Полный текст (1 611 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
ثم تصدق.
ــ
الاستشهاد لا بد منه على قول الإمام اتفاقا وإنما اختلفوا في الاكتفاء به عند الأخذ عن التعريف.
وأقول: وعبارة الشارح صريحة في ذلك، وقال الحلواني: إنه يكفيه الإشهاد أنه يأخذها ليردها على صاحبها ويكون ذلك تعريضا وهو المذكور في / (السير الكبير)، قال في (الخلاصة): ويعرفها حيث وجدها جهرا لا سرا انتهى، ولو عجز عن تعريفها بنفسه دفعها لغيره ليعرفها كذا في (التتارخانية). وفي (الحاوي القدسي): لو وجدها رجلان عرفاها جميعا واشتركا في حكمها إلا إن علم أي: غلب على ظنه أن ربها لا يطلبها هذا هو الصحيح كما في (المجمع) وفي (المضمرات) وعليه الفتوى وظاهر الرواية التقدير بالحول مطلقا كما في (الأصل) ثم اختلفوا قيل: يعرفها كل جمعة، وقيل: كل شهر، وقيل: كل ستة أشهر، وروى الحسن عن الإمام هذا التقدير في المائتين فصاعدا وفيما فوق العشرة إلى المائتين يعرفها شهرا وفي العشرة جمعة وفي الثلاثة دراهم أيام وفي درهم يوما، قال الشارح: هذا وما في (المختصر) واحد لأنه فوضه إلى اجتهاده وهذا قدره باجتهاده فلا تنافي بينهما انتهى. وأنت خبير بأنه من المجتهد عن تأويل ومن غيره عن غلبة الظن وفرق بينهما فتدبره، وفي قوله: إلى أن علم إلى آخره إيماء إلى أنه لو علم أنه لا يطلبها كالنواة وقشر الرمان جاز له أن ينتفع به بلا تعريف ولو حملها وأراد صاحبها أخذها كان له ذلك ولو وجدها مجتمعة فلا بد من التعريف لأن صاحبها يطلبها كذا في (الخانية).
وقالوا: لو سيب دابته فقال: هي لمن أخذها فأصلحها إنسان فلا سبيل للمالك عليها ولو اختلفا فالقول لصاحبها يعني مع يمينه، (ثم تصدق) بها إيصالا للحق إلى مستحقه بقدر الإمكان وذلك عند تعذر إيصال عينها بالثواب الحاصل له بفرض إجازته ولم يقل على الفقراء استغناء بلفظ التصدق ومن ثم قالوا: إنه لا يتصدق بها على عني ولا على ولد الغني الفقير الصغير ولا عبده وهو فعل ينبغي أن لا يتردد في ضمانه، وله إمساكها وسيأتي أن له الانتفاع بها.
وفي (الخلاصة) له بيعها أيضا إن لم تكن دراهم ودنانير وإمساك ثمنها ثم إذا جاء ربها ليس له نقض البيع إن كان بأمر القاضي وإن بغير أمره وهي قائمة فإن شاء أجاز البيع وإن شاء أبطله، وإن هلكت فإن شاء ضمن البائع وعند ذلك ينفذ بيعه في ظاهر الرواية وبه أخذ عامة المشايخ وسكت عن دفعها إلى القاضي وقد قالوا: إن له ذلك فإن قبلها منه إن شاء عجل صدقتها وإن شاء أقرضها من مليء وإن شاء دفعها مضاربة والظاهر أن له البيع أيضا بقي هل الأولى الدفع إلى القاضي؟ ففي (الحاوي
стр. 1262
فإن جاء ربها نفذه أو ضمن الملتقط وصح التقاط البهيمة.
ــ
القدسي) أنه الأجود ليفعل الأصلح، وفي (المجتبى) التصدق في زماننا أولى من الدفع إليه.
أقول: وينبغي أن يفصل في القاضي إن غلب على ظنه ورعه وعدم طمعه دفع الأمر وإلا لا، ثم إذا أمسكها وحضرته الوفاة أوصى بها ثم الورثة يعرفونها، قال في (الفتح): ومقتضى النظر أنهم لو لم يعرفونها حتى هلكت وجاء صاحبها أنهم يضمنون لأنهم وضعوا أيديهم على اللقطة ولم يشهدوا أي يعرفوا، قال في (البحر): وقد يقال: إن التعريف عليهم غير واجب حيث عرفها الملتقط، بقي هل هذا الإيصاء واجب؟. ففي (القنية): إن غلب على ظنه أن صاحبها لا يوجد لا يجب وإلا وجب، واعلم أن جواز التصدق في لقطة المسلم، أما إذا كانت لذمي فإنها توضع في بيت المال للنوائب كذا في (التاتارخانية) (فإن جاء ربها) أي: مالكها (نفذ) أي: التصدق ولو بعد هلاك العين لأن الملك يثبت للفقير قبل الإجازة فلم يتوقف على قيام المحل، والظاهر أنها لو كانت لصبي فليس للأب والوصي تنفيذ الصدقة أو ضمن الملتقط لأنه تصرف في ماله بغير إذنه وإباحة تصرفه من جهة الشرع لا تنافي الضمان حقا للعبد، كتناول مال الغير حال المخمصة أطلقه فشمل القاضي أيضا ومن ثم كان الأصح أنه لا فرق في تضمينه بين أن يكون بأمر القاضي أو لا لأن أمره لا يزيد على تصدقه بنفسه ولم يذكر تضمين الفقير لو لم تكن قائمة في يده.
