← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

عن الناس فأخبره، ثم قال: «هل من مُغربة خَبر؟» قال: نعم، كفر رجل بعد إسلامه، قال: «فما فعلتم به؟» قال: قرَّبناه فضربنا عنقه، فقال عمر: «هلا حبستموه ثلاثًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا واستتبتموه، لعله يتوب ويراجع أمر الله؟ اللهم إني لم أحضر ولم أرض إذ بلغني» (١). قالوا: فلو لم تجب استتابته لما برئ من فعلهم. ٣ - واستدلوا بفعل بعض الصحابة في استتابتهم للمرتدين كما سيأتي في أدلة الأقوال الأخرى. ٤ - وأولوا الأمر بقتل المرتد بأن المراد: بعد أن يستتاب. الثاني: لا تجب استتابة المرتد، وإنما تستحب (٢)، وهو قول ثانٍ للشافعي ورواية عن أحمد وأبي حنيفة، وبه قال الحسن وطاووس، واحتجوا بما يلي: ١ - قول النبي ﷺ : «من بدَّل دينه فاقتلوه» (٣) ولم يذكر استتابة. ٢ - قصة تولية أبي موسى الأشعري وفيها: «ثم اتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادة، قال: انزل، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًّا فأسلم ثم تهوَّد، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يُقتل، قضاء الله ورسوله (ثلاث مرات) فأمر به فقُتل» (٤). ولم يذكر استتابته. ٣ - عمل الصحابة ﵃ على استتابة المرتد، ومما ثبت عنهم: (أ) أثر أنس قال: لما افتتحنا تستر، بعثني الأشعري إلى عمر بن الخطاب فلما قدمت عليه قال: «ما فعل البكريون؟ جهيمة وأصحابه»، قلت: يا أمير المؤمنين ما فعلوا: أنهم فتلوا ولحقوا بالمشركين وارتدوا عن الإسلام، وقاتلوا مع المشركين حتى قتلوا. قال: فقال: «لأن أكون أخذتهم سلمًا كان أحب إليَّ مما على وجه الأرض من

стр. 1682

صفراء أو بيضاء»، فقلت: وما كان سبيلهم لو أخذتهم؟ قال: «كنت أعرض عليهم الباب الذي خرجوا منه، فإن أبوا استودعتهم السجن» (١). (ب) أثر ابن مسعود أنه: أخذ قومًا ارتدوا عن الإسلام من أهل العراق، فكتب فيهم إلى عثمان بن عفان ﵁، فكتب إليه أن: «اعرض عليهم دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن قبلوا فخلِّ عنهم، وإن لم يقبلوا فاقتلهم» فقبلها بعضهم فتركه، ولم يقبلها بعضهم فقتله» (٢). (جـ) وعن أبي بردة في قصة رجل ارتد عن الإسلام قال: «فأُتي أبو موسى برجل قد ارتد عن الإسلام، فدعاه عشرين ليلة أو قريبًا منها، فجاء معاذ فدعاه فأبى فضرب عنقه» (٣). (د) وعن قابوس بن مخارق أن محمد بن أبي بكر كتب إلى عليٍّ يسأله عن مسلمين تزندقا ... ؟ فكتب إليه عليٌّ: «أما الذين تزندقا، فإن تابا، وإلا فاضرب عنقهما ...» (٤). ٤ - قالوا: ولأنه يقتل لكفره، فلم تجب استتابته كالأصلي. ٥ - قالوا: ولأنه لو قتل قبل الاستتابة لم يضمن، ولو حرم قتله قبلها لضمن. الثالث: لا تجب الاستتابة ولا تمنع، وهو مذهب أبي محمد بن حزم وأصحابه (٥)، وحجتهم عدم الدليل على وجوب الاستتابة، مع كونها من فعل الخير والدعاء إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد قال سبحانه: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ (٦)، وقال: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (٧). هذا مع فعل الصحابة الذي تقدم ذكره.

стр. 1683

الرابع: تجب الاستتابة لمن كان كافرًا فأسلم ثم ارتد، دون من كان مسلمًا أصليًّا، وهذا قول عطاء، وهو مروي عن ابن عباس، قالوا: وإنما تشرع الاستتابة لمن خرج عن الإسلام لا عن بصيرة، فأما من خرج عن بصيرة فلا. الخامس: لا يستتاب، بل يؤمر بالرجوع إلى الإسلام والسيف على عنقه، فإن أبى ضرب عنقه، وبه قال طائفة من العلماء منهم الإمام الشوكاني ﵀ (١) وعزا الشوكاني القول بوجوب قتله في الحال إلى الحسن (!!) وطاووس وأهل الظاهر (!!!) ونقله ابن المنذر عن معاذ وعبيد بن عمير، وعليه يدل تصرف البخاري في «الصحيح» وذكر شيخنا ابن عثيمين ﵀ أنه رواية عن أحمد. الراجح: الذي يظهر لي - والعلم عند الله - أن النص المرفوع إلى النبي ﷺ إنما يدل على وجوب قتل المرتد، فهذا هو الأصل، لكن إن رأى الإمام في إمهاله واستتابته مصلحة فله ذلك، لفعل الصحابة الأخيار ﵃، ولعموم قوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ (٢). فائدة: اختلف القائلون بالاستتابة: هل يكتفي بالمرة أم لابد من ثلاث؟ وهل الثلاث في مجلس أو في يوم أو في ثلاثة أيام؟ ونقل عن عليٍّ ﵁ أنه يستتاب شهرًا، واستتاب أبو موسى عشرين يومًا كما تقدم، وعن النخعي: يستتاب أبدًا (!!). قلت: المردُّ للمصلحة التي يراها الإمام، والله أعلم. كيفية توبة المرتد (٣): إذا نطق المرتد الشهادتين صحت توبته عند الحنفية والشافعية والحنابلة، لقوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله» (٤). وحيث إن الشهادة يثبت بها إسلام الكافر الأصلي فكذا المرتد، فإذا ادعى المرتد الإسلام ورفض النطق بالشهادتين، لا تصح توبته.

стр. 1684

قلت: وينبغي أن يتنبه إلى أن المرتد إن كان كفره لإنكار شيء آخر، كمن خصص رسالة محمد ﷺ بالعرب، أو جحد فرضًا أو أنكر معلومًا من الدين بالضرورة ونحو ذلك من البدع المكفرة التي ينتسب أهلها إلى الإسلام، فإنه لا يحكم بإسلامه بمجرد الشهادتين، بل يلزمه مع الشهادتين الإقرار بما أنكر ويتوب مما كان سببًا في الحكم عليه بالردة، وبهذا قال الشافعية والحنابلة. وأما قول الحنفية: إن توبة المرتد أن يتبرأ عن الأديان سوى الإسلام أو عما انتقل إليه بعد نطقه بالشهادتين (!!) فهذا كلام مجمل لا يكفي في حقيقة التوبة لأنه قد يعتقد أن ما هو عليه هو الإسلام، وما أكثر الذين يدَّعون أنهم مسلمون وهم متلبسون بالكفر، والله أعلم. توبة الزنديق ومن تكررت ردته: اختلف الفقهاء في قبول توبة المرتد وعدم قبولها (١) إذا كان زنديقًا، وهو المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وتوبة من تكررت ردَّته، على قولين (٢): الأول: تقبل توبته كأي مرتد، وهو مذهب الحنفية والشافعية وإحدى الروايتين في مذهب أحمد واختارها ابن قدامة، وهو مروي عن عليٍّ وابن مسعود ﵄، واحتجوا بما يلي: ١ - قول الله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ (٣). ٢ - وقوله تعالى: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين﴾ (٤). ٣ - قوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا لله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (٥).

стр. 1685

٤ - ما رُوي أن رجلًا سارًّ رسول الله ﷺ في قتل رجل من المسلمين - وفي رواية: من المنافقين - فقال رسول الله ﷺ : «أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: بلى، ولا شهادة له، قال: «أليس يصلي؟» قال: بلى ولا صلاة له، فقال رسول الله ﷺ : «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم». ٥ - قالوا: ولأن النبي ﷺ كفَّ عن النافقين بما أظهروا من الشهادة مع إخبار الله تعالى رسوله ﷺ بهم، وإخبار الرسول ﷺ حذيفة بجماعة منهم، وكانت لهم بالمدينة قوة وشوكة. فائدة: صرَّح الحنفية بأن توبته تقبل، لكنه يُعذب في كل مرة ويحبس. القول الثاني: لا تقبل توبته، وهذا مذهب مالك والرواية الثانية عن أبي حنيفة وأحمد، وبه قال الليث وإسحاق، وحجتهم: ١ - قول الله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا﴾ (١). فانتفت عنهم المغفرة والهداية لانتفاء توبتهم، ولو قبل توبتهم لغفر لهم. وأجيب ... بأن الآية الكريمة ليس في آخرها أنهم تابوا، بل هم قد ازدادوا كفرًا فلم يوفقهم الله تعالى للتوبة، وليس المعنى: إذا تابوا لم يتب عليهم. ٢ - ما روي عن ظبيان بن عمارة: أن رجلًا من بني سعد مر على مسجد بني حنيفة فإذا هم يقرءون برجز مسيلمة، فرجع إلى ابن مسعود، فذكر ذلك له، فبعث إليهم؛ فأتى بهم، فاستتابهم، فتابوا، فخلَّى سبيلهم إلا رجلًا منهم يقال له «ابن النوَّاحة» قال: «قد أوتيت بك مرة فزعمت أنك قد تبت، وأراك عدت» فقتله (٢). ٣ - قالوا: ولأن تكرار الردَّة دليل على فساد العقيدة، وقلة المبالاة، والتلاعب بالدين (٣). وأجاب ابن قدامة بأن الأثر حجة في قبول توبتهم مع استمرارهم بالكفر، وأما قتله لابن النواحة فيحتمل أنه قتله لظهور كذبه في توبته، أو لقوله ﷺ فيها لما جاء رسولًا لمسيلمة: «لولا أنك رسول لضربت عنقك» (٤).

