← Фикх общий

Фикх общий · id 13619

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة

كمال ابن السيد سالم

Полный текст (1 933 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة أعده أبو مالك كمال بن السيد سالم مع تعليقات فقهية معاصرة فضيلة الشيخ/ ناصر الدين الألباني فضيلة الشيخ/ عبد العزيز بن باز فضيلة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين الجزء الأول

стр. 2

قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [سورة التوبة: ١٢٢] وقال ﷺ : «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» [متفق عليه].

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة فضيلة الشيخ/ فؤاد سراج عبد الغفار - حفظه الله - الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، ومعلمًا ومرشدًا للخلق أجمعين. وبعد: لقد تصفحت كتاب [صحيح فقه السنة] لأخي الفاضل/ أبى مالك كمال بن السيد، حفظه الله تعالى ورعاه، ورزقه العلم النافع والعمل الصالح، فوجدته جمع فيه من الأدلة الصحيحة ما لا يوجد في غيره من كتب الفقه التي حوت الضعيف والصحيح، فهو كتاب يستحق شد الرحال إليه لكل من أراد التفقه في الدين، وأنصح كل مسلم ومسلمة أن يقتني هذا الكتاب لما فيه من علم جم أخذ من المؤلف جهدًا ذهنيًا وجسديًا وسهر الليالي لتتبع الأدلة الصحيحة في مسائل الخلاف ويخرجها لك سهلة ميسرة، والأخ كمال قد تربى بيننا صغيرًا ومنذ نعومة أظفاره كان يسأل أسئلة فقهية سابقة لسنه، فتوقعت له خيرًا كثيرًا بالتفقه في الدين، وأصبح توقعي حقيقة فقد رزقه الله الفقه في الدين، وهذا الكتاب الذي بين يديك أكبر شاهد على ذلك. والمؤلف يستحق التقدير والشكر والدعاء على هذا التأليف النافع والجمع النفيس القيِّم في الثقة. و «من يرد الله بن خيرًا يفقهه في الدين» [متفق عليه]. فهنيئًا لك هذا الخير الذي يستحق الشكر لله حتى يأتيك اليقين، وأسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب مؤلفه وقارئه، إنه سميع مجيب. والحمد لله أولاً وأخيرًا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى أله وصحبه وسلم. وكتبه أبو عبد الرحمن/ فؤاد بن سراج عبد الغفار

стр. 4

مقدمة المؤلف الحمد لله على آلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في أرضه وسمائه، وأشهد أن محمدً عبده ورسوله وخاتم أنبيائه، صلى الله عليه وعلى وآله وأصحابه صلاة دائمة إلى يوم لقائه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فقد تتابعت كلمة عامة علماء الإسلام في فواتح مؤلفاتهم، وكريم مدوناتهم لجملة من علوم الشريعة الموقرة، وفنونها المشرَّفة، على أن شرف العلم تابع لشرف معلومه، وكرامة عرقه مؤثرة على مولوده. وقد حصل بالتتبع والاستقراء اتفاق كلمتهم على أن من أشرف العلوم جميعًا، وأعظمها خيرًا ونفعًا: علم أحكام أفعال العبيد، المشتهر بعد باسم «الفقه الإسلامي» المشمول في عموم قول النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرًا يفقهه بالدين» (١). وقد خص بالدعوة بالفقه في الدين: ربيب بيت النبوة عبد الله بن عباس ﵄ في قوله ﷺ : «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل». فصار ببركة دعاء النبي ﷺ : ترجمان القرآن وحبر الأمة وبحرها الذي لا ينزف. وعظمة هذا العلم وشرفه تَجل عن الوصف والإحاطة؛ ذلك أنها أحكام تساير المسلم وتلازمه في عموم مسالك حياته فيما بينه وبين ربه؛ وفيما بينه وبين عباده. فيها يشد حبل الاتصال بعبادة ربه في علانيته وسره؛ من طهارة وصلاة، وزكاة وصيام وحج ونسائك. وبها ينشر راية الإسلام، ويرفع منار القرآن وذلك في فقه الجهاد، والمغازي، والسير، والأمان، والعهد ونحو ذلك. وبها يتطلب الرِّزق المباح، ويبتعد عن مواطن الإثم والجناح، وذلك في فقه

стр. 5

المعاملات من بيع وشراء، وخيار، وربا، وصرف، وما جرى مجرى ذلك لا يرتبط بمعاملات الخلق المالية لبعضهم مع بعض. وبها يُجرى الأموال في وظائفها الشرعية من وقف ووصية ونحوهما من أحكام التصرفات المالية. وبها يقف على فقه الفرائض المحكمة فيسعد بنصف العلم، وتستقر أموال في يد أربابها على أعدل قسمة وأتم نظام. وبفقهها ينعم بالحياة الزوجية الشرعية، وما يلحق بها من الأحكام، وما يتعلق بها من طلاق ونحوه. ويحيط بمدى محافظة الإسلام على ضروريات الحياة المشمولة باسم: الجنايات والدِّيات والحدود والتعزيزات؛ فيعيش في أمن وأمان، وراحة بال واستقرار. وهكذا في أحكام الأطعمة والنحائر والأيمان، وفى مباحث التقاضي وقواعده وطرقه وأحكامه موطن تحقق العدالة وفصل الخصام؛ فتقر الحقوق في أنصبائها وتعاد الظلامات إلى أهلها. ولجلائل هذه النعم تسابق العلماء في تدوين الفقه الإسلامي، فقعدوا القواعد، وأصلوا الأصول، واستنبطوا الأُلوف المؤلفة من الفروع في آلاف المجلدات. وهؤلاء الأجلة من العلماء على تنوع مؤلفاتهم الفقهية وتزاحم هممهم العليَّة تختلف مدوناتهم باختلاف مشاربهم واتجاه فقههم. فمنهم من ألف في دائرة مذهبه وما زاد. ومنهم من ألف في دائرة المذاهب الفقهية المنتشرة في الأمصار. ومنهم من كان كذلك مبينًا أدلة الخلاف ووجوه الاستدلال. ومنهم رعيلٌ ألف على سبيل الاجتهاد والتحقيق، والنظر العميق؛ فحرر الوقائع وبين النوازل، وساق لها صنوف الأدلة من مشكاة النبوة، سائرًا مع السنن حيث سارت ركائبها، متجها معها حيث كانت مضاربها، فأخرجوا بذلك للناس علمًا جمًا، وفكرًا خصبًا جاريًا على أسعد القواعد وأرشدها.

стр. 6

وهذا النوع من الفقه هو أصلاً حظ أصحاب النبي ﷺ ألقوه إلى التابعين لهم بإحسان، وهكذا تلقفه من تبعهم بالحسنى فدونوه على هذا النمط الكريم والمنهج السليم (١). وهدا النوع من الفقه في الدين هو ما عناه ابن القيم- رحمه الله تعالى- في فاتحة «تهذيب السنن» بقوله (٢): «فإن أولى ما صرفت إليه العناية، وجرى المتسابقون في ميدانه إلى أفضل غاية تتنافس فيه المتنافسون، وشمَّر إليه العاملون: العلم الموروث عن خاتم المرسلين، ورسول رب العالمين، الذي لا نجاة لأحد إلا به، ولا فلاح له في داريه إلا بالتعلق بسببه، الذي من ظفر به فقد فاز وغنم، ومن صرف عنه فقد خسر وحُرم؛ لأنه قطب السعادة الذي مدارها عليه، وآخيَّة الإيمان الذي مرجعه إليه، فالوصول إلى الله وإلى رضوانه بدونه محال، وطلب الهدى من غير هو عين الضلال، وكيف يوصل إلى الله من غير الطريق التي جعلها هو سبحانه موصلة إليه، ودالة لمن سلك فيها عليه، بعث رسوله بها مناديًا، وأقامه على أعلامها داعيًا، وإليها هاديًا؛ فالباب عن السالك في غيرها مسدود، وهو عن طريق هداه وسعادته مصدود، بل كلما ازداد كدحًا واجتهادًا، ازداد من الله طردًا وإبعادًا، ذلك بأنه صدف عن الصراط المستقيم، وأعرض عن المنهج القويم، ووقف مع آراء الرجال، ورضى لنفسه بكثرة القيل والقال، وأخلد إلى الأرض التقليد، وقنع أن يكون عيالاً على أمثاله من العبيد، لم يسلك من سبل العلوم مناهجها، ولم يرتق في درجاته معارجها، ولا تألقت في خلده أنوار بوارقه، ولا بات قلبه يتقلب بين رياضه وحدائقه، لكنه ارتضع من ثدي من لم تطهر بالعصمة لبانه، وورد مشربًا آجنًا طالما كدره قلب الوارد ولسانه، تضح منه الفروج والدماء والأموال، إلى من حلَّل الحلال وحرم الحرام، وتعج منه الحقوق، إلى منزِّل الشرائع والأحكام، فحق

стр. 7

على من كان في سعادة نفسه ساعيًا، وكان قلبه حيًا واعيًا بنفسه عن أن يجعل كده وسعيه في نصرة من لا يملك له ضرًا ولا نفعًا، وأن ينزلها في منازل الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فإن لله يومًا يخسر فيه المبطلون، ويربح فيه المحققون ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ (١)، ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ (٢)، فما ظن من اتخذ غير الرسول إمامه، ونبذ سنته وراء ظهره، جعل خواطر الرجال وآراءها بين عينه وأمامه، فسيعلم يوم العرض أي بضاعة أضاع، وعند الوزن ماذا أحضر من الجواهر أو خرثى المتاع» اهـ (٣). ومن هنا اشتدت العزيمة، ويممت قبلة القصد إلى جمع كتاب في أبواب الفقه على نسق استحسنته (٤)، رجاء أن أنال الخيرية من الفقه في الدين. وقد دفعني إلى جمعه على هذا النسق وتلك الطريقة ثلاثة أمور: الأول: بعض السلبيات في الكتب الفقهية القديمة، سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون والمحتوى (٥): (أ) فمن حيث الشكل وطريقة الترتيب والتبويب، فإن الموضوعات في بعض هذه الكتب تتداخل تداخلاً يصعب معه -أحيانًا- العثور على المسألة المطلوبة حتى على بعض المختصين، لا سيما مع عدم وجود الفهارس الموضوعية التي تُيسِّر على الباحث مهمته، في أكثرها. ومن حيث الأسلوب، فأسلوبها -وإن ناسب العصر الذي كتبت فيه- إلا أنه مما يعسر فهمه على المعاصرين وما يلحظ فيه: ضغط العبارة وحصر المعنى الواسع في لفظ قليل موجز، يصل إلى التعقيد والركاكة، وهذا يوجد في المتون والمختصرات التي كثرت في المتأخرين وصارت عمدة الدارسين والمتفقهين.

