Полный текст (1 611 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
وتسقط بالإسلام والموت والتكرار، ولا تحدث بيعه ولا كنيسة في دارنا.
ــ
عليه إذا قدر وهو قول الثاني وبه جزم الحدادي وجعله في (الخانية) ظاهر الرواية حيث قال: ويؤخذ من الرهبان والقسيسين في ظاهر الرواية، وعن محمد أنها لا تؤخذ قيد بقوله: لا يخالط الناس لأنه لو خالطهم وجبت عليه (وتسقط) الجزية (بالإسلام) بأن أسلم بعد ما تمت السنة لما في معجم الطبراني (الأوسط) من حديث ابن عمر قال: (قال رسول الله ﷺ : من أسلم فلا جزية عليه) وإنما لم يسقط الرق به لأنه تعلق به حق معين فلا يبطل به.
وفي (الخانية) لو عمي أو صار مقعدا أو زمنا أو شيخا لا يقدر أن يعمل أو فقيرا لا يقدر على شيء أو أسلم وقد بقي عليه شيء منها يسقط ذلك الباقي وفي (الخلاصة) لو عجل الجزية لسنتين ثم أسلم ترد عليه جزية سنة واحدة ولو أدى [٣٣٢/ب] الجزية في أول سنة / ثم أسلم فيها لا رد عليه شيء وهذا قول من يقول بوجوب الجزية في أول السنة وهو الصحيح.
(والموت) أي: بالموت كافرا لأنها عقوبة دنيوية على الكفر فلا تقام بحد الموت (والتكرار) وهو بدخول السنة الثانية على الأصح، لأن العقوبات إذا اجتمعت تداخلت وبذلك على أنها عقوبة أنها تؤخذ منه على وجه الإذلال، ولذا لو بعث بها على يد وكيله لا يمكن من ذلك على أصح الرويات، بل يكلف أن يأتي بها بنفسه فيعطى واقفا والقابض قاعدا، وفي رواية يأخذ بتلبيبة وهو موضع اللب من بيانه وهو موضع القلادة ويهزه ويقول أعط الجزية يا ذمي أو يا يهودي يا نصراني يا عدو الله.
وفي (شرح الطحاوي): أنه يضعفه قبل خراج الأرض كالجزية فيتداخل، وقيل: كالعشر فلا يتداخل اتقاقا، قال في (البحر) وينبغي ترجيح الأول لأنه عقوبة بخلاف العشر (ولا تحدث) أي: ولا يجوز أن يحدث (بيعة) بكسر الباء متعبد النصارى (ولا كنيسة) وهي: متعبد اليهود، وكانت الكنيسة والبيعة في الأصل يطلقان على متعبدهما، ثم غلب في الاستعمال على ما قلنا، وأهل مصر يطلقون الكنيسة على متعبدهما ويخصون اسم الدين بمتعبد النصارى (في دارنا) معاشر المسلمين لرواية البيهقي، قال ﵊: (لا خصاء في الإسلام ولا بنيان كنيسة) ووجه الاشتراك بينهما: أن في كل منهما نوع ضعف أو تغيير على عليه أصل ذلك الشيء، وقد قيل: إن المراد بالخصاء نزع الخصيتين أو هو كناية عن
стр. 1227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التخلي عن إتيان النساء كالرهبان ولا شك أنه خصي معين ومن الإحداث نقلها من مكان إلى آخر، والصومعة وبيت النار كالكنيسة وفي (الدراية) الأمصار ثلاثة: ما مصره المسمون كالكوفة فلا يجوز إحداث بيعة ولا كنيسة ولا يجتمع لصلاتهم ولا صومعة فيها بإجماع العلماء، ولا يمكنون من إظهار شرب الخمر واتخاذ الخنزير وضرب الناقوس، وما فتحه المسلمون عنوة كذلك، وثالثها: ما فتح صلحا فإن وقع على أن الأرض لهم والخراج لنا جاز إحداثهم، وإن صالحهم على أن الدار لنا ويؤدون الجزية كان الحكم في الكنائس على ما يقع عليه الصلح، فإن كان على شرط إحداث لم يمنعوا، والأولى أن لا يفعل، وإن مطلقا لا يحدثون وتبقى القديمة وعلى هذا لم يمنعوا، والأولى أن لا يفعل، وإن مطلقا لا يحدثون وتبقى القديمة وعلى هذا فإطلاق المصنف محمول على ما إذا لم يعق الصلح على أن الأرض لهم أو على الإحداث إلا أن ظاهر الرواة لاستثناء فيه، ومن ثم صدر في (الفتح) هذا التقسيم بقيل، وإطلاق المصنف يعم الأماكن كلها حتى السواد أو القرى وهذا في السواد والقرى هو الذي رواه ابن زياد عن الإمام، وبه أخذ عامة المشايخ كذا في (الخانية)، وفي (الفتح) هو المختال، وقال السرخسي وعليه مشايخ بلخ وهو الأصح.
والخلاف في غير جزيرة العرب، أما هي فيمنعون من قراها أيضا لخبر: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)، قيد بالإحداث لأن القديم منها وهو ما كان قبل فتح الإمام البلدة يبقى إذا صالحهم الإمام على قرارهم على أراضيهم، لأنه قد جرى التوارث بترك البيع والكنائس إلى يومنا هذا، وهذا في السواد باتفاق الروايات، واختلف كلام محمد في الأمصار فذكر في (العشر والخراج) أنها تهدم وفي الإجارة أنها لا تهدم وعمل الناس على هذا.
وفي (التتارخانية): وهو الأصح، قال في (الفتح): وعلى هذا لو مصرنا برية فيها ديورا وكنيسة فوقع في داخل السور ينبغي أن لا تهدم لأنه كان مستحق للأمان قبل وضع السور فيحمل ما في جوف القاهرة من الكنائس على ذلك لأنها كانت فضاء فأدار العبيديون عليها السور ثم فيها الآن كنائس، ويبعد من إمام تمكين الكافر من إحداثها في المدن الإسلامية، فالظاهر أنها كانت في الضواحي فأدير السور عليها، وعلى هذا فالكنائس الآن الموجودة في دار الإسلام غير جزيرة العرب كلها ينبغي أن لا تهدم، لأنها إن كانت في أمصار قديمة فلا شك أن الصحابة والتابعين حين فتحوا
стр. 1228
ويعاد المنهدم من الكنائس والبيع القديمة ويميز الذمي عنا في الزي.
ــ
المدينة علموا بها وأبقوها، وبعد ذلك ينظر فإن كانت البلدة فتحت عنوة حكمنا بأنهم أبقوها مساكن لا معابد فلا تهدم، ولكن يمنعون من الاجتماع فيها للتقرب وإن عرف بأنها فتحت صلحا حكما بأنهم أقروها معابد فلا يمنعون من ذلك بل من الإظهار انتهى.
ولذا قال محمد: كل قرية من قرى أهل الذمة لو مصر أو حديقة لهم أظهروا فيها شيئا من الفسق كالزنا والفواحش التي يحرمونها في دينهم يمنعون منه، وكذا عن المزامير والطنابير والغناء ومن كثر شيئا من ذلك لم يضمن، وكذا يمنعون من [٣٣٣/أ] اتخاذ الخنزير (ويعاد المنهدم من البيع والكنائس القديمة)، لأن الإمام لما أقرهم / وقد علم أن الأبنية لا تبقى فقد عهد إليهم بالإعادة وفيه إيماء إلى أن الزيادة عليه لا تجوز وبه صرح في (الخانية) وغيرها.
قال في (عقد الفوائد) وهذا يؤخذ منه أنهم لا يبنون ما كان باللبن بالآجر ولا ما كان بالآجر بالحجر ولا ما كان بالجريد وخشب النخل بالنقى والساج ولا بياضا لم يكن. قال ولم أجد في شيء من الكتب المعتمدة أن لا تعاد إلا بالنقض الأول، وكون ذلك مفهوم الإعادة شرعا أو لغة غير ظاهر عندي على أنه وقع في عبارة محمد يبنونها، وفي إجارة (الخانية) يعمروا وليس فيهما ما يشعر باشتراط النقض الأول، وفي (الحاوي القدسي) وإذا انهدمت البيع والكنائس القديمة لذوي الصلح أعادوها باللبن والطين إلى مقدار ما كان قبل ذلك ولا يزيدون عليه ولا يشيدونها بالحجر والشيد والآجر، وإذا وقف الإمام على بيعة جديدة أو بني منها فوق ما كان في القديم خربها، وكذا ما زاد في عمارة العتيق انتهى.
ومقتضى النظر أن النقض الأول حيث وجد كافيا للبناء الأول لا يعدل عنه إلى آلة جديدة إذ لا شك في زيادة الثاني على الأول حينئذ، وبقي ما لو هدت بغير وجه شرعي فنقل السبكي من الشافعية الإجماع على أنها لا تعاد، قال في (الأشباه) ويستنبط منه أنها إذا قفلت ولو بغير وجه شرعي لا تفتح انتهى، وفيه نظر لا يخفى (ويميز الذمي عنا) معاشر المسلمين (في الزي) بكسر الزاي أي: اللباس والهيئة بما في (الصحاح) بأن يجعل له علامة تميزه عن المسلمين فيها هوان وصغار لئلا يعامل معاملتهم من التوقير والإجلال وربما مات فجأة في الطريق فلا يعرف فيصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين ويستغفر له وكل ذلك لا يجوز.
واختلف المشايخ هل يشترط في التمييز ثلاث علامات أو يكتفى بعلامة واحدة أو علامتين، قال بعضهم: يكتفى بواحدة أما على الرأس كالقلنسوة الطويلة
стр. 1229
والمركب والسرج فلا يركب خيلا، ولا يعمل بالسلاح.
ــ
المضربة أو على الوسط كالكستيج أو على الرجل كالنعل والمكعب على خلاف نعالنا، ومنهم من قال في النصارى يكتفى بواحدة وفي اليهود بعلامتين وفي المجوس إلى ثلاث وإليه مال ابن الفضيل، وبه كان يفتي بعضهم، قال شيخ الإسلام: والأحسن أن يكون في الكل ثلاث علامات، وكان الحاكم يقول: إن صالحهم أو أعطاهم الذمة بعلامة واحدة لا يزاد عليها، وأما إذا فتحها عنوة كان له أن يلزمهم العلامات وهو الصحيح كذا في (التتارخانية).
وفي (الفتح) وإذا عرف أن المقصود العلامة فلا يتعين ما ذكر بل يعتبر في كل بلدة ما تعارفه أهله، وفي بلادنا جعلت العلامة في العمامة فألزم النصارى بالزرقاء واليهود بالصفراء واختص المسلمون باليضاء أنتهى. إلا أنه في (الظهيرية) قال: وأما لبس العمامة والزنار الإبريسم فجفاء في حق أهل الإسلام، ومكسورة لقلوبهم وهذا يؤذن بمنع المتميز بها ويؤيده ما في (التتارخانية) حيث صرح بمنعهم من القلانس الصغار وإنما تكون طويلة من كرباس مصبوغة بالسواد مضطربة مبطنة، وهذا في العمامة أولى وإذا عرف هذا فمنعهم من لبس العمائم الآن هو الصواب الواضح بالتبيان فأيد الله سلطان زماننا إذ منعهم من لبسها ولسعادته أيد ولملكه شهيد ولأمره سدد، وإذا لبس قميصا كان زيله قصيرا وجيبه على صدره كما يكون للنساء كما ذكره في (التتارخانية)، وإذا عرف هذا فمنعهم من الثياب الفاخرة حريرا أو غيره كالصوف الرفيع والحرج الرفيع والأبراد الرفيعة أولى كما صرح به في (فتح القدير)، قال: ولا شك في وقوع خلاف هذا في هذه الديار ولا شك في منع استكتابهم وإدخالهم في المباشرة التي يكون بها تعظيما عند المسلمين بل ربما يقف بعض المسلمين خدمة له خوفا من أن يتغير خاطره منه فيسعى به عند مستكتبه سعاية توجب له منه الضرر.
وفي (الحاوي القدسي) وينبغي أن يلازم الذمي الصغار فيما بينه وبين المسلم في كل شيء، قال في (الفتح) فعلى هذا يمنع من القعود حال قيام المسلم عنده قال في (الذخيرة) ولو قام له المسلم إن كان تعظيما له أو لغناه كره وإن لطمعه في الإسلام فلا بأس به وجزم الطرسوسي بأنه إن قام تعظيما لذاته وما هو عليه كفر، قالوا: ويجب أن يميز نساؤهم أيضا عن نسائنا في الطرقات والحمامات ويجعل على دورهم علامات كي لا يقف عليهم سائل يدعو لهم بالمغفرة، وفي (الخانية) ولا تؤخذ عبيد أهل الذمة بالكستجات، (و) في (المركب والسرج فلا يركب خيلا ولا يعمل بالسلاح) قيد بذلك لأن له ركوب الحمار وألحق بعضهم البغل بالحمار، وهذا قول المتقدمين
стр. 1230
ويظهر الكستيج ويركب سرجا كالإكف ولا ينتقض عهده بالإباء عن الجزية والزنا بمسلمة وقتل مسلم وسب النبي ﷺ .
ــ
[٣٣٣/ب] لكنه مقيد بأن يكون / على الأكف مع مخالفته لهيئة المسلمين صرح به في (الذخيرة) كذا في (عقد الفوائد)، وظاهر أن المخالفة لهيئتهم إنما تكون إذا ركبوا من جانب واحد وغالب ظني أنني سمعته من الشيخ الأخ كذلك، واختار المتأخرون أنهم لا يركبون أصلا إلا إذا خرجوا إلى قرية أو نحوها أو كان مريضا وحاصله إلا لضرورة فيركب ثم ينزل في جامع المسلمين إذا مر بهم كذا في (الفتح).
وفي (المجمع) وهو الأصح واستثنى في (الذخيرة) من منع الخيل ما لو دعت الحاجة إلى ذلك بأن استعاد بهم الإمام في المحاربة والذب عن المسلمين لكنه يركب في هذه الحالة بأكاف لا بسرج كما قال بعضهم (ويظهر الكستيج) لأنه من أعلام الكفر وهو: فارسي معرب، معناه: بلغة العجم العجز والذل هو خيط غليظ بقدر الإصبع يشده الذمي فوق ثيابه وكذا عن أبي يوسف وقيده في (المجمع) بالصوف.
وشرط في (التتارخانية): أن يكون غير منقوش وأن لا يكون له حلقة وإنما يعقده على اليمين أو الشمال (ويركب سرجا كالأكف) جمع أكاف وهو معروف والسرج الذي على هيئته وهو ما يجعل على مقدمته شبه الرمانة والوكاف لغة ومنه أوكف الحمار وأكفه كذا في (المغرب) وفسر العيني أكاف الحمار بالبردعة (ولا ينتقض عهده) أي: عهد عقده للجزية (بالإباء عن) دفع (الجزية) لأن التزامها باق وبالإباء تؤخذ منه جبرا وفي رواية ذكرها في (الواقعات) أنه ينقض وهو قول الثلاثة، قيد بالإباء عن دفعها لأنه لو امتنع من قبولها انتقض عهده كذا في (الفتح) والزنا ولا يالزنا (بمسلمة) لأنه يقام عليه موجبه وهو الحد وفيه إيماء إلى أنه لا ينتقض أيضا بإصابته إياها بنكاح وإن عزرا وكذا الساعي بينهما (وقتل مسلم) لأن القصاص منه يستوفى به فلذا لا ينتقض عهده بإفتان مسلم عن دينه أو بقطع طريق (وسب النبي ﷺ ) لأنه كفر من الذمي كما هو ردة من المسلم، والكفر المقارن لعقد الذمة لا يمنعه في الابتداء فأولى أن لا يرفعه في حال البقاء.
