(٣) أن أعذار الأئمة- ﵏ في مخالفة السنة، ثلاثة أصناف (١):
الأول: عدم اعتقاد أن النبي ﷺ قاله: وهذا له أسباب:
١ - أن لا يكون الحديث قد بلغه أصلاً، ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن يكون عالمًا بموجبه، وإذا لم يكن بلغه وقال في تلك القضية بموجب ظاهر آية أو حديث آخر أو بموجب قياس أو استصحاب، فقد يوافق ذلك الحديث تارة ويخالفه أخرى، وهذا هو السبب الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفًا لبعض الأحاديث، فإن الإحاطة بحديث رسول الله ﷺ لم تكن لأحد من الأمة (٢).
٢ - أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده.
٣ - أن يعتقد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره مع قطع النظر عن طريق آخر، سواء كان الصواب معه أو مع غيره.
٤ - أن يشترط في خبر الواحد العدل الضابط شروطًا يخالفه فيها غيره، كاشتراط أن يكون فقيهًا إذا خالف قياس الأصول وغير ذلك.
٥ - أن يكون الحديث قد بلغه، وثبت عنده، لكن نسيه.
الصنف الثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول، ولهذا أسباب منها:
١ - عدم معرفة بدلالة الحديث: تارة لكون اللفظ في الحديث غريبًا عنده ومما يختلف العلماء في تفسيره، وتارة لكون معناه في لغته وعرفه غير معناه في لغة النبي ﷺ ، وتارة لكون اللفظ مشتركًا مجملاً، أو متردداً بين حقيقة ومجاز، فيحمله على الأقرب عنده، وإن كان المراد هو الآخر، كما حمل جماعة من الصحابة في أول الأمر: الخيط الأبيض والخيط الأسود على الحبل وغير ذلك.
وتارة لكون الدلالة من النص خفية، فإن دلالات الأقوال متسعة جدًّا، وإدراك وفهم وجوه الكلام متفاوت.
٢ - اعتقاده أنه لا دلالة في الحديث أصلاً، والفرق ببن هذا وبين الذي قبله أن الأول لم يعرف جهة الدلالة، وهذا عرفها لكنه لم يعتقد أنها دلالة صحيحة.
стр. 37
٣ - اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دلَّ على أنها ليست مرادة: مثل معارضة العام بخاص، أو المطلق بمقيد، أو الأمر المطلق بما ينفى الوجوب، أو غير ذلك عن المعارضات.
الصنف الثالث: اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على نسخه أو تأويله مما لا يعتقده غيره، أو لا يكون في الحقيقة معارضًا راجحًا.
فهذه الأسباب وغيرها أكثر ما قد يُعذر الإمام مخالفته الحديث من أجله، وهي في الحقيقة أسباب اختلافهم، ﵏.
(٤) وإذا تقرر هذا، فلا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت حجته بحديث صحيح وافقه طائفة من أهل العلم؛ إلى قول آخر قاله عالم يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجة وإن كان أعلم، إذ تطرُّق الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعية، فإن الأدلة الشرعية حجة الله على جميع عباده بخلاف رأي العالم، والدليل الشرعي يمتنع أن يكون خطأ إذا لم يعارضه دليل آخر، ورأى العالم ليس كذلك، والغرض أن العالم قد يكون في نفسه معذورًا في تركه للحديث، ونحن معذورون في تركنا لهذا الترك، وقد قال سبحانه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢).
وإذا كان الترك يكون لبعض هذه الأسباب (المتقدمة) فإذا جاء حديث صحيح فيه تحليل أو تحريم أو حكم، فلا يجور أن نعتقد أن التارك له من العلماء الذين وصفنا أسباب تركهم- يُعاقب، لكونه حلل الحرام أو حرَّم الحلال، أو حكم بغير ما أنزل الله، وكذلك إن كان في الحديث وعيد على فعل من لعنة أو غضب أو عذاب ونحو ذلك، فلا يجوز أن يقال: إن ذلك العالم الذي أباح هذا أو فعله داخل في هذا الوعيد، وهذا مما لا نعلم بين الأمة فيه خلافًا إلا شيئًا يحكى عن بعض معتزلة بغداد ... فمن لم يبلغه الحديث المحرِّم واستند في الإباحة إلى دليل شرعي أولى أن يكون معذورًا، ولهذا كان هذا مأجورًا محمودًا لأجل اجتهاده،
стр. 38
قال الله سبحانه: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ ....﴾ (١) ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ (٢) فاختص سليمان بالفهم، وأثنى عليهما بالحكم والعلم.
وفي الصحيحين عن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» (٣) فتبَّين أن المجتهد مع خطئه له أجر، وذلك لأجل اجتهاده، وخطؤه مغفور له، لأن درك الصواب في جميع أعيان الأحكام إما متعذر أو متعسر، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٥).
٥ - الأئمة متفقون على منع تقليدهم، التقليد الأعمى الذي يتعصب له من يدَّعون أنهم أتباعهم، ويتمسكون بمذاهبهم وأقوالهم كما لو كانت نزلت من السماء، والله يقول: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (٦)(٧).
وإليك بعض ما وقفنا عليه من أقوالهم ﵏ في ذلك (٨):
١ - أبو حنيفة ﵀:
فأولهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت ﵀ وقد روى عنه أصحابه أقوالاً شتى وعبارات متنوعة؛ كلها تؤدى إلى شيء واحد وهو: وجوب الأخذ بالحديث، وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة له:
١ - «إذا صح الحديث فهو مذهبي».
٢ - «لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه».
وفى رواية: «حرام على مَن لم يعرف دليلي أن يفتى بكلامي».
стр. 39
زاد في رواية: «فإننا بشر، نقول القول اليوم ونرجع عنه غدًا».
وفى أخرى: «ويحك يا يعقوب! (هو أبو يوسف)، لا تكتب كل ما تسمع منى، فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غدًا، وأرى الرأي غدًا وأتركه بعد غد».
٣ - «إذا قلت قولاً يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول ﷺ ؛ فاتركوا قولي».
٢ - مالك بن أنس ﵀:
وأما الإمام مالك بن أنس- ﵀ فقال:
١ - «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي؛ فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه».
٢ - «ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا ويؤخذ من قوله ويترك؛ إلا النبي ﷺ ».
٣ - قال ابن وهب: سمعت مالكًا سئل تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك على الناس. قال: فتركته حتى خفَّ الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة، فقال: وما هي؟ قلت: حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبى عبد الرحمن الحبلى عن المستورد بن شداد القرشي قال: رأيت رسول الله ﷺ يدلُك بخنصره ما بين أصابع رجليه- فقال: إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة. ثم سمعته بعد ذلك يُسأل، فيأمر بتخليل الأصابع».
٣ - الشافعي، ﵀:
وأما الإمام الشافعي ﵀ فالنقول عنه في ذلك أكثر وأطيب، وأتباعه أكثر عملاً بها وأسعد، فمنها:
١ - «ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله ﷺ وتعزب عنه، فمهما قلتُ من قول، أو أصلَّتُ من أصل في عن رسول الله ﷺ خلاف ما قلت؛ فالقول ما قال رسول الله ﷺ ، وهو قولي».
٢ - «أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله ﷺ لم يحل له أن يدعها لقول أحد».
стр. 40
٣ - «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ ؛ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ، ودعوا ما قلت». وفى رواية: «فاتبعوها، ولا تلتفتوا إلى قول أحد».
٤ - «إذا صح الحديث فهو مذهبي».
٥ - «أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث الصحيح؛ فأعلموني به أي شيء يكون: كوفيًّا أو بصريًّا أو شاميًّا؛ حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا».
٦ - «كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت؛ فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي».
٧ - «إذا رأيتموني أقول قولاً، وقد صحَّ عن النبي ﷺ خلافه؛ فاعلموا أن عقلي قد ذهب».
٨ - «كل ما قلت؛ فكان عن النبي ﷺ خلاف قولي مما يصح، فحديث النبي أولى، فلا تقلدوني».
٩ - «كل حديث عن النبي ﷺ فهو قولي، وإن لم تسمعوه منى».
٤ - أحمد بن حنبل، ﵀:
وأما الإمام أحمد؛ فهو أكثر الأئمة جمعًا للسنة وتمسكًا بها، حتى «كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي»، ولذلك قال:
١ - «لا تقلدني، ولا تقليد مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا».
وفى رواية: «لا تقلد دينك أحدًا من هؤلاء، ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه فخذ به، ثم التابعين بعدُ الرجلُ فيه مخير». وقال مرة: «الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه، ثم هو من بعد التابعين مخير».
٢ - «رأى الأوزاعي، ورأى مالك، ورأى أبى حنيفة كله رأى، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار».
٣ - «من رد حديث رسول الله ﷺ ؛ فهو على شفا هلكة».