стр. 8

وكثرة استعمال العبارات الاصطلاحية ذات الدلالة التاريخية التي لا يفهمها إلا من عاصر مدلولها. (ب) ومن حيث المضمون والمحتوى: فمن هذه الكتب ما ألف في عصر له ظروف خاصَّة، فكانت تعنى بدراسة مشكلات ذلك العصر، وتأتى العصور التالية لها بمشكلات جديدة. كما أن من هذه الكتب- وخاصة المتأخرة- ما يكون تركيزه على تحرير المذهب الذي ألفت فيه، دون أن يُعطى الاستدلال حقه، ودون مقارنة أو ترجيح. هذا فضلاً عن أن عددًا كبيرًا من الكتب المذهبية غلب عليها داء التعصب المذهبي المقيت، والالتزام المطلق بالمذهب، سواء ما كان منه من نص الإمام ذاته، أو من زيادات أصحابه وتلاميذه، أو من اختيارات البارزين فيه، أو ما كان مخرَّجًا على أحد هذه المصادر!! هذا فضلاً عما يكثر في هذه الكتب من إيراد الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ودون الإشارة إلى ضعفها. الثاني: وجود كثير من السلبيات في كتب الفقه المعاصرة، فهذه الكتب وإن تميزت بجودة الترتيب والتبويب وملاءمة روح العصر، وقرب تناولها من الباحث وأحيانًا من القارئ العادي، وإن كان بعضها لم تسيطر عليها روح العصبية المذهبية؛ فإنها يشوبها سلبيات كثيرة- بل وخطيرة أحيانًا- فيما يتعلق بالمضمون والمحتوى والنتائج التي يتوصل إليها البحث خاصة وأنها قد تطرق مسائل جديدة وقضايا نازلة، ومن ذلك: ١ - الضعف العلمي وعدم هضم التراث الفقهي والحديثي الذي يعتبر قاعدة للانطلاق في الدراسة والفتوى والتأليف، فنرى من يخالف ما أجمع عليه المسلمون خلفًا عن سلف، أو يؤيد رأيًا شاذًا منبوذًا تجاوزه الزمن، أو يُنقِّب في فقه الرافضة أو من شاكلهم على بعض الآراء تروق له، ويقدمها للمسلمين على أنها فقه الإسلام، ورأي علماء المسلمين!! (١). ٢ - أن بعضها مشحون بأقوال العلماء دون العناية بالاستدلال لهذه الأقوال وترجيح الراجح منها، فيظل الباحث والقارئ في حيرة من أمره، وربما نوَّه إليه

стр. 9

المؤلف بأن يختار من هذه الأقوال ما شاء، بحجة أن الكل مما قال به بعض العلماء (١). ٣ - عدم اهتمام أكثر مؤلفيها بصحة الدليل، ولا بالترجيح- إن رجَّح- على مقتضى أصول أهل العلم في ذلك. ٤ - افتقار بعضها إلى الأسلوب العلمي الفقهي، حتى أن بعضها قد كتب بطريقة خطابية لا ترى عليها مسحة العلم!!. ٥ - تأثر هذه الكتب- أحيانا- بالأقاويل والشبهات التي يطلقها أعداء الإسلام، وأصبحت بعض القضايا كالسلم والحرب والجزية والعلاقات الدولية ومعاملة الذميين والمشركين، وقضايا الحكم والرق وتعدد الزوجات وغيرها لا تطرق إلا من خلال منطق ضعيف، لأنه في موقف «الدفاع» الذي يجرُّه الحرص على تبرئة ساحة الإسلام إلى نفس بعض الحقائق الثابتة، أو نسبة بعض الآراء الغريبة إلى الإسلام (٢). ٦ - كما تتأثر هذه الكتب بواقع الأمة الشاردة- في الجملة- عن هدى ربنا وسنة نبيها ﷺ ، فتلتمس للناس المعاذير والمسوِّغات التي تهوِّن شأن المنكرات والمحرمات، وتستجيب لضغط الواقع وثقله على النفس البشرية، فتؤول النصوص الصريحة، وتضعِّف الآثار الصحيحة!! (٣). ٧ - وحين تدرس الكتب المعاصرة القضايا الجديدة النازلة، يبلغ بها الشطط مبلغه باعتبار أن هذه القضايا لم يسبق أن تحدث فيها العلماء، وأنها مما يمس الواقع، وقد يلتبس في هذه القضايا الحق بالباطل، مع كون حاجة الناس إليها قائمة في غيبة المنهج الإسلامي الصحيح، وإذا نظرنا إلى ما كتب في موضوع التأمين أو المعاملات المصرفية الجديدة، أو طفل الأنبوب، أو سواه، لوجدنا العجب العجاب (٤). هذا على معظم الكتب المعاصرة إنما هي دراسات متخصصة تتناول

стр. 10

أغبلها موضوعًا واحدًا، وأما العمل الفقهي المتكامل فهو وإن وجد فلا يخلو من معظم السلبيات المتقدمة. الأمر الثالث: المعركة المشتعلة، والنفرة المصطنعة بين المحدثين والفقهاء: فقد رأيت كثيرًا من إخواننا من طلاب الحدث ينصرفون عن تلقي علم الفقه، مقبلين على علم السنة المطَّهرة رواية دون دراية، ورأيت جُلَّ طلاب الفقه معرضين عن تلقي علم الحديث ومعرفة أسانيده، وحفظ متونه، مع انكبابهم على كتب المذاهب الفقهية وحفظ مختصراتها، وهذه النفرة كانت واقعة منذ قدم العهد يثيرها كتبةُ الحديث وصغار المتفقهة، لقصر نظرهم، فيتبادلون الغمز واللمز، قال الخطابي (١) ﵀ المتوفى سنة (٣٨٨ هـ): «ورأيت أهل زماننا قد حصلوا حزبين، وانقسموا إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر، وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة، لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا من بناء وعمارة فهو قفر وخراب، ووجدت هذين الفريقين على ما بينهم من التداني من المحلين، والتقارب في المنزلين، وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض، وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم إلى صاحبه - إخوانًا متهاجرين، وعلى سبيل الحق بلزوم التناصر والتعاون غير متظاهرين، فأما هذه الطبقة الذين هم أهل الأثر والحديث، فإن الأكثرين منهم إنما كدهم الروايات وجمع الطرق، وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب، لا يراعون المتون، ولا يفقهون المعاني، ولا يستنبطون سيرها، ولا يستخرجون ركازها وفقهها، وربما عابوا الفقهاء وتناولوهم بالطعن، وادعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرون، وبسوء القول فيهم آثمون. وأما الطبقة الأخرى، وهم أهل الفقه والنظر، فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على أقلِّه، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيِّده من رديئه، ولا يعبأون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق

стр. 11

مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف والحديث المنقطع إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم، وتعاورته الألسن فيما بينهم من غير تثبت فيه أو يقين علم به، فكان ذلك زلة من الراوي أو عيًّا فيه ...» اهـ. والحق أن الحديث والفقه أخوا صفاء، وقرينا وفاء، ولذلك قال ابن المديني ﵀: «التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم» (١) فهما للعالم كالجناحين للطائر. قال الشوكاني (٢): «والمتصدر للتصنيف في كتب الفقه -وإن بلغ في إتقانه وإتقان علم الأصول وسائر الفنون الآلية إلى حدٍّ يتقاصر عنه الوصف- إذا لم يتقن علم السنة، ويعرف صحيحه من سقيمه، ويُعوِّل على أهله في إصداره وإيراده، كانت مصنفاته مبنية على غير أساس، لأن علم الفقه هو مأخوذ من علم السنة إلا القليل منه، وهو ما صرَّح بحكمه القرآن الكريم، فما يصنع ذو الفنون بفنونه إذا لم يكن عالمًا بعلم الحديث، متقنًا له، معولاً على المصنفات فيه؟!» اهـ. ولهذا كان أعدل المذاهب وأقواها في دقائق الفقه ومسائله مذهب المحدثين، لأنهم نهلوا من معين النبوة، واقتبسوا من مشكاة الرسالة، فعليها وردوا، وعنها صدروا (٣). «وأقبح بمحدِّث يُسأل عن حادثة فلا يدري، وقد شغله عنها جمع طرق الأحاديث، وقبيح بالفقيه أن يقال: ما معنى قول رسول الله كذا، فلا يدري صحة الحديث ولا معناه» (٤). وقد كان دأب السلف وطريقتهم أن يضموا إلى الرواية الدراية، وإلى الدراية الرواية، وبهذا أوصوا، فعن مصعب الزبيري قال: سمعت مالك بن أنس قال لابني أخته، أبي بكر وإسماعيل ابني أبي أويس: «أراكما تحبان هذا الشأن وتطلبانه

