستدلال بأن ردَّ الشهادة ليس من تمام الحد، فإن الحد تمَّ باستيفاء عدده، وسببه نفس القذف، وأما ردُّ الشهادة فحكم آخر أوجبه الفسق بالقذف لا الحد. ثم إن قياسهم هذه العقوبة - وهي رد الشهادة - على عقوبة الحد، وأنه كما لا تسقط عقوبة الجلد بالتوبة فكذلك عقوبته برد الشهادة، فهذا القياس يرد عليه القادح بافتراق العلة، فإن العلة في الحد بالجلد هي القذف، وأما في إيجاب ردِّ الشهادة فالعلة مترددة بين القذف وبين الفسق بالقذف، فلا يتم الاستدلال بالقياس. ٣ - واستدلوا بما يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام، ولا ذي غمر على أخيه» (١). وتعقب الجمهور هذا الاستدلال من جهتين: من جهة السند فهو ضعيف لاسيما ذكر المجلود في حد، ثم على فرض صحته فهو محمول على غير التائب، فإن «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (٢). «وهذا نقد مُسلَّم فإن قوله «ولا محدود» يشمل أي حد كالخمر والزنا والقذف ونحوها، والاتفاق جارٍ على أن المحدود في خمرٍ - مثلًا - تقبل شهادته إذا تاب،

стр. 1586

فكذا يقال في القاذف، لاحتمال أن يكون الاستثناء في الآية مخصصًا لعموم الحديث بالنسبة له» (١). ٤ - قالوا: القذف متضمن للجناية على حق الله وحق الآدمي، وهو من أوفى الجرائم، فناسب تغليظ الزجر، وردُّ الشهادة من أقوى أسباب الزجر. وتُعقِّب بأن مصلحة الزجر متحصلة بالحد، وتغليظ الزجر وصف لا ينضبط فلا يعلق له حكم، ثم إن زجر القاذف بردِّ شهادته لا يتحقق في كل أحد لتفاوت الناس، والقذف عادة إنما يحصل من الرعاع لا من أعيان الناس، وهم لا ينزجرون غالبًا بردِّ شهاداتهم، وأيضًا فإن ما يترتب على ردِّ شهادته أبدًا من المفاسد - كفوات الحق على الغير، وتعطيل الشهادة في محل الحاجة إليها - تغمر المصلحة في ذلك، والقاعدة أن (رد المفاسد مقدم على جلب المصالح). القول الثاني: تقبل شهادة القاذف إذا تاب: وهو مذهب الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد وجماعة من السلف منهم سعيد بن المسيب، وعليه عمل الصحابة ﵃، ومما استدلوا به: ١ - أن الاستثناء في الآية الكريمة عائد إلى الجملتين المتعاطفتين قبله في قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون﴾ (٢). وهذا بناء على أصل الجمهور - خلافًا للحنفية - في أن (الاستثناء إذا جاء بعد جمل متعاطفات فإنه يرجع لجميعها إلا لدليل من نقل أو عقل يخصصه ببعضها). قال أبو عبيد: «وهذا عندي هو القول المعمول به؛ لأن من قال به أكثر، وهو أصح في النظر، ولا يكون القول بالشيء أكثر من الفعل، وليس يختلف المسلمون في الزاني المجلود أن شهادته مقبولة إذا تاب» اهـ. ٢ - واستدلوا بعمل الصحابة ﵃، كما في قصة قذف المغيرة بن شعبة ﵁، فإن عمر ﵁ قبل شهادة نافع وشبل لما تابا، وردُّ شهادة أبي بكرة إذا أبى أن يتوب (٣).

стр. 1587

وقد حكى ابن قدامة في «المغني» أن هذا محل إجماع من الصحابة - رضي الله عنهم. ٣ - القياس على قاعدة الشريعة المطردة من قبول شهادة كل تائب، قالوا: وأعظم موانع الشهادة: الكفر والسحر وقتل النفس وعقوق الوالدين والزنا، ولو تاب من هذه الأشياء قُبلت اتفاقًا، فالتائب من القذف أولى بالقبول، قالوا: ولا عهد لنا في الشريعة بذنب واحد يتاب منه ويبقى أثره المترتب عليه من رد الشهادة، وهل هذا إلا خلاف المعهود منها، وخلاف قوله ﷺ : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (١)؟! قالوا: ورد الشهادة بالقذف إنما هو لعلة الفسق، وقد ارتفع بالتوبة، وهو سبب الرد، فيجب ارتفاع ما ترتب عليه وهو المنع. وتعقبه الأولون: بأن العلة إنما هي تتمة الحد بسبب القذف لا الفسق به - كما تقدم - فهذا قياس مع الفارق!! ٤ - قالوا: الحدُّ يدرأ عنه عقوبة الآخرة، وهو طهرة له، فكيف تقبل شهادته إذ لم يتطهر بالحد، وترد أطهر ما يكون، فإنه بالحد والتوبة قد يطهر طهرًا كاملًا. الترجيح: الذي يظهر مما تقدم أن الحاسم في المسألة، معرفةُ ما يعود إليه الاستثناء في الآية الكريمة، ففي الآية تقدم الاستثناء ثلاثُ جمل متعاطفات وهي: (أ) ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ (٢). (ب) ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا﴾ (٣). (جـ) ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ ثم قال ﴿إلا الذين تابوا﴾ (٤). وقد أجمعوا على أن الاستثناء غير عامل في جلده - في الجملة الأولى - فالتوبة لا تسقط عن القاذف حدَّ الجلد إجماعًا (٥) أي: إذا رفعت إلى الحاكم. وكذلك أجمعوا على أن الاستثناء عامل في فسقه - في الجملة الثالثة - فالتوبة تزيل عن القاذف وصف الفسق.

стр. 1588

فيبقى الخلاف في عمل الاستثناء في ردِّ الشهادة؟! وقد علمت خلاف الجمهور والحنفية في عود الاستثناء على الجمل المتعاطفات. والذي يظهر لي هو ما استظهره جماعة من الأصوليين (١) من أن الحكم في الاستثناء الآتي بعد متعاطفات هو الوقف، ولا يحكم برجوعه إلى الجميع، ولا إلى الأخيرة، إلا بدليل يدل عليه، ويبدو لي أن فعل الصحابة وعمومات الشريعة بكون التائب كمن لا ذنب له يصلح دليلًا على جعل الاستثناء راجعًا إلى الجملتين - كما قال الجمهور - فيرتفع بالتوبة ردُّ الشهادة والحكم بالفسق، والله تعالى أعلم. صِفَةُ توبةِ القَاذِفِ: وأما صفة التوبة التي بها يرفع الحكم بالفسق عن القاذف وتقبل شهادته، فللعلماء فيها قولان (٢): الأول: لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حُدَّ فيه، وبه قال عمر ﵁ وجماعة من السلف، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وحجتهم: ١ - قصة عمر المتقدمة في حدِّ أبي بكرة ونافع وشبل بن معبد على المغيرة بن شعبة بالزنا، وفيها أن عمر قال لهم: «توبوا تُقبل شهادتكم» فتاب رجلان ولم يتب أبو بكرة، فكان لا يقبل شهادته (٣). وفي رواية: «فلما فرغ من جلد أبي بكرة، قام أبو بكرة فقال: أشهد أنه زان ...» (٤). قلت: وهذا يدلُّ على أن المراد بطلب توبتهم إكذاب أنفسهم. ٢ - أن إكذابه نفسه هو ضد الذنب الذي ارتكبه وهتك به عرض المسلم المحصن، فلا تحصل التوبة منه إلا بإكذابه نفسه لينتفي عن المقذوف العار الذي الحق به القذف، وهو مقصود التوبة. القول الثاني: يكفي في توبته أن يصلح ويحسن حاله، ويندم على ما كان منه ويستغفر، وإن لم يكذِّب نفسه: وهو قول جماعة من التابعين واختيار ابن جرير الطبري، وهو مذهب مالك ﵀.

