← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

٢ - قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق إثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ (١). ٣ - وقوله سبحانه: ﴿ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ (٢). ٤ - وقوله سبحانه: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ (٣). ٥ - قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ (٤). (ب) ومن السنة: ١ - حديث ابن مسعود قال: سألت النبي ﷺ : أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك» قلت: إن ذلك لعظيم، قال: ثم قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك» قال: قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» (٥). ٢ - وفي حديث سمرة بن جندب - الطويل في رؤيا النبي ﷺ أنه قال: «... فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، قال: أحسب أنه يقول: فإذا فيه لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضووا، قال: قلت لهما - أي الملكين - ما هؤلاء؟ ... قالا: وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فهم الزناة والزواني ...» الحديث (٦).

стр. 1542

وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن» (١). ومعناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان. ٤ - وعنه عن النبي ﷺ قال: «إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان كان عليه كالظُّلَّة، فإذا انقلع رجع إليه الإيمان» (٢). ٥ - وعنه عن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم [ولا ينظر إليهم] ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذَّاب، وعائل مستكبر» (٣). (جـ) وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين في أن الزنا محرم قطعًا، وتحريمه مما علم من الدين بالضرورة. سدُّ الذرائع الموصَّلة إلى الزنا (٤): قاعدة التشريع التي لا تنخرم أن الله إذا حرم شيئًا حرم الأسباب والدوافع الموصلة إليه سدًّا للذريعة وكفًّا عن الوقوع في حمى الله ومحارمه، ليعيش في مجتمع مملوء بالإباء والشمم عن كافة الرذائل والطرائق الموصلة إليها حتى يلقى الله تعالى وهو على هدى من الله وصراط مستقيم. ولهذا فإن علماء الشريعة استنبطوا بطريق التتبع والاستقراء لمواطن التنزيل قاعدة شريفة هامة تعتبر من الكليات التشريعية التي تعايش المسلم في كلّ لحظة وآن، تلك هي: قاعدة (سد الذرائع الموصلة إلى المحرمات). وابن القيم - رحمه الله تعالى - قرر هذه القاعدة، واستدل لها من وجوه الأدلة بما يقارب مائة وجه من الكتاب والسنة، وبيّن أن قاعدة سد الذرائع، أحد أرباع التكليف، فإنه وجه ذلك فقال: (وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان، أحدهما: مقصود لنفسه والثاني: وسيلة إلى المقصود والنهي نوعان: أحدهما: ما

стр. 1543

يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه والثاني: ما يكون وسيلة إلى مفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين). وفي خضم هذا المبحث ذكر ضروبًا ووجهًا مما ورد في الكتاب والسنة من سد الذرائع الموصلة إلى فاحشة الزنا، وعرضها بأسلوبه العلمي الأخاذ الخالي من التعقيد والجفاف وبيانها على ما يلي: ١ - نهي النساء عن الضرب بالأرجل: قال - رحمه الله تعالى -: قال الله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾. فمنعهن من الضرب بالأرجل، وإن كان جائزًا في نفسه لئلا يكون سببًا إلى سمع الرجال صوت الخلخال، فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن). وهذا المنهي عنه - من وسائل الإغراء والإشارة - هو نهي تحريم كما فهمه ابن القيم وهو محال اتفاق عن علماء التفسير. وابن القيم في مقام دلالة النص على قاعدة سد الذرائع، وإلا فإن الآية تفيد أيضًا النهي عن كلّ حركة من شأنها أن تثير الغريزة وتلهب داعي الشهوة، وفي ذلك المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت لا يعلم صوتها ضربت برجلها الأرض فيسمع الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورًا فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهي لقوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن﴾ (١) إلى آخره). ٢ - وهذا الأمر بغض البصر: وهذا أمر مطلوب من الجنسين الرجال والنساء لقوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾ (٢) الآية. وابن القيم - رحمه الله تعالى - قد أبدى في هذه الذريعة عجبًا فأبدى كلامًا يزغ الأبصار الخائنة، والأعين الفاجرة عن غوايتها إن كان لديها بقية من إيمان

стр. 1544

واستجابة لداعي الرحمن. وقد أكثر اللهج برعاية حرمات الله، وأنا في هذا المقام أسوق للقارئ شذرة من كلامه المنثور والمنظوم إذ يقول: (أما اللحظات: فهي رائد الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أورده موارد الهلكات. وقال النبي ﷺ : «لا تتبع النظرة النظرة، إنما لك الأولى وليست لك الأخرى». وفي المسند عنه ﷺ : «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن غضّ بصره عن محاسن امرأة أورث الله قلبه حلاوة إلى يوم يلقاه» هذا معنى الحديث. وقال: «غضّوا أبصاركم واحفظوا فروجكم» وقال: «وإياكم والجلوس على الطرقات» قالوا يا رسول الله مجالسنا، ما لنا بدّ منها، قال: «غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ السلام». والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فالنظرة تولد خطرة ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولابد، ما لم يمنع منه مانع. وفي هذا قيل «الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده». قال الشاعر: كلّ الحوادث مبدأها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة بلغت من قلب صاحبها كمبلغ السهم بين القوس والوتر والعبد ما دام ذا طرف يقلبه في أعين العين موقوف على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحبًا بسرور عاد بالضرر ومن آفات النظر: أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد ما ليس قادرًا عليه ولا صابرًا عنه، وهذا من أعظم العذاب: أن ترى ما لا صبر لك عن بعضه، ولا قدرة على بعضه. قال الشاعر: وكنت متى أرسلت طرفك رائدًا لقلبك يومًا، أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه، ولا عن بعضه أنت صابر وهذا البيت يحتاج إلى شرح. ومراده: أنك ترى ما لا تصبر عن شيء منه ولا تقدر عليه، فإن قوله: «لا كله أنت قادر عليه» نفي لقدرته على الكلّ الذي لا ينفى إلا بنفي القدرة عن كل واحد واحد.

стр. 1545

وكم من أرسل لحظاته فما أقلعت إلا وهو يتشحط بينهن قتيلًا كما قيل: يا ناظرًا، ما أقلعت لحظاته حتى تشحط بينهن قتيلًا ولي من أبيات: ملّ السلامة فاغتدت لحظاته وقفًا على طلل يظن جميلًا ما زال يتبع أثره لحظاته حتى تشحط بينهن قتيلًا ومن العجب: أن لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه، حتى يتبوأ مكانًا من قلب الناظر، ولي من قصيدة: يا راميًا بسهام اللحظ مجتهدًا أنت القتيل بما ترمي فلا تصب يا باعث الطرف يرتاد الشفاء له أحبس رسولك، لا يأتيك بالعطب وأعجب من ذلك: أن النظرة تجرح القلب جرحًا، فيتبعها جرحًا على جرح، ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها. ولي أيضًا في هذا المعنى: ما زلت تتبع نظرة في نظرة في إثر كلّ مليحة ومليح وتظن ذاك دواء جرحك وهو في الـ تحقيق تجريح على تجريح فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكا فالقلب منك ذبيح أي ذبيح وقد قيل: أن حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات. ٣ - النهي عن الخلوة بالأجنبية: وفي ذلك يقول - رحمه الله تعالى -: (أنه ﷺ حرّم الخلوة بالأجنبية ولو في إقراء القرآن). وقال أيضًا: (نهى ﷺ الرجال عن الدخول على النساء لأنه ذريعة ظاهرة). وهذا محل إجماع ولو في باب من أبواب الخير والرشاد كإقراء القرآن وتعليم العلم، وقد حكى الإجماع على ذلك الحافظان ابن حجر والشوكاني. ٤ - النهي عن سفر المرأة بلا محرم: قال - رحمه الله تعالى -: (ونهى ﷺ عن السفر بلا محرم وما ذاك إلا أن سفرها بغير محرم قد يكون ذريعة إلى الطمع فيها والفجور بها).

стр. 1546

٥ - النهي عن خروج المرأة متطيبة: وفي ذلك يقول: (ونهى المرأة إذا خرجت إلى المسجد أن تتطيب أو تصيب بخورًا وذلك لأنه ذريعة إلى ميل الرجال وتشوقهم إليها، فإن رائحتها وزينتها وصورتها وإبداء محاسنها تدعو إليها، فأمرها أن تخرج تفلة ولا تتطيب ... كلّ ذلك سدًّا للذريعة وحماية عن المفسدة). ٦ - النهي عن أن تصف المرأة المرأة لزوجها: وفي هذا يقول: (نهى ﷺ أن تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها، ولا يخفى أن ذلك سدًّا للذريعة، وحماية عن مفسدة وقوعها في قلبه وميله إليها بحضور صورتها في نفسه، وكم ممن أحب غيره بالوصف قبل الرؤية). ٧ - الأمر بالتفريق بين الأولاد في المضاجع: وفي هذا يقول - رحمه الله تعالى -: (أمر ﷺ أن يفرق بين الأولاد في المضاجع، وأن لا يترك الذكر ينام مع الأنثى في فراش واحد، لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى نسج الشيطان بينهما: المواصلة المحرمة بواسطة اتحاد الفراش ولاسيما مع الطول. والرجل قد يعبث في نومه بالمرأة في نومها إلى جانبه وهو لا يشعر، وهذا أيضًا من ألطف سد الذرائع). ٨ - النهي عن الشياع: قال - رحمه الله تعالى - في ذلك: (إنه ﷺ حرّم الشياع: وهو المفاخرة بالجماع؛ لأنه ذريعة إلى تحريك النفوس والتشهي، وقد لا يكون عند الرجل من يغنيه عن الحلال فيتخطى إلى الحرام. ومن هذا كان المجاهرون خارجين من عافية الله وهم المتحدثون بما فعلوه من المعاصي، فإن السامع تتحرك نفسه إلى التشبه، وفي ذلك من الفساد المنتشر ما لا يعلمه إلا الله). ٩ - إبطال أنواع من الأنكحة التي يتراضاها الزوجان: وفي بيانها وبيان وجه الإبطال يقول: (إنه ﷺ أبطل أنواعًا من النكاح الذي يتراضى به الزوجان سدًّا للذريعة الزنا: فمنها: النكاح بلا ولي، فإنه أبطله سدًّا لذريعة الزنا، فإن الزاني لا يعجز أن يقول

