← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 13620

النهر الفائق شرح كنز الدقائق

سراج الدين ابن نجيم

Полный текст (1 611 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وبأجنبية في غير القبل وبلواطة. ــ يحل له نكاحها فدخل بها لا حد عليه وإن فعله على علم لم يحد أيضا ويوجع عقوبة في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: إن علم بذلك فعليه الحد في ذوات المحارم انتهى. وظاهر أنه لا يحد اتفاقا في نكاحه بلا إذن ولي وبلا شهود والخلاف يرجع إلى ثبوت محلية النكاح للمحارم وعدمه فعنده هي ثابتة على معنى أنها محل العقد لا بالنظر إلى خصوص عاقد لقبولها مقاصده من التوالد فأورث شبهة ونفياها على معنى أنها ليست محلا لعقد هذا العاقد فلم يورث شبهة، وهذا ظاهر في أنهما لم يتوارد في المحلية على محل واحد وعرف بهذا شبهة، وهذا أن المحلية لها إطلاقان وعلى هذا فما قدمناه من أن شرطة المحلية وهي الأنثى من بنات آدم التي لم يمنع من نكاحها مانع شرعي، وكذا قول الأصوليين إن النهي عن نكاح المحارم مجاز عن النفي لعدم محله لو آذاو بها المعنى الثاني قال الإسبيجابي: والصحيح قول أبي حنيفة لكن قال أبو الليث: وبقولهما نأخذ، وفي (السراجية) وعليه الفتوى. قال في (الفتح): ولعل وجهه أن تحقق الشبهة يقتضي تحقق الحل من وجه لأن الشبهة لا محالة شبهة الحل لكن حلها ليس بثابت من وجه وإلا وجبت العدة وثبت النسب، ودفع بأن من المشايخ من التزم ذلك وعلى التسليم فثبوت النسب والعدة أقل ما ينبني عليه وجود الحل من وجه وهو منتف في المحارم وشبهة الحل ليس إلا بثبوت الحل من وجه فإن الشبهة ما يشبه الثابت وليس بثابت فلا ثبوت لما له شبهة الثبوت بوجه من الوجوه، ألا ترى أن أبا حنيفة ألزم عقوبته بأشد ما يكون وإنما لم تثبت عقوبة هي الحد فعرف أنه زنا محض إلا أن فيه شبهة فلا يثبت نسبه انتهى. وهذا إنما يتم بناء على أنها شبهة اشتباه. قال في (الدراية): وهو قول بعض المشايخ والصحيح أنها شبهة عقد لأنه روى عن محمد أنه قال: سقوط الحد عنه لشبهة حكمية فيثبت النسب وهكذا ذكر في (المنية) انتهى. وهو صريح في أن الشبهة في المحل وفيها يثبت النسب على ما مر (و) لا يجب أيضا (بوطئه أجنبية في غير قبل، و) لا يجب أيضا (باللواطة) حاول العيني التغاير بينهما، فجعل الوطء في غير القبل يعم الوطء في السرة وأنت خبير بأنه فيها لا يسمى واطئا، والظاهر أن اللواطة خاصة بإتيان الذكر لأنها عمل قوم لوط وكانوا لا يأتون غيرهم، وجمع المصنف بينهما إيماء إلى أنه لا فرق في الحكم بين الغلام، وغيره دفعا لما قيل: من أن الخلاف في الغلام أما إتيانها في دبرها فيحد فيه إجماعا، والأصح أن الكل على الخلاف نص عليه في (الزيادات) فلا يجب الحد عنده، وقالا: هو كالزنا أي: في الحكم فيحد جلدا إن لم يكن أحصن ورجما إن

стр. 1122

وببهيمة وبزنا في دار حرب وبغي. ــ أحصن روى ذلك عن علي ولأنه في معنى الزنا لا أنه قضاء الشهوة في محل مشتهى على الكمال وله أنه ليس بزنا لاختلاف الصحابة في موجبه من التحريق أو هدم الجدار عليه أو نكسه من مكان مرتفع مع إتباع الأحجار فلو كان زنا في اللسان أو في معناه لم يختلفوا، بل كانوا يتفقون على إيجاب حد الزنا، فاختلافهم في موجبه وهو أهل اللسان أدل دليل على أنه ليس من مسمى لفظ الزنا لغة ولا معناه غير أنه يعزر بأمثال هذه الأمور عنده قاله ملا خسرو، والذي ذكره غيره تقييد قتله بما إذا اعتاد ذلك، قال في (الزيادات): والرأي إلى الإمام فيما إذا اعتاد ذلك إن شاء قتله وإن شاء ضربه وحبسه وفي (فتح القدير) ويعزر ويسجن حتى يموت أو يتوب ولو اعتاد اللواطة قتله الإمام محصنا كان أو غير محصن ساسة. [٣٠٢/ب] قال في (البحر): والتقييد بالإمام يفهم أن القاضي / ليس له الحكم سياسة، وفي (الحاوي القدسي) تكلموا في هذا التعزيز من الجلد ورميه من أعلى موضع وحبسه في أنتن المواضع وغير ذلك سوى الإخصاء والجب والجلد أصح انتهى. ولا خلاف أنه لو فعل هذا بعبده أو أمته أو زوجته بنكاح صحيح أو فاسد لا يحد لكنه يعزر على ما مر. تتمة: هل يجوز أن يكون اللواطة في الجنة؟ قيل: إن كانت حرمتها سمعا وعقلا لا يكون وإن كانت سمعا فقط جاز أن تكون. قال في (النهاية) معزيا إلى التمرتاشي: والصحيح أنها لا تكون لأن الله تعالى استقبحها وسماها خبيثة والجنة منزعة عنها (وببهيمة) أي: لا يجب الحد بوطء بهيمة أيضا لأنه للزجر، وإنما يحتاج إليه فيما طريقه سالك وهذا ليس كذلك لأنه لا يرغب فيه العقلاء ولا السفهاء وإن اتفق لبعضهم لغلبة الشبق فلا يفتقر إلى الزجر إلا أنه يعزر، وما روي عن علي من حرقها بعد ذبحها فذلك لقطع امتداد الحدث بها كلما رأيت، وليس بواجب هذا إذا كانت مما لا يؤكل فإن كانت تؤكل جاز أكلها عنده وقالا: تحرق أيضا فإن كانت الدابة لغيره أمر صاحبها أن يدفعها إليه بالقيمة ثم تذبح هكذا قالوا، ولا نعرف ذلا إلا سماعا فيحمل عليه كذا في (الشرح) والظاهر أنه يطالب على وجه الندب ولذا قال في (الخانية): كان لصاحبها أن يدفعها إليه بالقيمة (و) لا يجب أيضا (بزنا) مسلم (في دار الحرب) والبغي، يعني إذا خرج إلينا فأقر به عند القاضي أو أقيمت عليه البينة به في غير تقادم لأنه لم ينعقد سببا لإيجاب

стр. 1123

وبزنا حربي بذمية في حقه وبزنا صبي أو مجنون بمكلفة بخلاف عكسه وبالزنا بمستأجرة. ــ حال وجوده لأن أحكامها لا تصل إليهم فلا ينقلب موجبا للخروج، وقد قالوا: لو غزا من له ولاية إقامته كالخليفة وأمير مصر ودخل دار الحرب يقيم الحرب على من زنا من عسكره إذ هو تحت يده فالقدرة عليه ثابتة وهذه ترد على إطلاق المصنف، أما لو خرج من العسكر فزنى ثم عاد لا يقيمه (و) يجب أيضا (بزنى حربي) دخل دارنا بأمان (بذمية في حقه) أي: الحربي، وأما الذمية فتحد كالمسلمة عند الإمام. وقال أبو يوسف: يحد المستأمن أيضا وقال محمد: لا يحد واحد منهما غير أنه قال في العكس وهو ما لو زنى ذمي بمستأمنة كقول الإمام من أن الذمي يحد قيد بالذمية لأنه لو زنى بحربية مستأمنة لا يحد واحد منهما عندهما خلافا لأبي يوسف، والأصل عنده أن الحدود كلها تقام على المستأمن والمستأمنة إلا حد الشرب، وعند الإمام لا يقام عليه شيء منها إلا حد القذف، ومحمد يقول ذلك، إلا أن الرجل أصل والمرأة تبع والامتناع في الأصل امتناع في التبع (و) لا يجب أيضا (بزنى صبي أو مجنون بمكلفة بخلاف عكسه)، وهو ما لو زنى المكلف بصغيرة أو مجنونة حيث يجب الحد عليه والفرق أن فعل الرجل أصل في الزنا والمرأة تابعة له وامتناع الحد في حق الأصل يوجب امتناعه في حق التبع على ما مر، وامتناعه في التبع لا يستلزمه في حق الأصل. قال الشيخ: وعباراتهم من أن فعلها مع الصبي والمجنون ليس زنا يشير إلى أن إحصانه به لا يسقط كما لا يسقط إحصان الصبي والمجنون كما لو زنى الصبي بصبية أو مكرهة، وهنا لا يجب وأجيب بأن إيجابه هنا لا فائدة فيه أيضا إذ بفرضه يرجع الولي عليها به لأنها لما طاوعته صارت امرأة له به بخلاف ما لو كانت مكرهة أو صبية فإنه لا يرجع، وما أورد من أن القاعدة أن كلما انتفى الحد عن الرجل انتفى عن المرأة وقد تخلف هنا لا يتم مرادا إلا بتسليم كون هذه قاعدة وهو ممنوع؟ ألا ترى أن زنا المكره بالمطاوعة والمستأمن بالذمية والمسلمة يوجب الحد عليها دونه إعطاء لكل حكم بما اقتضاه دليله (و) لا يجب أيضا (بالزنا بمستأجرة) للزنا بأن قال: استأجرتك أو خذي هذه الدراهم لأطأك وهذه عند الإمام، وقالا: يجب الحد لعدم شبهة الملك ولذا لا يثبت النسب وله أن المستوفى في الزنا المنفعة وهي المعقود عليها في الإجارة لكنه في حكم العين فبالنظر إلى الحقيقة يكون محلا للعقد بالإجارة فأورث شبهة بخلاف الاستئجار للطبخ ونحوه لأن العقد لم يضف إلى المستوفى بالوطء فالعقد المضاف إلى محله يورث الشبهة فيه لا في محل آخر، وفي (الكافي) لو قال: أمهرتك كذا لأزني بك لا يجب الحد.

стр. 1124

وبإكراه وبإقرار إن أنكره الآخر ومن زنى بأمة فقتلها لزمه الحد والقيمة والخليفة. ــ [٣٠٣/أ] قال في (الفتح): والحق في هذا كله وجوب الحد إذ المذكور / معنى يعارضه كتاب الله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ (النور: ٢) الآية فالمعنى الذي يفيد أن فعل الزنا مع قوله: أزني بك لا يجلد معه للفظ المهر معارض له (و) لا يجب أيضا (بإكراه) فيه إيماء إلى أن الإكراه عليه يتحقق وهذا ما رجع إليه الإمام وكان أولا يقول: إن الرجل يحد لأنه لا يتصور إلا بانتشار الآلة وهو آية الطواعية فافترق بالإكراه ما ينفيه قبل تحقق الفعل المكره عليه بخلاف المرأة إذ ليس معها دليل الطواعية فلم تحد إجماعا قلنا: السبب المجني إلى الفعل قائم ظاهر والانتشار لا يستلزم الطواعية بل محتمل له إذ يكون معه ويكون طبعا لقوة الفحولية وقد يكون لريح حتى يوجد من النائم فلا يترك أمر اليقين إلى المحتمل، نعم هو عنده خاص بالسلطان ولو بأمر منه كما في (جامع الأصولين) فيحد بإكراه غيره وقالا: لا يحد لتحققه من غيره. قالوا: هذا اختلاف عصر ففي زمنه لم يكن لغيره من القوة مما لا يمكن دفعه وكانت في زمنهما لكل متغلب ولا يسمى في زماننا فيفتى بقولهما (و) لا يجب أيضا (بإقرار) من أحدهما (إن أنكر الآخر) عند الإمام، وقالا: إن لم يدع المنكر شبهة بل قال: ما زنيت حد المقر قلنا: الزنا فعل مشترك بينهما فانتفاء موجبه عن أحدهما يوجب شبهة في الآخر، ثم يجب المهر ولو كانت هي المنكرة للنكاح لأنه من ضرورة سقوط الحد (ومن زنا بأمة فقتلها لزمه الحد والقيمة) معا إن قتلها بفعل الزنا لأنه جنى جنايتين فيوفر على كل واحد منهما حكمه، ولم يذكر محمد في (الجامع الصغير) خلافا في المسألة، وعن الثاني أنه لا يحد لأن تعذر ضمان القيمة مسبب ملك الأمة وجه الظاهر أن هذا ضمان قتل فلا يوجب الملك لأنه ضمان دم، والدم لا يملك قيد بالأمة لأنه لو زنى بحرة فقتلها حد اتفاقا وكان عليه الدية ولو أفضاها فقط فإن كانت كبيرة مطاوعة فلا شيء عليه ثم إن لم يكن ثمة شبهة حدا وإلا لا، ووجب العقد وإن كانت مكرهة ولم يدع شبهة حد ولا مهر ثم إن لم يستمسك ضمن جميع الدية، وكذا إن ادعى شبهة ويضمن المهر في ظاهر الرواية وإن لم يستمسك ضمن جميع الدية ولا يجب المهر عندهما خلافا لمحمد، والصغيرة ولو جرحها في الزنا أو كسر فخذها ضمن الدية وحد كما في (المحيط) وبقتلها لأنه لو ذهب عينها لزمه قيمتها وسقط الحد لما أن الملك يثبت في العمياء فأورث شبهة أي: في ملك المنافع تبعا. وفي (الفوائد الظهيرية): غصبها ثم زنا بها ثم ضمن قيمتها فلا حد عليه عندهم جميعا، أما لو زنى بحرة ثم نكحها لا يسقط الحد بالاتفاق (والخليفة) وهو

стр. 1125

يؤخذ بالقصاص وبالأموال لا بالحد. باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها شهدوا بحد متقادم سوى حد القذف لم يحد. ــ الذي لا والي فوقه (يؤخذ بالقصاص والأموال) لأن الحق استيفائها لمن له الحق فيكون الإمام فيه كغيره وعرف بهذا جواز استيفاء القصاص بدون قضاء القاضي، والقضاء إنما هو لتمكينه من استيفائه (لا) أنه شرط لا يؤاخذ (بالحد) لأنه حق الله تعالى وهو المكلف بإقامته وتعذر إقامته على نفسه لأن إقامته بطريق الجزاء والنكاح ولا يفعل ذلك أحد بنفسه ولا ولاية لأحد عليه ليستوفيه، قيل: ما المانع من أن يولي غيره الحكم فيه؟ لما يثبت عنده فإذا وجب عليه حق استوفاه ولا يخلص إلا بادعاء أن آية الزنا نفهم أن المخاطب فيه بالجلد الإمام أن يجلد غيره، قال في (الفتح): وقد يقال أين دليل إيجاد الاستنابة والله الموفق للصواب. باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها قدم أن الزنا يثبت إما بالبينة أو الإقرار ثم ذكر في هذا الباب أسبابا ترد بها الشهادة كالتقادم، والاختلاف في الزمان والمكان، والجهل بالمزني بها ونحو ذلك، وكذا الرجوع عنها وكل هذه عوارض على خلاف الأصل فناسب تأخيرها وهذا أولى مما في (العناية) و (الدراية) و (فتح القدير) كما يظهر ذلك لمن راجعها (شهدوا بحد متقادم) فيه تساهل فإنهم إنما يشهدون بسبب الحد والتقادم صفة له في الحقيقة كذا وهو شهر في الأصح (سوى حد القذف لم يحد) لعدم الشهادة للتهمة وذلك / أن الشاهد مخير في الابتداء بين الستر والأداء فتأخيره إن كان ميلا إلى الستر [٣٠٣/ب] فالإقدام على الأداء بعد ذلك لعداوة حركته، وإن لم يكن كان بالتأخير فاسقا بخلاف حد القذف لأن الدعوى فيه شرطا لما فيه من حقوق العبد فحمل التأخير على انعدام الدعوى، وأورد أنها شرط في السرقة أيضا ومع هذا لا تقبل الشهادة فيها بالتقادم. وأجاب فاضي خان بأنها إنما لا تقبل لا للتهمة في الشهود بل للخلل في الدعوى، وذلك أن صاحب المال مخير في الابتداء فإذا أخر فقد اختار الستر فلم يبق له حق دعوى السرقة والحد بل حق دعوى المال فقط، إلا أن هذا يقتضي أن الشهود لو علموا بالسرقة فلم يعلموه حتى مضى شهر، فادعى تسمع الدعوى ولا تقبل الشهادة، واعلم أن جزمهم بفسقه ينافي ما جزموا فيه من أن أداها في الحدود قد انتسخ ويمكن أن يجاب بأنه بعد اختيار الأداء يصير واجبا كما في النوافل تجب بالشروع، كذا في (الحواشي السعدية).