стр. 1686

فقال ابن مسعود: «فأنت اليوم لست برسول» فأمر قرطة بن كعب فضرب عنقه في السوق. اهـ. الترجيح: أقول: هاهنا أمران أحب التنبيه عليهما: ١ - تكرار الذنب لا يستلزم عدم صدق التوبة، فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن عبدًا أصاب ذنبًا فقال: رب أذنبت ذنبًا، فاغفر لي، فقال ربه: أعلم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبًا ... [الحديث وفي آخره:] فقال: أعلم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي [ثلاثًا] فليعمل ما شاء» (١). ٢ - والأمر الآخر أنه ينبغي، التنبُّه والتحرِّي قبل قبول توبة الزنديق ومن تكررت ردَّته، ولذلك فالذي يظهر لي أن أمر قبولها وعدمه راجع إلى الحاكم، وقد جعل الله تعالى للمؤمنين على المنافقين سبيلًا بمعرفتهم في لحن القول، كما قال سبحانه: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ (٢). وأما إطلاق القول بقبول توبتهما أو عدمه فلا أرى في أدلة الفريقين ما يقويه، إذ غالبها يتعلق بالتوبة في الباطن - فيما بينه وبين الله - وهذا ليس موضع النزاع كما رأيت. وأما أثر ابن مسعود فهو مع كونه محتملًا - كما رأيت - فهو موافق لما رجَّحته، والله المستعان. قتل المرتد: إذا ارتد المسلم، وكان مستوفيًا شرائط الردَّة، أهدر دمه، وقتله الإمام أو نائبه بعد الاستتابة. ودليل قتله كما تقدم حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من بدَّل دينه فاقتلوه» (٣). وحديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٤).

стр. 1687

فإذا قتل المرتد على ردَّته، فلا يُغسَّل، ولا يصلَّى عليه، ولا يدفن مع المسلمين. وقتل المرتد إنما هو إلى الإمام حرًّا كان أو عبدًا، وعلى هذا عامة أهل العلم إلا الشافعي ﵀ في أحد الوجهين في العبد، فإن لسيده قتله، وحجته حديث: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» (١). وقتل حفصة ﵂ لجارية سحرتها، ولأنه حق الله تعالى، فملك سيده إقامته على عبده كجلد الزاني. وأجاب الجمهور بأن حديث: «أقيموا الحدود ...» لا يتناول القتل للردة، فإنه قتل لأجل الكفر وليس حدًّا. قالوا: وأما خبر حفصة فإن عثمان تغيَّظ عليها وشق ذلك عليه!! [قلت: لكن راجعه ابن عمر فسكت كما تقدم]. قالوا: والجلد للزاني تأديب، وللسيد تأديب عبده، بخلاف القتل فإن قتله غير الإمام أساء ولا ضمان عليه. قلت: قول الجمهور أحوط لما فيه من سدِّ ذريعة قتل السيد لعبده مع عدم استحقاقه، على أن المرتد لو قتله غير الإمام فهو مسيء يُعزَّر لإساءته وافتياته، لكن لا ضمان عليه، والله أعلم. وهل تُقْتَلُ المرتدة كالرجل؟ إذا ارتدت المرأة المسلمة وكانت مستوفية لشرائط الردّة، فقد تنازع أهل العلم في قتلها، على ثلاثة أقوال (٢): الأول: تقتل، لا فرق بينها وبين المرتد: وبهذا قال جمهور الفقهاء مالك والشافعي وأحمد، وهو مروي عن أبي بكر وعليٍّ ﵄، وبه قال الحسن والزهري والنخعي ومكحول وحماد والليث والأوزاعي وإسحاق: ١ - لعموم قوله ﷺ : «من بدَّل دينه فاقتلوه».

стр. 1688

٢ - وعموم قوله فيمن يحل دمه: «... والتارك لدينه المفارق للجماعة». ٣ - ولما روي أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت فأمر النبي ﷺ أن يُعرض عليها الإسلام فإن تابت وإلا قتلت» (١). ٤ - ولأنها شخص مكلف بدَّل دين الحق بالباطل فتقتل كالرجل. الثاني: لا تقتل، بل تحبس وتضرب حتى تتوب أو تموت: وهذا مذهب أبي حنيفة، واحتج له: ١ - يقول النبي ﷺ : «لا تقتلوا امرأة» (٢). وأجيب: بأن هذا النهي إنما هو عن قتل المرأة الكافرة الأصلية التي لا تقاتل ولا تحرض على القتال، وقد نهى عنه عندما رأى امرأة مقتولة. ثم إن المرأة لو شاركت في القتال فإنها تقتل، فعن رباح بن ربيع قال: كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلًا فقال: انظر علام اجتمع هؤلاء، فجاء فقال: على امرأة قتيل، فقال: «ما كانت هذه لتقاتل» قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلًا فقال: «قل لخالد: لا يقتلن امرأة ولا عسيفًا» (٣). ٢ - قالوا: ولأنها لا تقتل بالكفر الأصلي فلا تقتل بالطارئ كالصبي (!!). وأجيب ... بأن قياس المرأة على الصبي، قياس مع الفارق، فإن الصبي غير مكلف، وهي مكلفة. القول الثالث: لا تقتل، وإنما تُسترق، وهو منسوب لعليِّ بن أبي طالب ﵁ (!!) والحسن وقتادة، وحجتهم: «أن أبا بكر الصديق ﵁ استرق نساء بني حنيفة وذراريهم، وأعطى عليًّا منهم امرأة فولدت له محمد ابن الحنفية». قالوا: وكان هذا بمحضر من الصحابة فلم ينكروه فكان إجماعًا (!!). وأجيب .. بأنه لم يثبت أن من استُرق من بني حنيفة تقدم له إسلام، ولم يكن بنو حنيفة أسلموا كلهم، وإنما أسلم بعضهم، وعلى كل حالٍ فقد اجتمعوا

стр. 1689

على الردة وحرب المسلمين، ولهذا قوتلوا وعوملوا معاملة كفار محاربين، فمن وقع منهم في الأسر ورأى الإمام استرقاقه فله ذلك. الراجح: لا شك أن مذهب الجمهور هنا هو الصواب وذلك لقول النبي - ﷺ : «النساء شقائق الرجال» (١) وهذا أصل لا يخرج عنه إلا بنص، ولا نص هنا والله أعلم. جنايات المرتد: الردة لترك الصلاة: لا خلاف في أن من ترك الصلاة جاحدًا لها يكون مرتدًّا، وكذا الزكاة والصوم والحج، لأنها من المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة. وأما تارك الصلاة كسلًا ففي حكمه ثلاثة أقوال: أحدها: يقتل ردة، وهي رواية عن أحمد وقول سعيد بن جبير، وعامر الشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبي عمرو، والأوزاعي، وأيوب السختياني، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وعبد الملك بن حبيب من المالكية، وهو أحد الوجهين من مذهب الشافعي، وحكاه الطحاوي عن الشافعي نفسه، وحكاه أبو محمد بن حزم عن عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة. والقول الثاني: يقتل حدًّا لا كفرًا، وهو قول مالك والشافعي، وهي رواية عن أحمد. والقول الثالث: أن من ترك الصلاة كسلًا يكون فاسقًا ويحبس حتى يصلي، وهو المذهب عند الحنفية. جنايات المرتد والجناية عليه: جنايات المرتد على غيره لا تخلو: إما أن تكون عمدًا أو خطأ، وكل منها، إما أن تقع على مسلم، أو ذمي، أو مستأمن، أو مرتد مثله. وهذه الجنايات إما أن تكون على النفس بالقتل، أو على ما دونها، كالقطع والجرح، أو على العرض كالزنا والقذف، أو على المال كالسرقة وقطع الطريق، وهذه الجنايات قد تقع في بلاد الإسلام، ثم يهرب المرتد إلى بلاد الحرب، أو لا يهرب، أو تقع في بلاد الحرب، ثم يتنقل المرتد إلى بلاد الإسلام.