стр. 1589

والأوَّل أرجح للأثر، ولأن مجرد الاستغفار لا مصلحة فيه للمقذوف، ولا يحصل له براءة عرضه مما قذف به، فلا يحصل به مقصود التوبة من هذا الذنب، فإن فيه حقين: حق لله وحق للعبد، وحق العبد لا يؤدي إلا بتكذيب القاذف نفسه. وهنا إِشْكال (١): ولعله لأجله قال من قال: يكفي الاعتراف بالذنب والاستغفار، وهو: إذا كان صادقًا قد عاين الزنا فأخبر به فكيف يسوغ له تكذيب نفسه وقذفها بالكذب، ويكون ذلك من تمام توبته؟ والجواب: أن الكذب يراد به أمران: أحدهما: الخبر غير المطابق لمخبره، والآخر: الخبر الذي لا يجوز الإخبار به، وإن كان مطابقًا لمخبره. ومن الثاني خبر القاذف المنفرد برؤية الزنا، والإخبار به، فإنه كاذب في حكم الله وإن كان خبره مطابقًا لمخبره، ولذا قال الله تعالى: ﴿فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ (٢). وعلى هذا فحكم الله في مثل هذا أن يعاقب عقوبة المفتري الكاذب وإن كان خبره مطابقًا، فيلزمه أن يعترف بأنه كاذب عند الله كما أخبر الله تعالى عنه، فإذا لم يعترف بأنه كاذب وجعله الله كاذبًا، فأي توبة له، وهل هذا إلا محض الإصرار والمجاهرة بمخالفة حكم الله الذي حكم به عليه؟! العقوبة الثالثة: الحكم بفسق القاذف: ولا خلاف في ذلك لنصِّ الآية الكريمة ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ (٣). وقد علمت أن الحكم بفسقه يرتفع بتوبته إجماعًا لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا﴾ (٤). وتكون التوبة على النحو الذي تقدم وصفه والله أعلم. إذا قذف إنسانًا باللواط أو بإتيان البهائم (٥): من قذف رجلًا بفعل قوم لوط - إما فاعلًا أو مفعولًا به - فقد اختلف أهل

стр. 1590

العلماء في إيجاب الحد عليه تبعًا لاختلافهم في إيجابهم الحد على اللوطي أصلًا، فقال الحسن والنخعي والزهري ومالك والشافعي وأحمد - وهو الخارج على قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن -: يجب عليه حدُّ القذف. وقال عطاء وقتادة وأبو حنيفة وابن حزم: لا حدَّ عليه!! وقد تقدم أن اللوطي يجب عليه الحدُّ كما قال الجمهور، فنقول: وكذلك يجب الحدُّ بقذفه باللواط. وكذلك الشأن فيمن قذف إنسانًا بإتيان بهيمة، فمن رأي الحدَّ في إتيان البهيمة، قال: يحدُّ بقذفه، ومن قال: لا حد عليه - وهم الجمهور -، قالوا: كذلك لا حدَّ على قاذفه، وإنما يعزَّر لقوله بما يراه الإمام صالحًا له، لما في قوله من أذى ومعرَّة تلحق بالمقذوف. إذا قذف جماعة بكلمة واحدة أو بكلمات: من رمى جماعة بالزنا، فللعلماء فيه ثلاثة مذاهب (١): الأول: يحدُّ حدًّا واحدًا: وبه قال طاوس والشعبي والزهري والنخعي وقتادة والثوري، وهو مذهب أبى حنيفة وصاحبيه ومالك والشافعي - في أحد قوليه - وإسحاق، واستدلوا بما يلي: ١ - أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، فرفع ذلك للنبي ﷺ فلاعن بينهما ولم يحدَّ شريكًا (٢). ٢ - أن الذين شهدوا على المغيرة قذفوا امرأة، فلم يحدهم عمر إلا حدًّا واحدًّا. ٣ - أنه قذف الجماعة قذف واحد، فلم يجب إلا حدٌّ واحد، كما لو قذف واحدًا. ٤ - أن الحدَّ وجب بإدخال المعرة على المقذوف بقذفه، ويحد واحد يظهر كذب القاذف وتزول المعرة عن المقذوف، فوجب أن يكتفى به. ٥ - أن قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم﴾ (٣) لم يفرق بين قذف واحد أو جماعة. الثاني: يحدُّ لكل واحد حدًّا: وهو قول الحسن وأبي ثور وابن المنذر وأحمد

стр. 1591

والشافعي في قوله الآخر، وحجتهم أن الحدَّ حق للآدميين، ولو عفا بعضهم ولم يعفُ الكل لم يسقط الحد. الثالث: التفريق بين رميهم بكلمة واحدة فيحدُّ مرة، أو بكلمات فيحدُّ لكل كلمة بحدٍّ: لأنه إذا تعدد القذف فيجب تعدُّد القذف. مسقطات حدُّ القذف: يسقط حد القذف عن القاذف، فلا يعاقب به، بواحد مما يأتي: ١ - عفو المقذوف عن القاذف (١): فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن للمقذوف أن يعفو عن القاذف، سواء قبل الرفع إلى الإمام أو بعد الرفع إليه، لأنه حق لا يستوفى إلا بعد مطالبة المقذوف باستيفائه، فيسقط بعفوه، كالقصاص، وفارق سائر الحدود، فإنه لا يعتبر في إقامتها طلب استيفائها. وذهب المالكية إلى أنه لا يجوز العفو بعد أن يرفع إلى الإمام، إلا الابن في أبيه، أو الذي يريد سترًا. وأما الحنفية فذهبوا إلى أنه لا يجوز العفو عن الحدِّ في القذف، سواء رفع إلى الإمام أو لم يرفع. وسبب اختلافهم - كما قال ابن رشد -: هل هو حق لله أو حق للآدميين أو حق لكليهما؟ فمن قال: حق الله، لم يجز العفو كالزنا، ومن قال حق للآدميين، أجاز العفو، وعمدتهم أن المقذوف إذا صدَّقه فيما قذفه به سقط عنه الحد. ومن قال: هو حق لكليهما وغلَّب حق الإمام إذا وصل إليه، قال بالفرق بين أن يصل إلى الإمام أو لا يصل. قلت: ولعلَّ هذا الأخير يتأيَّد بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب» (٢). وبالقياس على الأثر الوارد في السرعة في حديث صفوان بن أمية في قصة

стр. 1592

الذي سُرق رداؤه ثم أراد ألا يقطع، فقال له النبي ﷺ : «فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به؟» (١). والله تعالى أعلم. ٢ - اللعان: وذلك إذا رمى الرجل زوجته بالزنا، أو نفى حملها أو ولدها منه، ولم يُقم بيِّنة على ما رماها به، فإن الحدَّ يسقط عنه إذا لاعنها كما تقدم في «اللعان». ٣ - البيِّنة: فإذا ثبت زنا المقذوف بشهادة، أو إقرار، فإنه يُحَدُّ المقذوف، ويسقط الحد عن القاذف، لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ...﴾ (٢). ٤ - زوال الإحصان عن المقذوف (٣): فذهب الجمهور إلى أنه لو قذف محصنًا ثم زال أحد أوصاف الإحصان عنه، كأن زنى المقذوف، أو ارتد (٤) أو جُنَّ، سقط الحدُّ عن القاذف، لأن الإحصان يشترط في ثبوت الحد، وكذلك استمراره. وأما الحنابلة فقالوا: إذا ثبت القذف فإنه لا يسقط بزوال شرط من شروط الإحصان بعد ذلك، ولا يسقط الحدُّ عن القاذف بذلك. ٥ - رجوع الشهود على القذف عن الشهادة (٥): إذا ثبت حدُّ القذف بشهادة الشهود، ثم رجعوا عن شهادتهم قبل إقامة الحد، سقط الحدُّ باتفاق الفقهاء، وكذلك إذا رجع بعضهم ولم يبق منهم ما يثبت الحدُّ بشهادته منهم؛ لأن رجوعهم شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات. (٣) حَدُّ شُربِ الخَمر تعريف الخمر (٦): الخمر: تجمع على خُمور، وهى مؤنثة، ويجوز تذكيرها، والتأنيث أكثر وأشهر، وتؤنث بالهاء، فيقال: هذه أو هذا خمر، وهذه خمرة.