стр. 1126

ويضمن المال ولو أثبتوا زناه بغائبة حد بخلاف السرقة وإن أقر بالزنا بمجهولة حد وإن شهدوا عليه بذلك لا كاختلافهم في طوعها. ــ وقد يقال المنسوخ إنما هو تعين الأداء ولذا قال في (الفتح): إنه مأمور بأحد أمرين الستر أو الأداء احتسابا فأحد الأمرين واجب مخير كخصال الكفارة انتهى. قيد بالشهادة لأنه لو أقر بحد متقادم حد لانتفاء العلة إلا في حد الشرب عندهما خلافا لمحمد على ما سيأتي، ولا بد أن يكون التقادم لغير عذر فإن كان له كمرض أو بعد مسافة أو خوف طريق قبلت وحد (وضمن المال) المسروق، لأن التقادم لا يمنع دعوى المال ولأن تأخير الشهادة لتأخير الدعوى لا يوجب فسقا، وينبغي أنهم لو أخروا الشهادة لا لتأخير الدعوى أن لا تقبل في حق المال أيضا، كما في (فتح القدير). قال في (البحر): وقولهم بضمان المال مع تصريحهم بوجود التهمة في شهادتهم مع التقادم مشكل لأنه لا شهادة للمتهم ولو بالمال إلا أن يقال: إنها غير محققة وإنما الموجود الشبهة، وبما قدمناه عن قاضي خان لا يحتاج إلى هذا في دفع هذا الإشكال (ولو أثبتوا زناه بغائبة حد) بإجماع الأربعة، وكذا لو أقر بالزنا بغائبة (بخلاف السرقة)، والفرق أن بالغائبة تنعدم الدعوى وهي شرط في السرقة للعمل في البينة وليست بشرط لثبوت الزنا عند القاضي، وبالحضور يتوهم دعوى الشبهة ولا معتبر بالموهوم لأنه شبهة الشبهة (وإن أقر) المكلف (بالزنا بمجهولة حد وإن شهدوا عليه بذلك) أي: بأنه زنا بامرأة لا يعرفها، أي: لا يحد لجواز أن تكون زوجته أو أمته بل هو الظاهر بخلاف الإقرار لأنه لا يخفى عليه من هي واحتمال أن تكون أمته بل هو الظاهر بخلاف الإقرار لأنه لا يخفى عليه من هي واحتمال أن تكون أمته بالميراث ولا يعرفها لا اعتبار به لأنه ثابت في المعروفة أيضا فإن قلت مقتضى التعليل الأول أن المشهود عليه لو قال: ليست بزوجتي ولا أمتي أن يحد مع أنه لا يحد أيضا، قلت: إنما لا يحد لجواز أن تكون أمة ابنه أو منكوحته نكاحا فاسدا إلا أن مقتضى هذا أنه لو قال: هي أجنبية عني بكل وجه أن يحد. وفي (الخانية) لو قال الشهود بعد قولهم: لا نعرفها: هي فلانة (لا) يحد واحد منهما (كاختلافهم) أي: كما لا يحد في اختلاف الشهود (في طوعها) بأن شهد اثنان أنه أكرهها وآخران أنها طاوعته وهذا عند الإمام، قالا: يجب الحد على الرجل لاتفاقهم على أنه زنى غاية الأمر أن اثنين تفردا بزيادة جناية هي إكراهه، وله أن الزنا فعل واحد يقوم بهما وقد اختلف في جانبها فيكون مختلفا في جانبه ضرورة وهذا لأن شاهدي الزنا بطائقة ينفيان زناه بمكرهة، والآخران ينفيان زناه بطائفة فلم يتحقق على خصوص الزنا في الخارج بشهادة أربعة، وما قيل من أن شاهدي الطوعية لما

стр. 1127

أو في البلد ولو على كل زنا أربعة ولو اختلفوا في بيت واحد حد الرجل والمرأة ولو شهدوا على زنا امرأة وهي بكر أو الشهود فسقة أو شهدوا على شهادة أربعة وإن شهد الأصول لم يحد أحد ولو كانوا عميانا أو محدودين أو ثلاثة حد الشهود. ــ اندرأ الحد عنهما صار اقاذفين لها بالزنا فصارا خصمين لها ولا شهادة للخصم لكن سقط الحد بشهادة الآخرين بالإكراه إنما يحتاج إليه على قولهما، أما على قول الإمام فلا يجب حد القذف على الشهود، نص عليه شمس الأئمة في (جامعة) (أو) كاختلافهم (في البلد) بابن شهد اثنان أنه زنى بها بالكوفة، وآخران أنه زنى بها بالبصرة والوجه فيه ظاهر ولا حد على الشهود أيضا خلافا لزفر، (ولو) كان (على كل زنا أربعة) كما إذا شهد أربعة أنه زنا بالبصرة وقت طلوع الشمس في اليوم الفلاني من الشهر الفلاني من السنة الفلانية، وأربعة أنه زنى بها بالكوفة في الوقت المذكور بعينه فلا حد عليهما لأنا تيقنا بكذب أحدهما. قال في (الفتح): ولو تقارب المكان جازت شهادتهم / لأنه يصح كون الأمرين [٣٠٤/أ] فيهما في ذلك الوقت لأن طلوع الشمس يقال لوقت ممتد امتدادا عرفيا إلا أنه يخص أوان ظهورها من الأفق، (ولو اختلوا) أي: الشهود (في بيت واحد) بأن شهد اثنان أنه زنا بها في زاوية منه وآخران أنه زنى بها في زاوية أخرى (حد الرجل والمرأة) استحسانا لإمكان التوفيق بأن يكون ابتداء الفعل في زاوية وانتهاؤه بأخرى إذ المراد به الصغير، أما بالبيت الكبير فكالدار قيد بالبيت لأنه لا حد في الاختلاف في دارين والاختلاف في طولها وقصرها وسمنها وهزالها وثيابها غير مانع للقبول، (ولو شهدوا على زنا امرأة وهي) أي: والحال أنها (بكر) أو رتقاء أو قرناء (أو) كان (الشهود فسقة أو شهدوا على شهادة أربعة وإن شهد الأصول) بعد ذلك (لم يحد أحد)، أما في الأولى فلظهور كذب الشهود وهذا لأن شهادة النساء بها حجة في إسقاط الحد وإن لم تكن حجة في إيجابه والواحدة تكفي، كما في (كافي) الحاكم، وفي كلامه إيماء إلى أنهم شهدوا عليه بالزنا فوجد مجبوبا فلا حد أيضا، وأما في الثانية فلا انتفاء الزنا لانتفاء العدالة، وأما في الثلاثة فلامتناع الشهادة على الشهادة في الحدود لما فيها من زيادة الشبهة وشهادة الأصول قد ردت من وجه برد شهادة الفروع، قال الشارح: هذا في الحدود، وأما الأموال فتقبل ولو ردت شهادة الأصول لم تقبل شهادة الفروع ولا الأصول بعده في كل شيء إن ردت لتهمة مع الأهلية، وإن ردت لعدمها تقبل بعد ثبوتها كالعتق والإسلام والله الموفق. (ولو كانوا) أي: الشهود (عميانا أو محدودين) في قذف أو كان بعضهم كذلك (أو) كانوا (ثلاثة حد الشهود) لأنهم قذفة يعني إذا طلب المشهود عليه ذلك

стр. 1128

لا المشهود عليهما ولو حد فوجد أحدهم عبدا أو محدودا حدوا وأرش ضربه هدر وإن رجم فديته على بيت المال فلو رجع أحد الأربعة بعد الرجم حد وغرم ربع الدية وقبله حدوا ولا رجم ولو رجع أحد الخمسة لا شيء عليه فإن رجع آخر حدا وغرما ربع الدية. ــ لأنه حقه (لا) يحد (المشهود عليه) لعدم ثبوت الزنا في حقه بشهادتهم، وقيد بالأعمى والمحدود دلال على أنه لا يحد لو كانوا عبيدا أو صبيانا أو مجانين أو كفارا بالأولى لأنهم ليسوا أهلا للتحمل ولا للأداء، أما الأعمى والمحدود فأهل للتحمل دون الأداء، (ولو حد) المشهود عليه (فوجد أحدهم عبدا أو محدودا) في قذف أو أعمى أو كافرا حدوا حد القذف لأن المشهود حينئذ أقل من أربعة (وأرش ضربه) ونفسه لو مات (هدر) عند الإمام، وقالا: إن جرحه الضرب أو مات فأرش جراحته ودية نفسه في بيت المال وعلى هذا الخلاف لو رجعوا فعنده لا يضمنون شيئا وعندهما يضمنون لهما أن الواجب مطلق الضرب إذ الاحتراز عن الجرح خارج عن الوسع فينتظم الخارج وغيره فيضاف إلى شهادتهم فيضمنون بالرجوع، وعند عدمه يرجع إلى بيت المال لأنه ينتقل فعل الجلاد إلى القاضي فهو عامل للمسلمين وله أن الواجب هو الحد، وهو ضرب مؤلم غير جارح ولا مهلك ولا يقع إلا لقلة هداية الضارب فاقتصر عليهن إلا أنه لا يجب الضمان عليه في الأصح لئلا يمتنع الناس عن الإقامة، (وإن رجم) فظهر أحدهم كما ذكر (فديته في بيت المال) اتفاقا. (ولو رجع أحد الأربعة بعد الرجم حد) لانقلاب شهادته بالرجوع قذفا (وغرم ربع الدية) لأن الذي تلف بشهادته إنما هو ربع الحق ول١الو رجع الكل حدوا وغرموا الدية، ولو ثبت عليه الزنا مرتين كل واحدة بأربعة فرجم، ثم رجع الفريقان ضمنوا الدية إجماعا ويحدون للقذف عندهما خلافا لمحمد (و) إن رجع (قبله) أي: الرجم سواء كان قبل القضاء أو بعده (حدوا)، أما إذا كان قبل القضاء فهو قول علمائنا الثلاثة لأنهم صاروا قذفة، وأما إذا كانوا بعده فهو قولهما وقال محمد: يحد الراجع فقط لأن الشهادة تأكدت بالقضاء فلا تنفسخ إلا في حق الراجع ولهما أن الإمضاء من القضاء ولذا يسقط الحد عن المشهود عليه والله الموفق. (ولو رجع أحد الخمسة لا شيء عليه) سواء كان قبل القضاء أو بعده لأن ثمة من يبقي شهادته كل الحق والله أعلم، (فإن رجع آخر حدا) لأن شهادتهما حينئذ تنفسخ قذفا لعدم تمام بقاء الحجة لأن الرجوع الثاني هو الموجب للحد، (وغرما ربع الدية) لأنه بقي من يبقى بشهادته ثلاثة أرباع الحق إذ المعتبر في قدر لزوم الغرامة بقي من بقاء لا رجوع من رجع، وفي قوله: غرما إيماء إلى أن الرجوع بعد الرجم. قال في (الحاوي القدسي): ولو رجع الثالث كان عليه ربع الدية وكذا الثاني

стр. 1129

وضمن المزكون دية المرجوم إن ظهرا عبيدا كما لو قتل من أمر برجمه فظهرا كذلك وإن رجم فوجدوا عبيدا فديته في بيت المال وإن قال شهود الزنا: تعمدنا النظر قبلت شهادتهم. ــ والأول ولو رجع الخمسة ضمنوا الدية أخماسا (وضمن المزكون) برجوعهم وطواه اكتفاء بدلالة ضمن (دية / المرجوم إن ظهروا) أي: الشهود (عبيدا) أي: غير أهل [٣٠٤/ب] للشهادة عند الإمام بأن قالوا بعد قولهم هم أحرار مسلمون تعمدنا الكذب لعلمنا بأنهم ليسوا كما قلنا: وأوجبناها على بيت المال لأنهم إنما أثبتوا على الشهود خبرا فصار كما إذا أثبتوا على المشهود عليه خيرا بأن شهدوا بالإحصان فظهر بعد رجمه أنه غير محصن فإنهم لا يضمنون، فكذا المزكون وله أن الشهادة إنما تصير حدة بالتزكية فكانت في معنى علة العلة فيضاف الحكم إليها بخلاف شهود الإحصان لأنه محض الشرط قيد بالرجوع، لأنه لو ثبتوا على التزكية، وقالوا: أخطأنا: كانت الدية في بيت المال اتفاقا وبالتزكية لأنهم لو أخبروا بأنهم عدول وظهروا عبيدا لم يضمنوا اتفاقا إذ ليس هذه بتزكية والخطأ مضاف إلى القاضي لاكتفائه بهذا القدر، (كما لو قتل من أمر برجمه) رجل (فظهروا كذلك) أي: عبيدا فإن القاتل يضمن الدية استحسانا في ثلاث سنين لأن القضاء وقت القتل كان صحيحا ظاهرا فأورث شبهة قيد بأمره لأنه لو قتل قبله كان على القاتل القصاص في العمد والدية على عاقلته في الخطأ، وظاهر أن المراد بالأمر هو الكامل وهو أن يكون بعد استيفاء ما لا بد منه، أما لو كان ناقصا بأن كان قبل تعديل الشهود خطأ منه وجب القصاص في العمد، والدية في الخطأ وقيد بالمأمور برجمه لأن المأمور بقتله قصاصا لو قتل وجب القصاص بقتله ظهر الشهود عبيدا أو لا نص عليه الشارح في الدية. (وإن رجم) بالبناء للمفعول ليناسب قتل أي من أراد قتله، أي: المأمور بقتله وإنما رجم (فظهروا عبيدا فديته في بيت المال) لأنه امتثل أمر الإمام فنقل فعله إليه، كذا في (الهداية) وهذا يقتضي بناء رجم للفاعل يعني في كلام المصنف، كذا في (البحر) وفيه نظر إنما ضبطه الأساتذة في كلام صاحب (الهداية) بالبناء للفاعل ليرجع ضميره إلى الرجل في قوله: فضرب رجل عتقه. قال في (غاية البيان): ويجوز ن يبنى للمفعول أيضا، وفيه دلالة ظاهرة على مطابقة التعليل لهما إنما الكلام على الأنسب، وأنت قد علمت أن نسبة هذا الثاني لما في (المختصر) والأول لما في (الهداية) (وإن قال شهود الزنا: تعمدنا النظر) إلى الفرج (قبلت شهادتهم) لأنه يباح لهم للحاجة لتحمل الشهادة فأشبه الطبيب والقابلة والختان ونحوهم.

стр. 1130

ولو أنكر الإحصان فشهد عليه رجل وامرأتان أو ولدت زوجته منه رجم. باب حد الشرب من شرب خمرا فأخذ وريحها موجود. ــ (ولو أنكر) الزاني (الإحصان) أي: اجتماع شرائطه المتقدمة فيه كأن أنكر النكاح والدخول فيه والحرية (فشهد عليه رجل وامرأتان) وكيفية الشهادة بالدخول أن يقول: تزوج امرأة وجامعها أو باضعها، وكذا لو قالوا: دخل بها عندهما خلافا لمحمد لأنه مشترك بين الوطء والزنا والخلوة والزيادة، وأفهم كلامه أنه تقبل فيه الشهادة على الشهادة، وعن الثاني أنه لو شهد على إقراره به شاهدان لا يحد، وفي (المحيط) تزوجها بلا ولي ودخل بها، قال الثاني: لا يكون محصنا لأن هذا النكاح غير صحيح قطعا لاختلاف العلماء والأخبار فيه. (أو ولدت زوجته منه) ولدا قبل الزنا وقد أنكر الدخول بها واعترف بباقي الشرائط (رجم) لأن الإحصان عبارة عن الخصال الحميدة وهي مانعة من الزنا فلا تكون في معنى العلة لأن أدنى درجاتها أن تكون مفضية إلى المعلول، والحكم بإثبات النسب حكم بالدخول واستشكل كونه ليس في معنى العلة للحد بأنه لو أقر بالإحصان ثم رجع عنه صح رجوعه وتقبل البينة عليه حسبة، وأجيب بأنه إنما يصح رجوعه لأنه مكذب له بخلاف الدين وصحت الحسبة به لأنه من إظهار حق الله تعالى، والمانع من شهادة النساء ليس هو هذا، والله الموفق للصواب. باب حد الشرب قدم حد الزنا لأن حرمته أشد لما أنه بمنزلة القتل ولذا قرن به في قوله سبحانه: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ (الفرقان: ٦٨) الآية، ثم ذكر حد الشرب وأخر عنه حد القذف للتقيد بسببه بخلاف القذف لأنه قد يصدق فيه وأخر حد السرقة وإن كان أشد لأن شرعيته لصيانة الأموال وصيانة الأنساب والعقول والأعراض مقدمة (من شرب الخمر) وهي التي من ماء العنب إذا غلا اشتد وقذف الزبد فإن لم يقذف فليس [٣٠٥/أ] بخمر عند الإمام خلافا لهما وبقولهما أخذ أبو حفص / الكبيرن كذا في (الخانية) وفيما لو خلطه بالماء فإن كان مغلوبا حد، وإن الماء غالبا لا يحد إلا إذا سكر. وفي (المنية) لو قال لهم: إعلم بتحريمها حد (فأخذ) إلى الحاكم، (وريحها) أي: والحال أن ريحها أي: الخمر (موجود)، وفي (الهداية) موجودة وهو الحق لأن الريح من الأسماء المؤنثة سماعا كما في (غاية البيان) كذا في (البحر) انتهى.