стр. 1690

وقد تقع منه هذه كلها في إسلامه، أو ردته، وقد يستمر على ردته أو يعود مسلمًا، وقد تقع منه منفردًا، أو في جماعة، أو أهل بلد. ومثل هذا يمكن أن يقال في الجناية على المرتد. جناية المرتد على النفس: إذا قتل مرتد مسلمًا عمدًا فعليه القصاص، اتفاقًا. أما إذا قتل المرتد ذميًّا أو مستأمنًا عمدًا فيقتل به عند الحنفية والحنابلة وهو أظهر قولي الشافعي، لأنه أسوأ حالًا من الذمي، إذ المرتد مهدر الدم ولا تحل ذبيحته، ولا مناكحته، ولا يقر بالجزية. ولا يقتل عند المالكية وهو القول الآخر للشافعي لبقاء علقة الإسلام، لأنه لا يقر على ردته. وإذا قتل المرتد حرًّا مسلمًا أو ذميًّا خطأ وجبت الدية في ماله، ولا تكون على عاقلته عند الحنفية ولشافعية والحنابلة. والدية يشترط لها عصمة الدم لا الإسلام عند الحنفية والشافعية والحنابلة؛ لأنه قد حل دمه وصار بمنزلة أهل الحرب. وقال المالكية بأن الضمان على بيت المال لأن بيت المال يأخذ أرش الجناية عليه ممن جني فكما يأخذ ماله يغرم عنه. وهذا إن لم يتب. فإن تاب فقيل: في ماله، وقيل: على عاقلته، وقيل: على المسلمين، وقيل: على من ارتد إليهم. جناية المرتد على ما دون النفس: قال المالكية: لا فرق في جناية المرتد بين ما إذا كانت على النفس أو على ما دونها، ولا يقتل المرتد بالذمي، وإنما عليه الدية في ماله لزيادته على الذمي بالإسلام الحكمي. وقال ابن قدامة: يقتل المرتد بالمسلم والذمي، وإن قطع طرفًا من أحدهما فعليه القصاص فيه أيضًا. وقال بعض أصحا ب الشافعي: لا يقتل المرتد بالذمي ولا يقطع طرفه بطرفه، لأن أحكام الإسلام في حقه باقية بدليل وجوب العبادات عليه ومطالبته بالإسلام. قال ابن قدامة: ولنا: أنه كافر فيقتل بالذمي كالأصلي.

стр. 1691

وفي مغني المحتاج: الأظهر قتل المرتد بالذمي لاستوائهما في الكفر. بل المرتد أسوأ حالًا من الذمي لأنه مهدر الدم فأولى أن يقتل بالذمي. زنى المرتد: إذا زنى مرتد أو مرتدة وجب عليه الحد، فإن لم يكن محصنًا جلد. وإن كان محصنًا ففي زوال الإحصان بردته خلاف. أساسه الخلاف في شروط الإحصان، هل من بينها الإسلام أن لا؟ قال الحنفية والمالكية: من ارتد بطل إحصانه، إلا أن يتوب أو يتزوج ثانية. وقال الشافعة والحنابلة وأبو يوسف: إن الردة لا تؤثر في الإحصان، لأن الإسلام ليس من شروط الإحصان. قذف المرتد غيره: إذا قذف المرتد غيره، وجب عليه الحد بشروطه، إلا أن يحصل منه ذلك في دار الحرب، حيث لا سلطة للمسلمين، والقضية مبنية على شرائط القذف، وليس من بينها إسلام القاذف. إتلاف المرتد المال: إذا اعتدى مرتد على مال غيره - في بلاد الإسلام - فهو ضامن بلا خلاف. لأن الردة جناية، وهي لا تمنح صاحبها حق الاعتداء. السرقة وقطع الطريق: إذا سرق المرتد مالًا، أو قطع الطريق، فهو كغيره مؤاخذ بذلك، لأنه ليس من شرائط السرقة أو قطع الطريق الإسلام. لذا فالمسلم والمرتد في ذلك سواء. مسئولية المرتد عن جناياته قبل الردة: إذا جنى مسلم على غيره، ثم ارتد الجاني يكون مؤاخذًا بكل ما فعل سواء استمر على ردته أو تاب عنها. الارتداد الجماعي: المقصود بالارتداد الجماعي: هو أن تفارق الإسلام جماعة من أهله، أو أهل بلد. كما حدث على عهد الخليفة الراشد أبي بكر ﵁. فإن حصل ذلك، فقد اتفق الفقهاء على وجوب قتالهم مستدلين بما فعله أبو بكر ﵁ بأهل الردة.

стр. 1692

ثم اختلفوا بمصير دارهم على قولين: الأول للجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة وأبي يوسف ومحمد من الحنفية): إذا أظهروا أحكام الشرك فيها، فقد صارت دارهم دار حرب؛ لأن البقعة إنما تنسب إلينا، أو إليهم باعتبار القوة والغلبة. فكل موضع ظهر فيه أحكام الشرك فهو دار حرب، وكل موضع كان الظاهر فيه أحكام الإسلام، فهو دار إسلام. وعند أبي حنيفة ﵁ إنما تصير دار المرتدين دار حرب بثلاث شرائط: أولًا: أن تكون متاخمة أرض الشرك، ليس بينها وبين أرض الحرب دار للمسلمين. ثانيًا: أن لا يبقى فيها مسلم آمن بإيمانه، ولا ذمي آمن بأمانه. ثالثًا: أن يظهروا أحكام الشرك فيها. فأبو حنيفة يعتبر تمام القهر والقوة، لأن هذه البلدة كانت من دار الإسلام، محرزة للمسلمين فلا يبطل ذلك الإحراز، إلا بتمام القهر من المشركين، وذلك باستجماع الشرائط الثلاث. الجناية على المرتد: اتفق الفقهاء على أنه إذا ارتد مسلم فقد أهدر دمه، لكن قتله للإمام أو نائبه، ومن قتله من المسلمين عزر فقط، لأنه افتات على حق الإمام؛ لأن إقامة الحد له. وأما إذا قتله ذمي؛ فذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في الأظهر) إلى أنه لا يقتص من الذمي. وذهب الشافعية في القول الآخر إلى أنه يقتص من الذمي. الجناية على المرتد فيما دون النفس: اتفق الفقهاء على أن الجناية على المرتد هدر، لأنه لا عصمة له. أما إذا وقعت الجناية على مسلم ثم ارتد فَسَرَتْ ومات منها، أو وقعت على مرتد ثم أسلم فَسَرَتْ ومات منها ففيها أقوال تنظر في باب «القصاص» من كتب الفقه. قذف المرتد: اتفق الفقهاء على عدم وجوب الحد على قاذف المرتد، لأن من شروط وجوب حد القذف: أن يكون المقذوف مسلمًا.

стр. 1693

ثبوت الردة: تثبت الردة بالإقرار أو بالشهادة. وتثبت الردة عن طريق الشهادة، بشرطين: (أ) شرط العدد: اتفق الفقهاء على الاكتفاء بشاهدين في ثبوت الردة، ولم يخالف في ذلك إلا الحسن، فإنه اشترط شهادة أربعة. (ب) تفضيل الشهادة: يجب التفصيل في الشهادة على الردة بأن يبين الشهود وجه كفره، نظرًا للخلاف في موجباتها، وحفاظًا على الأرواح. وإذا ثبتت الردة بالإقرار وبالشهادة فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وإن أنكر المرتد ما شهد به عليه اعتبر إنكاره توبة ورجوعًا عند الحنفية فيمتنع القتل في حقه، وعند الجمهور: يحكم عليه بالشهادة ولا ينفعه إنكاره، بل يلزمه أن يأتي بما يصير به الكافر مسلمًا. استتابة المرتد: حكمها: ذهب أبو حنيفة والشافعي - في قول - وأحمد في رواية والحسن البصري إلى أن استتابة المرتد غير واجبة. بل مستحبة كما يستحب الإمهال، إن طلب المرتد ذلك، فيمهل ثلاثة أيام. أموال المرتد وتصرفاته: ذهب المالكية والحنابلة - غير أبي بكر - والشافعية في الأظهر، وأبو حنيفة إلى أن ملك المرتد لا يزول عن ماله بمجرد ردته، وإنما هو موقوف على مآله فإن مات أو قتل على الردة زال ملكه وصار فيئًا، وإن عاد إلى الإسلام عاد إليه ماله، لأن زوال العصمة لا يلزم عنه زوال الملك، ولاحتمال العود إلى الإسلام. وبناء على ذلك يحجر عليه ويمنع من التصرف، ولو تصرف تكون تصرفاته موقوفة فإن أسلم جاز تصرفه، وإن قتل أو مات بطل تصرفه وهذا عند المالكية والحنابلة وأبي حنيفة.

