← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

يحصل بقطع اليمين أو الشمال، لمَا قطع النبي ﷺ إلا اليسار على عادته من طلب الأيسر لهم ما أمكن، جريًا على عادته ﷺ في أنه: «ما خُيِّر بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا» (١). وذهب ابن حزم إلى أن قطع اليمين مستحب وليس بواجب، وردَّ دعوى الإجماع بفعل عليٍّ ﵁، فعن ابن عمر قال: «سرق سارق بالعراق في زمان علي بن أبي طالب، فقدم ليقطع يده، فقدَّم السارق يده اليسرى ولم يشعروا فقطعت فأخبر علي بن أبي طالب خبره، فتركه ولم يقطع يده الأخرى» (٢). فإذا كانت اليمنى غير صحيحة: بأن كانت شلَّاء أو ذهب أكثر أصابعها، فاختلفوا في محل القطع: ١ - فقال الحنفية: تقطع لأن القطع متعلق بها؛ ولأنه إذا تعلق الحكم بالسليمة فإنها تقطع، فلأن تقطع المعيبة من باب أولى. ٢ - وقال المالكية: لا يجزئ قطع المعيبة؛ لأن مقصود الحد إزالة المنفعة التي يستعان بها على السرقة، والشلاء وما في حكمها لا نفع فيها فلا يتحقق مقصود الشرع بقطعها، لأن منفعتها التي يراد إبطالها باطلة من غير قطع، ولذا ينتقل القطع إلى الرجل اليسرى، وهذا قول للشافعية - في مقطوعة الأصابع كلها - ورواية عن الحنابلة. ٣ - وقال الشافعية والحنابلة: يجزئ قطع اليمين إذا كانت شلاَّء إلا إذا خيف من قطعها ألا يكف الدم ولا يرقأ، فحينئذٍ ينتقل القطع إلى الرجل اليسرى. وإذا كانتا اليمين مقطوعة: سواء بآفة أو جناية أو قصاص، فذهب الجمهور - خلافًا للحنفية - إلى انتقال القطع إلى الرجل اليسرى، إذا ذهبت اليد اليمنى قبل السرقة، وإلى سقوط الحد إذا ذهبت بعد السرقة سواء كان ذهابها قبل الخصومة أو بعدها، وقبل القضاء أو بعده، لأنه بمجرد السرقة تعلق القطع باليد اليمنى، فإذا ذهبت زال ما تعلق به القطع فسقط. وكذلك قال الحنفية إذا كان زوال اليمنى ولو بعد السرقة قبل المخاصمة، أما

стр. 1647

لو ذهبت اليد اليمنى بعد المخاصمة وقبل القضاء أو بعد المخاصمة والقضاء فيسقط الحد عندهم (١). ٢ - موضع القطع ومقداره (٢): ذهب جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم إلى أن قطع اليد يكون من الكوع، وهو مفصل الكف، قالوا: لأن النبي ﷺ قطع السارق من الكوع (٣)، ولقول أبي بكر وعمر ﵄: «إذا سرق السارق، فاقطعوا يمينه من الكوع» (٤). وذهب بعض الفقهاء إلى أن موضع القطع من اليد: المنكب، لأن اليد اسم للعضو من أطراف الأصابع إلى المنكب، وذهب بعضهم إلى أن موضع القطع: مفاصل الأصابع التي تلي الكف (!!). قال ابن حزم - مؤيدًا ما ذهب إليه الجمهور بعد تصحيح إيقاع اسم اليد على كل ما تقدم -: «فإذا كان ذلك كذلك، فإنما يلزمنا أقل ما يقع عليه اسم يد، لأن اليد محرمة قطعها قبل السرقة ثم جاء النص بقطع اليد، فوجب أن لا يخرج من التحريم المتيقن المتقدم شيء إلا ما تيقن خروجه، ولا يقين إلا في الكف فلا يجوز قطع أكثر منها، وهكذا وجدنا الله تعالى إذ أمرنا في التيمم بما أمر إذ يقول تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ (٥). ففسر رسول الله ﷺ مراد الله تعالى بذكر الأيدي ههنا وأنه الكفان فقد كان على ما قد أوردناه ...» اهـ. وموضع قطع الرِّجل هو: مفصل الكعب من الساق، فعل ذلك عمر ﵁، وذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية، وهو رواية عن أحمد.

стр. 1648

والرواية الأخرى عنه - وبها قال بعض الفقهاء - أن موضع القطع: أصول أصابع الرِّجل، لما روي عن عليِّ أنه: «كان يقطع من شطر القدم، ويترك للسارق عقبه يمشي عليها» (١). ٣ - كيفية القطع: لا خلاف بين الفقهاء في أنه ينبغي مراعاة الإحسان في إقامة الحد، لقوله ﷺ : «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم». وقد ذكر الفقهاء أنه ينبغي على الحاكم أن يتخيَّر الوقت الملائم للقطع بحيث يجتنب الحر والبرد الشديدين، إن كان ذلك يؤدي إلى الإضرار بالسارق، ولا يقيم الحدَّ أثناء مرض يرجى زواله، ولا يقيم الحد على الحامل والنفساء. كما ينبغي أن يساق السارق إلى مكان القطع سوقًا رفيقًا، فلا يعنف به، ولا يعيَّر، ولا يُسب، فإذا وصل إلى مكان القطع: (يجلس، ويضبط لئلا يتحرك فيجني على نفسه، وتُشد يده بحبل، ويُجرُّ حتى يبين مفصل الذراع، ثم توضع بينهما سكين حادة، ويدق فوقها بقوة ليقطع في مرة واحدة، أو توضع على المفصل وتمد مدة واحدة، وإن عُلم قطع أوحى من ذلك - أي أسرع - قطع به) اهـ (٢). حَسْمُ موضع القطع (٣): رُوي عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ أُتي بسارق سرق شملة، فقالوا: يا رسول الله إن هذا قد سرق، فقال رسول الله ﷺ : «اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به ...» الحديث (٤). وهو حديث ضعيف، ومع هذا فقد اتفق الفقهاء على حسم موضع القطع، وذلك باستعمال ما يسدُّ العروق، ويوقف الدم، لما فيه من مصلحة السارق وحفظه من الهلاك.

стр. 1649

لكنهم اختلفوا في حكم الحسم: فذهب الحنفية والحنابلة وهو القول مقابل الأصح عند الشافعية إلى أنه واجب عيني على من قام بالقطع للأمر بذلك في الحديث (!!) وذهب المالكية إلى أنه فرض على الكفاية، فلا يلزم واحدًا بعينه، فإذا قام به القاطع أو المقطوع أو غيرهما فقد حصل المقصود. وقال الشافعية - في الأصح عندهم -: الأمر بالحسم يحمل على الندب؛ لأنه حق للمقطوع لإتمام الحد، فيجور للإمام تركه، وحينئذٍ يندب للإمام ولغيره أن يفعله، ولا يمنع ذلك من وجوبه على السارق إذا لم يقم به أحد، فإن تعذَّر عليه فعل الحسم وترتب على تركه تلف محقق فلا يجوز للإمام إهماله، بل يجب عليه فعله. هل تعلَّق اليد المقطوعة في عنق السارق؟ (١) يُسَنُّ - عند الشافعية والحنابلة - تعليق اليد المقطوعة في عنق السارق، ردعًا للناس، واستدلوا بما رُوي عن فضالة بن عبيد: «أن النبي ﷺ أُتي بسارق فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه» (٢) وهو حديث ضعيف. وذهب الحنفية إلى أن تعليق اليد لا يُسنُّ، بل يترك الأمر للإمام، إن رأى فيه مصلحة فعله، وإلا فلا. قلت: وهذا أقرب، لضعف الحديث المرفوع وإن كان مأثورًا عن السلف. ٤ - تكرُّر السرقة بعد القطع (٣): (أ) إذا قطعت يمين السارق، قم عاد للسرقة مرة ثانية فكيف تكون عقوبته؟ اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال:

стр. 1650

الأول: لا قطع عليه، وإنما يضرب ويُحبس، وهو مذهب عطاء بن أبي رباح ﵀ فعن ابن جريج أنه قال لعطاء: إن سرق ثانية؟ قال: ما أرى أن تقطع إلا في السرقة الأولى اليد فقط، قال الله تعالى: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ (١). ولو شاء أمر بالرِّجْل، ولم يكن الله تعالى نسيًّا (٢). الثاني: تُقطع يده اليسرى فإن عاد فلا قطع عليه وإنما يعزَّر بالضرب والحبس وهو مذهب ربيعة وداود وابن حزم الظاهريين؛ لأن الله تعالى أمر بقطع الأيدي وهي تشمل اليمنى واليسرى، وإدخال الأرجل في القطع زيادة على النص، ولأنها آلة السرقة والبطش، فكانت العقوبة بقطعها أولى. الثالث: تُقطع رجلُه اليُسرى، وهو مذهب عامة الفقهاء وجماهير أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو مروي عن أبي بكر وعمر ﵄. واستدلوا بجملة أحاديث مرفوعة تشتمل على هذا الحكم، إلا أنها جميعًا ضعيفة لا تقوم يها الحجة، وكذلك استندوا إلى آثار عن الصحابة ﵃، وسيأتي ذكر طرف من هذه الأحاديث والآثار عما قريب، إن شاء الله. قال ابن عبد البر: «ثبت عن الصحابة ﵃ قطع الرجل بعد اليد وهم يقرءون ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (٣). قلت: وثبت عن عمرو بن دينار أن نجدة بن عامر كتب إلى ابن عباس: السارق يسرق فتُقطع يده، ثم يعود فتقطع يده الأخرى؟ قال الله تعالى: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾. قال: قال: «بلى، ولكن ورجله من خلاف» (٤). وثبت عن عائشة - في قصة الرجل الأسود الذي كان أبو بكر يُدنيه يقرئه القرآن ثم قطعت يده في سرقة - قالت: «... ثم أدناه [أي: أبو بكر] ولم يحول منزلته التي كانت له منه، فلم يغب إلا قليلًا حتى فقد آلُ أبي بكر حليًّا لهم ومتاعًا، فقال أبو بكر: طرق الحي الليلة، فقام الأقطع فاستقبل القبلة، ورفع يده الصحيحة والأخرى التي قطعت، فقال: اللهم أظهره على من سرقهم - أو نحو