стр. 1131

أو كان سكران ولو بنبيذ وشهد رجلان أو أقر مرة حد. ــ وأقول: يجوز أن يكون ذكر الخبر على معنى الشم أي وشم ريحها موجود كما قيل في قوله ﵊: (مثل المؤمن كمثل الأرجة طعمها طيب وريحها طيب) إلا أن في الحديث استعارة لا تخفى (أو كان) أي وجد المأخوذ حال كونه (سكران ولو) كان سكره (من نبيذ) محرم من الأنبذة الأربعة، كذا في (الشرح) وهذا قولهما وقال محمد: ما أسكر كثيره فقليله حرام وهو نجس أيضا. قالوا: وبقول محمد نأخذ، وفي طلاق (البزازية) لو سكر من الأشربة المتخذة من الحبوب والعسل المختار في زماننا لزوم الحد انتهى. ولو حمل قول المصنف ولو من نبيذ على كل لكان أولى ولم يقل أخذ وريحها موجود اكتفاء بالسكر لاستلزامه ذلك (وشهد) عليه (رجلان) بالشرب بعد أن ثبت عند القاضي أن الريح قائمة حال الشهادة بأن شهدا به أيضا أو بالشرب فقط فيأمر القاضي باستنكاهه ليخبر بوجود الرائحة، فإن زالت لبعد المسافة فلا بد من شهادتهما بالشرب أن يقولا: إخذناه وريح الخمر موجودة، وفي غير الخمر لا بد أن يشهدا بأنه سكر من غيرها مع وجود رائحة ذلك المسكر. قال في (الخانية): ثم يسألهم عن الخمر ما هي؟ وكيف شرب؟ ومتى شرب؟ وأين شرب لجواز أن يكون مكرها أو شهدا مع التقادم أو أنه شرب في دار الحرب فإذا بينوا ذلك حبسه حتى يسأن عن عدالتهم انتهى. واستغنى المؤلف عن السؤال عن الخمر وعن الزمان والمكان بقوله: أخذ وريحها موجود وصرح بكونه طائعا نعم يحتاج عن السؤال عن الزمان على قول محمد كما سيأتي، ولو اختلفا في الزمان أو شهد أحدهما أنه سكر من الخمر، والآخر أنه سكر من السكر لم يحد، كذا في (الظهيرية). (أو أقر) بأنه شرب الخمر أو سكر (مرة) رد لقول الثاني من أنه لا بد من إقراره مرتين اعتبارا بالشهادة وفيه إيماء إلى أنه لو شهد أحدهما أنه شربه والآخر على إقراره بذلك لم يحد (حد) لقول ابن مسعود فيمن شرب الخمر: (ترتروه ومزمزوه ثم استنكهوه فإن وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه). والتلتلة التحريك الشديد، والمزمزة التحريك بعنف، والاستنكاه طلب النكهة، كذا في (المستصفى) وقال ﵊ في السكران: (إن سكر فاجلدوه ثم إن سكر فاجلدوه ثم إن سكر فاجلدو ثم إن سكر فاضربوا عنقه بالسيف) رواه أحمد قال الترمذي: وقد كان القتل في أول الأمر ثم نسخ، وقالت الظاهرية: إنه يقتل في الرابعة.

стр. 1132

إن علم شربه طوعا وصحا فإن أقر أو شهدا بعد مضي ريحها لا لبعد المسافة أو وجد منه رائحة الخمر أو تقيأها أو رجع عما أقر أو أقر سكران بأن زال عقله. ــ قال العيني: وما أحسن هذا في هذا الزمان، لو يفتى به (إن علم شربه طوعا) بأن شهدا بذلك، ولو لم يشهد بذلك لم يقبل وخرج به ما لو كان مكرها أو مضطرا، ومن الشرائط أن يكون مسلما حتى لو ارتد فشرب خمرا أو سكر من غيره فاسلم لا يحد، لأن حد السكر والخمر لا يقام على أحد من الكفار بخلاف حد الزنا والسرقة، كذا في (الظهيرية). وفي (منية المفتي) سكر الذمي من الحرام حد في الأصح ولعل هذا هو العذر للمصنف في حذفه قيد الإسلام إلا أنه في فتاوى قارئ (الهداية) أجاب حين سئل عن الذمي إذا سكر هل يحد؟ قال: إذا شرب الخمر وسكر منه المذهب أنه لا يحد، وأفتى الحسن بأنه يحد واستحسنه بعض المشايخ لأن السكر في جميع الأديان حرام، وفيها لو سرق الذمي أو زنا فأسلم إن ثبت عليه ذلك بإقرار أو بشهادة المسلمين حد وإلا بأن ثبت بشهادة أهل الذمة لا يحد انتهى. ومنها أن يكون ناطقا فلا حد على الأخرس سواء ثبت شربه بالبينة أو أشار بإشارة معهودة للشبهة، كما في (الخانية) وأما كونه مكلفا فلا يخص حد الشرب (وصحا) من سكره هذا شرط لوجود الحد ليفيد الضرب فائدته. قال العيني: وهو ظاهر في أنه لو حد في حال سكره لا يكتفى به لعدم فائدته (وإن أقر) بالشرب أو السكر (أو شهدا) عيه بذلك يعني (بعد مضي ريحها) أي: ريح المسكر (لا لبعد المسافة) قيد بذلك لأن التأخير لو كان لعذر البعد وشهدا كما مر حد (أو وجد منه رائحة الخمر) ولم يثبت شربه كما مر (أو تقيأها) أي: الخمر (أو رجع) المقر بالسكر أو شرب الخمر (عما أقر) به (أو أقر) وهو (سكران) وفسره بقوله [٣٠٥/ب] (بأن زال / عقله) بحيث لا يميز الأنثى من الذكر ولا السماء من الأرض، وهذا عند الإمام وقالا: هو الذي يهذي ويخلط كلامه غالبا وبه أفتى المشايخ كما في (الخانية). واتفق أئمة بلخ على أنه يستقرأ سورة من القرآن فإن قرأها فليس بسكران فيعتبر إقراره، حتى حكى أمير بلخ أتاه الشرطي بسكران فأمره بقراءة: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ فقال للأمير: اقرأ أنت الفاتحة أولا فلما قرأ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال: قف فقد أخطأت مرتين تركت التعوذ والتسمية وهي آية من الفاتحة عند بعض العلماء، فخجل وضرب الشرطي قائلا أمرتك أن تأتيني بالسكران فجئتني بمقرئ بلخ، كذا في (الظهيرية). وأصل ما روى بشر عن أبي يوسف من اعتبار السكر بقراءة ﴿قل يا أيها

стр. 1133

لا. ــ الكافرون﴾ قال بشر: فقلت له كيف أمرت بها من بين السور؟ فربما يخطئ فيها العاقل الصاحي قال: لأن الله بين أن الذي عجز عن قراءتها سكران يعني بذلك ما في الترمذي عن علي (صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما وسقانا خمرا فأخذت الخمرة بنا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون) فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ (النساء: ٤٣) ولا شك أن المراد لمن يحفظ القرآن أو كان حفظها مما حفظ منه لا من لم يدر شيئا أصلا ولا ينبغي أن يعول على هذا بل ولا يعتبر فإنه طريق سماع تبديل كلام الله تعالى فإنه ليس كل سكران إذا أمر بقراءتها يقول: لا أحسنها بل يندفع قارئا فيبدل إلى الكفر ولا ينبغي أن يلزم أحد بطريق ذكر ما هو كفر وإن لم يؤاخذ به نعم لو تعين طريق الإقامة حكم الله تعالى لكن ليس كذلك فإن معرفة السكر له طريق معلوم هي ما ذكرنا في (الفتح) ملخصا (لا) أي: لا يحد في هذه الصور، أما إذا ثبت عليه بعد زوال الرائحة فللتقادم إذ هو مقدر بزوال الرائحة عندهما، وقدره محمد بشهر حيث ثبت بالبينة وإن أقر به صح عنده مطلقا اعتبارا بحد الزنا. وانتصر في (فتح القدير) لمحمد قال: وهو الصحيح، وفي (غاية البيان) الصحيح عندي في الإقرار قول محمد: وأما إذا وجد منه رائحة الخمر أو تقايأها فلأن الرائحة محتملة فلا يثبت مع الاحتمال ما يندرئ بالشبهات، وكذا الشرب قد يكون عن إكراه فوجود عينها في القيء لا يدل على الطواعية فلو وجب الحد وجب بلا موجب، وأما إذا رجع الإقرار فلأنه خالص حق الله تعالى فيقبل حق الرجوع فيه كسائر الحدود، وأما إذا أقر وهو سكران فلأنه يحتمل الكذب فيحتال لدرئه ودل كلامه أن إقراره حال السكر بالحدود الخالصة غير صحيح، أما غير الخالصة كحد القذف فيصح، وعرف من هذا إن إقراره بحقوق العباد الخالصة كالقصاص والأموال والطلاق والعتاق صحيح بالأولى، ولهذا لو أقر بالسرقة أخذ منه المال ولم يقطع وقالوا: إن ارتداده غير صحيح لأنه من باب الاعتقاد فلا يتحقق مع السكر. قال في (الفتح): هذا في حق الحكم أما فيما بينه وبين الله تعالى فإن كان في الواقع قصد أن يتكلم به ذاكرا لمعناه كفر وإلا فلا انتهى. وهذا يشكل على تفسير الإمام السكران بزائل العقل وجوابه ما صرح به بعد من أن هذا في السكران الذي لم

стр. 1134

وجد السكر والخمر ولو شرب قطرة ثمانون سوطا. ــ يصل إلى إفضاء السكر إذا تكلم بما هو كفر فإن كان عن غير قصد فليس بكافر عند الله ولا في الحكم وإن كان مدركا لها قاصدا مستحضرا معناها فإنه كافر عند الله بطريق تكفير إذ الهازل وإن لم يحكم بكفره في القضاء لأن القاضي لا يدري من حاله إلا أنه سكران ولا يحكم بكفره ولو أسلم. قال الشارح: ينبغي أن يصح كإسلام المكره وجزم في (فتح القدير) بأنه لا يصح هذا إذا سكر من محرم فإذا سكر من مباح كما إذا شرب من المحتد من الحبوب والعسل والدواء أو كان مضطرا أو مكرها فتصرفاته غير صحيحة، وفي (الخانية) لو زال عقله بالبنج فطلق لا يقع طلاقه هو الصحيح سواء علم حين تناوله أنه بنج أو لا. قال في (البحر): وهذا يدل على أن البنج حلال انتهى. والتحقيق ما في (العناية) أن المسكر منه حرام نص عليه المحبوبي، (وحد السكر) بضم السين وسكون الكاف، كذا في السماع لا بفتحتين وهو: عصير الرطب إذا اشتد، وقيل [٣٠٦/أ] كل شراب أسكر ولا بدع في ضبط ما في (الكتاب) بفتحتين بل هو / المناسب لقوله: (والخمر) كما لا يخفى. ثم رأيت الحدادي قال في قول القدوري: وحد الخمر والسكر من النبيذ في الحر ثمانون سوطا يجوز في السكر ضم السين وفتحها مع تسكين الكاف وبفتح السين وتحريك الكاف فإذا قال: بفتحتين يكون فيه قصور، وإن قال بالسكون وضم السين يكون حد الخمر بمجرد الشرب وحد سائر الأشربة بعد حصول السكر انتهى. ووجه القصور أنه يقتضي وجوب الحد لمجرد الشرب كما الخمر، وجوابه أن هذا مدفوع بما قدمه في أول البال من أنه لا يحد من الأنبذة إلا بالسكر - والله الموفق - (ولو شرب قطرة ثمانون سوطا) بإجماع الصحابة وهذا لأنه ﵊ لم يسن فيه عددا معينا بل القطع بأنه أمر بضربه ثم قدره الشيخان بأربعين ثم اتفقوا على ثمانين وجاز لهم ذلك مع أنه ﵊ أتي له برجل قد شرب الخمر فضربه بجريدتين نحو الأربعين ولم يزد لعلمهم بأنه ﵊ انتهى إلى هذه الغاية في ذلك الرجل لزيادة فساد فيه، ثم رأوا أهل الزمان تغيروا إلى نحوه أو أكثر فكان ما أجمعوا عليه هو ما كان حكمه ﵊ في أمثالهم

стр. 1135

وللعبد نصفه وفرق على بدنه كحد الزنا. باب حد القذف هو كحد الشرب كمية. ــ (وللعبد نصفه) لرواية (الموطأ): (أن عمر وعثمان وعبد الله بن عمر جلدوا عبيدهم نصف الحد في الخمر). (وفرق) الضرب (على بدنه كحد الزنا) لأن تكراره في موضع واحد قد يفضي إلى التلف، والحد إنما شرع زاجرا فقط، وفيه إيماء إلى أنه يتقي الرأس والوجه والفرج. (وأ، يضرب بسوط لا ثمرة له) مع نزع ثيابه في المشهور من الرواية إلا الإزار، وعن محمد أنه لا يجرد. وقال في (غاية البيان): وهو الأصح عندي لعدم ورود النص بذلك قال: ولا يجرد في حد القذف يعني اتفاقا إلا الفرو والحشو. وفي (البحر): إنه يجرد في التغرير والله الموفق. باب حد القذف هو لغة الرمي مطلقا وشرعا الرمي بالزنا وهو من الكبائر بإجماع الأئمة، كذا في (الفتح) و (الدراية) والأولى ما في (العناية) بأنه نسبة المحصن إلى الزنا صريحا أو دلالة إذ الإجماع إنما هو في المحصن فقد قال الحليمي من الشافعية: قذف الصغيرة والمملوكة والحرة والمتهتكة من الصغائر، لأن الإيذاء في قذفهن دونه في الحرة الكبيرة المستترة بل قال ابن عبد السلام منهم: الظاهر أن قذف المحصن في خلوته بحيث لا يسمعه إلا الله والحفظة ليس بكبيرة موجبة للحد لانتفاء المفسدة وخالفه البلقيني قال: بل الظاهر أنها كبيرة موجبة للحد فطاما عن هذه المفسدة، والظاهر قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ (النور: ٤) الآية وهذا رمي لمحصنة وقوله ﵊: (اجتنبوا الموبقات وعد منها قذف المحصنات)، وهكذا استدل في (فتح القدير) للإجماع وهو مؤيد لما قاله البلقيني. وما في (البحر) من أن قواعدنا لا تأبى مقالة ابن عبد السلام مدفوع (وهو كحد الشرب كمية) أي: من حيث الكمية، أي: العدد وهو ثمانون سوطا للحر ونصفها