стр. 12

-يعني: سماع الحديث- قالا: نعم، قال: «إن أجبتما أن تنتفعا به، وينفع الله بكما، فأقلا منه وتفقَّها» (١). قلت: فما أحوجنا إلى فقه مأخوذ من صحيح السنة والأثر، بفهم سلف الأمة وفقهائها، جاريًا على أصول أهل العلم. [المسلك في هذا الكتاب] وبعد: فكانت هذه الأمور الثلاثة مما دفعني إلى الإقدام على تأليف هذا الكتاب الذي أسأل الله أن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يجعله خطوة على طريق الفقه في دينه، وأن يجنبني فيه ما انتقدتُ من سلبيات رأيتها في غيره، والتي لا أدعي لنفسي العصمة من نظائرها. وقد سلكتُ في هذا الكتاب ما يلي: ١ - رتَّبتُ كتبه وأبوابه على نمط قريب من معظم كتب الفقه، مع شيء يسير من الاختلاف، حيث بدأتُ بقسم العبادات والذي يحتوي على كتاب الطهارة، والصلاة والجنائز والزكاة والصيام والحج، وألحقت بها ما يتصل بالعبادات: ككتاب الأيمان والنذور، والأطعمة والأشربة، والصيد والذبائح ونحوها. ثم أتبعتُه بقسم أحكام الأسرة (الأحوال الشخصية) وما يتعلق بها، ككتاب اللباس والزينة وأحكام النظر، والمواريث. ثم كتاب الحدود، والجنايات والديات، ثم البيوع ... وهكذا. ٢ - وقد مهَّدت لهذه الكتب بمقدمة في نشأة المذاهب وأسباب اختلاف العلماء ومسائل تتعلق بالتقليد ونحو ذلك، مما ينبغي لطالب العلم معرفته قبل الشروع في دراسة الفقه. ٣ - وقد اجتهدت في ترتيب مواضيعه، وصياغتها بأسلوب سهل واضح، يناسب الباحث والقارئ العادي، ومع هذا راعيت قدر الإمكان أن تكون عباراته

стр. 13

قريبة من عبارات الفقهاء في دقتها ودلالتها على المقصود وربما أختار العبارة المُثلى مما أقف عليه في المراجع الفقهية المختلفة. ٤ - وقد رتبتُ مسائله ترتيبًا مستلسلاً منطقيًّا، حسب تواردها على ذهن القارئ، لتكون أقرب متناولاً، وأيسر مأخذًا. ٥ - وقد عنيت بوضع العناوين التفصيلية التي تدل على المراد بوضوح، إضافة إلى العناوين الكلية التي تحدد موضوع الأبحاث، وتفرز الموضوعات بعضها عن بعض، وترتب الأفكار داخل الموضوع الواحد. ٦ - وقد بذلت وسعى في الاستدلال لكل مسألة بكتاب الله -إن أمكن- وسنة رسوله ﷺ الثابتة عنه، بعد جمع الأدلة فيها وتنقيحها والحكم على أحاديثها بما تستحقه صحة وضعفًا، مع إثبات ذلك في الحاشية مختصرًا بقدر الإمكان، وإن كان في المسألة إجماع ذكرته معزوًّا إلى ناقله. ٧ - وإن كانت المسألة خلافية -وهو الغالب على مسائل الفقه- فإنني أورد الخلاف ولا أهمله، وكيف لا أفعل، وقد قال قتادة: «من لم يعرف الاختلاف، لم يشم الفقه بأنفه» (١). وذلك أن الجهل بالخلاف قد يؤدي إلى رد بعض الحق الذي لا يعلمه، إذ الحق غير منحصر في قول فرد من العلماء كائنًا من كان، ولذا روى عثمان بن عطاء عن أبيه قوله: «لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالمًا باختلاف الناس، فإنه إن لم يكن كذلك ردَّ من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه» (٢). فإن كان الخلاف في المسألة معتبرًا قويًا، كانت طريقتي في عرضه: أن أذكر كل قول، والقائلين به من أهل العلم معتمدًا في نقل آرائهم على كتب الإمام نفسه -إن أمكن- وإلا فعلى كتب المذهب المعتمدة لدى علمائه، مع إثبات توثيق هذه الآراء في الحاشية. ثم أسوق ما وقفتُ عليه من حُجج لهذا القول، مع إبداء وجه الدلالة من الدليل -إن لم يكن ظاهرًا- وأحيانًا أُتبع كل دليل بما اعترض عليه وأُجيبَ عنه به من الفريق الآخر إتمامًا للفائدة.

стр. 14

ثم أفعل هذا مع كل قول من أقوال العلماء في المسألة. ٨ - ولا أكتفي بمجرد نقل هذه الأقوال وسرد أدلتها، لأن مجرد عرضها دون ترجيح يوقع القارئ في الحيرة واضطراب، من جهة أن الباحث الذي جمع الأقوال ونقَّب عنها لم يُرجِّح، فالغالب أن غيره لا يملك ذلك من باب أولى، بل أحرص على تفهُّم الأقوال وتمحيصها سندًا ومتنًا، ودلالة وأقارن بعضها ببعض، وإجراء ذلك على أصول أهل العلم ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، بغرض الوصول للقول الناجح مع غير تعصُّب لأحد كائنًا من كان، فالباحث المنصف، إنما يبحث عن الحق، وعن مراد الله تعالى، ومراد رسوله ﷺ ، ولا يعنيه بعد ذلك إن وافق قول فلان أو فلان، خاصة وأنه إنما يخرج من قول إمام إلى قول إمام آخر. وقد التزمت في ذلك أن أكون وراء نصوص الشريعة، أسمع منها وأصغى إليها وأفهم مرادها، فلا أسبقها بالقول، ولا أقوِّلها ما لم تقل، ولا أحملها ما لا تحتمل، ولا أطوِّعا على ما تشتهي النفس أو يشتهي ألناس. والمقصود أنني أحاول الترجيح بمقدار ما بلغت إليه الملكة إن ظهر لي وجه معتبر في الترجيح، فإذا لم يتبين لي وجه الصواب توقفتُ، إذ لا يجوز الترجيح بغير دليل ود برهان. قال ابن عبد البر- ﵀: «والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول منها وذلك لا يعدم، فإن استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة، فإذا لم يبن ذلك وجب التوقف، ولم يجز القطع إلا بيقين» (١). وربما أختار قولين قويين من بين مجموع الأقوال، أو أضعِّف ما ظهر لي تضعيفه من الأقوال، فهدا ترجيح جزئي، وهو يقرب المسألة. أما إذا كانت كفة أحد القوال راجحة بجلاء على غيرها، فإنني أذكر القول القوى بألته الدامغة، مع ذكر القائلين به، على النحو الذي تقدم، ثم أشير إلى الخلاف باختصار، وربما أهمله إذا كان قولاً ساقطًا متهالكًا لا ينبغي الاشتغال بنقله وحكايته إلا لفائدة.

стр. 15

وقد حرصت في اختياراتى ألا أخرج عن مجموع أقوال السلف، فلم آت بقول مبتكر مبتدع لم أسبق إليه، إذ أن اختصار السلف على هذه الأقوال يعتبر إجماعًا منهم على أن الحق محصور فيها لا يخرج عن جملتها، وإن اختلفوا في أيها وافق الحق، فلا يظن أن يخفى الحق على جميع الأمة في عصر من العصور. ولا يفوتني أن أُنَبِّه على أن هذه الاختيارات لا تلزم أحداً غيري، وإن كان ربما يستفيد منها من لا ملكة له على الترجيح، وأما طالب العلم القادر على الترجيح فإنه يكفيه أنى جمعتُ له شتات المسألة، فله أن يرجِّح ما تبين له صوابه من غير حجر عليه، فإن وقف على كلامي ذكى لا يستقويه، فالأولى به أن ىخفض لي جناح الذل من الرحمة، وأن يشكر الله على ما فضَّله به عليَّ من الحكمة، وكلما ازداد فقه المرء في دين الله ، زاد رفقُه على المخالفين الذين ثم يكونوا يريدون غير الحق. وقد درجت على هذا النسق وذلك المنوال في جل الكتاب، حتى إذا كنت في أوائل كتاب البيوع اضطررت للسفر، في حين يُلحُّ الناشر- جزاه الله خيرًا- على نشر الكتاب، فاستخرت الله تعالى أن أرفق بالكتاب بحثًا مختصرًا في «البيوع المحرمة» كان أعدَّه أخونا وحبيبنا الشيخ فؤاد سراج- حفظه الله- وليس هو جاريًا على شرطي في الكتاب من إيراد الخلاف والترجيح بين الأقوال؛ وما لا يدرك كلُّه لا يترك جُلُّه، وأما بحث هذه المسائل على شرطي فإنه يحتاج إلى جهد وفير ووقت طويل وعناية خاصة، لا سيما وفى مباحث هذا الكتاب كثير من المسائل الجديدة النازلة، وقد كنت شرعت في هذا فعلاً، لولا ما قدَّره الله من الاضطرار إلى السفر، فأرجو أن يقبل القارئ عذري، على أنى ماضٍ بمشيئة الله في إتمام ذلك، وإضافة أبواب أخرى في طبعة قادمة أن شاء الله تعالى. هذا ولا يفوتني أن أقدم شكري وخالص دعائي لكل من أعاننى بشيء في إتمام هذا العمل وخروجه على هذه الهيئة، من إعداد مسألة أو إعارة كتاب، أو كتابة أو نسخ، أو جمع أو طباعة، أو مراجعة تجارب وأخصُّ منهم أخانا وشيخنا فؤاد سراج، بارك الله في علمه وعمله وذريته، وأخانا وحبيبنا الشيخ هاني الحاج رفع الله قدره، وأخويَّ المباركين: مصطفى الشامي وفيصل عبد الواحد، حفظهما الله،