стр. 1593

وسميت بذلك لأنها تغطي حتى تدرك أي تغلي، وقيل: لأنها تستر العقل وتغطيه، وقيل: لأنها تخامر العقل أي تخالطه. والتحقيق: أن هذه الأوجه كلها موجودة في الخمر، فالخمر تركت حتى أدركت وسكنت، فإذا شُربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه، فلا مانع من صحة هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة وأهل المعرفة باللسان. حقيقتها في اللغة: قال الفيروزآبادي: الخمر ما أسكر من عصير العنب، أو هو عام، والعموم أصحُّ، لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب، وما كان شرابهم إلا البسر والتمر (١). حقيقتها الشرعية: اختلف العلماء في حقيقة الخمر الشرعية بناء على اختلافهم في حقيقتها في اللغة وإطلاق الشرع، على قولين (٢): الأول: أن الخمر ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتد وغلى وقذف بالزبد بطبعه دون عمل النار، وهو مذهب أبي حنيفة وبعض الشافعية. الثاني: أن الخمر كل ما أسكر سواء كان عصيرًا أو نقيعًا من العنب أو غيره مطبوخًا أو غير مطبوخ، وهو مذهب جمهور العلماء. والحق أن هذه المسألة مما طال فيه النزاع مع أن رسول الله ﷺ قد جعل لها حدًّا أغنانا به عن هذا التعب والتطويل، فعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام ...» (٣). وعن أبي موسى قال: قلت: يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن، البتع: وهو من العسل حين يشتد، والمزر: وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يَشتد، قال: - وكان رسول الله ﷺ قد أوتي جوامع الكلم بخواتيمه - «كل مسكر حرام» (٤).

стр. 1594

فهذا الحد يتناول كل فرد من أفراد المسكر، وقد سماه (خمرًا) أفصح الأمة لسانًا ﷺ ، فمن خصَّ بنوع خاص من المسكرات فقد قصر فهمه، وهضم المعنى العام في الخمر الشامل معناه لكل مسكر. ثم إن الأحاديث الواردة في هذا الباب تبطل المذهب الأول القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب، ومن ذلك: ١ - حديث أنس قال: «إن الخمر قد حُرمت، والخمر يومئذ: البُسر والتمر» (١). ٢ - وعنه قال: «لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر، وما بالمدينة شراب يُشرب إلا من التمر» (٢). وفي لفظ: «... وما نجد خمر الأعناب، وعامة خمرنا البسر والتمر» (٣). ٣ - وعن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذٍ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب» (٤). ٤ - وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من الحنطة خمرًا، ومن الشعير خمرًا، ومن الزبيب خمرًا، ومن التمر خمرًا، ومن العسل خمرًا» (٥). ٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قام عمر على المنبر فقال: «أما بعد، نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل» (٦). فهذه النصوص وغيرها كثير صريحة في دخول هذه الأشربة المتخذة من غير العنب في اسم الخمر في اللغة التي نزل بها القرآن، وخوطب بها الصحابة، وهي تغني عن التكلف في إثبات تسميتها خمرًا بالقياس مع كثرة النزاع فيه، على أن محض القياس الجلي - على فرض عدم وجود هذه النصوص - يقتضي التسوية بينها، بل هي أرفع أنواع القياس؛ لأن الفرع فيه مساوٍ للأصل في جميع أوصافه، والعجب من أبي حنيفة وأصحابه ﵏ فإنهم يتوغلون في القياس ويرجحونه على أخبار الآحاد (!!) ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجلي المعضود بالكتاب والسنة (٧).

стр. 1595

لا فرق بين قليل الخمر وكثيرها: حرَّم الشارع القطرة من الخمر، وإن لم تحصل بها مفسدة الكثير، لكونها ذريعة إلى شرب كثيرها (١). فعن ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «كل مسكر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام» (٢). وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه، فملء الكف منه حرام» (٣). والفرق: مكيال يسع ستة عشر رطلًا. الحشيشة والمخدرات حرام، وفيها الحدُّ: عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام ...» (٤). وهذا يتناول كل ما يُسكر، ولا فرق بين أن يكون المسكر مأكولًا أو مشروبًا، أو جامدًا أو مائعًا، فلو اصطبغ كالخمر كان حرامًا، ولو أماع الحشيشة وشربها كان حرامًا، ونبينا ﷺ بُعث بجوامع الكلم، فإذا قال كلمة جامعة كانت عامة في كل ما يدخل في لفظها ومعناها، سواء كانت الأعيان موجودة في زمانه أو مكانه أو لم تكن (٥). وقد صحَّ عن أصحابه ﵃ الذين هم أعلم الأمة بخطابه ومراده بأن «الخمر ما خامر العقل» (٦). على أنه لو لم يتناول لفظه ﷺ كلَّ مسكر، لكان القياس الصحيح الصريح الذي استوى فيه الأصل والفرع من كل جهة حاكمًا بالتسوية بين أنواع المسكر، فالتفريق بين نوع ونوع، تفريق بين متماثلين من جميع الوجوه (٧). ولذا فإن المخدرات بجميع أنواعها (الحشيشة والأفيون والهيروين وغيرها)

стр. 1596

محرَّمة وهي خمر لأنها مسكرة تغيب العقل، وإنما يتناولها الفجار لما فيها من النشوة والطرب، فهي تجامع الشراب المسكر في ذلك. وقد نصَّ على تحريمها فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم ولا خلاف في ذلك (١)، لكنهم لا يرون فيها الحدَّ (!!) بل يقولون بالتعزير، ويرى بعضهم أن الحرمة إنما هي في تعاطي القدر المسكر!! والتحقيق: أن هذه المخدرات - بعد الاتفاق على تحريمها - لها حكم الخمر بالنصِّ فلا وجه للتفريق بينهما وبين الخمر، فهي وإن كانت تجامع الشراب المسكر في تغييب العقل والنشوة والطرب، فإنها تشتمل على ضرر ف دين المرء وعقله وخلقه وطبعه، وتفسد الأمزجة حتى جعلت خلقًا كثيرًا مجانين، وتورث من مهانة آكلها ودناءة نفسه وغير ذلك ما لا تورث الخمر، ففيها من المفاسد ما ليس في الخمر، فهي بالتحريم أولى، وقد صحَّ تسميتها خمرًا، فيكون القليل منها حرامًا كالكثير، ويُحدَّ متعاطيها، كما حقَّقه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -، قال: «وقاعدة الشريعة: أن ما تشتهيه النفوس من المحرمات، كالخمر والزنا ففيه الحدُّ، لا تشتهيه كالميتة ففيه التعزير، والحشيشة مما يشتهيها آكلوها ويمتنعون عن تركها، فيجب فيها الحد، بخلاف البنج ونحوه مما يُغطى العقل من غير سُكر، ولا يشتهيه الناس، ففيه التعزير ...» اهـ (٢). عقوبة شارب الخمر: ذهب عامة أهل العلم - بل حكي غير واحد منهم الإجماع (٣) على أن الشرع قد رتَّب على شرب الخمر عقوبة حدِّية مقدَّرة، فقد وردت أحاديث كثيرة في حد

