Полный текст (1 611 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
كتاب السرقة
هي أخذ مكلف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة.
ــ
كتاب السرقة
بفتح السين وكسر الراء ولك إسكانها مع فتح السين وكسرها لما فرغ من ذكر المزاجر المتعلقة بصيانة الأنفس والعقول والأعراض شرع في المتعلقة بصيانة الأموال ولا خفاء في أصالة الأول ثم هي قسمان: صغرى وكبرى، بدأ بالكلام على الأولى لكثرتها وهي لغة أخذ الشيء في خفاء فتعدى نفسها وبحرف الجر وتسمية المسروق سرقة مجاز كما في (المغرب) وركنها الأخذ ومن ثم بدأ به ثم ذكر الشرائط فقال: (هي أخذ مكلف) ولو أنثى أو عبد أو كافر أخرج الصبي والمجنون فإن كان يجن ويفيق فسرق في حال إفاقته قطع وإلا فلا، ولا بد أن يكون ناطقا مبصرا فلا يقطع بسرقة الأخرس لجواز أن يدعي شبهة لو كان ناطقا ولا الأعمى لأنه جاهل بمال [٣١٢/ب] غيره (خفية) خرج به الأخذ مغالبة أو نهبا / فلا قطع به لو كان في المصر نهارا، وإن دخل خفية استحسانا ثم إن كانت نهارا اعتبرت الخفية ابتداء وانتهاء، وإن ليلا اعتبرت ابتداء فقط إذا غالب السرقات فيه تصير مغالبة لأنه قل ما يخفى الدخول والأخذ بالكلية ومن ثم قلنا: لو كان صاحب الدار يعلم دخوله واللص لا يعلم كونه فيها أو يعلمه اللص وصاحب الدار لا يعلم دخوله أو كانا لا يعلمان قطع ولو علما لا يقطع، كذا في (الفتح).
وجزم الشارح بعدم القطع فيما إذا زعم اللص على رب الدار والحال أنه لم يعلم، وجرى على الأول في (المحيط) (والخلاصة) وغيرهما وعليه فيكفى في الخفية ظن السارق قد رأى (مقدار عشرة دراهم) لما رواه محمد عن أبي حنيفة يرفعه لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم، ولو كان موقوفا لكان له حكم الرفع لأن المقدارات الشرعية لا دخل للعقل فيها، واسم الدراهم يطلق على المضروبة عرفا.
قال في (المغرب): الدراهم اسم للمضروبة فقوله (مضروبة) تأكيد وهذا أعني اشترط كونها مضروبة هو ظاهر الرواية وهو الأصح لظاهر الحديث ورعاية لكمال الجناية، ومن ثم شرطنا جودتها فلا قطع لو كانت زيوفا أو نبهرجة، ولا بد أن تكون العشرة وزن سبعة على ما مر في الزكاة وغير الدراهم يعتبر بها حتى لو سرق دينارا قيمته أقل من عشرة لا يقطع فإن كانت قيمته وقت السرقة ووقت القطع عشرة بتقوم عدلين قطع فإن نقصت وقت القطع عن عشرة لم يقطع إلا إذا كان النقص لعيب حدث أو فوات بعض العين، فعلى هذا لو سرق في بلد ما قيمته عشرة فأخذ في
стр. 1157
محرزة بمكان أو حافظ فيقطع إن أقر مرة.
ــ
أخرى وقيمتها فيها أقل لا يقطع، ولو سرق فضة أقل من وزن عشرة إلا أن قيمتها عشرة مضروبة لا يقطع ولا بد أن يقصد أخذ ذلك القدر حتى لو سرق ثوبا قيمته أقل من عشرة وعلى طرفه دينار مشدود وكان فيه دراهم مضروبة لا يقطع إلا إذا كان وعاء لها، كذا في (التجنيس) وأن يكون للمسروق منه يد صحيحة فلا يقطع السارق من السارق هكذا أطلقه الكرخي والطحاوي لأن يده ليست يد أمانة ولا ملك فكان ضائعا.
قلنا: بقي أن يكون يد غصب والسارق منه يقطع، فالحق ما في (نوادر هشام) عن محمد إن قطعت الأول لم أقطع الثاني وإن درأت عنه الحد قطعته ومثله في (أمالي أبي يوسف)، كذا في (الفتح) ولا بد أيضا أن يخرج النصاب ظاهرا حتى لو ابتلغ دينارا في الحرز وخرج لا يقطع، وأن يخرجه مرة واحدة اتحد مالكه أو تعدد، فلو أخرج بعضه ثم دخل وأخرج باقيه لم يقطع وأن تكون السرقة في دار الإسلام حتى لو سرق في دار الحرب أو البغي فأخذ في دار الإسلام لا يقطع، كما في (البدائع) (محرزة) صفة ثانية لدراهم (بمكان) معد للحفظ ممنوع من الدخول فيه إلا بإذن، (أو حافظ) في مكان ليس حرزا كالمساجد والصحراء وسيأتي إيضاحهما (فيقطع إن أقر مرة)، هذا قولهما وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو يوسف وزفر: لا بد من إقراره مرتين في مجلس اعتبارا بالشهود كالزنا وقد استدل للأكثر بما أسند الطحاوي قالوا: يا رسول الله إن هذا سرق فقال ما إخاله سرق فقال السارق: بلى يا رسول الله قال: اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه، والرواية في إخاله بكسر الهمزة، أي: أظنه وإن جاز الفتح وفيه دليل على أن السارق يلقن بما يمنعه من الإقرار، وهذا نص على الكتفاء بالمرة الواحدة، ومن ثم ذكر بشر رجوع أبي يوسف إلى قولهما ذكره الإتقاني وقالوا: لو سرقت من فلان مائة درهم بل عشرة دنانير قطع في العشرة وضمن المائة إن ادعى المقر له المالين ولو قال: بل مائتين قطع فيهما ولا ضمان عليه، ولو ادعى المقر له المائتين ولو قال: سرقت مائتين بل مائة لم يقطع ويضمن المائتين ولو قال: أنا سارق هذا الثوب بالإضافة يقطع، وبالتنوين لا لأن الأول للحال، والثاني للاستقبال كذا في (الفتح) والظاهر أن يقال: إنه مع التنوين يحتمل الحال والاستقبال فلا يقطع بالشك لكن بقي أن هذا الاحتمال ثابت مع الإضافة أيضا فكان ينبغي أن لا يقطع أيضا فتدبره.
ولو أقر بالسرقة ثم هرب لا يتبع ولو من فوره لما أنه من أمارة الرجوع، ولو رجع
стр. 1158
أو شهد رجلان ولو جمعا والآخذ بعضهم قطعوا إن أصاب لكل نصاب ولا يقطع بخشب وحشيش وقصب وسمك وطير.
ــ
صريحا بعدما أقر ولو مرتين قبل منه ذلك في حق الحق لا في المال، كما في [٣١٣/أ] (الهداية) بخلاف مما لو أقيمت عليه البينة وضرب السارق / لإقراره سيأتي (أو شهد) عليه بها (رجلان) نبه بحصر الحجة فيهما أنه لا يقطع بالنكول وإن ضمن المال قالوا: ويجب على القاي أن يسألهم عن كيفيتها لجواز أن يكون على كيفية لا يقطع فيها كأن أخرج بعض النصاب ثم عاد وأخرج البعض الآخر أو ناول رفيقا له فأخرجه أو أدخل يده وأخرج المتاع، وماهيتها لأنها تطلق على استراق السمع ونقص أركان الصلاة، وزمانها لأنها مع التقادم لا قطع فيها وإن ضمن المال، ومكانها لاحتمال أنه سرق في دار الحرب، وعن المسروق لأن سرقته كل مال لا توجب القطع وعن قدره لجواز أن يكون دون النصاب وعن المسروق منه لجواز أن يكون محرما، وهذا الأخير لم يذكره محمد واعتذر عنه السرخسي بأنه حاضر يخاصم والشهود يشهدون على السرقة منه فلا حاجة إلى السؤال عنه ومرده في (فتح القدير) بأن الشهادة والخصومة لا يستلزمان بيان النسبة من السارق، ولذا ذكره في (الكافي) فإذا بينوا ذلك على وجه لا يسقط فإن عرفهم القاضي بالعدالة قطعه، وإن لم يعرف حالهم حبس المشهود عليه حتى يعدلوا، والتوثق بالكفيل ممتنع لأنه لا كفالة في الحدود ثم لا يقطع إلا بحضور المسروق منه والشهود فإن غاب أحدهم لا يقطع، وكذا في الموت وهذا في كل الحدود سوى الرجم ويمضي القصاص إن لم يحضروا استحسانا كذا في (كافي الحاكم) فإن كانت عن إقرار رسالة عن الكل إلا الزمان لما مر من أن التقادم لا يمنع الإقرار.
ووقع في بعض نسخ (فتح القدير) ولا يسأل المقر عن المكان لكن يسأله عن باقي الشروط من الحرز وغيره وكأنه تحريف، والصواب أنه يسأله لجواز أن يكون في دار الحرب (ولو) كان (جمعا و) الحال أن (السارق بعضهم قطعوا إن أصاب لكل) منهم (نصاب) هذا استحسان سدا لباب السرقة سواء خرجوا معه من الحرز أو بعده في فوره أو خرج هو بعدهم في فورهم ولو كان فيهم صغير أو مجنون أو معتوه أو ذا رحم محرم من المسروق منه لم يقطع أحدن قيد بالجمع لأنه لو سرق واحد من عشرة من كل واحد درهما من بيت واحد يقطع لكمال النصاب، (ولو يقطع) بحيث لم تجر العادة بإحرازه ولهذا قلنا: إنه يقطع في الأبواب والأواني والساج والأبنوس والقنا والصندل (وحشيش وقصب وسمك)، قال في (الهداية): يدخل فيه المالح والطري قيل: المليح أو المملوح (وطير) بسائر أنواعه قيل: إلا الدجاج والبط وقيل: لا يقطع
стр. 1159
وصيد وزرنيخ ومغرة ونورة وفاكهة رطبة أو على شجر ولبن ولحم وزرع لم يحصد وأشربة وطنبور ومصحف ولو محلى.
ــ
في جميع الطيور وهذا القول أصح، كذا في (الغاية) (وصيد وزرنيخ) قيل: ينبغي أن يقطع به لأنه يحرز ويصاب في دكاكين العطارين (ومغرة) بالفتحات الثلاثة ولك إسكانها الطين الأحمر (ونورة) زاد في (السراج) ولبن وآجر وفخار وزجاج وهذا الأخير أجراه بعضهم على إطلاقه، وآخرون على غير المعمول منه فيقطع به وزاد في (المجتبى) الفحم والأشنان والملح، وقال في (الفتح) اختلف في الوسمة والحناء والوجه القطع لأنه جرت العادة بإحرازه في الدكاكين، وبه جزم الحدادي معللا بأنه لا يتسارع إليه الفساد وهو كالفاكهة اليابسة وإنما لم يقطع في هذه الأشياء لأنها توجد مباحة في دار الإسلام.
لو قال كما في (المجمع) ولا يقطع في مباحة الأصل والمعترضة للفساد لكان أخصر واستغتى عن قوله (وفاكهة رطبة) أي: على شجر لخبر أبي داود (لا قطع في ثمر ولا كثر) بفتح الكاف والثاء المثلثة الجمار يخرج من رأس النخل وأخطأ من قال إنه الحطب أو صغار النخل كما في (المغرب) قيد بالرطبة لأنه يقطع باليابسة التي تبقى كاللوز ونحوه، وفي الإسبيجابي لو سرق مالا يبقى حولا لا يقطع (و) لا إحراز فيما (على الشجرة ولبن ولحم) لقوله ﵊: (لا قطع في الطعام) والمراد والله أعلم ما يتسارع إليه الفساد كالمهيأ للأكل وما في معناه كاللحم والثمر أطلق في اللحم فعم القديد منه (وزرع لم يحصد) لما مر في التمر من عدم الإحراز، قيد بذلك لأنه يقطع في الحنطة إجماعا وقيده في (المبسوط) بغير أيام القحط، وأما لو سرق فيها ما لم يقطع (وأشربة) مطربة، أي: مكسة لأن بعضها حرام فيتناول سارقها إراقتها وبعضها مختلف في إباحته فأورث شبهة في عدم المالية، وأما ما حل منها ففيه القطع كالفقاع / ونحوه.
قال الحدادي: وأما شراب نقيع التمر والزبيب فالصحيح أن فيه القطع انتهى.
ولا خلاف أنه يقطع في الخل والعسل، كما في (الشرح) لكن في (البحر) قال أبو حنيفة: لا قطع في الخل لأنه قد صار خمرا مرة (وطنبور) لأنه من المعازل للملاهي كما في (الشرح) ثم قيل لفظ المعازف يجمع العود والطنبور وأشباهها، وقيل خاص بالتي استخرجها أهل اليمن كما في (الجمهرة) (و) لا يقطع أيضا سرقة (مصحف ولو) كان (محلى) بما قيمته تعدل نصابا في ظاهر الرواية عن أصحابنا، وعن أبي
стр. 1160
وباب مسجد وصليب ذهب وشطرنج ونرد وصبي حر ولو معه حلي وعبد كبير ودفاتر.
ــ
يوسف في (الإملاء) أنه يقطع وعنه إذا بلغت الحلية نصابا وجه الظاهر أن المقصود ما فيه ومعنى المالية فيه تبعا لا مقصودا ولذا قلنا: لو سرق ثوبا قيمته دون نصاب لكنه محلى بما ساوى نصابا لا يقطع، (وباب مسجد) الأولى وباب مركب كما في (الإصلاح) لأنه لا قطع في الأبواب مطلقا لعدم الإحراز فيها، لكنه لو اعتاد سرقة أبواب المساجد بولغ في تعزيره وحبس حتى يتوب، كما قاله فخر الإسلام (وصليب ذهب) وهو مثل تعبد النصارى، كذا في (غاية البيان) وفي (فتح القدير) الصليب: ما هو كهيئته خطين متقاطعين ويقال لكل جسم صليب.
(وشطرنج) بكسر الشين (ونرد) فارسي معرب ولو كان من ذهب لتأول السارق الكسر نهيا عن المنكر، ولو سرق دراهم عليها تمثال قطع لأنه إنا أعد للتمويل فلا يثبت فيه تأويل (وصبي حر ولو) كان (معه حلي) بفتح الحاء وسكون اللام كل ما لبس من ذهب أو فضة أو جوهر جمع حليا بفتحها لأن الحر ليس بمال وما عليه تبع له قال أبو يوسف: إن بلغ الحلي نصابا قطع والخلاف في غير المميز، أما المميز فلا يقطع إجماعا لأنه خداع لا سرقة (وعبد كبير) أي: مميز يعبر عن نفسه ولو نائما أو مجنونا أو أعجميا لأنه ليس بسرقة بل إما عصب أو خداع.
(ودفاتر) أراد بها الكتب المشتملة على علم الشريعة، كالفقه والحديث والتفسير وغيرها من الغريبة والشعر واختلف في غيرها فقيل ملحقة بدفاتر الحساب فيقطع، وقيل: بالشرعية لأن معرفتها قد يتوقف على اللغة والشعر والحاجة وإن قلت: كفت في إيراث الشبهة، ومقتضى هذا أن لا يختلف في القطع بكتب السحر والفلسفة لأنه لا يقصد ما فيها لأهل الديانة ويمكن في كتب الحساب والهندسة عدم القطع كذا في (الفتح) وينبغي أن ينظر في الأخذ لكتب السحر والفلسفة فإن كان مولعا بذلك لا يقطع للقطع بأن المقصود ما فيها ويدخل في الفقه أصوله وفي الحديث مصطلحه، وفي التفسير ما أفرد من متعلقاته كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ ولم يذكر كثيرا أصول الدين ولا شك أنه من أعز العلوم الشرعية، وما في (التاتارخانية) عن (الكافي) في كتب الأدب اختلاف المشايخ ومنهم من قال: يقطع وفي (السراجية) لا قطع في كتاب الأشعار فيحمل ما في (الفتح) على علم الشعر بخلاف العبد الصغير ودفاتر الحساب حيث يقطع فيها، أما الصغير وهو من لا يعبر عن نفسه فلأنه مال منتفع به إن كان يمشي ويعقل أو بعرضيه أن يصير كذلك إن كان بخلافه، وحكى ابن المنذر الإجماع على ذلك مع أن أبا يوسف استحسن عدم القطع لأنه وإن كان مالا من وجه لكنه أومئ من وجه، والثاني يوجب شبهة ما في
стр. 1161
وكلب وفهد ودف وطبل وبربط ومزمار وبخيانة ونهب واختلاس وبنبش.