стр. 1651

هذا - فما انصرف النهار حتى ظهر المتاع عنده، فقال له أبو بكر: ويلك، إنك لقليل العلم بالله، فأمر به فقطعت رجله» (١). وعن ابن عباس قال: «رأيت عمر بن الخطاب قطع يد رجلٍ، بعد يده ورجله» (٢). (ب) إذا عاد للسرقة ثالثة ورابعة وخامسة: ثم اختلف هؤلاء - أعني الجمهور - فيما إذا عاد السارق للسرقة - بعد قطع رجله اليسرى - ثالثة ورابعة وخامسة، على ثلاثة أقوال كذلك: الأول: لا قطع عليه في المرة الثالثة، وإنما يضرب ويحبس: وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وأحمد في المشهور عنه - وهو المذهب - وبه قال الحسن والشعبي والثوري والزهري والنخعي والأوزاعي وحماد، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ وحجة هذا القول ما يلي: ١ - عن عمر ﵁ أنه «أُتي برجل قد سرق يقال له سدوم، فقطعه ثم أتى به الثانية فقطعه، ثم أتى به الثالثة فأراد أن يقطعه، فقال له عليٌّ: «لا تفعل، إنما عليه يد ورجل، ولكن أحبسه» وفي لفظ: «فحبسه عمر» (٣). ٢ - وعن أبي الضحى قال: «كان عليُّ بن أبي طالب لا يزيد في السرقة على قطع اليد والرجل». ٣ - وعن عبد ألله بن مسلمة: أن علي بن أبي طالب أتى بسارق فقطع يده، ثم أتى به فقطع رجله، ثم أُتي به الثالثة، فقال: «إني استحيي أن أقطع يده، فبأي شيء يأكل؟! أو أقطع رجله، فعلى أي شيء يعتمد؟!» فضربه وحبسه (٤). ٤ - ولأن في قطع اليدين تفويت منفعة الجنس، فلم يُشرع في حدٍّ، كالقتل. ٥ - ولأنه لو جاز قطع اليدين لقطعت اليسرى في المرة الثانية؛ لأنها آلة البطش كاليمنى، وإنما لم تقطع للمفسدة في قطعها.

стр. 1652

الثاني: تقطع يده اليسرى في الثالثة، ثم رجله اليمنى في الرابعة، ثم إن عاد في الخامسة يعزر ويحبس: وهذا مذهب الجمهور (المالكية والشافعية والرواية الأخرى في مذهب أحمد) وهو مروي عن أبي بكر وعمر (!!) ﵄ وبه قال إسحاق وقتادة وأبو ثور، واحتج هؤلاء بما يلي: ١ - آية المحاربة (!!) قال تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾ (١). ٢ - حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سرق السارق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله، فإن عاد فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله» (٢) وسنده تألف (!!). ٣ - حديث عصمة بن مالك ﵁ قال: سرق مملوك في عهد النبي ﷺ فرفع إلى النبي ﷺ فعفى عنه .. (أربع مرات) ... ثم رفع إليه الخامسة وقد سرق، فقطع يده، ثم رفع إليه السادسة فقطع رجله، ثم رفع إليه السابعة فقطع يده، ثم رفع إليه الثامنة فقطع رجله، وقال رسول الله ﷺ : «أربع بأربع» (٣) وسنده ساقط (!!). ٤ - أنه فعل أبي بكر وعمر ﵄ (!!) فعن القاسم بن محمد «أن أبا بكر قطع يد سارق في الثالثة» (٤) وهو منقطع. الثالث: كالقول السابق، إلا أنه إن عاد في الخامسة يُقتل، وهو مروي عن عثمان بن عفان وعمرو بن العاص وعمر بن عبد العزيز، وأبي مصعب المالكي وذكره الحافظ قولًا عن مالك أولًا ثم إنه رجع عنه واستقر رأيه على تعزيره دون قتله - وهو ما ذهب إليه الشافعي في القديم، واستدلوا بما يلي: ١ - حديث جابر قال: جيء بسارق إلى النبي ﷺ فقال: «اقتلوه» فقالوا: يا

стр. 1653

رسول الله إنما سرق، فقال: «اقطعوه» قال: فقطع، ثم جيء به الثانية، فقال: «اقتلوه» فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: «اقطعوه» .. فأتي به الخامسة فقال: «اقتلوه» قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة (١) وهو ضعيف. ٢ - حديث الحارث بن حاطب بنحو حديث جابر مع شيء من المغايرة في لفظه، وهو منكر كما قال النسائي والذهبي (٢). ٣ - حديث عبد الله بن زيد الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سرق متاعًا فاقطعوا يده، فإن سرق فاقطعوا رجله، فإن سرق فاقطعوا يده، فإن سرق فاقطعوا رجله، فإن سرق فاضربوا عنقه» (٣) وسنده تالف. وقد أجاب العلماء عن حديث جابر بأنه ضعيف، وعلى فرض صحته، فقيل: منسوخ، وهو محكي عن الشافعي، وناسخه هو عين الناسخ لقتل شارب الخمر في الرابعة - على ما تقدم - وقيل: هذه حكومة مختصة بهذا الرجل وقد علم رسول الله ﷺ أن المصلحة في قتله، ولذلك أمر بقتله من أول مرة، وقيل: يخرج على أن هذا الرجل كان من المفسدين في الأرض، وهذا يعزي للإمام مالك، ﵀. الترجيح: الذي يظهر لي بعد هذا العرض لمذاهب العلماء ودراسة أدلتهم أن أقوى هذه الأقوال الأول، القائل، بأن السارق إذا كرَّر السرقة ثانية - بعد قطع يده اليمنى - فإنه تقطع رجله اليسرى، ثم لا قطع عليه إن عاد، وإنما يضرب ويحبس - ولو مدى الحياة - حتى يظهر الصلاح، لقضاء الصحابة ﵃ بذلك. ولو ذهب ذاهب إلى قول ربيعة وابن حزم من أنه تقطع يده اليسرى في الثانية - بعد اليمنى - ثم لا قطع عليه وإنما يُعزَّر، فلا يكون بعيدًا ولا شاذًّا كما قيل، والله أعلم.

стр. 1654

ما يسقط به الحدُّ: ١، ٢ - الشفاعة، وعفو المسروق منه (١): أجمع الفقهاء على جواز الشفاعة بعد السرقة وقبل أن يصل الأمر إلى الحاكم، إذا كان السارق لا يُعرف بشرٍّ، سترًا له وإعانة على التوبة. وأما إذا وصل الأمر إلى الحاكم فالشفاعة فيه حرام، كما تقدم بيانه في بداية «كتاب الحدود». وكذلك الشأن في العفو، لقوله ﷺ : «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍّ فقد وجب» (٢). وقوله ﷺ لصفوان لما تصدق بردائه على سارقه بعد رفعه إلى النبي ﷺ : «فهلا قبل أن تأتيني به؟!» (٣). فإذا عفا المسروق منه عن السارق - قبل رفعه - سقط عنه الحد. ٣ - الرجوع عن الإقرار (٤): اتفق جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة على أن السارق إذا رجع عن إقراره (اعترافه) قبل القطع، سقط عنه الحد، لأن الرجوع عن الإقرار يورث شبهة. وذهب بعض الفقهاء إلى أن رجوع السارق في إقراره لا يقبل منه، ولا يسقط عنه الحد، لأنه لو أقر لآدمي بقصاص أو بحق لم يُقبل رجوعه عنه، فكذلك الحكم إذا أقر بالسرقة. ٤ - هل يسقط الحدُّ بتوبة السارق؟ اتفق الفقهاء على أن التوبة النصوح، أي: الندم الذي يورث عزمًا على إرادة الترك تسقط عذاب الآخرة عن السارق، واتفقوا على أنه إذا تاب بعد القدرة عليه وقيام البينة عليه ورفعه للحاكم، لم يسقط عنه الحد.

стр. 1655

ثم اختلفوا فيما إذا تاب قبل القدرة عليه ورفعه إلى الحاكم على قولين، تقدم بسطهما في مقدمة «كتاب الحدود» ورجحنا هناك أن التوبة تسقط الحدَّ عمومًا، ومما يدل على ذلك في حدِّ السرقة قوله تعالى - عقب ذكر عقوبة السارق: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم﴾ (١). وهو يدل على أن التائب لا يقام عليه الحد، إذ لو أقيم عليه الحد بعد التوبة لما كان لذكرها فائدة. وهذا مهب الشافعية - في أصح القولين - والحنابلة في رواية (٢). لكن تبقى مسألة وهي: هل من شرط التوبة ضمان المسروق وردُّه لصاحبه؟ (٣) ١ - إن كانت العين المسروقة موجودة: فأجمعوا على أن من شرط صحة توبته: أداؤها إلى صاحبها، سواء كان السارق موسرًا أو معسرًا، وسواء أقيم عليه الحد أو لم يقم، وسواء وُجد المسروق عنده أو عند غيره. ٢ - إن كانت العين المسروقة قد تلفت: فإن لم يُقم الحد على السارق لسبب يمنع القطع فيجب عليه رد قيمة المسروق بلا خلاف. وإن كان أقيم عليه الحدُّ، اختلف العلماء في وجوب ضمان المسروق على ثلاثة أقوال: الأول: يلزمه الضمان لتمام توبته سواء كان موسرًا أو معسرًا: وهو مذهب الجمهور، منهم: الشافعي وأحمد وإسحاق والليث والنخعي والحسن والزهري وغيرهم، قالوا: لأن هذه العين تعلَّق بها حقان: حق لله، وحق لمالكها، وهما حقان لمستحقين متباينين فلا يبطل أحدهما الآخر، بل يستوفيان معًا، أن القطع حق لله، والضمان حق لمالكها. وقد رُوي من طريق الحسن عن سمرة مرفوعًا: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» (٤).