قال في (الفتح): والذي عندي أن سبه ﷺ أو نسبة ما لا ينبغي إلى الله تعالى إن كان ممن لا يعتقدونه كنسبة الولد إليه تعالى وتقدس إذا أظهره يقتل به وينتقض عهده وإن لم يظهر لكن عثر عليه وهو ينكره فلا، لأن دفع القتل والقتال عنهم بقبول الجزية مقيد بكونهم صاغرين أذلاء ولا خلاف أن المراد استمرار ذلك لا مجرد القبول وإظهار ما هو الغاية في التمرد؟ وعدم الالتفات والاستخفاف ينافي أن يكون جاريا على العقد الذي يدفع عنه القتل انتهى ملخصا، ثم قال: وهذا البحث يوجب أنه إذا
стр. 1231
بل بالالتحاق ثمة أو بالغلبة على موضع للحراب وصاروا كالمرتد ويؤخذ من تغلبي وتغلبية ضعف زكاتنا.
ــ
استعلا على المسلمين على وجه صار مستمرا عليه حل للإمام قتله أو يرجع إلى الذل والصغار. قال العيني: وأختار في السب أنه يقتل ولا كلام أنه يعاقب على ذلك كما إذا شتم دين الإسلام أو القرآن ذكره في (الحاوي القدسي)، (بل) ينقض عهده (بالالتحاق) إلى دار الحرب أو بالغلبة على موضع للحراب لأنهم بذلك صاروا حربا علينا فعري عقد الذمة عن الفائدة وفي نكاح المشرك من (فتح القدير) لو جعل نفسه طليعة للمشركين قتل لأنه محارب معنى وقال هنا: إن عهده لا ينتقض بدلالته على عورات المسلمين ونحوه في (المحيط) حيث قال: لو كان يخبر المشركين بعيوب المسلمين أو يقاتل رجلا من المسلمين ليقتل لا يكون نقضا للعهد والطليعة واحدة الطلائع في الحرب وهم الذين يبعثون ليطلعوا على أخبار العدو وكذا في (المغرب) فيحمل الأول على ما إذا بعثوه لذلك والثاني على ما إذا لم يبعثوه وأفاد أنه لا ينتقض بالقول وبه صرح في (المحيط).
ويشكل عليه ما قدمناه من أنه لو امتنع من قبول الجزية نقض عهده وليس ذلك إلا بالقول، (فصاروا) أي: أهل الذمة بالالتحاق أو بالغلبة (كالمرتد) في الحكم بموتهم باللحاق فيقسم مالهم بين ورثتهم وفي قبول توبتهم فنفود ذمتهم وفي بينونة زوجاتهم التي تركوها في دار الإسلام إجماعا وفي أن ما لحقوا به من المال يكون فيئا أما إذا عادوا بعده إلى دارنا وأخذوا من مالهم أشياء ولحقوا به فإنه يكون لورثتهم قبل القسمة مجانا وبعدها بالقيمة كذا في (الفتح) وفي أنهم إذا عادوا إلى الذمة لا يؤاخذون بحقوق لحقتهم في المحاربة من القصاص والمال بخلاف ما قبلها كما في (المحيط)، وفي قتلهم ودفع مالهم لورثتهم وعلى هذا اقتصر الشارح.
قال في (الفتح): فإن عاد بعد الحكم باللحاق ففي رواية يكون فيئا وفي رواية لا، ولا يبعد أن يقال: انتقاله للمكان الذي تغلبوا فيه كانتقاله إلى دار الحرب إن لم يكن محل / الروايتين ما لم يعد ثانيا وخالفوا المرتد في أنهم يسترقون ولا يجبرون [٣٣٤/أ] على قبول الجزية وأما المرتد فلا يسترق ويجبر على الدخول في الإسلام (وتؤخذ من تغلبي) بالغين بمثناة معجمة ولام مكسورة نسبة إلى بني تغلب بن وائل بن ربيعة قوم تنصروا في الجاهلية وسكنوا قرب الروم (ضعف زكاتنا) بذلك صالحهم عمر رضي الله تعالى عنه وعليه إجماع الصحابة ثم الفقهاء ونبه بقوله زكاتنا إلى أن المأخوذ وإن
стр. 1232
ومولاه كمولى القرشي والجزية والخراج ومال التغلبي وهدية أهل الحرب وما أخذنا منهم بلا قتال يصرف في مصالحنا كسد الثغور.
ــ
كان جزية في المعنى إلا أنه لا يراعى فيه شرائطها من وصف الصغار وتقبل من النائب بل شرائط الزكاة وأسبابها لأن الصلح وقع كذلك ولذا أخذ من المرأة لأهليتها لها بخلاف الصغير والمجنون حيث لا يؤخذ من مواشيهم وأموالهم بخلاف أراضيهم، وإذا كان كذلك فيأخذ الساعي من غنمهم السائمة من كل أربعين شاة شاتين ومن كل مائة وإحدى وعشرين أربع شياه وعلى هذا في الإبل والبقر، (ومولاه) أي: معتق التغلبي (كمولى القرشي) في أن كل منهما لا يتبع أصله حتى توضع الجزية والخراج عليهما وإن لم يوضع على أصلهما لأن عدم الوضع عليها تخفيف والمعتق لا يلحق بالأصل فيه، ألا ترى أن الإسلام أعلى أسباب التخفيف.
ولو كان المسلم مولى نصراني وضعت عليه الجزية ولم يتعد إليه التخفيف فلأن لا يتعدى بوصف غيره أولى، وأما قوله ﵊ (مولى القوم منهم) فعام مخصوص بالإجماع فإن مولى الهاشمي لا يتبعه في الكفاية للهاشمية والإمامة فجاز تخصيصه بالمعنى المذكور أيضا أو أنه أريد به خاص وهو عدم دفع الزكاة ولأن حرمة الصدقة ليس تخفيفا والحرمات تثبت بالشبهات، ونقض بمولى الغني فإن حرمة الصدقة لم تتعد إليه وأجيب بأنه أهل للصدقة في الجملة بدليل أنه لو كان عاملا عليها أعطى كفايته منها بخلاف الهاشمي (والجزية والخراج ومال التغلبي وهدية أهل الحرب) فيه إيماء إلى أن للإمام أن يقبلها ويضعها في بيت المال.
وقيده في (الذخيرة) بأن يغلب على ظنه أن المشتركين يقع عندهم أن القتال لإعلاء كلمة الله تعالى لا لطمع دنيوي وقيل: إنما تقبل من شخص لا يطمع في إيمانه لو ردت هديته وقيل: من شخص علم أنه لا تقل صلابة المسلمين في حقه بل تبغي المسلمون على عزتهم وصلابتهم أما من كان من المشركين يغلب على الظن ظنه أن قتال المسلمين لطمع أو يطمع في إيمانه لو ردت هديته أو أن المسلمين تقل صلابتهم وعزتهم لا تقبل هديته، وقيل: تقبل في حالة الصلح والمسألة في (السراج) (وما أخذنا منهم بلا قتال) بل بالصلح على ترك القتال قبل نزول العسكر بساحتهم ودخل فيه ما لو أخذ العاشر منهم ومن أهل الذمة ومال نجران ومنه تركة أهل الذمة كما في (الظهيرية) (يصرف في مصالحنا) نبه بذلك على أنه لا يخمس ولا يقسم بين الغانمين، (كسد الثغور) وهي المواضع التي يخاف هجوم العدو منها إلى
стр. 1233
وبناء القناطر والجسور وكفاية القضاة والعلماء والمقاتلة وذراريهم ومن مات في نصف السنة حرم عن العطاء.
ــ
دار الإسلام وأصله الهدم سمي بذلك لانقلابه وإمكان دخول العدو منه (وبناء القناطر) جمع قنطرة وهي ما لا ترفع الأحكام بنائها (وكفاية القضاة) والعمال كذا في نسخة العيني جمع عامل وهو الذي يعمل للمسلمين كالكتاب عند القضاة وشهود الغنيمة والرقباء على السواحل (و) كفاية (العلماء) زاد في (التجنيس) والمتعلمين.
قال في (الفتح): وبهذا تدخل طلبة العلم، وفي حظر (الخانية) سئل الرازي عن بيت المال هل للأغنياء فيه نصيب؟ قال: لا إلا أن يكون عالما أو قاضيا وليس للفقهاء فيه نصيب إلا فقيه فرغ نفسه لتعليم الفقه والقرآن.
قال في (البحر): فيحمل ما في (التجنيس) على ما إذا فرغ نفسه لذلك بأن يصرف غالب أوقاته في العلم، ودخل المفتي وبه صرح في (المحيط)، وفي مسائل (الفتاوى) لكل قارئ في كل سنة مائتا دينار أو ألفا درهم إن أخذها في الدنيا وإلا يأخذها في الآخرة، وفي (الحاوي القدسي) ولم يقدر في ظاهر الرواية قدر الأرزاق سوى قوله ما يكفيهم وذراريهم وسلاحهم وأهاليهم، وما ذكر في الحديث لحافظ القرآن وهو المفتي اليوم مائتا دينار، وعن عمر أنه زاد فيه دليل على قدر الكفاية انتهى.
وفي (القنية) كان أبو بكر يسوي في العطاء، وكان عمر يعطيهم على قدر الحاجة والفقه والفضل والأخذ بما فعله عمر في زماننا أحسن، (و) كفاية (المقاتلة وذراريهم) أي: ذراري من ذكر لأن مال بيت المال لمصالح المسلمين وهؤلاء عملتهم ونفقة الذراري على الآباء فلو لم تحصل الكفاية لاحتاجوا إلى / الاكتساب [٣٣٤/ب] كذا قالوا وهذا يقتضي أن المراد بكفاية غير الذراري كفاية أنفسهم وأنه لا حق لهم بعد موت الآباء وإلى هنا تمت. مصارف بيت المال ثلاثة: مصرف الزكاة والعشر ومصرف خمس الغنائم، ومصرف الجزية والخراج، وبقي رابع وهو اللقطات والتركات التي لا وارث لها ودية مقتول لا ولي له ومصرفه اللقيط الفقير والفقراء الذين لا أولياء لهم يعطون منه نفقتهم وأدويتهم وتكفين أمواتهم وعقل جنايتهم.
قالوا: وعلى الإمام أن يجعل لكل نون بيتا يخصه فإن خلى بعضها كان له الاستقراض من النوع الآخر ليصرفه إلى ذلك النوع ثم إذا حصل منه شيء رده في المستقرض منه إلا أن يكون ما صرفه من الصدقات والخمس على أهل الخراج فلا يرد شيئا لأنهم مستحقون للصدقات بالفقر وكذا في غيره إذا صرفه للمستحق، وعليه أن يتق الله ويصرف إلى كل مستحق قدر حاجته فإن قصر كان الله عليه حسيبا (ومن مات) ممن ذكر (في نصف السنة حرم من العطاء) أي: عما يصرفه إليه فلا يدفع إليه
стр. 1234
باب المرتدين
ــ
وجوبا ولا ندبا لأنه حيلة وهي لا تملك إلا بالقبض قيد بالنصف لأنه لو مات في آخرها ندب صرفه إلى ورثته ولو تعجل القاضي ثم مات أو عزل قبل الحول قيل يجب رد ما بقي وقيل: عندهما لا يرد كالنفقة المعجلة ويرد عند محمد والله الموفق للصواب.
باب المرتدين
لما فرغ من أحكام الكفر الأصلي شرع في الطارئ والمرتد عرفا هو الراجع عن دين الإسلام وقد عرفوا الدين بأنه وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات ولصحة الردة شرائط العقل والصحو والطواعية فلا تصح ردة مجنون وصبي لا يعقل كإسلامهما وقدر في (فتاوى) قارئ (الهداية) عقله بأن يبلغ سبع سنين وكذا لو كان معتوها أو موسوسا أو مغلوبا على عقله برجه من الوجوه كما في (السراج) ولا ردة سكران ولا مكره وفي (الفتح) من هزل بلفظ كفر ارتد وإن لم يعتقده للاستخفاف فهو كافر العناد، والألفاظ التي يكفر بها تعرف في الفتاوى وفي (المسايرة) ولاعتبار التعظيم المنافي للاستخفاف كفر الحنفية بألفاظ كثيرة وأفعال تصدر من المتهكمين لدلالتها على الاستخفاف بالدين كالصلاة بلا وضوء بل بالمواظبة على ترك سنة استخفافا لها بسبب أنها إنما فعلها ﵊ زيادة أو استقباحها كمن استقبح من آخر جعل بعض العمامة تحت حلقه أو أحفا شاربه.
قال في (البحر): والحق أن ما صح عن المجتهد فهو على حقيقته، وأما ما يثبت عن غيره فلا يفتى به في مثل التكفير ولذا قال في بغاة (فتح القدير): بقع في كلام أهل المذاهب تكفير كثير يعني من البغاة لكن ليس من كلام الفقهاء الذين هم مجتهدون بل من غيرهم ولا عبرة بغير الفقهاء انتهى. وهذا يفيد أن بعض الألفاظ الواقعة في كتب الفتاوى ليست من كلام المجتهدين فلا يعول عليها انتهى، وأنت خبير بأن كل من نقله أئمتنا الأعلام منسوب إلى الإمام إما تصريحا أو تلويحا ولو اعتبرت النسبة إلى الإمام في كل جزيئة لزم إهدار كثير من الأحكام ثم قال بعد سرد كثير من ألفاظ التكفير من (التتارخانية) وغيرها: الذي تحرز أنه لا يفتى بتكفير مسلم أمكن حمله كلامه على محمل حسن أو كان في كفره اختلاف ولو رواية ضعيفة فعلى هذا فأكثر ألفاظ التكفير المذكورة لا يفتى بها وقد ألزمت نفسي أن لا أفتي بشيء منها انتهى.
стр. 1235
يعرض الإسلام على المرتد وتكشف شبهته ويحبس ثلاثة أيام فإن أسلم.
ــ
وهو مأخوذ مما في (الخلاصة) وغيرها إذا كان في المسألة وجوه توجب التكفير ووجه واحد لا يوجبه فعلى المفتي أن يميل إلى عدم التكفير انتهى، غير أنه يجوز أن يراد بالوجوه الأقوال والاحتمالات لكن يؤيد الأول ما في (الصغرى) الكفر شيء عظيم فلا أجعل المؤمن كافرا متى وجدت رواية أنه لا يكفر وينبغي له أن يكثر من قول اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغرك لما لا أعلم فإنه سبب النجاة من الكفر بوعد الصادق ﷺ .
(يعرض الإسلام على المرتد) هذا ظاهر في وجوبه كذا في (الفتح) فقوله في (البحر) لم يبين صفته ممنوع نعم ظاهر المذهب أنه مندوب فقط لأنه الدعاء إليه ودعوة من بلغته الدعوة غير واجبة (وتكشف شبهته) بيان لثمرة العرض إذ عساه أن الردة كانت لشبهة اعترته (ويحبس ثلاثة أيام) يعرض عليه الإسلام في كل يوم منها كما في (الخانية) هذا أيضا ظاهر في وجوب / الانتظار لما عرف من الإخبار فإن لم [٣٣٥/أ] يطلبه لا يستحب وإنما يقتل من ساعته وخص الثلاثة لأنها مدة ضربت لإبلاء الأعذار ولو ارتد ثانيا فعل به كذلك كذا في (التتارخانية).
(فإن أسلم) رفع عنه القتل هذا الإطلاق يستثنى منه ما لو ارتد بسببه ﷺ ثم تاب فإنه يقتل حدا ولا تقبل توبته في إسقاط القتل عنه ولا فرق بين أن يجيء تائبا أو يشهد عليه بذلك بخلاف غيره من المكفرات فإن الإنكار فيه توبته فلا تقبل الشهادة معه حتى قالوا يقتل وإن سب سكرانا ولا يعفى عنه، ولا بد من تقييده بما إذا كان سكره بسبب محظور باشره مختارا بلا إكراه وإلا فهو كالمجنون. قال الخطابي: لا أعلم أحدا خالف في وجوب قتله كذا في (الفتح)، وعلله البزازي بأنه حق عبد فلا يسقط بالتوبة كسائر حقوقهم قال: وسب واحد من الأنبياء كذلك.
تنبيه: من حوادث الفتوى ما لو حكم حنفي بكفره بسب النبي ﷺ فهل للشافعي الحكم بقبول توبته؟ الظاهر أن له ذلك لأنه حادثة أخرى ولو حكم بالموجب لأن مواجبه متعددة وقد قالوا: لو حكم شافعي بصحة بيع عقار لا يكون ذلك حكما منه بأنه لا شفعة فيه بالجوار لما قالوه والله أعلم.