ــ
ماليته، وأما دفاتر الحساب يعني أهل الديوان فلأن المقصود منها الورق لأن ما فيها لا يقصد بالأخذ إذ لا يستفيد الأخذ به نفعا ومن ذلك دفاتر التجار كما في (السراج).
قال في (البحر): وهذا يدل على أن المراد به الذي مضى حسابه وقد قيل به كما ذكره الشمني، أما التي في الديوان المعمول بها فالمقصود علم ما فيها انتهى. وينبغي أن لا يقطع في دفاتر مباشري الأوقاف إذ المقصود علم ما فيها من جهات ونقود وردت ثم كتمت أو وزعت في لفظ مرماة ونحوها حسب ما يفعله من لا يخشى الله تعالى، (وكلب) ولو كان كلب صيد أو ماشية (وفهد) ولو في عنقهما ما يزيد على نصاب لأن جنسهما يوجد مباح الأصل، (ودف) بفتح الدال وضمها ما يلعب به ونو نوعان: مدور ومربع قاله المطرزي (وطبل) ولو طبل غزو فيما اختاره الشيهد / وهو الأصح وفي (الولوالجية) وهو المختار لأن صلاحيته للهو صارت شبهة [٣١٤/أ] (وبربط) بفتح الموحدتين وهو العود.
(ومزمار) وكذلك كل ما كان من آلات اللهو، أما على قولهما وهو المفتى به من أنه لا قيمة لها بدليل أنه لا ضمان على متلفها فظاهر، وأما على قول الإمام فلأن أخذها يتأول فيها الكسر نهيا عن المنكر (و) لا يقطع أيضا (بخيانة) في أمانة عنده كوديعة (ونهب) وهو الأخذ على وجه القهر (واختلاس) وهو أن يختطف الشيء من يد المالك أو من بيت المال ويذهب سريعا لما في السنن الأربعة من حديث جابر رضي الله تعالى عنه ﵊ أنه قال: (ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع) وما في (الصحيحين) أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر ﵊ بقطعها، أجاب عنه الجمهور أنه كان لسرقة صدرت منها (ونبش) القبول لأخذ أكفان الموتى بعد الدفن عندهما خلافا لأبي يسوف لما روى أنه ﵊ قال: (من نبش قطعناه) ولهما قوله ﵊ (لا قطع على المختفي) وهو النباش بلغة أهل اليمن وما رواه قيل منكر أو محمول على السياسة لمن اعتاده وشمل إطلاقه ما لو كان القبر في بيت مقفل هو الأصح، وما لو سرق من تابوت في القافلة فيه الميت.
قال في (البحر): وما لو سرق من القبر ثوبا غير الكفن انتهى. وفي شمول
стр. 1162
ومال عامة أو مشترك ومثل دينه وبشيء قطع فيه ولم يتغير.
ــ
الإطلاق لهذا نظر ظاهر وأشار إلى أنه لا يقطع لو سرق من البيت الذي فيه القبر مالا آخر غير الكفن لتأوله زيارة القبر أو سرق من بيت فيه الميت لتأول تجهيزه، (و) لا يقطع أيضا في (مال عامة) وهو المال الموضوع في بيت المال لأنه منهم، وإذا احتاج ثبت له الحق بقدر حاجته فأورث شبهة والحدود بها تدرأ (أو مشترك) بينه وبين غيره لأن ثبوت ملكه في بعضه شبهة قوية.
وأما مال الوقف فقال في (البحر): لم أر من صرح به ولا يخفى أنه لا يقطع به وقد عللوا عدم القطع فيما لو سرق حصير المسجد بعدم المالك فكذا هنا انتهى. ولو قيل: إن كان الوقف على العامة فما له كبيت المال، وإن كان على أقوام محصورين فلعدم المالك حقيقة لكان حسنا وفي (السراج) لو أوصى له بشيء فسرقه قبل موت الموصي قطع وإن بعد الموت وقبل القبول لا يقطع انتهى. والظاهر أنه بعد الموت لا فرق في عدم القطع بين كون الموصى به مفردا كثوب أو لا كثلث ماله (و) لا يقطع أيضا في السرقة من مدينة (مثل) جنس (دينه) لأنه استيفاء بحقه ولا يعتبر المماثلة في القدر ولا في الوصف فلا يقطع بسرقة الزائد والأجود، وخرج ما لو سرق خلاف جنسه كالعرض والحلي فإنه يقطع لأنه استبدال ولا يتم إلا بالتراضي وعن هذا قال بعض المشايخ: إنه يقطع فيما لو كان له دراهم فأخذ دنانير وقلبه والأصح أنه لا يقطع لأن النقدين جنس واحد حكما ولذا كان للقاضي أن يقضي بهما دينه بغير رضاه ويضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة، وعن الثاني أنه لا يقطع في غير الجنس أيضا لأن له أخذه عند بعض العلماء كابن أبي ليلى والشافعي قضاء عن حقه أو رهنا به.
قلنا: هذا قول لم يسند إلى دليل ظاهر فلا يعتبر. وفي (المجتبى) وما قالاه أو سمع ويجوز الأخذ به وإن لم يكن مذهبا فإن الإنسان يعذر في العمل به عند الضرورة انتهى. قال الحدادي: والتوفيق بين القولين أن يحمل قول من قال بالقطع على من لم يعرف الخلاف السابق ومن قال بعدمه على من يعرف ولا خلاف أنه لو قال: أخذتها رهنا بديني أو قضاء لا يقطع ولو سرق من غريم أبيه أو ولده الكبير أو مكاتبه أو عبده المأذون المديون قطع إلا أن يسرق من غريم أبيه أو ولده الكبير أو مكاتبه أو عبده المأذون المديون قطع إلا أن يسرق من غريم ابنه الصغير، ولو سرق العبد والمكاتب من غريم المولى قطع، وفي (السراج) لو سرق ما اشتراه في مدة الخيار أو الموصى له بعد موت الموصى قبل القبول لم يقطع بخلاف ما لو سرقه قبل موت الموصى، (و) لا يقطع أيضا (بشيء) أي: بسرقة شيء (قطع فيه و) الحال أنه (لم يتغير) استحسانا لأن القطع أوجب سقوط عصمة المحل وبالرد إلى المالك، وإن عادت حقيقة العصمة
стр. 1163
ويقطع بسرقة الساج والقنا والأبنوس والصندل والفصوص الخضر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ والأواني والأبواب المتخذة من الخشب ومن سرق من ذي رحم محرم.
ــ
لكن بقيت شبهة السقوط لاتحاد الملك والمحل وقيام الموجب وهو القطع فيه قيد بعدم التغير لأنه لو تغير بإحداثه صنعة فيه كسبحه بعد رده قطع لانتفاء الشبهة / [٣١٤/ب] الناشئة من اتحاد المحل وفي (كفاية البيهقي) إمام الحنفية سرق ثوبا فخاطه ثم رده فنقض فسرق المنقوض لا يقطع لأنه لا يقطع حق المالك لو فعله الغاصب فلم يكن في حكم عين أخرى ولو باعه المالك من السارق ثم اشتراه منه قطع عند مشايخ بخارى، وقال مشايخ العراق: لا يقطع، كذا في (الفتح).
ولو باعه لغيره فسرقه من المشتري هل يجري فيه الخلاف السابق؟ لم أره، وفي (شرح الطحاوي): لو جعل المالك الذهب والفضة المقطوع بها إناء أو دراهم لا يقطع بسرقتها عند الإمام لأن العين لم تتغير عنده، وقالا: بقطع لأنها تغيرت، وهذا يؤيد ما قاله مشايخ العراف لأنه إذا كان بالصنعة لم يتغير فبالبيع أولى، (ويقطع لسرقة الساج) شجر عظيم جدا تعلوه حمرة صلب كالحجر ولا يوجد كالأبنوس إلا بالهند، (والقنا) بالقصر جمع قناة خشب الرماح وألفه منقلبة عن الواو (والأبنوس) بفتح الباء فيما سمع معرب، (والصندل والفصوص الخضر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ) والعود والمسك والزعفران والعنبر لأن هذه الأشياء من أعز الأموال وأنفسها (و) لم يذكر العاج لأنه لا قطع فيه كما في (الاختيار) ما لم يحدث فيه صنعة، كذا يقطع في (الأواني) كالقصاع (والأبواب) الموضوعة في الحرز إذا كانت حقيقة (المتخذة من الخشب) لأنها بالصنعة التحقت بالأموال النفيسة.
فصل في الحرز
قدم ما يقطع فيه وما لا يقطع على الحرز لأنه كلام في ذاته وثنى بالحرز لأنه خارج، وهو لغة الموضع الذي يحرز فيه الشيء، وشرعا ما يحفظ فيه المال عادة كالدار وإن لم يكن لها باب أو كان وهو مفتوح لأن البناء لقصد الإحراز والحانوت والخيمة والشخص نفسه، والمحرز ما لا يعد صاحبه مضيعا ثم الإخراج منه شرط، ولم يثبت عن أحد من أهل العلم خلافه فكان كالإجماع عليه، وقد ثبت أنه لا يقطع في أقل من النصاب فتخصصت الآية به فجاز تخصيصها بعده بما هو من الأمور الإجماعية (ومن سرق من ذي رحم محرم) ماله أو مال غيره لم يقطع، أما في قرابة الولاد فللإذن بالدخول في الحرز مع البسوطة في المال، وأما في غيرهم كالأخ والأخت فلإلحاقهم بقرابة الولاد بجامع الإذن بالدخول في الحرز، وأيضا فالرحم المحرم يفترض وصلها ويحرم قطعها وبالقطع يحصل القطع فوجب صونها بدرئه، كذا في
стр. 1164
منه لا برضاع ومن زوجته وزوجها وسيده وزوجته وزوج سيدته ومكاتبه وختنه وصهره ومن مغنم.
ــ
(الكافي) إلا أن هذا الوجه قد يعكر عليه ما قالوه من أنه لو سرق مال ذي الرحم من بيت غيره فإنه يقطع اعتبارا للحرز مع أن في القطع القطعية موجودة قال في (الفتح): وأجاب في (البحر) بأن القطع حق الله تعالى فلا يكون قطعية انتهى. وأنت خبر بأن هذا مشترك الإلزام أن يجوز أن يقال بالقطع فيما إذا سرق من بيت ذي الرحم المحرم ولا يلزم القطعية لأنه حق الله تعالى، نعم قال الشارح: ينبغي أن لا يقطع في الولاد للشبهة في ماله على ما مر (لا برضاع) يعني إذا كانت المحرمية برضاع يقطع كما إذا سرق من أبيه أو ابنه أو أخيه رضاعا، وقول الشارح هذا لا حاجة إلى إخراجه إذا لم يدخل في الرحم المحرم، رده العيني بجواز أن يكون رحما من النسب ومحرما من الرضاع فيحتاج إلى إخراجه انتهى. وذلك كابن العم الذي هو أخوه رضاعا وهو الحق وهذا لأن الرحم لا يكون إلا نسبا، وأما المحرم فقد يكون من الرضاع أيضا فأخرجه فكأنه قال محرم نسبي.
(و) كذا لا يقطع فيما إذا سرق (من زوجته) ولو من وجه كالمبانة في العدة، (و) كذا إذا سرقت هي (زوجها) للإذن في الدخول عادة فاختل الحرز ولا فرق بين كونه زوجها وقت السرقة أم لم يكن لكنه صار زوجا قبل القضاء، وكذا لو تزوجها بعد القضاء عندهما خلافا لأبي يوسف ولو سرق أحدهما من الآخر فطلقها قبل الدخول لم يقطع أيضا، (و) كذا لا يقطع العبد مدبرا كان أو مكاتبا أو مأذونا أو كانت أم ولد لو سرق من (سيده أو زوجته)، أي: زوجة سيده لما قلنا من اختلال الحرز للإذن بالدخول، وعن ابن عمر أنه جيء له بعبد سرق من امرأة سيده فقال: (عبدكم سرق من امرأتكم لا قطع عليه)، (و) كذا لا يقطع السيد إذا سرق من (مكاتبه) بلا خلاف لأن له حقا في إكسائه، ألا ترى أنه لا يجوز له أن يتزوج أمة مكاتبة.
(و) كذا إذا سرق من (ختنه) وهو زوج كل ذي رحم محرم منه (وصهره) وهو [٥١٥/أ] كل ذي رحم محرم من امرأته عند الإمام وقالا: يقطع لعدم الشبهة في ملك البعض / لأنها تكون بالقرابة وهي منتفية وله أن العادة جارية في دخول بعضهم منازل البعض بلا استئذان فتمكنت الشبهة في الحرز وتأخير الشيخ لدليله مؤذن بترجيحه والخلاف مقيد بما إذا كان البيت لحي فإن كان للميت لا يقطع اتفاقا، والمحرمية بالمصاهرة كالمحرمية بالرضاع وعلى هذا الخلاف ما لو سرق من كل من يحرم عليه بالمصاهرة، (و) كذا لا يقطع إذا سرق (من مغنم) لما في مصنف عبد الرازق عن
стр. 1165
وحمام وبيت أذن في دخوله لم يقطع ومن سرق من المسجد متاعا وربه عنده.
ــ
علي أنه سقط عنه القطع وقال: إن له نصيبا. قال في (الحواشي السعدية): وهذا التعليل يدل على انه لو لم يكن فيه نصيب يقطع لكن الرواية مطلقة في (مختصر القدوري) و (شرح الطحاوي) فلا بد من تعليل آخر انتهى. وفي (غاية البيان) ينبغي أن يكون المراد من السارق من له نصيب فيها، أما من لا نصيب له فيقطع اللهم إلا أن يقال إنه مباح الأصل وهو على صورته لم يتغير فصار شبهة، وفي كلام المصنف ما يومئ إلى اعتبار الإطلاق حيث قدم أنه لا قطع في المال المشترك وإذا كان له حق فيه كان من المشترك فذكره هنا ليس إلا لإفادة التعميم.
واعلم أن ما مر من التعليل في المكاتب والمقيم ففيه أن المناسب ذكرهما في الفصل السابق عند قوله: ولا من بيت المال لا في هذا الفصل، والظاهر أنه استطرادي، (و) كذا إذا سرق من (حمام) لاختلال الحرز بالإذن بالدخول وسواء كان صاحبه عنده أو لا في ظاهر المذهب بخلاف ما إذا سرق من المسجد وصاحبه عنده فإنه يقطع، والفرق أن الحمام للإحراز فلا يعتب الحافظ كالبيت، أما المسجد فإنه لم يبن له فيعتبر كالطريق والصحراء وهذا الإطلاق قيده الشارح تبعا لغيره بما إذا كان في وقت أذن فيه بالدخول، فإن كان في وقت لم يؤذن فيه قطع، (و) كذا لا يقطع فيما إذا سرق من (بيت أذن في دخوله لم يقطع) لما مر وذلك كالحانوت وحوانيت التجار ولو أذن لجماعة مخصوصين فدخل معهم من لم يؤذن له وسرق ينبغي أن يقطع.
واعلم أنه قد مر أنه لا بد من تحقق السرقة من كون المأخوذ محرزا بمكان أو حافظ والأول أقوى من الثاني، ولذا لم يعتبر الحرز بالحافظ في المحرز بالمكان في الأصح، وفائدته تظهر فيما مر في الحمام، قال الطحاوي: وحرز كل شيء معتبر بحرز مثله حتى لو سرق لؤلؤة من إصطبل لا يقطع بخلاف الدابة وذكر الجلال الكرخي إنما كان حرز النوع فهو حرز للأنواع كلها، قال السرخسي: هذا هو المذهب عندنا.