وقد قالوا: إنه إذا كان معلوما كان له تضمينه لأنه أخذ ماله بغير إذنه ولا يرجع على الملتقط بشيء وكذا هو لا رجوع له على الفقير (وصح) أي: جاز (التقاط البهيمة) وهي كما في (القاموس) كل ذات أربع ولو في الماء وكل حي لا يميز والجمع بهائم وهذا يعم الدواب والإبل والغنم والطيور والدجاج عبر بالصحة دفعا لقول من قال: إن الأخذ لا يجوز ونقل ذلك عن أحمد، وعن الشافعي تخصيص هذا بالكبار، وفسر في (البحر) الصحة بالندب لأن خلاف الأئمة فيه فإنهم قالوا تركه أفضل لا أنهم / قالوا بعدم الجواز، وأنت خبير بأن استعمال لفظ الصحة بمعنى المندوب مما لا يعرف في كلامهم وعلى ما قررنا جرى الشارح العيني.
وفي (الفتح) كلامهم يقتضي أن الخلاف في جواز الأخذ وحله وهو الظاهر فعندنا يجوز لأنها كغيرها يتوهم ضياعها فيندب أخذها وتعريفها فإن خاف الضياع وجب وأما جوابه ﷺ كما في (الصحيح) حين سئل عن ضالة الإبل بقوله: (ما لك ولها حذاؤها وسقاؤها أي نعلها وقرنيها ترد الماء وتأكل الشجر فذرها حتى
стр. 1263
وهو متبرع في الإنفاق على اللقيط واللقيطة وبإذن القاضي يكون دينا ولو كان لها نفع آجرها وأنفق عليها من أجرتها.
ــ
بجدها ربها) فحمله في (المبسوط) على ما كان في زمنه ﷺ عن غلبة أهل الصلاح والأمانة أما في زماننا فالغلبة لأهل الفساد والغرابة ولا يؤمن من وصول يد خائنة إليها، فإذا جاء ربها لم يجدها، وعن هذا قيد المسألة في (الحاوي القدسي) بما إذا وجدها في مفازة أو برية فإن وجدها في غيرهما لا يأخذها ما لم يغلب على ظنه أنها ضالة بأن كانت في موضع لم يكن بقربه بيت مدر أو شعر أو قافلة نازلة أو دواب في مراعيها انتهى.
قال في (البحر): فلو وصف المصنف البهيمة بالضالة لكان أولى، وعندي أن لفظ الالتقاط يغني عنه (وهو متبرع في الإنفاق على اللقيط واللقطة) لقصور ولايته فصار كما لو قضى دين غيره بغير أمره (وبإذن القاضي يكون دينا)، صورة إذنه أن يقول له: أنفق على أن ترجع وإن لم يقل ذلك لا يكون دينا في الأصح.
وبه اندفع قول الشارح: إن هذا يشير إلى أنها تصير دينا بمجرد أمره وليس كذلك في الأصح نعم عبارة (المجمع) أوضح وأفود حيث قال: فإن أنفق الملتقط كان متبرعا إلا أن يأذن له القاضي بشرط الرجوع أو يصدقه اللقيط إذا بلغ أي يصدقه على أن القاضي أذنه بشرط الرجوع في المقدار الذي ادعى بصرفه عليه ويدل على ذلك ما في (فتح القدير) فإذا أنفق بالأمر الذي يصير به دينا عليه فبلغ فادعى أنه أنفق عليه كذا فإن صدقه اللقيط رجع عليه به وإن كذبه فالقول قول اللقيط وعلى الملتقط البينة انتهى، لا ما ادعاه ابن الملك من أنه إذا لم يأمره بالإنفاق فادعاه بعد بلوغه وصدقه اللقيط أنه أنفق للرجوع عليه فله الرجوع لأنه أقر بحقه وأبهم الديون لظهور أن اللقيط إذا بلغ ولم يدع أحد نسبه أو رقه فإن ادعاه أحد كان هو الأب أو السيد وفي اللقطة ربها ثم شرط في (الأصل) يعني لإذن القاضي له بالإنفاق وإقامة البينة وهو صحيح لاحتمال أن يكون غصبا وفيه لا يأمر بالإنفاق وإنما يأمره في الوديعة فلا بد من البينة لكشف الحال، وإن قال: لا بينة لي يقول له القاضي: أنفق عليها إن كنت صادقا فيما قلت. وصرح في (الظهيرية) بأن اللقيط كذلك (وإن كان لها نفع) بأن كان بهيمة يحمل عليها (أجرها) القاضي (وأنفق من أجرتها) لأن في ذلك إبقاء العين على ملكه من غير إلزام دين عيه وكذلك يفعل بالعبد الآبق كذا في (الهداية) وفي (الشرح) أنه لا يؤجر كما في (غاية البيان) إذ يخاف عليه الإباق.
стр. 1264
وإلا باعها ومنعها من بها حتى يأخذ النفقة ولا يدفعها إلى مدعيها بلا بينة فإن بين علامتها حل له الدفع بلا جبر. ...
ــ
قال في (البحر): ولم أر ما لو صار اللقيط مميزا ولا مال له هل يؤجره القاضي للنفقة أو لا انتهى، يعني إذا لم يعطه الإمام شيئا من بيت المال (وإلا) أي: وإن لم يكن لها نفع (باعها) القاضي، هذا الإطلاق قيده في (البدائع) بما إذا أقام البينة على الالتقاط وظاهر كلامه أنه لم يكن لها نفع إلا بإذنه بالأنفاق، وفي (الهداية) وإن لم يكن لها منفعة وخاف أن تستغرق النفقة قيمتها باعها وإن كان الأصلح الإنفاق عليها أذن في ذلك وجعل النفقة دينا.