وأما سب الشيخين أو لعنهما ففي (الخلاصة) وغيرها أنه كفر، ونقل في (البحر) عن (الجوهرة) معزيا إلى الشهيد أن التوبة لا تقبل وإسلامه وبه أخذ أبو الليث وأبو نصر الديوسي وهو المختار وجزم به في (الأشباه والنظائر)، وهذا لا وجود له في أصل (الجوهرة) وإنما وجد على هامش بعض النسخ فألحق بالأصل مع أنه لا ارتباط له بما قبله هذا في أحكام الدنيا أما فيما بينه وبين الله تعالى إذا صدق قبله
стр. 1236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بلا خلاف ولو تزندق فإن توبته لا تقبل في ظاهر المذهب وفي (الدراية) في الزنديق روايتان.
وفي (الخانية) قالوا: لو جاء قبل أن يؤخذ وأقر أنه زنديق فتاب تقبل توبته وإن أخذ ثم تاب لم تقبل ويقتل انتهى. وينبغي أن يكون هذا التفصيل محمل الروايتين وفسر الزنديق في (فتح القدير) بأنه الذي لا يتدين بدين أما من يبطن الكفر ويظهر الإسلام فهو المنافق ويجب أن يكون حكمه في عدم قبول توبته كالزنديق لأن ذلك في الزنديق لعد الاطمئنان إلى ما يظهر من التوبة إذا كان يخفي كفره الذي هو عدم اعتقاده دينا والمنافق مثله في الاعتقاد وعلى هذا فطريق العلم بحاله إما بأن يعثر بعض الناس عليه أو يسيره إلى من هو آمن إليه والحق أن الذي يقتل ولا تقبل توبته هو المنافق فالزنديق إن كان حكمه ذلك فيجب أن يكون مبطنا كفره الذي هو عدم التدين بدين ويظهر تدينه بالإسلام أو غيره إلى أن ظفرنا به وهو عرافي وإلا فلو فرضناه مظهرا لذلك حتى تاب يجب أن لا تقبل توبته كسائر الكفار المظهرين لكفرهم إذا أظهروا التوبة، وأما إذا كان ساحرا واعتقد إباحته فإنه يكفر ولا تقبل توبته ولا إمرة ولا خلاف بين أهل العلم في حرمة تعليمه وتعلمه وقد قال أصحابنا إن له حقيقة وتأثيرا في إيلام الأجسام خلافا لمن منع وقال: إنه تخييل كذا في (الفتح).
وفي (الخانية): الساحر إذا تاب أو كان يعتقد نفسه خالقا ثم تاب عن ذلك وتبرأ منه تقبل توبته ولا يقتل، وإن كان يستعمله بالتجربة ولا يعتقد له أثرا لا يقتل، وإن كان يجحد السحر فلا يدري كيف يفعل ولا يقر به قالوا: لا يستتاب بل يقتل إذا ثبت أنه مستعمل السحر، وفي بعض المواضع ذكر أن الاستتابة أحوط، وقال أبو الليث: إذا تاب قبل أن يؤخذ قبل توبته ولا يقتل وإذا اخذ ثم تاب لم تقبل توبته ويقتل وكذا الزنديق المعروف الداعي والفتوى على هذا القول انتهى، هذا وأما الكاهن فقيل: هو الساحر وقيل: هو العراف الذي يحدس ويتخوص وقيل: هو الذي له من الجن ما يأتيه بالأخبار، وقال أصحابنا: إن اعتقد أن الشياطين يفعلون له ما يشاء كفر وإن اعتقد أنه تخييل لم يكفر، وعند الشافعي إن اعتقد ما يوجب الكفر مثل التقرب إلى الكواكب وأنها تفعل ما يلتمسه كفر.
قال في (الفتح): ويجب أن لا يعدل عن مذهب الشافعي في كفر الساحر والعراف وعدمه، وأما قتله فيجب ولا يستتاب إذا عرفت مزاولته لعمل السحر لسعيه في الفساد في الأرض لا بمجرد علمه إذا لم يكن في اعتقاده ما يوجب كفره.
стр. 1237
وإلا قتل وإسلامه أن يتبرأ عن الأديان سوى الإسلام أو عما انتقل إليه.
ــ
تتمة: تحبط الردة ثواب الأعمال، قالوا وعليه إذا عاد إلى الإسلام أن يعيد الحج والنكاح دون الصلوات والزكوات والصيامات إلا أنه عاد / في وقت صلاة صلاها [٣٣٥/ب] كان عليه أداؤها ثانيا، وهل تعود حسناته بعوده إلى الإسلام؟ قال أبو علي وأبو هاشم من أصحابنا: لا تعود، وقال أبو القاسم الكعبي: تعود، ونحن نقول: إنه لا يعود ما بطل من ثوابه لكنه تعود طاعاته المتقدمة مؤثرة في الثواب بعد كذا في (التاتارخانية) وفيها لو تكرر ارتداده وتاب فإنه يؤخذ بعقوبة الكفر الأول والثاني وهو قول أبي الليث.
وقالوا: إن وقفه يبطل بالردة ولو روى لغيره حديثا لا يجوز للسامع منه أن يرويه عنه بعد ردته كما في شهادات (الولوالجية) (وإلا) أي: وإن لم يسلم (قتل) على الإطلاق أيضا يستثنى من أكره على الإسلام إذا ارتد فإنه يحبس ولا يقتل كما في (الخلاصة)، وقيد في (الخانية) بما إذا كان حربيا أم الذمي فلا يصح إسلامه، واللقيط لأن إسلامه كان على وجه الحكم لا من جهة الحقيقة، وقيده في (التاتارخانية) بما إذا وجد في مصر من أمصار المسلمين وفي (السراجيه) سواء كان مسلما أو كافرا وهو الصحيح.
قال في (المحيط): وكل من حكم بإسلامه تبعا إذا بلغ كافرا فإن يجبر على الإسلام ولا يقتل استحسانا ومن ثبت إسلامه برجلين ثم رجع كما في شهادات (اليتيمة) وإطلاقه يعم الحر والعبد وإن تضمن قتله إبطال حق المولى بالإجماع لإطلاق الدليل، (وإسلامه أن يتبرأ عن الأديان) كلها بإن يقول: تبت ورجعت إلى دين الإسلام وأنا بريء من كل دين (غير) دين (الإسلام) كذا في (المنية) لكن هذا بعد أن يأتي بالشهادتين كما في (الإيضاح).
وفي (الكافي) (و) لو تبرأ (عما انتقل إليه) كفى لحصول المقصود كذا في (الدراية) والظاهر أن التبرؤ مع الإتيان بالشهادتين مغن عم قوله تبت ورجعت فليس جزءا من مفهومه كما يوهمه ما في (المنية) وما في (الكافي) معناه الكفاية عن قوله: أنا بريء من كل دين غير دين الإسلام، ولو أتى بالشهادتين على وجه العادة لم ينفعه ما لم يرجع عما قال إذ لا يرتفع بها كفره كذا في (البزازية) فيد بإسلام المرتد لأن في غيره تفصيلا.
قال في (البدائع): الكفار أصناف أربعة: صنف ينكرون الصانع وهم الدهرية، وصنف ينكرون الوحدانية وهو الثنوية والمجوس، وصنف يقرون بها لكن ينكرون بعثة الرسل وهو قوم من الفلاسفة، وصنف يقرون بالكل في الجملة غير أنهم ينكرون
стр. 1238
وكره قتله قبله ولم يضمن قاتله ولا تقتل المرتدة بل تحبس حتى تسلم.
ــ
عموم رسالته ﷺ إلى كافة وهو اليهود والنصارى، فالصنفان الأولان يكتفي منهم بقول لا إله إلا الله، والثالث لا بد أن يقول محمد رسول الله، والرابع لا بد مع الإقرار بالرسالة من التبرؤ من دينه زاد في (الخانية) مع زيادة قوله: ودخلت في دين الإسلام.
وعلله في (الذخيرة) بأنه قد يتبرأ من اليهودية ويدخل في النصرانية فجاز أن يكون تبرؤه لذلك وليس المراد من قول (البدائع) وهم اليهود والنصارى كل النصارى بل طائقة منهم في العراق يقال لهم العيسوية صرح بذلك في (المحيط) (والخانية) وعلى هذا فينبغي أن يستفسر الآتي بالشهادتين منهم إن جهل حال.
قال قارئ (الهداية): والذي أفتي به أن الذمي إذا تلفظ بالشهادتين يحكم بإسلامه وإن لم يتبرأ من دينه الذي كان عليه وإذا رجع عما كان عليه يقتل إلا أن يعود إلى الإسلام لأن التلفظ بهما صار علامة على الإسلام، واعلم أن الإسلام كما يكون بالقول يكون بالفعل أيضا كما إذا صلى مكتوبة وأتمها مقتديا أو أذن في الوقت أو سجد للتلاوة أو أدى زكاة السائمة لا بغير ذلك وقد جمعت ذلك:
وكافر في الوقت صلى باقتدا .... متمما صلاته لا مفسدا
أو أذن معلنا أيضا أو زكى .... سوائما كأن سجد تزكى
ومن رام إشباع الكلام في ذلك فعليه بكتابنا المرسوم (بدرر المسائل باختصار أنفع الوسائل)، (وكره) كراهة تنزيه (قتل) من الإمام أو غيره وإن أدب لافتئاته (قبل العرض) لما فيه من ترك المندوب نعم على القول بوجوبه يكره تحريما (ولم يضمن قاتله) لأنه مهدر الدم لكفره (ولا تقتل المرتدة) للنهي عن قتل النساء (بل تحبس) أبدا إلى أن تموت ولا تواكل ولا تجالس كما في (الحقائق) وإطلاقه يعم الأمة أيضا إلا أن حبسها يكون عند المولى لخدمته لكن لا يطأها سواء طلبت ذلك أو لا في الأصح ويتولى جبرها جمعا بين الحقين.
[٣٣٦/أ] وفي (البدائع) لو سبيت المرتدة بعد / لحوقها بدار الحرب واسترقت فإنها تجبر أيضا على الإسلام بالضرب والحبس انتهى، يعني عند المولى كما مر، والصغيرة العاقلة كالبالغة والخنثى المشكل كالمرأة كما في (التتاخانية)، ولو قتلها قاتل لا شيء عليه كما في (المبسوط) وفي (العتابية) أنه يضمن الأمة لمولاها والظاهر ضعفه ولم يذكر ضربها في ظاهر الرواية، وعن الإمام أنها تضرب في كل يوم ثلاثة أسواط وعن الحسن تسعة وثلاثين إلى أن تموت أو (تسلم) وهذا قتل معنى لأن موالاة الضرب تفضي إليه كذا في (الفتح)، واختار بعضهم أنها تضرب خمسة وسبعين سوطا وهذا ميل إلى قول الثاني في نهاية التعزير.
стр. 1239
ويزول ملك المرتد عن ماله زوالا موقوفا فإن أسلم عاد ملكه وإن مات أو قتل على ردته ورث كسب إسلامه وارثه المسلم بعد قضاء دين إسلامه. ...
ــ
قال في (الحاوي القدسي): وهو المأخوذ به في كل تعزير بالضرب، ولا تسترق المرتدة الحرة ما لم تلحق بدار الحرب وفي رواية (النوادر) عن الإمام أنها تسترق في دار الإسلام أيضا قيل: ولو أفتى بهذه الرواية لا بأس به فيمن كانت ذات زوج حسما لقصدها السعي بالردة عن إثبات الفرقة وينبغي أن يشتريها الزوج من الإمام أو يهبها له إذا كان مصرفا لأنها صارت بالردة فيئا للمسلمين لا يختص بها الزوج فيملكها وينفسخ النكاح بالردة وحينئذ يتولى هو حبسها وضربها على الإسلام فيرتد ضرر قصدها عليها (ويزول ملك المرتد عن ماله زوالا موقوفا) أي: غير بات (فإن أسلم عاد ملكه) عند الإمام وقالا: لا يزول كالمحكوم عليه بالرجم والقصاص وله أنه حربي مقهور تحت أيدينا إلى أن يقتل ولا يقتل إلا بالحراب.
قال في (الفتح): واعلم أن حقيقة المراد بالردة أن يزول ملكه وإلا باتا فإن استمر حتى مات حقيقة أو حكم باللحاق استمر الزوال الثابت من وقت الردة وإن عاد الملك وهما هربا من الحكم بالزوال لأن الساقط لا يعود انتهى وعلى ذلك جرى بعض الشارحين إلا أن تصريح كلام المصنف وغيره يأباه ففي (البدائع) ثمرة الخلاف تظهر في تصرفاته فعندهما هي نافذة قبل الإسلام وعنده موقوفة انتهى، ولو زال ملكه زوالا باتا لما توقفت لأنه بالعود إلى الإسلام يطرأ ملك بات على موقوف فيبطله، هذا وبعد اتفاقهما على عدم زوال ملكه اختلفا في تبرعاته فجعلها أبو يوسف من جميع المال ومحمد من الثلث قيد بالمرتد لأن المرتدة لا يزول ملكها بالإجماع وينبغي أن يلحق بها من لا يقتل إذا ارتد لشبهة في إسلامه كما مر، وفي (الخانية) وتصرف المكاتب في ردته نافذ في قولهم، وفي (السراج) وكسب المكاتب المرتد حال الردة لمولاه (وإن مات) المرتد (أو قتل على ردته) أو حكم بلحاقه (ورث كسب إسلامه) بفتح الكاف وكسرها لجمع كذا في (القاموس) (وارثه المسلم بعد قضاء دين إسلامه) لأن ملكه بعد الردة باق فينتقل بعد موته إلى ورثته مستندا إلى قبيل ردته إذ الردة سبب الموت فيكون توريث المسلم من المسلم واختلفت الروايات فيمن يرث المرتد، فروى محمد عن الإمام أنه يرثه من كان وارثا عند أحد الثلاثة.
وفي (الخانية) وهي الرواية الصحيحة وروي عن الحسن أنه يورثه من كان وارثا حال الردة وبقي إلى وقت موته قيل: وهو الأظهر كذا في (السراج)، وروى أبو يوسف عنه أنه من كان وارثا وقت الردة، وتفرع على الأول وهي الأصح كما في (المبسوط) ما لو كان له ولد كافر أو عبد فأسلم أو عتق بعدها قبل موته أو الحكم بلحاقه ورثه
стр. 1240
وكسب ردته فيء بعد قضاء دين ردته وإن حكم بلحاقه عتق مدبره وأم ولده وحل دينه.
ــ
وكذا لو ولد ولد من علوق حادث بعد الردة. قال في (البدائع): لو ارتد الزوجان معا ثم جاءت بولد ثم قتل الأب على ردته فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الردة ثرثه وإن ستة فصاعدا لم يرثه ولو ارتد الزوج وحده أو كانت له أم ولد مسلمة ورثه مع ورثته المسلمين، وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر، وإطلاقه يعم الزوجة فترثه امرأته المسلمة إذا مات وهي في العدة لأنه بالردة كأنه مرض مرض الموت لاختياره سبب المرض بإصراره على الكفر مختارا حتى قتل، وهذا يقتضي أن غير المدخول بها لا ترث لصيرورتها بالردة أجنبية وليست الردة موتا حقيقيا بدليل أن المدخولة إنما تعتد بعد موته بالحيض لا بالأشهر فلا تنتهض سببا للإرث، والإرث وإن استند إلى الردة لكن يتقرر عند الموت هذا حاصل ما في (الفتح).
قال الشارح: وينبغي على رواية أبي يوسف أن ترث إذا مات بعد العدة أو قبل الدخول وفي (السراج) لو ارتدت وهي مريضة ورثها زوجها المسلم لأنها فارة لقصدها إبطال حقه بخلاف الصحيحة لأنها لا تقبل (وكسب ردته فيء) أي: غنيمة توضع في بيت المال عند الإمام وقالا: هو ميراث لورثته المسلمين أيضا بناء على أن أملاكه لا تزول بردته (بعد قضاء دين ردته)، هذا أعني قضاء دين إسلامه من كسب [٣٣٦/ب] الإسلام ودين الردة من كسبها رواية زفر عن الإمام وبها قال زفر والحسن / أيضا وروى أبو يوسف عنه أنه من كسب الردة إلا أن لا يفي فيقضي الباقي من كسب الإسلام وروى الحسن عنه أنه من كسب الإسلام إلا أن لا يفي فيقضي الباقي من كسب الردة.