стр. 1547

للمرأة: انكحيني نفسك بعشرة دراهم) ويشهد عليها رجلين من أصحابه أو غيرهم، فمنعها من ذلك سدًّا لذريعة الزنا. ومن هذا تحريم نكاح التحليل الذي لا رغبة للنفس فيه في إمساك المرأة واتخاذها زوجة بل وطر فيما يفضيه بمنزلة الزاني في الحقيقة وإن اختلفت الصورة. ومن ذلك تحريم نكاح المتعة، الذي يعقد فيه الممتع على المرأة مدة يقضي وطره منها فيها. فحرّم هذه الأنواع كلها سدًّا لذريعة السفاح، ولم يبح إلا عقدًا مؤيدًا يقصد فيه كلّ من الزوجين المقام مع صاحبه، ويكون بأذن الولي وحضور الشاهدين، أو ما يقوم مقامهما من الإعلان. فإذا تدبرت حكمة الشريعة وتأملتها حق التأمل رأيت تحريم هذه الأنواع من باب سد الذرائع، وهي من محاسن الشريعة وكمالها. ١٠ - النهي عن اختلاط الجنسين: وقد ورد بذلك جملة الأحاديث الصحيحة منها قوله ﷺ : «باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء». وفي بيان الذريعة يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: (لا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة .. فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية - قبل الدين - فكانوا أشد شيء منعًا لذلك ..). هذه جملة من المناهي التي وردت في الشريعة الإسلامية سدًّا لإثارة الغرائز وتهييج الشهوات حماية للمجتمع وصيانة له من الوقوع في جريمة الزنا وهذا باب في الشريعة مطرد: إذا حرّم الله شيئًا سد الأبواب الموصلة إليه والله أعلم. الزنا المعتبر في وجوب الحدِّ: تقدم أن حقيقة الزنا: «الوطء في قُبُل (فرج) خال عن ملك أو شبهة» ويتحقق

стр. 1548

هذا بتغييب حشفة الذكر (رأس الذكر) في فرج محرَّم (أي بغير عقد شرعي) من غير شبهة نكاح، سواء أنزل أو لم ينزل. فإذا باشر الرجل امرأة أجنبية فيما دون الفرج، فإن هذا محرَّم بلا شك، لكنه لا يعتبر «زنا» ولا يوجب حدَّ الزنا، وإن استحق فاعله التعزيز. بم يثبت حد الزنا؟ يثبت حدُّ الزنا على الزاني بواحد من ثلاثة أشياء: (١) الإقرار (اعتراف الزاني): إذا اعترف الزاني على نفسه أنه زنى بامرأة، ثبت الحد في حقِّه - إن اختاره وأبى إلا أن يقام عليه كما تقدم تحريره -: ففي حديث أبي هريرة - في قصة ماعز -: «فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه حتى ردَّد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي ﷺ فقال: «أبك جنون؟». قال: لا، قال: «فهل أُحصنت؟» قال: نعم، فقال النبي ﷺ : «اذهبوا به فارجموه» (١). وفي حديث بريدة ﵁ في قصة ماعز والغامدية ... ثم جاءت امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله، طهِّرني، فقال: «ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه». فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك، قال: «وما ذاك؟» قالت: إنها حُبلى من الزنا، فقال: «أنت؟» قالت: نعم، ... ، فرجمها» (٢). وعن عمران بن حصين: أن امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا نبي الله أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، فدعا رسول الله ﷺ وليَّها فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها» ففعل، فأمر بها فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت» (٣).

стр. 1549

وقد اتفق أهل العلم على أن الحد يثبت بإقرار الزاني على نفسه، لكنهم اختلفوا في عدد مرات الإقرار الذي يلزم به الحد على قولين (١): الأول: لا يُحدُّ حتى يُقرَّ أربع مرات، وهو مذهب أحمد وإسحاق، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه اشترط أن تكون الإقرارات في مجلس واحد (!!). واستدلوا بحديث ماعز ﵁ وأن النبي ﷺ لم يقم عليه الحد إلا بعد أن شهد على نفسه أربعًا ولو كان الإقرار مرة موجبًا للحد لما أخَّره إلا الأربع، قالوا: فإذا أقرَّ دون الأربع، لم يلزم تكميل نصاب الإقرار، بل للإمام أن يُعْرِضَ عنه، ويُعرِّض له بعدم تكميل الإقرار. الثاني: يُكتفى بإقراره مرة واحدة، وتكراره ليس بشرط، وهو مذهب مالك والشافعي، وبه قال الحسن وحماد وأبو ثور والطبري وابن المنذر وجماعة. قالوا: لأن الإقرار إنما صار حجة في الشرع لرجحان جانب الصدق فيه على جانب الكذب، وهذا المعنى عند التكرار والتوحيد سواء، ولأن النبي ﷺ قال: «اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» (٢) فعلَّق الرجم على مجرد الاعتراف. فائدة: يسقط الحد بالرجوع عن الإقرار، وقد مرَّ تحريره قريبًا. من أقرَّ بأنه زنى بامرأة معينة: فلا يخلو من حالتين: ١ - فإن اعترفت المرأة، أقيم الحدُّ عليهما، لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد: «أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر - وهو أفقههما -: أجل يا رسول الله، فاقض بيننا بكتاب الله، وأذن لي أن أتكلم، قال: «تكلم» قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا [والعسيف الأجير] فزنى بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فأفتديت منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلدُ مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ : «أما والذي نفسي بيده، لأقضينَّ بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردٌّ عليك» وجَلَد ابنه مائة وغرَّبه عامًا، وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت رجمها، فاعترفت، فرجمها» (٣).

стр. 1550

٢ - فإن جحدت المرأة وأنكرت: سقط الحدُّ عنها، واختلف العلماء فيما على الزاني المقرِّ على ثلاثة أقوال (١): الأول: يُحدُّ حدَّ الزنا: وهو مذهب مالك والشافعي، لحديث سهل بن سعد: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إنه قد زنى بامرأة سمَّاها، فأرسل النبي ﷺ إلى المرأة فدعاها، فسألها فأنكرت، فحدَّه وتركها» (٢) يعني: حدَّه حدَّ الزنا الذي أقرَّ به على نفسه. الثاني: يُحدُّ حدّ القذف - لا الزنا -: وهو مذهب الأوزاعي وأبي حنيفة، لأن إنكارها شبهة (!!)، واعتُرض بأن إنكارها لا يُبطل إقراره. الثالث: يُحدُّ للزنا وللقذف، وهو مذهب محمد بن الحسن، ويُروى عن الشافعي، وحجتهم حديث ابن عباس: «أن رجلًا من بكر بن ليث أتى النبي ﷺ فأقرَّ أنه زنى بامرأة، أربع مرات، فجلده مائة - وكان بكرًا - ثم سأله البينة على المرأة، فقالت: كذب يا رسول الله، فجلده حدَّ الفرية ثمانين» (٣) وهو حديث منكر. قلت: أما القول الثاني فضعيف، والأظهر أنه يُحدُّ حدَّ الزنا فقط لصحة دليله، ولأنه ليس فيه أنه أقام عليه حدين، فإن قيل: الأصل أن يُحدَّ عن كلٍّ من المُوجبين وإن لم يصحَّ الحديث، قلت: نعم، لكنَّ إنكار المرأة شبهة تسقط حدَّ القذف، وأما حدُّ الزنا فهو ثابت بإقراره، والله أعلم. (٢) ثبوت الحمل لمن لا زوج لها: المرأة إذا كانت لا زوج لها ولا سيد، ثم وُجدت حاملًا، فاختلف أهل العلم في اعتبار الحمل قرينة تُحدُّ بها المرأة، على قولين (٤): الأول: تُحدُّ الحبلى التي لا زوج لها ولا سيد، ولم تَدَّعِ شبهة في الحمل: وهو مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد، واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، واحتجوا بما يلي: ١ - حديث بصرة بن أكثم الأنصاري، قال: «تزوجتُ امرأة بكرًا في سترها،