قالوا: إنما يأمره بالإنفاق يومين أو ثلاثة على قدر ما يرى رجاء أن يظهر مالكه فإذا لم يظهر يأمره ببيعها لأن دارة النفقة مستأصلة فلا نظر مدة مديدة انتهى، وإذا لم يكن ثمة نظر فينبغي أن لا ينفذ من القاضي أمره به كذا في (الفتح)، (ومنعها) أي: اللقطة (من ربها حتى يأخذ النفقة) لأنه حيي بنفقته فصار كأنه استفاد الملك من جهته فأشبع البيع ولا يسقط دين النفقة بهلاكها في يد الملتقط قبل الحبس ويسقط إذا هلك بعده لأنه يصير كالرهن ولم يحك المصنف في (الكافي) تبعا لصاحب (الهداية) فيه خلافة فيقهم أنه المذهب وجعل القدوري في (تقريبه) هذا قول زفر وعند أصحابنا لا يسقط لو هلك بعده، وعزاه في (الينابيع) إلى علمائنا الثلاثة.
واعلم أنه لا فرق في جواز منعها للإنفاق / بين أن يكون الملتقط أنفق من ماله أو استدان بأمر القاضي ليرجع على صاحبها كما في (الحاوي) وقياس ما مر في النفقة أن له أن يحيل على ربها بغير رضاه كالزوجة إذا استدانت بالأمر، وفيه أن للقاضي أن يبيعها ويعطي النفقة من ثمنها عند حضور ربها وامتناعه من دفعها (ولا يدفعها إلى مدعيها) جبرا عليه (بلا بينة) يقيمها عند القاضي للخبر المشهور (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ولو كانت في يد كافر فادعاها رجل وأقام على ذلك كافرين لم تقبل قياسا كما إذا كانت في يد مسلم وتقبل استحسانا ولو في يد مسلم وكافر قبلت على ما في يد الكافر (فإن بين علامتها) كعد الدراهم ووزنها والوكاء والوعاء (حل له الدفع بلا جبر) لخبر مسلم (فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووكائها ووعائها فأعطه إياها وإلا فاستمتع بها) حمل الأمر فيه على الإباحة جمعا بينه وبين ما روينا، ولو ادعياه وبينا علامة موافقة.
стр. 1265
وينتفع بها لو فقيرا وإلا تصدق على أجنبي وصح على أبويه وزوجته وولده لو فقراء.
ــ
قال في (البحر): لم أره وينبغي أن يحل له الدفع لهما ولو صدقه حل أيضا ثم قيل: لا يجبر، وقيل: يجبر وإذا دفع بالتصديق أو بالعلامة وأقام آخر بينة أنها له فإن كانت قائمة أخذها وإن هالكة ضمن أيهما شاء فإن ضمن القابض لا يرجع على أحد أو الملتقط فكذلك في رواية وفي أخرى يرجع وهو الصحيح لأنه وإن صدقه إلا أنه بالقضاء عليه صار مكذبا شرعا فبطل إقراره كذا في (الفتح).
ولو دفع ببرهان فإن أقام آخر بينة أنها له لا يضمن هذا وسكت المصنف عن أخذ الكفيل قالوا: وله ذلك نظرا له لاحتمال أن يقيم غيره ببينة أنها له أما إذا دفعها بالبرهان فلا يأخذ في الأصح كما في (النهاية) (وينتفع بها) أي: يباح له الانتفاع بها (لو كان فقيرا) لما رواه البزار من قوله ﷺ حين سئل عن اللقطة فقال: (لا تحل اللقطة فمن التقط شيئا فليعرفه سنة فإن جاء صاحبه فليرده إليه وإن لم يأت فليتصدق به) والصدقة لا تكون على غني فأشبه الصدقة المفروضة وإذا كان المبيح هو الفقر فلا فرق بين الواجد وغيره في الانتفاع بها نظرا للمالك لأنها بتقدير مجيبه تكون مضمونة على المنتفع وإلا كان له ثوابها ومعنى الانتفاع بها صرفها إلى نفسه كما في (الفتح).
وهذا لا يتحقق ما بقيت في يده لا يملكها كما توهمه في (البحر) لما أنها باقية على ملك صاحبها ما لم يتصرف فيها حتى لو كانت أقل من نصاب وعنده ما يصير به نصابا حال عليه الحول تحت يده لا يجب عليه زكاة، وإطلاقه كغيره يفيد أن هذا لا يتوقف على أمر القاضي والمسطور في (الخانية) توقف حال الانتفاع على إذنه حيث قال: وإن كان الملتقط فقيرا إن أذن له القاضي أن ينفقها على نفسه يحل له أن ينفق ولا يحل بغير إذن القاضي عند عامة العلماء، وقال بشر: يحل، ثم قال: وجد عرضا لقطة فعرفها ولم يجد صاحبها وهو فقير باعها وأنفق الثمن إلى نفسه ثم أصاب مالا.
قالوا: لا يجب عليه أن يتصدق على الفقراء بمثل ما أنفق على نفسه انتهى. وهو المختار كما في (الولوالجية) فلم يقيد البيع بإذن القاضي قيد بالفقير لأن الغني لا يحل له الانتفاع بها إلا بطريق القرض لكن بإذن الإمام (وإلا) أي: وإن لم يكن فقيرا كل واحد منهم (تصدق على أجنبي وأبويه) أي: الملتقط (وزوجته وولده ولو) كان كل واحد منهم (فقراء) أطلق في ولده فشمل الصغير، وينبغي تقييده بأن يكون الملتقط فقيرا كذا في (البحر).