стр. 16

والأخ الفاضل سيد فتحي، سائلاً الله تعالى أن يجزل لهم المثوبة والعطاء، وأن يجمعنا بهم في الجنة دار البقاء. وقد سميت هذا الكتاب «صحيح فقه السنة وتوضيح مذاهب الأئمة» وليس يضرني وقوف أهل المعرفة على ما لي من التقصير، ومعرفتهم أن باعي في هذا الميدان قصير، فلئن أخطئ فمن الذي عُصِم؟! ولئن أُخَطَّا فمن الذي وُصِمَ؟! وأعلمُ أن الخطأ والزلل، هما الغالبان على من خلق الله من عجل، فإن أصبتُ فمن الله وحده، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأتمثل قول الشاعر: لقد مضيت وراء الركب ذا عَرَجِ ... مؤمِّلاً جبر ما لاقيتُ من عَرَج فإن لحقتُ بهم من بعد ما سبقوا ... فكم لرب الورى في الناس من فرِجِ وإن ضللتُ بقفر الأرض منقطعًا ... فما على أعرج في الناس من حَرَجِ وأسأل أل الله تعالى أن ينفعني وإخواني من طلاب العلم بهذا العمل، وأن يخلص نيتي فيه لوجهه، فإن القلوب بيده وأن لا يجعل لأحد من خلقه فيه نصيبًا وأن ينفعني به يوم ألقاه ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١). وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين. وكتبه الفقير إلى عفو ربه المالك كمال بن السيد سالم ... أبو مالك

стр. 17

تمهيد نشأة علم الفقه (١) [الفقه في عهد النبي ﷺ ] اعلم أن رسول الله ﷺ لم يكن الفقه في زمانه الشريف مدونًّا، ولم يكن البحث في الأحكام يومئذ مثل بحث هؤلاء الفقهاء، حيث يبينون بأقصى جهدهم الأركان والشروط والآداب، كل شيء ممتازًا عن الأخر بدليله، ويفرضون الصور من صنائعهم، ويتكلمون على تلك الصور المفروضة، ويحدون ما يقبل الحد، ويحرصون ما يقبل الحصر، إلى غير ذلك وإنما كان رسول الله ﷺ يتوضأ فيرى الصحابة وضوءه فيأخذون به من غير أن يبين: هذا ركن وذلك أدب، وكان يصلي فيرون صلاته، فيصلون كما رأوه يصلى، وحج فرمق الناس حجَّه، ففعلوا كما فعل. وهذا كان غالب حاله ﷺ ، ولم يبين أن فروض الوضوء ستة أو أربعة، ولم يفرض أنه يحتمل أن يتوضأ إنسان بغير موالاة حتى يحكم عليه بالصحة أو الفساد، إلا ما شاء الله، وقلما كانوا يسألونه عن هذه الأشياء. وكان ﷺ يستفتيه الناس في الوقائع فيفتيهم، وترفع إليه القضايا فيقضى فيها، ويرى الناس يفعلون معروفًا فيمدحه، أو منكرًا فينكر عليهم، وما كل ما أفتى به مستفتيًا عنه وقضى به في قضية أو أنكره على فاعله كان في الاجتماعات، فرأى كل صحابي ما يسَّره الله له من عباداته وفتاواه وأقضيته، فحفظها وعقلها، وعرف لكل شيء وجهًا من قبل حفوف القرائن به، فحمل بعضها على الإباحة، وبعضها على الاستحباب، وبعضها على النسخ لأمارات وقرائن كانت كافية عنده. ولم يكن العمدة عندهم إلا وجدان الاطمئنان والثلج، من غير التفات إلى طرق الاستدلال، فانقضى عصره ﷺ وهم على ذلك.

стр. 18

[عهد الصحابة ﵃] ثم إنهم تفرقوا في البلاد، وصار كل واحد مقتدى ناحية من النواحي، فكثرت الوقائع، ودارت المسائل، فاستفتوا فيها، فأجاب كل واحد حسب ما حفظه أو استنبطه، وإن لم يجد فيما حفظه أو استنبطه ما يصلح للجواب، اجتهد برأيه وعرف العلة التي أدار سول الله ﷺ عليها الحكم في منصوصاته، فطرد الحكم حيثما وجدها، لا يألو جهدًا في موافقة غرضه ﷺ . [أسباب اختلاف الصحابة وصوره] فعندئذ وقع الاختلاف بينهم على ضروب منها: ١ - أن يسمع صحابي حكمًا في قضية أو فتوى، ولم يسمعه الآخر، فيجتهد برأيه في ذلك، ويكون هذا على وجوه: (أ) أن يقع اجتهاده موافقًا للحديث، ومثاله: ما جاء عن ابن مسعود أنه سئل عن امرأة مات عنها زوجها ولم يفرض لها، فقال: لم أر رسول الله ﷺ يقضى في ذلك، فاختلفوا عليه شهرًا وألحوا، فاجتهد برأيه، وقضي بأن لها مهر نسائها: لا وَكَسَ ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن يسار فشهد بأنه ﷺ قضى بمثل ذلك في امرأة منهم، ففرح بذلك ابن مسعود فرحة لم يفرح مثلها قط بعد الإسلام. (ب) أن يقع بينهما المناظرة، ويظهر الحديث بالوجه الذي يقع به غالب الظن فيرجع عن اجتهاده إلى المسموع، ومثاله: أن أبا هريرة كان من مذهبه أنه من أصبح جنبًا فلا صوم له، حتى أخبرته بعض أزواج النبى ﷺ بخلاف مذهبه فرجع. (جـ) أن يبلغه الحديث لكن لا على الوجه الذي يقع به غالب الظن، فلم يترك اجتهاده بل طعن في الحديث، ومثاله: أن فاطمة بنت قيس ﵂ شهدت عند عمر بن الخطاب بأنها كانت مطلقة ثلاثًا، فلم يجعل لها رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى، فردَّ شهادتها وقال: لا نترك كتاب الله بقول امرأة ندري أصدقت أم كذبت.

стр. 19

وقالت عائشة: يا فاطمة اتقي الله! تعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة. (ر) أن لا يصل إليه الحديث أصلاً، ومثاله: أن ابن عَمْرو وكان يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فسمعت عائشة ﵂ بذلك فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا، يأمر النساء أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟! فقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات. ٢ - أن يروا رسول الله ﷺ فعل فعلاً، فيحمله بعضهم على القربة وبعضهم على الإباحة: ومثاله: أنهم رأوا النبي ﷺ يرمل في الطواف، فذهب جمهورهم إلى أن الرمل في الطواف سنة، وحمله ابن عباس على أنه إنما فعله ﷺ على سبيل الاتفاق لعارض عرض- وهو قول المشركين: حطمتهم حمى يثرب- وليس سنة. ٣ - اختلاف الوهم: ومثاله أن رسول الله ﷺ حجَّ فرآه الناس، فذهب بعضهم إلى أنه كان متمتعًا، وبعضهم إلى أنه كان قارنًا، وبعضهم إلى أنه كان مفردًا. ٤ - اختلاف السهو والنسيان: ومثاله ما رُوي: أن ابن عمر كان يقول: أعتمر رسول الله ﷺ عمرة في رجب، فسمعت عائشة بذلك فقضت عليه بالسهو. ٥ - اختلاف الضبط: ومثاله أن ابن عمر روى عن النبي ﷺ : «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» فقضت عائشة عليه بأنه وهم بأخذ الحديث على وجه: مرَّ رسول الله ﷺ على يهودية يبكى عليها أهلها فقال: إنهم يبكون عليها وإنها تعذب في قبرها، فظن أن العذاب معلول للبكاء، وظن الحكم عامًا على كل ميت. ٦ - الاختلاف في علة الحكم: مثاله: القيام للجنازة فقال قائل: لتعظيم الملائكة فيعم المؤمن والكافر، وقال قائل: لهول الموت فيعمهما، وقال قائل: مر رسول الله ﷺ بجنازة يهودي فقام لها كراهة أن تعلو فوق رأسه، فيخص بالكافر. ٧ - الاختلاف في الجمع بين المختلفين: ومثاله: نهى رسول الله ﷺ عن

стр. 20

استقبال القبلة في قضاء الحاجة فذهب قوم إلى عموم هذا الحكم وأنه غير منسوخ، ورآه جابر يبول قبل أن يتوفى بعام مستقبل القبلة فذهب إلى أنه نسخ للنهى المتقدم، ورآه ابن عمر قضى حاجته مستدبر القبلة فرَّد به قولهم إلى غير ذلك. [الفقه في عهد التابعين] وبالجملة فاختلفت مذاهب أصحاب النبي ﷺ ، وأخذ عنهم التابعون كل واحد ما تيسر له، فحفظ ما سمع من حديث رسول الله ﷺ ومذاهب الصحابة وعقلها، وجمع المختلف على ما تيسر له، ورجح بعض الأقوال على بعض، واضمحل في نظرهم بعض الأقوال وإن كان مأثورًا عن كبار الصحابة، كما استفاض عندهم عن النبي ﷺ على خلافه. فصار لكل عالم من التابعين مذهب على حياله، فانتصب في كل بلد إمام، مثل: سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر في المدينة، وبعدها: الزهري ويحيى بن سعيد وربيعة بن عبد الرحمن فيها. وعطاء بن أبى رباح بمكة، وإبراهيم النخعي والشعبي بالكوفة، والحسن بالبصرة، وطاووس بن كيسان باليمن ومكحول بالشام، فأظمأ الله أكبادًا إلى علومهم فرغبوا فيها، وأخذوا عنهم الحيث وفتاوى الصحابة وأقاويلهم، ومذاهب هؤلاء العلماء وتحقيقاتهم، واستفتى منهم المفتون، ودارت المسائل بينهم ورفعت إليهم الأقضية. وكان ابن المسيب وإبراهيم النخعي وأمثالهما قد جمعوا أبواب الفقه أجمعها، وكان سعيد بن المسيب وأصحابه يذهبون إلى أن أهم الحرمين أثبت الناس في الفقه، وأصل مذهبهم فتاوى عمر وعثمان وقضاياهما، وابن عمر وعائشة وابن عباس وقضايا قضاة المدينة. وكاد النخعي وأصحابه يرون أن عبد الله بن مسعود وأصحابه أثبت الناس في الفقه، فأصل مذهبهم فتاوى ابن مسعود وقضايا علي ﵁ وفتاواه، وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة. ونظر كل فريق فيما اجتمع لديه نظر اعتبار وتفتيش، فما كان منها مجتمعًا عليه بين العلماء فإنهم يأخذون عليه بنواجذهم، وما كان فيه أن اختلاف عندهم