стр. 1551

فدخلتُ عليها فإذا هي حُبلى، فقال النبي ﷺ : «لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولد عبدٌ لك، فإذا ولدت فأجلدها، أو قال: فحدوها» (١) وهو ضعيف. قالوا: فأمر ﷺ بجلدها بمجرد الحمل من غير اعتبار بينة ولا إقرار. ٢ - قول عمر بن الخطاب ﵁: «الرجم حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف» (٢) وهذا قاله عمر في خطبته فلم يُنكر عليه. ٣ - ولأن دلالة الحمل أمارة ظاهرة على الزنا، أظهر من دلالة البينة، وما يتطرق إلى دلالة الحمل يتطرق مثله إلى دلالة البينة وأكثر. الثاني: لا يثبت الزنا بالحمل، بل بالإقرار أو البيِّنة فقط: وهو مذهب الجمهور: الحنفية والشافعية والمعتمد عند الحنابلة، وحجتهم: ١ - أن الحدَّ يُدرأ بالشبهة إجماعًا، والشبهة هنا متحققة من وجوه متعددة، فيحتمل أن الحمل من وطء إكراه، ويحتمل أنه من وطء رجل واقعها في نومها وهي ثقيلة النوم، ويحتمل أنه من وطء شبهة، ويحتمل حصول الحمل بإدخال ماء الرجل في فرجها دون جماع. ٣ - أثر علي بن أبي طالب أنه أُتي بامرأة من همدان وهي حُبلى يُقال لها شراحة قد زنت، فقال لها عليٌّ: «لعل الرجل استكرهك؟» قالت: لا، قال: «فلعلَّ الرجل قد وقع عليك وأنت راقدة؟» قالت: لا، قال: «فلعل لك زوجًا من عدونا هؤلاء وأنت تكتمينه؟» قالت: لا، فحبسها حتى إذا وضعت، جلدها يوم الخميس مائة جلدة، ورجمها يوم الجمعة (!!) فأمر فحفر لها حفرة بالسوق ...» (٣). ٣ - أثر أبي موسى أنه: «كتب إلى عمر ﵁ في امرأة أتاها رجل وهي نائمة، فقالت: إن رجلًا أتاني وأنا نائمة، فوالله ما علمت حتى قذف فيَّ مثل

стр. 1552

شهاب النار، فكتب عمر: «تهامية تنومت، قد يكون مثل هذا» وأمر أن يُدرأ عنها الحدُّ» (١). بلغ عمر أن امرأة متعبِّدة حملتْ، فقال عمر: «أراها قامت من الليل تصلي فخشعت فسجدت، فأتاها غاوٍ من الغواة فتجشمها» فأتته فحدَّثْتهُ بذلك، فخلَّى سبيلها (٢). قلت: الذي تجتمع عليه أدلة الفريقين أن الزنا يثبت بحمل من لا زوج لها، إلا إن ادَّعتْ هي شبهة في هذا الحمل ولم تقرَّ بالزنا فحينئذ يدرأ عنها الحدُّ، والله أعلم. (٣) إقامة البينة (الشهُّود) (٣): لا خلاف بين الفقهاء في أن الحدود تثبت بالبيِّنة عن استجماع شرائطها، ونظرًا لخطورة الاتهام بالزنا وعظم أثره، فقد اشتُرط في الشهادة على الزنا ما يلي: (أ) أن يكون الشهود أربعة فأكثر: ولا خلاف في هذا الشرط. قال الله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلًا﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ (٦). وقال سعد بن عبادة لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، إن وجدتُ مع امرأتي رجلًا، أأمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟! قال: «نعم» (٧).

стр. 1553

إذا شهد أقلُّ من أربعة: إذا شهد أقل من أربعة لم تثبت البيِّنة، وهل يُحدُّون حدَّ القذف؟ قولان للعلماء: الأول: أنهم يُحدُّون حدَّ القذف: وهو قول الجمهور، لحديث أبي عثمان قال: «لما شهد أبو بكرة وصاحباه على المغيرة جاء زياد، فقال له عمر: رجل لن يشهد إن شاء الله إلا بحق، قال: رأيت انبهارًا، ومجلسًا سيئًا، فقال عمر: «هل رأيت المرود دخل المكحلة؟» قال: لا، قال: فأمر بهم فجلدوا» (١). الثاني: لا حدَّ عليهم، وهو قول الظاهرية، وقول مرجوح عند الحنفية والشافعية؛ لأنهم إنما قصدوا أداء الشهادة، ولم يقصدوا قذف المشهود عليه. (ب) أن يكونوا رجالًا: فلا تقبل شهادة النساء في هذا الباب عند جماهير العلماء (٢)، قال الله تعالى: ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ (٣) ولفظ: «أربعة» عدد مؤنث فلابد أن يكون المعدود مذكرًا، ثم إن الحدود تُدرأ بالشبهات، وقد قال الله تعالى في شأن النساء: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ (٤). وذهب أبو محمد بن حزم إلى أنه يقبل في الشهادة على الزنا - كغيرها من الشهادات - شهادة امرأتين مسلمتين مكان رجل، فيجوز شهادة ثلاثة رجال وامرأتين، أو رجلين وأربع نسوة، أو رجل وست نسوة، أو ثمان نسوة لا رجل معهن. (جـ) أن يكونوا عقلاء، فلا تقبل شهادة المجنون ونحوه، لقول النبي ﷺ لماعز لما شهد على نفسه: «أبك جنون؟» (٥) وفي لفظ أن النبي ﷺ لقال لقومه: «أتعلمون بعقله بأسًا تنكرون منه شيئًا؟» (٦). (د) أن يكونوا أحرارًا، فلا تقبل شهادة العبيد (!!). (هـ) أن يكونوا عدولًا، فلا تقبل شهادة الفاسق، قال الله تعالى: ﴿وأشهدوا

стр. 1554

ذوي عدل منكم﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ (٢). (و) أن يكونوا مسلمين: فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم بالزنا اتفاقًا، وكذلك لا تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض بالزنا عند الجمهور، وذهب جماعة من السلف إلى قبول شهادة الكفارة بعضهم على بعض، واستدلوا بما رُوي عن جابر: «أن اليهود جاءوا برجل وامرأة زنيا، ... ، فدعا رسول الله ﷺ بالشهود، فجاءوا بأربعة، فشهدوا بأنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فأمر رسول الله ﷺ برجمهما» (٣) وهو ضعيف، ثم قد أجاب الحافظ بأن النبي ﷺ إنما رجم اليهوديين بوحي، وألزمهم الحجة بينهم، كما قال تعالى: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ (٤). وقيل: رجمهما باعترافهما. (ز) أن يعاينوا الزنا ويصرّحوا بحصوله: فيقولوا: رأينا ذكره في فرجها، كالمرود في المكحلة، والرشاء في البئر، وقد تقدم أن عمر قال لزياد: «هل رأيت المرود في المكحلة؟» قال: لا، فأمر بجلد الثلاثة الذين شهدوا بالزنا (٥). وفي حديث ماعز، قال له النبي ﷺ : «لعلك قبَّلت أو غمزت أو نظرت؟!» قال: لا يا رسول الله، قال: لا يا رسول الله، قال: «أنكتها» - لا يكنى - قال: نعم، فأمر برجمه (٦). وفي لفظ لأبي داود - بسند ضعيف - قال ﷺ «أنكتها؟» قال: نعم، قال: «حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟» قال: نعم، قال: «كما يغيب الميل في المكحلة والرِّشاء في البئر؟» قال: نعم ... الحديث (٧). (ح) وهل يشترط اتحاد المجلس؟ (٨) ذهب الجمهور - خلافًا للشافعية - إلى أنه لابد أن يكون الشهود مجتمعين في

стр. 1555

مجلس واحد عند أداء الشهادة، فإن جاءوا متفرقين يشهدون واحدًا بعد الآخر، لم تقبل شهادتهم، ويُحدُّون حدَّ القذف، وإن كثروا (!!). وذهب الشافعية والظاهرية وابن المنذر إلى أنه لا يشترط، وتقبل شهادتهم مجتمعين ومتفرقين، لقوله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء﴾ (١). ولم يذكر المجالس. قلت: وهو الأظهر، فإن إبطال شهادة أربعة بدعوى عدم اتحاد المجلس، ففيه إبطال لشهادة - نصَّ الله على قبولها - بغير دليل. (ط) وهل يشترط عدم التقادم؟ (٢): ذهب الحنفية إلى اشتراط عدم التقادم في البيِّنة، وهو رواية عن أحمد، فإذا شهدوا على زنى قديم لم يجب الحدُّ، قالوا: لأنهم لما لم يشهدوا فور المعاينة دلَّ ذلك على اختيارهم جهة الستر على المسلمين، فإذا شهدوا بعد ذلك دلَّ على أن الضغينة حملتهم على ذلك، فلا تُقبل شهادتهم، لما رُوي عن عمر ﵁ أنه قال: «أيما قوم شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرته، فإنما شهدوا عن ضغن، ولا شهادة لهم» ولم ينقل أن أحدًا أنكر عليه، قالوا: فكان إجماعًا (!!)، ولأن التأخير - والحالة هذه - يورث تهمة، ولا شهادة للمتهم. وذهب الجمهور إلى أن الشهود لو شهدوا بزنا قديم، وجب الحدُّ، لعموم الآية، ولأن التأخير يجوز أن يكون لعذر أو غَيْبة، والحد لا يسقط بمطلق الاحتمال، ولو سقط بكل احتمال لم يجب حدٌّ أصلًا. عُقوبة الزاني: الزاني على قسمين: إما أن يكون مُحصنًا، أو غير محصن (بِكْرًا)، ولكل منهما عقوبة خاصة به. تعريف المُحْصِن: المحصن هو: الثِّيب الذي تتوفر فيه الشروط الآتية (٣):