وفي (المحيط) و (البدائع): الغشاش: وهو الذي يهيأ لغلق الباب ما يفتحه إذا فشل حانوتا أو باب دار نهارا وليس ثمة أحد لم يقطع، وإن كان فيها أحد من أهلها وهو لا يعلم به قطع، (ومن سرق من المسجد متاعا) ونحوه وهو كل مكان لم يوضع للإحراز ومنه الطريق والصحراء (وربه)، أي: مالكه نائما كان أو يقظان في الأصح (عنده) بحيث يراه أو كان نائما وهو تحت رأسه أو جنبه أو بين يديه وقيل: إذا كان
стр. 1166
قطع وإن سرق ضيف ممن أضافه أو سرق شيئا ولم يخرجه من الدار لا وإن أخرجه من حجرة إلى الدار أو أغار من أهل الحجرة على حجرة أو نقب فدخل وألقى شيئا في الطريق ثم أخذه أو حمله على حمال فساقه وأخرجه قطع. .....
ــ
بين يديه لا يقطع والأصح الإطلاق كما في (المجتبى) (قطع) لأنه ﵊ (قطع سارق رداء صفوان من تحت رأسه وهو نائم في المسجد).
وعلى هذا قالوا: لو سرق المواشي من المراعي ومعها حافظ قطع، وإطلاق محمد عدم القطع محمول على عدم الحافظ ولو كان الحافظ هو الراعي، اختلف المشايخ ففي (البقالي) لا يقطع وهو الذي في (المنتقى) عن أبي حنيفة وأطلق خواهر زاده ثبوت القطع إذا كان معها حافظ ويمكن التوفيق بأن الراعي لم يقصد لحفظها من السارق بخلاف غيره، كذا في (الفتح) وفي (المجتبى) وكثير من المشايخ أفتوا بما قاله البقالي ولو كانت تأوي في الليل إلى بيت بني لها عليه باب مغلق فكسره وسرق منها شاة قطع، ولا يعتبر الغلق إذا كان الباب مردودا لا أن يكون بيتا منفردا في الصحراء والمراح ونبه بقوله عنده إلى أنه لو كان لا يسأله لم يقطع، وقيل: يقطع حكاه في (المجتبى).
(ولو سرق ضيف مما أضافه أو سرق شيئا ولم يخرجه من الدار لا) أي: لا يقطع لاختلال الحرز في الأول بالإذن، وعدم تحقق الأخذ في الثاني من كل وجه وعم [٣١٥/ب] إطلاقه ما لو سرق من البيت الذي / أضافه فيه أو من بعض بيوت الدار ولو من صندوق مقفل، وقيد بالسرقة لأنه في الغصب يجب الضمان، وإن لم يخرجه في الأصح (وإن أخرجه) أي: المسروق (من حجرة إلى) صحن (الدار) أراد الدار الكبيرة التي بها حجر ومنازل وفي كل حجرة مقصورة وهو ما كان يستغنى به عن الانتفاع بصحن الدار وإنما ينتفعون به انتفاع السكة فيكون الإخراج إليه كالإخراج إلى السكة فيقطع، وبه تغاير المسألة ما قبلها (أو أغار) رجل (من أهل الحجرة على حجرة) أخرى يقال أغار الفرس في العدو إذا أسرع أي سرق منها شيئا بسرعة (أو نقب) السارق البيت (فدخل وألقى شيئا في الطريق) يساوي نصابا ولم يقيده به لما مر (ثم أخذه) قطع عندنا خلافا لزفر، لأن الإلقاء غير موجب للقطع، فكذا الأخذ من السكة قلت: الرمي خصلة يعتاده السارق لتعذر الخروج مع المتاع أو ليتفرغ للقتال والفرار ولم يعترض عليه يد معتبرة فاعتبر الكل واحدا، والخلاف مقيد بما إذا رماه بحيث يراه فإن رماه بحيث لا يراه فلا يقطع، وإن أخذه لأنه جعل مستهلكا له على هذه الصفة قبل خروجه بدليل وجوب الضمان عليه، كذا في (السراج) قيد بأخذه له لأنه لو لم يأخذه أو أخذه غيره كان مضيعا لا سارقا (أو حمله)، أي: ذلك الشيء (على حمار فساقه وأخرجه) أي: علق رسنه في عنق كلب وزجره (قطع) في الكل لأن سير الحمار
стр. 1167
وإن ناول آخر من خارج أو أدخل يده في بيت وأخذ أو طر صرة خارجة من كم أو سرق من قطار بعيرا أو حملا لا وإن شق الحمل فأخذ منه أو سرق جوالقا فيه متاع وربه يحفظه أو نائم عليه أو أدخل يده في صندوق أو في جيب غيره أو كمه فأخذ المال قطع.
ــ
مضاف إليه ولو خرج بغير زجره لا يقطع، كما إذا لم يسقه وخرج بنفسه قيد بما يضاف سيره إليه لأنه لو علقه في عنق طائر فألقاه في منزل السارق فإنه لا يقطع، واختلف فيما لو وضعه في ماء وأخرجه بقوة جريه والأصح أنه يقطع لأنه أخرجه بسببه، كذا في (النهاية) ويشكل عليه ما مر من مسألة الطائر ولذا - والله أعلم - جزم الحدادي بأنه لا قطع ولم يحك غيره ولا كلام أنه لو أخرجه بتحريكه لضعف الماء قطع، (وإن ناوله)، أي: ناول المسروق بعد ما دخل الدار رجلا (آخر خارج) الدار لم يقطع واحد منهما أما الداخل فلأنه لم يوجد منه الإخراج لاعتراض يد معتبرة في المال قبله، وقالوا: لو أخرج يده فناوله غيره لا قطع أيضا، ولم يذكر محمد ما لو صفه في النقب ثم خرج وأخذه، والصحيح أنه لا يقطع كما في (الفتح).
وأما الخارج فإن أدخل يده فيه قطع وإلا لا، وجعل الشارح هذا رواية عن الثاني (أو أدخل يده في بيت وأخذ) المتاع لقول علي (لا قطع على السارق الظريف) وفسره بهذا قيد بالبيت لأنه لو أدخل يده في الجوالق أو الصندوق قطع لعدم إمكان دخوله فيها (أو طر) شق (صرة) وهي الخرقة التي يشد فيها الدراهم يقال صررت الدراهم أصرها صرا شددتها والمراد هنا الكم المشدود التي فيها الدراهم، ولذا قال: (خارجة من كمه) وإنما لا يقطع لعدم هتك الحرز بخلاف ما لو كانت من داخل فإنه يقطع لهتكه، ولو كان مكان الطر حل الرباط انعكس الحكم وبهذا ظهر أن ما أطلقوه في الأصول من أن الطرار يقطع إنما يتأتى على قول أبي يوسف فإنه قال: يقطع على كل حال نبه عليه في (الفتح) (أو سرق من قطار) وهو الإبل إذا كانت على نسق واحد والجمع قطر (بعيرا أو حملا) عليه (لا) يقطع جواب لكل وإنما لا يقطع في البعير والحمل سواء كان معه سائق أو قائد أو راكب أولا لعدم الحرز، إذ هؤلاء إنما يقصدون قطع المسافة ونقل الأمتعة دون الحفظ حتى لو كان ثمة من يحفظ قطع، (وإن شق الحمل وأخذ منه أو سرق جوالقا) بضم الجيم (فيه متاع وربه)، أي: والحال أن ربه عنده (يحفظه أو نائم عليه أو أدخل يده في صندوق أو) أدخل يده (في جيب غيره أو كمه وأخذ المال قطع) لوجود السرقة من الحرز.
стр. 1168
تقطع يمين السارق من الزند وتحسم.
ــ
تتمة: نقب البيت ثم خرج ولم يأخذ شيئا إلا في الليلة الثانية إن كان ظاهرا أو علم به رب المنزل ولم يسده لم يقطع، وإلا قطع ولو سرق مالا من حرز فدخل آخر وحمل السارق بما معه قطع المحمول خاصة ولا عبرة للحامل ولو أخرج شاة من حرز قيمتها دون نصاب فتبعتها أخرى لم يقطع، ولو أخرج نصابا من حرز مرتين فصاعدا إن تخلل بينهما إطلاق المالك فأصلح النقب أو أغلق الباب فالإخراج الثاني سرقة أخرى، كذا في (السراج).
[٣١٦/أ] فصل في كيفية القطع / وإثباته
لما فرغ من بيان ما به يجب القطع شرع في بيان كيف يكون وهل يتكرر إلى أربع مرات؟ وهل يثبت مع الشبهة أو يسقط؟ (تقطع يمين السارق) لقراءة ابن مسعود (فاقطعو أيمانهما) وهي مشهورة فيجوز تقييد المطلق بها (من) مفصل (الزند) وهو الرسغ، قال الجوهري: الزند هو موصل طرف الذراع وهما زندان الكوع والكرسوع، فالكوع طرف الزند الذي يلي الإبهام والكرسوع طرف الزند الذي يلي الخنصر، وخصه لأنه المتوارث من فعله ﵊ (وتحسم) أي: تكوى بزيت مغلي ونحوه بالحاء المهملة، قال الجوهري: حسمته قطعته فانحسم ومنه حسم العرق وفي الحديث (أتي بسارق فقال احسموه واكووه بالنار لينقطع الدم) ذكره في (الحاوي) وتبعه في (القاموس) وفي (المغرب) من باب الجامع السين الحسم قطع الشيء استئصالا وذكره في الحديث ومعناه ما مر ثم أجر الحسم وثمن الزيت على السارق كما في (الذخيرة) لأنه سببه منه.
قال في (الفتح): وقول صاحب (الهداية) لأنه لو لم يحسم يؤدي إلى التلف يقتضي وجوبه وجوب الحسم، والمنقول عن الشافعي وأحمد أنه يستحب فإن لم يفعل لم يأثم، ويسن تعليق يده في عنقه لأنه ﵊ أمر به رواه أبو داود وابن ماجة وعندنا ذلك ملق للإمام إن رآه، ولم يثبت عنه ﷺ في كل من قطعه ليكون سنة وقد قالوا: إنه لا يقطع في الحر الشديد ولا في البرد الشديد بل يجلس حتى يتوسط الأمر في ذلك، كذا في (السراج) وفيه فرع: إذا كان للسارق كفان في معصم واحد قيل: يقطعان جميعا، وقيل: إن تميزت الأصلية وأمكن
стр. 1169
ورجله اليسرى إن عاد فإن سرق ثالثا حبس حتى يتوب ولم يقطع كمن سرق وإبهامه اليسرى مقطوعة أو شلاء أو إصبعان منها سواها أو رجله اليمنى مقطوعة ولا يضمن بقطع اليسرى من أمر بخلافه.
ــ
الاقتصار على قطعها لم تقطع الزائدة وإلا قطعت وهو المختار فإن كان يبطش بأحدهما قطعت الباطشة، فإن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى ولا تقطع هذه الزائدة (و) يقطع (رجله اليسرى) من الكعب عند أكثر أهل العلم (إن عاد) إلى السرقة لقوله ﵊: (فإن عاد فاقطعوه) وعليه الإجماع (فإن سرق ثالثا حبس حتى يتوب) وتظهر عليه علامة الصلاح، لأن عليا حج الصحابة بقوله: (إني لأستحي من الله أن لا أدع له يدا يأكل بها ويستنجي بها ورجلا يمشي عليها) فكان إجماعا.
(و) ما جاء (من قطع) يده اليسرى في الثالثة ورجله اليمنى في الرابعة طعن فيه الطحاوي وبتقدير ثبوته فهو محمول على السياسة بدليل أنه قال في الخامسة: فإن عاد فاقتلوه ومن ثم قال في (الفتاوى السراجية): إن للإمام قتله سياسة، وأما قتله ابتداء فليس من السياسة في شيء، قال في (السراج): ويعزر أيضا أي بالضرب كما في (المجتبى) (كمن سرق) أي: كما لا يقطع بل يحبس حتى يتوب من سرق (وإبهامه اليسرى مقطوعة أو شلاء أو إصبعان منهاسواها) أي: سوى الإبهام لأن القطع حينئذ تفويت جنس المنفعة بطشا وذلك إهلاك وفوت الإصبعين منها يقوم مقام الإبهام في نقصان البطش بخلاف فوات واحد غير الإبهام، قيد باليسرى لأن اليمنى لو كانت شلاء أو ناقصة الأصابع قطع في ظاهر الرواية لأن استيفاء الناقص عند تعذر الكامل جائز (أو رجله اليمنى) أي: والحال أن رجله اليمنى (مقطوعة) لا تقطع اليسرى لأن في القطع تفويت جنس المنفعة مشيا قد بقطع اليمنى لأن المقطوع لو كان هو الأصابع منها فإن استطاع المشي قطعت، كما في (السراج) وفيه لو سرق سرقة فلم يؤاخذ بها حتى قطعت يمينه قصاصا قطعت رجله اليسرى (ولا يضمن بقطع اليسرى من أمر بخلافه) بأن أمره الحاكم بقطع اليمنى فقطع اليسرى عمدا كان أو خطأ غير أنه يؤدب، وهذا عند الإمام وقالا: إنه يضمن في العمد أرش اليسار وقال زفر: يضمن مطلقا.
وأجمعوا أنه لو قال: اقطع هذا فقطع يساره لم يضمن وأن السارق لو أخرج يساره وقال: هذا يميني فقطعها لا يضمن، والمراد بالخطأ هو الخطأ في الاجتهاد من
стр. 1170
وطلب المسروق منه شرط القطع ولو مودعا أو غاصبا أو صاحب الربا ويقطع بطلب المالك لو سرق منهم.
ــ
القاطع في أن قطعها يجزئ عن قطع السرقة نظرا إلى إطلاق النص، أما الخطأ في معرفة اليمين من اليسار فلا يجعل عفوا لأنه بعيد يتهم به مدعيه وقيل: يجعل عفوا.
قال في (المصفى): وهو الصحيح والقياس ما قاله زفر وفرقا بأنه في العمد قطع يدا معصومة بغير حق ولا تأويل غير أنه لا يقطع للشبهة، ولأبي حنيفة أنه وإن تلف [٣١٦/ب] ظلما لكنه أخلف من / جنسه ما هو خير له وهو اليمين إذ قوة البطش بها أتم، وإنما قلنا: أخلف لأن اليمين كانت على شرف الزوال فكانت كالفائتة بخلاف ما لو قطع رجله اليمين فإنه وإن امتنع به قطع يده لكنه لم يعوضه من جنس ما أتلف عليه من المنفعة، وفي قطع رجله اليسرى لم يعوضه شيئا أصلا قيد بالأمر لأنه لو قطعه قبل الأمر والقضاء كان عليه القصاص في العمد، والدية في الخطأ والقضاء بالقطع كالأمر به في الأصح، ولو قطعه غير الحداد فلا ضمان عليه أيضا وهو الأصح.
واختلف المشايخ هل هذا القطع يقع حدا؟ قيل: نعم فلا ضمان على السارق لو استهلك العين وقيل: لا فيضمن في العمد والخطأ (وطلب المسروق منه) المال المسروق من السارق (شرط القطع)، لان الخصومة شرط لطهورها فلا فرق في ظاهر الرواية عن أصحابنا في ذلك بين ثبوتها بالبينة أو بالإقرار، وعن الثاني أنه قال: أقطعه بالإقرار، كذا في (غاية البيان) وما في (الشرح) عن (البدائع) أنه يقطع استحسانا يوافق ما عن الثاني، ولفظ الاستحسان لم يوجد في (البدائع) وإنما الذي فيها.