стр. 1136

وثبوتا فلو قذف محصنا أو محصنة بزنا. ــ للعبد (وثبوتا) فلا يثبت إلا بشهادة عدلين أو بالإقرار، ولا تقبل فيه شهادة النساء ولا الشهادة على الشهادة ولا كتاب القاضي إلى القاضي فإن لم يعرف عدالتهما حبسه القاضي حتى يسأل عنهما، وكذا لو أقام شاهدا واحدا عدلا وادعى أن الثاني في المصر حبسه يومين أو ثلاثة، ولو زعم أن له بينة في المصر حبسه إلى آخر المجلس. قالوا: والمراد بالحبس في الأولين حقيقته وفي الثالث الملازمة ولا يأخذ منه كفيلا بنفسه إلى المجلس الثاني، وقال أبو يوسف: يأخذه ولو شهدا أنه قذفه سألهما القاضي عن القذف ما هو؟ وكيف هو؟ فإن لم يزيدا على ذلك لا تقبل إلا إذا شهد أنه قال له: يا زاني فإنها تقبل ولو شهد أحدهما أنه قذفه يوم الخميس، والآخر أنه قذفه يوم الجمعة قبلت عند الإمام وقالا: لا تقبل ولو شهد أحدهما أنه قذفه يوم الخميس والآخر أقر بقذفه في ذلك اليوم لم يحد في قولهم، ولو اختلف في مكانه حد في قول الإمام كالزمان، وقال الثاني: لا يحد، كذا في (التاتارخانية). [٣٠٦/ب] ولو أختلفا في اللغة التي وقع القذف بها بطلت شهادتهم، (فلو قذف محصنا) / بأي لسان كان وفيه إيماء إلى أنه يشترط عجز القاذف عن إثبات ما رماه به حتى لو أثبته بأن أقام أربعة شهدوا على زنى المقذوف ولو في حال حد على أحد الروايات فلا حد على القاذف لخروج المقذوف عن كونه محصنا، وكذا لو صدقه وهل يحد المقذوف إن شهدوا بحد متقادم؟ لم يحد وإلا حد ولو أقامها بعدما حد، قال الكرخي: تقبل إذا الضرب الذي ليس بحد لا يمنع قبولها. وفي (شرح القاضي) ابن أبي عوف لا تقبل فيحمل أن يكون فيه روايات أو اختلاف المشايخ، كذا في (السراج) ولا بد أن يكون المقذوف ناطقا فلا حد بقذف الأخرس، وكذا لو خرس قبل الحد أو ارتد أو زنا أو وطء حراما للشبهة في النوع الأول، وزوال الإحصان في الثاني، كذا في (التاتارخانية)، وأن يكون ممن يتصور منه الزنا فلو كان مجبوبا أو خصيا أو كانت رتقاء أو قرناء فلا حد على القاذف أيضا، وأن لا يكون المقذوف ولدا ولا ولد ولد ولا مملوكا للقاذف كما سيأتي، والآية وإن كانت في المحصنة لكنها تتناول المحصن دلالة يجامع دفع العار وعليه الإجماع قيد بذلك لأنه لو قذف غيرها لم يحد ومنه ما لو قذف خنثى بلغ مشكلا نص عليه في (السراجية) ووجهه أن نكاحه موقوف وهو لا يفيد الحد (بزنا) أي: بصريحه كزنيت أو يا زاني وفي أنت أزنى الناس أو من فلان خلاف ففي (المبسوط) لا حد عليه إذ معناه أنت أقدر الناس على الزنا وجزم قاضي خان بوجوبه، وكذا في أنت أزنى مني فجزم في (الظهيرية) بوجوبه وفي (الخانية) بأنه لا يجب كما لو قال: ما رأيت زانية خيرا منك.

стр. 1137

حد بطلبه مفرقا ولا ينزع غير الفرو والحشو وإحصانه بكونه مكلفا. ــ ولو قال لرجل: يا زانية لا يحد في قولهما وقال محمد: يحد، وأجمعوا أنه لو قال لامرأة يا زاني حد ولو قال: قل لفلان يا زاني لم يحد الآمر، وأما المأمور فإن قال له يا زاني حد لا إن قال له إن فلانا يقول لك يا زاني، ولو قال أخبرت أنك زان لم يكن قذفا، ولو قال لرجلين أحدكما زان فقيل له هذا فقال لا، لا حد عليه لأن أصل القذف لم يقع موجبا ولو قال لجماعة: كلكم زان إلا واحدا وجب الحد، ولو قال لها. زنيت بحمار أو بعير أو ثور لم يحد لأن الزنا إدخال ذكره في قبل مشتهاة إلى آخره بخلاف ما لو قال زنيت بناقة أو أتان أو دراهم لأن معناه زنيت وأخذت البدل إذ لا تصلح المذكورات للإدخال في فرجها ولو قبل هذا الرجل لا يحد لأنه ليس العرف في جانبه أخذ المال. واعلم أن حضور المقذوف مجلس القذف غير شرط نص عليه في (المضمرات)، قال ملا خسرو: ولا بد من حفظه لكثرة وقوعه (حد بطلبه) لأن حقه من حيث دفع العار عنه ولا يعلم منه خلاف، كذا في (الدراية) وفيه إيما إلى أن قذف الأخرس لا يوجب الحد وقد مر وهل يعذر في مطالبة القاذف فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان غير عفيف في السر؟ قال في (القنية): يعذر قال رضي الله تعالى عنه: وفيه نظر لأنه إذا كان زانيا لم يكن قذفه موجبا للحد فكيف بعذر؟ انتهى، ويؤيده أن دفع العار مجوز لا ملزم وإلا لامتنع عفوه عنه وأجبر على الدعوى وهو خلاف الواقع ضربا (مفرقا) على أعضائه، كما مر في الشرب (ولا ينزع عنه) أي: عن القاذف عند حده (غير الفرو والحشو) أي: الثوب المحشو لأنهما يمنعان وصول الألم، ومقتضى هذا أنه لو كان عليه ثوب ذو بطانة غير محشو لا ينزع والظاهر أنه إن كان فوق قميص نزع لأنه يصير مع القميص كالحشو أو قريبا منه، كذا في (الفتح). وفي الكرخي إذا كان عليه قميص أو جبة مبطنة ضرب على ذلك حد القذف ويلقى عنه الرداء، كذا في (السراج) أما غيرهما فلا ينزع إظهارا للتخفيف لاحتمال صدق القاذف بخلاف حد الزنا والشرب، ولما كان معنى الإحصان هنا مغايرا لمعنى الإحصان في الزنا مبهما بينه بقوله: (وإحصانه) أي: المقذوف (بكونه مكلفا) أي: بالغا عاقلا يخرج الصبي والمجنون لأنه لا يلحقهما عار بنسبتهما إلى الزنا لعدم خطابهما بالحرمات، ولو فرض لحوق عار المراهق فليس عارا على الكمال فيندرئ، كذا في (الفتح) وهذا صريح في أنه لو ادعى البلوغ بعد قذفه مراهقا بالاحتلام أو بالسن لم يحد قاذفه وبه صرح في (الظهيرية) وكذا لو كانت مراهقة إذ لافرق. قال في (الفتح): ويثبت الإحصان بشهادة رجل وامرأتين وبعلم القاضي ولا

стр. 1138

حرا مسلما عفيفا عن زنا فلو قال لغيره: لست لأبيك أو لست بابن فلان في غضب حد. ــ يحلف القاذف لا يعلم أن القاذف محصن (حرا) خرج العبد ولو مدبرا أو مكاتبا، [٣٠٧/أ] ولفظ الإحصان ينتظم الحرية / قال تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ (النساء: ٢٥) أي: من الحرائر وكونه محصنا بمعنى آخر كالإسلام وغيره يوجب كونه محصنا من وجه دون وجه وذلك شبهة، ولو أنكر القاذف حرية المقذوف فلا بد من إقراره أو البينة بها ولو أنكر حرية نفسه فالقول له، كذا في (الخانية) فيحتاج المقذوف إلى إثباتها (مسلما) لأنه أطلق بمعنى الإسلام في قوله: فإذا أحصن، قال ابن مسعود: أسلمن وفي الخبر: (من أشرك بالله فليس بمحصن عفيف عن الزنا) لأن غير العفيف لا يلحقه العار وهو من لم يكن وطء امرأة بالزنا ولا بالشبهة ولا بنكاح فاسد فإن فعل ذلك مرة لا حد عن قاذفه، وكذا لو وطء التي حرمتها مؤبدة كأمته التي هي أخته من الرضاع، وإن كانت غير مؤبدة كأمته المجوسية لا يسقط إحصانه كذا في (شرح الطحاوي). وفي (كافي الحاكم) كل شيء اختلف فيه الفقهاء حرمه بعضهم وأحله بعضهم فإني أحد قاذفه وفيه قال أبو يوسف: كل من درأت الحد عنه وجعلت عليه المهر وأثبت نسب الولد منه فإني أحد قاذفه، ويشكل على الكلية الثانية ما لو وطء الأمة المشتركة فإنه لا يحد لأن الإحصان كما يزول من كل وجه يزول بالزنا من وجه والعفة أعم من أن يطأ بنكاح صحيح أم لا، وبهذا التعميم يمتاز عن إحصان الزنا (فلو قال لغيره: لست لأبيك أو لست ابن فلان) لأبيه الذي يدعى له أو لست من ولد فلان أو لست من بني فلان (في غضب) قيد في المسألتين (حد) إن كانت محصنة لأن المقذوف في الصورتين إنما هو الأم والمعتبر إحصان المقذوف لا إحصان من يطلب الحد صرح به في (المبسوط) وهذا لأن نفي نسبه من أبيه يستلزم كونه زانيا فلزم أن أمه زنت مع أبيه فجاءت به من الزنا ولذا لو قال: ولا من فلانة لا يحد وأورد أنه يجوز أن لا يكون ثابت النسب من أبيه ولا تكون أمه زانية بأن كانت موطوءة بشبهة أو بنكاح فاسد، وأجيب بأن المراد أنك لست لأبيك الذي ولدت من مائه وهذا يستلزم كون أبيه زانيا فلزم أن أمه زنت معه ولا يخفى أنه غير لازم لجواز كونه زنا بها مكرهة أو نائمة، والحق أن وجوب الحد إنما هو استحسان لأثر ابن مسعود أنه قال: (لا حد إلا في قذف محصنة أو بنفي رجل عن أبيه) وحمل على حالة الغضب

стр. 1139

وفي غيره لا كنفيه عن جده. ــ لأنه حالة عدمه لم ينفه عن أبيه بدلالة الحال فليس من التخصيص في شيء إذ ليس قذفا وإنما يكون تخصيصا أن لو كان قذفا (وفي غيره) أي: الغضب (لا) أي: لا يحد لأن النفي حينئذ مجاز من نفي المشابهة في محاسن الأخلاق قيد النفي بما ذكر لأنه لو قال: لست لآدمي أو لإنسان لا يحد كقوله لست من أولاد فلان، واعلم أنه في (الهداية) قيد بالغضب في الثانية دون الأولى، وحمل الشارحون إطلاقه على التقييد. قال في (البحر): وهو بعيد لما صرح به الحاكم في (الكافي) حيث قال: وإن قال لرجل: يا ولد الزنا أو يا ابن الزنا أو لست لأبيك وأمه حرة مسلمة فعليه الحد بلغنا عن عبد الله بن مسعود وذكر الأثر المتقدم فسوى بين الألفاظ الثلاثة، وقد صرح في (فتح القدير) بأنه في اللغظين الأولين لا يأتي التفضيل يعني بين الغضب والرضى بل يحد البتة فكذا، لو قال: لست لأبيك لأنهم صرحوا أنه بمعنى أن أمك زانية أو زنت ولا يراد به المعاتبة حالة الرضى لأنه لم يعين أبا مخحصوصا حتى ينفي أن يكون على خلافه، ثم أن يكون على خلافه، ثم رأيت التصريح بذلك في (الخانية) قال لرجل: لست لأبيك عن أبي يوسف أنه قذف كان ذلك في غضب أو رضا، ولو قال: ليس هذا أباك لابنه المعروف فإن كان في حالة الرضا أو على وجه الاستفهام لا يكون قذفا، وإن كان في غضب أو على وجه التعبير كان قذفا انتهى. وأقول: ما جرى عليه شراح (الهداية) وأكثر المتأخرين من التقييد بالغضب هو المذهب لما قدمناه مع أنه مع الرضا ليس قذفا وكيف يحد بما ليس قذفا وبه يضعف ما عن الثاني وكأن هذه الرواية شاذة عنه، ولذا ذكر في وسط (المحيط) عنه أنه قذف في حالة الغضب دون الرضا وما في (الكافي) لا دلالة فيه لما ادعاه بوجه مع استدلاله في النفي بالأثر، وقد علمت أنه محمول / على حالة الغضب والفرق بينه [٣٠١/ب] وبين قوله يا ولد الزنا أظهر من الشمس وقت الضحى لأنه لا يحتمل غير القذف فاستوت الحالتان فيه بخلاف النفي ثم رأيته في (عقد الفوائد) قال: التفضيل هو ظاهر المذهب والاعتماد عيه دون ما يقع سواه مخالفا له. وفي (التاتارخانية) عن أبي يوسف يا فرج الزنا يا بيض الزنا يا حمل الزنا يا سخل الزنا قذف يوصف الولد به ولو قال كبش الزنا لا يحد، وفي (الجوهرة) لو قال: لست ولد حلال كان قذفا، وفي (ابن وهبان) عن بعضهم قال: إمي ليست بزانية حال التخاصم حد لكن المسطور في (الخانية) استبا فقال أحدهما: لا أنا بزان ولا أمي بزانية لا حد عليه وذكره في موضع آخر، لو قال لغيره: إما أنا فلست بزان لا حد عليه عندنا (كنفيه) أي: لا يحد بنفيه، (عن جده) في حالة الغضب لأنه صادق في قوله

стр. 1140

وقوله لعربي: يا نبطي أو ابن ماء السماء ونسبته إلى عمه أو خاله ورابه ولو قال: يا ابن الزانية وأمه ميتة فطلب الوالد أو الولد أو ولده حد ........ ــ لست بابن فلان أي لست مخلوقا من مائه، كذا قالوا وفيه بحث لأن هذا وإن كان معناه الحقيقي لكن له معنى حقيقي آخر هو نفي كونه أبا أعلى له وهو صادق بصورتين نفي كون أبيه خلق من مائه بل زنت جدته أو جاءت به لشبهته وحالة الغضب تعين أن يكون قذفا لجدته إذ لا معنى لإخباره في تلك الحالة أنك لم تخلق من ماء جدك، وأشار المصنف إلى أنه لو نسبه إلى جده فلا حد أيضا لأنه ينسب إليه مجازا متعارفا كابن مالك ونحوه. (وقوله لعربي: يا نبطي) بفتح الموحدة كما في (القاموس) نسبة إلى النبط جيل من الناس بسواد العراق الواحد نبطي، وعن ابن الأعرابي رجل نباطي ولا يقال نبطي، كذا في (المغرب) لأن العرف في مثله أن يراد نفي المشابهة في الأخلاق أو عدم الفصاحة، وأما قذف أمه أو جدة من جداته لأبيه فلا يخطر بالبال فلذا لم يفصلوا فيه بين الغضب والرضى نعم ينبغي في الغضب أن يعزر به لأن النسبة إلى الأخلاق الدنيئة يجعل شتما في الغضب ويؤيده ما في (المبسوط) لو قال له: لست بهاشمي عزر وعلى هذا لو نسبه لغير قبيلته أو نفاه عنها (و) قوله لغيره: (يا ابن ماء السماء) مع أن ظاهره نفي كونه ابنا لأبيه لأنه في العرف يذكر لقصد المدح ولذا لقب به عامر بن حارثة لأنه كان يقيم ماله مقام القطر في الحفظ فهو كماء السماء جودا، قال في (إيضاح الإصلاح): وفيه نظر لأن حالة الغضب تأبى عن هذا القصد، وجوابه أنا فالتزمه فنجعله سبا بنفي الشجاعة والسخاء عنه في هذه الحالة، أما كونه نفيا موجبا للحد فلا إذا لم يعهد استعماله لذلك القصد. قال في (الفتح): وقد ذكر أنه لو كان هناك رجل اسمه ماء السماء يعني وهو معروف يحد في حال السباب بخلاف ما إذا لم يكن، (و) كذا لا يحد (بنسبته إلى عمه وخاله ورابه) بتشديد الباء الذي رباه لأن كل واحد منهم يسمى أبا قال تعالى: ﴿وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق﴾ (البقرة: ١٣٣) وإسماعيل كان عما ليعقوب، وأخرج الديلمي في (الفردوس) عن ابن عمرو مرفوعا: (الخال والد من لا والد له) وكذا المربي دون زوج الأم كما في (الهداية) لأن العبرة إنما هو للمربي حتى لو نسبه إليه ولم يكن زوجا لأمه وجب أن لا يحد كما في (الشرح)، (ولو قال) لرجل: (يا ابن الزانية و) الحال أنه (أمه ميتة)، وكذا له يا ابن الزاني وأبوه ميت (فطلب الوالد والولد أو ولده حدا) أي: طلب أصوله أو فروعه.