стр. 1556

١ - التكليف: وهو البلوغ والعقل. ٢ - الحُرَّية: فلو زنى العبد أو الأمة، لم يكونا محصنين، لقوله تعالى - في الإماء -: ﴿فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ (١). والرجم الذي هو حدُّ المحصنة لا ينتصف. ولذا صح عن عليٍّ ﵁ أنه خطب فقال: «يا أيها الناس، أقيموا على أرقائكم الحدّ، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمةً لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها فإذا هي حديث عهد بنفاس ... الحديث» (٢) وقد تقدم، وهو مشعر بأنها كانت محصنة فأمر بجلدها. ٣ - أن يكون وجد الوطء (الجماع) في نكاح صحيح ولو مرة واحدة: وهل يشترط في المحصن الإسلام؟ بمعنى إذا تزوَّج المسلم ذمية فوطئها، هل يصيران محصنين؟ وهل يحصن الذميُّ الذمية؟ للعلماء في هذا قولان: أصحهما ما ذهب إليه الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين (٣) أنهما يكونان محصنين؛ لأن النبي ﷺ أُتي برجل وامرأة من اليهود زنيا، فرجمهما (٤). تنبيه: المرأة الحرَّة (الزوجة) هي التي تحصن الرجل، ولا تحصنه الأمَةُ المملوكة (٥). (ا) عقوبة الزاني غير المحصن (البكر): اتفق أهل العلم على أن البكر إذا زنى وجب عليه الحد، وهو: أن يُجلد مائة جلدة، لقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ (٦). ثم اختلفوا هل يُزاد على هذه العقوبة غير الجلد؟ على ثلاثة أقوال (٧):

стр. 1557

الأول: أنه يجب مع الجلد تغريب (نفي عن البلد) لمدة سنة: وهو مأثور عن الخلفاء الراشدين الأربعة، وبه قال عطاء وطاوس والثوري وابن أبي ليلى وإسحاق وأبو ثور، وهو مذهب الشافعي وأحمد وابن حزم، واستدلوا بما يلي: ١ - حديث عادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خذوا عنِّي، خذوا عنِّي، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة، ونفيُ سنة ...» (١). ٢ - وفي حديث أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄: أن النبي ﷺ قال للرجل الذي زنى ولدُه: «أما والذي نفسي بيده، لأقضينَّ بينكما بكتاب الله ...» وجَلَد ابنه وغرَّبه عامًا (٢). قالوا: وهذا عام في كل بكرٍ سواء كان رجلًا أو امرأة. الثاني: يُغرَّب الرجل دون المرأة، وهو مذهب مالك والأوزاعي، واستدلوا بقوله ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرةً يوم وليلة إلا مع ذي محرم» (٣) قالوا: وتغريبها بغير محرم إغراء لها بالفجور وتضييع لها، وإن غُرِّبت بِمَحْرمَ أفضى إلى تغريب من ليس بزان، ونفي لمن لا ذنب له. الثالث: لا يجب التغريب مع الجلد أصلًا إلا تعزيرًا إذا رأى الحاكم، وهو قول الحسن وغيره، ورأوا أن قول النبي ﷺ : «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ...» (٤) ناسخًا للتغريب!! وردَّ ابن حزم هذا الاستدلال فقال ﵀: «هذا الخبر من رسول الله ﷺ خبر مجمل أحال فيه رسول الله ﷺ على غيره من الأخبار، فلم يذكر نفيًا ولا عددًا لجلد، فإن كان دليلًا على إسقاط التغريب، فهو دليل أيضًا على إسقاط عدد الجلدات، وإن لم يكن دليلًا على إسقاط عدد الجلدات لأنه لم يذكر فيه، فليس أيضًا دليلًا على نسخ النفي، وإن لم يذكر فيه، والواجب ضمُّ الأخبار بعضها إلى بعض، واستعمالها جميعًا» اهـ. قلت: الراجح أن حدَّ الزاني البكر (غير المحصن): جلد مائة جلدة ونفي سنة، سواء في ذلك الرجل والمرأة ويؤيده ما ثبت في بعض روايات حديث عبادة:

стр. 1558

«... والبكر بالبكر جلد مائة، وينفيان عامًا» فقوله (ينفيان) صريح في نفي المرأة كالرجل فإن قيل: في نفي المرأة تضييع لها، قلنا: إن إمام المسلمين يوفِّر لها مكانًا آمنًا تنفى إليه، ولا تحتاج إلى أن ينفي محرمها معها!! والله أعلم. فائدة: صفة الجلد: قال القرطبي ﵀: «أجمع العلماء على أن الجلد بالسوط يجب، والسوط الذي يجب أن يجلد به يكون سوطًا بين سوطين، لا شديدًا ولا لينًا» ونقل عن الجمهور قولهم: الضرب الذي يجب هو أن يكون مؤلمًا لا يجرح ولا يَبْضَع، ولا يخرج الضارب يده من تحت إبطه. (٢) عقوبة الزاني المحصن (الثيِّب): لا خلاف بين أهل العلم من الصحابة والسلف والأئمة المشهورين - إلا شرذمة من الخوارج وبعض المعتزلة - أن المحصن إذا زنى، فإنه يُرجم بالحجارة حتى الموت: ١ - فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيِّب بالثيِّب جلد مائة والرجم» (١). ٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : «إن الله قد بعث محمدًا بالحق وأنزل الكتاب، فكان مما أُنزل عليه آية الرجم قرآنًا ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما تجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف» (٢). وهو يدل على أن آية الرجم كانت في القرآن ثم نسخت قراءتها وبقي حكمها، ويؤيده. ٣ - حديث أُبيِّ بن كعب ﵁ قال: «كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، فكان فيها: الشيخ والشيخة إذا زنا فارجموهما البتة» (٣).

стр. 1559

٤ - ولذا قال النبي ﷺ للرجل الذي زنى ابنه بزوجة الآخر: «والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله جل ذكره، المائة شاة والخادم ردٌّ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغُدُ يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» فغدا عليها فاعترفت فرجمها (١). ٥ - وقد رجم النبي ﷺ ماعزًا والغامدية والجهنية واليهوديين: (أ) فعن جابر بن سمرة ﵁ قال: «رأيت ماعز بن مالك حين جيء به إلى النبي ﷺ رجل قصير أعضل ليس عليه رداء، فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى، فقال رسول الله ﷺ : «فلعلَّك»؟ قال: لا، والله إنه قد زنى الآخر (٢)، قال: فرجمه ... الحديث» (٣). وقد ثبت رجم ماعز كذلك من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وبريدة وغيرهم. (ب) وعن عمران بن حصين ﵄ أن امرأة من جهينة أتت نبي الله ﷺ وهي حُبلى من الزنى، فقالت: يا نبي الله، أصبتُ حدًّا عليَّ، فدعا نبي الله وليها، فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فائتني بها» ففعل، فأمر بها نبي الله ﷺ فشكت عليها ثيابها (٤)، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلَّى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟!» (٥). (ر) وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أُتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله ﷺ حتى جاء يهود، فقال: «ما تجدون في التوراة على من زنى؟» قالوا: نُسوِّد ونحملهما، ونخالف بين وجوههما، ويطاف بهما، قال: «فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين» فجاءوا بها فقرءوها، حتى إذا مروا بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له

стр. 1560

عبد الله بن سلام، وهو مع رسول الله ﷺ : مُرْهُ فليرفع يده، فرفعها، فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرُجما، قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه (١). هل يُجلدُ قبل الرَّجمُ؟ بعد الاتفاق على وجوب الرجم للزاني المحصن، اختلف العلماء في حكم الجمع بين الجلد والرجم على ثلاثة أقوال (٢): الأول: يُجلد قبل الرجم، وهو رواية عن أحمد وبه قال الظاهرية لما يأتي: ١ - حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «... والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» (٣). ٢ - قضاء علي بن أبي طالب ﵁ في شراحة الهمدانية فإنه: «جلدها يوم الخميس مائة جلدة، ورجمها يوم الجمعة ...» وقال: «جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ ». قالوا: فتوارد على الجمع بين الجلد والرجم قولُ النبي ﷺ وقضاءُ عليٍّ فوجب العمل بذلك. الثاني: يُرجم فقط، ولا جلد عليه: وهو مذهب الجمهور: أبي حنيفة ومالك والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، واستدلوا بما يلي: ١ - أن الذين رجمهم النبي ﷺ كماعز والغامدية واليهوديين، لم يأت في رواية أنه جلد واحدًا منهم، وإقامة الحد أمر يشتهر بين الناس، فلو كان شيء من ذلك لنقل إلينا كما نقل الرجم ولو في رواية واحد منهم، فإن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم يكن شيء من ذلك علمنا أن النبي ﷺ لم يجمع لأحد بين الجلد والرجم، فلا يجمع بينهما إذًا. واعتبروا حديث عبادة منسوخًا، قال الشافعي ﵀: «فدلَّت السنة على أن الجلد ثابت على البكر، وساقط على الثيب، والدليل على أن قصة ماعز

стр. 1561

متراخية عن حديث عبادة أن حديث عبادة ناسخ لما شرع أولًا من حبس الزاني في البيوت، فنسخ الحبس بالجلد، وزيد الثيب الرجم، وذلك صريح في حديث عبادة، ثم نسخ الجلد في حق الثيب، وذلك مأخوذ من الاقتصار في قصة ماعز على الرجم، وذلك في قصة الغامدية والجهنية واليهوديين، لم يذكر الجلد مع الرجم ...» اهـ. ٢ - حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في قوله ﷺ : «... واغْدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» فغدا عليها فاعترفت فرجمها، وقد قال قبل ذلك: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله» (١). فدلَّ الربط بين الشرط وجزائه على أن الجزاء اعترافها هو الرجم وحده، وأن ذلك قضاء بكتاب الله، وهو متأخر عن حديث عبادة بلا شك، فكان ناسخًا له. ٣ - أن هذا مؤيَّد بقضاء عمر بن الخطاب ﵁، فقد: «رجم رجلًا في الزنى ولم يجلده» (٢). وهو ﵁ قد شهد التنزيل وأدرك قضاء النبي ﷺ في الذين رُجموا. ٤ - أن الحدَّ الأصغر ينطوي في الحدِّ الأكبر، وذلك إنما وضع للزجر، فلا تأثير للزجر بالضرب مع الرجم. الثالث: يُجمع بين الجلد والرَّجم في رجم الشيخ والشيخة دون الشباب: وبه قال أُبيُّ بن كعب ومسروق، واستدلاَّ بالآية المنسوخ تلاوتها «والشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما البتة» فقد ورد بلفظ الشيخ، ففهم هؤلاء من تخصيص الشيخ بذلك أن الشاب أعذر منه في الجملة. قلت: الأظهر قول الجمهور بأن الزاني المحصن يُرجم حتى الموت، ولا يُجلد، لما تقدم من أدلة هذا المذهب، ويتأيد هذا - كذلك - بأمرين (٣). ١ - أن جميع الروايات المذكورة المقتضية لنسخ الجمع بين الجلد والرَّجم، على أدنى الاحتمالات لا تقل عن شبهة، والحدود تُدرأ بالشبهات، فيُدرأ حدُّ الجلد هنا لذلك.