стр. 1656

الثاني: لا يجب الضمان مطلقًا، ولا تتوقف صحة توبته عليه، وهو مذهب أبي حنيفة، وبه قال عطاء وابن سيرين والشعبي ومكحول وغيرهم، وحجتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله﴾ (١). قالوا: فسمى القطع جزاء، والجزاء يبنى على الكفاية، فلو ضم إليه الضمان لم يكن القطع كافيًا فلم يكن جزاءً، فعلم أن التضمين عقوبة زائدة على الجزاء فلا تُشرع. وأجاب الجمهور بأن مجموع الجزاء - إن أريد به: مجموع العقوبة - فصحيح هو القطع، والقول بالتضمين لا دخل له في العقوبة، ولهذا يجب الضمان في حق غير الجاني: كمن أتلف مال غيره خطأ أو إكراهًا، ولهذا فإن سقوط الحد لا يسقط الضمان لتفاوت الحقين - حق الله وحق العبد - بتفاوت جهتهما. ٢ - حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن النبي ﷺ : «أنه قضي في السارق إذا أقيم عليه الحد أنه لا غرم غليه» (٢) ولذا قالوا: لا يجتمع حد وضمان، لأن الحكم بالضمان يجعل المسروق مملوكًا للسارق، مستندًا إلى وقت الأخذ فلا يجوز إقامة الحد عليه، لأنه لا يقطع أحد في ملك نفسه. وأجاب الجمهور بأنه حديث ضعيف لا يحتج به. الثالث: يلزمه الضمان إن كان موسرًا، وإلا لم يلزمه، وهو مذهب مالك وغيره من فقها المدينة واستحسنه ابن القيم. قالوا: لئلا تجتمع على السارق - المعسر - عقوبتان: قطع يده، واتباع ذمته. قال ابن القيم: وهذا استحسان حسن جدًّا، وما أقربه من محاسن الشرع، وأولاه بالقبول، والله أعلم. اهـ. الراجح (٣): والذي يترجح لي هو ما ذهب إليه الجمهور من إيجاب الضمان على السارق مطلقًا وأنه من تمام توبته من غير فرق بين الموسر والمعسر، فإن كان موسرًا تعيَّن

стр. 1657

دفعه، وإن كان غير قادر فقد قال الله تعالى في حق غير القادرين: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ (١). وأما رأي المالكية - الذي استحسنه ابن القيم - فهو مجرد استحسان. والاستحسان هو «الحكم على مسألة بحكم يخالف نظائرها لدليل شرعي» ولم يذكروا دليلًا شرعيًّا يقضي بهذا الاستحسان، والله أعلم. ٥ - هل يسقط الحدُّ بتملُّك السارق المسروق قبل الحكم؟ (٢) إذا تملَّك السارق المسروق قبل القضاء، بأن اشتراه أو وُهب له أو نحو ذلك، فإن القطع يسقط عنه عند الجمهور، لأن المطالبة شرط للحكم بالقطع، فإذا تملكه السارق قبل القضاء امتنعت المطالبة، وخالف المالكية - لعدم اشتراطهم المطالبة - فقالوا: لا يسقط الحد. أما إذا حدث الملك بعد القضاء - وقبل القطع - فلا يسقط الحدُّ عند الجمهور - خلاف للحنفية - لأن ما حديث بعد وجوب الحدِّ لم يوجد شبهة في الوجوب، فلم يؤثر في الحد، ولو كان حدوث الملك - بعد القضاء - يسقط الحد، لما قطع النبي ﷺ سارق رداء صفوان بعدما تصدق به عليه، بل قال له ﷺ : «فلا قبل أن تأتيني به» (٣). لا يسقط الحدُّ بالتقادُم (٤): ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وزفر - من الحنفية - إلى أن الحد لا يسقط بالتقادم، لأن الحكم لم يصدر إلا بعد أن ثبتت السرقة، فوجب تنفيذه مهما طال الزمن، ولا ينبغي أن يكون هروب الجاني أو تراخي التنفيذ من أسباب سقوط الحد، وإلا كان ذلك ذريعة إلى تعطيل حدود الله. بينما ذهب الحنفية - عدا زفر - إلى أن تقادم التنفيذ بعد القضاء يسقط القطع؛ لأن القضاء في باب الحدود - عندهم - إمضاؤها، فما لم تمض فكأنه لم يقض، ولأن التقادم في التنفيذ كالتقادم في الإثبات بالبينة (!!).

стр. 1658

قلت: وقول الجمهور هو الصواب، لأن الحدَّ إذا ثبت بيقين، فلا يسقط إلا بدليل. (ب) العقوبات التعزيرية للسارق (١): تجوز العقوبة بالتعزير على كل سرقة لم تكتمل أركانها، أو لم تستوف شروطها، لعدم وجوب الحد فيها، وعلى سرقة دُرئ الحدُّ فيها لوجود شبهة، فيترتب على السارق - بالتعزير- عقوبتان: عقوبة بدنية، بالضرب ونحوه نكالًا له، وعقوبة مالية: بتضعيف الغُرم للمسروق، وبهذا قضي النبي ﷺ لما أسقط القطع عمن أخذ بفمه من الثمر المعلق وهو محتاج، وحكم على من خرم بشيء منه غرامة مثليه والعقوبة (أي: الضرب) وكذلك على من سرق من الثمر بعد أن يوضع في مخزنه - ولم يبلغ نصاب القطع - كما تقدم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (٢). وكذلك تجوز العقوبة بالتعزير على السرقة التي سقط فيها القطع. وتقدَّم ذِكر تعزير السارق في الثالثة أو الخامسة - على خلاف - ويكون بالحبس أو الضرب ونحوه، وهذه العقوبات يرجع في تقديرها إلى اجتهاد الأئمة في كل زمان ومكان حسب المصلحة. (٥) حَدُّ الحِرَابَةِ تعريف الحرابة (٣): الحرابة لغة: من الحرب التي هي نقيض السلم، يقال: حاربه محاربة، وحرابًا. أو من الحَرَب - بفتح الراء -: وهو السلب، يقال: حرب فلانًا ماله، أي: سلبه، فهو محروب وحريب. وفي الاصطلاح: تسمى «قطع الطريق» وهي: البروز لأخذ مال، أو لقتل، أو لإرعاب على سبيل المجاهرة مكابرة، اعتمادًا على القوة مع البعد عن المغوث.

стр. 1659

حُكْمُها: الحرابة من الكبائر، وهي من الحدود باتفاق الفقهاء، وسمي القرآن مرتكبيها محاربين لله ورسوله، وساعين في الأرض بالفساد، وغلظ عقوبتها أشد التغليظ، فقال سبحانه: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ (١). شروط تعتبر في المحارب: اشترط الفقهاء في المحاربين - حتى يُحدُّوا حدَّ الحرابة - شروطًا لابد من توافرها، ولم يتفقوا عليها جميعًا، وإنما وقع في بعضها خلاف، فإليك هذه الشروط وطرفًا من المناقشات حولها: ١ - التكليف (٢): ولا خلاف بين أهل العلم في اشتراط البلوغ والعقل في عقوبة الحرابة؛ لأنها شرط التكليف الذي هو شرط إقامة الحدود. لكنهم اختلفوا في حدِّ من اشترك مع الصبي والمجنون في قطع طريق، فذهب الجمهور إلى أن الحد لا يسقط عنهم وعليه الحدُّ، وإنما الشبهة مختصة بواحد - الصبي أو المجنون - فلم يسقط عن الباقين. وذهب الحنفية - إلا أبا يوسف - إلى أنه لو اشترك في قطع الطريق صبي أو مجنون أو ذو رحم محرم من أحد المارَّة سقط الحدُّ عن الجميع (!!) قالوا: لأنها جناية واحدة قامت بالكل، فإن لم يقع فعل بعضهم موجبًا الحد، كان فعل الباقين بعض العلة فلم يثبت به الحكم (!!). قلت: وقول الجمهور أقوى، والله أعلم. (٢) الالتزام (٣): اشترط الجمهور في المحارب أن يكون ملتزمًا بأحكام الشريعة، بأن يكون مسلمًا، أو ذميًّا، أو مرتدًّا، فلا يُحدُّ عندهم الحربي، ولا المعاهد، ولا المستأمن.