стр. 1266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأقول: هذا سهو بل المراد الكبير إذ موضوع المسألة ما إذا كان الملتقط غنيا وله ابن فقير وهذا لا يأتي في الصغير فكيف يشمله الإطلاق، وقدمنا أنه لا يتصدق بها على ولد غني.
خاتمة: وضعت ملاءتها وأخرى كذلك فجاءت الأولى وأخذت ملاءة الثانية لا ينبغي للثانية أن تنتفع بملاءة الأولى فإن أرادت ذلك قالوا: ينبغي أن تتصدق بها على ابنتها إن كانت فقيرة ثم تهب الابنة الملاءة منها فيسعها الانتفاع بها وكذلك الجواب في المكعب إذا سرق وترك له عوض وقيل: هذا إذا كان المكعب الثاني مثل الأول أو أجود من الأول أما إذا كان الثاني دون الأول فله أن ينتفع به من غير هذا التكليف لأن أخذ الأجود وترك الأدون دليل الرضى بالانتفاع بالأدون كذا في (الطهيرية).
وفي (الحاوي القدسي) غريب مات في بيت إنسان وليس له وارث معروف كان حكم تركته / كحكم اللقطة إلا إذا كان مالا كثيرا فيكون لبيت المال بعد البحث والفحص عن ورثته سنين انتهى، وإذا لم يجدهم وكان مصرفا ينبغي أن يجوز له صرفه إلى نفسه وفي (الخانية) له برج حمام اختلط به حمام أهلي لغيره لا ينبغي له أخذه، فإن طلبه صاحبه بعد أخذه رده إليه، ولو فرخ عنده فإن كانت الأم غريبة لا يتعرض لفرخه لأنه ملك الغير وإن كانت لصاحب البرج والغريب إنما هو الذكر كان الفرخ له، وكذا البيض وإن لم يعلم أن في برجه غريبا قالوا: لا شيء عليه إن شاء الله تعالى.
وفي (الظهيرية) إذا لم يملك الفرخ وكان فقيرا يتناوله لحاجته وإن كان غنيا تصدق به على فقير ثم اشتراه منه، قال السرخسي: وهكذا كان يفعل شيخنا شمس الأئمة الحلواني وكان مولعا بأكل الجوزال جمع جوزل فرخ الحمام وفيها المأخوذ به أن للأمر بالنساء وسكرا أو غيره أن يحبس لنفسه مقدار ما يحبسه الناس وأن يلتقط ومن وقع في حجره شيء فأخذه منه غيره إن هيأه لذلك لا يكون للآخذ وإلا كان له.
وفي (الخانية) مر بثمار ساقطة تحت الأشجار في الصيف إن كان في المصر لا يسعه أن يتناول شيئا منها إلا أن يعلم أن صاحبها أباح ذلك نصا أو دلالة وإن كان في الحائط فإن كانت مما تبقى فكذلك وإن لم تبق قيل: إنه كذلك وقيل: إنه لا بأس به ما لم يعلم النهي صريحا وعليه الاعتماد والله الموفق للصواب.
стр. 1267
كتاب الآبق
أخذه أخب إن قوي عليه
ــ
كتاب الإباق
ذكر في (النهاية) وتبعه في (الدراية) (والعناية) أن هذه الكتب أعني اللقيط واللقطة والإباق والمفقود يجانس بعضها بعضا من حيث ي كل منها عرضية الزوال والهلاك وتبعه في (فتح القدير) بأن التعرض له في الإباق بفعل فاعل مختار فكان الأنسب تعقيب الجهاد به بخلاف اللقيط واللقطة وكذا الأولى فيه وفي اللقطة الترجمة بالباب لا بالكتاب وقدمنا عنه في الطهارة أن الحوالة كذلك.
وأجاب في (البحر) بأن خوف التلف في ذات اللقيط أكثر من اللقطة فذكر بعد الجهاد وخوف التلف في الآبق إنما هو من حيث الانتفاع للمولى لأنه لو لم يعد إليه لا يموت بخلاف اللقيط فإنه لصغره إن لم يرفع يموت ومسائل كل منه مستقلة فكان الأنسب التعبير عنها بكتاب والإباق مصدر أبق كضرب وهذا هو الأكثر كما في (المصباح).
وفي (القاموس): أبق العبد كسمع وضرب ومنع أبقا ويحرك وإباق ككتاب ذهب بلا خوف ولا كد عمل أو استخفى ثم ذهب فهو آبق وأبوق وجمعه ككفار وركع وعرفه، في (العناية): بأنه الهارب من مالكه قصدا ورده في (الفتح) بأن الهرب لا يتحقق إلا بالقصد والضال ليس فيه قصد التغيب بل هو المنقطع عن مولاه لجهله بالطريق إليه انتهى. بقي أنه لا يلزم أن يكون الهرب من المالك ومن ثم عرفه في (الإصلاح) بأنه انطلاق الرقيق تمردا ليدخل ما لو هرب من مؤجره أو مستعيره أو مودعه أو وصيه، (أخذه أحب) أي: أفضل (إن يقوى) أي: يقدر (عليه) حفظا حتى يصل إلى مولاه لأن فيه إحياء ماليته بخلاف من يعلم من نفسه العجز عن ذلك ولا يعلم فيه خلاف وسكت عن خوف هلاكه لو لم يأخذ وصرح في (البدائع) بأن حكم أخذه حكم اللقطة فعلى هذا يفترض إن خاف ضياعه ويندب إن لم يخف كذا في (البحر).