стр. 21

فإنهم يأخذون بأقواها وأرجحها، وإذا لم يجدوا فيما حفظوه جواب المسألة خرجوا من كلامهم وتتبعوا الإيماء والاقتضاء، فحصل لهم مسائل كثيرة في كل باب. [الفقه بعد عهد التابعين] ثم أنشأ الله تعالى بعد عصر التابعين نشأً من حملة العلم، فأخذوا العلم عنهم، ونسجوا على منوال شيوخهم، فتمسكوا بالمسند من حديث رسول الله ﷺ واستدلوا بأقوال الصحابة والتابعين، علمًا منهم أنها إما أحاديث منقولة عن رسول الله ﷺ اختصروها فجعلوها موقوفة، أو يكون استنباطًا منهم من المنصوص واجتهادًا منهم بآرائهم، وهم أحسن صنيعًا في كل ذلك ممن يجيء بعدهم، وأكثر إصابة، وأقدم زمانًا وأوعى علمًا، فتعين العمل بها إلا إذا اختلفوا وكان حديث رسول الله يخالف قولهم مخالفة ظاهرة. وقد أُلهموا في هذه الطبقة التدوين، فدون مالك، ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبى ذئب بالمدينة، وابن جرير وابن عيينة بمكة، والثوري بالكوفة، والربيع بن صبيح بالبصرة. وكان مالك أثبتهم في حديث المدنيين عن رسول الله ﷺ وأوثقهم إسناداً، وأعلمهم بقضايا عمر، وأقاويل عبد الله في عمر وعائشة وأصحابهم من الفقهاء السبعة، وبه وبأمثاله قام علم الرواية والفتوى، ولما وسد إليه الأمر حدَّث وأفتى وأفاد وأجاد. وكان أبو حنيفة- ﵀ ألزمهم بمذهب إبراهيم النخعى وأقرانه، لا يجاوزه إلا ما شاء الله، وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه، دقيق النظر في وجوه التخريجات، مقبلاً على الفروع أتمَّ إقبال. وكان أشهر أصحابه ذكرًا أبو يوسف- ﵀ وكان أحسنهم تصنيفًا وألزمهم درسًا محمد بن الحسن، وكان من خبره أنه تفقَّه على أبي حنيفة وأبي يوسف، ثم خرج إلى المدينة فقرأ «الموطأ» على مالك، ثم رجع إلى بلده فطبق مذهب أصحابه على «الموطأ» مسألة مسألة، فإن وافق منها وإلا فإن طائفة من الصحابة والتابعين ذاهبين إلى مذهب أصحابه فكذلك، وإن وجد قياسًا ضعيفًا أو تخريجًا يخالفه حديث صحيح مما عمل به الفقهاء ويخالفه عمل أكثر العلماء تركه

стр. 22

إلى مذهب السلف مما يراه أرجح ما هناك، وهما لا يزالان على محجة النخعي ما أمكن لهما كما كان أبو حنيفة- ﵀ يفعل، ولذا عُدَّ مذهبًا مع مذهب أبى حنيفة واحدًا- مع أنهما مجتهدان مطلقان مخالفتهما له غير قليلة في الأصول والفروع- لتوافقهم في هذا الأصل. ونشأ الشافعي- ﵀ في أوائل ظهور المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما، فنظر في صنيع الأوائل فوجد فيه أموراً كَبَحت عنانه عن الجريان في طريقهم، منها: أنه وجدهم يأخذون بالمرسل والمنقطع فيدخل فيهما الخلل، ومنها أنه لم تكن قواعد الجمع بين المختلفات مضبوطة عندهم فتطرَّق بذلك خلل في مجتهداتهم، فوضع لها أصولاً ودوَّنها في كتاب، وهذا أول تدوين كان في أصول الفقه، ومنها أن أقوال الصحابة جمعت في عصر الشافعي فكثرت واختلفت وتشعبت، ورأى كثيرًا منها يخالف الحديث الصحيح حيث لم يبلغهم، ورأى السلف لم يزالوا يرجعون في مثل ذالك إلى الحديث، فترك التمسك بأقوالهم ما لم يتفقوا، وقال: هم رجال ونحن رجال. ومنها أنه رأى قومًا من الفقهاء يخلطون الرأي الذي لم يسوغه الشرع بالقياس الذي أثبته، فلا يميزون واحداً منها عن الآخر. وبالجملة فإنه ﵀ لما رأى هذه الأمور أخذ الفقه من الرأس فأسس الأصول وفرع الفروع ونف الكتب فأجاد وأفاد، واجتمع عليه الفقهاء، ثم تفرقوا في البلدان فكان هذا مذهب الشافعي. [أسباب الاختلاف بين أهل الحديث وأهل الرأي] واعلم أنه كان من العلماء من عصر التابعين فما بعدهم قوم يكرهون الخوض بالرأي ويهابون الفتيا والاستنباط إلا لضرورة لا يجدون منها بُدًا، وكان أكبر همهم رواية حديث رسول الله ﷺ ، فوقع شيوع تدوين الحديث والأثر في بلدان الإسلام، وكتابة الصحف والنسخ، فطاف من أدرك من عظمائهم ذلك الزمان بلاد الحجاز والشام والعراق ومصر واليمن وخراسان وجمعوا الكتب وتتبعوا النسخ حتى اجتمع لهم من الحديث والآثار ما لم يجتمع لأحد قبلهم، واجتمع عندهم ما كان خافيًا على أهل الفتوى من آثار فقهاء كل بلد من الصحابة والتابعين، بعد أن

стр. 23

كان الرجل فيما قبلهم لا يتمكن إلا من جمع حديث بلده وأصحابه، كما انكشف لهم بهذا التدوين والبحث والمناظرة ما كان خافيًا من حال أسانيد هذه الأحاديث. فرجع المحققون منهم- بعد إحكام فن الرواية ومعرفة الأحاديث- إلى الفقه، فلم يكن عندهم من الرأي أن يُجمع على تقليد رجل ممن مضى مع ما يروون من الأحاديث والآثار المناهضة لكل مذهب من تلك المذاهب، ولم تكن مسالة من المسائل التي تكلم فيها من قبلهم والتي وقت في زمانهم إلا وجدوا فيها حديثًا مرفوعًا متصلاً أو مرسلاً أو موقوفًا، أو وجدوا أثرًا من آثار الشيخين أو سائر الخلفاء وقضاة الأمصار وفقهاء البلدان، فيسَّر الله لهم العمل بالسنة على هذا الوجه، وكان أعظمهم شأنًا وأوسعهم رواية، وأعرفهم للحديث مرتبة وأعمقهم فقهًا، أحمد بن حنبل ثم إسحاق ابن راهويه- رحمهما الله تعالى- قال الشافعي لأحمد: «أنتم أعلم بالأخبار الصحيحة منا، فإذا كان خبر صحيح فأعلمونى حتى أذهب إليه، كوفيًا كان أو بصريًا أو شاميًا» اهـ. وقد خلف هؤلاء قوم رأوا أن أصحابهم قد كفوهم مؤنة جمع الأحاديث، وتمهيد الفقه على هذا الأصل، فتفرغوا لفنون أخرى، كتمييز الحديث الصحيح المجمع عليه من كبراء أهل الحديث كيزيد بن هارون ويحيى القطان وأحمد وإسحاق وأضرابهم، وكجمع أحاديث الفقه التي بنى عليها فقهاء الأمصار وعلماء البلدان مذاهبهم، وكالحكم على كل حديث بما يستحقه، وكالشاذَّة والفاذَّة من الأحاديث التي لم يرووها، أو طرقها التي لم تخرج من جهتها الأوائل، وغير ذلك، ومن هؤلاء: البخاري ومسلم وأبو داود وعبد بن حميد والدارمي وابن ماجه وأبو يعلى والترمذي والنسائي والدارقطني والحاكم والبيهقي وغيرهم. وكان بإزاء هؤلاء في عصر مالك وسفيان وبعدهم قوة لا يكرهون المسائل، ولا يهابون الفتيا، وإنما يهابون رواية حديث النبي ﷺ والرفع إليه، حتى قال الشعبي: «على من دون النبي ﷺ أحب إلينا، فإن كان فيه زيادة أو نقصان؛ كان على من دون النبي ﷺ ». فوقع تدوين الحديث والفقه والمسائل من حاجتهم بموقع من وجه آخر، وذلك أنه لم يكن عندهم من الأحاديث والآثار ما يقدرون به على استنباط الفقه على الأصول التي اختارها أهل الحديث، ولم تنشرح صدورهم للنظر في أقوال علماء

стр. 24

البلدان وجمعها والبحث عنها، واتهموا أنفسهم في ذلك، وكانوا اعتقدوا في أئمتهم أنهم في الدرجة العليا من التحقيق، وكانت قلوبهم أميل شيء إلى أصحابهم، كما قال أبو حنيفة: «إبراهيم - يعني: النخعي- أفقه من سالم، ولولا فضل الصحبة لقلت: علقمة أفقه من ابن عمر!!». وكان عندهم من الفطانة والحدس وسرعة انتقال الذهن من شيء إلى شيء ما يقدرون به على تخريج جواب المسألة على أقوال أصحابهم، فمهدوا الفقه على قاعدة التخريج، فوقع التخريج في كل مذهب فكثر، وأي مذهب كان أصحابه مشهورين وسُدِّ إليهم القضاء والإفتاء، فاشتهرت تصانيفهم في الناس، وانتشرت في أقطار الأرض. ومن هنا نشأت مدرستا الحديث والفقه، وقد صدَّر الإمام الخطابي ﵀ كتاب «معالم السنن» (١) بالكلام عليهما فقال: رأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا أمرين، وانقسموا إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر، وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما نحوه من البغية والإرادة، لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة أساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب. ووجدت هذين الفريقين على ما بينهم من التداني في المحلين، والتقارب في المنزلين، وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض، وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم إلى صاحبه، إخوانًا متهاجرين، وعلى سبيل الحق بلزوم التناصر غير متظاهرين. فأما هذه الطبقة الذين هم أهل الحديث والأثر فإن الأكثرين إنما كدهم الروايات، وجمع الطرق، وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب، لا يراعون المتون، ولا يتفهمون المعاني، ولا يستنبطون سرها، ولا يستخرجون ركازها وفقهها وربما عابوا الفقهاء وتناولوهم بالطعن، وادعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرون، وبسوء القول فيهم آثمون، وأما الطبقة الأخرى -وهم أهل الفقه والنظر- فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على أقله، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده من رديئه، ولا يعبأون بما