стр. 1660

واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ (١). وهؤلاء تقبل توبتهم قبل القدرة وبعدها، ولقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ (٢)، وبقوله ﷺ : «الإسلام يجب ما كان قبله» (٣). وأما الذمي فقد التزم أحكام الشريعة فله ما لنا وعليه ما علينا. وذهب ابن حزم إلى أن المحارب إنما هو المسلم العاصي أو المسلم يرتد فيحارب فعليه أحكام المحارب كما فعل النبي ﷺ بالعرنيين، فليس للذمي - الذي نقض عهده - لأن له عقوبة في الشرع تختلف عن عقوبة المحارب. وذهب طائفة من العلماء - منهم البخاري والحسن وعطاء والضحاك والزهري - إلى أن آية الحرابة نزلت في أهل الكفر والردَّة، وساق البخاري عقبها حديث أنس في قصة العرنيين، وفيه «... فارتدوا، فقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل، فبعث ﷺ في آثارهم فأتى بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، ثم لم يحسمهم حتى ماتوا (٤). ٣ - الذكورة (٥): اشترط الحنفية في المحارب الذكورة، فلا تحدُّ - عندهم - المرأة وإن وليت القتال وأخذ المال، لأن ركن المحاربة - وهو الخروج والمغالبة - لا يتحقق من المرأة عادة فلا تكون من أهل الحرابة (!!). وذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يشترط في المحارب الذكورة، فلو اجتمع نسوة لهن قوة ومنعة فهن قاطعات طريق، ولا تأثير للأنوثة على الحرابة، ولأنها تحدُّ في السرقة ويلزمها القصاص كالرجل، فكذلك في قطع الطريق، ولا فرق. قلت: وهذا هو الصحيح لعدم الدليل على اعتبار الذكورة والأصل أن «النساء شقائق الرجال» (٦).

стр. 1661

٤ - السلاح (١): اشترط الحنفية والحنابلة - في المحارب- أن يكون معه سلاح، ولو الحجارة والعصى؛ لأنه أداة الإخافة، فإن تعرضوا للناس بشيء من ذلك فهم محاربون وإلا فلا. وأما المالكية والشافعية وابن حزم فلم يشترطوا في المحارب حمل السلاح، بل يكفي عندهم القهر والغلبة وأخذ المال، ولو باللكز والضرب بجمع الكف. قلت: ولعلَّ الأخير أظهر، وكأنه اختيار شيخ الإسلام إذ قال: «والصواب: أن من قاتل على أخذ المال بأي نوع كان من أنواع القتال فهو محارب قاطع» اهـ. ٥ - البعد عن العمران (٢): اشترط أبو حنيفة - وهو المذهب عند الحنابلة - في الحرابة: البعد عن العمران (في الصحراء مثلًا) فإن حصل منهم الإرعاب وأخذ المال في القرى والأمصار فليسوا محاربين، قالوا: لأن قطع الطريق إنما هو في الصحراء، ولأن من في القرى والأمصار يلحقه الغوث غالبًا فتذهب شوكة المعتدين، ويكونون مختلسين، وهو ليس يقاطع، ولا حدَّ عليه. بينما ذهب الجمهور: منهم مالك والشافعي وأبو يوسف من الحنفية وكثير من أصحاب أحمد، وابن حزم - وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - إلى أنه لا يشترط البعد عن العمران، بل يشترط فقد الغوث، ولفقد الغوث أسباب كثيرة لا تنحصر في البعد عن العمران. فلو دخل قوم بيتًا وشهروا السلاح ومنعوا أهل البيت من الاستغاثة فهم قطاع طرق في حقهم. واستدل الجمهور بعموم آية المحاربة، وبأن ذلك إذا وجد في العمران كان أعظم خوفًا وأكثر ضررًا، فكان أولى بحد الحرابة.

стр. 1662

قال شيخ الإسلام: «وهذا هو الصواب، بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء، لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة، ولأنه محل تناصر الناس وتعاونهم، فإقدامهم عليه يقتضي شدة المحاربة والمغالبة، ولأنهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله، والمسافر لا يكون معه - غالبًا - إلا بعض ماله ...» اهـ. قلت: وهذا القول مع موافقة عموم الآية الكريمة، ومقتضى معنى الحرابة المطلق، فإنه الأردع للمجترئين على ترويع الآمنين وسلبهم أموالهم في الميادين العامة على مرأى ومسمع من الناس والسلطان، ولا مغيث!! والله أعلم. ٦ - المجاهرة (١): اشتر ط جمهور الفقهاء في الحرابة أن يأخذ قطاع الطريق المال جهرًا، فإن أخذوه مختفين فهم سُرَّاق، وإن اختطفوا وهربوا، فهم منتهبون، ولا قطع عليهم. وذهب مالك - وهو اختيار شيخ الإسلام - إلى أن قتل الغيلة، إذا كان على وجه التحيُّل والخديعة فهو من المحاربة، ومثاله: أن يدعو القاتل إلى منزله - مثلًا - من يستأجره لخياطة أو طب أو نحو ذلك ثم يقتله ويأخذ ماله. قال شيخ الإسلام: «وهذا أشبه بأصول الشريعة، لأن القتل بالحيلة كالقتل مكابرة، كلاهما لا يمكن الاحتراز منه، بل قد يكون ضرر هذا أشد، لأنه لا يدرى به» اهـ. حكم الردء للقُطَّاع (٢): الردء هو: المعين لقاطع الطريق بجاهه أو بتكثير السواد أو بتقديم أي عون لهم، ولم يباشر القطع بنفسه. وقد اختلف أهل العلم في حكمه: فذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة - وهو اختيار شيخ الإسلام - إلى أن الردء المباشر في الحرابة سواء، لأنهم متمالئون، وقطع الطريق يحصل بالكل، ولأن من عادة القطاع أن يباشر البعض، ويدفع عنهم البعض الآخر، فلو لم يلحق الردء بالمباشر في سبب وجوب الحد لأدى ذلك إلى انفتاح باب قطع الطريق.

стр. 1663

قال ابن تيمية: وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، «فإن عمر بن الخطاب ﵁ قتل ربيئة المحاربين» والربيئة: هو الناظر، الذي يجلس في مكان عالٍ ينظر منه لهم من يجيء ... اهـ. بينما ذهب الشافعي ﵀ إلى أنه ليس على الردء إلا التعزير، لأن الحد يجب بارتكاب المعصية؛ فلا يتعلق بالمُعين، كسائر الحدود!! قلت: والأوَّل أرجح والله أعلم. عقوبة المحاربين: قال الله سبحانه: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ (١). هذه العقوبات على التخيير أم على التنويع؟ (٢) ثم اختلف أهل العلم في هذه العقوبات المذكورة في الآية الكريمة؛ أهي على التخيير أم على التنويع، على قولين: القول الأول: أنها على التنويع، فتوزع العقوبات على حسب الجنايات، وهذا مذهب الجمهور، واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - أن تفسير ابن عباس لهذه الآية يفيد أن المراد بـ «أو»: التنويع، فقال: «المعنى: أن يُقتلوا إن قتَلوا، أو يُصلَّبوا مع القتل إن قَتَلوا وأخذوا المال، أو تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال، أو يُنفَوا من الأرض إن أرعبوا ولم يأخذوا شيئًا ولم يًقتُلوا». ٢ - قالوا: وتفسيره ﵁ إما توقيفًا وإما لغةً، وأيهما كان فهو حجة، يدل عليه أنه بدأ بالأغلظ فالأغلظ. وعُرْف القرآن: أن ما فيه التخيير يُبدأ فيه بالأخف، ككفارة اليمين، وما يراد به الترتيب يُبدأ فيه بالأغلظ ككفارة الظهار والقتل.

стр. 1664

٣ - أن الجزاء على قدر الجناية، يزاد بزيادتها وينقص بنقصانها، بمقتضى العقل والشرع، قال تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ فالتخيير في جزاء الجنايات القاصرة بما يشمل جزاء الجناية الكاملة، وفي الجناية الكاملة بما يشمل جزاء الجناية القاصرة خلاف المعهود في الشرع. على أنه قد أجمعت الأمة على أن القُطاع إذا قَتلوا وأخذوا المال، لا يكون جزاؤهم المعقول: النفي وحده!! فعُلم أنه لا يمكن إجراء الآية على ظاهر التخيير. ٤ - أن التخيير الوارد بحرف التخيير إنما يجري على ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحدًا، كما في كفارة اليمين وكفارة جزاء الصيد، أما إذا كان السبب مختلفًا فإنه يخرج التخيير عن ظاهره ويكون الغرض: بيان الحكم لكل واحد في نفسه، وقطع الطريق متنوع وبين أنواعه تفاوت في الجريمة، فكان سبب العقاب مختلفًا، فتحمل الآية على بيان حكم كل نوع. ٥ - أنه إذا لم يقتل، فلا يحلُّ قتله، لقوله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيِّبُ الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (١). ثم اختلف هؤلاء في كيفية هذا التنويع على ثلاثة أقوال: ١ - فقال الشافعي وأحمد والصاحبان من الحنفية، وإسحاق: من قَتَلَ وأخذ المال؛ قُتِل وصُلِب، ومن اقتصر على أخذ المال قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، ومن أخاف الطريق ولم يقتل ولم يأخذ مالًا؛ نفي من الأرض، والنفي في هذه الحالة - عند الشافعية - تعزير وليس حدًّا، فيجوز - عندهم - للإمام تركه، أو التعزير بغيره بحسب ما يراه من المصلحة. ٢ - وقال أبو حنفية: إن أُخذ قبل قتل نفسٍ أو أخذ شيء؛ حُبس بعد التعزير حتى يتوب، وهو المراد بالنفي في الآية. وإن أخذ مالًا معصومًا بمقدار النصاب؛ قُطعت يده ورجله من خلاف، وإن قتل معصومًا ولم يأخذ مالًا قُتل. وأما إن قتل النفس وأخذ المال - وهو المحارب الخاص - فالإمام مُخيَّر في أمور