وأقول: هذا غلط فاحش وذلك أنه قدم عن (البدائع) أن أخذ اللقطة مع خوف الضياع ليس بفرض وأن القول بالفرضية مذهب الشافعي فكيف يفهم من قوله: إن حكم أخذه حكم اللقطة أن يكون فرضا فسبحان من تنزه عن السهو والنسيان نعم في (الفتح) يمكن أن يجري فيه التفصيل في اللقطة بين أن يغلب على ظنه تلفه
стр. 1268
ومن رده من مدة سفر وهو مسيرة ثلاثة أيام فله أربعون درهما.
ــ
على المولى إن لم يأخذه مع قدرة تامة عليه فيجب أخذه وإلا فلا، واختلف في الضال فقيل: أخذه أحب وقيل: تركه لأنه ينتظر مولاه في مكانه.
قال في (الفتح): ومحل الخلاف ما إذا لم يعلم واجد الضال مولاه ولا مكانه أما إذا علمه فلا ينبغي أن يختلف في أفضلية أخذه ورده ثم إن شاء آخذ الآبق أتى به إلى الإمام فيحبسه حفظا له عن إباقه فإن قدر عليه لم يحتج إلى الإمام ولهذا الاعتبار خيره الحلواني فإن علم صاحبه خير أيضا بين إمساكه إلى مجيئه وبين ذهابه إليه كما في (البدائع) وإن لم يعلمه وادعاه رجل وبرهن حلفه بالله أنه آبق إلى الآن في ملكه لم يخرج ببيع ولا هبة كذا في (الذخيرة) وفي أولوية أخذ / الكفيل والحالة هذه روايتان، نعم لو دفعه إليه بإقرار العبد أخذ كفيلا هنا رواية واحدة وفي (العناية) لو وصف علامته وحليته دفعه إليه وأخذ منه كفيلا وهل يجب على القاضي الدفع أو يخير؟ لم يذكره في (الكتاب) واختلف المشايخ فيه فإن لم يأت له طالب وطالت المدة باعه القاضي وحفظ ثمنه.
وفي (الحواشي اليعقوبية) قالوا: صح للقاضي بيع الآبق ولو علم موضع مالكه وينبغي أن يكون هذا إذا تعذر إيصاله إلى مالكه وخيف تلفه، وقد ذكر في (القنية) أن مال الغائب لا يباع إذا علم مكان الغائب لإمكان إيصاله إليه انتهى. فلو زعم صاحبه أنه دبره أو كاتبه أو استولدها لم يصدق في نقض البيع إلا أن يكون عنده ولد منها، واستشكله في (البحر) بأنه لو باعه بنفسه ثم ادعى ذلك وبرهن قبل كما في استحقاق (فتح القدير) لأن التناقض في دعوى الحرية وفروعها معفو فيحمل ما هنا على ما إذا لم يبرهن فإن جاء ربه لا يدفع إليه الثمن حتى يبرهن أنه ملكه ولو اكتفى بالحيلة جاز.
قال في (الفتح): وينبغي أن يقدر الطول بثلاثة أيام لأن دارة النفقة تستأصله ولا نظر في ذلك للمالك بحسب الظاهر انتهى. والمنقول في (التاتارخانية) أن مدة حبسه مقدرة بستة أشهر ثم يبيعه بعدها ولا يؤجر خشية إباقه وفي الضال يؤجره وينفق عليه من أجرته (ومن رده) على مولاه من مسيرة سفر (فله أربعون درهما) استحسانا والقياس أن لا يكون له شيء إلا بالشرط كما إذا رد بهيمة ضالة أو عبدا ضالا وجه الاستحسان أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعوا على أصل الجعل وإن اختلفوا في مقداره فأوجبنا الأربعين في مدة السفر وما دونها فيما دونه جمعا بين الروايات، وعم كلامه ما لو أعتقه المولى لأنه يصير قابضا بالإعتاق وما لو باعه من الراد لسلامة البدل له.
стр. 1269
ولو قيمته أقل منه وإن رده لأقل منها فبحسابه.
ــ
وفي (المحيط): لو دبره ثم هرب من يده فلا جعل له في قول الإمام، وأطلق في الراد فعم الحر والعبد والبالغ والصبي والجعل للمولى كما في (البدائع) وما إذا رده بنفسه أو بنائبه ولو تعدد الراد كان الجعل بين الكل، أو المردود عليه كان الجعل بقدر النصيب فلو غاب البعض ليس للحاضر أخذه حتى يعطي تمام الجعل ولا يكون متبرعا بالزائد بل يرجع به لأنه مضطر إليه، أو المردود بأن رد أمة مع ولدها الذي قارب الحلم تعدد الجعل فلو كان رضيعا لم يتعدد كما في (كافي) الحاكم.
لكن في (عقد الفرائد) اتفق الأصحاب أن الصغير الذي يجب الجعل برده في قول محمد هو الذي يعقل الإباق نص عليه في (المحيط) حيث قال: إن الطفل ما لم يعقل الإباق ويميزه لا يكون آبقا بل ضالا ثم قال: ومفهوم كونه رضيعا أنه لو كان غير رضيع وجب الجعلان وينبغي أن يشترط مع الفطام أن يعقل الإباق كما مر عن (المحيط) انتهى.