стр. 1562

٢ - أن الخطأ في ترك عقوبة لازمة، أهون من الخطأ في إيقاع عقوبة غير لازمة، وقد تقدم نحو هذا عن عمر وعائشة ﵂ عند الكلام على إسقاط الحد بالشبهة، والله تعالى أعلم. فائدة: يقام حدُّ الزنى على الكافر كالمسلم سواء، لحديث ابن عمر المتقدم في رجم النبي ﷺ لليهوديين، وهذا أصح قولي العلماء، وفي المسألة خلاف راجع إلى الخلاف في: «هل من شرط الإحصان الإسلام؟» وقد تقدم الإشارة إليه. عقوبة من زنى بإحدى محارمه: اتفق المسلمون على أن من زنى بذات محرمه فعليه الحد، وإنما اختلفوا صفة الحدِّ على قولين (١): الأول: حدُّه حدُّ الزنى بغير محرمه ولا فرق: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. الثاني: حدُّه القتل بكل حال: وهو مذهب أحمد وإسحاق وجماعة من أهل الحديث، واستدلوا: بحديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «من وقع على ذات محرمه فاقتلوه» (٢). قالوا: وهو أخصُّ مما ورد في الزنى، وهو حكم عام من غير استفصال - والمقام يقتضي التفصيل - فدلَّ على عدم التفريق بين المحصن وغيره، وأنه يقتل على كل حال. قلت: الحديث ضعيف، لكن ربما يتأيَّد القول الثاني، بحديث البراء ﵁ قال «مرَّ بي عمي الحارث بن عمرو، ومعه لواء عقده له النبي ﷺ ، فقلت له: أي عم، أين بعثك النبي ﷺ ؟ قال: بعثني إلى رجل تزوَّج امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه» (٣). زاد في بعض الروايات: «... وآخذ ماله».

стр. 1563

قال ابن القيم ﵀ (١) -: «وكذلك اتفقوا كلهم على أنه لو أصابها [يعني: محرمه] باسم النكاح عالمًا بالتحريم أنه يُحدُّ، إلا أبا حنيفة وحده، فإنه رأى في ذلك شبهة مسقطة للحدِّ» اهـ. اعتراضُ على عقوبة الزنا، وردُّه (٢): تختلف عقوبة الزنا باختلاف حال الزاني، فالجلد والتغريب عقوبة الزاني البكر، والرجم عقوبة الزاني المحصن. وعلى أي من الحالين فقد أورده نفاة المعاني والقياس اعتراضًا على عقوبة الزنا، فقالوا: هذا تفريق في الشرع بين المتماثلات، فكيف يعاقب الشارع السارق بقطع يده، ويترك معاقبة الزاني بقطع فرجه والفرج هو العضو الذي باشر فيه معصية الزنا كما أن اليد هي الآلة التي باشر فيها معصية السرقة. وقد ناقش ابن القيم - رحمه الله تعالى - هذا الاعتراض، وأتى عليه بالنقض والرد له من وجوه متعددة مبينًا أن هذا من أفسد القياس وأبطله، وأن عين الحكمة والكمال: هي فيما رتبه الشارع على كلّ جريمة بما يناسبها من عقاب. ونستطيع أن نستخلص وجوه الرد والتعقب لهذا الاعتراض فيما يلي: ١ - أن الفرج عضو خفي مستور لا تراه العيون فلا يحصل بقطعه مقصود الشارع بالحد من الزجر والردع للغير، وهذا بخلاف السارق بقطع يده. ٢ - أن في قطع العضو التناسلي قطع النسل وتعريض للهلاك وقضاء على النوع الإنساني وهذا بخلاف قطع يد السارق. ٣ - أن لذة الزنا سرت في جميع البدن كلذة العضو المخصوص فكان الأحسن أن تعم العقوبة جميع البدن الذي نالته اللذة المحرمة. ٤ - أن السارق إذا قطعت يده بقيت له يد أخرى تعوض عنها بخلاف الفرج فإنه إذا قطع لم يبق له ما يقوم مقامه لتتميم مصالحه بتنمية النوع الإنساني. ٥ - أن قطع العضو التناسلي مفض إلى الهلاك، وغير المحصن لا تستوجب جريمة الهلاك، والمحصن يناسب جريمته أشنع القتلات، ولا يناسبها قطع بعض أعضائه. فافترقا.

стр. 1564

لهذه الوجوه ولغيرها من أسرار التشريع - التي أبدى ابن القيم - رحمه الله تعالى الكثير منها - يتبين للمنصف أن عقوبات الشارع جاءت على أتم الوجوه وأقومها بالمصالح وأوفقها للعقل كما في عقوبة الزنا، وأن الشارع لم يفرق بين متماثلين قط، كما أنه لم يجمع بين ضدين أبدًا، بل وضع كلّ حكم موضعه المناسب له ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا. وهذه الوجوه قد أبداها ابن القيم - رحمه الله تعالى - مختصرة ومبسوطة، فيحسن بنا بعد هذا السياق ذكر كلامه الشامل في ذلك إذ يقول: (وأما معاقبة السارق بقطع يده وترك معاقبة الزاني بقطع فرجه ففي غاية الحكمة والمصلحة وليس في حكمة الله ومصلحة خلقه وعنايته ورحمته بهم أن يتلف على كل جان كلّ عضو عصاه به فيشرع قلع عين من نظر إلى محرم، وقطع أذن من استمع إليه، ولسان من تكلم به، ويد من لطم غيره عدوانًا، ولا خفاء بما في هذا من الإسراف والتجاوز في العقوبة وقلب مراتبها. وأسماء الرّب الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة تأبى ذلك وليس مقصود الشارع مجرد الأمن من المعاودة ليس إلا، ولو أريد هذا لكان قتل صاحب الجريمة فقط، وإنما المقصود الزجر والنكال والعقوبة على الجريمة، وأن يكون إلى كف عدوانه أقرب، وأن يعتبر به غيره وأن يحدث له ما يذوقه من الألم توبة نصوحًا، وأن يذكره ذلك بعقوبة الآخرة. إلى غير ذلك من الحكم والمصالح. خصائص حَدِّ الزنا (١): خصَّ الله سبحانه حدَّ الزنا من بين الحدود بثلاث خصائص، وهي: الأولى: تغليظ العقوبة: فالقتل عقاب مشترك بين عدد من الجرائم، لكن كونه رجمًا بالحجارة حتى تزهق النفس فليس هذا إلا في عقوبة الزنا للمحصنين، وهذا أشنع القتلات. والجلد عقوبة مشتركة بين جملة من الحدود، لكن عقوبة الزاني البكر - وإن كانت بالجلد - إلا أنها تخالف غيرها من ناحيتين: أولاهما: أن الجلد مائة جلدة، وليس في الحدود ما يبلغ هذا حدًّا، والثانية: أن من تمام الحد التغريب، ولا يكون التغريب عقوبة حدية في غير حد الزاني البكر، والله أعلم.

стр. 1565

الثانية: التنصيص على نهي العباد عن أن تأخذهم رأفة بالزناة: قال الله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ (١). فنهى الله تعالى عباده أن تأخذهم رأفة في دينه، بحيث تمنعهم من إقامة الحدِّ عليهم، فإنه سبحانه من رأفته ورحمته بهم شرع هذه العقوبة، فهو أرحكم بكم، ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة، فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره. الثالثة: أمره سبحانه يكون حدهما بمشهد من المؤمنين: فلا يكون في خلو بحيث لا يراهما أحد، وذلك أبلغ في مصلحة الحد وحكمة الزجر، قال تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ (٢). اللِّواط تعريفه: اللواط لغةً: مصدر لاط، يقال: لاط الرجل ولاط، أي عمل عملَ قوم لوط، إذ يعمل هذه الجريمة أحد من العالمين قبل قوم لوط، كما قال تعالى: ﴿أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ (٣). واللواط اصطلاحًا: إيلاج ذكر في دُبر ذكر [أو أنثى]. حُكم اللواط (٤): أجمع أهل العلم على تحريم اللواط، وأنه من أغلظ الفواحش، وقد ذكر الله سبحانه عقوبة اللوطية وما حلَّ بهم من البلاء في عشر سور من القرآن الكريم، وجمع على القوم بين عمى الأبصار، وخسف الديار، والقذف بالأحجار، ودخول النار، فمن ذلك:

стр. 1566

١ - قوله تعالى: ﴿أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون﴾ (١). ٢ - قوله سبحانه: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل﴾ (٢). ٣ - وقوله : ﴿فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد﴾ (٣). ٤ - وقال محذِّرًا لمن عمل عملهم ما حلَّ بهم من العذاب الشديد: ﴿وما قوم لوط منكم ببعيد﴾ (٤). وأما السنة، فقد ورد اللواط فيها من وجهين: ١ - وعيد فاعله، لقوله ﷺ : «لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط». ٢ - بيان عقوبته، كقوله ﷺ : «اقتلوا الفاعل والمفعول به» (٥). وأما قضاءً، فلم يقضِ فيه النبي ﷺ بشيء؛ لأن العرب لم تكن تعرفه، ولم يرفع إليه ﷺ فيه شيء. عقوبة اللِّواط (٦): للفقهاء ﵏ في عقوبة اللواط اتجاهان: الاتجاه الأول: لا حدَّ فيه، وإنما يعزَّز فاعله بضرب أو سجن (!!). وهو مذهب أبي حنيفة وابن حزم، وحجتهم في هذا ما يلي:

стр. 1567

١ - أنه لم يرد في الشرع للواط عقوبة مقدَّرة (!!) فصار فيه التعزيز، ليكف ضرره عن الناس فقط بما لا يستباح به دمه. وتُعقِّب: بأنه قد ثبت في السنة حدٌّ معين للِواط وهو القتل - كما سيأتي - وقد ذكر شيخ الإسلام وغيره إجماع الصحابة على قتل فاعله، وإنما اختلفوا في كيفية قتله على ما يأتي، ولذا قال ابن قدامة ﵀: «وقول من أسقط الحد عنه (أي: عن اللوطي) يخالف النصَّ والإجماع» اهـ. ٢ - أن التلوُّط: وطء محل لا تشتهيه الطباع، والمعصية إذا كان الوازع عنها طبيعيًّا اكتفى بالوازع عن الحد، كما في وطء الأتان والميتة والبهيمة (!!) ونحو ذلك. وتعقب: بأن هذا قياس في مقابلة النصّ وإجماع الصحابة فهو فاسد الاعتبار، ثم هو منقوص بوطء الأم والأخت والبنت، فإن النفرة الطبيعية حاصلة مع أن الحد فيه أغلظ الحدود كما تقدم، ثم كيف يقاس وطء الأمرد الجميل - الذي فتنته تربوا على كل فتنة - على وطء أتان أو امرأة ميتة، فهذا عن أفسد القياس. فائدة: هذا، على أن أصحاب أبي حنيفة صرحوا أنه إذا أكثر منه اللوطي فللإمام أن يقتله تعزيرًا (!!). الاتجاه الثاني: أن عليه الحدَّ: وعليه جمهور العلماء، ولكنهم اختلفوا في نوعية الحد، وصفة تطبيقه على قولين: القول الأول: يُحدُّ حدَّ الزنا فيفرق بين المحصن وغيره: وهو مذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وصاحبا أبي حنيفة والثوري والأوزاعي، وبه قال ابن المسيب وعطاء والحسن وقتادة والنخعي واحتجوا بما يلي: ١ - ما يُروى عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتى الرجلُ الرجلَ فهما زانيان» (١) لكنه ضعيف لا يُحتج به. ٢ - قياس اللواط على الزنا بجامع أن كلًّا منهما إيلاج فرج محرَّم في فرج محرم شرعًا، مشتهى طبعًا، فيكون حكمه حكم حد الزنا. وتعقِّب: بأن القياس لا يكون في الحدود - على الأصحِّ - لأن الحدود تدرأ بالشبهة، وعلى فرض جواز القياس فيها - كما يقول الأكثرون!! - فيُجاب (٢) بأن

стр. 1568

الأدلة الواردة بقتل الفاعل والمفعول به مطلقًا مُخصِّصة لعموم أدلة الزنا الفارقة بين البكر والثيب على فرض شمولها للوطي ومبطلة للقياس المذكور على فرض عدم الشمول؛ لأنه يصير فاسد الاعتبار كما تقرر في الأصول. القول الثاني: يُقتل حدًّا على كل حال محصنًا كان أو غير محصن: وهو مذهب مالك وإسحاق وأحمد - في أصحِّ الروايتين - والشافعي - في أحد قوليه - وصاحبا أبي حنيفة، وبه قال أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وخالد بن الوليد وعبد الله بن الزبير وابن عباس وطائفة من السلف، وحجتهم: ١ - حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من وجدتموه يعمل عمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (١) وليس فيه تفصيل لمن أحصن أو لم يحصن فدلَّ بعمومه على قتله مطلقًا. ٢ - أنه إجماع الصحابة ﵃، فإنهم أجمعوا على قتله، وإنما اختلفوا في صفته. ٣ - مطابقة هذا القول لقاعدة الشريعة المُطَّردة من تغليظ العقوبات كلما تغلظت المحرمات، ووطء من لا يباح بحال أعظم حُرمًا من وطء من يباح في بعض الأحوال، فيكون حدُّه أغلظ. كيفية قتل اللوطي: والذي يترجح أن اللوطى يُقتل على كل حال سواء كان محصنًا أو غير محصن، والمُختار أن يُقتل بالرجم كما رآه الجمهور، وذلك لما يأتي: ١ - أن الله تعالى سمَّى اللواط فاحشة فقال تعالى: ﴿ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ (٢). وسمَّى سبحانه الزنا فاحشة فقال : ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ (٣). فيكون الحدُّ في اللواط كالزنا بجامع ما بينهما من الوصف المشترك، غير أنه في اللواط: القتل رجمًا في جميع الأحوال بالنص.

стр. 1569

٢ - أن الله تعالى عاقب قوم لوط بالرجم قال سبحانه ﴿وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود﴾ (١). وهذا قول عمر وعلي وابن عباس وجماعة من الصحابة ﵃، وهناك ثلاثة آراء أخرى للصحابة ﵃ في كيفية قتل اللوطي، وهي: (أ) الرمي من أعلى بناء في البلد ثم إتباعه بالحجارة: وهو مروي عن ابن عباس وأبي بكر ﵄، والظاهر لي أن مستنده التشبيه بما فُعل بقوم لوط، قال تعالى: ﴿جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود﴾ (٢). (ب) أن يُلقى عليه حائط: وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي ﵃. (جـ) إحراق اللوطى بالنار: وهو قول أبي بكر وعليٍّ وابن الزبير ﵃. قلت: والمُختار أن يُقتل رجمًا كما تقدم، على أن هذه الكيفيات جميعًا يشملها عموم الأمر بالقتل، وقد فعلها الصحابة ﵃، «وما أحق مرتكب هذه الجريمة ومقارب هذه الرذيلة الذميمة بأن يُعاقب عقوبة بصير بها عبرة للمعتبرين، ويُعذَّب تعذيبًا يكسر شهوة الفسقة المتمردين، فحقيق بمن أتى فاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين أن يصلي من العقوبة بما يكون في الشدة والشناعة مشابهًا لعقوبتهم، وقد خسف الله تعالى بهم، واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيِّبهم» اهـ (٣). والله أعلم. فائدة: إنما يُقتل الفاعل والمفعول به إذا كانا بالغين، فإن أحدهما غير بالغ عُوقب بما دون القتل (٤). عقوبة من وطئ البهيمة (٥): اختلف أهل العلم في عقوبة من وطئ بهيمة، على ثلاثة أقوال: الأول: يُقتل كما يُقتل اللُّوطي (يُقتل بكل حال): وقول للشافعي - وعلَّق القول على صحة الحديث فيه - ورواية عن أحمد، وإليه جنح ابن القيم، لحديث

стр. 1570

ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من أتى بهيمة فاقتلوه، واقتلوها معه» (١) قالوا: ولأنه وطء لا يُباح بحال، فكان فيه القتل كحد اللوطى. الثاني: حدُّه حدُّ الزنا، فيفرق بين المحصن وغيره، وهو قول الحسن البصري، ودليله القياس على الزنا بجامع أن كلًا منهما وطء في فرج محرم ليس له فيه شبهة، وقد تقدم ما فيه من نظر، في حد اللواط. الثالث: يُعزَّر فقط، ولا حدَّ عليه، وهو مذهب الجمهور منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي - في أحد أقواله - وأحمد في إحدى الروايتين، وإسحاق والشعبي والنخعي، ودليلهم أن الحديث في قتله ضعيف - عندهم - والعقوبات المقدرة لابد فيها من دليل مثبت ولا دليل هنا ثابت، فلا حدَّ إذًا. قلت: مدار الحكم هنا على ثبوت حديث ابن عباس المتقدم كما قال الشافعي ﵀ فمن صححه لزمه القول الأول، وإلا فالثالث، وقد صحَّح الحديث: الذهبي، والشوكاني، والألباني، ومال إلى صحته البيهقي، وسكت عنه الحافظ في «التلخيص» فهو حسن عنده. وضعَّفه أحمد وأبو داود والطحاوي، وغيرهم (٢). تساحُق النساء (٣): السحاق: مساحقة المرأتين، أي تدالكهما، واستمتاع كل واحدة منهما بالأخرى، وهو حرام بالاتفاق، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يُفضى الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد» (٤). وقد اختُلف في عقوبته، فذهب مالك ﵀ إلى أنه يجب الحدُّ - مائة جلدة - على كل من المرأتين، واحتج بما يُروى مرفوعًا: «إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان» (٥) لكنه حديث ضعيف، ولذا ذهب الجمهور إلى أن السحاق لا حدَّ فيه، وإنما تعزَّر المرأة بفعله، لأنه مباشرة بلا إيلاج فلا حد فيه، كما لو باشر الرجل المرأة دون إيلاج في الفرج، وهو الصحيح والله أعلم.