стр. 1141

ولا يطلب ولد وعبد أباه وسيده بقذف أمه ويبطل بموت المقذوف. ــ قال في (التاتارخانية): ثم إذا قذف ميتا فولاية الطلب لابن المقذوف ولأمه ولجده أب الأب وإن علا ولأولاده ذكرا كان أو أنثى ولأولاد من قبل الرجال الأقرب والأبعد سواء ولا تثبت المطالبة لولد البنت انتهى. ولا فرق في الأصل والفرع بين كونه كافرا أو عبدا إلا أن إطلاق المصنف يعم ولد البنت وهو ظاهر الرواية كما في (الخانية) وفيها، لو قال: جدك زان لا حد عليه وعلله في (الظهيرية) بأنه لا يدري أي جد هو وهو معنى ما في (الفتح) من أنه لا يحد للإبهام لأن في أجداده من هو كافر فلا يكون قاذفا ما لم يعين مسلما قيد بالأصول والفروع لأن الطلب لا يثبت لأم الأم ولا للأخ ولا للعم ولا للعمة ولا لمولاه. وما في (الفتح) عن (الخانية) منه أنه لا يثبت أيضا لجد أب الأب فتحريف، والصواب الأم لما قد علمت وأفاد بأو أن للفروع / المطالبة مع وجود أصله ولو عفا [٣٠٨/أ] البعض أو صدق القاذف كان لمن بقى حق الخصومة (ولا يطلب ولد) أي: فرع وإن سفل، (وعبد أباه) أي: إصله ذكرا كان أو أنثى فدخلت أمه وجدته وإن علت، وكذا جده وإن علا (وسيده بقذف أمه) المحصنة إذا قذفها ميتة لأنهما يعاقبان بسببهما، وهذا لأن القصاص المتيقن سببه سقط بقتلهما فالحد الذي لم يتيقن سببه أولى. واعلم أن المسطور في كتب الشافعية أنه مع سقوط الحد عنه يعزر ثم رأيت في (القنية) ما يفيد أنه كذلك عندنا حيث قال: ولو قال لآخر: يا حرام زاده لا يجب عليه حد القذف، وقد كنت كتبت أنه لو قال ذلك لولده يجب العزير انتهى. ووجهه إفادته أنه إذا كان التعزير يجب بالسب فالقذف أولى فما في (البحر) في النفس من التعزير شيء لأنه إذا كان القذف لا يوجب شيئا فالشتم أولى ممنوع قيد بكونه أبا له لأنه لو كان لها ولدان أحدهما ابن لغيره كان له حق المطالبة كأبيها (وبطل) حد القذف (بموت المقذوف) لأنه لا يورث، وكذا لو مات بعد إقامة بعضه نظرا لا أنه حق الله تعالى إلا أنه شرع زاجرا لإخلاء العالم عن الفساد ولذا يباح بالإباحة ولا يتغلب مالا عند سقوطه ويتصف بالرق ولا يحلف القاذف ولا يصح فيه العفو ولا يجوز الاعتياذ عنه ويجري فيه التداخل بالرق ولا يحلف القاذف ولا يصح ففيه العفو ولا يجوز الاعتياذ عنه ويجري فيه التداخل ويشترط الإحسان ولا كلام أن فيه حق العبد أيضا فشرطنا الدعوى فيه. وقلنا: إنه لا يبطل بالتقادم ويجب على المستأمن ويقيمه القاضي بعلمه ويقدم استيفاؤه على سائر الحدود ولا يبطل بالرجم ولا يصح الرجوع فيه عن الإقرار، إذ المغلب حق الله تعالى عندنا، ورجح أبو اليسر أن المغلب حق العبد والأول أظهر، وأعترض بأن من الأحكام ما ينافي الحقين جميعا من سقوطه بموت المقذوف وشيء

стр. 1142

لا بالرجوع والعفو ولو قال زنأت في الجبل وعنى الصعود حد ولو قال: يا زاني وعكس حدا. ــ من الحقين لا يسقط به وأجيب بأنا لا نقول: إنه يسقط بموته ولكن يتعذر استيفاؤه لعد شرطه فإن الشرط خصومة المقذوف ولا تحقق فيه الخصومة بعد موته، كذا في (الناية) وفيه نظر إذ لو صح هذا لبطل قولهم: إنه يبطل بموت المقذوف وهذا لأنه لا معنى لعدم سقوطه (لا) يبطل (بالرجوع) عن الإقرار نظرا إلى أنه حق العبد، (و) قد مر أنه لا يبطل أيضا بإباء (العفو) نظرا إلى أنه حق الله تعالى، ومعنى عدم بطلانه به أنه لو عاد وطلب يقام الحد عليه وليس للإمام أن يستوفيه بعد العفو بدون الطلب كما في (المبسوط). وعليه يحمل ما في (الفتح) من أنه لو عفا المقذوف عن القاذف بعد ثبوت القذف والإحصان لا يصح عفوه ويحد عندنا، وفي (الشامل) لا يصح عفو المقذوف إلا أن يقول لم يقذفني أو كذب شهودي إلا أن خصومته شرط، وعند الثاني يصح العفو (ولو قال) لغيره: (زنأت في الجبل) بالهمز (وعنى) أي: قصد (الصعود) عليه (حد) عندهما ولم يصدق وقال محمد: يصدق لأن الهمز منه للصعود حقيقة وذكر الجبل بقراره مرادا ولهما أنه يستعمل في الفاحشة لأن من العرب من يهمز حرف اللين في غير التقاء على حده كدابة شاذ، وحالة الغضب تعين ذلك مرادا وهذا التقدير يفيد أن المهموز مشترك بين الفاحشة والصعود وحالة الغضب تعين أحد المحتملين عندهما، وعند محمد هو حقيقة في الصعود مجاز في الفاحشة وحينئذ يترجح قوله لأن المجاز أولى من الاشتراك لعدم اختلاله بالفهم ولأن الحد يحتال لدرئه هذا حاصل ما في (العناية). وأجاب في (الحواشي السعدية): بأن هذا مسلم إذا لم يقم دليل على الاشتراك وقد قام هنا لما قدمناه من أن من العرب من يهمز حرف اللين، وقوله: وذكر الجبل يقرره ممنوع بأن الفاحشة قد تقع فيه، أي: في بعض بطونه وترجح إرادتها بقرينة الغضب، ولو قال: على الجبل قيل لا يحد وهو الذي جزم به في (المبسوط). قال في (الفتح): وهو الأوجه لأن حالة الغضب تعين تلك الإرادة وكونها فوقه وتعين الصعود مسلم في غير حالة السباب قيد بالهمز لأنه لو أتى بالياء المثناة حد اتفاقا، وبالجبل لأنه لو حذفه حد اتفاقا أيضا، كما أفاده في (غاية البيان) وجزم به في (المعراج) وبهذا التعزير علمت أن إطلاق المصنف مقيد بحالة الغضب فلا يجب [٣٠٨/ب] في / حالة الرضى يعني اتفاقا، (ولو قال: يا زاني وعكس)، بأن قال لا بل أنت (حدا) لأن كل واحد منهما قذف صاحبه فيحد بطلبه ولا يلتقيان قصاصا لما مر من أن الغالب في حد القذف حق الله تعالى قيد بحد القذف لأنه لو قال له: يا خبيث بل أنت تكافيا ولا يعزران كل واحد وجب له على صاحبه مثل ما وجب للآخر عليه.

стр. 1143

ولو قال لامرأته: يا زانية وعكست حدت ولا لعان ولو قالت: زنيت بك بطلا وإن أقر بولد ثم نفاه لاعن. ....... ــ فإن قلت: لو ضرب كل منهما صاحبه عزرا وبدأ بالبادي كما في (القنية)، ولو تشاتما بين يدي القاضي عزرهما فهل لا يلتقيا قصاصا؟ قلت: لم يلتقيا هنا لتفاوت الجنايتين في الضرب بخلاف السب، وأما بين يدي القاضي فلهتك حرمة الشرع ورأيت بخط الشيخ الأخ رحمه الله تعالى عن (الخلاصة) قال المقضي عليه للقاضي: أخذت رشوة من خصمي وقضيت علي، يعزره القاضي. قال ابن وهبان: هذا يستثنى من قولهم أن القاضي لا يقضي لنفسه انتهى. وقد يقال: لا استثناء لأن من أساء الأدب في حق القاضي فقد أساء الأدب على الشرع، فتعزير القاضي له لأجل حق الشرع لا لنفسه ولهذا قالوا: يعزره ولم يقولوا إن شاء انتهى. وأقول: فيه نظر فقد صرحوا بأنه له أن يعفو عنه كما نقله ابن الغرس في (فوائده) ولو كان لمحض الشرع لما ساغ عفوه وفي (جامع الفصولين) ولو تشاتما بين يديه كان له تعزيرهما صيانة لمجلس الشرع انتهى. بقي هل له العفو عنهما؟ لم أر المسألة في كلامهم والظاهر لا بخلاف قوله أخذت الرشوة من خصمي، والفرق بين فتدبره، وسيأتي أن التعزير كما يكون حقا للعبد يكون حقا لله تعالى (ولو قال لامرأته: يا زانية وعكست) كم مر (حدت) المرأة (ولا لعان)، والأصل أن الحدين إذا اجتممعا وفي تقديم أحدهما إسقاط الآخر وجب تقديمه احتيالا للدرء واللعان قائم مقام الحد فتقديم حق المرأة يبطل اللعان لأنها تصير محدودة في قذف، وتقديم اللعان لا يسقط حد القذف لأنه لا يجري على الملاعنة وعن هذا قلنا: لو قال لها: يا زانية بنت الزانية فخاصمته الأم فحد سقط اللعان. (ولو قالت) في جواب قوله يا زانية (زنيت بك بطلا) أي: الحد وللعان لأنه يحتمل أنها أرادت به ما قبل النكاح فتحد في قذفها ولا لعان لتصديقها إياه أو ما كان معه بعد النكاح وأطلقت عليه زنا للمشاركة فيجب اللعان دون الحد والحكم بتعيين أحدهما بعينه متعذر فوقع الشك في كل وجوب اللعان والحد فلا يجب واحد بالشك حتى لو زال الشك بأن قالت قبل أن أتزوجك أو كانت أجنبية حدت فقط، وهو ظاهر ولو ابتدأت الزوجة ثم قال لها: يا زانية، فالحكم كذلك للمعنى الذي ذكرناه ودخول هذا في الإطلاق كما في (البحر) خلاف الظاهر وما نقلناه جرى عليه الشارح تبعا لشراح (الهداية) قيد بالخطاب لأنها لو قالت: إنت ازنى مني حد الرجل فقط كما في (الخانية)، (وإن أقر) الزوج (بولد ثم نفاه لاعن)، لأن النسب لزمه

стр. 1144

وإن عكس حد والولد له فيهما ولو قال: ليس بابني ولا بابنك بطلا ومن قذف امرأة لم يدر أبو ولدها أو لاعنت بولد أو رجلا وطئ في غير ملكه أو أمة مشتركة أو مسلما زنى في كفره أو مكاتبا مات عن وفاء لا يحد. ــ بإقراره وبالنفي بعد صار قاذفا لزوجته فيلاعن (وإن عكس) بأن نفاه أولا ثم أقر به قبل اللعان (حد) لأنه لما أكذب نفسه بطل اللعان الذي كان وجب بنفي الولد لأنه ضروري صير إليه ضرورة التكاذب بين الزوجين فكان خلفا عن الحد فإذا بطل صير إلى الأصل (والولد له فيهما) أي: في الصورتين، أما في الثانية فظاهر. وأما في الأولى فلأن سبب اللعان وإن كان هو النفي إلا أن قطع النسب من ضرورة اللعان ينفي الولد ألا ترى أنه لو نفاه بعد أن تطاولت المدة بعد الولادة فإنه يلاعن ولا يقطع النسب، (ولو قال: ليس) هذا الولد (بابني ولا ابنك بطلا) أي: الحد واللعان لأنه أنكر الولادة وبذلك لا يصير قاذفا، (ومن قذف امرأة) معها ولد في بلد القذف (لم يدر) أي: لم يعم (أبو ولدها) حال القذف أو وجد ومات قبله شروع في مسائل لا حد فيها هذه أولاها، والثانية ما أشار إليه بقوله: (أو لاعنت بولد) نفاه الزوج وقطع القاضي نسبه عنه وألحقه بأمه لأن ولادة الزنا منها وهي ولادة ولد الأب له قائمة فانتفت عتقها قيد بكون اللعان بولد لأنه لو كان بغير حد قاذفها وهو وإن كان قائما [٣٠٩/أ] مقام حد القذف في حقها وبه تسقط عتقها لكنه قام مقام حد القذف في حقه / وبالنظر إلى هذا تكون محصنة فتعارض الوجهان فتساقطا كذا في (العناية). (أو) قذف (رجلا وطء امرأة في غير ملكه) أي: وطئا حراما لعينه من كل وجه فإن كانت أجنبية أو مكرهة، أو من وجه كما أفاده بقوله: (أو أمة مشتركة) بينه وبين غيره، وبقي ما لو كانت الحرمة مؤبدة كوطء أمته التي حرمت عليه بالرضاع أو بالمصاهرة بشرط أن يكون ثبوتها بالإجماع أو بخبر مشهور عند الإمام وإنما لا يحد لسقوط عتقه بذلك ومن الحرام لعينه جارة ابنه والمنكوحة فاسدا والأمة المستحقة، وكذا لو وطء محارمه بنكاح أو جمع بينهن أو أمة تزوجها على حرة، ولو نظر إلى فرج امرأة أو لمسها بشوهة ثم أمها أو ابنتها، أو اشتراها فوطئها لا يسقط إحصانه عند الإمام وقالا: يسقط. (أو) قذف (مسلما زنى في) زمن (كفره) حربيا كان أو ذميا، وسواء كان في دار الحرب أو في دار الإسلام بأن قال له: زنيت وأنت كافر أو أطلق ثم أثبت أنه زنى في كفره لأن به يسقط إحصانه (أو) قذف (مكاتبا مات عن وفاء لا يحد) في هذه المسائل، وقد مر الوجه فيما عدا المكاتب، وأما هو فلاختلاف الصحابة في موته حرا أو عبدا فأورث شبهة، وعرف منه أنه لو مات عن وفاء فلا حد على قاذفه بالأولى، وأما إذا كان

стр. 1145

وحد قاذف واطئ أمة مجوسية وحائض ومكاتبة ومسل نكح أمة في كفره ومستأمن قذف مسلما ومن قذف أو زنى أو شرب مرارا فحد فهو لكله. ــ الوطء حراما لغيره فإنه يحد أفاد ذلك بقوله: (وحد قاذف واطئ أمة مجوسية) وأمة اشتراها شراء فاسدا وأختين جمع بينهما في ملكه (وحائض) هي زوجته ونفساء ومظاهر منها (ومكاتبة) لأن ملك المتعة فيهن ثابت وما عرض من الحرمة لهن على شرف الزوال فلا يسقط إحصانه، (و) حد أيضا قاذف (مسلم نكح أمة) أو غيرها من المحارم (في) حال (كفره) عنده خلافا لهما والخلاف مبني على أنه صحيح عنده وفاسد عندهما، (و) حد أيضا (مستأمن قذف مسلما) هذا ما رجع إليه الإمام نظرا إلى أن فيه حق العبد وإن كان حق الله تعالى هو المغلب على ما مر وقد التزم أيضا حقوق العباد. وأما حد الخمر فلا يجب اتفاقا ولا يجب حد الزنا والسرقة خلافا للثاني، ويجب على الذمي جميع الحدود إلا حد الخمر قاله الإتقاني (ومن قذف) غيره (أو زنى أو شرب) الخمر (مرارا) سواء كان القذف لواحد أو لجماعة بكلمة كأنتم زناة أو بكلمات، وسواء طلب كلهم أو بعضهم (فحد فهو) أي: الحد (للكل)، أما في الزنا والشرب فلأن المقصود من إقامة الحد هو الانزجار واحتمال حصوله بالأول قائم فتمكن شبهة فوات المقصود في الثاني، والحدود نذرا بالشبهات إجماعا وألحق حد القذف بهما لأن المغلب فيه حق الله تعالى على ما مرن ومن فروع التداخل ما لو قذف واحدا فحد إلا سواطا ثم قذف آخر في المجلس فإنه يتم الأول. وقالوا: لو قذف وهو عبد فأعتق ثم قذف آخر فطالبه الأول حد أربعين، وإن طالبه الثاني كمل له الثمانون لوقوع الأربعين لهما، قال الشارح: ولو ضرب للزنا أو للشرب بعض الحد فهرب ثم زنى أو شرب ثانيا حد حدا مستأنفا ولو كان ذلك في القذف، فإن حضر الأول تمم الحد ولا شيء للثاني وإن حضر الثاني وحده يجلد حدا مستأنفا انتهى. وعلى هذا فيحمل ما مر من أنه يكمل السوط فقط على ما إذا حضر جميعا، ومن أنه لو قذف جماعة يكتفى بحد واحد على ما إذا كان القذف لهم قبل أن يضرب البعض قيد بكون الجلد وقع بعد الفعل المتكرر لأنه لو زنى أو شرب فحد، ثم زنى وشرب ثانيا فإنه يحد ثانيا لأن حد الزنا يجب باعتبار المتوفى من منافع البضع والمستوفي الثاني غير الأول، وكذا المشروب ثانيا غير الأول بخلاف ما إذا قذف المحدود ثانيا المقذوف الأول حيث لا يحد ثانيا لأن المقصود وهو إظهار كذب القاذف ودفع العار عن المقذوف حصل بالأول، كذا قرره الشارح في السرقة وهو بإطلاقه شامل ملا إذا كان القذف الثاني بعين اللفظ الأول أو بغيره بعد أن يتحد