стр. 1665

ثلاثة: إن شاء قطع يده ورجله من خلاف ثم قتله، وإن شاء قتله فقط، وإن شاء صلبه. والصلب - عنده -: طعنُه وتركه حتى يموت، ولا يترك أكثر من ثلاثة أيام. واعتُرض بأن الحدود إذا كان فيها قتل سقط ما دونه، كما لو سرق وزنى وهو محصن. ٣ - وقال مالك: إن قتل فلابد أن يُقتل، إلا إن رأى الإمام أن في إبقائه مصلحة أعظم من قتله. وليس له تخيير في قطعه ولا نفيه، وإنما التخيير في قتله أو صلبه، وإن أخذ المال ولم يقتل لا تخيير في نفيه وإنما التخيير ف قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف، وإن أخاف السبيل فقط فالإمام مخيَّر بين قتله وصلبه، أو قطعه، باعتبار المصلحة. واعتُرض بأن مالكًا ﵀ اعتبر جَلَد ورَايَ القاطع، ولم يعتبر الجناية، وهذا مخالف للأصول المعروفة من اختلاف العقوبات بحسب الجرائم. قلت: ويمكن اعتبار مالك ﵀ من القائلين بالتخيير بين العقوبات - إلا في القاتل - كأصحاب القول الآتي. القول الثاني: أن هذه العقوبات على التخيير: فإذا خرجوا لقطع الطريق وقَدر عليهم الإمام، خُيِّر بين أن يجري عليهم أيًّا من الجزاءات الأربعة (القتل، والصلب، والقطع، والنفي) على ظاهر الآية. وبهذا قال جماعة من السلف منهم سعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد والحسن والضحاك والنخعي وأبو ثور وداود وابن حزم، ويمكن أن يُضم إليهم الإمام مالك. واحتج هؤلاء بما يلي: ١ - قول ابن عباس ﵄: «ما كان في القرآن «أو» فصاحبه بالخيار» (١). ٢ - أن الأصل في «أو» أنها تقتضي التخيير كما في آية كفارة اليمين. وقد تقدم الردُّ على كلا الاستدلالين في ثنايا أدلة المذهب الأول. قلت: والأرجح ما ذهب إليه الجمهور من كون العقوبات للتنويع بحسب الجرائم على نحو ما ذهب إليه الشافعي وأحمد.

стр. 1666

فوائد: ويمكن أن نستخلص من أقوال العلماء الفوائد التالية: ١ - أن القاتل - في قطع الطريق - يُقتل بكل حال ولابُدَّ، وقد حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك. ٢ - أنهم إذا قتلوا ولم يأخذوا المال، فإنهم يُقتلون من غير صلب. وهل يغلب - فيمن قتل فقط- جانبُ الحد أم جانب القصاص؟ (١) ذهب الحنفية والمالكية، وهو قول عند كل من الشافعية والحنابلة - وهو قول ابن حزم -: إلى أنه يغلب جانب الحد، فيقتل وإن قتل بمثقل، ولا يشترط التكافؤ بين القاتل والمقتول: فيقتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي، ولا عبرة بعفو مستحق القَوَد. وقال الشافعية - في الراجح عندهم - والحنابلة في إحدى الروايتين عن أحمد: يغلب جانب القصاص؛ لأنه حق آدمي، وهو مبني على المضايقة، فيقتل قصاصًا أولًا، فإذا عفا مستحق القصاص عنه: يُقتل حدًّا، ويشترط التكافؤ بين القاتل والمقتول، لحديث: «لا يُقتل مسلم بكافر» (٢). ٣ - إذا جمعوا إلى القتل أَخْذَ المال - وهذا غالب حال القُطَّاع - فيُجمع لهم الصلبُ مع القتل عند الجمهور: واختلفوا في وقت الصلب ومدَّته (٣): (أ) فقال الحنفية والمالكية: يُصلب حيًّا، ويُقتل مصلوبًا؛ لأن الصلب عقوبة، وإنما يعاقب الحي لا الميت، ويترك مصلوبًا - عند الحنفية - ثلاثة أيام بعد موته (!!)، وعند المالكية تحدَّد مدة الصلب باجتهاد الإمام. (ب) وقال الشافعية - في المعتمد - والحنابلة: يصلب بعد القتل؛ لأن الله تعالى قدَّم القتل على الصلب لفظًا فيجب (!!) تقديم ما ذكر أولًا في الفعل، كقوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ (٤).

стр. 1667

قالوا: ولأن في صلبه حيًّا تعذيبًا له، وقد قال ﷺ : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ...» (١). وعلى هذا الرأي: يُقتل ثم يُغسَّل، ويكفن، ويُصلى عليه، ثم يصلب، ويترك مصلوبًا ثلاثة أيام بلياليهن. وخالف ابن حزم فقال: لا يجمع عليه الصلبُ والقتل، إذ ليس فيما استدلَّ به المخالفون - من الفريقين - وجوبُ صلبه بعد القتل، ولا إباحة ذلك البتة. ولأن الله إنما أوجب عليه حكمًا واحدًا وخزيًا واحدًا لا حكمين. وكذلك لا يجوز قتله بعد الصلب لأمره ﷺ بإحسان القتلة ولقوله: «لعن الله من اتخذ شيئًا فيه الروح عرضًا»، وغاية ما هنالك أن يخيَّر الإمام بين قتله، أو صلبه دون قتل. قال: فصحَّ يقينًا أن الواجب أن يخيَّر الإمام في صلبه - إن صلبه - حيًّا ثم يدعه حتى ييبس ويجف كله ... حتى إذا أنفذنا أمر الله تعالى فيه، وجب به ما افترضه الله تعالى للمسلم على المسلم من الغسل والتكفين والصلاة والدفن. اهـ. ثم ردَّ على من اعترض بمثل أحاديث الأمر بإحسان القتلة وقال: أنتم تقتلونه أوحش قتلة وأقبحها! فقال ﵀: «فنقول: وما قتلناه أصلًا، بل صلبناه كما أمر الله تعالى، وما مات إلا حتف أنفه، وما يسمى هذا في اللغة مقتولًا ...» اهـ. ٤ - إذا أخذوا المال، ولم يقتلوا؛ قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف: فتقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى على ما تقدم في قطع السارق. وهل يشترط أن يبلغ المسروق نصابًا؟ فيه قولان (٢): فاشترط الجمهور - خلافًا لمالك - أن يبلغ المأخوذ نصابًا، لعموم الأدلة التي تفيد أنه لا قطع فيما دون النصاب، وقد تقدمت في «حد السرقة». وذهب مالك إلى أنه لا يشترط؛ لأنه محارب لله ولرسوله، ساعٍ في الأرض بالفساد فيدخل في عموم الآية، ولأنه لا يعتبر الحرز فكذلك النصاب.

стр. 1668

٥ - إذا أخافوا السبيل فقط، فلم يقتلوا أو يأخذوا مالًا: فإنهم يُنفون من الأرض عند جمهور الفقهاء لقوله تعالى: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ (١). واختلفوا في معنى النفي (٢)، فقال أبو حنيفة: نفيه حبسُه حتى تظهر توبته أو يموت، وقال مالك: النفي إبعاده عن بلده إلى مسافة البعد (يعني: مسافة الصفر فما زاد) وحبسه فيه. وقال الشافعي: النفي: الحبس أو غيره، كالتغريب، كما في الزنا. ومذهب أحمد أن النفي: أن يُشرَّدوا، فلا يُتركوا يستقرون في بلد، وهو مروي عن ابن عباس وبه قال النخعي وقتادة وعطاء. قلت: الذي يتبادر من قوله (ينفوا) أن فيه طردًا وإبعادًا، وأما حبسه فإنما يكون حيث يرى الإمام أن في إطلاقه - في مكان نفيه - فسادًا أو شرًّا على الناس، واختار شيخ الإسلام أن النفي يكون بحسب ما يراه الإمام: إما بطرده بحيث لا يأوى في بلد، وإما بحبسه وقال: وهذا أعدل وأحسن. اهـ (٣). هل يُقتصُّ من المحارب للجروح؟ (٤) ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن المحارب إذا جَرَح جرحًا فيه قود فاندمل لم يتحتم به قصاص، بل يتخيَّر المجروح بين القود والعفو على مال أو غيره؛ لأن التحتم تغليظ لحق الله، فاختص بالنفس كالكفارة، ولأن الشرع لم يرد بشرع الحد في حق المحارب بالجراح، فبقي على أصله في غير الحرابة. وفي قول عند الشافعية وإحدى الروايتين عن أحمد: يتحتم فيه القصاص كالنفس لأن الجراح تابعة للقتل، فيثبت فيها مثل حكمه. وعند الشافعية قول ثالث وهو: أنه يتحتم في اليدين والرجلين، لأنهما مما يستحقان في المحاربة دون غيرهما. قلت: والراجح أنه يتحتم القصاص لفعل النبي ﷺ بالعرنيين فعن أنس ﵁ قال: «قدم رهط من عكَلٍ على النبي ﷺ كانوا في

стр. 1669

الصفَّة، فاجتووا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، أبغنا رسلًا، فقال: ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله ﷺ ، فأَتوا فشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صحوُّا وسمنوا، وقتلوا الراعي واستاقوا الدَّود، فأتى النبي ﷺ الصَّريخُ، فبعث الطلب في آثارهم، فما ترجل النهار حتى أتى بهم، فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم وقطع أيديهم وأرجلهم، وما حسمهم، ثم ألقوا في الحرَّة يستسقون، فما سُقُوا حتى ماتوا» (١). فقطعهم ﷺ حدًّا للمحاربة، وسمل أعينهم قصاصًا وتركهم يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا لأنهم كذلك فعلوا بالرعاء: فعن أنس ﵁: «أن النبي ﷺ إنما سمر أعينهم، لأنهم سمروا أعينُ الرِّعاء» (٢). أما إذا سرى الجرح إلى النفس فمات المجروح: يتحتم القتل. وذهب الحنفية إلى أن المحارب- إذا أقيم عليه الحد، فلا يقتص منه للجراحات؛ لأن الجناية فيما دون النفس يسلك بها مسلك الأموال، والأصل عندهم ألا يجمع بين الحدِّ والضمان!! وهل يضمن المال المأخوذ؟ (٣) ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن المحاربين إذا أخذوا مالًا وأقيم عليهم الحدُّ؛ ضمنوا المال مطلقًا، وعند الحنفية يضمنون إن كان المال قائمًا، وإلا فلا. وعند الشافعية والحنابلة: يجب الضمان على الآخذ فقط، لا على من كان معه ولم يباشر الأخذ. وقال المالكية: يعتبر كل واحد منهم ضامنًا للمال المأخوذ بفعله أو بفعل صاحبه، فمن قُدر عليه منهم أُخذ بجميع ما أخذ هو وأصحابه، فإن دفع أكثر مما أخذ فإنه يرجع على أصحابه.