وفي (التاتارخانية) قالوا: ما ذكر من الجواب في الصغير محمول على ما إذا كان يعقل الإباق فإن لم يعقل كان ضالا فلا جعل فيه انتهى، وبهذا ظهر أن كونه قارب الحلم ليس قيدا واعلم أنه يستثنى من هذا العموم ما لو رده السلطان أو الشحنة أو الحقير كما في (المبسوط) أو من يعول اليتيم أو الوصي أو من استعان به المولى كما في (الفتح) وغيره أو أحد الزوجين على الآخر أو الولد وإن لم يكن في عياله وأما الأب وباقي الأقارب فإن كانوا في عيال المالك لا تجب وإلا وجب، والعذر للمصنف أنه لم يستوف جميع الأحكام على أنه ما من عام إلا وقد خص (ولو) كانت (قيمته) أي: العبد (أقل منها) يعني يجب أربعون عند أبي يوسف لأن التقدير بها ثبت بالنص فلا ينقص عنها، وقال محمد: يقضى بقيمته إلا درهما لأن المقصود إحياء ماله فلا بد أن يسلم له شيء تحقيقا للفائدة، وذكر القدوري وغيره قول الإمام مع محمد، (وإن ردها لأقل منها فبحسابه) بأن يقسم الأربعين على الأيام لكل يوم ثلاثة عشر وثلث.
وفي (الينابيع) معزيا إلى (النوازل) قال أبو بكر: لو رده في أقل من ثلاثة أيام ففي قول أصحابنا يستحب أن يرضخ له ولا يجبر عليه وإنما يكون الجعل واجبا إذا كان آبقا منذ ثلاثة أيام قال الفقيه: ليس هذا قول أصحابنا في الآبق وإنما أجابوا مثل هذا في الضال وأما في الآبق فقالوا: يستحق أن يجعل له على قدر المكان الذي بعث إليه وقولهم: يجعل له ذلك دليل على أنه يجب ويجبر أن يعطيه بحساب ذلك وبه نأخذ انتهى.
стр. 1270
وأم الولد والمدبر كالقن وإن أبق من الراد لا يضمن ويشهد أنه أخذه ليرده.
ــ
لكن المذكور في (الأصل) وبه جزم في (الهداية) أنه يرضخ له أي: يعطي عطاء غير كثير ويقدر ذلك / باصطلاحهما أو يفوض ذلك إلى رأي القاضي يقدره بحسب ما يراه، قالوا وهذا هو الأشبه بالاعتبار كذا في (الفتح) وفي (التتارخانية) وهو الصحيح وعليه الفتوى، وإطلاقه يعم ما لو رده في المصر والمذكور في (الأصل) أنه يرضخ له وهو الأصح، وعن الإمام أنه لا شيء ومقتضى ما في (الكتاب) أنه يستحق بحسابه أيضا، ولو برهن أحدهما أنه رده من مدة سفر والآخر أنه رده من يومين كان على المولى جعل تام يختص منه الأول بيوم والباقي بينهما.
ولو أقام أحدهما البينة أنه أخذه بالكوفة والآخر أنه أخذه من طريق البصرة على مسيرة يومين اختص الأول بثلث الجعل وكان الباقي بينهما كذا في (المحيط) (وأم الولد والمدبر) يجب الجعل في ردهما (كالقن) لأنه أحيا ماليتهما له إما باعتبار الرقبة كما في المدبر أو باعتبار الكسب كما في أم الولد عنده وهذا الإطلاق قيده الشارح تبعا لصاحب (الهداية) بما إذا ردها في حياة المولى أما بعد موته فلا جعل لأن أم الولد تعتق بالموت وكذا المدير إن خرج من الثلث وإن لم يخرج فكذلك عندهما وعند الإمام هو كالمكاتب ولا جعل فيه انتهى.
وحاصله أن ما في (الكتاب) من أن المدبر مطلقا كالقن ليس على إطلاقه وما في (البحر) من أن التقييد لا حاجة إليه لأنهما يعتقان بموته ولا شيء في رد الحر مدفوع بما قد سمعته من أن المدبر إذا لم يخرج من الثلث يعتق عنده ولو مات المولى بعد الرد وعليه ديون قدم الجعل على سائر الغرماء وقسم الباقي كما في (البدائع) (وإن أبق من الراد لا يضمن) هذا الإطلاق مقيد بما إذا أشهد أو محمول على أنه لم يتمكن من الإشهاد والقول له في ذلك كما في (التاتارخانية) وعلى كل تقدير فهو أمانة في يده ولا ضمانة فيها، وعلى هذا لو مات في يده وعلم من مفهوم قوله أولا من رده إلى آخره أنه لا جعل له لأنه في هذه الحالة لم يرده فلدا لم يذكره.
ومن ثم قالوا: لو أنكر إباقه فلا جعل له إلا أن يبرهن على إباقه أو على إقرار المولى بذلك كما في (الشرح) ولو رده بعد إباقه آخر إن كان الثاني أخذه من المصر فلا جعل له أيضا (ويشهد أنه أخذه ليرده) لأن ترك الإشهاد أنه أخذ لنفسه فإذا ابق من يده أو مات كان ضامنا ولا جعل له لو رده لأنه يسقط الضمان عن نفسه وهذا عندهما وقال أبو يوسف: الإشهاد ليس بشرط فيستحق الجعل فلا ضمان عليه إذا ادعى أنه أخذه للردن وأجمعوا أنه لو أقر أنه أخذه لنفسه أو اشتراه من الأخذ أو انتهبه أو أوصى له به أو ورثه لا يستحق الجعل بالرد إلا إذا أشهد عند الشراء أنه إنما اشتراه
стр. 1271
وجعل الرهن على المرتهن وأمر نفقته كاللقطة.