стр. 25

بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف والحديث المنقطع إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم، وتعاورته الألسن فيما بينهم، من غير تثبت فيه أو يقين علم به، فكان ذلك زلة من الراوي أو عيًّا فيه، وهؤلاء- وفقنا الله وإياهم- لو حكى لهم عن واحد من رؤساء مذاهبهم وزعماء نحلهم قول يقوله باجتهاده من قبل نفسه، طلبوا فيه الثقة، واستبرءوا له العهدة: فنجد أصحاب مالك لا يعتمدون في مذهبه إلا ما كان من رواية ابن القاسم وأشهب وأضرابهما من نبلاء أصحابه، فإذا جاءت رواية عبد الله بن عبد الحكم وأضرابه لم يكن عندهم طائلاً، وترى أصحاب أبي حنيفة- رحمه الله تعالى- لا يقبلون من الرواية عنه إلا ما حكاه أبو يوسف ومحمد بن الحسن والعلية من أصحابه والأجلة من تلامذته، فإن جاءهم عن الحسن بن زياد اللؤلؤي وذوي روايته قول بخلافه لم يقبلوه ولم يعتمدوه. وكذلك تجد أصحاب الشافعي إنما يعولون في مذهبه على رواية المزني والربيع بن سليمان المرادي، فإذا جاءت رواية خزيمة والجرمى وأمثالهما لم يلتفتوا إليها ولم يعتدُّوا بها في أقاويله، وعلى هذا عادة كل فرقة من العلماء في أحكام مذاهب أئمتهم وأساتذتهم. فإذا كان هذا دأبهم، وكانوا لا يقتنعون في أمر هذه الفروع والرواية عن هؤلاء الشيوخ إلا بالوثيقة والتثبت، فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر الأهم والخطب الأعظم، وأن يتواكلوا الرواية والنقل عن إمام الأئمة ورسول رب العزة، الواجب حكمه، اللازمة طاعته، الذي يجب علينا التسليم لحكمه والانقياد لأمره من حيث لا نجد في أنفسنا حرجًا مما قضاه، ولا في صدورنا غلاً من شيء أبرمه وأمضاه، أرأيتكم إذا كان الرجل يتساهل في أمر نفسه ويسامح غرماءه في حقه، فأخذ منهم الزيف ويغضي لهم عن العيب، هل يجوز له أن يفعل ذلك في حق غيره إذا كان نائبًا عنه، كولي الضعيف ووصى اليتيم ووكيل الغائب؟ وهل يكون ذلك منه إذا فعله إلا خيانة للعهد وإخفارًا للذمة؟ فهذا هو ذلك إما عيان خمس وإما عيان مثل، ولكن أقوامًا عساهم استوعروا طريق الحق، واسطابوا الدعة في ذلك الحظ، وأحبوا عجالة النيل، فاختصروا طريق العلم، واقتصروا على نتف وحروف منتزعة من معاني أصول الفقه سموها عللاً، وجعلوها شعارًا لأنفسهم في الترسم برسم العلم، وأخذوها جنة عند لقاء

стр. 26

خصومهم، ونصبوها ذريعة للخوض والجدال يتناظرون بها، ويتلاطمون عليها، وعند التصادر عنها قد حكم الغالب بالحذق والتبريز فهو الفقيه المذكور في عصره، والرئيس المعظم في بلده ومصره. هذا وقد وسوس لهم الشيطان حيلة لطيفة، وبلغ منهم مكيدة بليغة فقال لهم: هذا الذي في أيديكم علم قصير وبضاعة مزجاة فإن تفي بمبلغ الحاجة والكفاية، فاستعينوا عليه بالكلام، وصلوه بمقطعات منه، واستظهروا بأصول المتكلمين يتسع للمرء مذهب الخوض ومجال النظر، فصدق عليهم إبليس ظنه، وأطاعه كثير منهم واتبعوه، إلا فريقًا من المؤمنين، فيا للرجال والعقول أين يذهب بهم، وأنى يخدعهم الشيطان عن حظهم وموضع رشدهم، والله المستعان، انتهى كلام الخطابي. [أحوال الناس في المائة الأولى والثانية] اعلم أن الناس كانوا في المائة الأولى والثانية غير مجمعين على التقليد لمذهب واحد بعينه، قال أبو طالب المكي في «قوت القلوب»: «إن الكتب والمجموعات محدثة، والقول بمقالات الناس والفتيا بمذهب الواحد من الناس، واتخاذ قوله، والحكاية له في كل شيء، والتفقه على مذهبه، لم يكن الناس على ذلك في القرنين الأول والثاني» اهـ. وقال ابن الهمام في «التحرير»: «وكانوا يستفتون مرة واحدًا، ومرة غيره، غير ملتزمين بفتيا واحد» اهـ. وأما العلماء فكانوا على مرتبتين: منهم من أمعن في تتبع الكتاب والسنة والآثار حتى حصل له ملكة إفتاء الناس وإجابتهم في غالب الوقائع بحيث يكون جوابه أكثر مما يتوقف فيه، ويُخص باسم «المجتهد». ومنهم من حصل له من معرفة القرآن والسنن ما يتمكن به من معرفة رءوس الفقه وأمهات مسائله بأدلتها التفصيلية، وحصل له غالب الرأي ببعض المسائل الأخرى من أدلتها، وتوقف في بعضها، واحتاج في ذلك إلى مشاورة العلماء لأنه لم تتكامل له الأدوات كما تتكامل للمجتهد المطلق، فهو مجتهد في العبض غير متجهد في البعض، وقد تواتر عن الصحابة والتابعين أنهم كانوا إذا بلغهم الحديث يعلمون به من غير أن يلاحظوا شرطًا.

стр. 27

[ظهور التمذهب للمجتهدين بعد المائة الثانية] وبعد المائتين ظهر فيهم التمذهب للمجتهدين بأعيانهم، وقلَّ من كان لا يعتمد على مذهب مجتهد بعينه، وقد كان المشتغل بالفقه لا يخلو عن حالتين: ١ - إما أن يكون أكبر همه معرفة المسائل التي أجاب فيها المجتهدون من قبل من أدلتها التفصيلية ونقدها وتنقيحها وترجيح بعضها على بعض، ولابد له من أن يستحسن شيئًا مما سبق إليه إمامه ويستدرك عليه شيئًا، فإن كان استدراكه أقل من موافقته عُدَّ من أصحاب الوجوه في المذهب، وإن كان أكثر لم يُعدَّ تفرُّده وجهًا في المذهب، وكان مع ذلك منتسبًا إلى صاحب المذهب في الجملة، ممتازًا عمن يأسى بإمام آخر في كثير من أصول مذهبه وفروعه، ويوجد لمثل هذا بعض مجتهدات لم يسبق بالجواب فيها، إذ الوقائع متتالية، والباب مفتوح، فيأخذها من الكتاب والسنة وآثار السلف من غير اعتماد على إمامه، ولكنها قليلة بالنسبة إلى ما سبق بالجواب فيه، وهذا هو المجتهد المطلق المنتسب. ٢ - وإما أن يكون أكبر همه معرفة المسائل التي يستفته فيها المستفتون مما لم يتكلم فيه المتقدمون، وهذا حاجته إلى إمام يتأسى به في الأصول الممهدة في كل باب أشد من حاجة الأول، لأن مسائل الفقه متعانقة متشابكة، فروعها تتعلق بإمامتها، فلو ابتدأ هذا بنقد مذاهبهم وتنقيح أقوالهم لكان ملتزمًا لما لا يطيقه، ولا يتفرغ منه طول عمره، فلا سبيل إلا أن يحمل النظر فيما سبق فيه ويتفرغ للتفاريع، وقد يوجد لمثل هذا استدراكات على إمامه بالكتاب والسنة وآثار السلف والقياس لكنها قليلة بالنسبة إلى موافقاته، وهذا هو «المجتهد في المذهب». [ما حدث في الناس بعد المائة الرابعة] ثم بعد هذه القرون كان ناس آخرون ذهبوا يمينًا وشمالاً، وحدث فيهم أمور منها: - الجدل والخلاف في علم الفقه وتفصيله على ما ذكره الغزالي: أنه لما انقرض عهد الخُلفاء الراشدين المهديين أفضت الخلافة إلى قوم تولوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام، فاضطر إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم، وقد كان بقي من العلماء من هو مستمر على الطراز الأول، وملازم صف الدين، فكانوا إذا طُلبوا هربوا وأعرضوا، فرأى