стр. 1694

وفصل الشافعية فقالوا: إن تصرف تصرفًا يقبل التعليق كالعتق والتدبير والوصية كان تصرفه موقوفًا إلى أن يتبين حاله، أما التصرفات التي تكون منجزة ولا تقبل التعليق كالبيع والهبة والرهن فهي باطلة بناء على بطلان وقف العقود، وهذا في الجديد، وفي القديم تكون موقوفة أيضًا كغيرها. وقال أبو يوسف ومحمد وهو قول عند الشافعية: لا يزول ملكه بردته، لأن الملك كان ثابتًا له حالة الإسلام لوجود سبب الملك وأهليته وهي الحرية، والكفر لا ينافي الملك كالكافر الأصلي، وبناء على هذا تكون تصرفاته جائزة كما تجوز من المسلم حتى لو أعتق، أو دبر، أو كاتب، أو باع، أو اشترى، أو وهب نفذ ذلك كله، إلا أن أبا يوسف قال: يجوز تصرفه تصرف الصحيح، أما محمد فقال: يجوز تصرفه تصرف المريض مرض الموت، لأن المرتد مشرف على التلف؛ لأنه يقتل فأشبه المريض مرض الموت. وقد أجمع فقهاء الحنفية على أن استيلاء المرتد وطلاقه وتسليمه الشفعة صحح ونافذ، لأن الردة لا تؤثر في ذلك. والقول الثالث: عند الشافعية - وصححه أبو إسحاق الشيرازي - وهو قول أبي يكر من الحنابلة أن ملكه يزول بردته لزوال العصمة بردته فماله أولى، ولما روي طارق بن شهاب أن أبا بكر الصديق ﵁ قال لوفد بزاخة وغطفان: نغنم ما أصبنا منكم وتردون إلينا ما أصبتم منا. ولأن المسلمين ملكوا دمه بالردة فوجب أن يملكوا ماله. وعلى هذا فلا تصرف له أصلًا لأنه لا ملك له. وما سبق إنما هو بالنسبة للمرتد الذكر باتفاق الفقهاء وهو كذلك بالنسبة للمرتدة الأنثى عند المالكية والشافعية والحنابلة. وعند الحنفية لا يزول ملك المرتدة الأنثى عن أموالها بلا خلاف عندهم فتجور تصرفاتها؛ لأنها لا تقتل فلم تكن ردتها سببًا لزوال ملكها عن أموالها. أثر الردة على الزواج: اتفق الفقهاء على أنه إذا ارتد أحد الزوجين حيل بينهما فلا يقربها بخلوة ولا جماع ولا نحوهما. ثم قال الحنفية: إذا ارتد أحد الزوجين المسلمين بانت منه امرأته مسلمة كانت أو كتابية، دخل بها أو لم يدخل، لأن الردة تنافي النكاح ويكون ذلك فسخًا عاجلًا لا طلاقًا ولا يتوقف على قضاء.

стр. 1695

ثم إن كانت الردة قبل الدخول وكان المرتد هو الزوج فلها نصف المسمى أو المتعة، وإن كانت هي المرتدة فلا شيء لها. وإن كان بعد الدخول فلها المهر كله سواء كان المرتد الزوج أو الزوجة. وقال المالكية في المشهور: إذا ارتد أحد الزوجين المسلمين كان ذلك طلقة بائنة، فإن رجع إلى الإسلام لم ترجع له إلا بعقد جديد، ما لم تقصد المرأة بردتها فسخ النكاح، فلا يتفسخ، معاملة لها بنقيض قصدها. وقيل: إن الردة فسخ بغير طلاق. وقال الشافعية: إذا ارتد أحد الزوجين المسلمين فلا تقع الفرقة بينهما حتى تمضي عدة الزوجة قبل أن يتوب ويرجع إلى الإسلام، فإذا انقضت بانت منه، وبينونتها منه فسخ لا طلاق، وإن عاد إلى الإسلام قبل انقضائها فهي امرأته. وقال الحنابلة: إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول انفسخ النكاح فورًا وتنصّف مهرها إن كان الزوج هو المرتد، وسقط مهرها إن كانت هي المرتدة. ولو كانت الردة بعد الدخول ففي رواية تنجز الفرقة. وفي أخرى تتوقف الفرقة على انقضاء العدة. حكم زواج المرتد بعد الردة: اتفق الفقهاء على أن المسلم إذا ارتد ثم تزوج فلا يصح زواجه، لأنه لا ملة له، فليس له أن يتزوج مسلمة، ولا كافرة، ولا مرتدة. مصير أولاد المرتد: من حمل به في الإسلام فهو مسلم، وكذا من حمل به في حال ردة أحد أبويه والآخر مسلم، قال بذلك الحنفية والشافعية؛ لأن بداية الحمل كان لمسلمين في دار الإسلام، وإن ولد خلال الردة. لكن من كان حمله خلال ردة أبويه كليهما، ففيه خالف، فذهب الحنفية والمالكية، وهو المذهب عند الحنابلة والأظهر عند الشافعية، إلى أنه يكون مرتدًّا تبعًا لأبويه فيستتاب إذا بلغ. وفي رواية للحنابلة وقول للشافعية أنه يقر على دينه بالجزية كالكافر الأصلي، واستثنى الشافعية ما لو كان في أصول أبويه مسلم فإنه يكون مسلمًا تبعًا له، واستثنى المالكية أيضًا ما لو أدرك ولد المرتد قبل البلوغ فإنه يجبر على الإسلام.

стр. 1696

إرث المرتد: اختلف الفقهاء في مال المرتد إذا قتل، أو مات على الردة على ثلاثة أقوال: (أ) أن جميع ماله يكون فيئًا لبيت المال، وهذا قول مالك، والشافعي وأحمد. (ب) أنه يكون ماله لوثته من المسلمين، سواء اكتسبه في إسلامه أو ردته، وهذا قول أبي يوسف ومحمد. (جـ) أن ما اكتسبه في حال إسلامه لورثته من المسلمين، وما اكتسبه في حال ردته لبيت المال، وهذا قول أبي حنيفة. ولا خلاف بينهم في أن المرتد لا يرث أحدًا من أقاربه المسلمين لانقطاع الصلة بالردة. كما لا يرث كافرًا لأنه لا يقر على الدين الذي صار إليه. ولا يرث مرتدًا مثله. ووصية المرتد باطلة لأنها من القرب وهي تبطل بالردة. إرث المرتد، لمن يكون؟ اتفق الفقهاء على أن المرتد لا يرث أحدًا من أقاربه المسلمين لانقطاع الصلة بالردة. ثم اختلفوا في مال المرتد إذا قُتل، أو مات على الردَّة، على أربعة أقوال: القول الأول: ماله فيء لبيت مال المسلمين، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد في الصحيح من مذهبه، وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وبه قال ربيعة وأبو ثور وابن المنذر (١)، وحجتهم: ١ - قول النبي ﷺ : «لا يرث المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ» (٢). وهذا عموم منه ﷺ لم يخص منه مرتدًّا من غيره، ولو أراد الله أن يخص المرتد من ذلك لما أغفله ولا أهمله ﴿وما كان ربك نسيًّا﴾ (٣). ٢ - ولقوله ﷺ : «لا يتوارث أهل ملَّتين شتى» (٤).

стр. 1697

فإذا كان كذلك فيبقى هذا المال فيئًا لبيت مال المسلمين، كما يؤخذ مال الذمي إذا لم يخلف وارثًا، وكالعشور. القول الثاني: جميع ماله لورثته من المسلمين، سواء ما اكتسبه قبل الردة أو بعدها، وهذا مذهب أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة وهو رواية ثانية في مذهب أحمد، وهو مروي عن أبي بكر وعليٍّ وابن مسعود ﵃، وبه قال جماعة من السلف، منهم: الحسن وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والثوري (١) وحجتهم: ١ - ما روي عن زيد بن ثابت أنه قال: «بعثني أبو بكر بعد رجوعه إلى أهل الردة أن أقسم أموالهم بين ورثتهم المسلمين» كذا ذكره ابن قدامة (!!) والذي عند البيهقي عن زيد بن ثابت «أن مال المرتد فيء يكون لبيت مال المسلمين» (!!) فليحرر. ٢ - قالوا: ولأن ردته ينتقل بها ماله، فوجب أن ينتقل إلى ورثته المسلمين، كما لو انتقل بالموت. القول الثالث: ما اكتسبه قبل الردة لورثته المسلمين. وهذا مذهب أبي حنيفة وإسحاق (٢)، قالوا: وما اكتسبه في ردته يكون فيئًا لبيت المال، وحجتهم كأصحاب القول الثاني. القول الرابع: ماله لورثته ممن على الدين الذي انتقل إليه، وإلا فهو فيء، وهذه رواة ثالثة في مذهب أحمد، وهو قول داود الظاهري، وهو مروي عن علقمة وسعيد بن أبي عروبة (٣)، وحجتهم: ١ - أنه كافر فيرثه أهل دينه كالحربي، وسائر الكفار. ٢ - ولقوله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (٤) فلم يمنع أن يرث الكافر الكافر. الراجح: أقول: القولان الثاني والثالث خلاف النص الثابت، ولا دليل على أن مال