стр. 1146

فصل في التعزير ــ المقذوف، أما لو اختلف بأنه قذفه فحد ثم قال له: يا ابن الزانية وأمه ميتة فخاصمه فإنه يحد ثانيا كما لا يخفى. تكميل: إقر بالزنى والسرقة والشرب والقذف وفقأ عين رجل يبرأ الإمام بالقصاص في العين ويحبسه فإذا برأ حده للقذف لأنه مشوب بحق العبد، والأول خالص حقه [٣٠٩/ب] فقدم فإذا برأ أخرجه ثم هو مخير إن شاء بدا بحد الزنا وإن شاء بحد السرقة / وجعل حد الشرب آخرها لأنه أضعف فإن كان محصنا اقتصر منه في العين، ثم بعد حد القذف يرجمه لأن حد السرقة والشرب محض حق الله تعالى ومتى اجتمعت الحدود بحق الله تعالى وفيها قتل نفس قتل وترك ما سوى ذلكن نقل ذلك عن الجبر بن مسعود ولأن المقصود الزجر له ولغيره، وأتم ما يكون باستيفاء النفس والاشتغال بما دونه لا يفيد إلا أنه يضمن المال المسروق فيؤخذ من تركته لأن الضمان بما يسقط لضرورة القطع ولم يوجد والله الموفق للصواب. فصل في التعزير وفي (القاموس) أنه: من أسماء الأضداد يطلق على التفخيم والتعظيم وعلى التأديب وعلى اشد الضرب وعلى ضربه دون الحد انتهى. قال الشيخ ابن حجر المكي: الظاهر أن هذا الأخير غلط لأن هذا وضع شرعي لا لغوي إذ لم يعرف إلا من جهة الشرع فكيف نسب لأهل اللغة الجاهلين بذلك من أصله. والذي في (الصحاح) بعد تفسيره بالضرب ومنه سمي ضرب ما دون الحد تعزيرا فأشار إلى أن هذه الحقيقة الشرعية منقولة عن الحقيقة اللغوية بزيادة قيد هو كون ذلك الضرب دون الحد اشرعي فهو كلفظ الصلاة والزكان ونحوهما، وغفل عنها صاحب (القاموس) وقد وقع له نظير ذلك كثيرا وهو غلط يتعين التفطن له انتهى. لما ذكر الزواجر المقدرة شرع في غير المقدرة وأخرها لضعفها وألحقه بالحدود مع أنه منه ما هو محض حق العبد لما أنه عقوبة ولذا لا تقبل فيه شهادة النساء مع الرجال عند الإمام، وعندهما وإن قبلت لكنه لا يضرب، وإنما يحبس كذا في الكرخي، وجزم الحجندي بقبول شهادة النساء فيه، وسيأتي في الشهادات إن شاء الله تعالى. قال في (الكشاف): العزر: المنع ومنه التعزير لأنه يمنع من معاودة القبيح، وعرفا تأديب دون الحد، وذلك التأديب لا يختص بالضرب بل قد يكون به فيكون دون الحد وبالصفع والحبس وتفريك الأذن وبالكلام العنيفن وينظر القاضي إليه بوجه عبوس وبالشتم بعد أن لا يكون قذفا كما في (المجتبى) وما في (الخلاصة)

стр. 1147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سمعت من ثقة أنه يكون بأخذ المال أيضا إن رأى القاضي ذلك، ومن جملة ذلك من لا يحضر الجماعة مبني على اختيار من قال بذلك لقول أبي يوسف فإنه رأى عنه أنه يجوز للسلطان التعزير بأخذ المالن كذا في (الفتح)، ومعناه كما قال البزازي: إمساكه عنده مدة لينزجر ثم يعيده إليه، لا أنه يأخذ لنفسه أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة إذ لا يجوز أخذ مال مسلم بغير سبب شرعي انتهى. ثم إنما يرده إليه إذا تاب فإن آيس من توبته صرفه الإمام إلى ما يرى. وفي ٠شرح الآثار) التعزير بأخذ المال كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ، كذا في (المجتبى) وعندهما وباقي الأئمة الثلاثة لا يجوز التعزير به وقد يكون بالقتل، فقد سئل الهندواني عن من وجد رجلا مع امرأة ايحل له قتله؟ قال: إن كان يعلم أنه ينزجر بالصياح والضرب بما دون السلاح لا يقتله، وإن علم أنه لا ينزجر إلا بالقتل حل له قتله، وإن طاوعته المرأة قتلها أيضا. وفي (المنية) وجد رجلا مع امرأة يزني بها أو مع محرمه وهما مطاوعان قتل الرجل والمرأة معا، كذا في (الشرح)، قال في (البحر): فقد أفاد التفريق بين الأجنبية والزوجة والمحرم، ففي الأجنبية لا يحل القتل إلا بالشرط المذكور من عدم الانزجار بالصياح والضرب، وفي غيرها يحل مطلقا انتهى. وأقول: لا نسلم أن ما عن الهندواني نص في الأجنبية لما لا يجوز أن يكون المعنى بامرأة له وخصها لتعم الأجنبية بالأولى ويدل على ذلك ما في حدود (البزازية) من وجد مع امرأته رجلا إذا كان ينزجر بالصياح وبما دون السلاح لا يحل قتله وإن كان لا ينزجر إلا بالقتل حل قتله، وإن طاوعته حل قتلها أيضا وهذا نص على أن التعزير والقتل يليه غير المحتسب انتهى، وبهذا يندفع التدافع بين كلامي الهندواني ويجوز أن يقال: نكر المرأة دلالة على أنه لا فرق بين الزوجة والأجنبية وقد أفصح عن ذلك في (الخانية) حيث قال: رأى رجلا يزني بامرأته أو بامرأة أخرى وهو محصن فصاح به ولم يهرب ولم يمتنع عن الزنا حل لهذا الرجل قتله، وإن قتله فلا قصاص عليه وذكر مثله في السرقة حيث قال: رأى رجلا يسرق ماله / فصاح به أو [٣١٠/أ] ينقب حائطه أو حائط غيره وهو معروف بالسرقة فصاح به ولم يهرب حل قتله ولا قصاص عليه انتهى. وغاية الأمر أن ما في (منية المفتي) وعليه جرى الخبازي في مختصر (المحيط) مطلق لكن يجب حمله على التقييد توفيقا بين كلامهم، ومن هنا جزم ابن وهبان في (نظمه) بالشرط المذكور مطلقا وهو الحق، واعلم أنه في (الخانية) شرط في جواز

стр. 1148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قتل الزاني أن يكون محصنا، وفي السارق أن يكون معروفا بالسرقة، وبالأولى جزم الطرسوسي ورده ابن وهبان بأنه ليس من الحد بل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو حسن فغن هذا المنكر حيث تعين القتل طريقا في إزالته فلا معنى لاشتراط الإحصان فيهن ولذا أطلقه البزازي وفي (المجتبى) الأصل أن كل شخص رأى مسلما يزني أن يحل له قتله وإنما يمتنع خوفا من أن لا يصدق في أنه زنى، وعلى هذا القياس المكابرة وقطاع الطريق وصاحب المكس وجميع الظلمة والأعونة والسعادة يباح قتل الكل ويثاب قاتلهم وقد يكون بالنفي أيضا، فقد ذكر العنيني في (شرح البخاري) أن من أذى الناس مطلقا ينفى عن البلد بذلك أفتى عبد الله بن عمرو بالإخراج من الدار. قال البزازي: وتقوم الأعذار على مظهر الفسق في داره فإن كف فيها وإلا حبسه أو أدبه أسواطا أو أزعجه عن داره إذ الكل يصلح تعزيرا، وعن الصفار الزاهد أنه أمر بتخريب دار الفاسق، ثم في قول الهندواني إذا كان ينزجر بالضرب تنصيص على أن الععزير يملكه الإنسان وإن لم يكن محتسبا وصرح بذلك في (المنتقى) وهذا لأنه من باب إزالة المنكر باليد والشارع ولي كل واحد، كذا في (الفتح) وقيده بكونه حال المعصية حيث قال: رأى غيره على فاحشة مرجبة للتعزير فعزره بغير إذن المحتسب فللمحتسب أن يعزر والمعزران عنده بعد الفراغ منها. قال رضي الله تعالى عنه: قوله إن عزره بعد الفراغ منها فيها إشارة إلى أنه لو عزره حال كونه مشغولا بالفاحشة فله ذلك وإنه حسن لأن ذلك نهي المنكر وكل أحد مأمور به وبعد الفراغ ليس بنهي لأن النهي عما مضى لا يتصور، وهذا أيضا مقيد بغير الزوج والمولى لما في دعوى (الخانية) لا يختص الإمام بإقامة التعزير فإن الزوج يؤدب المرأة والمولى يؤدب العبد وما في (القنية) من عليه التعزير إذا قال لرجل: إقم علي التعزير ففعل ثم رفع إلى القاضي فإنه يحتسب به محمول في حق العبد على أنهما حكماه. ففي (فتح القدير) الذي يجب حقا للعبد لتوقفه على الدعوى لا يقيمه إلا الحاكم إلا أن يحكما فيه ثم التعزير ليس فيه شيء مقدر وإنما هو مفوض إلى رأي الإمام، لأن المقصود منه الزجر وأحوال الناس فيه مختلفة، ذكره السرخسي والتمرتاشي، وجعله في الشافعي على مراتب: تعزير أشراف الأشراف وهم العلماء والعلوية بالإعلام بأن يقول له القاضي: بلغني أنك تفعل كذا فيزجر به، وتعزير الأشراف وهم الأمراء والدهاقون بالإعلام والجر إلى باب القاضي والخصومة في ذلك،

стр. 1149

ومن قذف مملوكا أو كافرا بالزنا أو مسلما بيا فاسق. ــ وتعزير الأوساط وهم السوقة بالجر والحبس وتعزير الأخسة بهذا كله وبالضرب انتهى. وهذا يقتضي عدم تفويضه إلى القاضي على معنى أنه ليس له أن يعزر بغير المناسب، والأول يقتضي أن له ذلك وينبغي أن لا يكون ما في (الشافي) على إطلاقه فإن من كان من أشراف الاشراف لو ضرب غيره فأدماه لا يكتفى في تعزيره بقول القاضي ما مر إذ لا ينزجر بذلك، وقد رأيت بعض القضاة من الإخوان من أدبه بالضرب بذلك وأرى أنه صواب. واعلم أنه ينقسم إلى ما هو حق الله تعالى وحق للعبد، والأول يجب على الإمام ولا يحل له تركه إلا فيما علم أنه انزجر الفاعل قبل ذلك ثم إنه يتفرع لعيه أنه يجوز إثباته بمدع شهد به فيكون مدعيا شاهدا إذا كان مع آخر، وما في (الخانية) وغيرها لو كان المدعى عليه ذا مروءة وكان أول ما فعل يوعظ استحسانا فلا يعزر، فإن عاد وتكرر منه روي عن الإمام أنه يضرب يجب أن يكون في حقوق الله تعالىن فإن كان في حقوق العباد لا يتمكن القاضي فيها من إسقاط التعزير، كذا في (الفتح) ملخصا وفيه ويعزر من شهد شرب الشاربين، والمجتمعون على شبه الشرب وإن لم يشربوا، ومن معه ركوة خمر، والمفطر في نهار / رمضان يعزر ويحبس [٣١٠/ب] والمسلم يبيع الخمر أو يأكل الربا يعزر ويحبس، وكذا المغني والمخنث والنائحة يعزرون ويحبسون حتى يحدثوا توبة ثم قال: ويعزر من قبل أجنبية أو علقها أو مسها بشهوة انتهى. ولم أر ما إذا وجد فيه رائحة الخمر وينبغي أن يعزر وهي حادثة الفتوى، وفي كراهة (الظهيرية) رجل يصلي ويضر الناس بيده ولسانه فلا بأس بإعلام السلطان به ليزجره، قال الشيخ الأخ في رسالة له: في هذا حسنة فقد أستفيد من هذا أن إعلام القاضي بذلك يكفي لتعزيره وهو من باب الإخبار فلا يحتاج إلى لفظ الشهادة ولا إلى مجلس القضاء، ونبه المصنف على ما هو حق العبد بقوله: (ومن قذف) ولو كان القاذف صبيا (مملوكا أو كافرا) حاصله قذف غير محصن (بالزنا أو) قذف (مسلما) أو ذميا كما في (الفتح)، وفي (القنية) قال ليهودي أو مجوسي: يا كافر يأثم إن شق عليه. قال في (البحر): ومقتضاه أنه يعزر انتهى، وفيه نظر وسيأتي ما يرشد إليه (بيا فاسق) هذا أعني إطلاق القذف على الشتم مجاز شرعي وإن كان حقيقة لغوية إذ هو الرمي لغة ثم إنما يعزر بهذه الألفاظ إذا لم يكن المقول له متصفا بهن فإن كان لا يعزر لأنه صادق في الإخبار وعلى هذا قال في (الخانية): لو قال: لفاسق أو للص يا لص لا

стр. 1150

يا كافر. ــ يجب شيء، فإن أنكر كونه فاسقا وعلم القاضي بفسقه أو كان معروفا به كمكاس مثلا لم يعذر ولهذا قال في (الفتح): إنما يجب التعزير فيمن لم يعلم اتصافه به، أما من علم فإن الشين قد ألحقه هو بنفسه قبل قول القائل انتهى. وإن لم يعلم لكن أراد القائل إقامة البينة على فسقه. قال في (القنية): لا تسمع لأن البينة على مجرد الجرح والفسق لا تقبل ولو أراد إثبات فسقه ضمنا لما تصح فيه الخصومة كما في جرح الشهود إذا قال: رشوتهم بكذا فعليهم رده تقبل فكذا هذا، قال في (البحر): وهذا إذا شهدوا على فسقه ولم يبينوه فإن بينوه بما يتضمن إثبات حق الله تعالى أو للعبد قبلت، كإن ادعى القائل أنه رآه قبل أجنبية وأقام شاهدين بذلك قبلت بلا شك، وعلى هذا ينبغي للقاضي أن يسأل القائل عن سبب فسقه فإن بين سببا شرعيا طلب منه إقامة البينة عيه فلو قال: هو ترك الواجب عليه ينبغي أن يصح ثم يسأل القاضي عما يجب عليه تعلمه من الفرائض فإن لم يعرفها ثبت فسقه لما في (المجتبى) من ترك الاشتغال بالفقه لا تقبل شهادته، والمراد ما يجب عليه تعلمه منه هذا إذا لم يخرج ذلك مخرج الدعوى لما في (القنية) ادعى عند القاضي سرقة وعجز عن إثباتها لا يعزر. وفي (السراجية) ادعى عليه ما يوجب تكفيره وعجز عن الإثبات لا يجب عليه شيء إذا صدر الكلام على وجه الدعوى عند الحاكم أما إذا صدر على وجه السب والانتقاص فإنه يعزر، وفي (الخلاصة) ادعى عليه أنه قال له: يا فاسق ونحوه مما يجب التعزير فأنكر لا يحلفه بالله تعالى ما قلت هذا لكن يحلف بالله تعالى ما له عليك هذا الحق الذي يدعي انتهى. وإنما يحلف فيما فيه محض حق العبد ولهذا يجوز فيه الإبراء والعفو والشهادة على الشهادة، كذا في (الخانية) وهو ظاهر في أن ما كان منه حق الله تعالى لا يحلف فيه كما إذا ادعى عيه أنه قبل أجنبية مثلا وقدمنا عن (الفتح) أنه ليس للإمام تركه يعني بالعفو لكن يشكل عيه ما في (القنية) عن مشكل (الآثار) التعزير إلى الإمام عند علمائنا الثلاثة والشافعي والعفو إليه أيضا. قال الطحاوي: وعندي أن العفو للمجني عليه، قال رضي الله تعالى عنه: ولعل ما قال في الواجب حق الله تعالى وما قاله الطحاوي في الواجب للعبد كما إذا جنى على إنسان (يا كافر) فيه إيماء إلى أنه لا يكفر، وكان الفقيه أبو بكر الأعمش يقولك إنه يكفر. قال في (خزانة المفتيين): والأول أرجح، وفي (الذخيرة) المختار للفتوى أنه إذا أراد الشتم ولا يعتقده كفرا لا يكفر وإن اعتقده كفرا فخاطبه بهذا بناء على