قال أبو حنيفة: الدعوى شرط في الإقرار وقال أبو يوسف: ليست بشرط له، لكن أشار الشمني أنه لا بد من الطلبين وأن أحدهما لا يكفي، والظاهر ما جرى عليه الشارح وغيره من الاكتفاء بدعوى المال إذ القطع محض حق الله تعالى، قال في (الكشف الكبير): ولهذا لا يملك الدعوى به وإثباته ولا العفو عنه بعد وجوبه ولا يورث عنه (ولو) كان المسروق منه (مودعا) شروع في بيان من يلي المطالبة التي قدم أنها شرط وأنها لكل من كان له يد صحيحة، سواء كان المالك حاضرا أو غائبا كما في (السراج) كما إذا كان مودعا بفتح الدال أو مستعيرا أو مضاربا أو مبضعا أو متوليا أو أبا أو وصيا (أو غاصبا) أو مرتهنا أو قابضا على سوم الشراء أو بشرا فاسدا (أو صاحب الربا) بأن باع عشرة بعشرين وقبضها فسرقت منه، كذا فسره الشهيد وغيره لأنه ملكه بعقد فاسد فكان في يده بمنزلة المغصوب.
وفي (الخانية) لو وجد اللفظة في يد غيره ليس له أن يخاصمه في رجها بخلاف الوديعة، لأن الثاني في اللفظة كالأول وليس هو كذلك في الوديعة انتهى. وعلى هذا فلا يقطع بسرقتها (ويقطع بطلب المالك) المسروق (لو سرق منهم) أي:
وعلى هذا فلا يقطع بسرقتها (ويقطع بطلب المالك) المسروق (لو سرق منهم) أي:
стр. 1171
لا بطلب المالك أو السارق لو سرق من سارق بعد القطع ومن سرق شيئا ورده قبل الخصومة إلى مالكه. .......
ــ
الثلاثة إذ الحضور إنما هو شرط ليظهر أن المسروق ليس ملكا للسارق وهو حاصل بخصومة المالك، وعن محمد أنه لا بد من حضور المسروق منه، والظاهر للأول وعلى هذا الخلاف لو حضر الراهن فقط قطع في ظاهر الرواية، وروى ابن سماعة عن محمد أنه لا بد من حضور المرتهن أيضا إذ هو متهم، واعلم أن ظاهر كلامه يفيد أنه يقطع بخصومة معطي الربا دون صاحب الربا لأن المال في يده بمنزلة المغصوب كما مر.
قال في (الفتح): للمغصوب منه الخصومة إلا أن المسطور في (السراج) أنه لا يقطع بخصومة معطي الربا لأنه ملك له فيه ولا يد، تبعه الشمني ولم أر من نبه عليه فتدبره، ثم القطع بخصومة الراهن وحده مقيد بما إذا كانت قائمة وقد قضى الدين، أما إذا لم يقضه أو استهلك السارق العين فلا يقطع بخصومته لأنه قبل الإيفاء إلى حق له في المطالبة بالعين وبالاستهلاك صار المرتهن مستوفيا لدينه، قال الشارح: وينبغي أن يقطع بخصومته فيما إذا زادت قيمة الرهن على دينه بما يبلغ نصابا لأن له المطالبة بما زاد كالوديعة، وارتضاه في (فتح القدير)، وهو المذكور في (غاية البيان) (لا) يقطع (بطلب المالك، والسارق لو سرق من سارق بعد القطع) لأنها إنما توجب القطع إذا كانت من يد مالك أو أمين أو ضمين ولا وجود لشيء من ذلك هنا، وهذا لأن المال غير متقوم بعد القطع في حق الأول بدليل أنه لا يجب عليه الضمان بهلاكه قيد بما بعد القطع لأنه قبله يقطع بخصومة الأول كالغاصب، وذكر الطحاوي أنه لا يقطع المشهور الأول، كذا في (السراج) وهو الحق كما مر ثم بعد القطع ليس للأول ولاية الاسترداد في رواية وفي أخرى له ذلك.
قال في (الفتح): والوجه أن القاضي لا يرده لواحد منهما لظهور خيانتهما / بل [٣١٧/أ] إلى المالك إن كان حاضرا وإلا حفظه كما يحفظ أموال الغائب، (ومن سرق شيئا فرده قبل الخصومة)، أي: الدعوى والشهادة المترتبة عليها أو الإقرار (إلى مالكه)، لم يقطع في ظاهر الرواية عن أصحابنا الثلاثة لأن الخصومة شرط القطع ولا يتحقق بعد الرد قيد بالرد قبل الخصومة لأنه لو ردها بعدها سواء قضى القاضي بالقطع أو لا فإنه يقطع، ولا فرق في الرد قبلها بين أن يكون ليد المالك أو ليد أصوله، وإن لم يكونوا في عياله أو فروعه أو لذي رحم محرم منه كأخيه وخاله إن كانوا في عياله أو زوجته أو عبده أو مكاتبه أو أجيره مشاهرة وهو المسمى بغلامه أو مسانهة، وكذا لو سرق من المكاتب ورد إلى سيده أو من العيال ورد إلى من يعولهم، أما الغاصب فلا يبرأ بالرد
стр. 1172
أو ملكه بعد القضاء أو ادعى أنه ملكه أو نقصت قيمته من النصاب لم يقطع ولو أقرا بسرقة ثم قال أحدهما هو مالي لم يقطعا ولو سرقا وغاب أحدهما وشهد على سرقتهما قطع الآخر ولو أقر عبد بسرقة قطع وترد السرقة إلى المسروق منه.
ــ
إلى من ذكر (أو ملكه) أي: المسروق (بعد القضاء) بأي سبب كان غير أنه في الهبة يشترط التسليم لأن الإمضاء في الحدود من القضاء وقد طرأ ما يوجب فقد شرطه وهو انقطاع الخصومة، (أو ادعى) السارق (أن المسروق ملكه) وإن لم يثبت لأن الشبهة دارئة للحد فتتحقق لمجرد الدعوى بدليل صحة الرجوع بعد الإقرار (أو نقصت قيمته)، أي: المسروق (من النصاب لم يقطع) في الكل، ووجه الرابعة أن كمال النصاب شرط فيشترط وجوده عند الإمضاء لما مر، ولا فرق بين كون النقص في بلد أو بلدين حتى لو سرق في بلد ما قيمته نصاب وأخذ في أخرى فإذ القيمة أنقص لم يقطع قيد بنقصان القيمة لأنه يقطع مع نقصان العين لأنها مضمونة عليه فكمل النصاب بالدين.
أما نقصان السعر فغير مضمون (ولو أقرا بسرقة فقال أحدهما) ولو بعد القضاء قبل الإمضاء، (هو مالي) مثال والمراد ادعى شبهة مسقطة للقطع (لم يقطعا) لأن الرجوع عامل في حق الراجع ومورث للشبهة في الآخر ولو أقر أنه سرق وفلان فأنكر فلان قطع المقر (ولو سرقا وغاب أحدهما وشهدا) أي شهد اثنان (على سرقتهما قطع الآخر) وهو الحاضر، هذا ما رجع إليه الإمام لأن سرقة الحاضر تثبت بالحجة فلا يعتبر الموهوم وهو دعوى الغائب شبهة واحتمال الدعوى شبهة الشبهة فلا تعتبر (ولو أقر عبد) مكلف ولم يقيد به استغناء بقوله (بسرقة قطع) لأن إقراره بالحدود الخالصة صحيح نظرا إلى آدميته ولا تهمة تعتريه ثم يتعدى إلى المالية (وترد السرقة إلى المسروق منه) سواء كان العبد مأذونا له أو محجورا عليه.
وقال أبو يوسف: إن كان محجورا عليه والمال قائم قطع، وكان المال للمولى إلا أن يصدقه المولى أنه للمسروق منه وقال محمد: لا يقطع والمال للمولى إلا أن يصدقه، والخلاف مبني على أن القطع أصل والمال تبع أو كل منهما أصل أو المال فقطع قال الإمام بالأول والثاني بالثاني ومحمد بالثالث والكل روايات عن الإمام، وأشار بالرد إلى بقائها فلو استهلكها لم يضمن ويقطع اتفاقا، ولو كان صغيرا لم يقطع ويرد المال إن كان قائما وكان مأذونا وإن هالكا يضمن وإن محجورا يرد المال إن قائما ولا ضمان عليه لو هلك ولو كان صرفه المولى فكذلك، ولا ضمان عليه لو كان هالكا ولو بعد العتق، كما في (الفتح).
وأشار بالإقرار إلى أنها لو ثبتت عليه بالبينة كان الحكم كذلك بالأولى غير أنه يشترط حضرة المولى عند إقامة البينة عندهما خلافا للثاني، وأجمعوا أنها غير شرط
стр. 1173
ولا يجتمع قطع وضمان وترد العين لو قائما ولو قطع لبعض السرقات لا يضمن شيئا ولو شق ما سرق في الدار ثم أخرجه قطع.
ــ
في الإقرار (ولا يجتمع قطع وضمان) لقوله ﵊: (لا غرم على السارق بعدما قطعت يمينه) (وترد العين) المسروقة و (لو قائمة) لبقائها على ملك المسروق منه ولذا لا يحل له الانتفاع بها، ولو خاطها قميصا لم يحل لبسه وتصرف السارق فيها ببيع وهبة غير صحيح بلا خلاف قيد بقيامها لأنها لو هلكت لم يضمنها، وكذا لو استهلكها في ظاهر الرواية إلا أنه يفتي بأداء قيمتها وإن لم يقبض بها عليه، وسواء كان الاستهلاك قبل القطع أو بعده.
وفي (الكافي) لو طلب المالك قبل القطع تضمينه لم يقطع عندنا وإن اختار القطع قطع ولا يضمن في (المجتبى) لو استهلكها غيره بعد القطع لم يضمن لأحد، وكذا لو هلكت في يد المشتري أو الموهوب له ولو استهلكها المشتري فللمالك تضمينه انتهى. فيحتاج إلى الفرق بين الأجنبي والمشتري، وفي (السراج) لو استهلكها غيره بعد القطع كان للمسروق منه أن يضمن المستهلك قيمته انتهى. وهذا بالقواعد / أليق وعليه فلا يحتاج إلى الفرق. [٣١٧/ب].
(ولو قطع لبعض السرقات) سواء كانت لجماعة أو لواحد، تعددت سرقته منه فخاصمه في البعض (لا يضمن شيئا) عند الإمام، وقالا: يضمن ما لم يقطع فيه إذ لا بد من الخصومة لتظهر السرقة ولم توجد في غير ما قطع فيه، وله أن مبنى الحدود على التداخل فالواجب بالكل قطع واحد، والخصومة شرط لظهورها عند الحاكم فإذا كان الحكم الثابت في نفس الأمر هو التداخل ومعناه وقوع الحد الواحد عن الأسباب السابقة وقد وجد لزم وقوعه عنها، وهو ملزوم لسقوط ضمان كلها في نفس الأمر علم القاضي أو لم يعلم، وأجمعوا على أن الكل لو حضروا وقطع بخصومتهم لم يضمن شيئا.
(ولو شق) السارق (ما سرقه في الدار ثم أخرجه) وهو يساوي نصابا بعد الشق (قطع) عندهما، وقال أبو يوسف: لا يقطع، وقيل: هذه رواية عنه، قيد بالدار لأنه لو شقه بعد الإخراج قطع اتقاقا، وإن كان بعده لا يساوي نصابا لم يقطع اتفاقا ومحل الخلاف ما إذا شقه فاحشا وهو ما يفوت به بعض العين وبعض المنفعة على الأصح، واختار المالك تضمين النقصان وأخذ الثوب قطع عندهما خلافا له، أما إذا اختار تضمين القيمة وترك الثوب فلا قطع اتفاقا.
أما اليسير وهو ما يتعيب به فقط فيقطع فيه اتفاقا، له أن السرقة ما تمت إلا وقد انعقد للسارق فيها سبب الملك إذ بالخرق الفاحش ثبت الملك له، ولهما أن
стр. 1174
ولو سرق شاة فذبحها وأخرجها لا ولو صنع المسروق دراهم أو دنانير قطع وردها ولو صبغه أحمر فقطع لا يرد ولا يضمن ولو أسرد يرد.
باب قطع الطريق
ــ
الشق ليس بسبب للملك شرعا وإنما هو سبب للضمان، وثبوت الملك ضرورة أداء الضمان، واختلف المشايخ في ضمان النقصان مع القطع ففي (الخبازية) الصحيح أنه لا يضمنه كيلا يجتمع القطع والضمان.
قال في (الفتح): والحق ما في عامة الكتب الأمهات أنه يضمنه، (ولو سرق شاة فذبحها فأخرجها لا) أي: لا يقطع ولو ساوت نصاباً بعد الذبح لأن السرقة تمت على اللحم ولا قطع فيه ومعلوم أنه يضمن قيمتها (ولو صنع المسروق) من الفضة والذهب وقد بلغت نصاباً (دراهم أو دنانير قطع وردها) على مالكها عند الإمام خلافا لهما، والخلاف مبني على أنه لا ينقطع حق المغضوب منه بذلك عنده خلافاً لهما، وقيل: لا يقطع عندهما قيد بالنقدين لأن نحو النحاس لو جعله أواني فإن كانت تباع عددا فهي للسارق اتفاقا وإن وزنا فعلى الاختلاف.
(ولو) سرق ثوباً ثم (صبغه) صبغا (أحمر فقطع لا يرده) أي: لا يجب عليه رده عندهما، وقال محمد: يرد الثوب ويؤخذ ما زاد الصبغ منه لأن عين ماله قائم من كل وجه، ولهما أن الصبغ قائم صورة ومعنى بدليل أن المسروق منه لو أخذ الثوب يضمن الصبغ، وحق المالك قائم صورة لا معنى بدليل أنه غير مضمون على السارق وهو المراد بقوله (ولا يضمن) أي: حال استهلاكه وأفاد بالفاء أنه صبغه قبل القطع، فاقتضى أنه لو صبغه بعده رده وبه صرح في (الاختيار).
قال الشارح: ولفظ صاحب (الهداية): وإن سرق ثوباً فقطع فصبغه أحمر لم يؤخذ منه الثوب ولا يضمن، ولفظ محمد: سرق الثوب فقطع يده وقد صبغ الثوب أحمر حينئذ دليل على أنه لا فرق بين أن يصبغه قبل القطع أو بعده، (ولو) صبغه (أسود يرد) الثوب عندهما وعند أبي يوسف لا يرده، والخلاف مبني على أنه زيادة عندهما ونقصان عند الإمام وبالزيادة ينقطع حق المالك عند أبي يوسف خلافاً لمحمد وبالنقصان لا ينقطع والله الموفق.
باب قطع الطريق
وهو السرقة الكبرى وقدم الصغرى إما لكثرة وقوعها، أو الترقي من الأدنى إلى الأعلى كذا في (الغاية) (والدراية) وفي (الفتح) أخره لأنه ليس بسرقة مطلقة وأطلق
стр. 1175
أخذ قاصد قطع الطريق قبله حبس حتى يتوب
ــ
عليه سرقة مجازاً لضرب من الخفاء وهو الإخفاء/ عن الإمام ونوابه. قال في (الدراية): لقطع الطريق شرائط أن يكون من قوم لهم قوة وشوكة، وأن يكون خارج المصر فلا يكون في المصر أو في ما يقرب منه أو بين قريتين خلافاً لأبي يوسف، وأن يكون في دار الإسلام، وأن يكون المأخوذ قدر النصاب، وأن يكون القطاع كلهم أجانب في حق صاحب الأموال ومن أهل وجوب القطع، ولو كان فيهم امرأة ففيه روايتان في رواية تقطع وبه قالت الأئمة الثلاثة، والأصح أنها لا تقطع وأن يؤخذوا قبل التوبة فإن أخذوا بعدها ورد المال سقط عنهم الحد بلا خلاف انتهى. وذكر في آخر الباب من (المحيط) عشرة نسوة قطعن الطريق وأخذن وقتلن قتلن وضمن المال وبه قالت الثلاث، ولو كان فيهم امرأة قتلت وأخذت المال ولم تقتل الرجال تقتل الرجال دون المرأة عند أبي يوسف وعند أبي حنيفة ومحمد يسقط الحد عن الرجال أيضاً انتهى.