стр. 1597

شارب الخمر - يأتي بعضها - وأجمع الصحابة ومن بعدهم على جلد شارب الخمر، ثم اختلفوا في مقداره على قولين (١): الأول: مقداره أربعون جلدة: وهو مذهب الشافعي - ورواية عن أحمد - وداود وابن حزم وبه قال جمع من الصحابة ﵃، وحجة هذا المذهب: ١ - حديث أنس قال: «كان النبي ﷺ يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين» (٢). ٢ - أن عثمان ﵁ أمر عليًّا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر، فقال لعبد الله بن جعفر: «اجلده، فجلده، فما بلغ الأربعين قال: أمسك، جَلَدَ رسول الله ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكُلٌّ سُنَّة، وهذا أحب إليَّ» (٣). ٣ - وعن السائب بن يزيد قال: «كنا نُؤتي بالشارب في عهد رسول الله ﷺ ، وإمرة أبي بكر، فصدرًا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين» (٤). قالوا: ففيهما الجزم بأن النبي ﷺ جلد أربعين، واعتمده أبو بكر في خلافته، وعمر ﵁ صدرًا من خلافته حتى تتابع الناس فيها فزادها أربعين «تعزيرًا». ولذا قال عليٌّ ﵁: «ما كنت لأقيم الحدَّ على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يَسُنَّه» (٥). أي أن رسول الله ﷺ لم يقدر فيه بقول تقديرًا لا يزاد عليه، ولذا زاد عمر أربعين أخرى بعدما استشار الصحابة تعزيرًا، لكن جلد عليٌّ أربعين فقط في خلافته وقال: «هذا أحب إليَّ». الثاني: مقدار الحدِّ ثمانون جلدة: وهو مذهب جمهور العلماء منهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك وأحمد، وهو القول الآخر عند الشافعية، واستدلوا بما يلي:

стр. 1598

١ - ما يُروى «أن النبي ﷺ جلد في الخمر ثمانين» (١) وهو ضعيف لا تقوم به حجة. ٢ - حديث أنس: «أن النبي ﷺ أُتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، - قال: - وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر» (٢). قالوا: فاتفق رأيهم على الثمانين فكان إجماعًا (!!). ٣ - ما يُروى عن عليٍّ ﵁ أنه قال: «إذا سكر أهذى، وإذا أهذى افترى، وحدَّ المفتري ثمانون» (٣) ولا يصحُّ عنه، بل ثبت عنه أنه جلد أربعين. قلت: الذي يترجَّح لديَّ هو القول الأول: أن الحدَّ أربعون، لأنه الذي فعله النبي ﷺ وأبو بكر وعمر صدرًا من خلافته، وأما ما زاده عمر ﵁ واستشار فيه الصحابة، فإنه قد زاده على الحدِّ من باب التعزير لما رأى من اجتراء الناس وتتابعهم على شربها، ويؤيد هذا أمران: (أ) أن عمر تدرَّج بالجلد من أربعين إلى ستين ثم إلى ثمانين، فعنه «أن عمر ﵁ جلد أربعين سوطًا، فلما رآهم لا يتناهون جعله ستين، فلما رآهم لا يتناهون جعله ثمانين، ثم قال: هذا أدنى الحدود» (٤). (ب) أنه كان يضرب في وقت واحد أربعين وثمانين تبعًا للمصلحة، فقد «أُتي عمر بشارب، فقال لمطيع بن الأسود: إذا أصبحت غدًا فاضربه، فجاء عمر فوجده يضربه ضربًا شديدًا، فقال: كم ضربته؟ قال: ستين، قال: اقتصَّ منه بعشرين» (٥).

стр. 1599

قال أبو عبيد: «يعني: اجعل شدة ضربك له قصاصًا بالعشرين التي بقيت من الثمانين» اهـ وقال البيهقي: «ويؤخذ من هذا أن الزيادة على الأربعين ليست بحد إذ لو كانت حدًّا لما جاز النقص منه بشدة الضرب إذ لا قائل به» اهـ (١). وأما ادعاؤهم اتفاق الصحابة - بعد استشارة عمر لهم - على الثمانين وأنه إجماع، فهو متعقَّب بجلد عليٍّ للشارب أربعن، وكذلك عثمان ﵄. والذي يتحصَّل أن الحدَّ إنما هو أربعون، وللإمام أن يزيد عليها بحسب الحال تبعًا للمصلحة من باب التعزير، والله تعالى أعلم. فائدتان: صفة حد الشرب: ١ - صفة حد الشرب: يجوز ضرب الشارب بالجريد أو الأيدي أو النعال أو الثياب أو السوط بحسب الحال، وما تقتضيه المصلحة، ففي حديث السائب بن يزيد المتقدم: «... فتقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا ...» الحديث (٢). وعن أنس قال: «جلد النبي ﷺ في الخمر بالجريد والنعال ...» (٣). هذا مذهب الشافعي واختيار شيخ الإسلام، وأما الجمهور (٤) فقالوا: يقام الحد بالسوط كسائر الحدود، لقوله ﷺ : «إذا شرب الخمر فاجلدوه» (٥). فأمر بجلده كما أمر الله بجلد الزاني فكان بالسوط مثله؛ ولأن الخلفاء الراشدين ضربوا بالسياط وكذلك غيرهم، وأما الأحاديث المتقدمة فكانت في بدء الأمر ثم استقر الأمر على الجلد بالسوط. قلت: وهذا له وجهه كذلك، والله أعلم بالصواب. ٢ - لا يجوز لعنُ شارب الخمر تعيينًا، ولا سبُّهُ إذا أقيم عليه الحد: فعن عمر بن الخطاب ﵁: أن رجلًا كان على عهد النبي ﷺ كان اسمه

стр. 1600

عبد الله وكان يلقب حمارًا، وكان يضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنْهُ، ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي ﷺ : «لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ أنه يحب الله ورسوله» (١). وعن أبي هريرة قال: أُتي النبي ﷺ بسكران، فأمر بضربه، فمنا من يضربه بيده ومنا من يضربه بنعله، ومنا من يضربه بثوبه، فلما انصرف قال رجل: ماله أخزاه الله! فقال رسول الله ﷺ : «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم» (٢). إذا تكرر منه الشرب وحُدَّ أكثر من ثلاث مرات: من شرب الخمر فَحُدَّ فيها ثلاث مرات ثم شربها الرابعة، فقد ورد في قتله جملة أحاديث عن جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ ، منها: حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب في الرابعة فاقتلوه» (٣). ونحوه من حديث ابن عمر ونفر من أصحاب النبي ﷺ ، ومن حديث معاوية ابن أبي سفيان وغيرهم. وقد كان لأهل العلم في هذه الأحاديث وما في معناها اتجاهان، خرج عليها ثلاثة أقوال (٤): الاتجاه الأول: أن هذه الأحاديث منسوخة أو انعقد الإجماع على خلافها: وبهذا قال الأئمة الأربعة وغيرهم وعليه تتابعت كلمتهم، حتى قال الترمذي في «كتاب العلل» من «سننه» (٥/ ٧٣٦): «قال أبو عيسى: جمع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معلول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين ...» وذكر منهما حديث القتل. وقد استدلوا على النسخ بأمور:

стр. 1601

١ - حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه» قال: فثبت الجلد ودرئ القتل. وفي لفظ: «فرأى المسلمون أن الحدَّ قد وقع، وأن القتل قد رُفع» (١). ٢ - حديث قبيصة بن ذويب قال: قال رسول الله ﷺ : «من شرب الخمر فاجلدوه - إلى أن قال - ثم إذا شرب في الرابعة فاقتلوه» قال: فأتى برجل قد شرب فجلده ثم أتى قد شرب فجلده ثم أتى به وقد شرب فجلده، ثم أتى به في الرابعة قد شرب فجلده، فرفع القتل عن الناس وكانت رخصة» (٢). ٣ - حديث عمر بن الخطاب في قصة جلد الرجل الذي كان يلقب حمارًا في الخمر، وفيه: فقال رجل عن القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : «لا تلعنوه، فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله» (٣). قال الحافظ (١٢/ ٨٠): وفيه ما يدل على نسخ الأمر الوارد بقتل شارب الخمر إذا تكرر منه إلى الرابعة أو الخامسة، فقد ذكر ابن عبد البر أنه أُتي به أكثر من خمسين مرة. اهـ. ٤ - حديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٤). قالوا: فهذا تناول بعمومه شارب الخمر، لأنه ليس ممن استثنى في الحديث، فيفيد عدم حلِّ دمه (!!). وتُعقِّبت دعوى النسخ بهذا الحديث بأنها لا تصح، لأنه عام وحديث القتل خاص. ٥ - واحتجوا على النسخ بدعوى الإجماع على خلاف حكمه، قال الشافعي - عقب حديث جابر في ترك القتل -: هذا ما لا اختلاف فيه بين أهل العلم علمتُه، وقال الترمذي: لا نعلم بين أهل العلم في هذا اختلافًا في القديم والحديث.