قال في (البدائع): وفتاوى (الولوالجية) وهو الصحيح لأن دين الميت إنما يقضى من ماله وهو كسب إسلامه فأما كسب الردة فلجماعة المسلمين فلا يقضى منه الدين إلا لضرورة فإذا لم يف تحققت، قيد بالمرتد لأن كسب المرتدة لورثتها اتفاقا (وإن حكم) أي: القاضي (بلحاقه عتق مدبروه) من ثلث ماله وأهمله لما مر (وأم ولده) من كل ماله (وحل دينه) لأنه بالإلحاق صار من أهل الحرب، وهم أموات في حق أحكام الإسلام فصار كالموت إلا أنه لا يستقر لحاقه إلا بالقضاء لاحتمال العود، وإذا تقرر موته تثبت الأحكام المتعلقة به كما ذكر ومنها قسمة ماله وسيشير إليه بعد في قوله وما وجده في يد واريه، وظاهر أن المكاتب بعد موت سيده إذا أدى وارثه ما عليه عتق والولاء للمرتد لأنه المعتق فاعلم أن اللحاق إذا صار كالموت لا أنه حقيقة الموت لا يستقر حتى يقضى به سابقا على القضاء بشيء من الأحكام المذكورة في الصحيح لأن القضاء بشيء منها يكفي بل يسبق القضاء باللحاق ثم تثبت الأحكام المذكورة كذا في (الفتح).
стр. 1241
وتوقف مبايعته وعتقه وهبته فإن أمن نفذ وإن هلك بطل وإن عاد مسلما بعد الحكم بلحاقه فما وجده في يد وارثه أخذه.
ــ
قال في (البحر): وظاهر أن القضاء به قصدا صحيح وينبغي أن لا يصح إلا في ضمن دعوى حق العبد، وقد قالوا: إن يوم الموت لا يدخل تحت القضاء قصدا فينبغي أن لا يصح إلا في ضمن دعوى حق العبد وينبغي أنه لو حكم بعتق مدبره لثبوت لحاقه مرتدا ببينة عادلة أن يصح ولا يشترط له تقدم الحكم للحاقه ولم أر من أوضح هذا الحل انتهى.
وأقول: ليس معنى الحكم بلحاقه سابقا على هذه الأمور أن يقول ابتداء: حكمت بلحاقه كما قد توهمه بل إذا ادعى مدبر مثلا على وارثه أنه لحق بدار الحرب مرتدا وأنه عتق بسببه وثبت ذلك عند القاضي حكم أولا بلحاقه ثم يعتق ذلك المدبر كما يعرف ذلك من كلامهم فتدبر والله الموفق، (وتوقف مبايعته) وأراد بها كل ما كان مبادلة مال بمال فشمل الصرف والسلم والصلح عن إقرار والإجارة وقبض، لأنه مبادلة حكمية والرهن أيضا قيل لأنه معاوضة مالية وعلى هذا فتدخل الهبة بشرط العوض (وعتقه) وتدبره وكتابته.
ولو أعتقه الوارث المسلم الذي ليس له سواه لا ينفذ عتقه أيضا كما في (الخانية) (وهبته) لأنها عقد ينزع ومن ثم قلنا: تتوقف وصيته أيضا (فإن أمن) أي: المسلم (نفذ وإن هلك) بأن مات أو قتل أو حكم بلحاقه (بطل) ما فعله وهذا عند الإمام بناء على زوال ملكه على ما مر، وقالا: كل ذلك نافذ إلا أنه عند محمد ينفذ من الثلث ولا خلاف بينهم في عدم صحة نكاحه وذبيحته وصيده بالكلب والبازي أو الذمي وشهادة وارثه لأنه هذه الأشياء تعتمد الملة ولا ملة له وفي صحة استيلاده وطلاقه وقبول هبته وتسليم الشفعة والحجر على عبده المأذون لأن هذه لا تعتمد ولاية ولا حقيقة ملك، وأجمعوا على توقف ما يعتمد المساواة من التصرف أو ولاية متعدية كالمفاوضة فإن أسلم نفذت وإن هلك بطلت وتصير عنانا من الأصل عندهما وتبطل عنده، والتصرف على ولده الصغير وفي ماله، قال في (البحر): ولم أر حكم التقاطه لقيطا أو لقطة.
أقول: وبقي إيداعه واستيداعه وأمانه وعقله ولا شك في عدم صحة أمانه إذا مات الذمي لا يصح فهذا أولى وكذا عقله لأن التناصر لا يكون بالمرتد، وأما التقاطه وإيداعه واستيداعه فلا ينبغي التردد في جوازها منه والله الموفق.
وبهذا عرف أن تصرفاته أربعة أقسام، (وإن عاد مسلما بعد الحكم بلحاقه فما وجده في يد وارثه أخذه) لأن الوارث إنما يخلفه لاستغنائه وإذا عاد مسلما احتاج إليه
стр. 1242
وإلا لا ولو ولدت أمة له نصرانية لستة أشهر منذ ارتد فادعاه فهي أم ولده وهو ابنه حر ولا يرثه ولو مسلمة ورثه الابن إن مات على الردة أو لحق بدار الحرب وإن لحق المرتد بماله فظهر عليه فهو فيء فإن رجع وذهب بماله وظهر عيه فلوارثه.
ــ
فقدم عليها لكن إنما يأخذه بقضاء القاضي أو التراضي فإن ذكر في (السير الكبير) أن الوارث لو تصرف في المال بعدما عاد مسلما نفذ في تصرفه كذا في (التتارخانية) وعلله الشارح بأنه دخل في ملكه فلا يخرج عنه إلا بطريقه، وقوله في (البحر) طريقه عوده مسلما ممنوع.
وفي قوله: وارثه إيماء إلى أنه لا حق له فيما وجده من كسب ردته لأن أخذه ليس بطريق الخلافة عنه بل لأنه فيء ألا ترى أن الحربي لا يسترد ماله بعد إسلامه [٣٣٧/أ] وهذا وإن لم يرد مسطورا إلا أن القواعد تؤيده / (وإلا) أي: وإن لم يجد شيئا في يد وارثه (لا) أي: لا يأخذ شيئا هذا شامل لما إذا أزاله الوارث عن يده بسبب يقبل الفسخ كنحو بيع أو لا يقبله كعتق وتدبير واستيلاد وحكم الكتابة قد مر، ولما لم يدخل في يده أصلا كمدبريه وأمهات أولاده المحكوم بعتقهم بذلك قيد بما بعد الحكم لأنه لو عاد قبله كان كالذي لم يرتد.
(ولو ولدت أمة له) أي: للمرتد (نصرانية) أراد بها الكتابية (لستة أشهر) فأكثر (منذ ارتد) قيد بذلك لأنها لو ولدته لأقل منها كان مسلما وورث أباه للتيقن بوجوده قبل الردة (فادعاه فهي أم ولده)، لأن صحة الاستيلاد لا يفتقر إلى حقيقة الملك (وهو ابنه) وهو (حر) لأن المرتد لا يسترق (ولا يرث) لأنه إنما يتبع أباه لقربه إلى الإسلام بالجبر عليه فصار في حكم المرتد وهو لا يرث أحدا (ولو) كانت (مسلمة ورثه الابن إن مات على الردة أو لحق بدار الحرب) يعني وحكم بذلك كما مر، لأن الولد يكون مسلما تبعا له والمسلم يرث كسب إسلام المرتد كما مر.
(وإن لحق المرتد بماله) إلى دار الحرب (فظهر عليه) أي: قال في (المغرب) ظهر علي اللص غلب وظهر عليه غلب انتهى والمراد الأول (فهو) أي: ماله (فيء) يوضع في بيت المال لسقوط عصمته تبعا لنفسه وهو بإجماع الأئمة الأربعة (فإن رجع) إلى دار الإسلام (وذهب بماله) إلى دار الحرب (وظهر عليه فلواريه)، لأنه باللحاق انتقل إلى الوارث فكان ملكا قديما وحكمه ما مر إنه إن وجده قبل القسمة أخذه مجانا وبعدها بالقيمة إن شاء ولا يأخذه إن كان مثليا لعدم الفائدة، وهذا إنما يتم بناء على أنه لا فرق بين أن يكون أخذه المال بعد القضاء بلحاقه أو قبله وهو ظاهر الرواية، أما إذا كان بعد القضاء فظاهر وأما قبله فلأن القضاء إنما احتيج إليه لثبوته الإرث لترجح عدم عوده فيقرر إقامته فيثبت موته وهذا القدر موجود بعوده
стр. 1243
وإن لحق فقضى بعبده لابنه فكاتبه فجاء مسلما فالمكاتبة والولاء لمورثه فإن قتل مرتد رجلا خطأ ولحق أو قتل فالدية في كسب الإسلام. .......
ــ
وأخذه المال ولحاقه ثانيا فكان ذلك بمنزلة القضاء وفي بعض روايات (السير) جعله فيء يعني إذا كان قبل القضاء.
قال في (الفتح): والأوجه ظاهر الرواية (وإن لحق) المرتد (وقضى بعبده لابنه) يعني بعد القضاء بلحاقه على ما مر (فكاتبه) الابن (فجاء) المرتد (مسلما فالمكاتبة) أي: بدلها (والولاء لمورثه) لأنه لا وجه في إبطال الكتابة لنفوذها بدليل متعد وهو القضاء بالعبد له ولا إلى نقله إلى ملك الأب لأنه لا يقبل النقل فجعل على أن الابن وكيل عنه لأنه لما لحق كأنه سلطه على ماله وحقوق العقد ترجع إلى الموكل في الوكالة بالكتابة والولاء لمن يقع العتق منه.
وجزم في (الخانية) بأنه إن رجع قبل أن يؤدي جميع بدل الكتابة كان له إبطالها وهو مناف لما مر، قيد بالكتابة لأنه لو دبره كان الولاء للابن كما في (التاتارخانية) وكان الفرق أن الكتابة تقبل الفسخ بالتعجيز فلم تكن في معنى العتق من كل وجه بخلاف التدبير (وإن قتل مرتد رجلا خطأ ولحق) بدار الحرب (أو قتل) على ردته (فالدية في كسب الإسلام) خاصة، أما كونها في ماله فلأن العواقل لا تعقل المرتد وأما كونها في كسب الإسلام فقط فهو قول الإمام، وقالا في كسب الردة أيضا بناء على أنه يملك الكل عندهما فيكون ما لزمهما الكل وعنده لا يملك غيره فاختص ما لزمه به.
قال في (الفتح): وعلى هذا ما لو غصب مالا فأفسده فيجب ضمانه في مال الإسلام وعندهما في الكل وعلى هذا لو لم يكن له كسب إسلام واكتسب في الردة فهدر الجناية عند أبي حنيفة خلافا لهما انتهى، وهذا الإطلاق أعني وجوب ضمان ما غصبه في مال الإسلام عنده مقيد بما إذا لزمه ذلك بإقراره أما لو كان بالمعاينة أو البينة فإنه يخير بين أن يوفيه من كسب الإسلام أو الردة عندهم جميعا نص عليه في (الفوائد الظهيرية).
قال في (البحر): وينبغي أن يكون القتل خطأ كذلك لكونه متهما في إقراره بحق الورثة وقوله فهدر الجناية الظاهر أنه تفقه منه لا حكاية للمنقول وإلا فالمسطور في كلامهم خلافه ففي (التتارخانية) قال محمد في (الجامع الصغير): فإن لم يكن له إلا كسب الإسلام أو إلا كسب الردة تستوفى منه وإن كان له كسبها فعلى قولهما تستوفى الدية من الكسبين وعلى قوله تستوفى من كسب الإسلام أولا فإن فضل منها شيء أخذ الفضل من كسب الردة وفي (الخانية) وإن لم يكن له إلا كسب الردة كان عليه الدية من ذلك المال.
стр. 1244
ولو ارتد بعد القطع عمدا ومات منه أو لحق وجاء مسلما فمات منه ضمن القاطع نصف الدية في ماله لورثته وإن لم يلحق وأسلم ومات ضمن الدية ولو ارتد مكاتب ولحق وأخذ بماله وقتل فمكاتبته لمولاه وما بقي لورثته ولو ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب فولدت.
ــ
[٣٣٧/ب] واعلم أن جناية العبد والأمة والمكاتب المرتدين كجنايتهم في / غير الردة (ولو ارتد) المسلم (بعد القطع) أي: قطع يده (عمدا) فسرى القطع إلى النفس (ومات أو لحق) بدار الحرب وحكم بلحاقه (وجاء مسلما فمات منه) أي: من القطع (ضمن القاطع نصف الدية في ماله لورثته) في المسألتين لأن السراية حلى محلا غير معصوم فانهدرت، قيد بالعمد لأنه لو كان خطأ كان على العاقلة وقيدنا بكونه حكم بلحاقه لأنه لو عاد قبل الحكم ضمن الدية عندهما وعند محمد نصف الدية كما إذا لم يلحق وهو الذي بينه بقوله: (وإن لم يلحق) بدار الحرب (فأسلم ومات) بالسراية (ضمن الدية) فعندهما وقال محمد: يضمن نصف الدية لأن اعتراض الردة إهدار الجناية فلا ينقلب بالإسلام إلى الضمان، ولهما أن الجناية وردت على معصوم وهذا لأن المعتبر في العصمة قيامها حال انعقاد السبب وحال ثبوت الحكم وحالة البقاء بمعزل عنهما، ونبه بإضافة الضمان إليه على أنه في ماله لأنه فرضه في العمد فأومئ به على أنه لو كان خطأ وجب على العاقلة ولو كان المرتد هو القاطع فقطع فقتل على ردته أو مات ثم سرى إلى النفس بعد ذلك فلا شيء فيه لو عمدا لفوات محل القصاص ولو خطأ وجبت الدية على العاقلة في ثلاث سنين من يوم القضاء عليهم كما في (الخانية).
(ولو ارتد مكاتب ولحق) بدار الحرب (وأخذ) أي: أسير (بماله) أي: مع ماله الذي اكتسبه في زمن ردته (وقتل) على ردته (فمكاتبته) أي: بدلها والمكاتبة التكاتب كما في (القاموس) (لمولاه وما بقي لورثته) وهذا مما يشكل على قول الإمام لا على قولهما لأنه لا يملكه إذا كان حرا ويملك إذا كان مكاتبا، ووجهه أن المكاتب إنما يملك اكتسابه بعقد الكتابة وهي لا تتوقف بالردة ولا تبطل بالموت فبقي موجبها مع الردة فيتحقق ملكه في اكتسابه ولا يتوقف فيقضي منها ويؤدي الباقي، قيل: إذا أوقفت كتابته حكم بحربته في آخر جزء من أجزاء حياته فينبغي أن كسبه كسب مرتد حر فيكون فيئا وأجيب بأن الحكم بحريته إنما هو في الحقوق المستحقة بالكتابة من حريته وأولاده وملك كسبه وقنة لا فيما عد ذلك ألا ترى أن وصيته غير صحيحة لما أنها ليست من الحقوق المستحقة بها.
(ولو ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب فولدت) المرتدة ولدا سواء حملت به في
стр. 1245
وولد له فظهر عليهم فالوالدان فيء ويجبر الولد على الإسلام لا ولد الولد وارتداد الصبي العاقل صحيح كإسلامه.