قال في (الفتح): فظاهر الرواية أنها كالرجال وما في (المحيط) مبني على ظاهر الرواية وجعل الشارح الشرائط المختصة به عن (الصغرى) في ظاهر الرواية تبعاً للإسبيجابي ثلاثة واقتصر عليها في (غاية البيان) الشرطان الأوليان، والثالث أن يكون بينهم وبين المصر مسيرة سفر وسيأتي أن الراجح خلاف الثالث (أخذ قاصد قطع الطريق) وهو الواقف على الطريق لأخذ المال (قبله) أي: قبل أخذ المال وقتل النفس بأن لم يوجد منه سوى مجرد إخافة الطريق ولما كان مجرد القصد لا يطلع عليه أدير الحكم على أمارته وهي الإخافة فالضمير راجع إلى غير المذكور كما سيأتي في الشرح وقول العيني: هذا تعسف بل الضمير راجع إلى قطع الطريق مدفوع بأن الإخافة حال من أحوال قطاع الطريق كما هو ظاهر الآية والمتن، وعلى ما ادعاه العيني لا تكون الإخافة منه أصلاً ولم يتنبه في (البحر) إلى هذا فمشى مع العيني وعين الشارح أبصر.
(حبس) وعزر (حتى يتوب) أي: تظهر توبته بوجود أمارتها أو يموت والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ [المائدة: ٣٣] الآية أي يحاربون أولياؤه كذا قدره الجمهور وقال الزمخشري: أي يحاربون رسوله ومحاربة المسلمين في حكم محاربته وذكر اسمه تعالى تعظيماً وتفخيماً وقيل: هو المخالفة لأحكامهما وعلى هذه الأوجه لا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز.
قال الشمني: وقال في (الفتح): سمي قاطع الطريق محارباً لله لأن المسافر معتمد عليه فمن أزال أمنه حارب من اعتمد عليه في تحصيل أمنه، وهو على حذف مضاف أي: يحاربون عباد الله وهي أحسن من تقدير أولياء الله لأن هذا الحكم
стр. 1176
وإن أخذ مالاً معصوماً قطع يده ورجله من خلاف وإن قتل قتل حداً وإن عفا الولي وإن قتل وأخذ قطع وقتل وصلب أو قتل أو صلب .....
ــ
يثبت بالقطع على الكافر الذمي، وأما محاربته لرسوله فإما باعتبار عصيان أمره أو باعتبار أنه الحافظ لطريق المسلمين والخلفاء والملوك بعده نوابه، فإذا قطع الطريق الذي تولى حفظهما بنفسه ونائبه فقد حاربه انتهى.
وأنت خبير بأن محاربة رسوله إذا كان باعتبار عصيان أمره أو باعتبار أنه الحافظ فمحاربته تعالى كذلك فما الداعي إلى حذف المضاف حينئذ؟ وظاهر أن المراد توزيع أنواع الجزية على أنواع الجنايات إذ العمل بالإطلاق يقتضي أنه يجوز أن يترتب على أغلظها أخف الجزية وهذا مما تدفعه قواعد الشرع والعقل فوجب القول بتوزيع الأغلظ للأغلظ والأخف بالأخف، بدأ المصنف فيما إذا أخاف الطريق فقط وأشار إلى أن المراد بالنفي في الآية الحبس إذ ظاهره وهو النفي من وجه الأرض لا يعمل به، والحمل على بعضها لا يحصل به المقصود فقلنا بمجازه وهو الحبس، (وإن أخذ مالاً معصوماً) بأن كان لمسلم أو ذمي فخرج ما لو كان لحربي مستأمن ولا بد من أن يصيب كل واحد نصاباً ولم يذكره اكتفاء بما مر في السرقة (قطع يده ورجله من خلاف)، نصب على الحال أي: مختلفة وتعيين اليمنى واليسرى بالإجماع لئلا يفوت نفعه حتى لو كانت يسراه شلاء لم يقطع يمينه وكذا لو كانت رجله اليمنى شلاء لم تقطع رجله اليسرى ولو كان مقطوع اليمنى لم تقطع له يد وكذا الرجل اليسرى.
(وإن قتل) / نفساً معصومة ولم يقيده به لأنه إذا علم التقييد به في المال ففي النفس أولى ولم يأخذ مالاً (قتل حداً) حقاً لله تعالى وفي (السراج) أي: سياسة لا قصاصاً (وإن عفا الولي) تصريح بما علم من قوله حداً وأشار به إلى أنه لا يشترط أن يكون موجباً للقصاص من مباشرة القتل والآلة لأنه وجب جزاء الجناية لمحاربته لله تعالى وهي موجودة بالقتل ولو أعانه بذلك قضى ﵊ في أصحاب أبي بردة.
(وإن قتل وأخذ) المال (قطع) من خلاف على ما مر (وقتل وصلب)، بين أن الإمام مخير فيه بين ثلاثة أحوال؛ الأولى: أن يجمع بين القتل والقطع والصلب، والثانية: ما أفاده بقوله: (أو قتل) أي: قتله الإمام فقط، والثالثة: هي قوله (أو صلب)، وقال محمد: لأنه جناية واحدة فلا توجب حدين وأبو يوسف معه في المشهور، وله
стр. 1177
ويصلب حياً ثلاثة أيام ويبعج بطنه برمح حتى يموت ولم يضمن ما أخذ وغير المباشر كالمباشر والعصا والحجر كالسيف وإن أخذ مالاً وجرح وقطع وبطل الجرح وإن جرح فقط أو قتل فتاب أو كان بعض القطاع غير مكلف
ــ
أن هذه عقوبة واحدة فغلظت لاتحاد سببها وهو قطع الطريق، ثم التخيير بين الصلب وتركه ظاهر الرواية وعن الثاني أنه لا يتركه (ويصلب حياً) في ظاهر الرواية وهو الأصح، وعن الطحاوي أنه يقتل أولاً (ثلاثة أيام ويبعج) أي: يطعن (بطنه برمح حتى يموت) فإذا تم له ثلاثة أيام من وقت موته دفن، وعن الثاني أنه يتركه حتى يتقطع والأول هو الظاهر تحامياً عن الإيذاء للناس بتغيره بعد الثلاثة، (ولم يضمن ما أخذ) لما بين أن قتله بمقابلة قتله النفس المعصومة وجرحها ربما توهم أخذ المال من تركته إذا لم يقابل بشيء فبين أنه لا يضمنه وبهذا اندفع ما في (البحر) أخذاً مما في (الشرح) من أن الأولى أن يقال: ولم يضمن ما فعل لأنه لا يضمن ما قتل وما جرح، (وغير المباشرة) في الأخذ والقتل (كالمباشرة) فتجري الأحكام على الكل بمباشرة البعض وإعانة الباقين على ما مر.
(والعصا والحجر كالسيف) لأن قطع الطريق يقع بالكل وهذه الجملة كالتي قبلها معلومة من قوله: قتل حداً كما قدمناه وكان الأليق حذفها إلا أنه أراد زيادة الإيضاح (وإن أخذ مالاً وجرح قطع) من خلاف (وبطل) حكم (الجرح) لأنه باستيفاء حق الله تعالى سقطت عصمة النفس حقاً للعبد كالمال، (وإن جرح فقط) يعني لا حد عليه فلا يسقط حق العبد بل يقتص فيما فيه قصاص أو يأخذ الأرش أو يعفو وأراد بقوله: فقط أنه لم يؤخذ ما لا يقطع فيه ولم يقتل نفساً فلا يرد ما لو جرح وأخذ ما دون النصاب أو ما يتسارع إليه الفساد بدليل قوله بعد: لم يحد.
قال الشارح: ولو كان هذا مع الأخذ قتل لم يجب الحد أيضاً لأن المقصود هنا إنما هو المال، (أو قتل) نفساً معصومة (فتاب) قبل أن يؤخذ يعني لا حد عليه للاستثناء في الآية وقد مر بل أمره إلى الأولياء إن شاؤوا قتلوه إن كان القتل بمحدد أو أخذوا الدية أو عفوا قال في (البحر) قيد بالقتل ليعلم أخذ المال بالأولى، بقى هل من تمام توبته رد المال؟ قيل: نعم وبه جزم في (الهداية).
قال في (المحيط): ولو تاب ولم يرد المال لم يذكره في (الكتاب) وقد قيل: لا يسقط وقيل: يسقط وإليه أشار في (الأصل)، وفي (السراج) قالوا: لو قطع الطريق وأخذ المال ثم ترك ذلك وأقام في أهله زماناً ثم قدر عليه درئ عنه الحد لأنه لا يستوفى في تقادم العهد انتهى، وبه عرف أن مجرد الترك ليس توبة بل لا بد أن تظهر عليه سماتها التي لا تخفى، (أو كان بعض القطاع غير مكلف) بأن كان صبياً أو مجنوناً
стр. 1178
أو ذا رحم محرم من المقطوع عليه أو قطع بعض القافلة على البعض أو قطع الطريق ليلاً أو نهاراً بمصر أو بين مصرين لم يحد فأقاد الولي أو عفا ومن خنق في المصر غير مرة قتل به.
ــ
يعني لا يحدون كلهم لأن الجناية واحدة فإذا لم يقطع فعل بعضهم موجباً كان فعل الباقين كبعض العلة، وكذا لو كان فيهم أخرس ودل كلامه أن المرأة تجري عليها أحكام قطاع الطريق وقد مر، (أو) كان بعض القطاع (ذا رحم محرم من المقطوع عليه) هذا إذا كان المال مشتركاً بين المقطوع عليهم أو لم يكن مشتركاً لكن لم يأخذه إلا من ذي الرحم، أما إذا أخذوا منه ومن غيره فقيل: إنهم يحدون نظراً للمال المأخوذ من ذلك الغير والأصح لا يحدون، (أو قطع بعض القافلة على/ بعض) لأن مال جميع القافلة في حق قطع الطريق كشيء واحد إذ هو محرز بحرز واحد وهو القافلة والجناية واحدة وهو قطع الطريق فالامتناع في البعض يوجب الامتناع في الباقين فصار كسارق متاع غيره وهو معه في دار واحدة.
(أو قطع) شخص (الطريق ليلاً أو نهاراً بمصر أو بين مصرين) يعني (لا يحد) لأن قطع الطريق لا يتحقق في هذه الأماكن للحوق الغوث بهم عادة، وعن أبي يوسف إن قصده بالسلاح نهاراً في المصر فهو قاطع وإن قصده بشيء من الخشب ونحوه فليس بقاطع، وفي الليل يكون قاطعاً مطلقاً واستحسن المشايخ هذه الرواية وأفتوا بها، وعنه إذا كان خارج المصر ولو بقرب منه يحد لأن الله تعالى أناط الحد بمحاربة عباد الله على ما مر وذلك يتحقق في المصر وخارجه ولم ينط بمسمى قطع الطريق وإنما هو اسم من الناس لم يحد جواب الكل (فأقاد الولي) أي: اقتص يعني ولي المقتول إن كان القتل عمداً بمحدد (أو عفا) إن شاء وإذا ثبت هذا في القصاص ففي المال أولى، (ومن خنق في المصر غير مرة) بالتشديد سماعاً لأن التفعيل للتكثير، كذا في (غاية البيان) وعلى هذا فقوله غير مرة تأكيد لكن في (الدراية) أنه بالتخفيف من خنقه إذا عصر حلقه خنقاً بكسر النون من حد دخل والخناق فاعله انتهى، وهو المشهور على الألسنة إذ التأكيد خلاف الأصل. وفي (المغرب) الخنق بكسر النون، قال الفارابي: ولا يقال بالتسكين مصدر خنقه إذا عصر حلقه والخناق فاعله والخناق بكسر الخاء وتخفيف النون ما يخنق به من حبل أو وتر أو نحوه، (قتل به) أي: بسبب الخنق يعني سياسة لأنه ساع في الأرض بالفساد وكل من كان كذلك فإن شره يدفع بالقتل.
قال الشارح: ومن السياسة ما يحكى عن أبي بكر الأعمش أن من ادعى عليه بسرقة فأنكر فللإمام إذا غلب ظنه أن المال عنده أن يعاقبه ويجوز له ذلك كما لو رآه الإمام جالساً مع الفساق في مجلس الشرب أو ماشياً مع السراق وبغلبة الظن أجازوا
стр. 1179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قتل النفس، كما لو دخل عليه رجل شاهر سيفه وغلب على ظنه أنه يقتله، وفي إكراه (البزازية) عن الحسن بن زياد أو يحل ضرب السارق حتى يقر؟ قال: لو لم يقطع اللحم لا يظهر العظم.
وفي (المحيط) من المشايخ من قال: يصح الإقرار بالسرقة مكرهاً، وفي (التجنيس) ضرب من ادعى عليه بسرقة خلاف الشرع فلا يفتى به لأن فتوى المفتي يجب أن تطابق الشرع وما في (الشرح) ينبغي أن يعول عليه في زماننا لغلبة الفساق كيف يؤتى للسارق ليلاً بالبينة؟ بل ولا في النهار ويحمل ما في (التجنيس) على زمانهم.
خاتمة: ويثبت قطع الطريق بالإقرار مرة واحدة وشرط أبو يوسف التكرار ويقبل رجوعه عنه، وبشهادة رجلين على معاينة القطع والإقرار فلو شهد أحدهما بالمعاينة والآخر على الإقرار به لم تقبل ولا تقبل الشهادة بالقطع على أصل الشاهد وإن علا وفرعه وإن سفل، وقدمنا أن من الشرائط أن يكون القطع في دار الإسلام حتى لو قطعوا في دار الحرب على مستأمنين أو في دار الإسلام في موضع غلب فيه أهل البغي ثم أتي بهم إلى الإمام لا يمضي عليهم الحد، ويجوز للإنسان أن يقاتل دون ماله وإن لم يبلغ نصاباً ويقتل من يقاتله عليه لخبر (من قتل دون ماله فهو شهيد) والله الموفق للصواب بمنه وكرمه.
стр. 1180
كتاب الجهاد
الجهاد فرض كفاية
ــ
كتاب السير
تناسب الحدود والسير من حيث اتحاد المقصود من كل منهما من حيث إخلاء العالم عن الفساد وكون كل منهما حسن لمعنى في غيره، وقدمت الحدود ترقياً من الأدنى وهو الإخلاء عن الفسق إلى الأعلى وهو الإخلاء عن الكفر، ولأنها معاملة بين أهل الإسلام غالباً أو على الخصوص والجهاد معاملة مع المشركين، والسير جمع سيرة فعلة من السير فتكون لبيان هيئة السير وحالته، وقد استعملت كذلك في السير المعنوي في قولهم في حق عمر بن عبد العزيز: سار فينا سيرة العمرين، ثم غلبت في لسان أهل الشرع على الطريق المأمور بها في غزو الكفار وسبب ذلك كونها تستلزم السير وقطع المسافة وعبر بعضهم بالجهاد وهو أيضاً أعم غلب في عرفهم على جهاد الكفار/ (الجهاد) وهو كما في (التحفة) الدعاء إلى دين الحق والقتال مع من لا يقبله وعرفه في (إيضاح الإصلاح) بأنه بذل الوسع في القتال في سبيل الله مباشرة أو معاونة بالمال أو بالرأي أو تكثير السواد (فرض كفاية) أما كونه فرضاً فلقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] واعترض بأنه خص منه الصبيان والمجانين والعبيد والنساء والأعمى والمقعد وخص من المشركين المستأمنين والذمي، وقيل: العام المخصوص ظني الدلالة وبه لا يثبت الغرض، وأجيب بأن تخصيص الصبيان والمجانين بالأمر بالعقل فلا يقطع في قطيعة النص.