стр. 1602

الاتجاه الثاني: أن هذه الأحاديث محكمة ليست منسوخة: وهو قول أبي محمد بن حزم ﵀، وابن القيم، فاتفقا في المأخذ، لكنهما اختلفا في النتيجة، فقال ابن حزم: يُقتل في الرابعة حدًّا، وقال ابن القيم: يُقتل تعزيرًا حسب المصلحة، فإذا أكثر منه ولم ينهه الحد واستهان به فللإمام قتله تعزيرًا لا حدًّا. وقد ناقش كلاهما دعوى نسخ الأمر بقتل الشارب في الرابعة، ودعوى الإجماع على ذلك بما يلي: ١ - تضعيف ابن حزم للأحاديث التي فها التصريح برفع القتل. ٢ - أن ادعاء النسخ بالحديث الخاص - كحديث عبد الله الملقب حمارًا - إنما يتم بثبوت تأخره والإتيان به بعد الرابعة، ومنافاته للأمر بقتله. ٣ - أن ادعاء النسخ بحديث: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ...» لا يصح لأنه عام وحديث القتل خاص. ٤ - أن دعوى الإجماع يقدح فيها أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «ائتوني به في الرابعة فعليَّ أن أقتله» (١). قالوا: وهذا كافٍ في نقص الإجماع أو نفي ادعائه. الترجيح: الذي يظهر لي أن قول الجماهير من العلماء من أن قتل الشارب في الرابعة منسوخ أقوى لثبوت النص بذلك، وكذلك للإجماع عليه، وأما أثر عبد الله بن عمرو فهو ضعيف منقطع، فلا تقوم به حجة، ولا تتم دعوى نقص الإجماع به، وحتى لو ثبت عن عبد الله بن عمرو لكان عذره أنه لم يبلغه النسخ وعَدَّ ذلك من نزره المخالف (٢). لكن .. إذا أدمن الناس شربها وانهمكوا فيها وتهالكوا في شربها، ولم يكن الحد بالجلد زاجرًا لهم، فهل للإمام أن يُعزِّر الشارب المتهالك بالقتل صيانة للعباد وردعًا للفساد من باب السياسة الشرعية للمصلحة كما اختاره ابن تيمية وابن القيم؟! هذا موضع نظر واجتهاد، والله أعلم.

стр. 1603

ما يثبت به حَدُّ الخمر (١): ١ - الإقرار: أي اعتراف الشارب بشربه للخمر، ويكفي فيه مرة واحدة في قول عامة أهل العلم، ولا يشترط مع إقرار وجود رائحة الفم - خلافًا لأبى حنيفة - لأنه ربما يُقرُّ بعد زوال الرائحة عنه. ٢ - البيِّنة: وهي أن يشهد رجلان عدلان مسلمان أنه شرب مسكرًا، ولا يحتاجان إلى تفصيل في نوع المشروب، ولا إلى ذكر الإكرام أو عدمه، ولا ذكر علمه أنه مسكر؛ لان الظاهر الاختيار والعلم. فعن حصين بن المنذر قال: شهدت عثمان بن عفان وأُتى بالوليد بن عقبة قد صلَّى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد الآخر أنه رآه يتقيَّأ، فقال عثمان: «إنه لم يتقيأ حتى شربها» فقال: «يا عليُّ، قم فاجلده» فقال عليٌّ: «قم يا حسن فاجلده» فقال الحسن: وَلِّ حارَّها من تولى قارَّها، فقال: «يا عبد الله بن جعفر، قم فاجلده» فجلده وعليٌّ يعدُّ حتى بلغ أربعين فقال: «أمسك» ... الأثر (٢). فاعتبر عثمان وعليٌّ شهادة الرجلين ولم يستفصلا عن شيء مما ذكرنا. هل تعتبر رائحة الخمر في الفم أو تقيُّؤ الخمر بمثابة البينة؟ اختلف العلماء في وجوب الحد بوجود الرائحة في الفم أو القيء على ثلاثة أقوال (٣): الأول: لا يجب الحدُّ بوجود الرائحة من الفم أو القيء: وهو قول أكثر أهل العلم، منهم الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، قالوا: لأن الرائحة يحتمل أنه تمضمض بها، أو حسبها ماءً فلما صارت في فيه مجَّها، أو ظنَّها لا تُسكر أو كان مكرهًا، أو أكل نبقًا بالغًا، أو شرب شراب تفاح، فإنه يكون منه رائحة الخمر، وإذا احتمل ذلك لم يجب الحد الذي يُدرأ بالشبهة (٤).

стр. 1604

الثاني: يجب إقامة الحد بالرائحة أو القيء: وهو مذهب مالك، وأحمد في الرواية الأخرى عنه، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وحجتهم أن هذا القول هو مقتضى ما حكم به الصحابة ﵃ كعمر وعثمان وابن مسعود: ١ - فعن السائب ين يزيد «أنه حضر عمر بن الخطاب ﵁ وهو يجلد رجلًا وجد منه ريح شراب، فجلده الحدَّ تمامًا» (١). وأجيب: بأن هذا السياق فيه اختصار مخل، وإلا ففي رواية معمر عن الزهري عن السائب بن يزيد - نفسه - قال: شهدت عمر بن الخطاب صلَّى على جنازة ثم أقبل علينا، فقال: «إني وجدت من عبيد الله ريح الشراب، وإني سألته عنها، فزعم أنها الطلاء، وإني سائل عن الشراب الذي شرب، فإن كان مسكرًا جلدته» قال: فشهدته بعد ذلك يجلده (٢). ومدار الأثر على السائب بن يزيد عن عمر فدلَّ على أن القصة واحدة، وعليه فإن جلد عمر لابنه عبيد الله كان لإقراره بأنه شرب الطلاء وقد علم أنه مسكر، ولم يجلده بمجرد وجود الرائحة، فلا يبقى فيه متعلق لمن أوجب الحدَّ بالرائحة، وهو واضح. ٢ - وعن حصين بن المنذر قال: «شهدا عثمان ﵁ وأتى بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم، فشهد عليه رجلان، أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها ...» الأثر وقد تقدم وفيه أنه جلده (٣). وأجيب بأنه ظاهر في أن عثمان ﵁ لم يحدَّ الوليد بمجرد القيء للخمر، وإنما بانضمام ذلك إلى شهادة حمران بأنه شربها، ولذا لم يترجمه الأئمة الذين أخرجوه بما يفيد الحدُّ بالقيء!! ٣ - وعن علقمة قال: «كنا بحمص، فقرأ ابن مسعود ﵁ سورة يوسف، فقال رجل: ما هكذا أُنزلت، فقال: قرأت على رسول الله ﷺ فقال: «أحسنت»