ــ
دار الإسلام أو في دار الحرب (وولد له) أي: لذلك الولد (ولد فظهر عليهم) أي: غلب (فالولدان فيء) كأصلهما، قيد بردتهما لأن المسلم لو مات عن زوجته الحامل فارتدت ولحقت به ثم ولدت فظهر عليهم فالولد حر يرث أباه ولو ولدته بعد ما سبيت في دار الإسلام كان مسلما تبعا لأبيه رقيقا تبعا لأمه فلا يرث كذا في (البدائع) (ويجبر الولد على) الإسلام لأنه يتبع أبويه في الإسلام والردة فيجبر كما يجبران إلا أن جبره بالضرب والحبس وجبرهما بالقتل (لا) يجبر (ولد الولد) لأنه لا يتبع جده بل أباه وردة أبيه إنما كانت تبعا والتبع لا يستتبع وإذا لم يتبع الجد صار حكمه كسائر أهل الحرب من الاسترقاق أو وضع الجزية عليه أو القتل إذا أسروا ولا محالة أن الجد يقتل وروى الحسن عن الإمام أنه يجبر تبعا لجده وهذه رابعة أربع مسائل على الروايتين، ففي ظاهر الرواية لا يكون الولد تبعا للجد، وفي رواية الحسن يكون الثانية صدقة الفطر والثالثة جر الولاء والرابعة الوصية للقرابة كذا في (الهداية) وصورة الجر معتقة تزوجت بعبد وله أب عبد فولدت منه فالولد حر تبعا لأمه وولاؤه لمولى أمه فإذا أعتق جده لا يجر ولاء حافده إلى مواليه عن موالي أمه في ظاهر الرواية.
وفي رواية الحسن يجر كما لو أعتق أبوه زاد في (البحر) النفقة لا تفرض على الجد الموسر بخلاف الأب وأن الأم تشارك الجد في نفقة الصغير أثلاثا بخلاف الأب الموسر ويتصف الصغير باليتيم مع حياة جده بخلاف الأب وقدم أن في الفرائض أربعة أخرى رد الأم إلى ثلث ما بقي وحجب أم الأب والإخوة لا تسقط بالجد وعندهما تسقط بالأب اتفاقا والرابعة أن المعتق يحجب الجد عن ميراث المعتق ولا يحجب الأب عند أبي يوسف فله السدس والباقي للابن فهو أحد عشر انتهى وأنت خبير بأن الكلام فيما جاء على الروايتين وليس في المزيد ما ذكر فما في (الهداية) هو التحقيق (وارتداد الصبي العاقل صحيح) عندهما خلافا لأبي يوسف / لأنه ضرر [٣٣٨/أ] محض قلنا: لا مرد للحقيقة بعد وجودها والخلاف في أحكام الدنيا ولا خلاف أنه مرتد في أحكام الآخرة لأن العفو عن الكفر ودخوله الجنة مع الشرك مما لا يرد به شرع ولا حكم به عقل كذا في (التلويح) وعلى هذا فما في (الفتح) من أنه يخلد في النار يعني اتفاقا (كإسلامه) أي: كما يصح إسلامه باتفاق علمائنا الثلاثة ولذا جعله مشبها به لأنه ﷺ صحح إسلام علي وكان صغيرا وافتخاره بذلك معروف فقيل:
стр. 1246
ويجبر عليه ولا يقتل.
باب البغاة
ــ
كان ابن خمس وقيل: ابن سبع وفي (البخاري) كان ابن ثمان واعترض أنه لو صح لوقع فرضا لأنه يتنوع بنوع العبادات فيلزم كونه مخاطبا به ولا قائل به وأجيب: بأنه إنما لم يخاطب دفعا للحرج فإذا وجد وجد كالمسافر يصلي الجمعة فيسقط فرضه وليست فرضا عليه كذا في (الشرح) وهذا على رأي السرخسي أما على رأي فخر الإسلام فأصل الوجوب ثابت على الصبي بالسبب وهو حدوث العالم وعقليه دلالته دون وجوب الأداء لأنه بالخطاب وهو غير مخاطب فإذا وجد بعد السبب وقع فرضا كتعجيل الزكاة، قيل: هو الأوجه وهذا صريح في اتفاقهم أنه يقع فرضا قبل البلوغ.
واعلم أن قول الشارح لا قائل بأنه مخاطب بالإيمان قبل البلوغ ففيه نظر فقد نقل في (التحرير) أن المختار عند الماتريدي أنه مخاطب بأداء الإيمان كالبالغ حتى لو مات بعده بلا إيمان خلد في النار قال في (الفتح): ولا نعلم خلافا بين المسلمين في عدم وجوب نية فرض الإيمان بعد بلوغ من حكم بصحة إسلامه صبيا تبعا لأبويه المسلمين أو لإسلامه وأبواه كافران ولو كان ذلك فرضا لم يغفله أهل الإسلام عن آخرهم، (ويجبر عليه) بالضرب والحبس لما فيه من النفع له (ولا يقتل) لو أبى عن الإسلام لأنه عقوبة وليس من أهلها، قيدنا بالعاقل لأن ارتداد غيره لا يصح كإسلامه وقدمنا أول الباب من لا يقتل بالإباء.
باب البغاة
أخر هذا الباب عن المرتدين لقلة وجوده كذا في (العناية)، قال في (الحواشي السعدية): ويجوز أن يقال: تجري مباحث البغاة من مباحث المرتد مجرى المركب من المفرد لاشتراط الاجتماع في البغي دون الارتدار وأيضا المرتد كافر وكتاب السير في بيان الجهاد مع الكفار بخلاف الباغي فإنه مسلم انتهى. وهذا الأخير يقتضي أن الأولى أن يترجم عنه بكتاب إذ شأن الباب دخوله تحت كتاب وهذا خارج عنه، وهي جمع باغ من بغى سعى في الأرض بالفساد ومنه الفرقة الباغية وبغى على الناس ظلم واعتدى وفي (القاموس) الباغي الطالب وفئة باغية خارجة عن طاعة الإمام العادل وفي عرف الفقهاء الخارج عن الإمام الحق والخارجون عن طاعة الإمام أصناف قطاع الطريق وهم قسمان قوم لهم تأويل سواء كان لهم منعة أو لا أخذوا الأموال وقتلوا الأنفس وأخافوا الطريق أولا، والثاني كذلك إلا أنهم لا منعة لهم لكن لهم تأويل، وخوارج
стр. 1247
خروج قوم مسلمون عن طاعة الإمام وغلبوا على بلد دعاهم إليه وكشف شبهتهم وبدأ بقتالهم.
ــ
وهم لهم منعة وحمية خرجوا عن طاعة الإمام بتأويل يرون أنه على باطل كفر أو معصية توجب قتاله بتأويلهم يستحلون دماء المسلمين وأموالهم ويسبون نساءهم ويكفرون أصحاب رسول الله ﷺ وحكمهم عند جمهور الفقهاء والحدثين حكم البغاة خلافا لبعض أهل الحديث في تكفيرهم.
قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا وافقهم على تكفيرهم وهذا يقتضي نقل إجماع الفقهاء وفي (المحيط) أكثر أهل السنة على تكفير بعض أهل البدع وهو من خالف ببدعته دليلا قاطعا وبعضهم لا يكفر أحدا منهم قال في (الفتح): والأول أثبت وابن المنذر أعرف بنقل مذاهب المجتهدين، وبغاة وهم قوم خرجوا عن طاعته غير مستبيحين ما استباحه الخوارج، (خرج قوم مسلمون) قيد بذلك لأن أهل الذمة إذا غلبوا على بلدة صاروا أهل حرب كما مر.
ولو قاتلونا مع أهل البغي لم يكن ذلك نقصا للعهد كما في (الفتح) وهذا لا يرد على المصنف لأنهم أتباع للبغاة المسلمين (عن طاعة الإمام) الذي به الناس في أمان والطرقات آمنة كذا في (الفتح) وأراد به السلطان أو نائبة والسلطنة تكون بأمرين مبايعة أشرافهم وأعيانهم ونفوذ حكمه بين رعيته خوفا من قهره كذا في (الخانية) (وغلبوا على بدل دعاهم إليه) أي: إلى نفسه أي: إلى طاعته وقال الشارح: العود إلى الجماعة وما قلناه أحسن وأصوب قاله العيني (وكشف شبهتهم) / الناشئ عنها خروجهم عليه فإن كان لظلم منه أزاله فإن لم يزله وكانت لهم شوكة وقاتلوهم فإنه لا ينبغي للناس أن يعينوهم حتى لا يكون ذلك منهم خروجا على السلطان ولا ينبغي أيضا أن يعينوا السلطان حتى لا يكونوا عونا على الظلم كذا في (السراج).
وسيأتي ما يخالفه وإن كان لطلب الولاية لأنهم أحق منه في زعمهم كانوا بغاة لأن عليا فعل كذلك قبل قتال أهل حروراء بالمد والقصر قرية من قرى الكوفة تجمعت بها الخوارج وكل سفاك للدماء يقال فيه حروري وهذا مندوب فقط حتى لو قاتلهم أهل العدل قبل ذلك جاز لأنهم علموا ما يقاتلون عليه إلا إذا بينوا ما يجوز لهم القتال كجور الإمام فيجب على المسلمين معاونتهم حتى يرجع عن جوره بخلاف ما لو كان الحال مشتبها أنه ظلم مثل تحميل بعض الجنايات التي للإمام أخذها وإلحاق الضرر لدفع ضرر أعم منه، (وبدأ بقتالهم) وإن لم يبدؤونا هكذا نقله الإمام خواهر زاده عن أصحابنا لأن الحكم يدار على الدليل وهو الاجتماع بقصد القتال والامتناع، وذكر القدوري أنا لا نبدؤهم به وبه قالت الأئمة الثلاثة وأكثر أهل
стр. 1248
ولو لهم فئة أجهز على جريحهم واتبع موليهم وإلا لا ولم تسب ذريتهم وحبس أموالهم حتى يتوبوا.
ــ
العلم وإذا قاتلوا جاز قتالهم بكل ما يقاتل به أهل الحرب من المنجنيق وإرسال الماء والنار. قال في (البدائع): ويجب على كل من دعاه الإمام أن يجيب حيث كان قادرا عليه لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية فرض فكيف فيما هو طاعة وما عن الإمام من الاعتزال محمول على ما إذا لم يدعه انتهى، ولو طلبوا الموادعة أجيبوا إن كان خيرا كأهل الحرب ولو أخذوا منا رهونا وأخذ منهم الإمام كذلك على أن أيهما غدر بقتل الآخرون الرهن فقتلوا ما عندهم لا ينبغي لنا قتل رهونهم لأنهم آمنون في أيدينا وشرط إباحة دمهم باطل، ولكن نحبسهم إلى أن يهلك أهل الحرب أو يتوبوا.
فائدة: خواهر زاده معناه ابن الأخت وكان ابن أخت القاضي الإمام ابن ثابت قاضي سمرقند كان معاصر الشمس الأئمة السرخسي موافقا له في اسمه وكنيته فإن كلا منهما اسمه محمد وكنيته أبو بكر غير أن اسم أب الأول حسين والثاني سهيل وتوفيا في عام ثمان وثلاثين وأربعمائة وعاصرهما فخر الإسلام إلا أنه توفي في إحدى وثمانين وأربعمائة هذا حاصل ما في (الفتح).
وفي (الدراية): إن خواهر زاده هو صاحب (الذخيرة) و (المبسوط) و (الإيضاح) انتهى، وبه يتبين غلط من ادعى أن (المحيط البرهاني) لصاحب (الذخيرة) (ولو لهم) أي: للبغاة (فئة) أي: طائفة يرجعون إليهم جمعة فئات ويجمع على فئون أيضا (أجهز على جريحهم) أي: أثبت قتله وتممه وأسرع عليه كذا في (القاموس) (واتبع موليهم) بالبناء للمفعول فيهما للقتل والأسر دفعا لشرهم كيلا يلتحقا بالفئة ثم إذا أدركه وأسره فإن الإمام يخير بين قتله وحبسه إلى أن يتوب أهل البغي فإذا حبسه أيضا حتى يحدث توبة وينبغي للإمام أن يقتل مدرهم كذا في (السراج).
(وإلا) أي: وإن لم يكن لهم فئة (لا) أي: لا يجهز ولا يتبع لاندفاع الشر بدونه ذلك وهو المطلوب (ولم يسب ذريتهم) لما رواه عبد الرزاق في (تاريخ واسط) عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال يوم الجمل: (لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تقتلوا أسيرا وإياكم والنساء) وهذا في الأسير محمول على ما إذا لم يكن له فئة، (وحبس أموالهم) عنهم لإضعافهم ودفع شرهم ولا يردها عليهم ولا يقسمها (حتى يتوبوا) فيردها عليهم وفي (المحيط)، قال الباغي: تبت وألقى السلاح كف عنه ولو قال أنا على دينك ومعه السلاح لم يكف عنه.
стр. 1249
وإن احتاج قاتل بسلاحهم وخيلهم وإن قتل باغ مثله فظهر عليهم لم يجب شيء وإن غلبوا على مصر فقتل مصري مثله فظهر على المصر قتل به وإن قتل عادل باغيا أو قتله باغ وقال: أنا على حق ورثه.
ــ
قال في (الفتح): وإذا حبسها كان بيع الكراع أولى لأن حبس الثمن أنظر ولا ينفق عليه من بيت المال ليتوفر موتتها وبه اندفع ما في (البحر) من أن ظاهر ما في (الكتاب) حبس الكراع وليس كذلك لما علمت من أن له حبسه وإن خالف الأولى وإذا أتلفوا شيئا لم يضمنوه قضاء بعد التوبة لكنهم يفتون بالضمان كما قال محمد ثم إطلاقه يعم العبيد أيضا لأنه مال يعني إذا كان يخدم مولاه أما لو قاتل معه فإنه يقتل وقياس الكراع أن الأولى بيع العبد أيضا (وإن احتاج) الإمام (قاتل بسلاحهم وخيلهم) لأن عليا رضي الله تعالى عنه قسم يوم الجمل في العسكر ما أجافوا عليه من كراع وسلاح رواه بن أبي شيبة، قالوا: وكانت قسمته للحاجة لا للتمليك ولا خلفاء أن له أن يفعل ذلك في مال العادل / ففي مال الباغي أولى.
(وإن قتل باغ مثله فظهر عليهم لم يجب شيء) من قصاص ولا دية لأنه قتل نفسا يباح قتلها ولأن القصاص لا يستوفى إلا بالولاية وهي بالمنعة ولا ولاية عليهم كذا في (الفتح) وهو ظاهر في أنه لا إثم عليه أيضا، (وإن غلبوا) أي: البغاة (على مصر) من أمصارنا (فقتل مصري مثله) عمدا ولم يتقيد به اكتفاء بقوله (فظهر عليهم قتل به).
قال فخر الإسلام: معنى المسألة أنهم غلبوا ولم يجر فيها حكمهم بعد حتى أزعجهم إمام العدل عن أهلها لأنه حينئذ لم ينقطع ولاية الإمام فوجب القود، وأما لو جرت أحكامهم فلا قود ولا قصاص ولكن يستحق عذاب الآخرة (وإن قتل عادل) رجلا (باغيا أو قتله) أي: العادل (باغ وقال) أي: الباغي وقت قتله (أنا على حق) في الخروج عن الإمام (ورثه) أي: ورث القاتل المقتول أما إذا قتل العادل الباغي فلأنه قتله بحق وهذا لأنا مأمورون بقتالهم دفعا لشرهم ولذا قالوا: إنه لا إثم عليه قيد بقتله إياه لأنه لو أتلف ماله ضمنه لأنه مال معصوم في حقنا وقد أمكن إيجاب الضمان فيه فكان في إيجابه فائدة كذا في (المحيط) لكن المذكور في (الهداية) وغيرها أنه لا يضمن وحمله الشارح على ما إذا كان الإتلاف بسبب القتال إذ لا يمكنه أن يقتلهم إلا بإتلاف شيء من أموالهم كالخيل والقماش الذي عليهم، أما إذا أتلفوه في غير هذه الحالة فلا معنى لنفي الضمان.
وفي (الفتح): لو دخل باغ بأمان فقتله عادل كان عليه الدية كما قتل المسلم
стр. 1250
وإن قال: أنا على باطل لا، وكره بيع السلاح من أهل الفتنة وإن لم يدر أنه منهم لا. .......