وأما تخصيص البواقي فلا نسلم أنه بطريق النسخ على أنه يجوز أن تكون اللام للعهد والمعهودون هم المذكرون في قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ [البقرة: ١٩٠] فلا يدخل المستأمن والذمي ونحوهما في المشركين كذا في (الحواشي السعدية) ثم حكي أن إبراهيم باشا عقد مجلساً حضر فيه أكثر الموالي وكان ذلك البحث أول الجهاد فاعترض محمد بن مير شاه على قوله في (العناية) وهو دليل قطعي يعني ما مر من النص لأنه مخالف لما صرح به بعد من أنهم أجمعوا على أنه مخصوص خص منه الذمي والمستأمن فجاز بأن يخص منه الأسير قياساً.
وأجاب عبد الحافظ العجمي بأنه لا يجوز أن يكون بالنسبة إلى الفاعل قطيعاً وبالنسبة إلى المفعول ظنياً لما دخله من التخصيص فأقحم القائل بذلك الكلام لكنه
стр. 1181
ابتداء إن قام به بعض سقط عن الكل وإلا أثموا بتركه
ــ
مردود فإن المأمور به وهو القتل لزم أن يكون فرضاً يكفر جاحده وواجباً لا يكفر جاحده بل المعلوم من قواعد الأصول أن العام إذا دخله الخصوص سواء كان فاعلاً أو مفعولاً لا يخرج الدليل المشتمل على ذلك العام من أن يكون قطيعاً فلا تثبت به الفرضية وأما كونه على الكفاية فلقوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وكلاً وعد الله الحسنى﴾ [النساء: ٩٥].
قال في (الحواشي السعدية): وهذا مبني على أن هذه الآية تأخر إنزالها عن قوله تعالى ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ [التوبة: ٤١] يعني المفيدة لفرضية العين وهو ممنوع إذ التوبة آخر سورة نزلت انتهى. وفي (فتح القدير) الجهاد على كل من ذكر في التفسير المذكور يعني تفسير قوله ﴿خفافاً وثقالاً﴾ [التوبة: ٤١] شباباً وشيوخاً وأغنياء وفقراء وعزاباً ومتزوجين على الكفاية والحق أن هذه الآية ونحوها لإفادة الوجوب ثم تعرف الكفاية بالآية المتقدمة، وأما العينية فبالإجماع أنه إعانة المظلوم انتهى. ولأنه مفروض لغيره وكل ما هو كذلك فهو فرض كفاية إذا حصل المقصود بالبعض وهذا القيد لا بد منه لئلا ينتقض بالنفير العام فإنه معه مفروض لغيره مع أنه فرض لعدم حصول المقصود بالبعض، وظن بعض المشايخ من جواز القعود إذا لم يكن النفير عاماً أنه تطوع في هذه الحالة وأكثرهم على أنه فرض كفاية، قال في (التاتارخانية): وهو الصحيح.
فرع
من توابع الجهاد الرباط وهو الإقامة في مكان يتوقع هجوم العدو فيه لقصد دفعه لله تعالى والأحاديث في فضله كثيرة واختلف في محله والمختار أنه يكون في موضع لا يكون إسلام (ابتداء) أي: إن قتالنا فرض وإن يم يبدؤونا لعموم الأمر به وأما قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ [البقرة: ١٩٠] فمنسوخ (فإن قام به قوم) أي: حصلت الكفاية بهم ولو عبيداً أو نساء (سقط) وجوبه (عن الكل) لحصول المقصود (وإلا) أي: وإن لم يقم به أحد (أثموا) أي: الكل (بتركه) لأن وجوبه عليهم أجمعين.
قال في (الحواشي السعدية): لا ينبغي أن يفهم من هذا أن الوجوب على جميع أهل الأرض كافة حتى يسقط عن أهل الهند بقيام أهل الروم إذ لا يندفع بقتالهم الشر عن الهنود المسلمين ويدل عليه ما في (البدائع) وينبغي للإمام أن لا يخلي ثغراً من الثغور من جماعة من الغزاة فيهم غناء وكفاية لقتال العدو فإذا قاموا به
стр. 1182
ولا يجب على صبي وامرأة وعبد
ــ
سقط عن الباقين وإن ضعف أهل ثغر عن مقاومة الكفرة وخيف عليهم من العدو فعلى من وراءهم من المسلمين الأقرب فالأقرب أن ينفروا إليهم وأن يمدوهم بالسلاح والكراع والمال لما ذكرنا أنه فرض على الناس كلهم فيمن هو من أهل الجهاد لكن سقط الفرض عنهم لحصول الكفاية بالبعض فما لم يحصل لا يسقط انتهى، وسيأتي لهذا مزيد بيان (ولا يجب) الجهاد (على صبي).
قال الإتقاني: أما/ الصبي فلا يجب الجهاد عليه لأنه مرفوع القلم عنه ولأن طاعة أبويه واجبة عليه فلا تترك بما ليس بواجب انتهى. وفيه تدافع ظاهر وأجاب في (الحواشي السعدية) بأن مراده من الصبي ما يعم البالغ الذي له أبوان فالمعنى أنه مرفوع القلم بأن كان غير بالغ وإن كان بالغاً فطاعة أبويه واجبة متعينة عليه والجهاد ليس بواجب متعين عليه، ويدل على ذلك أنه ذكر بعده أحاديث تدل على تقديم خدمة الأبوين على الجهاد يعني إذا لم يستغنيا عنه وهذا إنما يتم في البالغ، والمجنون والمعتوه كالصبي.
وفي (الذخيرة) للأب أن يأذن للمراهق بالقتال وإن خاف عليه القتل وقال السغدي: لا بد أن لا يخاف عليه فإن خاف قتله لم يأذن له، (و) لا على (امرأة وعبد) لتقدم حق الزوج بإذن الله الذي هو صاحب الحق على حقه تعالى وهذا الدليل خاص بأنثى لها زوج والظاهر أن التي لا زوج لها يفترض عليها كفاية أيضاً ويدل على ذلك ما في (الفتح) لو أمر الزوج والسيد به يجب أن يكون فرض كفاية لا فرض عين لأن طاعتهما المفروضة عليهما في غير ما فيه المخاطرة بالروح وإنما يجب ذلك على المكلفين بخطاب الله تعالى، قال في (البحر): وهو في العبد مسلم أما في المرأة ففيه نظر إذ لا يجب عليها امتثال إلا فيما يرجع إلى النكاح وتوابعه:
تتمة: المديون إذا لم يقدر على إيفاء الدين لا يخرج إلا بإذن ربه فإن كان به كفيل بأمره لا بد من إذن الكفيل أيضاً كذا في (التجنيس) وهو ظاهر في أنه يخرج بغير إذن الكفيل بالنفس لأنهلا ضرر عليه إذا تعذر إحضاره عليه كذا في (البحر) ويندب أن يقيم لقضاء الدين ولو أذن له بالسفر فإن كان الدين مؤجلاً وهو يعلم أنه يرجع قبل حلوله فالأفضل الإقامة وله أن يخرج بغير إذنه.
وأقول: علل في (الخانية) ما إذا كانت بغير أمره لأنه لا حق للكفيل على المديون وهذا يقتضي أنه لا يسافر إلا بإذن الكفيل بالنفس لأن له عليه حقاً وهو تسليم نفسه إليه إذا طلب منه وقد يذهب إلى مكان بعيد فإذا طلب منه وهو عالم به يلزمه السفر إليه فيحصل له الضرر، وقد صرحوا بأن الكفيل بالنفس منعه من السفر
стр. 1183
وأعمى ومقعد وأقطع وفرض عين إن هجم العدو فتخرج المرأة والعبد بلا إذن زوجها وسيده.
ــ
قال في (منية المفتي): ضمن عن رجل مالا بأمره أو بنفسه فأراد الخصم أن يسافر فمنعة الكفيل.
قال محمد: إن كان ضمانه إلى أجل فلا سبيل له عليه وإن لم يكن إلى أجل فله أن يأخذه حتى يخلصه منه إما بأداء المال أو ببراءة منه، وفي كفالة النفس يرد النفس انتهى، فإن كان مؤجلا وهو يعلم أنه يرجع قبل حلوله فالأفضل الإقامة وله أن يخرج بغير إذنه، ولو للابن أبوان كان لهما منعه إذا دخل عليهما لسفره مشقة، فإن أذن أحدهما دون الآخر لا ينبغي الخروج، والجد أب الأب والجدة أم الأم يقومان مقامهما هذا إذا كانا مسلمين، فلو كانا كافرين أو أحدهما فكرها خروجه أو الكافر فقد تحرى فإن وقع تحريه على أنها للخوف عليه لا يخرج وإن كانت لقتال الكفار خرج فإن شك ينبغي أن لا يخرج، وما سوى الأصول فإن خشي عليهم الضياع لم يخرج بغير إذنهم وإلا خرج وكذا امرأته كذا في (الذخيرة).
وأما سفر التجارة والحج فيخرج بغير إذنهما إلا أنه عند احتياجهما في سفر التجارة لا يخرج، وفي (البزازية) دلت العلة على التحاق الخروج إلى العلم بالحج والتجارة وفي (التاتارخانية) العالم الذي ليس في البلد أفقه منه ليس الغزو (وأعمى ومقعد) لقوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ (النور: ٦١) إلى آخره.
قال في (الفتح): ومثل المقعد الأعرج قاله في (ديوان الأدب) وفرض عين إن هجم العدو) على بلدة من بلاد المسلمين أي: دخل بغتة بغير إذن الإمام لقوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ (التوبة: ٤١) (فتخرج المرأة والعبد بلا إذن زوجها وسيده) لأن حقهما لا يظهر في فروض الأعيان وكذا المديون والولد يخرجان بلا إذن رب الدين والوالد، وفي (الذخيرة) إنما يصير فرض عين على من يقرب من العدو فإن عجزوا وتكاسلوا افترض على من يليهم حتى يفترض على هذا التدريج على كل المسلمين شرقا وغربا وعلى هذا التفصيل صلاة الجنازة والتجهير.
قال في (الفتح): وكأن معناه إذا دام الحرب بقدر ما يصل الأبعدون ويبلغهم الخبر وإلا فهو تكليف بما لا يطاق بخلاف إنقاذ الأسير وجوبه على الكل من أهل المشرق والمغرب ممن علم، ويجب أن لا يأثم من عزم على الخروج وقعوده لعدم خروج الناس / وتكاسلهم أو قعود السلطان أو منعه، وفي (البزازية) مسلمة سبيت [٣٢٠/ب] بالمشرق وجب على أهل المغرب تخليصها من الأسر ما لم تدخل في دار الحرب، وفي (الذخيرة) سبى الكفار الذراري والنساء كان على المسلمين الذين لهم قوة عليهم أن يتبعوهم لأخذ ما بأيديهم فإذا دخلوا دار الحرب فكذلك في حق النساء
стр. 1184
وكره الجعل إن وجد فيء وإلا لا فإن حاصرناهم ندعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا وإلا إلى الجزية فإن قبلوا فلهم ما لنا وعليهم ما علينا.
ــ
والذراري ما لم يبلغوا حصونهم، ولهم أن لا يتبعوهم في حق المال، وذراري أهل الذمة وأموالهم كأهل الإسلام، (وكره الجعل) بضم الجيم وهو ما يجعل للإنسان في مقابلة شيء يفعله، والمراد هنا أن يكلف الإمام الناس بأن يقوي بعضهم بعضا بالكراع أي: الخيل والسلاح وغير ذلك من النفقة والزاد (إن وجد فيء)، وهو المأخوذ بغير قتال كالخراج والجزية وأما المأخوذ بالقتال فيسمى غنيمة وإنما كره لأنه لا ضرورة إذ أن بيت المال جعل لنوائب المسلمين ولأنه يشبه الأجر، والوجه الأول يوجب الكراهة على الإمام، والثاني يوجبها على الغازي وعلى الإمام كراهية تسببه (وإلا) أي: وإن لم يوجد فيء (لا) أي: لا يكره لأن فيه دفع الضرر الأعلى بارتكاب الأدنى، بقي ما لو كان في بيت المال غنيمة فقط فظاهر ما مر من التعليل من أنه لا ضرورة تفيد أه يكره ويدل عليه ما في (الذخيرة) ومن قدر بنفسه ولا مال له فإن كان في بيت المال مال يعطيه الإمام كفايته من بيت المال وإلا فله أن يأخذ الجعل من غيره، وفي (غاية البيان) في شرح قوله ويكره الجعل ما دام للمسلمين فيء يعني إذا كانت في بيت المال ما يتقوى به الناس من الغنيمة للخروج إلى الغزاة يعطيهم الإمام من ذلك المال انتهى. وعليه جرى العيني حيث فسر الفيء بقوله: أي شيء من الغنيمة الموجودة في بيت المال لا يصرف في المقاتلة.
قال التمرتاشي: يكره ضرب الجعل على الناس ما دام لهم في فيء لأن فيه شبهة الأجر وإن لم يكن فلا بأس بذلك والأولى أن يغزو المسلم بمال نفسه ثم بيت المال انتهى. وليس فيه دلالة صريحة على المدعى، (فإن حاصرناهم) حبسناهم عن الخروج لإحاطتنا بهم (ندعوهم الإسلام) لقول ابن عباس (ما قاتل رسول الله ﷺ قوما قط إلا دعاهم) رواه أحمد، (فإن أسلموا) بالقول أو بالفعل كما مر فبها (وإلا) أي: وإن لم يسلموا فندعوهم (إلى الجزية) لرواية مسلم وغيره (أنه ﷺ كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أمره بذلك)، وسيقيد المصنف هذا الإطلاق بغير مشتركي العرب والمرتدين وينبغي للإمام أن يبين لهم مقدار الجزية ووقت وجوبها والتفاوت بين الغني والفقير في مقدارها (فإن قبلوا) الجزية (فلهم ما لنا وعليهم ما علينا) لقول عي رضي الله تعالى عنه: (إنما بذلوا الجزية ليكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا)
стр. 1185
ولا نقاتل من لم تبلغه الدعوة إلى الإسلام وندعو ندبا من بلغته وإلا نستعين بالله تعالى ونحاربهم بنصب المجانيق وحرقهم وغرقهم.
ــ
وخص من ذلك أشياء سيأتي التنبيه عليها، (ولا نقاتل) أي: ولا يحل أن نقاتل (من لم تبلغه الدعوة) بالفتح (إلى الإسلام) لما روينا لأنهم بها يعلمون أن قتالهم على الدين لا غيره فلعلهم يؤمنون ولو قاتلوهم قبلها أثموا ولكن لا غرم بما أتلفوه من نفس أو مال، لأن مجرد الحرمة لا توجب ذلك.
قالوا: كان هذا في ابتداء الإسلام حين لم ينتشر الإسلام ولم يستفض وأما بعد ما استفاض وعرف كل مشترك إلى ماذا يدعى يحل القتال قبلها ويقام ظهورها مقامها، كذا في (المحيط) قال الشارح: وهذا صحيح ظاهر والدليل عليه ما روي عن ابن عون: (كتب إلى نافع أسأله عن ذلك فكتب إلي إنما كان ذلك في ابتداء الإسلام) وفي البخاري: (كان ﵊ إذا غزا قوما لم يغز حتى يصبح فإذا سمع أذانا أمسك فإن لم يسمع أغار بعدما يصبح) والإغارة لا تكون إلا بعدم الإعلام وإذا كان هذا في زمنه ﵊ لاشتهار الإسلام فما ظنك في زماننا ولأنهم لو اشتغلوا بالدعوة ربما يتحصنون. قال في (الفتح): ولا شك أن في بلاد الله من لا شعور له بهذا فيجب بأن المدار ظن أن هؤلاء لم تبلغهم الدعوة بقي ما لو بلغتهم الدعوة إلى الإسلام لكن لا يدرون أيقبلون منهم الجزية أم لا.