стр. 1670

٦ - حَدُّ الردَّة تعريف الردة (١): الردَّة لغة: الرجوع عن الشيء والتحول عنه. وفي الاصطلاح: إتيان المسلم بما يقتضي كفره من قول أو فعل أو ترك أو اعتقاد أو شك، إذا توفرت شرائطه. قال الله تعالى: ﴿ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ (٢). شروط المرتد: لا تقع الردَّةُ من المسلم - الذي أتى أحد أسباب الردَّة - إلا إذا توفر فيه خمسة شروط: شرطا التكليف، وشرط الاختيار، وإرادة الكفر، والعلم بالحال والحكم: ١ - البلوغ: فلا تعتبر ردَّة الصبي لأنه غير مكلف، لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» (٣). وهذا مذهب الشافعي وأبي يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة على مقتضى القياس، وقول لأحمد. وقال أبو حنيفة في الرواية الأخرى: يحكم بردَّة الصبي استحسانًا (!!) وهو مذهب المالكية والمشهور عن أحمد، وهؤلاء قالوا: لا يقتل قبل بلوغه. وقال الشافعي: لا يقتل حتى بعد بلوغه، قال: «لأن إيمانه لم يكن وهو بالغ، ويؤمر بالإيمان، ويجهد عليه بلا قتل» اهـ (٤). ٢ - العقل: فلا تقع الرِّدة من مجنون، للحديث المتقدم، ولذا اتفق الفقهاء على أنه لا صحة لإسلام المجنون ولا لردَّته، بل أحكام الإسلام تبقى سائرة عليه

стр. 1671

لكن إذا كان يجن ساعة ويفيق أخرى، فإن كانت ردته في إفاقته وقعت، وأن كانت في جنونه لا تقع (١). ردَّة السكران (٢): تقدم أنه يشترط لوقوع الرِّدة من المسلم أن يكون عاقلًا، فلو فقد عقله بشرب مسكر، فاختلف أهل العلم في وقوع ردَّته حال سكره على قولين: الأول: تقع ردته، وهو مذهب الشافعية وأظهر الروايتين عن أحمد، واحتجوا بأن الصحابة أقاموا حد القذف على السكران، وبأنه يقع طلاقه، قالوا: فتقع ردَّته، وبأنه مكلف وأن عقله لا يزول كليًّا، فهو أشبه بالناعس منه بالنائم أو المجنون. الثاني: لا تقع ردة السكران: وهو مذهب الحنفية وقول عند الشافعية ورواية عن أحمد وهو قياس اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وشيخنا ابن عثيمين ﵏. وحجتهم أن الردَّة تبنى على الاعتقاد، والسكران غير معتقد لما يقول، ولأنه زائل العقل فلا تكليف عليه؛ لأن العقل شرط في التكليف وهو معدوم في حقه. قلت: وهذا هو الأظهر، والله أعلم. ٣ - الاختيار (٣): يشترط لوقوع الردَّة أن يكون المرتد مختارًا، وهو ضد الإكراه، وهو اسم لما يفعله المرء بغيره، فينتفي به رضاه، أو يفسد به اختياره من غير أن تنعدم به أهليته أو يسقط عنه الخطاب. والإكراه نوعان: نوع يوجب الإلجاء والاضطرار طبعًا، كالإكراه بالقتل أو القطع أو الضرب الذي يخاف فيه تلف النفس أو العضو، قلَّ الضرب أو كثر، وهذا النوع يسمى إكراهًا تامًّا.

стр. 1672

ونوع لا يوجب الإلجاء والاضطرار، وهو الحبس أو القيد أو الضرب الذي لا يخاف منه التلف، وهذا النوع من الإكراه يسمى إكراهًا ناقصًا. وقد اتفق أهل العلم على أن من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر، لم يصر كافرًا، لقوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله﴾ (١). ولما نقل عن عمار بن ياسر ﵄ من أنه حمله المشركون على ما يكره، فجاء إلى النبي ﷺ فقال له: «إن عادوا فَعُدْ» (٢) وهذا في الإكراه التام. وهل يشترط أن يفعله دفعًا للإكراه؟ قال العلامة ابن عثيمين ﵀: «الصحيح أنه لا يكفر ولو كان لم يطرأ على باله أنه يريد دفع الإكراه، لعموم قوله تعالى: ﴿إلا من أكره﴾ ولأن العامة خصوصًا لا يشعرون بهذا المعنى. اهـ. ٤ - إرادة الكفر (٣): ولابد لوقوع الرِّدة أن يكون المرتد مريدًا للكفر، فلو جرى على لسانه من غير قصد، فإنه لا يكفر لأنه لم يُرده، لقوله تعالى: ﴿ولكن كم شرح بالكفر صدرًا﴾ (٤) فغير المريد لم يشرح بالكفر صدرًا، كمن ينطق بالكفر لشدة فرح أو هرم أو ما أشبه ذلك، وهو لا يكفر. ودليله ما جاء عن النبي ﷺ في قصة الرجل الذي «انفلتت منه راحلته بأرض فلاة وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال - من شدة الفرح -: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك» أخطأ من شدة الفرح» (٥). ٥ - العلم بالحال والحكم (٦): لابد لوقوع الردة أن يعلم المرتد أن هذا القول أو الفعل مكفِّر، فلو تكلم

стр. 1673

عربي بكلمة كفر أعجمية، لقوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ (١). فعلم أن من لم يتبين له الهدى شاق الرسول لا يستحق هذا الجزاء، فإذا ارتفع هذا الجزاء ارتفع سببه وهو الكفر. وقال سبحانه: ﴿وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ (٢) وقال : ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ (٣) فالجهل مسقط للحكم، وموجب لانتفاء الردَّة، وهذا لا ينفي أن يكون القول أو الفعل كفرًا لكن القائل أو الفاعل لا يكفَّر حتى تقوم عليه الحجة. ردَّة الهازل (٤): الهازل: هو الذي يتكلم بالكلام من غير قصد لموجبه وحقيقته، بل على وجه اللعب. ومن أتى هازلًا بما يوجب ردَّته، فهو مرتد وعقوبته القتل كما قرره غير واحد من أهل العلم. ١ - والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ (٥). قال ابن العربي: «لا يخلو ما قالوه من ذلك جدَّا أو هزلًا، وهو كيفما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر، لا خلاف فيه بين الأمة، فإن التحقيق أخو العلم والحق، والهزل أخو الباطل والجهل» اهـ. ٢ - ولعموم قوله ﷺ : «من بدَّل دينه فاقتلوه» (٦). فالهازل بما يوجب ردَّته مبدل لدينه، والهازل في حقوق الله غير معذور، فيكون بهزله بذلك مبدلًا لدينه، فيكون مرتدًا يجب قتله، والحديث بعمومه يتناول المبدل جادًّا والمبدل هازلًا، والله أعلم.

стр. 1674

ما تقع به الرِّدة: تنقسم الأمور التي تحصل بها الردة إلى أربعة أقسام: ردة في الاعتقاد، ردة في الأقوال، ردة في الأفعال، ردة في الترك. إلا أن هذه الأقسام تتداخل، فمن اعتقد شيئًا عبَّر عنه بقول أو فعل أو ترك. (أ) مما يوجب الردة من الاعتقاد: ١ - اتفق العلماء على أن من أشرك بالله تعالى، أو جحده، أو نفى صفة ثابتة من صفاته، أو أثبت لله الولد فهو مرتد كافر (١). ٢ - وكذلك من قال بقدم العالم أو بقائه، أو شك في ذلك، ودليلهم قوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ (٢). قال ابن دقيق العيد: «... لأن حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع والتواتر بالنقل عن صاحب الشريعة، فيكفر بسبب مخالفته النقل المتواتر ...» اهـ (٣). ٣ - ويكفر من جحد القرآن كله أو بعضه ولو كلمة، وقال بعضهم: بل يحصل الكفر بجحد حرف واحد، كما يحصل الكفر باعتقاد تناقضه واختلافه، أو الشك بإعجازه، والقدرة على مثله، أو إسقاط حرمته أو الزيادة فيه (٤). فائدة: أما تفسير القرآن وتأويله، فلا يكفر جاحده ولا رادُّه، لأنه أمر اجتهادي من فعل البشر (٥): ٤ - ويعتبر مرتدًّا كذلك من اعتقد كذب النبي ﷺ في بعض ما جاء به، ومن اعتقد حِلَّ شيء مجمع على تحريمه، كالزنا وشرب الخمر، أو أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة (٦).