стр. 28

أهل تلك الأعصار غير العلماء وإقبال الأئمة عليهم مع إعراضهم، فانبروا لطلب العلم توصلاً إلى نيل العز ودرك الجاه. وقد كان من قبلهم قد صنَّف ناس في علم الكلام وأكثر القيل والقال، والإيراد والجواب، وتمهيد طريق الجدال، ووقع منهم ذلك بموقع. - ومنها أنهم اطمأنوا بالتقليد، ودب في صدورهم دبيب النمل وهم لا يشعرون، وكان سبب ذلك تزاحم الفقهاء وتجادلهم فيما بينهم، فقد كان كل من أفتى بشيء نوقض في فتواه ورد عليه، فلم ينقطع الكلام إلا بالمصير إلى تصريح رجل من المتقدمين في المسألة، وأيضًا فإنه لما جاء أكثر القضاة ولم يكونوا أُمناء لم يقبل منهم إلا ما لا يرتب العامة فيه، ويكون شيئًا قد قيل من قبل. وقد اختصر هؤلاء كلام أئمتهم في الدعوة إلى نبذ التقليد والعمل بالكتاب والسنة وتأوَّلوا الخلاف، وثبتوا على مختار أئمتهم، فنشأ بعدهم قرون على التقليد الصرف لا يميزون الحق من الباطل ولا الجدل من الاستنباط، وشاع فيهم التعصُّب للمذاهب والتي نشأ عنها افتراق الكلمة، وتضليل بعضهم البعض حتى كان بعضهم ليرى خروج الإنسان من مذهب من قلَّده- ولو في مسألة- كالخروج من الملة، كأنه نبي بُعث إليه، وافترضت طاعته عليه!!، فظهر من يُفتي بعدم جواز اقتداء الحنفي بإمام شافعي!! بل وبعدم تزوُّج الحنفي من الشافعية!! ويجوز ذلك آخرون قياسًا على الكتابية!!. فحدثت من هذه البدع هذه المقامات الأربعة في المسجد الحرام (١)، فتعددت الجماعة وانتصر كل متمذهب لجماعة مذهبه، فبأمثال هذه البدع حصل إبليس مقصدًا من مقاصده، ألا وهو تقرير المسلمين وتشتيت شملهم، نعوذ بالله من ذلك. ولم يأت قرن بعد ذلك إلا وهو أكثر فتنة وأوفر تقليدًا وأشد انتزاعًا للأمانة من صدور الناس، حتى اطمأنوا بترك الخوض في أمر الدين، وبأ، يقولوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ (٢) وإلى الله المشتكى وهو المستعان، وبه الثقة وعليه التكلان.

стр. 29

ومع ذلك فإن لله طائفة من عباده لا يضرهم من خذلهم، وهم حجة الله في أرضه وإن قلُّوا، نسأل الله أن يجعلنا منهم. وبعد هذا العرض لنشأة المذاهب الفقهية واختلافها، أُنَبِّه تنبيهات لعله أن ينفع الله بها من شاء من عباده. [الأول: وجوب العمل بالكتاب والسنة] (١) اعلم أن نصوص الكتاب والسنة التي لا تحصى قد تضافرت بإلزام جميع المكلفين بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) والمراد بما أنزل إليكم هو القرآن والسنة المبينة له لا آراء الرجال. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً﴾ (٣). فدلت هذه الآية الكريمة أن من دُعي إلى العمل بالقرآن والسنة وصد عن ذلك، أنه من جملة المنافقين، لأن العبرة بعموم الألفاظ فإن بخصوص الأسباب. وقال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (٤) الآية، والرد إلى الله والرسول هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول بعد وفاته ﷺ هو الرد إلى سنته وتعليقه الإيمان في قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (٥) على رد التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله، يفهم منه أن من يرد التنازع إلى غيرهما لم يكن يؤمن بالله. وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (٦).

стр. 30

ولا شك أن القرآن أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، والسنة مبينة له، وقد هدد من لم يتبع أحسن ما أنزل إلينا من ربنا بقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٢) ولا شك أن كتاب الله وسنة رسوله أحسن من آراء الرجال. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٣) وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤) فيه تهديد شديد لمن لم يعمل بسنة رسول الله ﷺ ، ولا سيما إن كان يظن أن أقوال الرجال تكفي عنها. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ (٥)، والأسوة: الاقتداء. فيلزم المسلم أن يجعل قدوته رسول الله ﷺ وذلك باتباع سنته. وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٦)، وقد أقسم تعالى في هذه الآية الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا النبي ﷺ في كل ما اختلفوا فيه. وقال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٧). والاستجابة له ﷺ بعد وفاته هي الرجوع إلى سنته ﷺ ، وهي مبينة لكتاب الله. وقد جاء في القرآن العظيم أن النبي ﷺ لا يتبع شيئًا إلا الوحي. وأن من أطاعه ﷺ فقد أطاع الله.

стр. 31

قال تعالى في سورة يونس: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١). وقال تعالى في الأنعام: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٢). وقال تعالى في الأحقاف: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (٣). وقال تعالى في الأنبياء: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ﴾ (٤) الآية، فحصر الإنذار في الوحي دون غيره. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ (٥) فبين أن الاهتداء إنما هو بالوحي، والآيات بمثل هذا كثيرة. وإذا علمت منها أن طريقه ﷺ هي اتباع الوحي، فاعلم أن القرآن دل على أن من أطاعه ﷺ فهو مطيع لله. كما قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٧) الآية. ولم يضمن الله لأحد ألا يكون ضالاً في الدنيا ولا شقيًّا في الآخرة إلا لمتبعي الوحي وحده. قال تعالى في طه: ﴿فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ (٨)، وقد دلت آية طه هذه على انتفاء الضلال والشقاوة عن متبعي الوحي. ودلت آية البقرة على انتفاء الخوف والحزن عنه، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٩).

стр. 32

ولا شك أن انتفاء الضلال والشقاوة والخوف والحزن عن متبعي الوحي، المصرح به في القرآن، لا يتحقق فيمن يقلد عالمًا ليس بمعصوم، لا يدري أصواب ما قلده فيه أم خطأ، في حال كونه معرضًا عن التدبر في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ولا سيما إن كان يظن أن آراء العالم الذي قلده كافية مغنية عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والآيات القرآنية الدالة على لزوم اتباع الوحي والعمل به، لا تكاد تحصى، وكذلك الأحاديث النبوية الدالة على لزوم العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لا تكاد تحصى، لأن طاعة الرسول طاعة لله. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٣). وقال: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾ (٤) الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (٧) الآية. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (٨).

стр. 33

وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٧) الآية. وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ (٨) الآية. ولا شك عند أحد من أهل العلم أن طاعة الله ورسوله المذكورة في هذه الآيات ونحوها من نصوص الوحي، محصورة في العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فنصوص القرآن والسنة كلها دالة على لزوم تدبر الوحي، وتفهمه وتعلمه والعمل به. فتخصيص تلك النصوص كلها، بدعوى أن تدبر الوحي وتفهمه والعمل به

стр. 34

لا يصح شيء منه لخصوص المجتهدين، الجامعين لشروط الاجتهاد المعروفة عند متأخري الأصوليين يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه. ولا دليل على ذلك البتة. بل أدلة الكتاب والسنة دالة على وجوب تدبر الوحي، وتفهمه وتعلمه والعمل بكل ما علم منه، علمًا صحيحًا قليلاً كان أو كثيرًا. اهـ. وكذلك كان الصحابة ﵁ لا يدعون سنة رسول الله ﷺ لقول أحد كائنًا من كان، وكان ابن عباس يقول: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!». وكان الشيخان أبو بكر وعمر ﵄ إذا لم يكن لهما علم في المسألة يسألان الناس عن حديث رسول الله ﷺ ، وقال أبو بكر ﵁: ما سمعت رسول الله ﷺ قال فيها شيئًا- يعنى الجدة-وسأل الناس، فلما صلى الظهر قال: أيكم سمع عن رسول الله ﷺ في الجدة شيئًا؟ فقال المغيرة بن شعبة: أنا، قال: ماذا قال؟ قال: أعطاها رسول الله ﷺ سدسًا، قال: أيعلم ذلك أحد غيرك؟ فقال محمد بن مسلمة: صدق، فأعطاها أبو بكر السدس، وقصة سؤال عمر الناس في الغُرة ثم رجوعه إلى خبر المغيرة، وسؤاله إياهم في الوباء، ورجوعه إلى خبر عبد الرحمن ابن عوف، وغير ذلك ما هو كثير معلوم مروى في كتب السنة. [التنبيه الثاني: الموقف من الأئمة المتبوعين] أعلم أن مواقفنا من الأئمة- ﵏ الأربعة وغيرهم، هو موقف سائر المسلمين المنصفين منهم، وهو موالاتهم ومحبتهم وتعظيمهم وإجلالهم والثناء عليهم بما هم عليه من العلم والتقوى، واتباعهم في العمل بالكتاب والسنة، وتقديمها على رأيهم، وتعلم أقوالهم للاستعانة بها على الحق وترك ما خالف الكتاب والسنة منها، وأما المسائل التي لا نص فيها، فالصواب النظر في اجتهادهم فيها، وقد يكون اتباع اجتهادهم أصوب من اجتهادنا لأنفسنا، لأنهم أكثر علمًا وتقوى منا، ولكن علينا أن ننظر ونحتاط لأنفسنا في أقرب الأقوال إلى رضا الله وأحوطها وأبعدها من الاشتباه (١).

стр. 35

ولتقريب هذا الموقف أحب أن ألقى الضوء على بعض الأمور: (١) اعلم أن الأئمة- ﵏ ليسوا معصومين وكل من الأئمة أُخذت عليه مسائل، قال العلماء: إنه خالف فيها السنة. فهذا أبو حنيفة- ﵀ وهو أكثرهم في ذلك لأنه أكثرهم رأيًا- يترك العمل بحديث القضاء بالشاهد واليمين في الأموال، وبحديث تغريب الزاني البكر وغير ذلك. وأخذ على مالك إنكاره صيام الست من شوال، واستحسانه صيام الجمعة ولو مفردًا، لأنه لم يبلغه السنة فيهما، وترك مالك العمل بحديث خيار المجلس، وهو متفق عليه!! إلى غير ذلك. وأخذ علي الشافعي قوله بنقض الوضوء من مجرد لمس المرأة بدون حائل، مع ورود ما يخالفه في السنة، على أن له أجوبة عليها. وأخذ على أحمد: صوم يوم الشك احتياطًا لرمضان مع ورود النص بالنهى عن صومه، وغير ذلك. وليس المقصود هنا انتقاص الأئمة وعيبهم فيما أخذ عليهم، لأنهم- ﵏ بذلوا وسعهم في تعلم ما جاء عن الله على لسان رسول الله ﷺ ثم اجتهدوا بحسب طاقتهم، فالمصيب منهم له أجر اجتهاده وإصابته، والمخطئ منهم مأجور في اجتهاده معذور في خطأه، وإنما قصدنا مع الاعتراف بعظم منزلتهم أن نبين أن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يجب تقديمها على أقوالهم، لأنهم غير معصومين من الخطأ (١). (٢) ليُعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عامًّا يتعمد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنته، دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقًا يقينيًّا على وجوب اتباع الرسول، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول جاء حديث صحيح بخلافه فلابد له من عذر في تركه (٢).