стр. 1698

مرتد يكون فيئًا ابتداءً، فالذي يترجح لي القول الأخير، وعلى كلٍّ المسألة اجتهادية يحكم فيها الإمام بما يرى فيه المصلحة، والعلم عند الله. أثر الردة في إحباط العمل: قال تعالى: ﴿ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ (١) قال الألوسي تبعًا للرازي: إن معنى الحبوط هو الفساد. وقال النيسابوري: إنه أتى بعمل ليس فيه فائدة، بل فيه مضرة، أو أنه تبين أن أعماله السابقة لم يكن معتدًّا بها شرعًا. وقال الحنفية بأن الحبوط يكون بإبطال الثواب، دون الفعل. وقد ذهب الحنفية والمالكية إلى أن مجرد الردة يوجب الحبط، مستدلين بقوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ (٢). أما الشافعية فقالوا بأن الوفاة على الردة شرط في حبوط العمل، أخذًا من قوله تعالى: ﴿فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ (٣). فإن عاد إلى الإسلام فقد صرح الشافعية بأنه يحبط ثواب العمل فقط، ولا يطالب بالإعادة إذا عاد إلى الإسلام ومات عليه. أثر الردة على العبادات: تأثير الردة على الحج: يجب على من ارتد وتاب أن يعيد حجه عند الحنفية، والمالكية، وذهب الشافعية إلى أنه ليس على من ارتد ثم تاب أن يعيد حجه. أما الحنابلة فالصحيح من المذهب عندهم: أنه لا يلزمه قضاؤه، بل يجزئه الحج الذي فعله قبل ردته. تأثير الردة على الصلاة والصوم والزكاة: ذهب الحنفية والمالكية إلى عدم وجوب قضاء الصلاة التي تركها أثناء ردته، لأنه كان كافرًا، وإيمانه يجبها.

стр. 1699

وذهب الشافعية إلى وجوب القضاء. ونقل عن الحنابلة القضاء وعدمه. والمذهب عندهم عدم وجوب القضاء. فإن كان على المرتد الذي تاب صلاة فائتة، قبل ردته أو صوم أو زكاة فهل يلزمه القضاء؟ ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى وجوب القضاء؛ لأن ترك العبادة معصية، والمعصية تبقى بعد الردة. وخالف المالكية في ذلك، وحجتهم أن الإسلام يجب ما قبله، وهو بتوبته أسقط ما قبل الردة. تأثير الردة على الوضوء: ذهب المالكية والحنابلة إلى أن الوضوء ينتقض بالردة، ولم يذكر الحنفية ولا الشافعية الردة من بين نواقض الوضوء. ذبائح المرتد: ذبيحة المرتد لا يجوز أكلها، لأنه لا ملة له، ولا يقر على دين انتقل إليه، حتى ولو كان دين أهل الكتاب. إلا ما نقل عن الأوزاعي، وإسحاق، من أن المرتد إن تَدَيَّنَ بدين أهل الكتاب حلت ذبيحته. التَّعْزير تعريف التعزير (١): التعزير لغة: اللوم، ويطلق على الضرب دون الحد، وعلى أشد الضرب، ويراد به التضخيم والتعظيم والإعانة. والتعزير شرعًا: العقوبة المشروعة على جناية لا حدَّ فيها ولا قصاص، كمن سرق ما دون النصاب، أو وطئ أجنبية دون الفرج، أو أتى امرأته في دبرها، أو سبَّ دون القذف، أو أفطر في رمضان، وما أشبه ذلك مما ليس فيه عقوبة مقدَّرة شرعًا، فللإمام أن يؤدِّبه ويعاقبه على نحو ما سيأتي بيانه. أصل مشروعيته: لا شك أن الشريعة مبنية على تحصيل المصالح وتقليل المفاسد، ولذا فقد شرع

стр. 1700

التعزير فيما لا حدَّ فيه ولا قصاص لتحقيق هذه الغاية، وتحقيقًا لشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فجاء في سنة النبي ﷺ على سبيل المثال لا الحصر: ١ - أمره ﷺ بضرب الأولاد على الصلاة لعشر سنين. ٢ - همّه ﷺ بتحريق بيوت من لا يشهد صلاة الجماعة. ٣ - تحريقه رحل الغالِّ من الغنيمة. ٤ - أمره بقطع رأس التمثال ليصير كالشجرة، وقطع الستر فيجعل منه وسادة. ٥ - أمره بكسر دنان الخمر وشق ظروفها. ٦ - أمره عبد الله بن عمر بحرق الثوبين المعصفرين. ٧ - تضعيفه الغرامة على من سرق بغير حرز، وسارق ما لا قطع فيه من الثمر وكاتم الضالة. ٨ - أمره بأخذ شطر مال مانع الزكاة. ٩ - حبسه ناسًا في تهمة. وكل هذه الأمثلة وغيرها ثابتة عنه ﷺ بعضها يأتي ذكر الحديث فيه في هذا الفصل، وبعضها مبثوث في ثنايا الكتاب تقدم إيراده أو تأخر. والمقصود أن النبي ﷺ لقد عزَّر المسيء، وشرع لأصحابه وخلفائه العمل به، فقال: «لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حدٍّ من حدود الله تعالى» (١). وعزَّر خلفاؤه ﵃ من بعده فيما لا حدَّ فيه ولا قصاص، والآثار عنهم كثيرة جدًّا يأتي بعضها في موضعه. ومن ذلك ما جاء عن عليٍّ ﵁ في الرجل يقول للرجل: يا خبيث، يا فاسق، قال: «ليس عليه حد معلوم، يعزِّر الوالي بما رأى» (٢). ليس لأقل التعزير حدٌّ بالاتفاق (٣): بل هو بكل ما فيه إيلام للإنسان من قول، وفعل، وترك قول وفعل، فقد يعزَّر بوعظه، وتوبيخه، والإغلاظ عليه، أو بهجرة، وترك السلام عليه حتى يتوب، أو بعزله عن ولايته، أو بترك استخدامه

стр. 1701

في الجند، أو قطع أجره، أو بحبسه، أو تسويد وجهه وإركابه على دابة مقلوبة، وغير ذلك مما يرى الإمام أن فيه ردًّا للمسيء عن إساءته وحضَّه على المعروف. وهل الأكثر التعزير حدٌّ: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يزاد على عشر جلدات، وهو منصوص أحمد وقول إسحاق والليث وابن حزم وأصحابه (١) وحجتهم حديث أبي بردة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ : يقول: «لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله» (٢). قال ابن حزم: ومن أتى منكرات جمة، فللحاكم أن يضربه لكل منكر منها عشر جلدات فأقل بالغًا ذلك ما بلغ. اهـ. القول الثاني: التعزير دون أقل حدٍّ، والقائلون بهذا مختلفون على أوجه، منها: (أ) أن لا يبلغ أدنى حدٍّ مشروع مطلقًا: وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في رواية (٣). وعليه يكون أكثر التعزير تسعة وثلاثون سوطًا (عند الشافعي؛ لأن حد الخمر عنده أربعون) وتسعة وسبعون (عند أبي حنيفة). (ب) أن لا يبلغ بكل جناية الحدَّ المشروع في جنسها: وهذه رواية ثالثة في مذهب أحمد، وقد وافقه ابن تيمية في هذه الجزئية كما سيأتي: وحجة هذا القول ما يلي: ١ - ما يروى مرفوعًا: «من بلغ حدًّا في غير حدٍّ، فهو من المعتدين» (٤) وهو ضعيف لا يثبت!! ٢ - وعن ابن المسيب في جارية كانت بين رجلين فوقع عليها أحدهما؟ قال: «يضرب تسعة وتسعين سوطًا» (٥).

стр. 1702

وهو مروي عن عمر ﵁، رواه الأشرم واحتج به أحمد، قال الألباني: لم أقف على إسناده. اهـ. ٣ - ولأن العقوبة على قدر الإجرام والمعصية، والمعاصي المنصوص على حدودها أعظم من غيرها، لا يجوز أن يبلغ في أهون الأمرين عقوبة أعظمهما، فلا يجوز أن يضرب من قبَّل امرأة حرامًا أكثر من حد الزنا؛ لأن الزنا مع عظمه وفحشه، لا يجوز أن يزاد على حده، فما دونه أولى. القول الثالث: يزاد على الحدِّ إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك، وهذا قول مالك وأحمد أقوال أبي يوسف، وقول أبي ثور وطائفة من أصحاب الشافعي وهو أحد الوجوه عندهم والطحاوي من الحنفية ووافقهم شيخ الإسلام في الجرائم التي لا حد في جنسها (١). واحتج أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - ما روي عن النعمان بن بشير ﵁: أنه رُفع إليه رجل غشى جارية امرأته، فقال: «لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﷺ ، إن كانت أحلَّتها لك جلدتُك مائة، وإن كانت لم تحلَّها لك رجمتك» (٢) وهو حديث ضعيف!. ٢ - ما رُوي: أن معن بن زائدة عمل خاتمًا على نقش خاتم بيت المال، ثم جاء به صاحب بيت المال فأخذ منه مالًا، فبلغ عمر ﵁ ذلك فضربه مائة وحبسه، فكلم فيه فضربه مائة أخرى، فكلم فيه من بعد فضربه مائة ونفاه». ٣ - ما روي «أن عليًّا ﵁ أتى بالنجاشي، قد شرب خمرًا في رمضان، فجلده ثمانين ثم أمر به إلى السجن ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين ثم قال إنما جلدتك هذه العشرين لإفطارك في رمضان وجرأتك على الله» (٣). ٤ - ما روي: أن عمر ضرب صبيغًا - لما رأى بدعته - ضربًا كثيرًا لم يعدَّه.