стр. 1675

(ب) مما يوجب الردَّة من الأقوال: ١ - سبَّ الله تعالى: اتفق الفقهاء على أن من سب الله تعالى كفر، سواء كان مازحًا أو جادًا، أو مستهزئًا (١). وقد قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ (٢). ٢ - سب الرسول ﷺ : من سبَّ الرسول ﷺ فهو مرتد بلا خلاف، ويعتبر سابًّا له ﷺ كل من ألحق به عيبًا أو نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو ازدراه، أو عرَّض به، أو لعنه، أو شتمه، أو عابه، أو قذفه، أو استخف به، ونحو ذلك (٣). فعن عليٍّ ﵁: «أن يهودية كانت تشتم النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله ﷺ دمها» (٤). وعن علي بن المديني، قال: دخلت على أمير المؤمنين فقال: أتعرف حديثًا مسندًا فيمن سب النبي ﷺ فيقتل؟ قلت: نعم، فذكرت له حديث عبد الرزاق عن معمر بن سماك بن الفضل بن عروة بن محمد عن رجل من بلقين، قال: «كان رجل يشتم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : «من يكفيني عدوًّا لي؟» فقال خالد بن الوليد: أنا، فبعثه النبي ﷺ إليه فقتله». فقال له أمير المؤمنين: ليس هذا مسندًا، هو عن رجل (!!) فقلت يا أمير المؤمنين بهذا يعرف هذا الرجل وهو اسمه، وقد أتى النبي ﷺ فبايعه، وهو مشهور معروف، قال: فأمر لي بألف دينار (٥).

стр. 1676

٣ - سب الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام: من سبَّ نبيًّا ممن اتفق على نبوتهم، فكأنما سبَّ نبينا محمدًا ﷺ ، وسابُّه كافر، فكذا كل نبي مقطوع بنبوته، وعلى هذا اتفق الفقهاء. وإن كان نبيَّا غير مقطوع بنبوته، فمن سبَّه زجر، وأُدِّب ونُكِّل به، لكن لا يقتل، وبهذا صرَّح الحنفية (١). ٤ - قذف أم المؤمنين عائشة ﵂: من قذف عائشة ﵂ فهو كافر مرتدٌّ، حكي الإجماع على ذلك جماعة من أهل العلم، والحجة في هذا أن براءتها قد نزلت في كتاب الله تعالى، فيكون قاذفها مكذبًا لصريح القرآن الذي نزل بحقها في قصة الإفك إذ قال تعالى: ﴿يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدًا إن كنتم مؤمنين﴾ (٢). فمن عاد لذلك فليس بمؤمن (٣). وهل سائر الزوجات مثلها؟ (٤) ذهب الحنفية والحنابلة - في الصحيح - واختاره شيخ الإسلام، إلى أنهن مثلها في ذلك لقوله تعالى: ﴿الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم﴾ (٥) ولأن الطعن بهن يلزم منه الطعن بالرسول ﷺ والعار عليه، وذلك ممنوع. وذهب الشافعية - وهو الرواية الأخرى عند الحنابلة - إلى أنهن - سوى عائشة - كسائر الصحابة، وسابهن يجلد؛ لأنه قاذف. قلت: لعل هذا الأخير أظهر، والعلم عند الله.

стр. 1677

حكم من قال لمسلم: «يا كافر»: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه» (١). وعن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا رجلًا بالكفر أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه» (٢). قيل: معناه: فقد رجع عليه تكفيره، فليس الراجع حقيقة الكفر، بل التكفير، لكونه جعل أخاه المؤمن كافرًا، فكأنه كفَّر نفسه، إما لأنه كفَّر من هو مثله، أو لأنه كفَّر من لا يكفِّره إلا كافر يعتقد بطلان الإسلام، قاله النووي. وقال المازري: قوله (وإلا رجعت عليه) يحتمل أن يكون إذا قالها مستحلًّا فيكفر باستحلاله. قال النووي: وقيل معناه أن ذلك يأول به إلى الكفر، يعنى أنه يُخاف على المكثر من ذلك أن يكون عاقبة شؤمها الكفر والمصير إليه. قال ابن عبد البر: والمعنى فيه عند أهل الفقه والأثر والجماعة: النهي عن تكفير المسلم. اهـ. (جـ) مما يوجب الردَّة من الأفعال: ١ - إلقاء المصحف في محل قذر (٣): فهذا يوجب الرِّدة باتفاق الفقهاء؛ لأن فعل ذلك استخفاف بكلام الله تعالى، فهو أمارة عدم التصديق. وقال الشافعية والمالكية: وكذا إلقاء بعضه، وكذا كل فعل يدل على الاستخفاف بالقرآن الكريم. ٢ - السجود لصنم ونحوه، أو السجود للشمس والقمر، فهو كفر بالاتفاق (٤). ٣ - السحر (٥): قال الله تعالى: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل

стр. 1678

على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ (١). وقد ثنَّى النبي ﷺ بالسحر الشركَ في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (٢). وقد استُدل بهذه الآية على أن السحر كفر مطلقًا، ومتعلمه كافر يُقتل ولا يستتاب بل يتحتم قتله كالزنديق، وبهذا قال مالك وأحمد وجماعة من الصحابة منهم عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وأبو موسى وقيس بن سعد. وقد روُي من حديث جندب مرفوعًا: «حدُّ الساحر ضربة بالسيف» (٣) ولا يصح مرفوعًا. ومما ثبت في قتل الساحر: ١ - أثر عمرو بن دينار قال: سمعت بجالة يحدث أبا الشعثاء وعمرو بن أوس عند صفة زمزم في إمارة مصعب بن الزبير قال: كنت كاتبًا لجزء عم الأحنف بن قيس، فأتانا كتاب عمر قبل موته بسنة: «اقتلوا كل ساحر، وفرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، وانهوهم عن الزمزمة» فقتلنا ثلاث سواحر (٤). ٢ - وعن ابن عمر أن جارية لحفصة سحرتها، واعترفت بذلك، فأمرت بها عبد الرحمن بن زيد فقتلها، فأنكر ذلك عليها عثمان، فقال ابن عمر: «وما تنكر على أم المؤمنين من امرأة سحرت واعترفت؟» فسكت عثمان (٥). ٣ - وعن أبي عثمان النهدي عن جندب أنه قتل ساحرًا كان عند الوليد بن عقبة، ثم قال: «أتأتون السحر وأنتم تبصرون» (٦). وأما جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية، والحنابلة فذهبوا إلى أن السحر

стр. 1679

من كبائر الذنوب وهو من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفرًا ومنه ما لا يكون كفرًا بل معصية كبيرة فإن كان فيه قول أو نص يقتضي الكفر فهر كفر وإلا فلا، وأما تعلمه أو تعليمه فحرام، فإن كان فيه ما يقتضي الكفر كفر واستتيب منه ولا يقتل فإن تاب قبلت توبته، وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر. وقال القرطبي ﵀: وقال بعض العلماء: إن قال أهل الصناعة إن السحر لا يتم إلا مع الكفر والاستكبار أو تعظيم الشيطان، فالسحر إذًا دالٌّ على الكفر على هذا التقدير، والله أعلم. اهـ. ٤ - كل فعل صريح في الاستهزاء بالإسلام، فهو كفر كذلك. بهذا قال الحنفية لقوله تعالى: ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ (١) (٢). (د) مما يوجب الردة من الترك: ١ - ترك الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو الحج جحودًا لها: لأنها من المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة فمن ترك شيئًا من ذلك جاحدًا له فإنه يكون مرتدًّا بلا خلاف (٣). ٢ - ترك الصلاة ولو من غير جحود: ردَّة كذلك في أصح قولي العلماء، وقد تقدم تحرير هذا في أوائل «كتاب الصلاة» وهذا مذهب أحمد وإسحاق وابن المبارك وعبد الملك بن حبيب من المالكية، وأحد الوجهين من مذهب الشافعية، وحكاه الطحاوي عن الشافعي نفسه، وحكاه ابن حزم عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة (٤). ثبوت الرِّدة: تثبت الردة بأحد أمرين: ١ - الإقرار. ٢ - الشهادة.

стр. 1680

ويشترط في الشهادة على الردة أن تكون من شاهدين عدلين في قول أكثر أهل العلم، وخالف الحسن فاشترط شهادة أربعة، قال: لأنها شهادة بما يوجب القتل، فلم يُقبل فيها إلا أربعة قياسًا على الزنا (!!). وفيه نظر، لأنه قياس لا يصح، إذ ليست العلة في اشتراط الأربعة في الزنا هي القتل، بدليل أنه يعتبر في زنا البكر كذلك الأربعة في الشهادة، ولا قتل فيه. ويجب التفصيل في الشهادة على الردة بأن يبين الشهود وجه كفره، نظرًا للخلاف في موجباته، وحفاظًا على الأرواح (١). وإذا أنكر المرتد؟ إذا أنكر المرتد ما شهد به عليه اعتبر إنكاره توبة ورجوعًا عند الحنفية، فيمتنع القتل في حقه. وأما الجمهور فقالوا: يحكم عليه بالشهادة ولا ينفعه إنكاره، بل يلزمه أن يأتي بما يصير به الكافر مسلمًا (٢). استتابة المرتد: اختلف أهل العلم في حكم استتابة المرتد بعد ثبوت الردة عليه، على خمسة أقوال: الأول: يجب استتابته مطلقًا، سواء كان مسلمًا أصليًّا ثم ارتد، أو كان كافرًا ثم أسلم ثم ارتد، وهذا مذهب مالك والرواية المشهورة في مذهب أحمد، وهو رواية عن أبي حنيفة وقول للشافعي، وبه قال عطاء والنخعي والثوري والأوزاعي وإسحاق (٣) واحتجوا بما يلي: ١ - حديث جابر «أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام فبلغ أمرها إلى النبي ﷺ فأمر أن تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت» (٤) وهو حديث ضعيف. ٢ - أثر عمر بن الخطاب ﵁ أنه: قدم عليه رجل من قبل أبي موسى، فسأله