تلك هي أقوال الأئمة- رضي الله تعالى عنهم- في الأمر بالتمسك بالحديث، والنهى عن تقليدهم دون بصيرة، وهي من الوضوح والبيان بحيث لا تقبل جدلاً ولا تأويلاً، وعليه فإن من تمسك بكل ما ثبت في السنة ولو خالف بعض أقوال
стр. 41
الأئمة؛ لا يكون مباينًا لمذهبهم، ولا خارجًا عن طريقتهم، بل هو متاع لهم جميعًا، ومتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وليس كذلك من ترك السنة الثابتة لمجرد مخالفتها لقولهم، بل هو بذلك عاصٍ لهم، ومخالف لأقوالهم المتقدمة، والله تعالى يقول: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (١) وقال ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:
«فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول ﷺ وعرفه أن يبينه للأمة، وينصح لهم، ويأمرهم باتباع أمره، وإن خالف ذلك رأى عظيم من الأمة؛ فإن أمر رسول الله ﷺ أحق أن يعظم ويقتدي به من رأى أي معظَّم قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأ، ومن هنا رد الصحابة ومن بعدهم على كل مخالف سنة صحيحة، وربما أغلظوا في الرد، لا بغضًا له؛ بل هو محبوب عندهم معظَّم في نفوسهم، لكن رسول الله أحب إليهم، وأمره فوق أمر كل مخلوق، فإذا تعارض أمر الرسول وأمر غيره؛ فأمر الرسول أولى أن يقدم ويتبع، ولا يمنع من ذلك تعظيم من خالف أمره وإن كان مغفورًا له، بل ذلك المخالف المغفور له لا يكره أن يخالف أمره إذا ظهر أمر الرسول ﷺ بخلافه».
قلت: كيف يكرهون ذلك وقد أمروا به أتباعهم كما مر، وأوجبوا عليهم أن يتركوا أقوالهم المخالفة للسنة؟ بل أن الشافعي- ﵀ أمر أصحابه أن ينسبوا السنة الصحيحة إليه ولو لم يأخذ بها، أو أخذ بخلافها، ولذلك لما جمع المحقق ابن دقيق العيد- ﵀ المسائل التي خالف مذهب كل واحد من الأئمة الأربعة الحديث الصحيح فيها انفرادًا واجتماعًا في مجلد ضخم؛ قال في أوله:
«إن نسبة هذه المسائل إلى الأئمة المجتهدين حرام، وإنه يجب على الفقهاء المقلدين لهم معرفتها؛ لئلا يعزوها إليهم فيكذبوا عليهم».
стр. 42
ترك الأتباع بعض أقوال أئمتهم اتباعًا للسنة
ولذلك كله كان أتباع الأئمة ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾ (١) لا يأخذون بأقوال أئمتهم كلها، بل قد تركوا كثيرًا منها لمَّا ظهر لهم مخالفتها للسنة حتى أن الإمامين: محمد بن الحسن وأبا يوسف- رحمهما الله- قد خالفا شيخهما أبا حنيفة في نحو ثلث المذهب، وكتب الفروع كفيلة ببيان ذلك، ونحو هذا يقال في الإمام المزني وغيره من أتباع الشافعي وغيره، ولو ذهبنا نضرب على ذلك الأمثلة لطال بنا الكلام، ولخرجنا به عما قصدنا إله في هذا البحث من الإيجاز، فلنقتصر على مثالين اثنين:
١ - قال الإمام محمد في «موطئه» (ص ١٥٨): «قال محمد: أما أبو حنيفة ﵀ فكان يرى في الاستسقاء صلاة، وأما في قولنا، فإن الإمام يصلى بالناس ركعتين ثم يدعو ويحول رداءه» إلخ.
٢ - وهذا عصام بن يوسف البلخي من أصحاب الإمام محمد ومن الملازمين للإمام أبى يوسف «كان يفتى بخلاف قول الإمام أبى حنيفة كثيرًا، لأنه لم يعلم الدليل، وكان يظهر له دليل غيره فيفتى به»، ولذلك «كان يرفع يديه عند الركوع والرفع منه»؛ كما هو في السنة المتواترة عنه ﷺ ، فلم يمنعه من العمل بها أن أئمته الأربعة وغيرهم كما تقدم.
(٦) هل المسلم ملزم باتباع مذهب معين؟
لا شك أن الرسول ﷺ ما ألزم الناس أن يلتزموا مذهب واحد من الأئمة بعينه، وإنما أوجب اتباعه ﷺ ، فإن الحق محصور فيما جاء به فإذا تأمل المنصف يظهر له أن التقليد لمذهب إمام معين من غير نظر إلى دليل جهل عظيم وبلاء جسيم، بل إنه مجرد هوى وعصبية، والأئمة المجتهدون قاطبة على خلافه، كما رأيت كلامهم، فمن اتبع الدليل فقد اتبع إمامه وسائر الأئمة ويكون متبعًا لكتاب الله ورسوله ﷺ ، وإنما يكون خارجًا عن مذهبهم إذا صمم وجمد على التقليد على خلاف الدليل، لأن إمامه لو بلغه الحديث السالم عن المعارض، لترك
стр. 43
رأيه واتبع الحديث، فالمصمم على التقليد في هذه الحالة عاصٍ لله تعالى ولرسوله ﷺ متبع لهواه (١) ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً﴾ (٣).
قال ابن حزم ﵀ (٤).
«التقليد حرام ولا يحل لأحد أن يأخذ بقول أحد غير رسول الله ﷺ بلا برهان لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾. (٦)
وقال مادحًا لمن لم يقلد: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (٨) فلم يبح الله تعالى رد التنازع إلى أحد دون القرآن والسنة، وقد صح إجماع الصحابة كلهم أولهم عن آخرهم وإجماع التابعين أولهم عن آخرهم وإجماع تابعي التابعين أولهم عن آخره - على الامتناع والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم أو ممن قبلهم فيأخده كله.
فليعلم من أخذ بجميع أقوال أبى حنيفة أو جميع أقوال مالك أو جميع أقوال الشافعي أو جميع أقوال أحمد ﵃ ولم يترك قول من اتبع منهم أو من غيرهم إلى قول غيره، ولم يعتمد على ما جاء في القرآن والسنة وغير صارف ذلك إلى قول إنسان بعينه - أنه قد خالف إجماع الأمة كلها أولها عن آخرها بيقين لا إشكال فيه، وأنه لا يجد لنفسه سلفًا ولا إنسانًا في جميع الأعصار المحمودة
стр. 44
الثلاثة، فقد اتبع غير سبيل المؤمنين من هذه المنزلة، وأيضًا فإن هؤلاء الفقهاء كلهم قد نهوا عن تقليد غيرهم فقد خالفهم من قلدهم» اهـ.
قال المعصومي (١): والعجب من هؤلاء المقلدين لهذه المذاهب المبتدعة الشائعة والمتعصبين لها، فإن أحدهم يتبع ما نُسب إلى مذهبه مع بُعده عن الدليل، ويعتقده كأنه نبي مرسل، وهذا ناى عن الحق، وبُعد عن الصواب، وقد شاهدنا وجربنا أن هؤلاء المقلدين يعتقدون أن إمامهم يمتنع على مثله الخطأ، وأن ما قاله هو الصواب البتة، وأضمر في قلبه أنه لا يترك تقليده وإن ظهر الدليل على خلافه، وهذا هو طبق ما رواه الترمذي وغيره عن عدى بن حاتم ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ (٢)، فقلت: يا رسول الله، إنهم ما كانوا يعبدونهم، فقال ﷺ : «إنهم إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه، فذلك عبادتهم» (٣) اهـ.
ونقل عن الشافعي قوله (٤): «من قلَّد معيَّنًا في تحريم شيء أو تحليله، وقد ثبت الحديث على خلافه، ومنعه التقليد عن العمل بالسنة؛ فقد اتخذ من قلَّده ربًّا من دون الله تعالى يحل له ما حرم الله، ويحرم عليه ما أحل الله» اهـ.
ونقل المرداوى (٥) عن شيخ الإسلام قوله: «من أوجب تقليد إمام بعينه استتيب وإلا قُتل، لأن هذا الإيجاب إشراك بالله في التشريع الذي هو من خصائص الربوبية» اهـ.
وقد ذكر الكمال بن الهمام الحنفي: أن التزام مذهب معين غير لازم على الصحيح، لأن التزامه غير ملزم، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأئمة
стр. 45
فيقلده في دينه في كل ما يأتي ويذر دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة على عدم القول بلزوم التمذهب بمذهب معين. اهـ (١).
وقال القرافي- ﵀: «وأجمع الصحابة على أن من استفتى أبا بكل وعمر، وقلدهما، فله أن يستفتى آبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما، ويعمل بقولهم بغير نكير» اهـ (٢).
«فلم يكن في عصر الصحابة رجل واحد اتخذ رجلاً منهم يقلده في جميع أقواله فلم يُسقط منها شيئًا، وأسقط أقوال غيره فلم يأخذ منها شيئًا.
ونعلم بالضرورة أن هذا لم يكن في عصر التابعين، ولا تابعي التابعين، فليُكذِّبنا المقلِّدون برجل واحد، سلك سبيلهم الوخيمة في القرون الفضيلة على لسان رسول الله ﷺ ، وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسانه ﷺ اهـ (٣).