стр. 36

(٣) أن أعذار الأئمة- ﵏ في مخالفة السنة، ثلاثة أصناف (١): الأول: عدم اعتقاد أن النبي ﷺ قاله: وهذا له أسباب: ١ - أن لا يكون الحديث قد بلغه أصلاً، ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن يكون عالمًا بموجبه، وإذا لم يكن بلغه وقال في تلك القضية بموجب ظاهر آية أو حديث آخر أو بموجب قياس أو استصحاب، فقد يوافق ذلك الحديث تارة ويخالفه أخرى، وهذا هو السبب الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفًا لبعض الأحاديث، فإن الإحاطة بحديث رسول الله ﷺ لم تكن لأحد من الأمة (٢). ٢ - أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده. ٣ - أن يعتقد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره مع قطع النظر عن طريق آخر، سواء كان الصواب معه أو مع غيره. ٤ - أن يشترط في خبر الواحد العدل الضابط شروطًا يخالفه فيها غيره، كاشتراط أن يكون فقيهًا إذا خالف قياس الأصول وغير ذلك. ٥ - أن يكون الحديث قد بلغه، وثبت عنده، لكن نسيه. الصنف الثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول، ولهذا أسباب منها: ١ - عدم معرفة بدلالة الحديث: تارة لكون اللفظ في الحديث غريبًا عنده ومما يختلف العلماء في تفسيره، وتارة لكون معناه في لغته وعرفه غير معناه في لغة النبي ﷺ ، وتارة لكون اللفظ مشتركًا مجملاً، أو متردداً بين حقيقة ومجاز، فيحمله على الأقرب عنده، وإن كان المراد هو الآخر، كما حمل جماعة من الصحابة في أول الأمر: الخيط الأبيض والخيط الأسود على الحبل وغير ذلك. وتارة لكون الدلالة من النص خفية، فإن دلالات الأقوال متسعة جدًّا، وإدراك وفهم وجوه الكلام متفاوت. ٢ - اعتقاده أنه لا دلالة في الحديث أصلاً، والفرق ببن هذا وبين الذي قبله أن الأول لم يعرف جهة الدلالة، وهذا عرفها لكنه لم يعتقد أنها دلالة صحيحة.

стр. 37

٣ - اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دلَّ على أنها ليست مرادة: مثل معارضة العام بخاص، أو المطلق بمقيد، أو الأمر المطلق بما ينفى الوجوب، أو غير ذلك عن المعارضات. الصنف الثالث: اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على نسخه أو تأويله مما لا يعتقده غيره، أو لا يكون في الحقيقة معارضًا راجحًا. فهذه الأسباب وغيرها أكثر ما قد يُعذر الإمام مخالفته الحديث من أجله، وهي في الحقيقة أسباب اختلافهم، ﵏. (٤) وإذا تقرر هذا، فلا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت حجته بحديث صحيح وافقه طائفة من أهل العلم؛ إلى قول آخر قاله عالم يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجة وإن كان أعلم، إذ تطرُّق الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعية، فإن الأدلة الشرعية حجة الله على جميع عباده بخلاف رأي العالم، والدليل الشرعي يمتنع أن يكون خطأ إذا لم يعارضه دليل آخر، ورأى العالم ليس كذلك، والغرض أن العالم قد يكون في نفسه معذورًا في تركه للحديث، ونحن معذورون في تركنا لهذا الترك، وقد قال سبحانه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢). وإذا كان الترك يكون لبعض هذه الأسباب (المتقدمة) فإذا جاء حديث صحيح فيه تحليل أو تحريم أو حكم، فلا يجور أن نعتقد أن التارك له من العلماء الذين وصفنا أسباب تركهم- يُعاقب، لكونه حلل الحرام أو حرَّم الحلال، أو حكم بغير ما أنزل الله، وكذلك إن كان في الحديث وعيد على فعل من لعنة أو غضب أو عذاب ونحو ذلك، فلا يجوز أن يقال: إن ذلك العالم الذي أباح هذا أو فعله داخل في هذا الوعيد، وهذا مما لا نعلم بين الأمة فيه خلافًا إلا شيئًا يحكى عن بعض معتزلة بغداد ... فمن لم يبلغه الحديث المحرِّم واستند في الإباحة إلى دليل شرعي أولى أن يكون معذورًا، ولهذا كان هذا مأجورًا محمودًا لأجل اجتهاده،

стр. 38

قال الله سبحانه: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ ....﴾ (١) ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ (٢) فاختص سليمان بالفهم، وأثنى عليهما بالحكم والعلم. وفي الصحيحين عن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» (٣) فتبَّين أن المجتهد مع خطئه له أجر، وذلك لأجل اجتهاده، وخطؤه مغفور له، لأن درك الصواب في جميع أعيان الأحكام إما متعذر أو متعسر، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٥). ٥ - الأئمة متفقون على منع تقليدهم، التقليد الأعمى الذي يتعصب له من يدَّعون أنهم أتباعهم، ويتمسكون بمذاهبهم وأقوالهم كما لو كانت نزلت من السماء، والله يقول: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (٦) (٧). وإليك بعض ما وقفنا عليه من أقوالهم ﵏ في ذلك (٨): ١ - أبو حنيفة ﵀: فأولهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت ﵀ وقد روى عنه أصحابه أقوالاً شتى وعبارات متنوعة؛ كلها تؤدى إلى شيء واحد وهو: وجوب الأخذ بالحديث، وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة له: ١ - «إذا صح الحديث فهو مذهبي». ٢ - «لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه». وفى رواية: «حرام على مَن لم يعرف دليلي أن يفتى بكلامي».

стр. 39

زاد في رواية: «فإننا بشر، نقول القول اليوم ونرجع عنه غدًا». وفى أخرى: «ويحك يا يعقوب! (هو أبو يوسف)، لا تكتب كل ما تسمع منى، فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غدًا، وأرى الرأي غدًا وأتركه بعد غد». ٣ - «إذا قلت قولاً يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول ﷺ ؛ فاتركوا قولي». ٢ - مالك بن أنس ﵀: وأما الإمام مالك بن أنس- ﵀ فقال: ١ - «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي؛ فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه». ٢ - «ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا ويؤخذ من قوله ويترك؛ إلا النبي ﷺ ». ٣ - قال ابن وهب: سمعت مالكًا سئل تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك على الناس. قال: فتركته حتى خفَّ الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة، فقال: وما هي؟ قلت: حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبى عبد الرحمن الحبلى عن المستورد بن شداد القرشي قال: رأيت رسول الله ﷺ يدلُك بخنصره ما بين أصابع رجليه- فقال: إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة. ثم سمعته بعد ذلك يُسأل، فيأمر بتخليل الأصابع». ٣ - الشافعي، ﵀: وأما الإمام الشافعي ﵀ فالنقول عنه في ذلك أكثر وأطيب، وأتباعه أكثر عملاً بها وأسعد، فمنها: ١ - «ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله ﷺ وتعزب عنه، فمهما قلتُ من قول، أو أصلَّتُ من أصل في عن رسول الله ﷺ خلاف ما قلت؛ فالقول ما قال رسول الله ﷺ ، وهو قولي». ٢ - «أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله ﷺ لم يحل له أن يدعها لقول أحد».

стр. 40

٣ - «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ ؛ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ، ودعوا ما قلت». وفى رواية: «فاتبعوها، ولا تلتفتوا إلى قول أحد». ٤ - «إذا صح الحديث فهو مذهبي». ٥ - «أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث الصحيح؛ فأعلموني به أي شيء يكون: كوفيًّا أو بصريًّا أو شاميًّا؛ حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا». ٦ - «كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت؛ فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي». ٧ - «إذا رأيتموني أقول قولاً، وقد صحَّ عن النبي ﷺ خلافه؛ فاعلموا أن عقلي قد ذهب». ٨ - «كل ما قلت؛ فكان عن النبي ﷺ خلاف قولي مما يصح، فحديث النبي أولى، فلا تقلدوني». ٩ - «كل حديث عن النبي ﷺ فهو قولي، وإن لم تسمعوه منى». ٤ - أحمد بن حنبل، ﵀: وأما الإمام أحمد؛ فهو أكثر الأئمة جمعًا للسنة وتمسكًا بها، حتى «كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي»، ولذلك قال: ١ - «لا تقلدني، ولا تقليد مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا». وفى رواية: «لا تقلد دينك أحدًا من هؤلاء، ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه فخذ به، ثم التابعين بعدُ الرجلُ فيه مخير». وقال مرة: «الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه، ثم هو من بعد التابعين مخير». ٢ - «رأى الأوزاعي، ورأى مالك، ورأى أبى حنيفة كله رأى، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار». ٣ - «من رد حديث رسول الله ﷺ ؛ فهو على شفا هلكة». تلك هي أقوال الأئمة- رضي الله تعالى عنهم- في الأمر بالتمسك بالحديث، والنهى عن تقليدهم دون بصيرة، وهي من الوضوح والبيان بحيث لا تقبل جدلاً ولا تأويلاً، وعليه فإن من تمسك بكل ما ثبت في السنة ولو خالف بعض أقوال
следующие страницы →