стр. 1703

الترجيح: أقول: أما القول الأول فالقائلون به تعلقوا بحديث أبي بردة في منع الضرب فوق عشرة أسواط «إلا في حد من حدود الله» وحملوا «الحد» على العقوبة المقدرة في الجرائم الحدية، والآخرون حملوه على أنَّ المراد: حق من حقوق الله وإن لم يكن من المعاصي المقدر حدودها؛ لأن المعاصي كلها من حدود الله، قلت: وهو الأصوب؛ وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن المراد بحدود الله: ما حرم لحق الله، قال: فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام، مثل آخر الحلال وأول الحرام، فيقال في الأول: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ (١) ويقال في الثاني: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ (٢). وتسمية العقوبة المقدرة حدًّا عرف حادث، فيكون مراد الحديث: أن من ضرب لحق نفسه كضرب الرجل امرأته في النشوز لا يزيد على عشر جلدات (٣). قلت: ومما يدل على جواز الزيادة في التعزير على عشر جلدات ما سيأتي قريبًا من تعدد صور التعزير التي لا تقتصر على الجلد والضرب، وهذا واضح ولله الحمد. وأما من قال لا يبلغ التعزير أقل الحدود، فلا أرى له حجة يدان بمثلها، فالذي يبدو لي أنه أعدل الأقوال أن يقال: يجوز الزيادة على الحد في التعزير في الجرم الذي ليس في جنسه حدٌّ، وأما ما في جنسه حدٌّ فلا يزاد فيه على الحد وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. هل يجوز التعزير بالقتل؟ (٤) وقع في كلام الحنفية والمالكية والحنابلة في بعض الجزئيات جواز التعزير بالقتل، وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀ قال: ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قُتِل، مثل الفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى البدع في

стр. 1704

الدين، قال تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا﴾ (١). وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» (٢). وقال: «من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم، فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا من كان» (٣). وأمر النبي ﷺ بقتل رجل تعمد عليه الكذب (٤) وسأله الديلمي عمن لم ينته عن شرب الخمر؟ فقال: «من لم ينته عنها فاقتلوه» ... اهـ. قلت: وأما مذهب الشافعي فليس فيه إشارة إلى التعزير بالقتل، ومقتضى مذهب ابن حزم المنع من القتل تعزيرًا بلا شك، فالأصل عنده قوله ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام ...» (٥). وقوله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٦). من صور التعزير العقوبة المالية: يشرع التعزير بالعقوبات المالية، ويكون ذلك على ثلاثة أقسام (٧): ١ - الإتلاف: فيشرع إتلاف المنكرات من الأعيان، والصفات يجوز إتلاف محلها تبعًا لها، وهذا مذهب مالك وأحمد. كإتلاف الأصنام المعبودة من دون الله، وآلات الملاهي والمعازف، وأوعية

стр. 1705

الخمر، فإنه يجوز تكسيرها وتحريقها، ففي حديث أنس أن أبا طلحة قال: يا نبي الله، إني اشتريت خمرًا لأيتام في حجري، قال: «أهرق الخمر واكسر الدنان» (١). وعن عمر «أنه أمر بتحريق حانوت كان يباع فيه الخمر لرويشد الثقفي، وقال: إنما أنت فويسق، لا رويشد». «وأمر عليٌّ ﵁ بتحريق قرية كان يباع فيها الخمر». وإتلاف المنكرات من الأعيان إنما يكون إذا اقترنت بمحلها مفسدة، لا أنه يجب إتلافها على الإطلاق، كما أفاده شيخ الإسلام. ٢ - التغيير: وهو إزالة كل ما كان من العين محرمًا، مثل تفكيك آلات الملاهي، وتغيير الصورة المصورة بقطع الرأس ونحو ذلك: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل فقال: إني أتيتك الليلة، فلم يمنعني أن أدخل عليك البيت إلا أنه كان في البيت تمثال رجل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فَأمُر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كالشجرة، وَأمُرْ بالستر يقطع فيجعل في وسادتين منتبذتين يوطآن، ومر بالكلب فليخرج» ففعل رسول الله ﷺ وإذا الكلب جرو للحسن والحسين تحت نضيد لهم (٢). ٣ - التغريم: التعزير بالتغريم المالي جائز في مذهب مالك والشافعي وأحمد - على اختلاف في تفاصيل - وهو اختيار شيخ الإسلام (٣)، واحتجوا بأنه موافق لأقضيته ﷺ ، مثل: (أ) إباحته سلب من يصطاد في حرم المدينة للذي يجده. (ب) تضعيف الغرامة على من سرق من الثمر المعلق قبل أن يؤويه إلى الجرين ففي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجنِّ فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غُرامُة مثليه والعقوبة» (٤).

стр. 1706

(جـ) تضعيف الغرامة على كاتم الضالة. (ر) أخذ شطر مال مانع الزكاة. قلت: وأما الحنفية والشافعة فمنعوا التعزير بأخذ المال، قالوا: لأن ذلك يُفضي إلى تسليط الظلمة من الحكام على أخذ مال الناس فيأكلونه. اهـ. وقد بالغوا في التحرز من ذلك فأغفلوا النصوص المتقدمة أو قالوا بنسخها (!!) على أن حصر التعزير بالمال في الأنواع الثلاثة المذكورة لا يجيز للحاكم أن يسلب الناس أموالهم عقوبة لهم، بما في يده من سلطة التعزير، والله أعلم. التعزير بالحبس والنفي: (أ) يُشرع التعزير بالحبس باتفاق العلماء (١)، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ (٢) قال العلماء: النفي: الحبس. وما جاء من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: «أن النبي ﷺ حبس رجلًا في تهمة، ثم خلَّى عنه» (٣). وعن الهرماس بن حبيب عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ بغريم لي فقال لي: «ألزمه» ثم قال: «يا أخا تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك» (٤). وقد نقل الزيلعي الإجماع على مشروعيته. قال شيخ الإسلام: إن الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص، ومنعه من التصرف بنفسه، سواء كان في بيت، أو مسجد، أو كان بتوكيل نفس الخصم، أو وكيل الخصم عليه، ولهذا سماه النبي ﷺ أسيرًا ... ولم يكن على عهد النبي ﷺ وأبي بكر حبس معدٌّ لسجن الناس، ولكن لما انتشرت الرعية في زمن عمر بن الخطاب ابتاع بمكة دارًا، وجعلها سجنًا، حبس فيها ... اهـ (٥). (ب) وكذلك النفي فهو مشروع لظاهر قوله تعالى: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ (٦).

стр. 1707

وقد عزَّر النبي ﷺ المخنثين بالنفي. ونفى عمر بن الخطاب نصر بن حجاج إلى البصرة لما افتتن به النساء. وقد ذهب الجمهور إلى جواز التعزير بالنفي، وقال الحنابلة: لا نفي إلا في الزنا والمخنث. هل يجب التعزير فيما يُشرع فيه؟ اختلف أهل العلم فيمن ارتكب ما يشرع فيه التعزير، هل يجب على الحاكم أن يغزِّره؟ على قولين (١): الأول: يجب، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك وأحمد، ونصَّ الحنابلة على أن ما كان من التعزير منصوصًا عليه فيجب امتثال الأمر فيه، وما لم يكن منصوصًا عليه: إذا رأى الإمام المصلحة فيه أو علم أنه لا ينزجر إلا به وجب، لأنه زجر مشروع لحق الله تعالى، فوجب كالحد، وتركه تعطيل. الثاني: لا يجب، وهو مذهب الشافعي، واحتج بوقائع وقعت على عهد رسول الله ﷺ فترك التعزير عليها، مثل: ١ - حديث أن رجلًا جاء النبي ﷺ فقال: إني رأيت امرأة، فأصبت منها ما دون أن اطأها، فقال: «أصليت معنا؟» قال: نعم، فتلا عليه قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ (٢) (٣). ٢ - وعن أنس أن النبي ﷺ قال: «الأنصار كرشي وعيبتي (٤)، وإن الناس سيكثرون ويقلون، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئتهم» (٥). ٣ - وعن عبد الله بن الزبير قال: خاصم الزبير رجلًا من الأنصار في أشراج الحرة، فقال النبي ﷺ : «اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك» فقال الأنصاري: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟! فتلوَّن وجهه ثم قال: «اسق يا زبير، ثم احبس الماء، حتى يرجع إلى الجدار، ثم أرسل الماء إلى جارك» (٦) وليس فيه أنه عزَّره.