ورحم الله الإمام مالك إمام دار الهجرة المجمع على علمه وفضله وجلاله، لما أراد المنصور أن يحمل الناس على العمل بما جمع في «الموطأ» لم يقبل ذلك منه، ورده عليه!!
(٧) قضيتان اغترَّ بهما المقلِّدون (٤):
اعلم أن المقلدين، اغتروا بقضيتين ظنوهما صادقتين، وهما بعيدتان من الصدق. وظن صدقهما يدخل أوليًّا في عموم قوله تعالى: ﴿إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ (٥)، وقوله ﷺ : «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث».
أما الأولى منهما فهي ظنهم أن الإمام الذي قلدوه لابد أن يكون قد اطلع على جميع معاني كتاب الله، ولم يفته منها شيء وعلى جميع سنة رسول الله ﷺ ولم يفته منها شيء.
стр. 46
ولذلك فإن كل آية وكل حديث قد خالفا قوله فلا شك عندهم أن ذلك الإمام اطلع على تلك الآية وعلم معناها، وعلى ذلك الحديث وعلم معناه. وأنه ما ترك العمل بهما إلا لأنه اطلع على ما هو أقوى منهما وأرجح.
ولذلك يجب تقديم ذلك الأرجح الذي تخيلوه شيئًا من الوحي الموجود بين أيديهم.
وهذا الظن كذلك باطل بلا شك.
والأئمة كلهم معترفون بأنهم ما أحاطوا بجميع نصوص الوحي، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله.
ومِن أصرح ذلك أن الإمام مالكًا- ﵀ إمام دار الهجرة المجمع على علمه وفضله وجلالته، لما أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس على العمل بما جمعه في موطئه لم يقبل ذلك من أبى جعفر ورده عليه. وأخبره أن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في أقطار الدنيا، كلهم عنده علم ليس عند الآخر.
ولم يُجمع الحديث جمعًا تامًا بحيث أمكن جمع جميع السنة إلا بعد الأئمة الأربعة.
لأن أصحاب رسول الله ﷺ الذين تفرقوا في أقطار الدنيا روى عنهم كثير من ألأحاديث لم يكن عند غيرهم، ولم يتيسر الاطلاع عليه إلا بعد أزمان.
وكثرة علم العالم لا تستلزم اطلاعه على جميع النصوص.
فهذا عمر بن الخطاب ﵁ وهو عجز عن أن يفهم معنى الكلالة حتى مات ﵁.
وقد سأل النبي ﷺ عنها كثيرًا فبينها له ولم يفهم.
فقد ثبت عنه ﵁ أنه قال: ما سألت رسول الله ﷺ عن أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طعن بأصبعه في صدري، وقال: «يكفيك آية الصيف في آخر سورة النساء».
فهذا من أوضح البيان، لأن مراد النبي ﷺ بآية الصيف ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ
стр. 47
يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ﴾ (١)، والآية تبين معنى الكلالة بيانًا شافيًا، لأنها أوضحت أنها: ما دون الولد والوالد.
فبينت نفى الولد بدلالة المطابقة في قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (٢) وبينت نفى الوالد بدلالة الالتزام في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (٣)، لأن ميراث الأخت يستلزم نفى الولد.
ومع هذا البيان النبوي الواضح لهذه الآية الكريمة، فإن عمر ﵁ لم يفهم.
وقد صح عنه أن الكلالة لم تزل مشكلة عليه.
وقد خفي معنى هذا أيضًا على أبى بكر الصديق ﵁ فقال في الكلالة: أقول فيها برأيي. فإن كان صوابًا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، هو ما دون الولد والوالد.
فوافق رأيه معنى الآية.
والظاهر أنه لو كان فاهمًا للآية لكفته عن الرأي.
كما قال النبي ﷺ لعمر ﵁: «تكفيك آية الصيف».
وهو تصريح منه ﷺ بأن في الآية كفاية عن كل ما سواها في الحكم المسئول عنه.
ومما يوضح ذلك أن عمر طلب من النبي ﷺ بيان الآية. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في حقه ﷺ . فما أحال عمر على الآية إلا لأن فيها من البيان ما يشفى ويكفى.
وقد خفي على أبى بكر الصديق ﵁ أن النبي ﷺ «أعطى الجدة السدس حتى أخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي ﷺ أعطاها السدس» فرجع إلى قولهما.
ولم يعلم عمر ﷺ بأن النبي ﷺ قضى في دية الجنين بغرة عبد أو وليدة حتى أخبره المذكوران قبل.
стр. 48
ولم يعلم عمر ﵁ بأن المرأة ترث من دية زوجها. حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن النبي ﷺ كتب إليه: أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها.
ولم يعلم أيضًا بأخذ الجزية من المجوسي حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف بأن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر.
ولم يعلم بحكم الاستئذان ثلاثًا حتى أخبره أبو موسى الأشعري وأبو سعيد الخدري ﵄.
ولم يعلم عثمان ﵁ بوجوب السكنى للمتوفى عنها حتى أخبرته قريعة بنت مالك أن النبي ﷺ : ألزمها بالسكنى في المحل الذي مات عنها زوجها في حتى تنقضي عدتها.
وأمثال هذا أكثر من أن تحصر.
فهؤلاء الخلفاء الراشدون- وهم هم، خفي عليهم قضايا رسول الله ﷺ وأحاديثه مع ملازمتهم له، وشدة حرصهم على الأخذ منه. فتعلموه ممن هو دونهم في الفضل والعلم.
فما ظنك بغيرهم من الأئمة الذين نشأوا وتعلموا بعد تفوق الصحابة في أقطار الدنيا؟ وروى عنهم الأحاديث عدول من الأقطار التي ذهبوا إليها؟
والحاصل أن ظن إحاطة الإمام بجميع نصوص الشرع ومعانيها ظن لا يغنى من الحق شيئًا، وليس بصحيح قطعًا.
لأنه لا شك أنه يفوته بعض الأحاديث فلم يطلع عليها، ويرويه بعض العدول عن الصحابة فيثبت عند غيره.
وهو معذور في ترك العمل به، بعدم اطلاعه عليه مع أنه بذل المجهود في البحث.
ولذا كان له أجر الاجتهاد والعذر في الخطأ.
وقد يكون الإمام اطلع على الحديث، ولكن السند الذي بلغه به ضعيف فيتركه لضعف السند. ويكون غيره اطلع على رواية أخرى صحيحة يثبت بها الحديث فهو معذور في تركه، لأنه لم يطلع إلا على السند الضعيف ولم تبلغه الطريق الصحيحة الأخرى.
стр. 49
وقد يترك الحديث لشيء يظنه أرجح منه، ويكون الواقع أن الحديث أرجح من ذلك الشيء الذي ظنه؛ لقيام أدلة أخرى على ذلك لم يطلع عليها. إلى أسباب أخر كثيرة، كترك الأئمة للعمل ببعض النصوص.
وبهذا كله تعلم أن ظن اطلاع الإمام على كل شيء من أحكام الشرع وإصابته في معانيها كلها ظن باطل.
وكل واحد من الأئمة يصرح ببطلان هذا الظن كما سترى إيضاحه إن شاء الله.
فاللازم هو ما قاله الأئمة أنفسهم- ﵏ من أنهم قد يخطئون ونهوا عن اتباعهم في كل شيء يخالف نصًا من كتاب أو سنة.
فالمتبع لهم حقيقة، هو من لا يقدم على كتاب الله وسنة رسوله شيئًا.
أما الذي يقدم أقوال الرجال على الكتاب وصحيح السنة، فهو مخالف لهم لا متبع لهم. وذعواه اتباعهم كذب محض.
وأما القضية الثانية: فهي ظن المقلدين أن لهم مثل ما للإمام من العذر في الخطأ.
وإيضاحه: أنهم يظنون أن الإمام لو أخطأ في بض الأحكام وقلدوه في ذلك الخطأ يكون لهم من العذر في الخطأ والأجر مثل ما لدلك الإمام الذي قلدوه. لأنهم متبعون له فيجرى عليهم ما جرى عليه.
وهذا ظن كاذب باطل بلا شك. لأن الإمام الذي قلدوه بذل جهده في تعلم كتاب الله وسنة رسوله وأقوال أصحابه وفتاويهم.
فقد شمر وما قصر فيما يلزم من تعلم الوحي والعمل به وطاعة الله على ضوء الوحي المنزل.
ومن كان هذا شأنه فهو جدير بالعذر في خطئه والأجر في اجتهاده.
وأما مقلدوه فقد تركوا النظر في كتاب الله وسنة رسوله وأعرضوا عن تعليمهما إعراضًا كليًا مع يسره وسهولته ونزلوا أقوال الرجال الذين يخطئون ويصيبون منزلو الوحي المنزل من الله.
стр. 50
فأين هؤلاء من الأئمة الذين قلدوهم؟
وهذا الفرق العظيم بينهم وبينهم، يدل دلالة واضحة على أنهم ليسوا مأجورين في الخطأ في تقليد أعمى إذ لا اقتداء ولا أسوة في غير الحق.