ــ
ليرده على المالك غير أنه يكون بالثمن متبرعا، وينبغي أنه لو أشهد عند قبوله الهبة أو الوصية أنه يرجع أيضا، وقدمنا أنه مقيد بالإمكان (وجعل الرهن على المرتهن) لأنه بالرد أحيا ماليته التي هي حق المرتهن ألا ترى أنه بالإباق سقط دينه وبالرد عاد، لا فرق في ذلك بين رده في حياة الراهن أو بعد الموت وهذا الإطلاق قيده في (الهداية) بما إذا كانت قيمته مثل ذلك الدين أو أقل، فإن كانت أكثر قسم الجعل عليهما فما أصاب الدين كان على المرتهن والباقي على الراهن.
قالوا: وجعل المغصوب على الغاصب وينبغي أن لا يرجع به على المالك كما قال بعضهم، والموصى بخدمته لإنسان ورقبته لآخر على صاحب الخدمة في الحال فإذا مضت المدة رجع به على صاحب الرقبة ويباع العبد به والموهوب على الموهوب له يعني إذا قبضه.
وفي (المحيط) لو وهبه للآخذ فإن كان قبل قبض المولى فلا جعل وإلا فعلى المولى بخلاف ما إذا باعه منه حيث الجعل له مطلقا، والجاني خطأ إن اختار المولى الفداء كان عليه وإلا فعلى الأولياء هذا إذا جنى قبل أخذه أما لو جنى في يده خطأ أو عمدا فلا جعل على أحد، والمأذون المديون على من يستقر الملك له فإذا اختار دفعه للغرماء بدأ من ثمنه بالجعل وقسم الباقي بينهم (وأمر نفقته) أي: حكمها (كاللقطة) لا أنه لقطة حقيقية فإذا أنفق عليه بلا إذن ولي الأمر كان متبرعا وكذا بإذنه إن لم يشترط الرجوع وله حبسه للنفقة عند حضور المولى فإن طالت المدة باعه القاضي وحفظ ثمنه إلا أنه لا يؤجره على ما مر.
стр. 1272
كتاب المفقود
هو غائب لم يدر موضعه وحياته وموته فينصب القاضي من يأخذ حقه.
ــ
كتاب المفقود
وهو المعدوم لغة: يقال فقده فقدا وفقدانا / وفقودا عدمه فهو فقيد ومفقودا، وفي (النهاية) أنه من الأضداد، يقال: فقدت الشي أضللته وفقدته طلبته ولا شك أن المفقود ضل عن أهله وهم في طلبه وأنت خبير بأن الطلب ليس ضد إلا أن يكون إطلاق الضد توسعا بناء على أن الطالب سبب للوجدان فأقيم مقامه كذا في (الحواشي السعدية)، وشرعا كما في (الفتح): غائب لم يدر حياته ولا موته وهو المعني بقول المصنف (هو غائب لم يدر موضعه) إذ العلم بالمكان ولو بعد يستلزم العلم بهما غالبا فدخل من أسره العدو (و) لم تعلم (حياته ولا موته) كما في (المحيط).
وفي (التتارخانية) وإذا فقد المرتد ولم يعلم ألحق بدار الحرب أم لا فإنه يوقف ميراثه كالمفقود وحكمه أنه حي في حق نفسه فلا يورث ولا يزوج نساؤه ما لم يثبت موته ببينة أو يبلغ السن الآتي ميت في حق غيره فلا يرث من أحد، (ينصب القاضي من) أي: وكيلا (يأخذ) أي: يقبض (حقه) كغلاته وديونه التي أقر بها غرماؤه ويخاصم في دين وجب بعقده بلا خلاف لا فيما وجب بعقد المفقود ولا في نصيب له في عقار أو عرض في يد رجل ولا في حق من الحقوق إذا جحده من هو عنده أو عليه لأنه ليس بمالك ولا نائب عنه وإنما هو وكيل من جهة القاضي وهو لا يملك الخصومة بلا خلاف فلو قضى القاضي بخصومته كانت قضاء للغائب من غير نائب من قبله وهو لا يجوز وقيل: يجوز عندهما لا عنده كما ذكره الإتقاني عن المختلف في فصل القضاء بالمواريث وكذا لا تسمع الدعوى عليه ولا البينة فيما إذا ادعى إنسان عليه دينا ونحوه لأنهما إنما يسمعان على خصم وهذا الوكيل ليس خصما فيكون قضاء على الغائب وهو لا يجوز إلا إذا أراه القاضي أي: جعله رأيا له كما في (الغاية) و (العناية) فإنه ينفذ لأنه مجتهد فيه وعليه الفتوى كما في (الخلاصة).
قيل: ينبغي أن يتوقف على إمضاء قاض آخر لما أن الخلاف في نفس القضاء وأجيب بالمنع وإنما المجتهد فيه سببه وهو هذه البينة هل تكون حجة من غير خصم حاضر أو لا؟ واستشكله الشارح بأن الخلاف في نفس القضاء وإلا لم يتصور في نفسه أبدا وظاهر كلامهم كما قد علمته أن المراد بالقاضي إما المجتهد أو غير
стр. 1273
ويحفظ ماله ويقوم عليه وينفق منه على قريبه ولادا وزوجته.