قال في (التاتارخانية): لا ينبغي أن يقاتلوهم حتى يدعوهم إلى الجزية (وندعو من بلغته) مبالغة في الإنذار هذا مقيد بأن لا يتضمن ضررا بأن يعلم انهم بها يستعدون أو يحتالون أو يتحصنون وغلبة / الظن في ذلك بما يظهر من أحوالهم [٣٢١/أ] كالعلم كذا في (الفتح) (وإلا) أي: وإن لم يقبلوا الجزية (نستعين بالله) عليهم لأنه الناصر لأوليائه القاهر لأعدائه وبه يستعان على كل حال (ونحاربهم بنصب المجانيق) على حصونهم لأنه ﵊ (نصبها على الطائف) رواه الترمذي (وحرقهم) أراد حرق دورهم وأمتعتهم قاله العيني، والظاهر أن المراد حرق ذاتهم بالمجانيق وإذا جازت محاربتهم بحرقهم فمالهم أولى لأنه ﵊ أحرق نخل بني النضير وقطعة وهي البويرة (وغرقهم) وغرق دورهم أيضا بانسياب الماء
стр. 1186
وقطع أشجارهم وإفساد زروعهم ورميهم وإن تترسوا ببعضنا ونقصدهم ونهينا عن إخراج مصحف وامرأة في سرية يخاف عليها.
ــ
عليهم (وقطع أشجارهم) ولو مثمرة (وإفساد زروعهم) بإطلاق النار والدواب فيها لأن المقصود كبت أعدائه وكسر شوكتهم وهو حاصل بذلك، هذا إذا لم يغلب على الظن أنهم يؤخذون بغيره فإن كان الظاهر أنهم مغلوبون وأن الفتح باد كره ذلك كذا في (الفتح) (ورميهم) بالنبال ونحوها (وإن تترسوا ببعضنا)، لأن الأمر بالقتال مطلق ولو كان الغير مانعا لا تسد إذ قلما تخلو مدينة أو حصن عن أسير مسلم فصار كرميهم مع العلم بوجود أولادهم ونسائهم فإنه يجوز إجماعا، ولأن فيه دفع الضرر القائم بالذب عن بيضة الإسلام بإثبات الضرر الخاص وهو واجب، وقد يقال: إن سلم أنه لا يخلو حصن عن أسير لكن لا نسلم أنه لا يخلو أهل حصن عن أن تترسوا بالمسلمين ليكون إطلاق الافتراض هدرا لحرمة الرمي، فإن من المشاهد يعنه فوجب أن يقيد بما إذا لم يكن طريقا إلى قتل المسلم غالبا، وأما أنه دفع الضرر العام فتعليله في مقابلة النص الدال على تحريم قتل المسلم على أنه إنما يصح إذا علم أننا لو تركناهم استولوا على ديارنا والمدعى أعم من ذلك.
تنبيه: لو تترسوا بنبي قال أبو الليث: يسأل ذلك النبي، وقد قال محمد: لو فتح الإمام بلدة وعلم أن فيها مسلما أو ذميا لا يحل قتل أحد منهم إلا إذا خرج واحد فإنه حينئذ يحل قتل الباقي لجواز كون المخرج هو ذاك، (ونقصدهم) أي: يجب أن نقصد الكفار به لأن قصد قتل المسلم حرام وما أصابوه من المسلمين لا دية فيه ولا كفارة لأن الفروض لا تقترن بالغرامات وأورد أكل المضطر حالة المخمصة فإنه فرض اقترن بالغرم والحق أنه لا يرد ليحتاج إلى الجواب إذ المذهب أنه لا يجب عليه الأكل به بل ترك أخذا بالعزيمة فصار كالمباح فقيد بشرط السلامة (ونهينا عن إخراج مصحف و) عن إخراج (امرأة) ولو عجوزا لمداواة المرضى (في سرية يخالف عليها) وأقلها كما قال الإمام: مائتان وأقل الجيش أربعمائة، وقال ابن زياد: أقلها أربع مائة وأقل الجيش أربعة آلاف.
وفي (المبسوط) هي عدد قليل يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار انتهى، وكأنها مأخوذة من السرى وهو السير ليلا وينبغي أن يكون العسكر العظيم اثني عشر ألفا لقوله ﵊ (لن يغلب انثا عشر ألفا من قلة) كذا في (الفتح)، وفي (الخانية) لا ينبغي للمسلمين أن يغزوا إذا كانوا اثني عشر ألفا وإن كان العدد
стр. 1187
وغدر وغلول ومثلة.
ــ
أكثر وذكر الحديث ثم قال: والحاصل أنه إذا غلب على ظنه بأن يغلب فلا بأس بأن يغزو ولا بأس للواحد أن يفر من اثنين إذا لم يكن معه سلاح وقدم أنه يجوز له أن يفر من الثلاثة مطلقا وتفر المائة من ثلاثمائة انتهى، وأراد بالنهي ما في مسلم: (لا تسافر بالقرآن فإني لا آمن أن يتناوله العدو) ويعني فيستخف به، ولا شك أن في إخراجه تعريضه لذلك، كما أن في إخراج المرأة تعريضها للفضيحة وهذا التأويل هو الصحيح، وعن الطحاوي أنه كان في ابتداء الإسلام عند قلة المصاحف وأما اليوم فلا يكره الإخراج. وألحق في (المحيط) كتب الفقه بالمصاحف.
فال في (الفتح): فكتب الحديث أولى انتهى. وأنت خبير بأن النهي إذا كان معللا بالاستخفاف فكلما خيف عليه ذلك من الكتب الشرعية التي لا يجوز الاستخفاف بها يكره إخراجه أيضا، قيد بكونها يخاف لأنه لو لم يخف لم يكره، ومن ثم قالوا: لو دخل إليهم بأمان فلا بأس بأن يحمل معه مصحف إن كانوا من قوم موفون بالعهد والأولى تركه حينئذ، وفي النساء إخراج العجائز للحاجة دون الشواب ولو احتيج إلى المباضعة فالأولى إخراج الإماء دون الأحرار.
(و) نهينا أيضا عن (غدر) أي: نقض عهد (وغلول) / أي: خيانة من مغنم [٣٢١/ب] قبل القسمة (و) عن (مثلة) لقوله ﷺ : (لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا)، يقال مثلت بالرجل كضربت أمثل به كأنصر مثلا، ومثلة إذا سودت وجهه وقطعت أنفه ونحوه وفي (السراج) المثلة: أن يقطعوا أطراف الأسارى أو أعضاءهم كالأذن والأنف واللسان والإصبع ثم يقتلوهم أو يخلوا سبيلهم، وقيل: هو أن يقطعوا رؤوسهم ويشقوا أجوافهم ويقطعوا مذاكيرهم، والمثلة المروية في قصة العرنيين إما منسوخة، أو أنه تعارض محرم ومبيح ويقدم المحرم، وهذا الإطلاق قيده في (الاختيار) بما بعد الظفر بهم وأما قبله فلا بأس بها قال الشارح: وهذا أحسن، ونظيره الإحراق بالنار قيد جوازها قبله في (الفتح) بما إذا وقعت قتالا كمبارز ضرب فقطع أذنه ثم ضرب ففقأ عينه ثم ضربه فقطع يده وأنفه ونحو ذلك انتهى. وهو ظاهر في أنه لو تمكن من كافر حال قيام الحرب ليس له أن يمثل به بل يقتله ويقتضي ما في (الاختيار) أن له ذلك كيف وقد علله بأنها أبلغ في كبتهم وأضر بهم.
قال في (الفتح): وأما من جنى على جماعات جنايات متعددة بأن قطع أنف
стр. 1188
وقتل امرأة وغير مكلف وشيخ فان وأعمى ومقعد.
ــ
رجل وأذني آخر وفقأ عيني آخر وقطع يدي آخر ورجلي آخر فلا شك أنه يجب القصاص بكل واحد إذا لحقه لكن يجب أن يتأن بكل قصاص بعد الذي قبله إلى أن يبرأ منه وحينئذ يصير هذا الرجل ممثلا به ضمنا لا قصدا، أو إنما يظهر أثر النهي والنسخ فيمن مثل بشخص حتى قتله فمقتضى النسخ أن يقتل به ابتداء ولا يمثل به، (و) نهينا أيضا عن (قتل امرأة و) عن قتل (غير مكلف) لما أخرج الستة إلا النسائي (أنه ﵊ نهى عن قتل النساء والصبيان) وأراد بهم الذين لا يقدرون على القتال ولا على الصياح عند التقاء الصفين كذا في (التاتارخانية).
ثم نقل عن (جامع الجوامع) أنه لا يقتل من في بلوغه شك وهذا كما ترى يغاير الأول (و) عن قتل (شيخ فان) كما رواه أبو داود قال ﵊: (لا تقتلوا شيخا فانيا) وفسره الرازي بالذي خرف وزال عن حدود العقلاء والمميزين لأنه حينئذ يكون كالمجنون ولذا لا نقتله إذا ارتد.
قال في (الذخيرة): أما من يقدر ولو على الصياح أو الإحبال فيقتل لأنه يجيء منه الولد فيكثر محاربته للمسلمين، (و) عن قتل (أعمى ومقعد) ومائل الشق والمقطوع اليمنى والمقطوع يده ويرجله من خلاف والراهب الذي لم يقاتل وأهل الكنائس الذي لا يخالطون الناس والسائح في الجبال لعدم تحقق الحرب معهم، ولو قتلوا فلا شيء بقتلهم إلا التوبة والاستغفار.
وفي (التاتارخانية) معزيا إلى (تجنيس) خواهر زاده وإن كان للمسلمين قوة على حملهم لا ينبغي لهم تركهم في دار الحرب إلا الشيخ الفاني الذي لايلقح والرهبان وأصحاب الصوامع إذا كانوا ممن لا يصيبون النساء والعجوز الذي لا يرجى ولدها، فإن شاء حملهم وإن شاء تركهم، وفي (الخلاصة) ثم لا يترك الإمام في دار الحرب من له رجاء الولادة وأخرجهم وإن أراد تركهم. واعلم أن الدار تبقى دار الإسلام بجعل الجزية عليهم ووضع الخراج على أراضيهم.
فرعان
الأول: لا بأس بحمل رأس المشرك إذا كان فيه غيظ لهم أو فراغ قلب للمسلمين بأن كان المقتول من قوادهم أو عظمائهم، وقد حمل ابن مسعود يوم بدر
стр. 1189
إلا أن يكون أحدهم ذا رأي في الحرب أو ملكا وقتل أب مشرك وليأب الابن ليقتله غيره ويصالحهم ولو بمال إن خيرا.
ــ
رأس أبي جهل وألقاها بين يديه ﵊ فقال ﵊: (الله أكبر هذا فرعوني وفرعون أمتي كان شره على أمتي أعظم من شر فرعون على موسى وأمته)، كذا في (الظهيرية)، والذي في (الخانية) يكره حمل رؤوس الكفار إلى دار الإسلام، وقيل: إذا كان فيه إلحاق الوهن والكبت بهم لا بأس به انتهى.
والثاني: لا بأس بنبش قبورهم طلبا للمال نص عليه في (التاتارخانية) ولم أر نبش قبور أهل الذمة، ويجب أن يقال: إن تحقق ذلك ولم يكن له وارث إلا بيت المال جاز نبشه، وفي (الخانية) ولا بأس بتعليم القرآن للكفرة ولا بأس بنبش قبورهم لطلب المال انتهى يعم الذمي والله الموفق، (إلا أن يكون أحدهم) استثناء من حكم عدم القتل أي أحد من نهينا عن قتله (ذا رأي في) أمر (الحرب أو) يكون (ملكا) فحينئذ يقتل لأن في قتله كسر شوكتهم أو قاتل ولو بماله ولو بعد الأسر إلا المجنون ومن كان يجن ويفيق فهو في حال إفاقته كالصحيح، وفي (الخانية) ولا نقتل الصبيان ولا / الشيخ الفاني إلا أن يكون الصبي ملكا وقد أحضر موضع القتال وفي قتله يكون [٣٢٢/أ] كسرا لهم فيقتل انتهى، وهذا يفيد إلى أنه لو لم يحضروا به لا يقتل وعلى هذا سائر ما ذكر وفيه تأمل فتدبره.
(و) عن (قتل أب مشرك) ابتداء لأن الله تعالى أمر بمصاحبة الأبوين في الدنيا معروفا وليس من قتله (وليأب الابن) أي: يمتنع عن قتله إذا أدركه في الصف بل يشغله بالمحاربة بأن يعرقب فرسه أو يطرحه عنها أو يلجئه إلى مكان (ليقتله غيره) ولا ينبغي أن ينصرف عنه ويتركه فإذا لم يكن ثمة غيره قتله، والأم والأجداد والجدات من قبل الأب والأم كالأب، قيد بالأب لأنه يجوز له قتل فرعه المشرك وكذا سائر القرابات كالعم والخال، قيدنا بالابتداء لأن الأب لو قصد قتله ولم يتمكن من دفعه إلا بقتله قتله، وقيد بالمشرك لأن الباغي يكره ابتداء القتيل بقتله أبا كان أو أخا أو غيرهما، (ونصالحهم) أي: نعاهدهم على ترك الجهاد أي مدة كانت لأنه جهاد معنى (ولو بمال) نأخذه منعم لو كان الصلح وأخذ المال (خيرا) للمسلمين بأن كان بهم حاجة إليه لأنه إذا جاز بلا مال فبالمال وهو أكثر نفعا أولى، ويصرف مصرف الخراج والجزية إن كان قبل النزول بساحتهم بل برسول أما إذا نزلنا بهم فهو غنيمة
стр. 1190
ونبذ لو خيرا ونقاتل بلا نبذ لو خان ملكهم والمرتدين بلا مال فإن أخذ لم يرد ولم نبع سلاحا منهم ولم نقتل من أمنه حر.
ــ
نخمسها ونقسم الباقي، وإن لم يكن بهم حاجة فلا نصالحهم لأن فيه ترك الجهاد صورة ومعنى أو بمال نعطيه لهم إن خاف الإمام الهلاك على نفسه والمسلمين لأن دفع الهلاك بأي طريق كان واجب.
(ونبذ) أي: نقض الصلح لأن يعلمهم أنه رجع عما كان وقع تحرزا عن الغدر المحرم (لو خيرا) لأنه ﷺ نبذ الموادعة التي كانت بينه وبين أهل مكة، قال الشارح: ثم النبذ كذلك يكون على الوجه الذي كان عليه الأمان فإن كان متشرا وجب أن يكون النبذ كذلك وإن كان غير منتشر إن أمنهم واحد من المسلمين سرا اكتفي بنبذه ذلك الواحد كالحجر بعد الإذن ثم بعد النبذ لا يجوز قتالهم حتى يمضي عليهم زمان يتمكن فيه ملكهم من إنقاذ الخبر إلى أطراف مملكته حتى لو كانوا خربوا حصونهم للأمان وتفرقوا في البلاد فلا بد أن يعودوا إلى مأمنهم ويعمروا حصونهم كما كات فإن كانت مدة الصلح مضت لم ينبذ إليهم إلا أن من كان منهم في دارنا فهو آمن حتى يبلغ مأمنه.
(ونقاتل بلا نبذ لو خان ملكهم) إما بقتاله بنفسه أو بقتال بعض أتباعه بإذنه لأنهم صاروا ناقضين للعهد فلا حاجة لنقضه، قيد بالملك لأنه لو دخل جماعة بغير إذنه لم ينتقض إلا في حق من دخل، (و) نصالح (المرتدين) الذي تغلبوا وصارت دارهم دار حرب يعني عند الخوف لو خيرا (بلا) أخذ (مال) منهم لأنه في معنى الجزية وهي لا تقبل منهم (وإن أخذ) المال منهم (لم يرد) لأن مالهم فيء للمسلمين إذا ظهروا بخلاف ما لو أخذ من أهل البغي حيث يرد عليهم بعد وضع الحرب أوزارها لأنه ليس فيئا لا قبله لأنه إعانة لهم، (ولم نبع سلاحا منهم) للنهي عن ذلك لأن فيه تقويتهم على قتال المسلمين، وكذا كره بيع الخيل والحديد والرقيق منهم بخلاف الطعام والقماش حيث يجوز.