وليسوا معذورين لأنهم تركوا ما يلزمهم تعلمه من أمر الله ونهيه على ضوء وحيه المنزل.
والذي يجب عليهم من تعلم ذلك، هو ما تدعوهم الحاجة للعمل به، كأحكام عباداتهم ومعاملاتهم.
وأغلب ذلك تدل عليه نصوص واضحة، سهلة التناول من الكتاب والسنة.
والحاصل أن المعرض عن كتاب الله، وسنة رسوله المفرط في تعلم دينه، مما أنزل الله، وما سنه رسوله، المقدم كلام الناس على كتاب الله وسنة رسوله - لا يكون له البتة ما للإمام الذي لم يعرض عن كتاب الله وسنة رسوله، ولم يقدم عليهما شيئًا ولم يفرط في تعلم الأمر والنهي من الكتاب والسنة.
فأين هذا من هذا؟
سارت مشرقة وسرت مغربًا
شتان بين مشرق ومغرب
(٨) شبهة: منع العمل بالكتاب والسنة مطلقًا إلا للمجتهد (١):
اعلم أن المتأخرين من أهل الأصول الذين يقولون بمنع العمل بالكتاب والسنة مطلقًا إلا للمجتهدين، يقولون: إن شروط الاجتهاد هي: كون المجتهد بالغًا عاقلاً شديد الفهم طبعًا، عارفًا بالدليل العقلي، الذي هو استصحاب العدم الأصلي حتى يرد نقل صارف عنه.
عارفًا باللغة العربية وبالنحو من صرف وبلاغة مع معرفة الحقائق الشرعية والعرفية.
وبعضهم يزيد المحتاج إليه من فن المنطق كشرائط الحدود، والرسول، وشرائط البرهان.
عارفًا بالأصول، عارفًا بأدلة الأحكام من الكتاب والسنة.
стр. 51
ولا يشترط عندهم حفظ النصوص، بل يكفي عندهم علمه بمداركها في المصحف وكتب الحديث.
عارفًا بمواقع الإجماع والخلاف.
عارفًا بشروط المتواتر والآحاد والصحيح والضعيف.
عارفًا بالناسخ والمنسوخ.
عارفًا بأسباب النزول.
عارفًا بأحوال الصحابة وأحوال رواة الحديث، اختلفوا في شرط عدم إنكاره للقياس. اهـ.
ولا يخفى أن مستندهم في اشتراطهم لهذه الشروط ليس نصًا من كتاب ولا سنة يصرح بأن هذه الشروط كلها لا يصح دونها عمل بكتاب ولا سنة، ولا إجماعًا دالاً على ذلك.
وإنما مستندهم فيذلك هو تحقيق المناط في ظنهم.
وإيضاح ذلك هو أن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين كلها دال على أن العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لا يشترط له إلا شرط واحد، وهو العلم بحكم ما يعمل به منهما.
ولا يشترط في العمل بالوحي شرط زائد على العلم بحكمه البتة.
وهذا مما لا يكاد ينازع فيه أحد.
ومراد متأخري الأصوليين بجميع الشروط التي اشترطوها في تحقيق المناط.
لأن العلم بالوحي لما كان هو مناط العمل به أرادوا أن يحققوا هذا المناط، أي بينوا الطرق التي يتحقق بها حصول العلم الذي هو مناط العمل.
فاشترطوا جميع الشروط المذكورة، ظنًّا منهم أنه لا يمكن تحقيق حصول العلم بالوحي دونها.
وهذا الظن فيه نظر.
لأن كل إنسان له فهم إذا أراد العمل بنص من كتاب أو سنة فلا يمتنع عليه، ولا يستحيل أن يتعلم معناه ويبحث عنه هل هو منسوخ أو مخصص أو مقيد حتى يعلم ذلك فيعمل به.
стр. 52
وسؤال أهل العلم: هل لهذا النص ناسخ أو مخصص أو مقيد مثلًا. وإخبارهم بذلك ليس من نوع التقليد، بل هو من نوع الاتباع.
وسنبين إن شاء الله الفرق بين التقليد والاتباع في مسألة التقليد الآتية.
والحاصل أن نصوص الكتاب والسنة التي لا تحصى واردة بإلزام جميع المكلفين بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وليس في شيء منها التخصيص بمن حصل شروط الاجتهاد المذكورة.
(٩) شبهة: الامتثال لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾:
اعلم أن من حجج المقلدين ادعاءهم الامتثال لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١) قالوا: فأمر سبحانه من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه، وهذا نصُّ قولنا!!.
وقد أرشد النبي ﷺ من لا يعلم إلى سؤال من يعلم، فقال- في حد صاحب الشجة-: «ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العيى السؤال» (٢).
قال الشنقيطي ﵀ (٣):
أما استدلالهم بآية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ فهو استدلال في غير محله.
فإن الآية لا تدل على هذا النوع من التقليد الأعمى الذي هم عليه من التزام جميع أقوال رجل واحد وترك جميع ما سواها.
ولاشك أن المراد بأهل الذكر أهل الوحي الذي يعلمون ما جاء من عند الله كعلماء الكتاب والسنة.
فقد أُمروا أن يسألوا أهل الذكر ليُفتوهم بمقتضى ذلك الذكر الذي هو الوحي.
ومن سأل عن الوحي وأعلم به وبُين له كان عمله به اتباعًا للوحي لا تقليدًا، واتباع الوحي لا نزاع في صحته.
стр. 53
وإن كانت الآية تدل على نوع تقليد في الجملة، فهي لا تدل على التقليد الذي قدمنا أنه لا خلاف فيه بين المسلمين، وهو تقليد العامي الذي تنزل به النازلة عالمًا من العلماء، وعمله بما أفتاه به من غير التزام منه لجميع ما يقوله ذلك العالم، ولا تركه لجميع ما يقوله غيره.
وأما استدلالهم بالحديث الوارد في الرجل الذي أصابته شجة في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه: هل يعلمون له رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نرى لك رخصة وأنت قادر على أداء، فاغتسل فمات.
فبلغ النبي ﷺ ذلك فقال: «قتلتوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العيى السؤال».
فهو استدلال أيضًا في غير محله، وهو حجة أيضًا على المقلدين لا لهم.
قال في إعلام الموقعين في بيان وجه ذلك ما نصه:
إن النبي ﷺ إنما أرشد المستفتين كصاحب الشجة بالسؤال عق حُكمه، وسنته فقال: قتلوه قتلهم الله، فدعا عليهم حين أفتوا بغير علم.
وفى هذا تحريم الإفتاء. فإنه ليس علمًا باتفاق الناس.
فإنما دعا رسول الله ﷺ على فاعله، فهو حرام وذلك أحد أدلة التحريم.
فما احتج به المقلدون هو من أكبر الحجج عليهم. اهـ.
(١٠) مناظرة مقلد:
ذكر الإمام ابن عبد البر- ﵀ في كلامه في ذم التقليد ومنعه، بعد ما بين ذلك بالآثار، أن جماعة من الفقهاء وأهل النظر احتجوا على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية، فقال (١):
«فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني- ﵀: يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة فيما حكمت به؟ فأن قال: نعم، أبطل التقليد لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد.
وإن قال: حكمت به بغير حجة.
стр. 54
قيل له: فلم أرقت الدماء، وأبحث الفروج، وأتلفت الأموال، قد حرم الله ذلك إلا بحجة؟
قال الله : ﴿إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ (١) أي من حجة بهذا؟
فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة، لأني قلدت كبيرًا من العلماء وهو لا يقول إلا بحجة خفيت على.
قيل له: إذا جاز تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك، فتقليد معلم معلمك أولى. لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك: كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك.
فإن قال: نعم، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه.
وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله ﷺ .
وإن أبى ذلك نقض قوله وقيل له: كيف تجوز تقليد من هو أصغر وأقل علمًا؟ ولا تجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علمًا، وهذا تناقض؟
فإن قال: لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه، فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك.
قيل له: كذلك من تعلم من معلمك، فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه، فلزمك تقليده وترك تقليد معلمك.
وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك. لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك.
فإن قلد قوله جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء، أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﵌.
وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع، والتابع من دونه في قياس قوله والأعلى للأدنى أبدًا.
وكفى بقول يؤول إلى هذا تناقضًا وفسادًا. اهـ.
ثم قال أبو عمر ﵀ بعد هذا ما نصه:
يقال لمن قال بالتقليد: لم قلت به، وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا؟
стр. 55
فإن قال: قلدت لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله وسنة رسوله ﷺ لم أُحصها، والذي قلدته قد علم ذلك فقلدت من هو أعلم منى.
قيل له: أما العلماء، إذا أجمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية عن سنة رسوله ﷺ ، أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه. ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض. فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض؟.
وكلهم عالم، والعالم الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه.
فإن قال: قلدته لأني أعلم أنه صواب.
قيل له: علمت ذلك بدليل من كتاب الله أو سنة أو إجماع؟
فإن قال: نعم. أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل.