стр. 1708

٤ - وعن ابن مسعود قال: قسم رسول الله ﷺ قسمًا فقال رجل: إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله، قال: فأتيت النبي ﷺ فساررته، فغضب من ذلك غضبًا شديدًا، واحمرَّ وجهه حتى تمنيت أني لم أذكره له، قال: ثم قال: «قد أوذي موسى بأكثر من هذا، فصبر». ولم يذكر أنه عزَّره. الراجح: والذي يظهر لي أنه لا يجب التعزير وإنما يرجع ذلك إلى اجتهاد الحاكم بشرط أن يكون أمينًا، لحديث الرجل الذي أصاب من امرأة قبلة، فليس فيه أن النبي ﷺ عزَّره، وأما بقية الأدلة فقد يُعكِّر عليها أن النبي ﷺ لا ينتقم لنفسه، وكذلك الأمر بالتجاوز عن إساءة الأنصار إنما هو فيما لا تبلغ فيه منكرًا، ففي حديث عائشة ﵂: «ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء يؤتى إليه حتى ينتهك من حرمات الله».

стр. 1709

١٤ - كتاب الجنايات والديات

стр. 1710

أولًا: الجنايات تعريفها (١): الجناية لغة: جمع جناية، وهي الذنب والجرم. وتعرف شرعًا بأنها: كل فعل عدوان على نفس أو مال، لكنها في عرف الفقهاء مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على الأبدان، وأما الجنايات على الأموال فتسمى غصبًا ونهبً وسرقة وخيانة وإتلافًا. حكمها التكليفي: وكل عدوان على نفس أو بدن أو مال بغير حق: محرم شرعًا، وقد تضافرت نصوص الشريعة لبيان هذا المعنى، كقوله ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه» (٢). وقال ﵊: «... إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا ...» (٣). حكمها الوضعي: ويختلف حكم الجناية بحسبها، فيكون قصاصًا، أو دية، أو أرشًا، أو حكومة عدل، أو ضمانًا، بحسب الأحوال، وقد يترتب على ارتكاب بعض أنواع الجناية: الكفارة أو الحرمان من الميراث، على ما سيأتي بيانه. أقسام الجناية: قسم الفقهاء الجناية إلى أقسام ثلاثة: (أ) الجناية على النفس (القتل). (ب) الجناية على ما دون النفس، وهي الإصابة التي تزهق الروح. (جـ) الجناية على ما هو نفس من وجه دون وجه، كالجناية على الجنين. وإليك بيان هذه الأقسام، وأهم ما يتعلق بها من مسائل:

стр. 1711

أولًا: الجناية على النفس (القتل) تعريف القتل: القتل هو: فعل من العبد تزول به الحياة، أو: هو إزهاق روح آدمي بفعل آدمي آخر (١). أقسامه: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الجناية على النفس تنقسم بحسب القصد وعدمه إلى: عند، وشبه عمد (وهو مختلف فيه)، وخطأ. وقد زاد الحنفية قسمين: ما أُجري مجرى الخطأ، والقتل بسبب، لكنهما داخلان في الأقسام الثلاثة كما سيظهر. وأما مالك ﵀ فأنكر (شبه العمد) على ما سيأتي تحريره في موضعه. القسم الأول: القتل العمد: تعريفه (٢): هو عند جمهور الفقهاء: الضرب بمحدد أو غير محدد، والمحدد: ما يقطع ويدخل في البدن كالسكين والسيف وأمثالهما. وغير المحدد هو: ما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله، كحجر كبير وخشبة كبيرة. وأما الحنفية فعرَّفوا القتل العمد بأنه: تعمُّد ضرب المقتول في أي موضع من جسده بآلة تفرق الأجزاء كالسيف والليطة (٣) والنار، وليس القتل بالمثقل (الحجر) عمدًا عندهم. وقد عرَّفه الأستاذ عبد القادر عودة ﵀ بأنه: (ما اقترن فيه الفعل المزهق للروح بنية قتل المجني عليه).

стр. 1712

حكم تعمد القتل بغير حق: قتل النفس التي حرم الله بغير حق من أكبر الكبائر وأعظم الجرائم، والأصل في تحريمه الكتاب والسنة والإجماع: (أ) فمن الكتاب: ١ - قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف في القتل﴾ (١). ٢ - وقوله سبحانه: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطئًا﴾ (٢). ٣ - وقال : ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا﴾ (٣). ٤ - وقال سبحانه: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا﴾ (٤). ٥ - وقال : ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا﴾ (٥). (ب) ومن السنة: ١ - حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٦). ٢ - حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قيل يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ...» الحديث (٧).

стр. 1713

٣ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أول ما يُقضى بين الناس في الدماء» (١). ٤ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم» (٢). ٥ - وفي حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ﷺ أنه قال: «... إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ...» (٣). (جـ) وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين في تحريم القتل العمد العدوان بغير حق، وأن صاحبه يستحق القتل في الدنيا حدًّا، ما لم يكن مستحلًّا لذلك فيكون كفرًا، ويستحق العقاب بالنار - والعياذ بالله - في الآخرة (٤). توبة القاتل عمدًا (٥): قال الله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا﴾ (٦). وعن أبي الدرداء ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا من مات مشركًا، أو مؤمن قتل مؤمنًا متعمدًا ...» (٧). فذهب ابن عباس ﵄ إلى أن توبة القاتل لا تقبل، استدلالًا بهذه الآية الكريمة من وجهين: أحدهما: أنها من آخر ما نزل ولم ينسخها شيء، والآخر: أن لفظها لفظ الخبر، والأخبار لا يدخلها نسخ ولا تغيير، لأن خبر الله تعالى لا يكون إلا صدقًا. وأما أكثر أهل العلم فقالوا: تقبل توبته؛ لأن معتقد أهل السنة: أن مرتكب

стр. 1714

الكبيرة - ما عدا الشرك - أمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، مع اعتقادهم أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وأن رحمة الله تعالى وسعت كل شيء، وقد تضافرت النصوص في هذا المعنى، قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ (٢) وهي تشمل الشرك إذا تاب الإنسان منه فإن الله يقبل توبته منه، وهو أعظم من القتل. وكذلك فإن الأحاديث الواردة في أن باب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها أو حتى يغرغر، عامة تشمل القاتل وغيره. ويؤيد مذهب الجماهير كذلك: حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا وأتم المائة بالعابد الذي قال له: لا أجد لك توبة (!!) ثم دُلَّ على عالم فسأله فقال: من يحول بينك وبين التوبة، ولكن أخرج من قرية السوء إلى القرية الصالحة فاعبد الله فيها، ولما اختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، بعث الله إليهم ملكًا، فقال: «قيسوا ما بين القريتين، فإلى أيهما كان أقرب فاجعلوه من أهلها» فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر، فجعلوه من أهلها (٣). وأما الآية الكريمة فمحمولة على من لم يتب، أو على أن هذا جزاؤه إن جازاه، وله العفو إن شاء، وأما كون الخبر لا يدخله النسخ، فنقول: يمكن أن يدخله التخصيص والتأويل إعمالًا لجميع النصوص، وكذلك حديث أبي الدرداء فمحمول على المستحل، أو أنه وارد على سبيل الزجر والتغليظ، والله أعلم. القتل بالمثقل، هل يعتبر عمدًا يوجب القصاص؟ اتفق العلماء على أن القتل بمحدد وهو ما يقطع ويدخل في البدن كالسيف والسكين ونحوهما يعتبر عمدًا يوجب القصاص. وأما المثقل كالحجر والمطرقة ونحو ذلك، فاختلفوا فيه على قولين (٤): الأول: كل مثقل يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله فهو

стр. 1715

عمد، وبهذا قال الجمهور مالك والشافعي وأحمد وصاحبا أبي حنيفة، وبه قال النخعي والزهري وابن سيرين وإسحاق وغيرهم، واحتجوا بما يلي: ١ - عموم قوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾ (١) قالوا: وهذا مقتول مظلومًا. ٢ - عموم قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ (٢). ٣ - حديث أنس ﵁: «أن يهوديًّا قتل جارية على أوضاح لها بحجر، فقتله رسول الله ﷺ بين حجرين» (٣). ٤ - قالوا: ولأن المثقل يقتل غالبًا فأشبه المحدد. الثاني: لا يعتبر القتل بالمثقل عمدًا: وهو مذهب أبي حنيفة المشهور عنه (٤)، وبه قال الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء وطاووس وغيرهم، واحتجوا بما يلي: ١ - حديث: «ألا إن في قتيل عمد الخطأ - قتيل السوط والعصا [والحجر] - مائة من الإبل ...» (٥) قالوا: فسمي القتل بالحجر عمد الخطأ، وأوجب فيه الدية دون القصاص. ٢ - قالوا: ولأن العمد لا يمكن اعتباره بنفسه، فيجب ضبطه بمظنته، ولا يمكن ضبطه بما قتل غالبًا لحصول العمد بدونه في الجرح الصغير، فوجب ضبطه بالجرح!! الراجح: والذي يترجَّح لديَّ قول الجمهور لما استدلوا بما هو واضح الدلالة، وأما الحديث فلو ثبت فيه لفظ «والحجر» (٦) فهو محمول على المثقل الصغير الذي لا يغلب على الظن حصول الزهوق به؛ لأنه اقترن بالعصا والسوط، وأما ضبط الضرب بالمثقل بالجرح ففيه نظر، بدليل ما لو قتله بالنار، والله أعلم.