стр. 1571

(٢) حَدُّ القَذْفِ تعريف القذف (١): القذف لغةً: الرميُ مطلقًا، ومنه قوله تعالى: ﴿أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم﴾ (٢). وقد اختلفت كلمة الفقهاء في تعريف «القذف» الموجب للحد، على وجوه متقاربة، والتعريف الشامل أن يقال: «القذف: هو الرمي بوطءٍ، أو نفي نسب، موجب للحدِّ فيهما». حُكْمُه الشرعي: لا خلاف بين علماء الأمة في أن القذف مُحرَّم قطعًا، بل هو من الكبائر الموبقات. ١ - قال الله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبل لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون﴾ (٣). ٢ - وقال سبحانه: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾ (٤). ٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: وما هُنَّ يا رسول الله؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (٥). القذف باعتبار المقذوف نوعان: ١ - قذف الزوج لزوجته: فهذا نوع خاص من القذف ومحل بحثه في باب «اللعان» وقد تقدم مفصَّلًا في كتاب: «الفرق بين الزوجين». ٢ - قذف غير الزوجين: وهو موضوع بحثنا في هذا الباب.

стр. 1572

شروط حدِّ القذف: يتَّضح من التعريف السابق للقذف أن أركانه ثلاثة: قاذف، ومقذوف، ومقذوف به، وحتى يجب حدُّ القذف على القاذف لابد من توفر شروط متعلقة بكلٍّ من هذه الأركان: أولًا: شروط القاذف (١): يشترط في القاذف ليجب عليه الحد: ١ - أن يكون مكلَّفًا: أي بالغًا عاقلًا، فلا حدَّ على صبي ولا مجنون، لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق» (٢). لكن الصبي والمجنون قد يُعزَّران بحسب حالتهما. ٢ - أن يكون مختارًا: فلا حدَّ على مُكْرَهٍ، لقوله ﷺ : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٣). وهذان الشرطان اتفق على اعتبارهما الفقهاء، سواء في ذلك الذكر والأنثى، والحر والعبد، والمسلم وغير المسلم. وهناك شروط أخرى اختلف الفقهاء في اعتبارها لإيجاب الحد على القاذف، ومن ذلك: ٣ - العلم بالتحريم: وهو شرط عند الشافعية، واحتمال عند الحنفية، فلا حدَّ على جاهل التحريم، لقرب عهده بالإسلام، أو بعده من العلماء. قلت: وأصول الشريعة تقضي باعتبار هذا الشرط، وقد تقدم نحوه في «حد الزنا». ٤ - عدم إذن المقذوف: وهو شرط عند الشافعية، فلا حدَّ على من قذف غيره بإذنه، كما نقله الرافعي عن الأكثرين!!

стр. 1573

٥ - أن يكون القاذف غير أصل للمقذوف: فلو قذف الأبُ ابْنَه فلا حدَّ عليه عند الجمهور: أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأصحابهم، وإسحاق، وهو المذهب عند المالكية، واستدلوا بما يلي: (أ) قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾ (١). (ب) قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ (٢) قالوا: فليس من البر ولا من الإحسان ولا من خفض الجناح ضرب الولد لأبيه في القذف (!!). وأجاب المخالفون: بأن هذا كلام خاطئ؛ لأن من الإحسان والبر لهما إقامة الحدِّ عليهما؛ لأن الحدَّ حكمُ الله تعالى الذي لولاه لم يجب برُّهما فسقط تعلُّقهم بالآية. (جـ) قياس إسقاط حد القذف عن الولد، على إسقاط القصاص عنه في القتل إذ لا يقاد والدٌ بولده، وإهدار جنايته على نفس الولد توجب إهدارها في عرضه بطريق أولى، وكذلك إسقاط حد السرقة عنه إن سرق ولَدَه. وأجاب المخالفون: بأن هذا قياس باطل على باطل (!!) حيث إن القول بإسقاط القصاص عن الوالد إذا قتل ابنه أو عدم القطع إذا سرقه ليس له حجة ولا أوجبه نصٌ (!!) ولا إجماع، بل الحدود والقود واجبان على الأب للولد. قلت: في هذا الكلام نظر، والنصوص فيه ثابتةً كما سيأتي تحريره في موضعه - إن شاء الله. وذهب عمر بن عبد العزيز ومالك - وهو قول عند المالكية - والأوزاعي وداود وابن حزم وسائر أهل الظاهر إلى أن الأب يُحدُّ بقذف ابنه، واحتجوا بما يلي (٣): (أ) عموم قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ (٤). قالوا: فلفظ المحصنات في الآية عام ولم يخصص أحدًا دون أحد، ولم يقل: (إلا الوالد لولده) ولو أن الله أراد تخصيص الأب بإسقاط الحد عنه لولده لبيَّن

стр. 1574

ذلك، ولما أهمله حتى يتفطَّن له من لا حجة في قوله، وقد قال تعالى: ﴿وما كان ربك نسيا﴾ (١). فصح بذلك أن الله تعالى لما عمم ولم يخصِّص أراد أن يحدَّ الوالد لولده، والولد لوالده وأجيب: بأن هذا العموم يخرج منه الولد على سبيل المعارضة بقوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ (٢) والمانع مقدم. (ب) قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ (٣). فأوجب الله تعالى القيام بالقسط والشهادة على الوالدين والأقربين كالأجنبيين فدخل في ذلك الحدود وغيرها. (جـ) ما رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «لا عفو عن الحدود ولا عن شيء منها بعد أن تبلغ الإمام، فإن إقامتها من السنة» (٤). قال ابن حزم: فهذا قول صاحب لا يعرف له مخالف، وهو حجة عندهم، وقد خالفوه هنا لأن عمر بن الخطاب ﵁ عمَّ جميع الحدود ولم يخصِّص. (ر) ولأنه حدٌّ هو حق لله فلا يمنع من إقامته قرابة الولادة كالزنا، وأجيب بأن الفرق بين القذف والزنا: أن حد الزنا خالص لحق الله تعالى لا حق للآدمي فيه، وحد القذف حق لآدمي، فلا يثبت للابن على أبيه، كالقصاص. ٦ - النطق: وهو شرط عند الحنفية، فلا حدَّ على الأخرس. ٧ - الإقامة في دار العدل: وهو شرط عند الحنفية، احترازًا عن المقيم في دار الحرب، وقد تقدم تحرير هذه المسألة في أول «كتاب الحدود» وترجيح أن الحدَّ لا يقام عليه في أرض الحرب، ولا يسقط عنه بالكلية، بل يؤخَّر حتى يرجع إلى أرض الإسلام. ٨ - التزام أحكام الإسلام: وهو شرط عند الشافعية، فلا حدَّ على حربي لعدم التزامه أحكام الإسلام (!!).

стр. 1575

ثانيًا: شروط المقذوف: (كون المقذوف محصنًا): يشترط في المقذوف - الذي يجب الحدُّ بقذفه من الرجال (١) والنساء - أن يكون محصنًا. وقد اختلف أهل العلم في شروط المقذوف بناء على اختلافهم في معنى «الإحصان» في قوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾ (٢). فمنهم من رأى أن «الإحصان» في القذف معناه: (البلوغ والعقل والحرية والإسلام والعفة عن الزنا) وهو قول جمهور الفقهاء، فجعلوا هذه الخمسة شروطًا للمقذوف. ومنهم من جعل «الإحصان» بمعنى «المنع» كما ورد في لغة العرب، فلم يجعل البلوغ ولا العقل ولا الحرية من شروط الإحصان، وهو قول ابن حزم، قال: «لأن الصغار والمجانين والعبيد محصونون بمنع الله تعالى لهم من الزنا، وبمنع أهليهم، وكذلك بعفَّتهم عن الزنا» (٣). قلت: ومن هنا يتبيَّن أن شروط المقذوف (شروط الإحصان) منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه. (أ) شرط متفق عليه: ١ - العفة عن الزنا: فيشترط أن يكون المقذوف عفيفًا عن الفاحشة التي رمى بها، سواء كان عفيفًا عن غيرها أم لا. (ب) شروط مختلف فيها: ٢ - الإسلام: فذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه يشترط في المقذوف أن

стр. 1576

يكون مسلمًا، وقالوا: لا حدَّ على من قذف كافرًا، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ...﴾ (١). وبما يُروى عن ابن عمر مرفوعًا «من أشرك بالله فليس بمحصن» (٢). بينما ذهب ابن حزم ﵀ إلى وجول الحد على من قذف محصنة من أهل الكتاب إذا كانت عفيفة. ٣، ٤ - العقل والبلوغ: اختلف العلماء فيمن قذف صغيرًا أو مجنونًا (٣)، فقال الجمهور: لا يجب عليه الحد، لأن ما رمى به الصغير والمجنون لو تحقق لم يجب به الحد، فلم يجب الحدُّ على القاذف، كما لو قذف عاقلًا بما دون الوطء. وقال مالك بجلد من قذف المجنون دون الصغير، لكنه قال في الصبيَّة التي يجامع مثلها: يحدُّ قاذفها، خصوصًا إذا كانت مراهقة، فإن الحدَّ بعلة إلحاق العار، ومثلها يلحقه. وأما ابن حزم فأوجب الحد على قاذف المجنون والصغير مطلقًا، وناقش الجمهور بما ملخصه: أن القاذف لا يخلو من ثلاثة: إما أن يكون صادقًا صحَّ صدقه فلا خلاف أنه لا حدَّ عليه، وإما أن يكون ممكنًا صدقه وممكنًا كذبه فيحدُّ بلا خلاف لإمكان كذبه فقط، ولو صح صدقه فلا حدَّ عليه، وإما أن يكون كاذبًا صحَّ كذبه [وأنتم تقولون أن من قذف المجنون أو الصغير قد تيقن كذبه] فالآن حقًّا طابت النفس بوجوب الحد عليه بيقين. ٥ - الحرية: اختلف العلماء فيمن قذف عبدًا أو أمة، هل يحدُّ أو لا؟ على قولين: فقال جماهير أهل العلم (منهم: النخعي والشعبي وعطاء والحسن والزهري والأوزاعي والثوري، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد)، لا حدَّ عليه، واحتجوا بما يلي:

стр. 1577

١ - حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من قذف مملوكه بالزنا يُقام عليه الحدُّ يوم القيامة إلا أن يكون كما قال» (١). قالوا: «لو وجب على السيد أن يُجلد في قذف عبده في الدنيا لذكره كما ذكره في الآخرة، وإنما خصَّ ذلك بالآخرة تمييزًا للأحرار من المملوكين، فأما في الآخرة فإن ملكهم يزول عنهم ويتكافئون في الحدود، ويقتص لكل منهم إلا أن يعفو، ولا مفاضلة حينئذٍ إلا بالتقوى» اهـ (٢). ٢ - ادِّعاء الإجماع على أن الحرَّ إذا قذف عبدًا لم يجب عليه الحد (!!) وفيه نظر فإنه منقوض بما صح عن نافع قال: «سئل ابن عمر عمن قذف أم ولد لآخر، فقال: يُضرب الحدُّ صاغرًا» (٣) وبه قال الحسن البصري وأهل الظاهر (٤). ٣ - أن العبد - وكذا الأمة - لا حرمة له (!!) قال ابن حزم: قولهم لا حرمة للعبد ولا للأمة فكلام سخيف، والمؤمن له حرمة عظيمة، ورب عبد جلف خير من خليفة قريش عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم﴾ (٥). والناس كلهم أولاد آدم لا تفاضل بينهم إلا بأخلاقهم وأديانهم، لا بأعراقهم ولا بأبدانهم. الحاصل: يتحصَّل مما تقدم أنه يشترط في المقذوف الذي يجب الحدُّ على قاذفه .. ثالثًا: شروط المقذوف به (صيغة القذف): القذف على ثلاثة أضربُ: صريح، وكناية، وتعريض. فاللفظ الذي يقصد به القذف إن لم يحتمل غيره فصريح، كأن يقول: «يا زاني» أو «يا زانية»، أو يقول عبارة تجري مجرى التصريح كنفي نسبه عنه. وإلا فإن فُهم منه القذف بوضعه فكناية، كقوله لامرأة: «لا تردِّين يد

стр. 1578

لامس»، وإلا فتعريض وهو الكلام الذي له وجهان ظاهر وباطن، فيقصد قائلُه الباطن ويُظهر إرادة الظاهر. ١ - القذف الصريح: من قذف غيره بصريح الزنا وجب عليه الحدُّ بشروطه باتفاق الفقهاء. ٢ - القذف الكنائي: وأما الكناية - كمن قال لامرأة: «لا تردِّين يد لامس» أو قال لها: «يا قحبة» ونحو ذلك مما يحتمل القذف وغيره - فللعلماء فيه قولان (١): الأول: يُحدُّ قائله إلا أنه إذا أنكر القذف صُدِّق بيمينه: وهو قول المالكية والشافعية، ويُعزَّرُ للإيذاء عند جمهور الشافعية، وقيَّده الماوردي بما إذا خرج اللفظ مخرج السبِّ والذم، فإن أبى أن يحلف حُبس عند المالكية، فإن طال حبسه ولم يحلف عُزِّر. وهؤلاء اختلفوا في بعض الألفاظ كم قال لامرأته: «يا فاجرة أو يا فاسقة أو يا خبيثة» ونحو ذلك وهل يقبل يمينه بأنه لم يرد بها القذف أو لا، على أوجه تراجع في كتب الفروع. الثاني: لا حدَّ عليه، وإنما الحدُّ على من صرَّح بالقذف فقط: وهو قول الحنفية والحنابلة، فلو قال: «يا قحبة أو يا فاجر» فلا حدَّ عليه عندهم لأنه لم ينسبه - أو ينسبها - إلى صريح الزنا، قالوا: والفجور قد يكون بالزنا وغير الزنا، فلا يكون قذفًا بصريح الزنا، فلو أوجبنا الحدَّ، أوجبناه بالقياس، ولا مدخل للقياس في الحد، لكن عليه التعزير لارتكابه حرامًا، وليس فيه حدٌّ مقدَّر، ولأنه ألحق به نوع شَيْن بما نسبه إليه، فيجب التعزير لدفع ذلك الشين عنه. ٣ - التعريض بالقذف: وأما التعريض بالقذف - كأن يقول لصاحبه في مقام الخصام والتنازع: «ما أنا بزانٍ، وأمي ليست بزانية!!» - فقد اختلف الفقهاء في وجوب الحدِّ به على قولين (٢):

стр. 1579

الأول: لا حدَّ في التعريض بالقذف: وهو قول الجمهور منهم الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وابن حزم واحتجوا بما يلي: ١ - حديث أبي هريرة قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال: «هل لك من إبل؟»، قال: نعم، قال: «ما لونها؟» قال: حُمْر، قال: «فيها من أوراق؟» قال: نعم، قال: «فأنَّى كان ذلك»؟ قال: أراه عرق نزعه، قال: «فلعلَّ ابنك هذا نزعه عرق» (١). قالوا: لما كان قول الأعرابي محتملًا لغير القذف لم يحكم النبي ﷺ فيه بحكم القذف، فدلَّ على أنه لا حدَّ في التعريض بالقذف. واعترض ابن القيم على هذا الاستدلال بأن قول الأعرابي (إن امرأتي ولدت غلامًا أسود) (٢) ليس فيه ما يدل على القذف ولا صريحًا ولا كناية وإنما أخبره بالواقع مستفتيًا عن كم هذا الولد، أيستلحقه مع مخالفة لونه للونه أم ينفيه؟ فأفتاه النبي ﷺ وقرَّب له الحكم بالشبه الذي ذكره ليكون أذعن لقبوله وانشراح صدره له، فأين في هذا ما يبطل حدَّ القذف؟!!. ٢ - أن أحكام الشرع مضت في الحدود وغيرها على ما يظهره العباد، والله تعالى يُدين بالسرائر، بل قال الشافعية - في الأصحِّ عندهم -: إن هذا ليس بقذف وإن نواه (!!)؛ لأن النية إنما تؤثر إذا احتمل اللفظ المنوي، ولا دلالة هنا في اللفظ ولا احتمال، وما يفهم منه مستنده قرائن الأحوال. ٣ - أن التعريض يتضمن الاحتمال، والاحتمال شبهة تسقط الحدَّ. ٤ - أن الله تعالى فرَّق بين التعريض بالخطبة والتصريح بها فكذلك في القذف. القول الثاني: يجب الحدُّ في التعريض بالقذف إن فُهم القذف بتعريضه بالقرائن: وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي، وهو مذهب مالك - إلا أنه استثنى أن يكون المُعَرّض الأَبَ فإنه لا يحدُّ عنده لبعده عن التهمة - وهو مقابل الأصح عند الشافعية - فقالوا: هو كناية عن القذف لحصول الفهم والإيذاء، فإن أراد النسبة إلى الزنا فقذف عندهم فإلا

стр. 1580

فلا (١) - وهو الرواية الأخرى عن أحمد، وانتصر له العلامة ابن القيم، واحتج هؤلاء في الجملة بما يلي. ١ - حدُّ عمر لمن عرَّض بالقذف وموافقة الصحابة عليه: فقد ثبت أن رجلًا - في زمن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ما أمي بزانية، ولا أبي بزان، قال عمر: «ماذا ترون؟» قالوا: رجل مدح نَفْسَهُ، قال: «بل انظروا، فإن كان بالآخر بأس فقد مدح نفسه، وإن لم يكن به بأس فلم قالها؟ فوالله لأحدَّنَهَ» فحدَّه (٢). وفي رواية: فاستشار عمر بن الخطاب، فقال قائل: مدح أباه أمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمِّه مدح غير هذا، نرى أن تجلده الحدَّ، فجلده عمر الحدَّ ثمانين» (٣). وردَّ الشافعي ﵀ دعوى الاتفاق بأن عمر استشار الصحابة فخالفه بعضهم، ومع من خالفه احتمال القذف وعدمه وهي شبهة تدرأ الحدَّ. وأجاب ابن القيم بأن القائل الأول لم يكن يخالف عمر، فإنه لما قيل له: إنه قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا، فهم أنه أراد القذف فسكت، وهذا إلى الموافقة أقرب منه إلى المخالفة، على أنه قد صحَّ عن عمر هذا الحكم من أوجه أخر مما يدل على تقوية الاتفاق على استمرار عمر ﵁ على الحكم بذلك واشتهاره، فعن ابن عمر: «أن عمر كان يحدُّ في التعريض بالفاحشة» (٤). ٢ - ما رُوي «أن رجلًا قال لرجل: يا ابن شامة الوذر، فاستعدي عليه عثمان بن عفان، فقال: إنما عنيتُ به كذا وكذا، فأمر عثمان بن عفان فجُلد الحدَّ» (٥) ولا يصحُّ. ٣ - أن من التعريض بالقذف ما هو أوجع وأنكى من التصريح وأبلغ في
следующие страницы →