وإن قال: قلدته لأنه أعلم مني.
قيل له: فقلد كل من هو أعلم منك. فإنك تجد من ذلك خلقًا كثيرًا ولا تخُصَّ من قلدته، إذ علتك فيه أنه أعلم منك.
فإن قال: قلدته لأنه أعلم الناس.
قيل له: فإنه إذًا أعلم من الصحابة، وكفى بقول مثل هذا قبحًا.
فإن قيل: أنا أقلد بعض الصحابة.
قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم، ولعل من تركت قوله منهم أفضل ممن أخذت بقوله؟
على أن القول لا يصح لفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه.
وقد ذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار، عن ابن القاسم عن مالك، قال: ليس كل ما قال رجل قولاً وإن كان له فضل يتبع عليه؛ لقول الله : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (١). فإن قال: قصري وقلة علمي يحملني على التقليد.
قيل له: أما من قلد فيما ينزل من أحكام شريعته عالمًا يتفق له على علمه،
стр. 56
فيصدر في ذلك عما يخبره - فمعذور لأنه قد أدى ما عليه وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولابد له من تقليد عالم، فيما جهله، لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك.
ولكن من كانت هذه حاله هل تجوز له الفتيا في شرائع دين الله؟ فيحمل غيره على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك ويصيرها إلى غير من كانت في يديه بقول لا يعرف صحته ولا قام له الدليل عليه؟.
وهو مقر أن قائله يخطئ ويصيب، وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب، فيما خالفه فيه.
فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى، لحفظه الفروع، لزمه أن يجيزه للعامة.
وكفى بهذا جهلاً وردًّا للقرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١). وقال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
وقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبين ويتيقن فليس بعلم، وإنما هو ظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا. اهـ. كله من جامع ابن عبد البر، ﵀.
(١١) التقليد والاتباع:
قال الشنقيطي، ﵀ (٣):
اعلم أن مما لا بد منه معرفة الفرق بين الاتباع والتقليد، وأن محل الاتباع لا يجوز التقليد فيه بحال.
وإيضاح ذلك: أن كل حكم ظهر دليله من كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ ، أو إجماع المسلمين، لا يجوز فيه التقليد بحال.
لأن كل اجتهاد يخالف النص فهو اجتهاد باطل، ولا تقليد إلا في محل الاجتهاد.
لأن نصوص الكتاب والسنة حاكمة على كل المجتهدين، فليس لأحد منهم مخالفتها كائنًا من كان.
стр. 57
ولا يجوز التقليد فيما خالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا إذ لا أسوة في غير الحق. فليس فيما دلت عليه النصوص إلا الاتباع فقط.
ولا اجتهاد، ولا تقليد فيما دل عليه نص من كتاب أو سنة، سالم من المعارض.
والفرق بين التقليد والاتباع أمر معروف عند أهل العلم، لا يكاد ينازع في صحة معناه أحد من أهل العلم.
وقد قدمنا كلام ابن خويز منداد الذي نقله عنه ابن عبد البر في جامعه.
وهو قوله: التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبت عليه حجة.
وقال في موضع آخر من كتابه:
كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح.
وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع. اهـ.
وقال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين:
وقد فرق الإمام أحمد ﵀ بين التقليد والاتباع.
فقال أبو داود: سمعته يقول: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه، ثم هو من بعد في التابعين مخير. انتهى محل الغرض منه.
قال مقيده -عفا الله عنه، وغفر له-: أما كون العمل بالوحي اتباعًا لا تقليدًا فهو أمر قطعي.
والآيات الدالة على تسميته اتباعًا كثيرة جدًّا:
كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) الآية.
стр. 58
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (٥).
والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة.
فالعمل بالوحي هو الاتباع كما دلت عليه الآيات.
ومن المعلوم الذي لا شك فيه، أن اتباع الوحي المأمور به في الآيات لا يصح اجتهاد يخالفه بوجه من الوجوه، ولا يجوز التقليد في شيء يخالفه.
فاتضح من هذا الفرق بين الاتباع والتقليد، وأن مواضع الاتباع ليست محلاًّ أصلاً للاجتهاد ولا للتقليد.
فنصوص الوحي الصحيحة الواضحة الدلالة السالمة من المعارض لا اجتهاد ولا تقليد معها البتة.
لأن اتباعها والإذعان لها فرض على كل أحد كائنًا من كان كما لا يخفى.
وبهذا تعلم أن شروط المجتهد التي يشترطها الأصوليون إنما تشترط في الاجتهاد. وموضع الاتباع ليس محل اجتهاد.
فجعل شرط المجتهد في المتبع مع تباين الاجتهاد والاتباع وتباين مواضعهما خلط وخبط، كما ترى.
стр. 59
والتحقيق أن اتباع الوحي لا يشترط فيه إلا علمه بما يعمل به من ذلك الوحي الذي يتبعه.
وأنه يصح علم حديث والعمل به، وعلم آية والعمل بها.
ولا يتوقف ذلك على تحصيل جميع شروط الاجتهاد.
فيلزم المكلف أن يتعلم ما يحتاج إليه من الكتاب والسنة، ويعمل بكل ما علم من ذلك، كما كان عليه أول هذه الأمة من القرون المشهود لها بالخير.
(١٢) تنبيه لمقلَّدي الأمة:
اعلم أن كل من يرى أنه لابد له من تقليد الإمام في كل شيء بدعوى أنه لا يقدر على الاستدلال بكتاب ولا سنة، ولا قول أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أحد غير ذلك الإمام:
يجب عليه أن بتنبَّه تنبُّهًا تامًّا للفرق بين أقوال ذلك الإمام التي خالها حقًّا، وبين ما أُلحق بعده على قواعد مذهبه، وما زاده المتأخرون وقتًا بعد وقت من أنواع الاستحسان التي لا أساس لها في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ .
ولو علم الإمام بإلحاقهم بمذهبه لتبرأ منها وأنكر على ملحقها، فنسبة جميع ذلك للإمام من الباطل الواضح. ويزيده بطلانًا نسبته إلى الله ورسوله، بدعوى أنه شرع ذلك على لسان رسوله، ونحو هذا كثير في المختصرات في المذاهب وكتب المتأخرين منهم (١).
(١٣) اتباع الدليل لا يعني هجر أقوال الأئمة:
يزعم بعض مقلدة المذاهب أن الدعوة إلى اتباع الدليل من الكتاب والسنة وعدم الأخذ بأقوال الأئمة المخالفة لها؛ ترك للأخذ بأقوالهم مطلقًا والاستفادة من اجتهاداتهم!!.
قال العلامة الألباني ﵀ (٢):
إن هذا الزعم أبعد ما يكون عن الصواب، بل هو باطل ظاهر البطلان، كما
стр. 60
يبدو ذلك جليًّا من الكلمات السابقات، فإنها كلها تدل على خلافه، وأن كل الذي ندعو إليه إنما هو ترك اتخاذ المذاهب دينًا، ونصبها مكان الكتاب والسنة؛ بحيث يكون الرجوع إليها عند التنازع، أو عند إرادة استنباط أحكام جديدة لحوادث طارئة؛ كما يفعل متفقهة هذا الزمان، وعليه وضعوا الأحكام الجديدة للأحوال الشخصية، والنكاح والطلاق، وغيرها دون أن يرجعوا فيها إلى الكتاب والسنة ليعرفوا الصواب منها من الخطأ، والحق من الباطل، وإنما على طريقة «اختلافهم رحمة»! وتتبع الرخص والتيسير أو المصلحة- زعموا- وما أحسن قول سليمان التيمى، رحمه الله تعالى:
«إن أخذت برخصة كل عالم؛ اجتمع فيك الشر كله».
رواه ابن عبد البر (٢/ ٩١ - ٩٢) وقال عقبه:
«هذا إجماع لا أعلم فيه خلافًا».
فهذا الذي ننكره، هو الإجماع كما ترى.
وأما الرجوع إلى أقوالهم والاستفادة منها، والاستعانة بها على تفهم وجه الحق فيما اختلفوا فيه مما ليس عليه نص في الكتاب والسنة، أو ما كان منها بحاجة إلى توضيح- فأمر لا ننكره، بل نأمر به ونحض عليه؛ لأن الفائدة منه مرجوة لمن سلك سبيل الاهتداء بالكتاب والسنة.
قال العلامة ابن عبد البر - رحمه الله تعالى- (٢/ ١٧٢):
«فعليك يا أخي! بحفظ الأصول والعناية بها، واعلم أن من عنى بحفظ السنن والأحكام المنصوصة في القرآن، ونظر في أقاويل الفقهاء- فجعلها عونًا له على اجتهاده، ومفتاحًا لطرائق النظر، وتفسيرًا لجمل السنن المحتملة للمعاني- ولم يقلد أحدًا منهم تقليد السنن التي يجب الانقياد إليها على كل حال دون نظر، ولم يرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن وتدبرها، واقتدى بهم في البحث والتفهم والنظر، وشكر لهم سعيهم فيما أفادوه ونبهوا عليه، وحمدهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم، ولم يبرئهم من الزلل كما لم يبرءوا أنفسهم منه؛ فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح، وهو المصيب لحظه، والمعاين لرشده والمتبع لسنة نبيه ﷺ وهدي صحابته ﵃.