ــ
مستأمنا في ديارنا وهذا لبقاء شبهة الإباحة في دمه انتهى يعني قتله عمدا وينبغي أن لا يرث منه وهذه ترد على إطلاق المصنف، وأما عكسه ففي خلاف أبي يوسف لأنه قتله بغير حق قلنا: لما قال: أنا على حق ولو كان تأويله فاسدا فالفاسد ملحق بالصحيح إذ ضمنت إليه المنعة في حق الدفع كما في منعة أهل الحرب وتأويلهم، (وإن قال: أنا على باطل لا) أي: لايرث اتفاقا لأنه قتله بغير شبهة، (وكره بيع السلاح من أهل الفتنة) كالبغاة وقطاع الطريق واللصوص لأنه إعانة على المعصية، قيد بالسلاح لأن بيع ما يقاتل به إلا بصنعة تحدث فيه لا يكره بخلاف أهل الحرب.
قال الشارح: والفرق فيما يظهر أن أهل البغي يتفرغون لاستعماله سلاحا لأن فسادهم على شرف الزوال بالتوبة أو بتفريق جمعهم بخلاف أهل الحرب، وعرف بهذا أنه لا يكره بيع ما لم تقم المعصية به كبيع الجارية المغنية والكبش النطوح والحمامة الطيارة والعصير والخشب الذي يتخذ منه المعازف، وما في بيوع (الخانية) من أنه يكره بيع الأمرد من فاسق يعلم أنه يعصي به مشكل والذي جزم به الشارح في الحظر والإباحة أنه لا يكره بيع جارية لمن يأتيها في دبرها أو بيع غلام من لوطي وهو الموافق لما مر، وعندي أن ما في (الخانية) محمول على كراهة التنزيه والمنفي هو كراهة التحريم وعلى هذا فيكره في الكل تنزيها وهو الذي إليه تطمئن النفس إذ لا شك أنه وإن لم يكن معينا إلا أنه مسبب في الإعانة ولم أر من تعرض لهذا والله الموفق.
تكميل: بقي من أحكام البغاة أنه لو كان رجل من أهل العدل في صف أهل البغي فقتله العادل فلا دية عليهم ولو ألجأ البغاة أهل العدل إلى دار الشرك لا يحل لأهل العدل أن يقاتلوا البغاة مع أهل اشرك على معنى أنهم يستعينون بهم نعم يستعين أهل العدل بالبغاة والذميين على الخوارج.
ولو استعان بالبغاة بأهل الحرب فظهر عليهم سبينا أهل الحرب ولا يكون استعانة البغاة بهم أمانا منهم لأن المستأمن من يدخل دار الإسلام من يدخل تاركا للحرب وهؤلاء لم يدخلوا إلا لقتال المسلمين وإذا أمن واحد من أهل العدل رجلا من أهل البغي جاز، ومنه أن يقول: لا بأس عليك ولا يجوز أمان الذمي الذي يقاتل مع أهل البغي، وإن ظهر البغاة على بلد فولوا قاضيا على أهلها ليس من أهل البغي صح وعليه أن يحكم بين الناس بالعدل ولو كتب كتابه إلى قاضي أهل العدل بحق الرجل من أهل مصره بشهادة من شهد عنده عليه إن كان القاضي يعرف أنهم ليسوا من أهل البغي أجازه وإن عرف أنهم من أهل البغي أو كان لا يعرفهم لا يعمل به.
стр. 1251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال في (الدراية): ولو كان القاضي منهم فإن كان ممن يستحل دم أهل العدل وأموالهم لا يجوز بلا خلاف وإن كان لا يستحل يجوز عندنا، ولو كتب كتابه لقاضي أهل العدل قبله بلا خلاف والأولى / أن لا يقبله كسرا لشوكتهم، وعندنا كل مسلط إذا تم تسليطه يصير سلطانا فيصح تقليده القضاء ويصح منه ما يصح من السلطان العادل ويكره للعادل قتل أخيه أو ابنه من أهل البغي بخلاف أخيه الكافر ويكره أيضا أخذ رؤوسهم فيطاف بها لأنه مثلة وجوزه بعض المتأخرين إذا كان فيه طمأنينة قلوب أهل العدل وكسر شوكتهم كذا في (فتح القدير) والله أعلم.
стр. 1252
كتاب اللقيط
ندب التقاطه ووجب إن خاف الضياع وهو حر ونفقته في بيت المال.
ــ
كتاب اللقيط
عقبه مع اللقطة بالجهاد لما فيها من عرضية الفوات للنفس والأموال وقدم اللقيط لتعلقه بالنفس وهي مقدمة على المال، وهو لغة: ما يلقط أي يرفع عن الأرض غلب على الصبي المنبوذ لأنه على عرض أن يلقط كذا في (المغرب)، وعرفا: اسم لمولود حي طرحه أهله خوفا من العيلة أو التهمة، (ندب التقاطه) لأن فيه إحياء نفس مسلمة (ووجب) أي: لزم وفيه إيماء إلى أنه يشترط في الملتقط كونه مكلفا فلا يصح التقاط الصبي والمجنون ولا يشترط أن يكون مسلما عدلا رشيدا لما سيأتي من أن التقاط الكافر صحيح فالفاسق أولى، وأن العبد المحجور عليه يصح التقاطه أيضا فالمحجور عليه بالسفه أولى.
(إن خاف) خوفا قويا ارتقى إلى غلبة الظن (الضياع) عليه أي: الهلاك يقال ضاع يضيع ضيعا ويكسر وضيعة وضياعا هلك كذا في (القاموس) بأن وجده في مسبعة ونحوها، وفسرنا الوجوب بما مر لأنه إن لم يعلم به غيره كان فرض عين وإلا ففرض كفاية، وهذا لأن إلزام التقاطه إذا خيف هلاكه مجمع عليه والثابت إلزامه بقطعي فرض، وظاهر أن لزوم التقاطه خوف الضياع إنما هو لحفظه فإذا طرحه حرم عليه (وهو) أي: اللقيط (حر) لأنه الأصل في بني آدم يعني في جميع الأحكام حتى يجد قاذفه دون قاذف أمه لعدم معرفة إحصانه وتقبل شهادته ويصح عتقه ولا يسترق إلا ببينة سواء كان الواجد له حرا أو عبدا أو محجورا ولا يعرف إلا بقوله وقال الموفى كذب بل هو عبدي فالقول للمولى وإن مأذونا فللعبد كذا في (المحيط).
وفي (منية المفتي) أقر اللقيط أنه عبد فلان فإن كذباه فهو حر وإن صدقه فإن لم تجر عليه أحكام الأحرار كقبول الشهادة وضرب قاذفه يصح إقراره وإلا فلا انتهى، (ونفقته في بيت المال) لما أخرجه عبد الرزاق (أن أبا جميلة وجد منبوذا على عهد عمر رضي الله تعالى عنه فأتي به فاتهمه فأثني عليه خير فقال عمر هو حر وولاؤه لك ونفقته من بيت المال) وإذا جاء به إلى الإمام لا يصدقه حتى يقيم بينه على الالتقاط لأنه عساه ابنه كما لو طلب من القاضي أخذه منه وله أن لا يقبله منه، ولو أقامها إلا إذا علم عجزه عن الحفظ بنفسه فإن الأولى له أن يقبله، وقد مر أن النفقة
стр. 1253
كإرثه وجنايته ولا يأخذه منه أحد.
ــ
اسم للطعام والشراب والكسوة والسكنى وينبغي أن يكون ما يتداوى به من بيت المال أيضا.
وقد قال في (المحيط): إن مهره إذا زوجه السلطان من بيت المال فالدواء أولى ومعلوم أن هذا مقيد بما إذا لم يكن له مال وسيأتي في اللقطة ما لو أنفق عليه الملتقط (كإرثه) أي: كما إن إرثه لبيت المال وقد عرف أن الخراج بالضمان ودخل فيه ديته ولو قتله الملتقط أو غيره خطأ كانت الدية على عاقلته لبيت المال ولو عمدا خير الإمام بين القتل والصلح عن الدية وليس له العفو عند الإمام وقال أبو يوسف تجب الدية في مال القاتل ولو وجد مقتولا عند غير الملتقط كانت القساة على أهل ذلك المكان لبيت المال كذا في (الخانية).
(وجنايته) عطف على نفقته وهذا بلا خلاف وفي كلامه إيماء إلى أن وليه في ماله ونفسه إنما هو السلطان وبه صرح في (البدائع) وولاؤه لبيت المال ولو جعله القاضي للملتقط جاز كذا في نظم ابن وهبان، نعم له بعد بلوغه أن يوالي من شاء إلا إذا عقل عنه بيت المال فلا يصح ولاؤه كذا في (الخانية) (ولا يأخذه) أي: اللقيط (منه) أي: من الملتقط (أحد) قهرا لأنه ثبت له حق الحفظ لسبق يده فلو أخذه دفعه القاضي إلى الأول إلا إذا دفعه إليه باختياره لأنه أبطل حقه وللملتقط أن ينقله إلى حيث شاء كذا في (الخانية)، قال في (البحر): عممه فشمل الإمام الأعظم فلا يأخذه منه بالولاية العامة إلا بسبب يوجب ذلك كذا في (الفتح).
وأقول: المذكور في (المبسوط) أن للإمام الأعظم أن يأخذه بحكم الولاية العامة إلا أنه لا ينبغي له ذلك وهو / الذي ذكره في (الفتح) أيضا وذلك أنه لما أن نقل عن علي (أنه جيء له بلقيط فقال: هو حر ولأن أكون وليت من أمره مثل الذي وليت أحب إلي من كذا وكذا) فحرض على ذلك ولم يأخذه منه لأنه لا ينبغي للإمام أن يأخذه من الملتقط إلا بسبب يوجب ذلك لأن يده سبقت إليه فهو أحق به انتهى.
ثم قال في (البحر): وينبغي أن ينزع منه إذا لم يكن أهلا لحفظه كما قالوا في الحاضنة وكما أفاده في (فتح القدير) بقوله لا بسبب يوجب ذلك وينبغي أن يكون معناه أن الأولى أن ينزع منه إلا أن يتعين عليه ذلك لما قدمنا عن (الخانية) فيما إذا علم القاضي عجزه عن حفظه بنفسه وأتى به إليه فإن الأولى له أن يقبله.
стр. 1254
ويثبت نسبه من واحد ومن اثنين.
ــ
واعلم أن مسألة (الكتاب) موضوعة فيما إذا اتحد الملتقط فإن تعدد وترجح أحدهما كما إذا التقطه مسلم وكافر ثم تنازعا في كونه عند أحدهما فإنه يقضى به للمسلم كما في (الخانية) معللا بأن المسلم أنفع للقيط انتهى وبقي ما لو كانا مسلمين أو كافرين وينبغي أو يرجح ما هو أنفع للقيط (ويثبت نسبه من واحد) بمجرد دعواه سواء كان الملتقط أو غيره استحسانا والقياس أن لا تصح دعواهما، أما الأول فللتناقض وأما الثاني فلأن فيه إبطال حق ثابت بمجرد الدعوى أعني حق الحفظ للملتقط وحق الولاء للعامة، وجه الاستحسان أنه إقرار للصبي بما ينفعه والتناقض لا يضر في دعوى النسب، وإبطال حق الملتقط ضما ضرورة ثبوت النسب وكم من شيء يثبت ضمنا لا قصدا، ألا ترى أن شهادة القابلة على الولادة تصح ثم يترتب عليها استحقاقه للإرث، ولو أشهدت عليه ابتداء لم يصح، وما قيل من أنه بعد ثبوته يكون عند الملتقط جمعا بين منفعتي الولد والملتقط ليس بشيء.
وفي (المنية) منكوحة التقطت فادعت أنه ولد الزوج منها لم يصح منها إلا بتصديق الزوج أو شهادة القابلة، ولو لم تكن منكوحة تصدق، ولو ادعت أنه ابنها من الزنا ويخالفه ما في (الخانية)، وإن لم يكن لها زوج فقالت لصغير: هو ابني لا يثبت النسب إلا بشهادة رجلين قال: وإن ادعى رجل أن اللقيط ابنه قبل قوله من غير بينه لأن في قبول قول الزوج دفع العار عن اللقيط وليس ذلك في دعوى المرأة فلا يقبل قولها من غيربينة انتهى، هذا إذا لم يذكر به علامة فإن ذكر علامة غير مطابقة كما لو قال هو غلام فإذا هو جارية أو عكسه لا يقضى له أيضا كذا في (الظهيرية)، فلو كان خنثى مشكل ينبغي أن يكون مطابقا على كل حال هذا كله حال الحياة فلو ادعاه بعد الموت لا بد من البرهان وإن لم يترك شيئا كذا في (الخانية).
وفيها لو أقام الذمي حال الحياة بينة من أهل الذمة أنه ابنه ذكر في (الكتاب) أن شادتهم لا تجوز قيل: أراد بذلك ما لو أقام المسلم أيضا بينة أنه عبده وقيل: أراد به ما لو أقامها الذمي ابتداء لأن نسبه وإن ثبت منه بمجرد الدعوى لكنه يكون مسلما حكما فلا يبطل الحكم بإسلامه، ويحكم بكفره بهذه البينة لأنها شهادة قامت في حكم الدين على مسلم فلا يقبل نعم لو كانا مسلمين صار تبعا له في الدين، (و) يثبت (من اثنين) أيضا حيث لا مرجح لأحدهما لاستوائهما في السبب وقيده في (الخانية) لأن يقول كل واحد منهما هو ولدي من جارية مشتركة بينهما، قال: ولو كانت بين ثلاثة فادعوه جميعا ذكر الفقيه أبو الليث أنه يثبت نسبه منهم جميعا وكذا إذا كانوا أربعة أو خمسة وعبارة (المنية) ادعى أكثر من اثنين فعن الإمام
стр. 1255
وإن وصف أحدهما علامة به فهو أحق به ومن ذمي وهو مسلم.
ــ
أنه إلى خمسة ظاهرة في عدم قبول دعوى الزائد، وقال أبو يوسف: إذا كانت بين رجلين يثبت وفي أكثر من ذلك لا يثبت انتهى.
وأقول: لا وجود لهذا التقييد في (الخانية) وإن الذي فيها لو ادعى رجلان معا كل واحد منهما يقول: هو ولدي من جارية مشتركة بينهما يثبت نسبه وصار ولدا لهما وهذا كما ترى لا يفيد تقييدا أصلا، ثم رأيت في (التتارخانية) لو عين كل واحد منهما امرأة أخرى قضي بالولد بينهما وهل يثبت نسب الولد من المرأتين؟ على قياس قول أبي حنيفة يثبت وعلى قولهما لا يثبت، وقال قبله: لو ادعته امرأتان كل واحدة منهما تقيم البينة على رجل على حدة معينة أنها ولدته منه قال أبو حنيفة: يصير ولدهما من الرجلين جميعا، وقالا: يصير ولدهما لا ولد الرجلين انتهى وهذا كما ترى صريح في أن اتحاد الوالدة ليس شرطا في ثبوته من متعدد نعم المذكور في (الخانية) / عنهما أنه لا يصير ولدهما ولا ولد الرجلين، ولا كلام أن المدعية لو اتحدت فإن صدقها الزوج أو شهدت لها القابلة أو أقامت بينة صحت دعوتها وإن لم يكن لها زوج فلا بد من شهادة رجلين كما في (الخانية) أيضا قيدنا بعدم المرجح لأنه لو وجد مع أحدهما قدم فيقدم الملتقط على الخارج ولو ذميا والخارج مسلم والمسلم على الذمي والحر ولو ذميا على العبد وذو البرهان على غيره.
وفي (المنية) لو ادعاه مرتد وذمي قدم المرتد، ومن ادعى أنه من زوجته الحرة على من ادعى أنه من الأمة كما في (الشرح) ومن وافق سن الصبي تاريخه وإن لم يوافق تاريخ واحد قضى به بينهما باتفاق الرواية عنهما وعامة الروايات عن الإمام وهو الصحيح كذا في (التاتارخانية) وفيها لو شهد للمسلم ذميان وللذمي مسلمان قضي به للمسلم، (فإن وصف أحدهما علامة به) أي: بجسده كما قال القدوري وكأنه تحرز بذلك عما لو وصف علامة بثوبه (فهو) أي: الواصف (أحق به) وإلا لم يقل إن وافقت لأنه لا أثر لغير الموافقة.