стр. 1151

يا خبيث يا لص يا فاجر يا منافق يا لوكي يا من يلعب بالصبيان يا آكل الربا يا شارب الخمر يا ديوث يا مخنث يا خائن يا بن القحبة. .... ــ اعتقاده أنه كافر يكفر لأنه لما اعتقد كفر المسلم فقد اعتقد دين الإسلام كفرا ورأيت في (التاتارخانية) عن (المضمرات)، قال بعضهم: من قال لآخر: يا كافر لا يجب التعزير ما لم يقل يا كافر بالله لأن الله تعالى / سمى المؤمن كافرا بالطاغوت [٣١١/أ] فيكون محتملا، وفي (الخلاصة) لو أجابه بقوله: لبيك كفر. قال في (البحر): ولا يخفى أن قوله: يا رافضي أو يا مبتدع بمنزلة يا كافر لأن الرافضي كافر إن سب الشيخين، ومبتدع إن فضل عليا كما سيأتي وأنت خبير بأن التفضيل في يا كافر لا يأتي في المبتدع (يا خبيث) الأولى للإنسان فيما إذا قيل له ما يوجب التعزير أن لا يجبيه قالوا لو قال له: يا خبيث الأحسن أن يكف عنه ولو رفع إلى القاضي ليؤدبه به يجوز، ولو أجاب مع هذا فقال: بل أنت لا بأس به كذا في (الفتح). وفي (السراج) لو قال: يا بليد عزر لأنه يستعمل بمعنى الخبيث الفاجر (يا لص يا فاجر) لم أر من فرق بين الفسق والفجور والظاهر أن الأول أعم، والثاني أخصن وعن هذا قال في (القنية): شهد أحدهما أنه قال له: يا فاسق والآخر قال له: يا فاجر لا تقبل (يا منافق يا لوطي) فيه إيماء إلى أنه لا يسأل عن نيته، وقيل: يسأل فإن عنى أنه من قوم لوط ﷺ لا يعزر، وإن عنى أنه يعمل عمل قوم لوط عزر على قول الإمام وحد على قولهما، والصحيح أنه يعزر إن كان في غضب قلت أو هزل ممن تعود بالهزل بالقبح كذا في (الفتح) (يا من يلعب بالصبيان يا آكل الربا يا شارب الخمر يا ديوث) بالمثلثة وهو من لا غيرة له ممن يدخل على امرأته، والقرطبان نعت سوء في الرجل لا غيرة له، عن الليث وعن الأزهري هذا في كلام الحاضرة، ولم أر البوادي نطقوا به ولا عرفوه، كذا في (المغرب) وهو ظاهر في ترادفهما وبه صرح ملا خسرو أو قال: إنه معرب قلتبان وفي اقتصار الشارح على تفسيره إيماء إليه حيث قال: وهو الذي يرى مع امرأته ومحرمه رجلا فيدعه خاليا بها، وقيل: هو المنتسب للجمع بين الاثنين لمعنى غير ممدوح، وقيل: هو الذي يبعث امرأته مع غلام بالغ أو مع مزارعه إلى الضيعة بأن يأذن لهما بالدخول عليها في غيبته انتهى. وعلى كل تقدير فهو المعنى بالمعرس في ديارنا بكسر الراء وبالسين، والعوم يلحنون فيه فيفتحون الراء ويأتون بالصاد قاله العيني (يا مخنث) بفتح النون، أما بكسرها فمرادف للوطء (يا خائن يا ابن القحبة) فيه إيماء إلى أنه إذا شتم أصله عزر بطلب الولد، كيا ابن الفاسق يا ابن الكافر وأنه يعزر بقوله: يا قحبة فإن قلت: ينبغي وجوب الحد كما

стр. 1152

يا زنديق يا قرطبان يا مأوى الزواني أو اللصوص يا حرام زاده غزر وبيا كلب يا تيس يا حمار يا خنزير يا بقر يا حية يا حجام يا بغاء يا مؤاجر يا ولد الحرام يا عيار يا ناكس يا منكوس يا سخرة يا ضحكة يا كشحان يا أبله يا موسوس لا. ....... ــ في (الظهيرية) القحبة الزانية من القحبات وهو السعال وكانت الزانية من العرب إذا مر بها رجل سعلت ليقضي منها حاجته فسميت الزانية قحبة انتهى. وقيل: هي أفحش من الزانية لأنه قد تفعل سرا والقحبة تجاهر بالأجرة وقيل: هي من همتها الزنا قلت: حد القذف إنما يجب إذا قذفه بصريح الزنا أو ما في حكمه بأن يدل عليه اللفظ اقتضاء كما مر في قول: لست لأبيك أو لست بابن فلان في غضب ولفظ قحبة لم يوضع لمعنى الزانية بل استعمل فيه بعد وضعه لمعنى آخر كما مر ولا يدل عليه اقتضاء أيضا، وهو ظاهر قول خسرو (يا زنديق) هو بمعنى المنافق هو تروزند اسم كتاب المجوس، كذا في (المغرب) (يا قرطبان) وقد مر (يا مأوى الزواني أو اللصوص يا حرام زاده)، وهو المتولد من الحرام وهم أعم من الزنا كالوطء في حالة الحيض، وفي العرف لا يراد الأولين الزنا وكثيرا ما يراد به الخبيث اللئيم (عزر) لأنه أذاه وألحق الشين به. قال في (شرح الطحاوي): والأصل أن كل من ارتكب منكرا وأذى مسلما بغير حق بقول أو فعل وجب عليه التعزير إلا إذا كان الكذب ظاهر (كيا كلب) ويا خنزير على ما سيأتي، و (يا حمار) و (يا خنزير يا بقر يا حية يا حجام يا بغاء) بالباء الموحدة والغين المعجمة المشددة وهو المأبون بالفارسية ويقال: يا بار كأنه انتزع من البغاء، كذا في (المغرب) (يا مؤاجر) قال خسرو: والمؤاجر يستعمل فيمن يؤاجر أهله للزنا لكنه ليس معناه الحقيقي المتعارف، بل معنى المؤجر (يا ولد الحرام يا عيار) بالعين المهملة المفتوحة والياء المثناة المشددة، عن أبي دريد هو كثير المجيء والذهاب [٣١١/ب] وهو معنى ما في (الأجناس) هو المتردد / بلا عمل وقال ابن الأنباري: هو الذي يخلي نفسه وهواها ولا يروعها ولا يزجرها، (يا ناكس يا منكوس) النكس بالكسر الضعيف، والمنكوس المقلوب وكأنه دعا عليه، (يا سخرة، يا ضحكة) يوزن الصفرة من يضحك عليه الناص وبوزن الهمزة من يضحك على الناس، قال ملا خسرو: وثم قال والسخرة أيضا، كذلك (يا كشحان) بالحاء المهملة، (يا أبله، يا موسوس) بكسر الواو وسمي بذلك لأنه يحدث بما في ضميره (لا) أي: لا يعزر في هذه الألفاظ، أما إذا جعله حيوانا صامتا فلأنه ما ألحق الشين به للتيقن بكذبه، واختار الهندواني أنه يعزر لتعارف هذه الألفاظ في الشتم في زماننا، وقيل: إن كان المقول له من الفقهاء والأشراف عزر وإلا لا، قال الشارح تبعا (للهداية): وهذا أحسن ما قيل

стр. 1153

وأكثر التعزير تسعة وثلاثون سوطا. ــ وسوى غير واحد بين قولهك يا حجام ويا ابن الحجام في عدم التعزير، وجزم الشارح بالتعزير في الثاني وهو يحكم، وما في (البحر) من الفرق بأن كذبه غير ظاهر لموت أليه بخلاف اأول الأمر فيه مشاهدة مدفوع بأن الحكم بتعزيره غير مقيد بموت أبيه وعلى هذا فينبغي التعزير في يا بغاء بالأولى. قال في (البحر): لأنه بمعنى يا معفوج وقد صرح في (الظهيرية) بوجوب التعزير فيه لأنه ألحق الشين بهن إلا أن خسرو وجه عدم التعزير بأنه من شتم العوام ولا يقتصرون به معنى معينا وعدم إلحاق الشين به في يا مؤاجر يا عيار بالمعنى المتقدم ظاهرا، وينبغي وجوبه في يا ولد الحرام بل أولى من حرام زاده، وأما يا ناكس يا منكوس يا سخرة يا ضحكة يا أبله ففي (غاية البيان) عن (الولوالجية) لو قال: يا ابله يا ناكس يا منكوس لا يعزر لأنه ما ألحق الشين به، وكذلك لو قال: يا ساخر يا ضاحكة يا مقامر هكذا ذكر في بعض المواضع وفيه نظر، والظاهر أنه يجب انتهى. وقد علمت أن سخرة بمعنى من يسخر عليه الناس لضحكه وعلى هذا فيجب التعزير، وفي (السراج) لو قال: يا لاهي يا مسخرة ويا مضحكة يا مقامر يا سوقي فالظاهر أنه يجب عليه التعزير، وأما الكمشحان فقال بعضهم أنه يعزر وهو الحق لأنه كما في (المغرب) مرادف للديوث وقد علمت أنه بمعنى المعرس وما قدمنا له من أن الأصل السابق بعين ما قلنا. تتمة: مما يعزر به الورع البارد وكما إذا وجد تمرة ملقاة على الأرض فعرفها، كذا في (التتارخانية) (وأكثر التعزير تسعة وثلاثون سوطا) عن الإمام لما رواه البيهقي من قوله ﷺ : (من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين) ولا شك أن حد الرقيق أربعون فنقص عنه سوطا. وقال أبو يوسف في ظاهر الرواية عنه: إكثره خمسة وسبعون سوطا اعتبارا بأقل حدود الأحرار وانتقص عنه خمسة مأثور عن علي رضي الله تعالى عنه هذا في الحر، وأما في العبد فأكثر تعزيره خمسة وثلاثون لأن أدنى حده أربعون فنقص منه خمسة كالحر، كذا في (السراج الوهاج)، وروى هشام عنه وهو قول زفر وهو القياس أنه ينقص عنه سوط واحد، وفي (التاتارخانية) وهو الأصح وهو قول محمد مضطرب ففي بعض المواضع ذكره في (الكتاب) مع الإمام وفي رواية مع الثاني وفي (الحاوي القدسي) أكثره في الحر خمسة وسبعون سوطا عند أبي يوسف وبه نأخذ وفي مال

стр. 1154

وأقله ثلاثة وصح حبسه بعد الضرب وأشد الضرب التعزير ثم حد الزنا ثم الشرب ثم القذف ومن حد أو عزر فمات فدمه هدر بخلاف الزوج إذا عزر زوجته لتزك الزينة والإجابة إذا دعاها إلى فراشة وترك الصلاة والخروج من البيت. ــ (الفتاوى) ارتدت لتفارق زوجها تجبر على الإسلام وتعزر خمسة وسبعين سوطا وليس لها أن تتزوج غير زوجها به أخذ الفقهاء. وأقول: لا معنى لهذا التردد مع قول المصنف بعد وصح حبسه بعد الضرب (وأقله ثلاثة) لأن ما دونها لا يقع به الزجر هذا رأي القدوري، وذكر مشايخنا أن أدناه ما يراه الإمام حتى لو رأى أنه ينزجر بسوط واحد اكتفى به وعلى قول القدوري [٣١٢/أ] يكمل / له ثلاثة (وصح) أي: جاز (حبسه بعد الضرب) لأنه عجز عن الزيادة من حيث القدرة لما روينا وقد لا يحصل الغرض بذلك القدر من الضرب فجاز له أن يضم الحبس إليه، كذا في (الشرح) وهو صريح في دفع التردد السابق ثم الحبس أعم من حبسه في بيته بأن يمنعه من الخروج منه أو السجن (وأشد الرب التعزير) لأنه جرى فيه التحقيق من حيث العدد فلا يحققه من حيث الوصف كيلا يؤدي إلى فوات المقصود ثم معنى شدته. فقد ذكر في حدود (الأصل) أنه يفرق التعزير على الأعضاء وفي الأشربة أنه يضرب في موضع واحد لأن موضوع ما في الأشربة إذا عزر أدنى التعزير، وما في الحدود إذا بلغ به أقصاه خوفا من إفساد العضو بأن أصاب من الأجنبية كل محرم غير الجماع أو أخذ السارق بعدما جمع المتاع قبل الإخراج (ثم حد الزنا) لأن جنايته أعظم (ثم) حد (الشرب ثم) حد (القذف) لأن جناية الشرب مقطوع لها بالمشاهدة، وجناية القذف غير مقطوع لها لجواز أن يكون صادقا في القذف كما مر. (ومن حد أو عزر فمات)، بسبب ذلك (فدمه هدر) لأنه فعل ما أمر به وفعل المأمور لا يتقيد بالسلامة كالقصار ونحوه، (بخلاف الزوج إذا عزر زوجته لترك الزينة والإجابة إذا دعاها إلى فراشه وترك الصلاة والخروج من البيت) فماتت ضمن ديتها، والفرق أن في هذه الحالة مباح لا واجب فصح تقييده بشرط السلامة كالمرور في الطريق ونحوه وأورد ما لو جاء مع امرأته فماتت أو أفضاها فإنه لا يضمن عند أبي حنيفة وأبي يوسف مع أنه مباح، وأجيب بأنه ضمن المهر بذلك فلو وجبت الدية لوجب ضمانان بمضمون واحد وجعله من ذلك ترك الصلاة وهو ما عليه الكثير، والمذكور في (النهاية) أنه لا يجوز لأن المنفعة إنما تعود في ذلك إليها وليس الجواز مقصورا على الأربعة بل له تعزيرها بما في معناها كما في (البدائع) فمن ذلك ما لو ضربت جارية لغيره ولحقتها ولم تتعظ بوعظه كما في (القنية).

стр. 1155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال في (البحر): وينبغي أن يلحق بذلك ما لو ضربت ولدها الصغير عند بكائه وقالوا: لو قال لها: إن ضربتك لغير جناية فأمرك بيدك فشتمته أو مزقت ثيابه أو أخذت لحيته وقالت: يا حمار يا أبله أو كلمت أجنبيا أو الزوج أو تشاغبت معه ليسمع صوتها أجنبي أو دعت عليه أو أعطت شيئا من ماله بغير إذنه مما لم تجر العادة به فضربها لا يكون الأمر بيدها لأن ذلك كله جناية، وهو ظاهر في أن له تعزيرها في هذه المواضع، إلا أنه على ظاهر الرواية ينبغي عدم التعزير في يا حمار يا أبله، وعلى القول الثاني إن كان المقول له من الأشراف يعزر القائل وإلا لا ينبغي أن يفصل في الزوج إلا أن يفرق بين الزوجة وغيرها والموضع يحتاج إلى تدبير وتأمل. واعلم أن تعزيرها لترك الزينة مقيد بما إذا كانت قادرة عليها وكانت شرعية، وكذا الإجابة بما إذا كانت طاهرة عن الحيض والنفاس والخرج بما إذا لم يكن مأذونا فيه شرعا وإطلاق الزوجة يعم الصغيرة، وقدما أن للولي ضرب الصغير على الصلاة إذا بلغ سبعا لعله إذا بلغ عشرا وينبغي أن يكون الزوج كذلك وأفاد في (القنية) أن له أن يكره ولده الصغير على تعلم القرآن والأدب والعلم لأن ذلك فرض على الوالدين. وفي (المجتبى الصغير) لا يمنع وجوب التعزير إلا إذا كان حقا لله تعالىن وما عن الترجماني من اعتبار البلوغ فيه أراد به ما كان حقا لله تعالى كما إذا زنا أو سرق توفيقا، ونسأل الله التوفيق إنه بالإجابة جدير وخبير.