стр. 1605

ووجد منه ريح الخمر، فقال: أتجمع أن تكذب بكتاب الله، وتشرب الخمر، فضربه الحدَّ» (١). وأجيب: بأن دلالته غير مسلَّم بها، لاحتمال أن يكون الرجل اعترف بشرب الخمر بلا عذر، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال. ولذا فإن البخاري ﵀ ذكر هذا الأثر في (كتاب فضائل القرآن) ولم يترجم واقعة الخمر منه في كتاب الحدود، مع دقة فهمه وقوة استنباطه ﵀ (!!) وكذلك فعل الإمام مسلم حين ذكره في زمرة أحاديث فضائل القرآن، وترجم له النووي (باب: فضل استماع القرآن) (٢). ٤ - أن الحكم بحد الشارب بالقرينة الظاهرة عليه اتفاق الصحابة، إذ لا يُعرف لعمر وابن مسعود في حكميهما السابقين مخالف من الصحابة!! وأجيب بأنه قد وقع عند الإسماعيلي النقل عن عليٍّ أنه أنكر على ابن مسعود جلده الرجل بالرائحة وحدها إذ لم يشهد عليه، ذكره الحافظ في الفتح (٣). الثالث: أن الحد بالرائحة لا يجب إلا بضميمة قرنية إليه تنفي الشبهة فيحذر حينئذ: وبه قال جماعة من السلف منهم عمر ﵁ وابن الزبير ﵁، وعطاء، وإليه مال ابن قدامة - رحمهم الله تعالى - وهو اختيار العلامة بكر أبو زيد أمتع الله بحياته ونفع بعلمه. قلت: ولعلَّ هذا الأخير هو الأقرب، الذي تلتئم به الأدلة ويجتمع شملها، وعليه فإن الحدَّ بالرائحة والقيء يكون في الصور الآتية (٤): (أ) أن يكون من وجدت منه الرائحة مشهورًا بإدمان شرب الخمر، وبها قال عمر ﵁ (٥). (ب) أن يوجد جماعة الفساق على شراب فيكون في بعضهم سُكر، والبعض تنبعث الرائحة من فمه، فيحدُّ الجميع، وبها قال عمر بن عبد العزيز وعطاء (٦). (جـ) أن يوجد مع الرائحة عوارض السُّكر والتقيؤ، كما ذكر ابن قدامة.

стр. 1606

(ر) أن يشهد على شخص شاهدان أحدهما بالشرب والثاني بالرائحة أو القيء كما في قصة عثمان. وأما الحدُّ بمجرد الرائحة ونحوها، فقد وقع ما يدل على أن ذلك غير موجب للحد في زمن النبي ﷺ وذلك في حديث ابن عباس ﵄ قال: «شرب رجل فسكر، فلقي يميل في الفج، فانطلق به إلى النبي ﷺ ، فلما حاذى بدار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فضحك، فقال: أفعلها؟ ولم يأمر فيه بشيء» (١). قال الخطابي ﵀: يحتمل أن يكون إنما لم يتعرض له بعد دخوله دار العباس ﵁ من أجل أنه لم يكن ثبت عليه الحد بإقرار منه أو شهادة عدول، وإنما لقي في الفج يميل، فظن به السُّكر، فلم يكشف عنه رسول الله ﷺ -وتركه على ذلك، والله أعلم. اهـ. هل يُحدُّ السكران حال سكره؟ أو بعد صحوه؟ (٢) ذهب عمر بن عبد العزيز والشعبي والثوري وأبو حنيفة والشافعي إلى أن السكران لا يحدُّ حتى يصحو، وحجتهم أن المقصود بالحد الزجر والتنكيل، وحصولهما بإقامة الحد عليه في صحوه أتمُّ، فينبغي أن يؤخر إليه، لأن السكران لا يعقل ذلك. وقالت طائفة: يُجلد حين يؤخذ، وبه قال ابن حزم، قال: لأن النبي ﷺ أُتي بالشارب فأقر فضربه ولم ينتظر أن يصحو، والنظر لا يدخل على الخبر الثابت، فالواجب أن يحد حين يؤتى به إلا أن يكون لا يحسُّ أصلًا، ولا يفهم شيئًا فيؤخر حتى يحسَّ، وبالله تعالى التوفيق. اهـ. مجالسة شاربي الخمر، وهل يُحدُّ غير شاربها؟ (٣) يحرم مجالسة شاربي الخمر وهم يشربونها، أو الأكل على مائدة يُشرب عليها شيء من المسكرات خمرًا كان أو غيره، لقول النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يشرب عليها الخمر» (٤).

стр. 1607

ويحرم على المسلم المكلف أن يسقي غيره الخمر ولو كان صبيًّا أو مجنونًا أو كافرًا، لقوله- ﷺ : «لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه» (١). وقد اختلفوا في غير شاربها - من هؤلاء - هل يحدُّ كذلك؟ فروي عن ابن عامر ومروان بن الحكم أنه يُجلد كذلك. والصحيح أنه ليس عليه الحدُّ؛ لأن الحدَّ إنما ثبت في أصناف معينة منهم شارب الخمر، وأما غيره فلم يأت في إيجاب الحدِّ عليه قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قول صاحب، قلت: لكن للإمام أن يؤدِّبه ويعزّره بما فيه المصلحة والله أعلم. (٤) حَدُّ السَّرِقَة تعريف السرقة: السرقة لغة: أخذ ما ليس له أخْذُه خفية. واصطلاحًا: أخذ مالٍ محترم لغيره، وإخراجه من حرز مثله بلا شبهة له فيه، على وجه الاختفاء (٢). حكم السرقة، وحدُّها: السرقة من الكبائر، وقد اتفقت كلمة العلماء على تحريمها، وحدُّها ثابت بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة. ١ - قال الله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله عزيز حكيم﴾ (٣). ٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده» (٤). ٣ - وعن ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ قطع سارقًا في مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم» (٥).

стр. 1608

٤ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقتْ لقطعتُ يدها» (١). ٥ - وقد أجمعوا على أن قطع يد السارق يجب، إذا شهد عليه بالسرقة شاهدان عدلان مسلمان حُرَّان (٢). حكمة التشريع في جعل عقوبة السارق قطع يده (٣): من ضروريات التعايش الآمن وبناء العمران المطمئن صيانة الأموال والمحافظة عليها فكان من حكمة الله ورحمته بعباده أن فرض العقوبة الرادعة لكل سارق يفسد على الناس معاشهم ويخل بأمنهم على أموالهم. ففرض عقوبة قطع اليد من السارق. وجاء في نص صريح محكم وتنزيل يتلى فقال تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم﴾ (٤). وفي هذه الآية، جماع القول بالحكمة (جزاءًا بما كسبا نكالًا من الله). فبيّن سبحانه أن (القطع) هو الحكم المطابق لمجازاة (السارق) لا نقص ولا شطط فلم يجعل عقوبته الجلد، فيكون جزاءً ناقصًا عن مقابلة الجرم. ولم يجعله إعدامًا للنفس فيكون فيه مجاوزة لما يستحقه الجرم. وفي ذلك يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: (إن عقوبة القطع للسارق أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد. ولم تبلغ جنايته حد العقوبة بالقتل، فكان أليق العقوبات به: إبانة العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس وأخذ أموالهم). وقال أيضًا: (ولم يشرع في السرقة إعدام النفس، وإنما شرع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائه وصفاته من حكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وعدالته لتزول النوائب وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوان. ويقنع كلّ إنسان بما آتاه مالكه وخالقه، فلا يطمع في استلاب غيره حقَّه). وقال أيضًا:

стр. 1609

(إن المقصود هو الزجر والنكال والعقوبة على الجريمة، وأن يكون إلى كفّ عدوانه أقرب، وأن يعتبر به غيره، وأن يحدث له ما يذوقه من الألم توبة نصوحًا وأن يذكره ذلك بعقوبة الآخرة، إلى غير ذلك من الحكم والمصالح. ثم إن في حد السرقة معنى آخر، وهو أن السرقة إنما تقع من فاعلها سرًّا كما يقتضيه اسمها، ولهذا يقولون (فلان ينظر إلى فلان مسارقة) إذا كان ينظر إليه نظرًا خفيًّا لا يريد أن يفطن له. والعازم على السرقة مختف كاتم خائف أن يشعر بمكانه فيؤخذ به، ثم هو مستعد للهرب والخلاص بنفسه إذا أخذ الشيء. واليدان للإنسان كالجناحين للطائر في إعانته على الطيران. ولهذا يقال: (وصلت جناح فلان) إذا رأيته يسير منفردًا، فانضممت إليه لتصحبه، فعوقب السارق يقطع اليد قصًّا لجناحه، وتسهيلًا لأخذه أن عاود السرقة. فإذا فعل به هذا في أول مرة بقي مقصوص أحد الجناحين ضعيفًا في العدو. ثم تقطع في الثانية رجله فيزداد ضعفًا في عدوه، فلا يكاد يفوت الطالب. ثم تقطع يده الأخرى في الثالثة. ورجله الأخرى في الرابعة فيبقى لحمًا على وضم فيستريح ويريح). شبهات حول قطع يد السارق، وردُّها: قال العلامة بكر أبو زيد - رفع الله قدره -في كتابه القيم «الحدود والتعزيرات عند ابن القيم» ما نصُّه: أورد ابن القيم - رحمه الله تعالى - التساؤل المشهور من نفاة القياس والحكم والتعليل من وجود التفريق بين المتماثلين. والجمع بين المختلفين. وفي هذا ذكر إيرادهم في السرقة وكشف عنها بما لا يدع لقائل مقالًا. ونفاة القياس إنما أوردوا هذا وأمثاله لفك شرعية القياس لا للقدح في حكم السرقة فحاشاهم بل هم مؤمنون بحكم الله ودينه وشرعه ولا يعتريهم في ذلك شك ولا يساورهم فيه وهم. أما في عصرنا فهذه الإيرادات ونحوها هي النافذة الموهومة التي نفث منها - المستشرقون وأذنابهم - بإلقاء الشبه وتكوين الشكوك لا في هذا الحد (قطع السارق) فحسب بل ليتدرجوا بالرعاع من أولاد المسلمين، الغرباء عن إسلامهم - إلى ترك الإسلام جملة وتفصيلًا؟

стр. 1610

ولكن نقول بكل ثبات: وأنى لهم أن يتم ذلك؟؟؟. ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (١). وابن القيم - رحمه الله تعالى - في مباحثه هذه كأنما أعطى - رحمه الله تعالى - نسخة من شبه المستشرقين فكر عليها بالنقض والرفض حتى أصبحت أثرًا بعد عين بل ولا أثر. لهذا فإنني أورد هذه الإيرادات على لسان مورد الشبه والاعتراض ﴿ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة﴾ (٢). الاعتراض الأول: أن العقوبة بالقطع محض ضرر السارق. نعى ابن القيم على المتباكين على هؤلاء اللصوص، الذين يقولون أن القطع شر محض على المقطوع فقال: (السارق إذا قطعت يده فقطعها شر بالنسبة إليه. وخير محض بالنسبة إلى عموم الناس لما فيه من حفظ أموالهم ودفع الضرر عنهم. وخير بالنسبة إلى متولي القطع أمرًا وحكمًا. لما في ذلك من الإحسان إلى عبيده عمومًا بإتلاف هذا العضو المؤذي لهم المضر بهم فهو محمود على حكمه يذلك وأمره به مشكور عليه يستحق عليه الحمد من عباده والثناء عليه والمحبة ... أفليس في عقوبة هذا الصائل خير محض، وحكمة وإحسان إلى العبيد وهي شر بالنسبة إلى الصائل الباغي فالشر ما قام به من تلك العقوبة وأما ما نسب إلى الربّ منها من المشيئة والإرادة والفعل فهو عين الخير والحكمة؟ فلا يغلظ حجابك عن فهم هذا النبأ العظيم والسر الذي يطلعك على مسألة القدر ويفتح لك الطريق إلى الله ومعرفة حكمته ورحمته وإحسانه إلى خلقه وأنه سبحانه كما أنه البر الرحيم الودود المحسن فهو الحكيم الملك العدل، فلا تناقض حكمته رحمته، بل يضع رحمته وبره وإحسانه موضعه، وكلاهما مقتضى عزته وحكمته وهو العزيز الحكيم. فلا يليق بحكمته أن يضع رضاه موضع العقوبة والغضب، ولا يضع غضبه وعقوبته موضع رضاه ورحمته. ولا تلتفت إلى قول من غلظ حجابه عن الله: أن الأمرين بالنسبة إليه على حد سواء ولا فرق أصلًا وإنما هو محض المشيئة بلا سبب ولا حكمة؟. وتأمل القرآن من أوله إلى آخره كيف تجده كفيلًا بالرد على هذه المقالة وإنكارها أشد

стр. 1611

الإنكار وتنزيه نفسه عنها كقوله تعالى: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون﴾ (١). وقوله: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ (٢). وقوله: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾ (٣). فأنكر سبحانه على من ظن هذا الظن ونزّه سبحانه نفسه عنه فدل على أنه مستقر في الفطر والعقول السليمة أن هذا لا يكون ولا يليق بحكمته وعزّته وإلهيته لا إله إلا هو تعالى عما يقول الجاهلون علوًا كبيرًا. وقد فطر الله عقول عباده على استقباح وضع العقوبة والانتقام في موضع الرحمة والإحسان فإذا وضع العقوبة موضع ذلك استنكرته فطرهم وعقولهم أشد الاستنكار واستهجنته أعظم الاستهجان. وكذلك وضع الإحسان والرحمة والإكرام موضع العقوبة والانتقام كما إذا جاء من يسيء إلى العالم بأنواع الإساءة في كل شيء من أموالهم وحريمهم ودمائهم فأكرمه غاية الإكرام ورفعه وكرمه، فإن الفطر والعقول تأبى استحسان هذا وتشهد على سفه من فعله. هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها، فما للعقول والفطر لا تشهد حكمته البالغة وعزته وعدله في وضع عقوبته في أولى المحال بها وأحقها بالعقوبة، وأنها لو أوليت النعم لم تحسن بها ولم تلق ولظهرت مناقضة الحكمة كما قال الشاعر: نعمة الله لا تعاب ولكن ربما استقبحت على أقوام هذا ما قرره ابن القيم بحماس متدفق ضد هذا الاعتراض المريض المتلخص: أن في هذه العقوبة حماية للمجتمع من ضرر هذه الجريمة، واهتمامًا بتهذيب المجرم وتطهيره مع إبداء كمال المناسبة بين الجريمة والعقاب. ويطيب لي في هذا المقام أن أذكر ما أوضحه الأستاذ عبد الكريم زيدان، في تفنيد هذا الاعتراض ونقضه فقال: (أما صيرورة المقطوع عالة على المجتمع فهذا إذا كان صحيحًا فمن الصحيح أيضًا أن يقال: أن صيرورة المقطوع عالة على المجتمع، وقد انكف إجرامه، خير له وللمجتمع من أن يبقى مجرمًا سليم اليدين ينال كسبه من السحت الحرام أما الاستعاضة عن القطع بالحبس مع التربية والتوجيه، فالرد على هذا أن الطواف على