قال الحاكم في (كافيه): لو جاء الحربي بسيف فاشترى مكانه قوسا أو رمحا أو فرسا لم يترك أن يخرج به وكذا لو استبدل بسيفه سيفا خيرا منه فإن كان مثله أو شرا منه لم يمنع، والمستأمن كالمسلم في ذلك إلا إذا خرج بشيء من ذلك فلا يمنع من الرجوع به، (ولا نقتل من أمنه حر) ولو مقعدا أو أعمى أو شيخا أو صبيا مأذونا له
стр. 1191
أو حرة ونبذ لو شرا وبطل أمان ذمي وأسير وتاجر وعبد محجور عن القتال.
ــ
في القتال بخلاف المحجور عليه (أو حرة) صريحا كأمنت أو وادعت أو لا بأس عليكم لكم عهد الله وذمته، أو كناية كقوله: تعال إذا ظن أنه أمان، وكذا لو أشار بإصبعه إلى السماء أي: أعطيتك ذمة إله السماء لخبر أبي داود: (المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم) ومعنى الجملة الأولى أن دية الشريف لا تزيد على دية الوضيع، والثانية ما نحن فيه وأدناهم أي: اقلهم عددا وهو الواحد، والثالثة أن الأبعد يرد البيعة عليهم وذلك أن العسكر في دار الحرب إذا اقتطع الإمام منهم سرايا وجهت للإغارة فما غنمته جعل لها ما سمى ويرد ما بقي لأهل العسكر، والرابعة أنهم عضو واحد على من سواهم من الملك باعتبار تعاونهم عليه ولو طلب الأمان لأهله لا يكون آمنا بخلاف ذراريه ويدخل في الأولاد أولاد الأبناء دون البنات ولو أغار عليهم قوم آخرون من المسلمين / [٣٢٢/ب] فقتلوا الرجال وسبوا النساء والذراري والأموال واقتسموا ذلك وجاؤوا بالأولاد منهم ثم علموا بالأمان فعلى القاتل دية المقتول وترد النساء والأموال إلى أهليها يعني بعد ثلاث حيض وفي هذه المدة يوضعن على يد عجوز ثقة وعلى الواطئ الصداق والأولاد أحرار مسلمون تبعا للأب نص على ذلك محمد ﵀.
(ونبذ) الإمام أمان الحر أي: نقض أمان الحر (لو) كان أمانه (شرا) على المسلمين لأن جوازه إنما كان للمصلحة وهي الآن في نقضه وللإمام أن يرد به لانفراده برأيه، (وبطل أمان ذمي) لأنه لا ولاية له على المسلمين ولأنه منهم ومعناه أن يقول: أمنتكم أما إذا قال: إن فلانا المسلم يقول أمنتكم أنه يصح وفي (البزازية) و (الخلاصة) أمان المرأة والذمي لا يجوز إلا إذا حكم بأنهم ذمة انتهى.
وفي (التاتارخانية) إذا أذن له الإمام به صح أمانه (وأسير وتاجر) لأنهما تحت القهر فلا يخافونهم والأمان يختص بمحل الخوف ومعنى البطلان في حق المسلمين أما في حق نفسه فصحيح فيصير حكمه وحكم الداخل فيهم بأمان واحد، وفي (الخانية) العبد المسلم إذا خدم مولاه الحربي في دار الحرب كانت خدمته أمانا له (وعبد محجور عن القتال) لأنهم لا يخافونه أيضا بخلاف المأذون فإنهم يخافونه، وقال محمد: يصح أمان المحجور أيضا ومحل الخلاف في حق المسلمين أما في حق نفسه فصحيح لما مر في الأسير والله أعلم.
стр. 1192
باب الغنائم وقسمتها
ما فتح الإمام عنوة قسم بيننا أو أقر أهلها ووضع الجزية والخراج.
ــ
باب الغنائم وقسمتها
لما ذكر القتال وما يسقطه شرع في بيان ما يحصل به. قال في (القاموس): المغنم والغنيم والغنيمة والغنم بالضم الفيء وغنم بالكسر غنما بالكسر والفتح وبالتحريك وغنيمة وغنمانا بالضم الفوز بالشيء بلا مشقة (ما فتح الإمام عنوة) أي: قهرا كذا في (الهداية) واتفق الشارحون على أن هذا ليس تفسيرا له لغة لأنها من عنى يعنو عنوا ذل وخضع وهو لازم وقهرا متعد.
قال في (الفتح): وإنما المعنى فتح بلدة حال كون أهلها ذوي عنوة أي: ذل وذلك يستلزم قهر المسلمين لهم وفيه وضع المصدر موضع الحال وهو غير المطرد إلا في ألفاظ اشتهرت وإطلاق اللازم وإرادة الملزوم في غير التعاريف بل ذلك في الإخبارات، والوجه أنه مجاز فإن عنوة اشتهر في نفس القهر عند الفقهاء فجاز استعماله فيه تعريفا انتهى.
ونقل في (البحر) عن (القاموس) أن العنوة القهر وبه اندفع ما في شروح (الهداية) وأنت خبير بأن هذا لا يصلح دافعا إلا إذا كان معنى له حقيقيا لا مجازيا وليس في (القاموس) ما يعينه وهذا لأن صاحب (القاموس) لايميز بين الحقيقي والمجازي كما قال بعضهم بل يذكر المعاني جملة، (قسم بيننا) معاشر الغانمين إن شاء بعد إخراج الخمس اقتداء بفعله ﵊ في خيبر، ولو كان فيما أصابوه مصحفا فيه شيء من كتب اليهود والنصاري لا يدرى أفيه شيء من الكتب السماوية أو كفر لا يدخله الإمام الغنيمة للقسمة مخافة أن يقع في سهم رجل فيبيعه من المشركين وذلك مكروه، ولا ينبغي أن يحرق مخافة أن يكون فيه شيء من أسماء الله تعالى.
قالوا: وتصير هذه المسألة رواية عن الأصحاب في المصحف إذا خلق بحيث لا يقرأ فيه أن لا يحرق بالنار، وإذا كره إحراقه ينظر إن كان لورقه قيمة وينتفع به بعد المحو بالغسل بأن كان مكتوبا على جلد مدبوغ أو ما أشبه ذلك فإنه يمحى ويجعل الورق في الغنيمة وإلا يغسل ويدفن وهو على كل حال إن كان لا يتوهم وصول الكفرة إليه يدفن وإن توهم لا يدفن كذا في (التاتارخانية) (أو أقر أهلها) أي: من عليهم برقابهم وأرضهم وأموالهم (ووضع الجزية) على رؤوسهم (والخراج) على
стр. 1193
وقتل الأسرى أو استرق أو ترك أحرارا ذمة لنا وحرم ردهم إلى دار الحرب والفداء.
ــ
أراضيهم اقتداء بفعل عمر رضي الله تعالى عنه في سواد العراق بمحضر من الصحابة من غير نكير.
قيل: والأول أولى إذا كان بالمسلمين حاجة، والثاني عند عدمها، قيد بالأراضي لأن المن عليهم بالمنقول المجرد لا يجوز لعدم الورود بخلاف ما إذا كان تبعا للأرض وأما المن عليهم برقابهم وأرضهم فقط فمكروه إلا أن يدفع إليهم من المال ما يتمكنون به من إقامة العمل والنفقة / على أنفسهم وأراضيهم إلى أن يخرج [٣٢٣/أ] الغلال وإلا فهو تكليف بما لا يطاق، (وقتل) الإمام (الأسرى) أي: إن لم يسلموا إن شاء جمع أسير وهو الأخيذ والمقيد والمسجون ويجمع على أسارى أيضا كما في (القاموس)، وقد صح (أنه ﵊ قتل مقاتلي بني قريظة واسترق دراريهم) (أو استرق) أي: جعلهم أرقاء دفعا لشرهم مع انتفاع المسلمين بهم، قيد بالإمام لأن الغازي ليس له أن يقتل أسيرا إذ قد يرى الإمام المصلحة في استرقاقه فليس له أن يفتات عليه فلو قتله بلا ملجئ إلى قتله بأن خاف من شره عزر إذا وقع على خلاف رأيه غير أنه لا يضمن شيئا، (أو ترك) الأسارى (أحرارا ذمة لنا) أي: أهل ذمة لنا بأن يضع عليهم الجزية والخراج لما مر من فعل عمر بالسواد إلا مشركي العرب والمرتدين فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف على ما سيأتي.
(وحرم ردهم) أي: الأسارى (إلى دار الحرب) لأنهم يعودون حربا علينا، (والفداء) مصدر أفداه استنقذه والفدية المال والمفاداة بين اثنين يقال فاداه إذا أطلقه وأخذ فرسه وعن المبرد والمفاداة أن تدفع رجلا وتأخذ رجلا والفداء أن تشتريه وقيل: هما بمعنى كذا في (المغرب) أطلقه فعم ما لو دفع أسيرا كافرا ولو شيخا لا يحل لاستنقاذ أسير مسلم وهذا هو إحدى الروايتين عن الإمام وعنه أنه يجوز وبه قالا غير أن أبا يوسف يجوزه قبل القسمة لا بعدها ومحمد يجوزه بكل حال، ووجه الأولى أن فيه معاونة الكفرة لأنه يعود حربا علينا ودفع شر حربهم خير من استنقاذه لأنه إذا بقي في أيديهم كان ابتلاء في حقه فقط والضرر بدفع أسيرهم يعود على جماعة المسلمين وبالرواية الثانية قال العامة.
وفي (الدراية) عن (السير الكبير) أنها أظهر الروايتين عن الإمام إذ تخلص المسلم أولى من قتل الكافر لأنها أظهر للانتفاع به لأن حرمته عظيمة وما ذكر من الضرر الذي يعود إلينا بدفعه ظاهر في المسلم الذي يتخلص منهم لأنه ضرر واحد
стр. 1194
والمن وعقر مواش شق إخراجها فتذبح وتحرق.
ــ
فيقوم بدفعه مثله فيتكافأان ثم يبقى فضيلة تخليص المسلم وتمكينه من عبادة الله تعالى كما ينبغي زيادة ترجح، ثم قد ثبت من فعله ﵊ كما في مسلم وابي داود والترمذي (أنه ﵊ فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين) ولا خلاف أن المفاداة بالنساء لا تجوز.
وقالوا: لو أسلم الأسير في أيدينا لا يفادى بمسلم أسير لأنه لا يفيد إلا إذا طابت نفسه به وكان مأمونا على إسلامه وما لو أخذ الإمام في مقابلته مالا في المشهور من المذهب وفي (السير الكبير) لا باس به إذا كان بالمسلمين حاجة وهذا ظاهر في عدم الفرق بين أن يكون ذلك قبل وضع الحرب أوزارها أو بعده، (و) حرم أيضا (المن) وهو إطلاقهم مجانا بغير شيء قاله العيني يعني إلى دار الحرب كما في (الفتح). وفي (النهاية) و (الغاية) و (الدراية) وهو الإنعام عليهم بتركهم مجانا من غير قتل ولا استرقاق ولا ذمة وادعى في (البحر) عدم صحة إرادة الأول هنا لأنه عين قوله وحرم ردهم.
وأقول: الظاهر أن مؤدى العبارتين واحد وذلك أن قوله: بغير شيء أي: بغير قتل ولا استرقاق ولا ذمة وإن ردهم إلى دارهم هو إرسالهم إليها وهذا كما ترى مغاير لمطلق إطلاقهم بغير شيء فتدبره ثم رأيته في (إيضاح الإصلاح) قال: المن أن يطلقهم مجانا سواء كان الإطلاق بعد إسلامهم أو قبله أشير إلى ذلك في التعليل المذكور في (الهداية) يريد قوله: ولأنه بالأسر ثبت حق الاسترقاق فيه فلا يجوز إسقاطه بغير منفعة ثم قال: وقد علم من نفي المن والفداء نفي ردهم إلى دارهم بطريق الدلالة فلا حاجة إلى ذكره انتهى.
(و) حرم أيضا (عقر مواش شق إخراجها) من إبل وبقر وغنم أي: قطع قوائمها لأنه مثله (فتذبح) لأن ذبحها لغرض صحيح جائز وهو هنا كسر شوكة الأعداء أو إعدامهم هذه المنفعة المرغوب فيها (وتحرق) بعده قطعا لمادة الانتفاع ولم تحرق ابتداء لقوله ﷺ : (لا يعذب بالنار إلا رب النار) ومن ثم قلنا: إن الأسلحة ونحوها تحرق بالنار ابتداء وما لا يحرق منها يدفن في موضع لا يقفون عليه، وفي [٣٢٣/ب] (التتارخانية) / مات نساء مسلمات في دار الحرب وهم يطؤون الأموات وسعنا حرقهن وفي (المحيط) لو وجد المسلمون حية أو عقربا في دار الحرب لا يقتلونها بل ينزعون ذنب العقرب وأنياب الحية.
стр. 1195
وقسمة الغنيمة في دارهم لا الإيداع.
ــ
(و) حرم أيضا (قسمة الغنيمة في دارهم) لنهيه ﵊ عن بيع الغنائم في دار الحرب (خانية) والقسمة بيع معنى ولأنها تعتمد الملك ولا ملك قبل الإحراز بدار الإسلام عندنا ولذا قلنا: إن الرد قبله ويشارك العسكر ولا يثبت نسب ولد أمة من السبي ويجب عقرها ويقسم الكل ولا ضمان على من أتلف منها شيئا ولا يورث نصيب من مات قبله وفي (البدائع) ما يخالفه حيث قال: وأما بعد الإحراز بدار الإسلام قبل القسمة فيثبت الملك ويتأكد الحق ويتقرر فيجوز القسمة ويجوز فيه الإرث ويضمن المتلف إلا أنه لو أعتق واحد من الغانمين عبدا لا ينفذ إعتاقه استحسانا، لأن نفاذه يتوقف على الملك الخاص ولا يتحقق ذلك إلا بالقسمة فأما الموجود قبل القسمة فملك عام أو حق متأكد وأنه لا يحتمل الإعتاق لكنه يحتمل الإرث والقسمة ويكفي لإيجاب الضمان وانقطاع شركة الردء ونحو ذلك، ولذلك لو استولد جارية من الغنم وادعى الولد لا تصير أم ولد له استحسانا لما قلنا انتهى.
وفي (المحيط) لو وطئ الإمام جارية لا يحد ويؤخذ منه العقر إن وطئها في دار الإسلام دون دار الحرب انتهى وهذا يخالف إطلاق ما مر قبل وهو الظاهر لأن الوطء في دار الحرب لا يوجب شيئا فلو قسمت الغنيمة على الرايات أو العرف فوقعت جارية بين أهل راية صح عتق أحد لها واستيلاده إن قلوا لا إن كثروا، والقليل مائة وقيل: أربعون قال السرخسي: والأولى أن يوكل إلى اجتهاد الإمام، ثم الحرمة مقيدة بأن لا تكون القسمة عن اجتهاد أو لحاجة فإن كانت لأحدهما لا تحرم، ولو عبر بلا تصح لكان أولى لما استقر من أنه لا يلزم من حرمتها نفي الصحة والواقع أنها لا تصح أيضا.
و (لا) تحرم قسمتها بين الغانمين (للإيداع) بأن لم يجد ما يحملها عليه فإن أبوا أجبرهم على ذلك بأجر المثل في رواية وفي أخرى لا يجوز ثم إذا لم يجبروا ولم يجد على الرواية الأولى ما يستأجره إن كان بحال لو قسمها يقدر كل واحد على حمله قسم بينهم، وإن كانوا لا يقدرون ولا يجدون الدواب بالأجرة مشى السبايا إلى دار الإسلام وإن لم يطيقوه قتل الرجال منهم، وأما النساء والصبيان والشيوخ فيتركون في أرض مضيعة حتى يموتوا جوعا وعطشا ولا يتركون في ارض عامرة، وكذا قالوا: لو وجدوا حية في رحالهم إن أمكنهم نزع أنيابها فعلوا ذلك قطعا للضرر ولا يقتلوها لأن فيه قطع نسلها ومنفعة للكفار، ولو وجدوا عقربا نزعوا ذنبها وأبقوها كذا في (التتارخانية).
ونقل في (الفتح) الترك في ارض خربة عن (الولوالجية) ثم قال: وهو بعيد لأنه
следующие страницы →