стр. 1681

عن الناس فأخبره، ثم قال: «هل من مُغربة خَبر؟» قال: نعم، كفر رجل بعد إسلامه، قال: «فما فعلتم به؟» قال: قرَّبناه فضربنا عنقه، فقال عمر: «هلا حبستموه ثلاثًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا واستتبتموه، لعله يتوب ويراجع أمر الله؟ اللهم إني لم أحضر ولم أرض إذ بلغني» (١). قالوا: فلو لم تجب استتابته لما برئ من فعلهم. ٣ - واستدلوا بفعل بعض الصحابة في استتابتهم للمرتدين كما سيأتي في أدلة الأقوال الأخرى. ٤ - وأولوا الأمر بقتل المرتد بأن المراد: بعد أن يستتاب. الثاني: لا تجب استتابة المرتد، وإنما تستحب (٢)، وهو قول ثانٍ للشافعي ورواية عن أحمد وأبي حنيفة، وبه قال الحسن وطاووس، واحتجوا بما يلي: ١ - قول النبي ﷺ : «من بدَّل دينه فاقتلوه» (٣) ولم يذكر استتابة. ٢ - قصة تولية أبي موسى الأشعري وفيها: «ثم اتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادة، قال: انزل، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًّا فأسلم ثم تهوَّد، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يُقتل، قضاء الله ورسوله (ثلاث مرات) فأمر به فقُتل» (٤). ولم يذكر استتابته. ٣ - عمل الصحابة ﵃ على استتابة المرتد، ومما ثبت عنهم: (أ) أثر أنس قال: لما افتتحنا تستر، بعثني الأشعري إلى عمر بن الخطاب فلما قدمت عليه قال: «ما فعل البكريون؟ جهيمة وأصحابه»، قلت: يا أمير المؤمنين ما فعلوا: أنهم فتلوا ولحقوا بالمشركين وارتدوا عن الإسلام، وقاتلوا مع المشركين حتى قتلوا. قال: فقال: «لأن أكون أخذتهم سلمًا كان أحب إليَّ مما على وجه الأرض من

стр. 1682

صفراء أو بيضاء»، فقلت: وما كان سبيلهم لو أخذتهم؟ قال: «كنت أعرض عليهم الباب الذي خرجوا منه، فإن أبوا استودعتهم السجن» (١). (ب) أثر ابن مسعود أنه: أخذ قومًا ارتدوا عن الإسلام من أهل العراق، فكتب فيهم إلى عثمان بن عفان ﵁، فكتب إليه أن: «اعرض عليهم دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن قبلوا فخلِّ عنهم، وإن لم يقبلوا فاقتلهم» فقبلها بعضهم فتركه، ولم يقبلها بعضهم فقتله» (٢). (جـ) وعن أبي بردة في قصة رجل ارتد عن الإسلام قال: «فأُتي أبو موسى برجل قد ارتد عن الإسلام، فدعاه عشرين ليلة أو قريبًا منها، فجاء معاذ فدعاه فأبى فضرب عنقه» (٣). (د) وعن قابوس بن مخارق أن محمد بن أبي بكر كتب إلى عليٍّ يسأله عن مسلمين تزندقا ... ؟ فكتب إليه عليٌّ: «أما الذين تزندقا، فإن تابا، وإلا فاضرب عنقهما ...» (٤). ٤ - قالوا: ولأنه يقتل لكفره، فلم تجب استتابته كالأصلي. ٥ - قالوا: ولأنه لو قتل قبل الاستتابة لم يضمن، ولو حرم قتله قبلها لضمن. الثالث: لا تجب الاستتابة ولا تمنع، وهو مذهب أبي محمد بن حزم وأصحابه (٥)، وحجتهم عدم الدليل على وجوب الاستتابة، مع كونها من فعل الخير والدعاء إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد قال سبحانه: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ (٦)، وقال: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (٧). هذا مع فعل الصحابة الذي تقدم ذكره.

стр. 1683

الرابع: تجب الاستتابة لمن كان كافرًا فأسلم ثم ارتد، دون من كان مسلمًا أصليًّا، وهذا قول عطاء، وهو مروي عن ابن عباس، قالوا: وإنما تشرع الاستتابة لمن خرج عن الإسلام لا عن بصيرة، فأما من خرج عن بصيرة فلا. الخامس: لا يستتاب، بل يؤمر بالرجوع إلى الإسلام والسيف على عنقه، فإن أبى ضرب عنقه، وبه قال طائفة من العلماء منهم الإمام الشوكاني ﵀ (١) وعزا الشوكاني القول بوجوب قتله في الحال إلى الحسن (!!) وطاووس وأهل الظاهر (!!!) ونقله ابن المنذر عن معاذ وعبيد بن عمير، وعليه يدل تصرف البخاري في «الصحيح» وذكر شيخنا ابن عثيمين ﵀ أنه رواية عن أحمد. الراجح: الذي يظهر لي - والعلم عند الله - أن النص المرفوع إلى النبي ﷺ إنما يدل على وجوب قتل المرتد، فهذا هو الأصل، لكن إن رأى الإمام في إمهاله واستتابته مصلحة فله ذلك، لفعل الصحابة الأخيار ﵃، ولعموم قوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ (٢). فائدة: اختلف القائلون بالاستتابة: هل يكتفي بالمرة أم لابد من ثلاث؟ وهل الثلاث في مجلس أو في يوم أو في ثلاثة أيام؟ ونقل عن عليٍّ ﵁ أنه يستتاب شهرًا، واستتاب أبو موسى عشرين يومًا كما تقدم، وعن النخعي: يستتاب أبدًا (!!). قلت: المردُّ للمصلحة التي يراها الإمام، والله أعلم. كيفية توبة المرتد (٣): إذا نطق المرتد الشهادتين صحت توبته عند الحنفية والشافعية والحنابلة، لقوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله» (٤). وحيث إن الشهادة يثبت بها إسلام الكافر الأصلي فكذا المرتد، فإذا ادعى المرتد الإسلام ورفض النطق بالشهادتين، لا تصح توبته.

стр. 1684

قلت: وينبغي أن يتنبه إلى أن المرتد إن كان كفره لإنكار شيء آخر، كمن خصص رسالة محمد ﷺ بالعرب، أو جحد فرضًا أو أنكر معلومًا من الدين بالضرورة ونحو ذلك من البدع المكفرة التي ينتسب أهلها إلى الإسلام، فإنه لا يحكم بإسلامه بمجرد الشهادتين، بل يلزمه مع الشهادتين الإقرار بما أنكر ويتوب مما كان سببًا في الحكم عليه بالردة، وبهذا قال الشافعية والحنابلة. وأما قول الحنفية: إن توبة المرتد أن يتبرأ عن الأديان سوى الإسلام أو عما انتقل إليه بعد نطقه بالشهادتين (!!) فهذا كلام مجمل لا يكفي في حقيقة التوبة لأنه قد يعتقد أن ما هو عليه هو الإسلام، وما أكثر الذين يدَّعون أنهم مسلمون وهم متلبسون بالكفر، والله أعلم. توبة الزنديق ومن تكررت ردته: اختلف الفقهاء في قبول توبة المرتد وعدم قبولها (١) إذا كان زنديقًا، وهو المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وتوبة من تكررت ردَّته، على قولين (٢): الأول: تقبل توبته كأي مرتد، وهو مذهب الحنفية والشافعية وإحدى الروايتين في مذهب أحمد واختارها ابن قدامة، وهو مروي عن عليٍّ وابن مسعود ﵄، واحتجوا بما يلي: ١ - قول الله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ (٣). ٢ - وقوله تعالى: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين﴾ (٤). ٣ - قوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا لله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (٥).

стр. 1685

٤ - ما رُوي أن رجلًا سارًّ رسول الله ﷺ في قتل رجل من المسلمين - وفي رواية: من المنافقين - فقال رسول الله ﷺ : «أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: بلى، ولا شهادة له، قال: «أليس يصلي؟» قال: بلى ولا صلاة له، فقال رسول الله ﷺ : «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم». ٥ - قالوا: ولأن النبي ﷺ كفَّ عن النافقين بما أظهروا من الشهادة مع إخبار الله تعالى رسوله ﷺ بهم، وإخبار الرسول ﷺ حذيفة بجماعة منهم، وكانت لهم بالمدينة قوة وشوكة. فائدة: صرَّح الحنفية بأن توبته تقبل، لكنه يُعذب في كل مرة ويحبس. القول الثاني: لا تقبل توبته، وهذا مذهب مالك والرواية الثانية عن أبي حنيفة وأحمد، وبه قال الليث وإسحاق، وحجتهم: ١ - قول الله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا﴾ (١). فانتفت عنهم المغفرة والهداية لانتفاء توبتهم، ولو قبل توبتهم لغفر لهم. وأجيب ... بأن الآية الكريمة ليس في آخرها أنهم تابوا، بل هم قد ازدادوا كفرًا فلم يوفقهم الله تعالى للتوبة، وليس المعنى: إذا تابوا لم يتب عليهم. ٢ - ما روي عن ظبيان بن عمارة: أن رجلًا من بني سعد مر على مسجد بني حنيفة فإذا هم يقرءون برجز مسيلمة، فرجع إلى ابن مسعود، فذكر ذلك له، فبعث إليهم؛ فأتى بهم، فاستتابهم، فتابوا، فخلَّى سبيلهم إلا رجلًا منهم يقال له «ابن النوَّاحة» قال: «قد أوتيت بك مرة فزعمت أنك قد تبت، وأراك عدت» فقتله (٢). ٣ - قالوا: ولأن تكرار الردَّة دليل على فساد العقيدة، وقلة المبالاة، والتلاعب بالدين (٣). وأجاب ابن قدامة بأن الأثر حجة في قبول توبتهم مع استمرارهم بالكفر، وأما قتله لابن النواحة فيحتمل أنه قتله لظهور كذبه في توبته، أو لقوله ﷺ فيها لما جاء رسولًا لمسيلمة: «لولا أنك رسول لضربت عنقك» (٤).
следующие страницы →