стр. 1612

السجون وعد نزلائها يرينا أنهم بازدياد دائم. فما ردعت السجون عن جريمة السرقة إلا قليلًا. بل أن السجن أصبح مكانًا أمينًا للسراق يتواجدون فيه ويلتقون ويتبادلون خبراتهم في عالم السرقة والإجرام. أما قطع اليد فإنها كفيلة بقطع دابر السرقة أو تقليلها إلى حد كبير جدًّا، والتاريخ خير شاهد على ما نقول فإن هذه العقوبة آتت أكلها وثمرتها للناس فعاشوا بأمان من السرقة والسراق). الاعتراض الثاني: كيف يكون القطع لمن سرق ثلاثة دراهم دون مختلس ألف دينار أو منتهبها أو غاضبها. قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في الجواب عن ذلك: (هذا من تمام حكمة الشارع: فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه. فإنه ينقب الدور ويهتك الحرز ويكسر القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك فلو لم يشرع قطعه لسرق الناس بعضهم بعضًا. وعظم الضرر. واشتدت المحنة بالسراق بخلاف المنتهب والمختلس فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس. فيمكنهم أن يأخذوا على يديه. ويخلصوا حق المظلوم. أو يشهدوا له عند الحاكم، وأما المختلس فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه وغيره، فلا يخلو من نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه. وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس. فليس كالسارق. بل هو بالخائن أشبه. وأيضًا فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حرز مثله غالبًا، فإنه الذي يقاتلك ويختلس متاعك في حال تخليك عنه وغفلتك عن حفظه. وهذا يمكن الاحتراز منه غالبًا فهو كالمنتهب. وأما الغاصب فالأمر فيه ظاهر وهو أولى بعدم القطع من المنتهب. ولكن يسوغ كفْ عدوان هؤلاء بالضرب والنكال، والسجن الطويل والعقوبة بأخذ المال). ومدار الدفع من ابن القيم لهذا الاعتراض: هو توفر الحرز في السرقة وهو غاية ما يملكه الناس من الاحتراز. مع اختفاء السارق. وهذا المعنى لا يوجد في كل من المنتهب والمختلس. والغاصب على ما أوضحه - رحمه الله تعالى -.

стр. 1613

الاعتراض الثالث: التفاوت بين ديّة اليد إذا جنى عليها فإن ديّتها خمسمائة دينار وبين عقوبتها بالقطع إذا سرق فإن نصاب السرقة الموجب للقطع ثلاثة دراهم؟. قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في الجواب عن ذلك: (وأما قطع اليد في ربع دينار وجعل ديتها خمسمائة دينار: فمن أعظم المصالح والحكمة. فإنه احتاط في الموضعين للأموال والأطراف: فقطعها في ربع دينار حفظًا للأموال. وجعل ديتها خمسمائة دينار حفظًا لها وصيانة. وقد أورد بعض الزنادقة هذا السؤال وضمنه بيتين فقال: يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض ما لنا إلا السكوت له ونستجير بمولانا من العار فأجابه بعض الفقهاء بأنها كانت ثمينة لما كانت أمينة، فلما خانت هانت. وضمنه الناظم قوله: يد بخمس مئين عسجد وديت لكنها قطعت في ربع دينار حماية الدمّ أغلاها، وأرخصها خيانة المال، فانظر حكمة الباري وروى أن الشافعي - رحمه الله تعالى - أجاب بقوله: هناك مظلومة غالت بقيمتها وههنا ظلمت هانت على الباري وأجاب شمس الدّين الكردي بقوله: قل للمعري عار أيما عار جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عار لا تقدحن زناد الشعر عن حكم شعائر الشرع لم تقدح بأشعار فقيمة اليد نصف الألف من ذهب فإن تعدت فلا تسوى بدينار ومنه يتضح للمنصف أن هذا التفاوت بين ديّة اليد إذا جنى عليها وبين نصاب القطع إذا جنت هو عين الحكمة والعدل والصيانة لأبدان الناس وأموالهم. وهذا الاعتراض الآثم أورده جماعة من العلماء ولكن لا يخرجون في جوابهم عما ذكره ابن القيم - رحمه الله تعالى -. وهو نقض جلي مبناه على التفاوت العظيم بين الجنايتين.

стр. 1614

وممن أورده الحافظ بن حجر في (فتح الباري). وفي (لسان الميزان) وقال: (قال السلفي: إن كان المعرى قال هذا الشعر معتقدًا معناه فالنار مأواه وليس له في الإسلام نصيب). حكمة التشريع في جعل نصاب السرقة ربع دينار: وابن القيم - رحمه الله تعالى - بعد نقض هذا الاعتراض يتحفنا بحكمة الشرع في تخصيص القطع بهذا القدر (ربع دينار) زيادة منه في نقضن مقالة العرى وأضرابه فيقول: (وأما تخصيص القطع بهذا القدر: فلأنه لابد من مقدار يجعل ضابطًا لوجوب القطع، إذ لا يمكن أن يقال: يقطع بسرقة فلس أو حبة حنطة أو تمرة، ولا تأتي الشريعة بهذا وتنزه حكمة الله ورحمته وإحسانه عن ذلك. فلابد من ضابط: وكانت الثلاثة دراهم أول مراتب الجمع، وهي مقدار ربع دينار. وقال إبراهيم النخعي وغيره من التابعين: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه. فإن عادة الناس التسامح في الشيء الحقير عن أموالهم، إذ لا يلحقهم ضرر بفقده. وفي التقدير بثلاثة دراهم حكمة ظاهرة: فإنها كفاية المقتصد في يومه له. بم يثبت حدُّ السرقة؟ يثبت حدُّ السرقة، ويجب الحدُّ بأحد أمرين: ١ - البيِّنة: وهي أن يشهد رجلان عدلان مسلمان حرَّان أمام القاضي بأن فلانًا سرق كذا، وعلى هذا إجماع الأمة (١). ٢ - الإقرار: بأن يعترف السارق على نفسه أنه سرق، وقد اختلف أهل العلم في عدد الإقرار على قولين (٢): الأول: لابُدَّ من إقراره مرتين: وهو مذهب الحنابلة، وحجتهم: ١ - حديث أبي أمية المخزومي ﵁: «أن النبي ﷺ أُتي بلصٍّ قد اعترف

стр. 1615

اعترافًا، ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله ﷺ : «ما إخالك (١) سرقت» قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، فأمر به فقطع ...» (٢). قالوا: فلم يقطعه حتى أعاد عليه مرتين. ٢ - أن هذا قضاء عليٍّ ﵁، فعن القاسم بن عبد الرحمن بن مسعود عن أبيه قال: جاء رجل إلى عليٍّ بن أبي طالب فقال: إني سرقت، فردَّه، فقال: إني سرقتُ، فقال: «شهدت على نفسك مرتين» فقطعه، قال عبد الرحمن: فرأيت يده في عنقه معلّقة (٣). ٣ - ولأنه يتضمن إتلافًا في حد، فكان من شرطه التكرار كحد الزنا؛ ولأنه أحد حجتي القطع فيعتبر فيه التكرار كالشهادة!! الثاني: يكفي إقرار مرة واحدة: وبه قال عطاء والثوري وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، وحجتهم: ١ - أن النبي ﷺ قطع يد سارق المجن، وسارق رداء صفوان، ولم ينقل عنه ﷺ أنه أمر بتكرار الإقرار، وما وقع من التكرار في بعض الحالات فهو من باب التثبت. ٢ - ولأنه حق يثبت بالإقرار، فلم يعتبر فيه التكرار كحق الآدمي. ٣ - ولأن السرقة قد ظهرت بالإقرار مرة، فيكتفى به كما في القصاص وحدِّ القذف. قلت: أما حديث أبي أمية المخزومي فهو ضعيف، والذي يترجَّح لي أنه يكفي مرة لكن يستحب للقاضي أن لا يتسرع في إقامة الحد، وأن يراجعه اقتداء بالنبي ﷺ ، ولقضاء عليٍّ ﵁، ولما فيه من الاحتياط والتثبت في إقامة الحد، والله أعلم. ٣ - هل يثبت الحد باليمين المردودة؟ (٤). إذا ادعى شخص على آخر سرقة نصاب، فأنكر المدعى عليه السرقة، فطلب
следующие страницы →