ولو أصاب في البعض وأخطأ في البعض الآخر هذا إذا لم يعارضها ما هو أقوى منها كالبرهان من أحدهما وكونه مسلما وكونه أسبق من ذي العلامة كذا في (الفتح)، وينبغي أن يكون من ذلك كونه حرا فيقدم على العبد ذي العلامة (و) يثبت نسبه أيضا (من ذمي، وهو) أي: اللقيط (مسلم) استحسانا لأن دعواه تضمنت النسب وهو يقع للصغير ونفي الإسلام الثابت بالدار وهو ضرر به وليس من ضرورة ثبوت النسب من الكافر الكفر إذ يجوز أن يكون من الكافر مسلما بأن أسلمت أمه
стр. 1256
إن لم يكن في مكان أهل الذمة وعن عبد وهو حر ولا يرق إلا ببينة وإن وجد معه مال فهو له
ــ
فصححنا دعوته فيما ينفعه دون ما يضره وإذا حكمنا بأنه مسلم وجب أن ينتزع من يده إذا قارب أن يعقل الأديان إلا أن يقيم بينة من المسلمين لا من أهل الذمة أنه ابنه فيكون كافرا (إن لم يكن) أي: إن لم يوجد اللقيط (في مكان أهل الذمة) بأن كان في قرية من قراهم أو في بيعة أو كنيسة في دار الإسلام فيكون كافرا، قيد باتحاد الواجد والمكان لأنهما لو اختلفا بأن وجده مسلم في مكان أهل الذمة أو كافر في مكان المسلمين ففي كتاب اللقيط اعتبر المكان وعليه جرى القدوري وهو ظاهر الرواية كما في (الاختيار).
واختلفت نسخ (المبسوط) في كتاب (الدعوى) ففي بعضها اعتبر الواجد وهو رواية ابن سماعة وفي بعضها اعتبر الإسلام نظرا للصغير، قال في (الفتح): ولا ينبغي أن يعدل عن الثاني، وأفهم كلامه أنه لو وجده مسلم في مكان أهل الإسلام كان مسلما بالأولى وبه عرف أن الصور أربع اتفاقيتان وهي ما لو وجده مسلم في مكان أهل الإسلام أو كافر في مكان أهل الكفر، واختلافيتان وهي ما لو وجد مسلم في كنيسة أو كافر في قرية للمسلمين، وقيل: يعتبر الزي والسيماء (و) يثبت نسبه أيضا (من عبد) لأنه ينفعه (وهو) أي: اللقيط (حر) لأنه ليس من ضرورة ثبوت نسبه منه رقه لأن المملوك قد تلد له الحرة فيتبع أمه فقبلناه فيما ينفعه دون ما يضره على ما مر وإطلاقه يعم ما لو ادعى أنه ابنه من زوجته الأمة وهذا قول محمد وقال أبو يوسف: يكون عبدا لأنه يستحيل أن يكون الولد حرا بين رقيقين.
قلنا: لا يستحيل لأنه يجوز عتقه قبل الانفصال وبعده فلا تبطل الحرية بالشك كذا في (الشرح) وهو ظاهر في اختيار قول محمد، على أن أنه يتصور أن يكون الولد حرا بين زوجين رقيقين بلا تحرير ولا وصية بأن يكون للحر ولد وهو قن لأجنبي زوجه أبوه أمة له برضا مولاه كان ولدها منه حرا لأنه ولد ولد المولى كذا في (الفصول) (ولا يرق) أي: اللقيط (إلا ببينة) يقيمها مدعي الرق على الملتقط إذ هو الخصم هنا لما أنه أحق بثبوت يده عليه فلا تزول إلا ببرهان، وفي دعوى نسبه تزول بلا برهان والفرق أن يده اعتبرت لمنفعة الولد وفي دعوى النسب منفعة تفوق المنفعة، وليست دعوى رقه كذلك بل فيها ضرر بين لأنه يجوز فلا يزول إلا ببينة من المسلمين إلا إذا اعتبر كافرا بوجوده في مكان أهل الذمة، (وإن وجد معه مال فهو له) عملا بالظاهر أي: مشدود عليه أو دابة هو مشدود عليها كذا في (الفتح) والدابة له كما في (الخانية).
стр. 1257
ولا يصح للملتقط عيه نكاح وبيع وإجارة ويسلمه في حرفة ويقبض هبته.
ــ
والتقييد بالشد كأنه جرى على الغالب وإلا فلو كانت فوقه أو تحته ينبغي أن تكون له كما أنها معه نعم لو كانت بقربه لا تكون له كما في (الجوهرة) وبه عرف أن الدار التي هو فيها وكذا البستان لا يكون له بالأولى، قالوا: ويصرفه الواجد أو غيره / إليه بأمر القاضي في ظاهر الرواية في الإنفاق عليه وشراء ما لا ببد منه من طعام وكسوة والقول له في نفقة مثله وقيل: لا يحتاج إلى أمر القاضي، (ولا يصح للملتقط عليه نكاح) لأنه يعتمد الولاية من القرابة والملك والسلطنة ولا وجود لواحد منها، (وبيع) اعتبارا بالأم وهذا لأن ولاية التصرف إنما هو لتمييز المال وذلك إنا يتحقق بالرأي الكامل والشفقة الوافرة والموجود في كل منهما أحدهما، (وإجارة) هذا رواية (الجامع) وهو الصحيح لأنه لا يملك إتلاف منافعه فأشبه العم بخلاف الأم فإنها تملك إتلاف منافعه بالاستخدام والإعادة بلا عوض فتملك الإجارة بالأولى وذكر القدوري أنه يملكها وإذا عرف هذا فولاية التصرف عليه في نفسه وماله إنما للسلطان (ويسلمه) الملتقط (في حرفه) أي: صناعة لأنه من باب تثقيفه أي تقويمه وحفظ ماله وكان ينبغي أن يقال: ما قيل في وصي اليتيم أنه يعلمه العلم أولا فإن لم يجد فيه قابلية سلمه الحرفة (ويقبض هبته) والصدقة عليه لأنه نفع محض ولذا ملك الصبي إذا كان عاقلا وكذا الأم ووصيتها.
تتمة: بقي من أحكامه ختانه.
قال في (الخانية): ليس للملتقط ذلك فإن فعل وهلك ضمن ولو أمر الختان فهلك ضمن أيضا دون الختان هذا إذا لم يعلم بكونه ملتقطا فإن علم ضمن كذا في (الذخيرة)، وفي (الفتح) لو بلغ فاستدان أو بايع إنسانا أو كفل كفاية أو وهب أو تصدق وسلم أو دبر أو كاتب أو أعتق ثم أقر أنه عبد لزيد لا يصدق في إبطال شيء من ذلك لأنه متهم والله الموفق بمنه وكرمه.
стр. 1258
كتاب اللقطة
ــ
كتاب اللقطة
قدمها في (الخانية) على اللقيط وما هنا أولى لما مر وهي فعلة بفتح العين وصف مبالغة للفاعل كهمزة لكثير الهمز وبسكونها للمفعول كضحكة للذي يضحك منه وقيل للمال لقطة بالفتح مبالغة لزيادة معنى اختص به هو أن كل ما رآها يميل إلى رفعها فكأنها تأمره بالرفع فأسند إليها مجازا ونظيره قولهم: ناقة حلوب ودابة ركوب وهم اسم فاعل سميت بذلك لأن من رآها يرغب في الركوب والحلب فنزلت كأنها احتلبت نفسها وأركبت نفسها قاله الشارح، وتبعه في (الفتح) ثم قال: وما عن الأصمعي وابن الأعرابي من أنها بالفتح اسم للمال فمحمول على هذا.
قال العيني: وهذا تعسف بل اللقطة بالفتح والسكون اسم وضع على هذه الصيغة للمال الملتقط وليس هذا مثل الصحكة ولا مثل قولهم ناقة حلوب ودابة ركوب لأن هذه صفات تدل على التجدد والحدوث على أن الأول للمبالغة في وصف الفاعل أو المفعول والثاني والثالث بمعنى المفعول للمبالغة في (القاموس) اللقطة محركة كهمزة ما التقط وفي الشرع مال يوجد ولا يعرف له مالك وليس بمباح كذا في (المضمرات).
قال في (البحر): فخرج ما عرف مالكه فإنه ليس لقطة بدليل أنه لا يعرف بل يرد إليه وبالأخير مال الحربي لكن يرد عليه ما كان محرزا بمكان أو حافظ فإنه داخل في التعريف فالأولى أن يقال: هي مال معصوم متعرض للضياع انتهى.
وأقول: الحرز بالمكان ونحوه خرج بقوله يوجد أي في الأرض أي ضائعا إذ لا يقال في المحرز ذلك على أنه في (المحيط) جعل عدم الإحراز من شرائطها وعرفها بأنها رفع شيء ضائع للحفظ على الغير لا للتمليك وهذا يفيد أن عدم معرفة المالك ليس شرطا في مفهومها ويدل على ذلك ما ذكر صاحب (المحيط) في آخر الباب لو أخذ ثوب سكران وقع على الأرض نائما ليحفظه فهلك على يده لا ضمان عليه لأنه متاع ضائع كاللقطة فإن كان الثوب تحت رأسه أو كانت دراهمه في كمه فأخذها ليحفظها فهو ضامن لأنه ليس بضائع ولأنه محفوظ بمالكه انتهى بأدنى تأمل وسكت عن صفة رفعها.
وفي (الذخيرة) إن خاف الضياع كان فرضا وإلا كان مباحا أجمع عليه العلماء ثم اختلفوا في الأفضل الأخذ أو الترك والمذهب عن علمائنا وعامة العلماء أن الرفع
стр. 1259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أفضل انتهى، وعليه جرى في (الخلاصة) و (المحيط) و (التتارخانية) والاختيار) وارتضاه في (الفتح) وقيده في (السراجية) بأن يأمن على نفسه ردها فإن كان لا يأمن فالترك أولى.
وجزم في (النتف) بأن الترك أفضل وقد علمت ما هو المذهب ثم قال في (النتف): إلا أن يكون من الحيوان ما لا يمنع السباع عن نفسه، وفي (البزازية) لقطة الحيوان إن في القرية فالأفضل الترك وإن في الصحراء فالأفضل الأخذ ونقل ابن وهبان عن كتب الأصحاب في الصحراء الترك وجعل في (البدائع) / افتراض الرفع عند خوف الضياع مذهب الشافعي قال: وهذا غير سديد لأن الترك لا يكون تضييعا بل امتناع عن حفظه غير ملتزم انتهى.
وما في (البدائع) شاذ وعلى أنه فرض لو تركها حتى ضاعت فالظاهر أن لا ضمان عليه لكنه يأثم ويدل عليه ما في (جامع الفصولين) لو انفتح زق فمر به رجل فلو لم يأخذ برئ ولو أخذه ثم ترك ضمن لو مالكه غائبا لا لو حاضرا، وفي (الفتح) لو رفعها ثم بدا له أن يضعها مكانها ففي ظاهر الرواية لا ضمان عليه.
قال في (البحر): وأما شرائط الملتقط فلم أر من بينها ثم نقل عن (القنية) وجد الصبي لقطة ولم يشهد ضمن كالبالغ، وفي (المجتبى) التعريف إلى ولي الصبي كالبالغ انتهى وهذا يفيد صحة التقاطه، وفي (كافي) الحاكم لو أقام مدعيها شهودا كفارا على ملتقط كافر قبلت انتهى، وهذا يدل على صحة التقاطه، قال: ولم أر حكم التقاط المرتد لقيطا أو لقطهة والظاهر أن مشايخنا إنما لم يقيدوا الملتقط بشيء لإطلاقه عندنا.
وفي (البزازية) ليس للمولى أن يأخذ وديعة عبده مأذونا أم لا ما لم يحضر ويظهر أنه من كسبه لاحتمال أن يكون وديعة الغير في يد العبد فإن برهن أنه للعبد يدفع إليه، وقوله: لاحتمال أن يكون وديعة الغير تصريح بأنه أهل للإيداع فكذا الالتقاط بجامع الأمانة فيهما وينبغي أن يكون التعريف إلا مولاه كالصبي بجامع الحجر فيهما أما المأذون أو المكاتب فالتعريف إليهما.
وفي (كافي) الحاكم عن أبي سعيد مولى ابن رشيد قال: وجدت خمسمائة درهم بالحيرة وأنا مكاتب فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب فقال: اعمل فيها وعرفها قال: فعملت بها حتى أديت مكاتبتي ثم أتيته فأخبرته فقال: ادفعها إلى خزائن بيت المال، ولو قال المولى هي ملكي وقال العبد: بل لقطة فقياس ما مر في اللقيط أنه إذا
стр. 1260
لقطة الحل والحرم أمانة إن أخذها ليردها على ربها وأشهد وعرف إلى أن علم أن ربها لا يطلبها.
ــ
كان مأذونا لم يقبل قوله وإلا قبل: واعلم أنه ينبغي أن لا يتردد في اشتراط كونه عاقلا صاحيا فلا يصح التقاط المجنون والمدهوش والسكران لعدم الحفظ منهم.
فرع
التقط شيئا فضاع منه ثم وجده في يد غيره فلا خصومة بينهما كذا في (النوازل)، وقدمنا في اللقيط أن الأول أحق به، وفرق الولوالجي بأن اللقطة لها مستحق آخر بحسب الظاهر فكانت يد الثاني كالأول بخلاف اللقيط لكن قال في (السراج): الصحيح أن له الخصومة لأن يده أحق، (لقطة الحل والحرم) نبه بذلك على أنه لا فرق بين مكان ومكان (أمانة) في يد الملتقط (إن أخذها) ليردها قيد بذلك لأنه لو أقر أنه أخذها لنفسه ضمنها بالإجماع (وأشهد) على ذلك بأن يقول: عندي شيء أو ضالة فمن سمعتموه ينشد ضالا فدلوه علي لا فرق بين كونها واحدة أو أكثر، قيد بإشهاده لأنه لو لم يشهد وادعى أنه أخذها ليردها ولهما أنه أقر بسبب الضمان وادعى ما يبرئه فلا يقبل منه إلا ببرهان.
قال الطحاوي: وبقول أبي يوسف نأخذ، قاله الإتقاني، وفي (الينابيع) الأصح أن محمد مع أبي يوسف والخلاف مقيد بما إذا اتفقا على اللقطة أما لو ادعى المالك أنه غصبها وقال: إنما التقطها ضمن اتفاقا وبما إذا أمكنه الإشهاد فإن لم يمكنه بأن لم يجد من يشهده أو خاف أن يأخذها ظالم فتركه لا يضمن إجماعا والقول له مع يمينه أنه المانع كذا في (الفتح)، (وعرف) أي: أعلم بها عطف على أشهد وظاهره أن التعريف شرط أيضا وأن الإشهاد لا يكفي لنفي الضمان وهكذا شرط في (المحيط (لنفي الضمان الإشهاد وإشاعة التعريف كذا في (البحر).
وأقول: رأيت في (الدرر) لمنلا خسوا التصريح بذلك حيث قال: فإن أشهد عليه وعرف (إلى أن علم أن صاحبها لا يطلبها) أو أنها تفسد إذا بقيت كانت أمانة عنده، قلت أو كثرت.
قال الحلواني: وأدنى ما يكون من التعريف أن يشهد عند الأخذ ويقول: أخذتها لأدرها فإن فعل ذلك ولم يعرفها بعد ذلك كفى، قال في (الفتح): فجعل التعريف إشهادا ثم قال: وعلى هذا لا يلزم الإشهاد أي: التعريف وقت الأخذ بل لا بد منه قبل هلاكها ليعرف منه أنه أخذها ليردها لا لنفسه ورده في (البحر) بأن
стр. 1261
ثم تصدق.
ــ
الاستشهاد لا بد منه على قول الإمام اتفاقا وإنما اختلفوا في الاكتفاء به عند الأخذ عن التعريف.