стр. 1156

كتاب السرقة هي أخذ مكلف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة. ــ كتاب السرقة بفتح السين وكسر الراء ولك إسكانها مع فتح السين وكسرها لما فرغ من ذكر المزاجر المتعلقة بصيانة الأنفس والعقول والأعراض شرع في المتعلقة بصيانة الأموال ولا خفاء في أصالة الأول ثم هي قسمان: صغرى وكبرى، بدأ بالكلام على الأولى لكثرتها وهي لغة أخذ الشيء في خفاء فتعدى نفسها وبحرف الجر وتسمية المسروق سرقة مجاز كما في (المغرب) وركنها الأخذ ومن ثم بدأ به ثم ذكر الشرائط فقال: (هي أخذ مكلف) ولو أنثى أو عبد أو كافر أخرج الصبي والمجنون فإن كان يجن ويفيق فسرق في حال إفاقته قطع وإلا فلا، ولا بد أن يكون ناطقا مبصرا فلا يقطع بسرقة الأخرس لجواز أن يدعي شبهة لو كان ناطقا ولا الأعمى لأنه جاهل بمال [٣١٢/ب] غيره (خفية) خرج به الأخذ مغالبة أو نهبا / فلا قطع به لو كان في المصر نهارا، وإن دخل خفية استحسانا ثم إن كانت نهارا اعتبرت الخفية ابتداء وانتهاء، وإن ليلا اعتبرت ابتداء فقط إذا غالب السرقات فيه تصير مغالبة لأنه قل ما يخفى الدخول والأخذ بالكلية ومن ثم قلنا: لو كان صاحب الدار يعلم دخوله واللص لا يعلم كونه فيها أو يعلمه اللص وصاحب الدار لا يعلم دخوله أو كانا لا يعلمان قطع ولو علما لا يقطع، كذا في (الفتح). وجزم الشارح بعدم القطع فيما إذا زعم اللص على رب الدار والحال أنه لم يعلم، وجرى على الأول في (المحيط) (والخلاصة) وغيرهما وعليه فيكفى في الخفية ظن السارق قد رأى (مقدار عشرة دراهم) لما رواه محمد عن أبي حنيفة يرفعه لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم، ولو كان موقوفا لكان له حكم الرفع لأن المقدارات الشرعية لا دخل للعقل فيها، واسم الدراهم يطلق على المضروبة عرفا. قال في (المغرب): الدراهم اسم للمضروبة فقوله (مضروبة) تأكيد وهذا أعني اشترط كونها مضروبة هو ظاهر الرواية وهو الأصح لظاهر الحديث ورعاية لكمال الجناية، ومن ثم شرطنا جودتها فلا قطع لو كانت زيوفا أو نبهرجة، ولا بد أن تكون العشرة وزن سبعة على ما مر في الزكاة وغير الدراهم يعتبر بها حتى لو سرق دينارا قيمته أقل من عشرة لا يقطع فإن كانت قيمته وقت السرقة ووقت القطع عشرة بتقوم عدلين قطع فإن نقصت وقت القطع عن عشرة لم يقطع إلا إذا كان النقص لعيب حدث أو فوات بعض العين، فعلى هذا لو سرق في بلد ما قيمته عشرة فأخذ في

стр. 1157

محرزة بمكان أو حافظ فيقطع إن أقر مرة. ــ أخرى وقيمتها فيها أقل لا يقطع، ولو سرق فضة أقل من وزن عشرة إلا أن قيمتها عشرة مضروبة لا يقطع ولا بد أن يقصد أخذ ذلك القدر حتى لو سرق ثوبا قيمته أقل من عشرة وعلى طرفه دينار مشدود وكان فيه دراهم مضروبة لا يقطع إلا إذا كان وعاء لها، كذا في (التجنيس) وأن يكون للمسروق منه يد صحيحة فلا يقطع السارق من السارق هكذا أطلقه الكرخي والطحاوي لأن يده ليست يد أمانة ولا ملك فكان ضائعا. قلنا: بقي أن يكون يد غصب والسارق منه يقطع، فالحق ما في (نوادر هشام) عن محمد إن قطعت الأول لم أقطع الثاني وإن درأت عنه الحد قطعته ومثله في (أمالي أبي يوسف)، كذا في (الفتح) ولا بد أيضا أن يخرج النصاب ظاهرا حتى لو ابتلغ دينارا في الحرز وخرج لا يقطع، وأن يخرجه مرة واحدة اتحد مالكه أو تعدد، فلو أخرج بعضه ثم دخل وأخرج باقيه لم يقطع وأن تكون السرقة في دار الإسلام حتى لو سرق في دار الحرب أو البغي فأخذ في دار الإسلام لا يقطع، كما في (البدائع) (محرزة) صفة ثانية لدراهم (بمكان) معد للحفظ ممنوع من الدخول فيه إلا بإذن، (أو حافظ) في مكان ليس حرزا كالمساجد والصحراء وسيأتي إيضاحهما (فيقطع إن أقر مرة)، هذا قولهما وهو قول أكثر أهل العلم. وقال أبو يوسف وزفر: لا بد من إقراره مرتين في مجلس اعتبارا بالشهود كالزنا وقد استدل للأكثر بما أسند الطحاوي قالوا: يا رسول الله إن هذا سرق فقال ما إخاله سرق فقال السارق: بلى يا رسول الله قال: اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه، والرواية في إخاله بكسر الهمزة، أي: أظنه وإن جاز الفتح وفيه دليل على أن السارق يلقن بما يمنعه من الإقرار، وهذا نص على الكتفاء بالمرة الواحدة، ومن ثم ذكر بشر رجوع أبي يوسف إلى قولهما ذكره الإتقاني وقالوا: لو سرقت من فلان مائة درهم بل عشرة دنانير قطع في العشرة وضمن المائة إن ادعى المقر له المالين ولو قال: بل مائتين قطع فيهما ولا ضمان عليه، ولو ادعى المقر له المائتين ولو قال: سرقت مائتين بل مائة لم يقطع ويضمن المائتين ولو قال: أنا سارق هذا الثوب بالإضافة يقطع، وبالتنوين لا لأن الأول للحال، والثاني للاستقبال كذا في (الفتح) والظاهر أن يقال: إنه مع التنوين يحتمل الحال والاستقبال فلا يقطع بالشك لكن بقي أن هذا الاحتمال ثابت مع الإضافة أيضا فكان ينبغي أن لا يقطع أيضا فتدبره. ولو أقر بالسرقة ثم هرب لا يتبع ولو من فوره لما أنه من أمارة الرجوع، ولو رجع

стр. 1158

أو شهد رجلان ولو جمعا والآخذ بعضهم قطعوا إن أصاب لكل نصاب ولا يقطع بخشب وحشيش وقصب وسمك وطير. ــ صريحا بعدما أقر ولو مرتين قبل منه ذلك في حق الحق لا في المال، كما في [٣١٣/أ] (الهداية) بخلاف مما لو أقيمت عليه البينة وضرب السارق / لإقراره سيأتي (أو شهد) عليه بها (رجلان) نبه بحصر الحجة فيهما أنه لا يقطع بالنكول وإن ضمن المال قالوا: ويجب على القاي أن يسألهم عن كيفيتها لجواز أن يكون على كيفية لا يقطع فيها كأن أخرج بعض النصاب ثم عاد وأخرج البعض الآخر أو ناول رفيقا له فأخرجه أو أدخل يده وأخرج المتاع، وماهيتها لأنها تطلق على استراق السمع ونقص أركان الصلاة، وزمانها لأنها مع التقادم لا قطع فيها وإن ضمن المال، ومكانها لاحتمال أنه سرق في دار الحرب، وعن المسروق لأن سرقته كل مال لا توجب القطع وعن قدره لجواز أن يكون دون النصاب وعن المسروق منه لجواز أن يكون محرما، وهذا الأخير لم يذكره محمد واعتذر عنه السرخسي بأنه حاضر يخاصم والشهود يشهدون على السرقة منه فلا حاجة إلى السؤال عنه ومرده في (فتح القدير) بأن الشهادة والخصومة لا يستلزمان بيان النسبة من السارق، ولذا ذكره في (الكافي) فإذا بينوا ذلك على وجه لا يسقط فإن عرفهم القاضي بالعدالة قطعه، وإن لم يعرف حالهم حبس المشهود عليه حتى يعدلوا، والتوثق بالكفيل ممتنع لأنه لا كفالة في الحدود ثم لا يقطع إلا بحضور المسروق منه والشهود فإن غاب أحدهم لا يقطع، وكذا في الموت وهذا في كل الحدود سوى الرجم ويمضي القصاص إن لم يحضروا استحسانا كذا في (كافي الحاكم) فإن كانت عن إقرار رسالة عن الكل إلا الزمان لما مر من أن التقادم لا يمنع الإقرار. ووقع في بعض نسخ (فتح القدير) ولا يسأل المقر عن المكان لكن يسأله عن باقي الشروط من الحرز وغيره وكأنه تحريف، والصواب أنه يسأله لجواز أن يكون في دار الحرب (ولو) كان (جمعا و) الحال أن (السارق بعضهم قطعوا إن أصاب لكل) منهم (نصاب) هذا استحسان سدا لباب السرقة سواء خرجوا معه من الحرز أو بعده في فوره أو خرج هو بعدهم في فورهم ولو كان فيهم صغير أو مجنون أو معتوه أو ذا رحم محرم من المسروق منه لم يقطع أحدن قيد بالجمع لأنه لو سرق واحد من عشرة من كل واحد درهما من بيت واحد يقطع لكمال النصاب، (ولو يقطع) بحيث لم تجر العادة بإحرازه ولهذا قلنا: إنه يقطع في الأبواب والأواني والساج والأبنوس والقنا والصندل (وحشيش وقصب وسمك)، قال في (الهداية): يدخل فيه المالح والطري قيل: المليح أو المملوح (وطير) بسائر أنواعه قيل: إلا الدجاج والبط وقيل: لا يقطع

стр. 1159

وصيد وزرنيخ ومغرة ونورة وفاكهة رطبة أو على شجر ولبن ولحم وزرع لم يحصد وأشربة وطنبور ومصحف ولو محلى. ــ في جميع الطيور وهذا القول أصح، كذا في (الغاية) (وصيد وزرنيخ) قيل: ينبغي أن يقطع به لأنه يحرز ويصاب في دكاكين العطارين (ومغرة) بالفتحات الثلاثة ولك إسكانها الطين الأحمر (ونورة) زاد في (السراج) ولبن وآجر وفخار وزجاج وهذا الأخير أجراه بعضهم على إطلاقه، وآخرون على غير المعمول منه فيقطع به وزاد في (المجتبى) الفحم والأشنان والملح، وقال في (الفتح) اختلف في الوسمة والحناء والوجه القطع لأنه جرت العادة بإحرازه في الدكاكين، وبه جزم الحدادي معللا بأنه لا يتسارع إليه الفساد وهو كالفاكهة اليابسة وإنما لم يقطع في هذه الأشياء لأنها توجد مباحة في دار الإسلام. لو قال كما في (المجمع) ولا يقطع في مباحة الأصل والمعترضة للفساد لكان أخصر واستغتى عن قوله (وفاكهة رطبة) أي: على شجر لخبر أبي داود (لا قطع في ثمر ولا كثر) بفتح الكاف والثاء المثلثة الجمار يخرج من رأس النخل وأخطأ من قال إنه الحطب أو صغار النخل كما في (المغرب) قيد بالرطبة لأنه يقطع باليابسة التي تبقى كاللوز ونحوه، وفي الإسبيجابي لو سرق مالا يبقى حولا لا يقطع (و) لا إحراز فيما (على الشجرة ولبن ولحم) لقوله ﵊: (لا قطع في الطعام) والمراد والله أعلم ما يتسارع إليه الفساد كالمهيأ للأكل وما في معناه كاللحم والثمر أطلق في اللحم فعم القديد منه (وزرع لم يحصد) لما مر في التمر من عدم الإحراز، قيد بذلك لأنه يقطع في الحنطة إجماعا وقيده في (المبسوط) بغير أيام القحط، وأما لو سرق فيها ما لم يقطع (وأشربة) مطربة، أي: مكسة لأن بعضها حرام فيتناول سارقها إراقتها وبعضها مختلف في إباحته فأورث شبهة في عدم المالية، وأما ما حل منها ففيه القطع كالفقاع / ونحوه. قال الحدادي: وأما شراب نقيع التمر والزبيب فالصحيح أن فيه القطع انتهى. ولا خلاف أنه يقطع في الخل والعسل، كما في (الشرح) لكن في (البحر) قال أبو حنيفة: لا قطع في الخل لأنه قد صار خمرا مرة (وطنبور) لأنه من المعازل للملاهي كما في (الشرح) ثم قيل لفظ المعازف يجمع العود والطنبور وأشباهها، وقيل خاص بالتي استخرجها أهل اليمن كما في (الجمهرة) (و) لا يقطع أيضا سرقة (مصحف ولو) كان (محلى) بما قيمته تعدل نصابا في ظاهر الرواية عن أصحابنا، وعن أبي

стр. 1160

وباب مسجد وصليب ذهب وشطرنج ونرد وصبي حر ولو معه حلي وعبد كبير ودفاتر. ــ يوسف في (الإملاء) أنه يقطع وعنه إذا بلغت الحلية نصابا وجه الظاهر أن المقصود ما فيه ومعنى المالية فيه تبعا لا مقصودا ولذا قلنا: لو سرق ثوبا قيمته دون نصاب لكنه محلى بما ساوى نصابا لا يقطع، (وباب مسجد) الأولى وباب مركب كما في (الإصلاح) لأنه لا قطع في الأبواب مطلقا لعدم الإحراز فيها، لكنه لو اعتاد سرقة أبواب المساجد بولغ في تعزيره وحبس حتى يتوب، كما قاله فخر الإسلام (وصليب ذهب) وهو مثل تعبد النصارى، كذا في (غاية البيان) وفي (فتح القدير) الصليب: ما هو كهيئته خطين متقاطعين ويقال لكل جسم صليب. (وشطرنج) بكسر الشين (ونرد) فارسي معرب ولو كان من ذهب لتأول السارق الكسر نهيا عن المنكر، ولو سرق دراهم عليها تمثال قطع لأنه إنا أعد للتمويل فلا يثبت فيه تأويل (وصبي حر ولو) كان (معه حلي) بفتح الحاء وسكون اللام كل ما لبس من ذهب أو فضة أو جوهر جمع حليا بفتحها لأن الحر ليس بمال وما عليه تبع له قال أبو يوسف: إن بلغ الحلي نصابا قطع والخلاف في غير المميز، أما المميز فلا يقطع إجماعا لأنه خداع لا سرقة (وعبد كبير) أي: مميز يعبر عن نفسه ولو نائما أو مجنونا أو أعجميا لأنه ليس بسرقة بل إما عصب أو خداع. (ودفاتر) أراد بها الكتب المشتملة على علم الشريعة، كالفقه والحديث والتفسير وغيرها من الغريبة والشعر واختلف في غيرها فقيل ملحقة بدفاتر الحساب فيقطع، وقيل: بالشرعية لأن معرفتها قد يتوقف على اللغة والشعر والحاجة وإن قلت: كفت في إيراث الشبهة، ومقتضى هذا أن لا يختلف في القطع بكتب السحر والفلسفة لأنه لا يقصد ما فيها لأهل الديانة ويمكن في كتب الحساب والهندسة عدم القطع كذا في (الفتح) وينبغي أن ينظر في الأخذ لكتب السحر والفلسفة فإن كان مولعا بذلك لا يقطع للقطع بأن المقصود ما فيها ويدخل في الفقه أصوله وفي الحديث مصطلحه، وفي التفسير ما أفرد من متعلقاته كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ ولم يذكر كثيرا أصول الدين ولا شك أنه من أعز العلوم الشرعية، وما في (التاتارخانية) عن (الكافي) في كتب الأدب اختلاف المشايخ ومنهم من قال: يقطع وفي (السراجية) لا قطع في كتاب الأشعار فيحمل ما في (الفتح) على علم الشعر بخلاف العبد الصغير ودفاتر الحساب حيث يقطع فيها، أما الصغير وهو من لا يعبر عن نفسه فلأنه مال منتفع به إن كان يمشي ويعقل أو بعرضيه أن يصير كذلك إن كان بخلافه، وحكى ابن المنذر الإجماع على ذلك مع أن أبا يوسف استحسن عدم القطع لأنه وإن كان مالا من وجه لكنه أومئ من وجه، والثاني يوجب شبهة ما في
следующие страницы →