стр. 61
ومن أعفَّ نفسه من النظر، وأضرب عما ذكرنا، وعارض السنن برأيه، ورام أن يردها إلى مبلغ نظره؛ فهو ضال مضل، ومن جهل ذلك كله أيضًا وتقحم في الفتوى بلا علم، فهو أشد عمى، وأضل سبيلاً».
فهذا هو الحق ما به خفاء
فدعني عن بنيات الطريق ا. هـ.
أقول: في هذه التنبيهات ما يكفي المنصف في رجوعه إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة ونبذ ما يخالفهما، وفي ردِّه عن التقليد على غير هدى، فإن أبى أحدهم إلا التقليد، فنقول: قد نقل ابن عبد البر وغيره من العلماء «الإجماع على أن المقلِّد ليس معدودًا من أهل العلم» ولا يجوز للمقلِّد الاعتراض على المجتهد، فإن قال: لست بمجتهد، قلنا: إن الاجتهاد يتجزأ كما ذكر أهل العلم، وليس من شرط المجتهد أن يجتهد في كل مسألة، فلا يُقبل اعتراضك، «فما للأعمى ونقد الدراهم»!!.
(١٤) وأخيرًا: هل في الاختلاف توسعة ورحمة؟ وهل الحق يتعدد؟
كثير ممن ينتسبون إلى المذاهب الفقهية - خصوصًا هذه الأيام- هم على النقيض من أولئك المتشبثين بمذهب بعينه لا يحيدون عنه؛ فهم يرون صحة الأخذ بأي مذهب كان مهما كان مستنده، فأجازوا اختيار ما راق لهم ووافق هواهم وحقق مصالحهم من هذه المذاهب، ولو كان الدليل على خلافه، بحجة أنه قال به بعض العلماء، وأن هذا من التوسعة على الأمة مستدلين بحديث «اختلاف أمتي رحمة»!!.
وقد أجاب عن هذه الشبهة العلامة الألباني ﵀ فقال (١):
والجواب من وجهين:
الأول: أن الحديث لا يصح، بل هو باطل لا أصل له؛ قال العلامة السبكي:
«لم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا موضوع».
قلت: وإنما روى بلفظ:
«... اختلاف أصحابي لكم رحمة».
стр. 62
و «أصحابي كالنجوم؛ فبأيهم اقتديتم اهتديتم».
وكلاهما لا يصح: الأول واه جدًّا، والآخر موضوع، وقد حققت القول في ذلك كله في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» (رقم ٥٨ و٥٩ و٦١).
الثاني: أن الحديث -مع ضعفه- مخالف للقرآن الكريم، فإن الآيات الواردة فيه -في النهي عن الاختلاف في الدين، والأمر بالاتفاق فيه- أشهر من أن تذكر، ولكن لا بأس من أن نسوق بعضها على سبيل المثال، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (١). وقال: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٢). وقال: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ (٣)، فإذا كان من رحم ربك لا يختلفون، وإنما يختلف أهل الباطل؛ فكيف يعقل أن يكون الاختلاف رحمة؟!
فثبت أن هذا الحديث لا يصح، لا سندًا ولا متنًا، وحينئذ يتبين بوضوح أنه لا يجوز اتخاذه شبهة للتوقف عن العمل بالكتاب والسنة الذي أمر به الأئمة.
٢ - وقال آخرون: إذا كان الاختلاف في الدين منهيًّا عنه؛ فماذا تقولون في اختلاف الصحابة والأئمة من بعدهم؟ وهل ثمة فرق بين اختلافهم واختلاف غيرهم من المتأخرين؟
فالجواب: نعم؛ هناك فرق كبير بين الاختلافين، ويظهر ذلك من شيئين:
الأول: سببه.
والآخر: أثره.
فأما اختلاف الصحابة؛ فإنما كان عن ضرورة واختلاف طبيعي منهم في الفهم؛ لا اختيارًا منهم للخلاف، يضاف إلى ذلك أمور أخرى كانت في زمنهم، استلزمت اختلافهم ثم زالت من بعدهم، ومثل هذا الاختلاف لا يمكن الخلاص منه كليًّا، ولا يلحق أهله الذم الوارد في الآيات السابقة وما في معناها؛ لعدم تحقق شرط المؤاخذة، وهو القصد أو الإصرار عليه.
стр. 63
وأما الاختلاف القائم بين المقلدة؛ فلا عذر لهم فيه غالبًا، فإن بعضهم قد تتبين له الحجة من الكتاب والسنة، وأنها تؤيد المذهب الآخر الذي لا يتمذهب به عادة، فيدعها لا لشيء إلا لأنها خلاف مذهبه، فكأن المذهب عنده هو الأصل، أو هو الدين الذي جاء به محمد ﷺ ، والمذهب الآخر هو دين آخر منسوخ!.
وآخرون منهم على النقيض من ذلك، فإنهم يرون هذه المذاهب - على ما بينها من اختلاف واسع- كشرائع متعددة، كما صرح بذلك بعض متأخريهم: لا حرج على المسلم أن يأخذ من أيها ما شاء، ويدع ما شاء، إذ الكل شرع! وقد يحتج هؤلاء وهؤلاء على بقائهم في الاختلاف بذلك الحديث الباطل: «اختلاف أمتي رحمة»، وكثيرًا ما سمعناهم يستدلون به على ذلك!.
ويعلل بعضهم هذا الحديث ويوجهونه بقولهم: إن الاختلاف إنما كان رحمة؛ لأن فيه توسعة على الأمة! ومع أن هذا التعليل مخالف لصريح الآيات المتقدمة، وفحوى كلمات الأئمة السابقة؛ فقد جاء النص عن بعضهم برده.
قال ابن القاسم:
«سمعت مالكًا والليث يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ : ليس كما قال ناس: «فيه توسعة»؛ ليس كذلك، إنما هو خطأ وصواب».
وقال أشهب:
«سئل مالك عمن أخذ بحديث حدثه ثقة عن أصحاب رسول الله ﷺ ؛ أتراه من ذلك في سعة؟.
فقال: لا والله حتى يصيب الحق، ما الحق إلا واحد، قولان مختلفان يكونان صوابًا جميعًا؟! ما الحق والصواب إلا واحد».
وقال المزني صاحب الإمام الشافعي:
«وقد اختلف أصحاب رسول الله ﷺ ، فخطَّأ بعضهم بعضًا، ونظر بعضهم في أقاويل بعض وتعقبها، ولو كان قولهم كله صوابًا عندهم؛ لما فعلوا ذلك، وغضب عمر بن الخطاب من اختلاف أُبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في الثوب الواحد؛ إذ قال أُبي: إن الصلاة في الثوب الواحد حسن جميل وقال ابن
стр. 64
مسعود: إنما كان ذلك والثياب قليلة. فخرج عمر مغضبًا، فقال: اختلف رجلان من أصحاب رسول الله ﷺ ممن ينظر إليه ويؤخذ عنه! وقد صدق أُبي، ولم يأل ابن مسعود، ولكني لا أسمع أحدًا يختلف فيه بعد مقامي هذا إلا فعلت به كذا وكذا».
وقال الإمام المزني أيضًا:
«يقال لمن جوز الاختلاف وزعم أن العالمين إذا اجتهدا في الحادثة، فقال أحدهما: حلال، والآخر: حرام؛ أن كل واحد منهما في اجتهاده مصيب الحق: أبأصل قلت هذا أم بقياس؟ فإن قال: بأصل؛ قيل له: كيف يكون أصلاً والكتاب ينفي الاختلاف؟! وإن قلت: بقياس؛ قيل: كيف تكون الأصول تنفي الخلاف، ويجوز لك أن تقيس عليها جواز الخلاف؟ هذا ما لا يجوزه عاقل، فضلاً عن عالم».
فإن قال قائل: يخالف ما ذكرته عن الإمام مالك أن الحق واحد لا يتعدد ما جاء في كتاب «المدخل الفقهي» للأستاذ الزرقا (١/ ٨٩):
«ولقد همَّ أبو جعفر المنصور ثم الرشيد من بعده أن يختارا مذهب الإمام مالك وكتابه «الموطأ» قانونًا قضائيًّا للدولة العباسية، فنهاهما مالك عن ذلك وقال:
إن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكل مصيب».
وأقول: إن هذه القصة معروفة مشهورة عن الإمام مالك ﵀ لكن قوله في آخرها: «وكل مصيب» مما لا أعلم له أصلاً في شيء من الروايات والمصادر التي وقفت عليها، اللهم! إلا رواية واحدة أخرجها أبو نُعيم في «الحلية» (٦/ ٣٣٢) بإسناد فيه المقدام بن داود، وهو ممن أوردهم الذهبي في «الضعفاء»، ومع ذلك فإن لفظها: «وكل عند نفسه مصيب»، فقوله: «عند نفسه» يدل على أن رواية «المدخل» مدخولة، وكيف لا تكون كذلك وهي مخالفة لما رواه الثقات عن الإمام مالك أن الحق واحد لا يتعدد كما سبق بيانه؟! وعلى هذا كل الأئمة من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة المجتهدين وغيرهم.