стр. 1716

عقوبة القتل العمد: أجمع أهل العلم على أن عقوبة القتل العمد العدوان هي القود (القصاص). ١ - قال الله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ (١). ٢ - وقال سبحانه ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب﴾ (٢). ٣ - وقال : ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ (٣). ٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يُودى، وإما أن يُقاد» (٤). ولأولياء المقتول أن يعفو عن القصاص ويقبلوا الدية، ولهم أن يصالحوا على غير ذلك كما سيأتي بيانه في: «ما يسقط به القصاص». شروط وجوب القصاص: يشترط لوجوب القصاص شروط، وهي: ١ - وجود العمد، وهو القصد إلى المقتول بما يقتله من محدد أو ما يقتل به غالبًا. ٢ - أن يكون القاتل مكلفًا: أي بالغًا عاقلًا، فلا خلاف بين أهل العلم أنه لا قصاص على صبي ولا مجنون، وكذلك كل زائل العقل بسبب يعذر فيه، وقد تقدمت أدلة هذا مرارًا. ٣ - وهل يشترط الاختيار وعدم الإكراه؟ (٥) ذهب أبو حنيفة وصاحبه محمد - وهو قول للشافعي - إلى أن المُكْرَه على القتل لا قصاص عليه، لحديث: «إن الله تجاوز عن أمتي: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٦).

стр. 1717

قالوا: ولأن المكرَه آلة في يد المُكرِه، وهو إكراه ملجئ، فهو كما لو رمى به عليه فقتله. وذهب مالك وأحمد في المشهور عنه وهو قول ثان للشافعي وزفر من أصحاب أبي حنيفة إلى أن المكره يجب عليه القصاص، وحجتهم: أن المكره قتله عمدًا ظلمًا لاستبقاء نفسه، فأشبه ما لو قتله في المخمصة ليأكله، أي كمن اختار قتله على قتل نفسه. أما قول الأولين: إنه إكراه ملجئ، فغير صحيح، فإنه متمكن من الامتناع، ولديه خيار بين قتل نفسه وقتل غيره، فلا يقال: لا اختيار لديه. قلت: وهذا الأخير أظهر، فإن محل الإكراه القول لا الفعل، ويؤيد هذا المذهب كذلك عندي حديث سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان بن عفان: أشهد أن رسول ﷺ قال: «إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي» قال: أفرأيت إن دخل عليَّ بيتي وبسط يده إليَّ ليقتلني؟ قال: «كن كابن آدم» (١) فمنعه أن يبسط يده ليقتل من يريد قتله، فلأن يُمنع من قتل غيره - الذي لم يعتد عليه - إذا أكره عليه من باب أولى، ومثله وصية النبي ﷺ لأبي ذر أن يعتزل الناس إذا قتل بعضهم بعضًا ولا يأخذ سلاحه حتى قال له: «... ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك يبوء بإثمه وإثمك» (٢). ٤ - أن يكون المقتول معصوم الدم: فلو كان حربيًّا، أو زانيًا محصنًا، أو مرتدًّا، فإنه لا ضمان على قاتله لا بقصاص ولا بدية، وقد قال ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٣). ٥ - أن لا يكون القاتل أصلًا (أبًا أو جدًّا) للمقتول: فلو قتل رجل ابنه أو حفيده (من ولد البنين أو ولد البنات) فإنه لا يقتل به، وبهذا يقول أكثر أهل العلم

стр. 1718

منهم: أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق، وهو منقول عن عمر بن الخطاب ﵁ وبه قال ربيعة والثوري والأوزاعي (١)، وحجتهم: ١ - حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقتل والد بولده» (٢). ٢ - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كانت لرجل من بني مُدلج جارية فأصاب منها ابنًا فكان يستخدمها، فلما شبَّ الغلام دعى بها يومًا، فقال: اصنعي كذا وكذا، فقال الغلام: لا تأتيك، حتى متى تستأمر أمي؟ قال: فغضب أبوه فحذفه بسيفه، فأصاب رجله أو غيرها فقطعها، فنزف الغلام فمات، فانطلق في رهط من قومه إلى عمر بن الخطاب ﵁ -فقال: يا عدو نفسه أنت الذي قتلت ابنك؟ لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقادُ الأب بابنه» لقتلتك، هلم ديته، قال: فأتاه بعشرين أو ثلاثين ومائة بعير، قال: فتخير منها مائة فدفعها إلى ورثته وترك أباه» (٣). ٣ - ولأن الأب كان سبب حياته، فلا يكون الولد سببًا في موته، وفي حُكم الوالد هنا كل الأصول من الذكور والإناث مهما بعدوا، فيدخل في ذلك الأم والجدات وإن علون من الأب كُنَّ أَمْ من الأُم، كما يدخل الأجداد وإن علوا من الأب كانوا أو من الأم لشمول لفظ الوالد لهم جميعًا. وهذا كله في الوالد النَّسبي، أما الوالد من الرضاع، فقال الحنابلة: يقتل بولده من الرضاع لعدم الجزئية الحقيقية. ٦ - أن يكون بين القاتل والمقتول تكافؤ في الدين، والحرية والرق: وهذا يعني أمرين: (أ) لا يقتل المسلم بكافر (٤): اتفق الفقهاء على أنه لا قصاص على المسلم إذا قتل الكافر الحربي ومن لا

стр. 1719

عهد له ولا ذمة، وأكثر أهل العلم على عدم قتله بأي كافر كان سواء كان حربيًّا أو ذميًّا، وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ومعاوية ﵃ وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر، وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء والحسن وغيرهم من السلف. ١ - واحتجوا بحديث أبي جحيفة قال: قلت لعليٍّ: هل عندكم شيء من الوحي ليس في القرآن؟ وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: «العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يُقتل مسلم بكافر» (١). ٢ - وبحديث عليٍّ مرفوعًا: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» (٢). وخالف أبو حنيفة وأصحابه والشعبي والنخعي، فقالوا: يقتل المسلم بالذمي خاصة (!!) واحتجوا بما يلي: ١ - ما روي عن عبد الله بن عبد العزيز الحضرمي قال: قتل رسول الله ﷺ يوم خيبر مسلمًا بكافر قتلة غيلة، وقال: «أنا أولى وأحق من أوفى بذمته» (٣). وأجيب: بأنه ضعيف لا يحتج به. ٢ - أوَّلوا قوله ﷺ : «لا يقتل مسلم بكافر» بأن المراد: الكافر الحربي دون من له عهد وذمة من الكفار جمعًا بين الخبرين (!!). ٣ - حديث: «ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهد ...» (٤) قالوا: فالكلام فيه تقدير، وهو: (لا يقتل مؤمن بكافر حربي، ولا ذو عهد في عهده بكافر حربي) قالوا: وهو يدل بمفهومه على أن المسلم يقتل بالكافر الذمي. وأجيب: بأن هذا مفهوم صفة، والخلاف في العمل به مشهور بين أئمة

стр. 1720

الأصول، والحنفية من جملة القائلين بعدم العمل به، فكيف يصح احتجاجهم به؟! كما أن الجملة المعطوفة «ولا ذو عهد في عهده» لمجرد النهي عن قتل المعاهد بعد كلام تام مستقل بنفسه وهو «لا يقتل مؤمن بكافر» فلا تقدير فيها أصلًا. ٤ - واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ (١). وأجيب: بأنه قد خصصه حديث عليٍّ المتقدم. فالحاصل: أنه لا يُسلَّم بما قاله الحنفية من صرف ظاهر الحديث، فعُلم أن الحق مذهب الجمهور من عدم قتل المسلم بكافر حربيًّا كان أو ذميًّا، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ (٢) ولو كان للكافر أن يقتص من المسلم لكان في ذلك أعظم سبيل، وقد نفى الله تعالى أن يكون له عليه سبيل نفيًا مؤكدًا، وقد ثبت عن ابن عمر: أن رجلًا مسلمًا قتل رجلًا من أهل الذمة عمدًا، فرفع ذلك إلى عثمان، فلم يقتله وغلظ عليه الدية مثل دية المسلم: ألف دينار (٣). فائدتان: ١ - ذهب مالك وأحمد في رواية إلى أن هذا التكافؤ لا يشترط في القتل بالحرابة، فيقتل فيها المسلم بالذمي، وهو اختيار شيخ الإسلام، قال: وهو أعدل الأقوال، وفيه جمع بين الآثار المنقولة في هذا الباب، فإن القتل فيها (أي: في المحاربة) حد لعموم المصلحة فلا تتعين فيه المكافأة. اهـ. ووجهه - كما يقول المالكية - أن هذا قتل يسقط بالعفو فلم يسقط بعدم التكافؤ، وأصل ذلك القتل بالردة، ولأنه ليس بقتل قصاص، وإنما هو حق لله تعالى أو أنه حق للآدميين تغلَّظ بحق الله تعالى (٤). وأما مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين: فلا يقتل المسلم بالكافر بحال، وعند أبي حنيفة: يقتل به بكل حال على ما تقدم (٥).
следующие страницы →