وأقول: وعبارة الشارح صريحة في ذلك، وقال الحلواني: إنه يكفيه الإشهاد أنه يأخذها ليردها على صاحبها ويكون ذلك تعريضا وهو المذكور في / (السير الكبير)، قال في (الخلاصة): ويعرفها حيث وجدها جهرا لا سرا انتهى، ولو عجز عن تعريفها بنفسه دفعها لغيره ليعرفها كذا في (التتارخانية). وفي (الحاوي القدسي): لو وجدها رجلان عرفاها جميعا واشتركا في حكمها إلا إن علم أي: غلب على ظنه أن ربها لا يطلبها هذا هو الصحيح كما في (المجمع) وفي (المضمرات) وعليه الفتوى وظاهر الرواية التقدير بالحول مطلقا كما في (الأصل) ثم اختلفوا قيل: يعرفها كل جمعة، وقيل: كل شهر، وقيل: كل ستة أشهر، وروى الحسن عن الإمام هذا التقدير في المائتين فصاعدا وفيما فوق العشرة إلى المائتين يعرفها شهرا وفي العشرة جمعة وفي الثلاثة دراهم أيام وفي درهم يوما، قال الشارح: هذا وما في (المختصر) واحد لأنه فوضه إلى اجتهاده وهذا قدره باجتهاده فلا تنافي بينهما انتهى. وأنت خبير بأنه من المجتهد عن تأويل ومن غيره عن غلبة الظن وفرق بينهما فتدبره، وفي قوله: إلى أن علم إلى آخره إيماء إلى أنه لو علم أنه لا يطلبها كالنواة وقشر الرمان جاز له أن ينتفع به بلا تعريف ولو حملها وأراد صاحبها أخذها كان له ذلك ولو وجدها مجتمعة فلا بد من التعريف لأن صاحبها يطلبها كذا في (الخانية).
وقالوا: لو سيب دابته فقال: هي لمن أخذها فأصلحها إنسان فلا سبيل للمالك عليها ولو اختلفا فالقول لصاحبها يعني مع يمينه، (ثم تصدق) بها إيصالا للحق إلى مستحقه بقدر الإمكان وذلك عند تعذر إيصال عينها بالثواب الحاصل له بفرض إجازته ولم يقل على الفقراء استغناء بلفظ التصدق ومن ثم قالوا: إنه لا يتصدق بها على عني ولا على ولد الغني الفقير الصغير ولا عبده وهو فعل ينبغي أن لا يتردد في ضمانه، وله إمساكها وسيأتي أن له الانتفاع بها.
وفي (الخلاصة) له بيعها أيضا إن لم تكن دراهم ودنانير وإمساك ثمنها ثم إذا جاء ربها ليس له نقض البيع إن كان بأمر القاضي وإن بغير أمره وهي قائمة فإن شاء أجاز البيع وإن شاء أبطله، وإن هلكت فإن شاء ضمن البائع وعند ذلك ينفذ بيعه في ظاهر الرواية وبه أخذ عامة المشايخ وسكت عن دفعها إلى القاضي وقد قالوا: إن له ذلك فإن قبلها منه إن شاء عجل صدقتها وإن شاء أقرضها من مليء وإن شاء دفعها مضاربة والظاهر أن له البيع أيضا بقي هل الأولى الدفع إلى القاضي؟ ففي (الحاوي
стр. 1262
فإن جاء ربها نفذه أو ضمن الملتقط وصح التقاط البهيمة.
ــ
القدسي) أنه الأجود ليفعل الأصلح، وفي (المجتبى) التصدق في زماننا أولى من الدفع إليه.
أقول: وينبغي أن يفصل في القاضي إن غلب على ظنه ورعه وعدم طمعه دفع الأمر وإلا لا، ثم إذا أمسكها وحضرته الوفاة أوصى بها ثم الورثة يعرفونها، قال في (الفتح): ومقتضى النظر أنهم لو لم يعرفونها حتى هلكت وجاء صاحبها أنهم يضمنون لأنهم وضعوا أيديهم على اللقطة ولم يشهدوا أي يعرفوا، قال في (البحر): وقد يقال: إن التعريف عليهم غير واجب حيث عرفها الملتقط، بقي هل هذا الإيصاء واجب؟. ففي (القنية): إن غلب على ظنه أن صاحبها لا يوجد لا يجب وإلا وجب، واعلم أن جواز التصدق في لقطة المسلم، أما إذا كانت لذمي فإنها توضع في بيت المال للنوائب كذا في (التاتارخانية) (فإن جاء ربها) أي: مالكها (نفذ) أي: التصدق ولو بعد هلاك العين لأن الملك يثبت للفقير قبل الإجازة فلم يتوقف على قيام المحل، والظاهر أنها لو كانت لصبي فليس للأب والوصي تنفيذ الصدقة أو ضمن الملتقط لأنه تصرف في ماله بغير إذنه وإباحة تصرفه من جهة الشرع لا تنافي الضمان حقا للعبد، كتناول مال الغير حال المخمصة أطلقه فشمل القاضي أيضا ومن ثم كان الأصح أنه لا فرق في تضمينه بين أن يكون بأمر القاضي أو لا لأن أمره لا يزيد على تصدقه بنفسه ولم يذكر تضمين الفقير لو لم تكن قائمة في يده.
وقد قالوا: إنه إذا كان معلوما كان له تضمينه لأنه أخذ ماله بغير إذنه ولا يرجع على الملتقط بشيء وكذا هو لا رجوع له على الفقير (وصح) أي: جاز (التقاط البهيمة) وهي كما في (القاموس) كل ذات أربع ولو في الماء وكل حي لا يميز والجمع بهائم وهذا يعم الدواب والإبل والغنم والطيور والدجاج عبر بالصحة دفعا لقول من قال: إن الأخذ لا يجوز ونقل ذلك عن أحمد، وعن الشافعي تخصيص هذا بالكبار، وفسر في (البحر) الصحة بالندب لأن خلاف الأئمة فيه فإنهم قالوا تركه أفضل لا أنهم / قالوا بعدم الجواز، وأنت خبير بأن استعمال لفظ الصحة بمعنى المندوب مما لا يعرف في كلامهم وعلى ما قررنا جرى الشارح العيني.
وفي (الفتح) كلامهم يقتضي أن الخلاف في جواز الأخذ وحله وهو الظاهر فعندنا يجوز لأنها كغيرها يتوهم ضياعها فيندب أخذها وتعريفها فإن خاف الضياع وجب وأما جوابه ﷺ كما في (الصحيح) حين سئل عن ضالة الإبل بقوله: (ما لك ولها حذاؤها وسقاؤها أي نعلها وقرنيها ترد الماء وتأكل الشجر فذرها حتى
стр. 1263
وهو متبرع في الإنفاق على اللقيط واللقيطة وبإذن القاضي يكون دينا ولو كان لها نفع آجرها وأنفق عليها من أجرتها.
ــ
بجدها ربها) فحمله في (المبسوط) على ما كان في زمنه ﷺ عن غلبة أهل الصلاح والأمانة أما في زماننا فالغلبة لأهل الفساد والغرابة ولا يؤمن من وصول يد خائنة إليها، فإذا جاء ربها لم يجدها، وعن هذا قيد المسألة في (الحاوي القدسي) بما إذا وجدها في مفازة أو برية فإن وجدها في غيرهما لا يأخذها ما لم يغلب على ظنه أنها ضالة بأن كانت في موضع لم يكن بقربه بيت مدر أو شعر أو قافلة نازلة أو دواب في مراعيها انتهى.
قال في (البحر): فلو وصف المصنف البهيمة بالضالة لكان أولى، وعندي أن لفظ الالتقاط يغني عنه (وهو متبرع في الإنفاق على اللقيط واللقطة) لقصور ولايته فصار كما لو قضى دين غيره بغير أمره (وبإذن القاضي يكون دينا)، صورة إذنه أن يقول له: أنفق على أن ترجع وإن لم يقل ذلك لا يكون دينا في الأصح.
وبه اندفع قول الشارح: إن هذا يشير إلى أنها تصير دينا بمجرد أمره وليس كذلك في الأصح نعم عبارة (المجمع) أوضح وأفود حيث قال: فإن أنفق الملتقط كان متبرعا إلا أن يأذن له القاضي بشرط الرجوع أو يصدقه اللقيط إذا بلغ أي يصدقه على أن القاضي أذنه بشرط الرجوع في المقدار الذي ادعى بصرفه عليه ويدل على ذلك ما في (فتح القدير) فإذا أنفق بالأمر الذي يصير به دينا عليه فبلغ فادعى أنه أنفق عليه كذا فإن صدقه اللقيط رجع عليه به وإن كذبه فالقول قول اللقيط وعلى الملتقط البينة انتهى، لا ما ادعاه ابن الملك من أنه إذا لم يأمره بالإنفاق فادعاه بعد بلوغه وصدقه اللقيط أنه أنفق للرجوع عليه فله الرجوع لأنه أقر بحقه وأبهم الديون لظهور أن اللقيط إذا بلغ ولم يدع أحد نسبه أو رقه فإن ادعاه أحد كان هو الأب أو السيد وفي اللقطة ربها ثم شرط في (الأصل) يعني لإذن القاضي له بالإنفاق وإقامة البينة وهو صحيح لاحتمال أن يكون غصبا وفيه لا يأمر بالإنفاق وإنما يأمره في الوديعة فلا بد من البينة لكشف الحال، وإن قال: لا بينة لي يقول له القاضي: أنفق عليها إن كنت صادقا فيما قلت. وصرح في (الظهيرية) بأن اللقيط كذلك (وإن كان لها نفع) بأن كان بهيمة يحمل عليها (أجرها) القاضي (وأنفق من أجرتها) لأن في ذلك إبقاء العين على ملكه من غير إلزام دين عيه وكذلك يفعل بالعبد الآبق كذا في (الهداية) وفي (الشرح) أنه لا يؤجر كما في (غاية البيان) إذ يخاف عليه الإباق.
стр. 1264
وإلا باعها ومنعها من بها حتى يأخذ النفقة ولا يدفعها إلى مدعيها بلا بينة فإن بين علامتها حل له الدفع بلا جبر. ...
ــ
قال في (البحر): ولم أر ما لو صار اللقيط مميزا ولا مال له هل يؤجره القاضي للنفقة أو لا انتهى، يعني إذا لم يعطه الإمام شيئا من بيت المال (وإلا) أي: وإن لم يكن لها نفع (باعها) القاضي، هذا الإطلاق قيده في (البدائع) بما إذا أقام البينة على الالتقاط وظاهر كلامه أنه لم يكن لها نفع إلا بإذنه بالأنفاق، وفي (الهداية) وإن لم يكن لها منفعة وخاف أن تستغرق النفقة قيمتها باعها وإن كان الأصلح الإنفاق عليها أذن في ذلك وجعل النفقة دينا.
قالوا: إنما يأمره بالإنفاق يومين أو ثلاثة على قدر ما يرى رجاء أن يظهر مالكه فإذا لم يظهر يأمره ببيعها لأن دارة النفقة مستأصلة فلا نظر مدة مديدة انتهى، وإذا لم يكن ثمة نظر فينبغي أن لا ينفذ من القاضي أمره به كذا في (الفتح)، (ومنعها) أي: اللقطة (من ربها حتى يأخذ النفقة) لأنه حيي بنفقته فصار كأنه استفاد الملك من جهته فأشبع البيع ولا يسقط دين النفقة بهلاكها في يد الملتقط قبل الحبس ويسقط إذا هلك بعده لأنه يصير كالرهن ولم يحك المصنف في (الكافي) تبعا لصاحب (الهداية) فيه خلافة فيقهم أنه المذهب وجعل القدوري في (تقريبه) هذا قول زفر وعند أصحابنا لا يسقط لو هلك بعده، وعزاه في (الينابيع) إلى علمائنا الثلاثة.
واعلم أنه لا فرق في جواز منعها للإنفاق / بين أن يكون الملتقط أنفق من ماله أو استدان بأمر القاضي ليرجع على صاحبها كما في (الحاوي) وقياس ما مر في النفقة أن له أن يحيل على ربها بغير رضاه كالزوجة إذا استدانت بالأمر، وفيه أن للقاضي أن يبيعها ويعطي النفقة من ثمنها عند حضور ربها وامتناعه من دفعها (ولا يدفعها إلى مدعيها) جبرا عليه (بلا بينة) يقيمها عند القاضي للخبر المشهور (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ولو كانت في يد كافر فادعاها رجل وأقام على ذلك كافرين لم تقبل قياسا كما إذا كانت في يد مسلم وتقبل استحسانا ولو في يد مسلم وكافر قبلت على ما في يد الكافر (فإن بين علامتها) كعد الدراهم ووزنها والوكاء والوعاء (حل له الدفع بلا جبر) لخبر مسلم (فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووكائها ووعائها فأعطه إياها وإلا فاستمتع بها) حمل الأمر فيه على الإباحة جمعا بينه وبين ما روينا، ولو ادعياه وبينا علامة موافقة.
стр. 1265
وينتفع بها لو فقيرا وإلا تصدق على أجنبي وصح على أبويه وزوجته وولده لو فقراء.
ــ
قال في (البحر): لم أره وينبغي أن يحل له الدفع لهما ولو صدقه حل أيضا ثم قيل: لا يجبر، وقيل: يجبر وإذا دفع بالتصديق أو بالعلامة وأقام آخر بينة أنها له فإن كانت قائمة أخذها وإن هالكة ضمن أيهما شاء فإن ضمن القابض لا يرجع على أحد أو الملتقط فكذلك في رواية وفي أخرى يرجع وهو الصحيح لأنه وإن صدقه إلا أنه بالقضاء عليه صار مكذبا شرعا فبطل إقراره كذا في (الفتح).
ولو دفع ببرهان فإن أقام آخر بينة أنها له لا يضمن هذا وسكت المصنف عن أخذ الكفيل قالوا: وله ذلك نظرا له لاحتمال أن يقيم غيره ببينة أنها له أما إذا دفعها بالبرهان فلا يأخذ في الأصح كما في (النهاية) (وينتفع بها) أي: يباح له الانتفاع بها (لو كان فقيرا) لما رواه البزار من قوله ﷺ حين سئل عن اللقطة فقال: (لا تحل اللقطة فمن التقط شيئا فليعرفه سنة فإن جاء صاحبه فليرده إليه وإن لم يأت فليتصدق به) والصدقة لا تكون على غني فأشبه الصدقة المفروضة وإذا كان المبيح هو الفقر فلا فرق بين الواجد وغيره في الانتفاع بها نظرا للمالك لأنها بتقدير مجيبه تكون مضمونة على المنتفع وإلا كان له ثوابها ومعنى الانتفاع بها صرفها إلى نفسه كما في (الفتح).
وهذا لا يتحقق ما بقيت في يده لا يملكها كما توهمه في (البحر) لما أنها باقية على ملك صاحبها ما لم يتصرف فيها حتى لو كانت أقل من نصاب وعنده ما يصير به نصابا حال عليه الحول تحت يده لا يجب عليه زكاة، وإطلاقه كغيره يفيد أن هذا لا يتوقف على أمر القاضي والمسطور في (الخانية) توقف حال الانتفاع على إذنه حيث قال: وإن كان الملتقط فقيرا إن أذن له القاضي أن ينفقها على نفسه يحل له أن ينفق ولا يحل بغير إذن القاضي عند عامة العلماء، وقال بشر: يحل، ثم قال: وجد عرضا لقطة فعرفها ولم يجد صاحبها وهو فقير باعها وأنفق الثمن إلى نفسه ثم أصاب مالا.
قالوا: لا يجب عليه أن يتصدق على الفقراء بمثل ما أنفق على نفسه انتهى. وهو المختار كما في (الولوالجية) فلم يقيد البيع بإذن القاضي قيد بالفقير لأن الغني لا يحل له الانتفاع بها إلا بطريق القرض لكن بإذن الإمام (وإلا) أي: وإن لم يكن فقيرا كل واحد منهم (تصدق على أجنبي وأبويه) أي: الملتقط (وزوجته وولده ولو) كان كل واحد منهم (فقراء) أطلق في ولده فشمل الصغير، وينبغي تقييده بأن يكون الملتقط فقيرا كذا في (البحر).
следующие страницы →