قال ابن عبد البر (٢/ ٨٨).
стр. 65
«ولو كان الصواب في وجهين متدافعين؛ ما خطَّأ السلف بعضهم بعضًا في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم، والنظر يأبى أن يكون الشيء وضده صوابًا كله، ولقد أحسن من قال:
إثبات ضدين معًا في حال
أقبح ما يأتي من المحال
فإن قيل: إذا ثبت أن هذه الرواية باطلة عن الإمام؛ فلماذا أبى الإمام على المنصور أن يجمع الناس على كتابه «الموطأ» ولم يجبه إلى ذلك؟
فأقول: أحسن ما وقفت عليه من الرواية ما ذكره الحافظ ابن كثير في «شرح اختصار علوم الحديث» (ص ٣١) وهو أن الإمام مالك قال: «إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها».
وذلك من تمام علمه وإنصافه، كما قال ابن كثير، رحمه الله تعالى.
فثبت أن الخلاف شرٌّ كلُّه، وليس رحمة، ولكن منه ما يؤاخذ عليه الإنسان؛ كخلاف المتعصبة للمذاهب، ومنه ما لا يؤاخذ عليه؛ كخلاف الصحابة ومن تابعهم من الأئمة؛ حشرنا الله في زمرتهم، ووفقنا لاتباعهم.
فظهر أن اختلاف الصحابة هو غير اختلاف المقلدة.
وخلاصته:
أن الصحابة اختلفوا اضطرارًا، ولكنهم كانوا ينكرون الاختلاف، ويفرون منه ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً.
وأما المقلدة - فمع إمكانهم الخلاص منه ولو في قسم كبير منه- فلا يتفقون ولا يسعون إليه؛ بل يقرونه، فشتان إذن بين الاختلافين.
ذلك هو الفرق من جهة السبب.
وأما الفرق من جهة الأثر فهو أوضح؛ وذلك أن الصحابة ﵃ -مع اختلافهم المعروف في الفروع - كانوا محافظين أشد المحافظة على مظهر الوحدة، بعيدين كل البعد عما يفرق الكلمة، ويصدع الصفوف، فقد كان فيهم مثلًا من يرى مشروعية الجهر بالبسملة، ومن يرى عدم مشروعيته، وكان فيهم من يرى استحباب رفع اليدين، ومن لا يراه، وفيهم من يرى نقض الوضوء بمس المرأة، ومن لا يراه،
стр. 66
ومع ذلك فقد كانوا يصلون جميعًا وراء إمام واحد، ولا يستنكف أحد منهم عن الصلاة وراء الإمام لخلاف مذهبي.
وأما المقلدون فاختلافهم على النقيض من ذلك تمامًا؛ فقد كان من آثاره أن تفرق المسلمون في أعظم ركن بعد الشهادتين؛ ألا وهو الصلاة، فهم يأبون أن يصلوا جميعًا وراء إمام واحد؛ بحجة أن صلاة الإمام باطلة أو مكروهة على الأقل بالنسبة إلى المخالف له في مذهبه، وقد سمعنا ذلك، ورأيناه كما رآه غيرنا، كيف لا وقد نصت كتب بعض المذاهب المشهورة اليوم على الكراهة أو البطلان؟! وكان من نتيجة ذلك أن تجد أربعة محاريب في المسجد الجامع، يصلى فيها أئمة أربعة متعاقبين، وتجد أناسًا ينتظرون إمامهم بينما الإمام الآخر قائم يصلي!
بل لقد وصل الخلاف إلى ما هو أشد من ذلك عند بعض المقلدين؛ مثاله منع التزاوج بين الحنفي والشافعية، ثم صدرت فتوى من بعض المشهورين عند الحنفية -وهو الملقب بـ «مفتي الثقلين» - فأجاز تزوج الحنفي بالشافعية، وعلل ذلك بقوله: «تنزيلاً لها منزلة أهل الكتاب»! ومفهوم ذلك -ومفاهيم الكتب معتبرة عندهم- أنه لا يجوز العكس، وهو تزوج الشافعي بالحنفية، كما لا يجوز تزوج الكتابي بالمسلمة؟!
هذان مثالان من أمثلة كثيرة توضح للعاقل الأثر السيء الذي كان نتيجة اختلاف المتأخرين وإصرارهم عليه؛ بخلاف اختلاف السلف، فلم يكن له أي أثر سيء في الأمة، ولذلك فهم في منجاة من أن تشملهم آيات النهي عن التفرق في الدين -بخلاف المتأخرين- هدانا الله جميعًا إلى صراطه المستقيم.
стр. 67
١ - كتاب الطهارة
стр. 68
تعريف الطهارة وأهميتها
الطهارة لغة: النظافة والخلوص من الأوساخ أو الأدناس الحسية، كالأنجاس من بول وغيره، والمعنوية: كالعيوب والمعاصي.
والتطهير: التنظيف، وهو إثبات النظافة في المحل (١).
والطهارة شرعًا: رفع ما يمنع الصلاة من حديث أو نجاسة بالماء [أو غيره] أو رفع حكمه بالتراب (٢).
وأما حكم الطهارة: فإن طهارة النجس وإزالته واجبة مع الذكر والقدرة، قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٤). وأما الطهارة من الحدث فتجب لاستباحة الصلاة، لقوله ﷺ : «لا تقبل صلاة بغير طهور» (٥).
وأما أهميتها: فإن الطهارة:
١ - شرط لصحة صلاة العبد، وقد قال النبي ﷺ : «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ» (٦).
فإن أداء الصلاة بالطهارة تعظيم لله، والحدث والجنابة -وإن لم يكونا نجاسة مرئية- فهي نجاسة معنوية توجب استقذار ما حلَّ بها، فوجودها يخل بالتعظيم، وينافي مبدأ النظافة.
٢ - وقد امتدح الله تعالى المتطهرين، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٧) وأثنى على أهل مسجد قباء بقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (٨).
стр. 69
٣ - أن التقصير في الاستبراء من النجاسة، سبب من أسباب التعذيب في القبر: فعن ابن عباس قال: مر رسول الله ﷺ على قبرين، فقال: «إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما هذا فكان لا يستنزه من بوله ....» الحديث (١).
أنواع الطهارة
يقسم العلماء الطهارة الشرعية إلى قسمين:
١ - طهارة حقيقية: وهي الطهارة عن الخبث أي: النجس، وتكون في البدن والثوب والمكان.
٢ - طهارة حُكمية: وهي الطهارة من الحدث، وهي تختص بالبدن، وهذا النوع من الطهارة ثلاثة أنواع:
طهارة كبرى: وهي الغُسل، وصغرى: وهي الوضوء، وبدل عنهما عند تعذرهما: وهو التيمم.
أولاً الطهارة الحقيقية
المقصود بالنجاسة:
النجاسة: ضد الطهارة، والنجس: اسم لعين مستقذرة شرعًا، ويجب على المسلم التنزه عنها وغسل ما يصيبه منها.
أنواع النجاسات
الأعيان التي دلَّ الدليل الشرعي على نجاستها هي:
١، ٢ - غائط الإنسان وبوله: وهما نجسان باتفاق العلماء:
أما الغائط فلقول النبي ﷺ : «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور» (٢) ويدل على نجاسته كذلك عموم الأحاديث الآمرة بالاستنجاء وستأتي قريبًا.
وأما البول فلحديث أنس: أن أعرابيًّا بال في المسجد، فقام إليه بعض القوم، فقال النبي ﷺ : «دعوه لا تزرموه» قال: فرغ دعا بدلو من ماء فصبَّه عليه (٣).
стр. 70
٣، ٤ - المَذْىُ والوَدْىُ:
المذي: ماء دقيق لزج يخرج عند شهوة كالملاعبة أو تذكر الجماع أو إرادته، ولا يكون دافقًا ولا يعقبه فتور، وربما لا يُحس بخروجه، ويكون للرجل والمرأة وهو في النساء أكثر (١)، وهو نجس باتفاق العلماء (٢) ولذا أمر النبي ﷺ بغسل الفرج منه.
ففي الصحيحين أنه ﷺ قال لمن سأله عن المذي: «يغسل ذكره ويتوضأ» (٣).
أما الودي: فهو ماء أبيض ثخين يخرج بعد البول. وهو نجس إجماعًا.
وعن ابن عباس قال: «المني والودي والمدي، أما المني فهو الذي منه الغسل، وأما الودي والمذي فقال: اغسل ذكرك -أو مذاكيرك- وتوضأ وضوءك للصلاة» (٤).
٥ - دم الحيض:
لحديث أسماء بنت أبي بكر قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع؟ فقال: «تحته ثم تقرصه (٥) بالماء ثم تنضحه، ثم تصلي فيه» (٦).
٦ - روث ما لا يؤكل لحمه:
فعن عبد الله بن مسعود قال: أراد النبي ﷺ أن يتبرز فقال: «ائتني بثلاثة أحجار» فوجدت له حجزين وروثة [حمار] فأمسك الحجرين وطرح الروثة، وقال: «هي رجس» (٧).
ومعنى رجس أي: نجس.
فدل هذا على أن روثة ما لا يؤكل لحمه نجسة.
٧ - لعاب الكلب:
فقد قال النبي ﷺ : «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب» (٨).
стр. 71
وقد دل على أن لعاب الكلب نجس.
٨ - لحم الخنزير:
وهو نجس باتفاق أهل العلم لصريح قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (١).
٩ - الميتة:
وهي ما مات حتف أنفه من غير ذكاة شرعية، وهي نجسة بالإجماع لقول النبي ﷺ : «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» (٢).
والإهاب: جلد الميتة.
ويستثنى من ذلك:
١ - ميتة السمك والجراد: فإنهما طاهرتان لقول النبي ﷺ : «أحل لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال» (٣).
٢ - ميتة ما لا دم له سائل: كالذباب والنحل والنمل والبق ونحوها.
لقول النبي ﷺ : «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله أو ليطرحه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء» (٤).
٣ - عظم الميتة وقرنها وظفرها وشعرها وريشها، كل هذا طاهر على الأصل وقد علق البخاري في صحيحه (١/ ٣٤٢): قال الزهري -في عظام الميتة نحو الفيل وغيره- أدركت ناسًا من سلف العلماء يمتشطون بها ويدهنون فيها، لا يرون به بأسًا.
وقال حماد: لا بأس بريش الميتة.
١٠ - ما قطع من الحيوان وهو حي:
وما قطع من الحيوان وهو حي له حكم الميتة لقول النبي ﷺ : «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة» (٥).
стр. 72
١١ - سؤر السباع والدواب التي لا يؤكل لحمها:
السؤر: هو ما بقي في الإناء بعد الشرب.
ويدل على نجاسته قول النبي ﷺ وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض، وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» (١).
أما الهرة فما دونها فسؤره طاهر، لقول النبي ﷺ : «إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات» (٢).
١٢ - لحم ما لا يؤكل لحمه من الحيوان:
وذلك لحديث أنس ﵁ قال: أصبنا من لحم الحمر -يعني يوم خيبر- فنادى رسول الله ﷺ : «إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجس، أو: نجس» (٣).
ولحديث سلمة بن الأكوع قال: لما أمسى اليوم الذي فتحت عليهم فيه خيبر أوقدوا نيرانًا كثيرة، فقال رسول الله ﷺ : «ما هذه النار على أي شيء توقدون»؟ قالوا: على لحم، قال: «على أي لحم؟» قالوا: على لحم الحمر الإنسية، فقال: «أهريقوها واكسروها». فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها؟ قال: «أو ذاك» (٤).
ففي الحديثين دلالة على نجاسة لحوم الحمر الأهلية لقوله ﷺ في الحديث الأول: «فإنها رجس، أو: نجس» ولأمره ﷺ في الحديث الثاني بكسر الآنية أولاً، ثم إباحته للغسل ثانيًا.
هل يُعَدُّ المني طاهرًا أم نجسًا ؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: يقول بنجاسة المني وبه قال أبو حنيفة ومالك وهو رواية عن أحمد واستدلوا على ذلك بحديث عائشة لما سئلت عن المني يصيب الثوب فقالت:
стр. 73
كنت أغسله من ثوب رسول الله ﷺ فيخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء» (١). والغسل لا يكون إلا لشيء نجس.
القول الثاني: قال أصحابه بطهارة المني وممن قال بذلك الشافعي وداود وهو أصح الروايتين عن أحمد واستدلوا على ذلك بحديث عائشة في المني قال: «كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ » (٢).
وبحديثها أيضًا أن ضيفًا نزل بعائشة فأصبح يغسل ثوبه فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا فيصلى فيه» (٣). والاكتفاء بالفرك يدل على طهارته.
وقد أجاب القائلون بالنجاسة بأن الفرك لا يدل على الطهارة وإنما يدل على كيفية التطهير كما أن تطهير النعل يكون بمسحها في التراب.
ويجاب عن هذا (٤) بأن فرك عائشة للمني تارة وغسله تارة أخرى لا يقتضي تنجيسه، فإن الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ، وهكذا قال غير واحد من الصحابة: كسعد بن أبي وقاص، وابن عباس وغيرهما: «إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، أمطه عنك ولو بإذخرة».
فظهر بهذا أن فعل عائشة ﵂، إنما هو من باب اختيار النظافة (٥).
ويتأيد الحكم بطهارة المني أن الصحابة كانوا يحتلمون على عهد النبي ﷺ ، وأن المني يصيب بدن أحدهم وثيابه، وهذا مما تعم به البلوى، فلو كان نجسًا لوجب على النبي ﷺ أمرهم بإزالته كما أمرهم بالاستنجاء ... ، ولم ينقل أحد هذا، فعلم يقينًا أن إزالته لم تكن واجبة، والله أعلم (٦).
هل تُعَدُّ الخمر من النجاسات ؟
اختلف العلماء في حكم الخمر على قولين:
الأول: أنها نجسة: وهو مذهب جمهور العلماء، منهم الأئمة الأربعة واختاره شيخ الإسلام، وحجتهم:
стр. 74
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١).
قالوا: الرجس هو النجس، فحكموا بنجاسة عين الخمر نجاسة حسية.
القول الثاني: أنها طاهرة: وبه قال ربيعة والليث والمزني وغيرهم من السلف، ورجَّحه الشوكاني والصنعاني وأحمد شاكر والألباني ﵏ وهو الراجح، لما يأتي:
[١] أنه ليس في الآية دلالة على نجاسة الخمر، وذلك من أوجه:
(أ) أن لفظة (رجس) من المشتركات اللفظية، فهي تحتمل معان كثيرة (٢)، منها: القذر، المحرم، القبيح، العذاب، اللعنة، الكفر، الشر، الإثم، والنجس وغيرها.
(ب) أننا لم نقف على قول لأحد من السلف فسَّر الرجس في هذه الآية بالنجس بل قال ابن عباس: (الرجس: السخط) وقال ابن زيد: (الرجس: الشر).
(جـ) أن لفظة (رجس) قد وردت في كتاب الله -في غير هذه الآية- في ثلاثة مواضع وليس في واحد منها (الرجس) بمعنى النجس: فالرجس في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣). معناه: العذاب وفي قوله في شأن المنافقين: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ (٤). المراد: علمهم رجس أي قبيح.
وفي قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ (٥). سمى الأوثان رجسًا لأنها سبب الرجز والعذاب، وليس المراد بها النجاسة الحسية، فإن عين الحجارة والأوثان ليست بنجسة، وفي قوله ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ .... فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ محتمل ...
(د) لما وقع الخمر في الآية مقترنًا بالأنصاب والأزلام كان ذلك قرينة صارفة لمعنى الرجسية إلى غير النجاسة الشرعية، وهكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٦). لما جاءت الأدلة الصحيحة المقتضية لعدم نجاسة ذوات المشركين.
стр. 75
(و) أن تحريم الخمر لا يستلزم نجاستها، أما النجاسة فإنه يلازمها التحريم فإنه يحرُم لبس الحرير والذهب وهما طاهران ضرورة شرعًا وإجماعًا.
(هـ) أن (الرجس) في الآية مقيد بكونه (من عمل الشيطان) فهو رجس عملي بمعنى قبيح أو محرم أو إثم، وليس رجسًا عينيًا تكون به هذه الأشياء نجسة.
[٢] ومما يستدل به على طهارة الخمر: حديث أنس في قصة تحريم الخمر، وفيه «... فأمر رسول الله ﷺ مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، .... قال: فخرجت فأهرقتها فجرت في سكك المدينة» (١).
[٣] وفي حديث الرجل الذي كان معه مزادتان فيهما خمر: «... فقال النبي ﷺ : «إن الله الذي حرم شربها حرم بيعها، ففتح [الرجل] المزادتين حتى ذهب ما فيهما ...» (٢).
فلو كانت الخمر نجسة لأمر النبي ﷺ بصب الماء على الأرض لتطهيرها كما أمر بالصب على بول الأعرابي، ولأمرهم بالاحتراز منها.
ولو كانت نجسة لأمر صاحب المزادتين بغسلهما.
[٤] أن الأصل الطهارة، ولا ينقل عنها إلا ناقل صحيح، ولم يقم الدليل على النجاسة فتبقى على الأصل. والله أعلم.
هل يعتبر الدم من النجاسات ؟
الدم على أقسام:
١ - دم الحيض: وهو نجس باتفاق العلماء، وقد تقدم الدليل على نجاسته.
٢ - دم الإنسان (٣): وهو مختلف فيه، فالمشهور عند أصحاب المذاهب الفقهية أن الدم نجس، وليس عندهم حجة، إلا أنه محرم بنص القرآن في قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٤). فاستلزموا من التحريم النجاسة - كما فعلوا في الخمر - ولا