ــ
الحنفي يرى ذلك، أما الحنفي فكيف يجعله رأيا له ولا رأي له مع اعتقاده مذهب إمامه، (ويحفظ ماله) الحاصل في بيته صورة ومعنى أو معنى فقط بأن كان يخاف عليه الفساد فيبيعه لأنه تعذر عليه الحفظ صورة أيضا كذا في (الشرح).
والمذكور في (الهداية) أن الذي يبيعه إنما هو القاضي وبهذا التقرير اندفع قوله في (البحر) لم يذكر المصنف بيع شيء من ماله ويقوم عليه لأنه نصب ناظرا لكل عاجز عن نفسه والمفقود كذلك فصار كالصبي والمجنون قال في (البحر): وينبغي أنه إذا كان له وكيل لا ينصب له القاضي لأنه لا ينعزل بفقد موكله لما في (التجنيس) وغيره لو غاب ودفع داره في يد رجل ليعمرها أو دفع ماله ليحفظه وفقد الدافع فله أن يحفظه وليس له أن يعمر الدار إلا بإذن الحاكم لأنه لعله مات ولا يكون الرجل وصيا انتهى.
وأقول: الظاهر أنه لا يملك قبض ديونه التي أقر بها غرماؤه ولا غلاته وحينئذ فيحتاج إلى النصب وكأن هذا هو السر في إطلاقهم نصب الوكيل والله الموفق. (وينفق) المنصوب (منه) أي: من المأخوذ ولو وديعة والحاصل في بيته والواصل من ثمن ما يتسارع إليه الفساد (على قريبه ولادا) نصب على التمييز وهم أصوله وإن علوا وفروعه وإن سفلوا ولم يشترط الفقر في الأصول استغناء بما مر في النفقات (وزوجته) لأن وجوب النفقة لهؤلاء لا يتوقف على القضاء فكان إعانة لهم بخلاف غير الولاد من الأخ ونحوه فإن وجوبها عليه يتوقف فكان قضاء على الغائب وهو لا يجوز وهذا الإطلاق مقيد بالدراهم والدنانير والتبر لأن حقهم في المطعوم والملبوس فإن لم يكن ذلك في ماله احتيج إلى القضاء بالقيمة وهي النقدان وقد علمت أنه على الغائب لا يجوز إلا في الأب فإن له بيع العرض لنفقته استحسانا كما في (المبسوط).
وقدم المصنف في النفقات أن لهؤلاء أخذ النفقة من مودعه ومديونه المقرين بالنكاح والنسب إذا لم يكونا ظاهرين عند القاضي فإن ظاهرا لم يشترط أو أحدهما اشترط الإقرار بما خفي هو الصحيح فإن أنكر الوديعة والدين لم ينتصب أحد من هؤلاء خصما فيه / والمسألة بفروعها في النفقات.
وفي (التتارخانية) لو فقط المكاتب وترك مالا إن كان من جنس بدل كتابته وعلم القاضي بوجوب ذلك عليه تؤدى الكتابة، وإن كان خلاف الجنس لا تؤدى، ولو كان المفقود باع خادما فاستحق من يد المشتري هل يؤديه القاضي من ماله؟ إن كان له مال من جنس الثمن وعلم القاضي بالدين وفي منه وإلا لا، انتهى، وهذا يفيد أن القاضي لو علم بدين عليه هو بدل قرض وكان له من جنسه فإنه يوفيه منه والله
стр. 1274
ولا يفرق بينه وبينها وحكم بموته بعد تسعين سنة وتعتد امرأته وورث منه حينئذ لا قبله ولا يرث من أحد مات. ..
ــ
الموفق (ولا يفرق بينه وبينها) لما أخرجه الدارقطني من حديث المغيرة قال ﷺ : (امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان) وأخرج عبد الرزاق (أن عليا قال في امرأة المفقود: هي امرأة ابتلت فلتصبر حتى يأتيها موت أو طلاق) وهذا بيان للبيان في الحديث (وحكم بموته بعد تسعين سنة).
اعلم أن ظاهر الرواية عن الإمام أنه لا يحكم بموته إلا بموت أقرانه في السن من أهل بلده وقيل: من جميع البلدان، قال خواهر زاده: والأول أصح، قال السرخسي: وهذا أليق بالفقه لأن نصب المقادير بالرأي لا يجوز غير أن الغالب أن الإنسان لا يعيش بعد أقرانه وأنت خبير بأن التفحص عن موت الأقران غير ممكن أو فيه حرج فعن هذا اختار المشايخ تقديره بالسن ثم اختلفوا فاختار المصنف أنه تسعون وفي (الهداية) وهو الأرفق.
قال في (الكافي): و (الوجيز) وعليه الفتوى وروى الحسن مائة وعشرين سنة، وعن أبي يوسف مائة وفي (التتارخانية) معزيا إلى (الحاوي) وبه نأخذ وفيها عن (التهذيب) الفتوى على تقديره بثمانين واختار المتأخرون تقديره بستين وهذا الاختلاف إنما نشأ من اختلاف الرأي في أن الغالب هذا أو مطلقا، قال في (الفتح): والأحسن عندي التقدير بسبعين لخبر (أعمار أعمتي ما بين الستين إلى السبعين) وقيل: يفوض إلى رأي القاضي فأي وقت رأى المصلحة حكم بموته، قال الشارح: وهو المختار.
وفي (الينابيع) قيل: يفوض إلى رأي القاضي ولا تقدير فيه في ظاهر الرواية وفي (القنية) جعل هذا رواية عن الإمام وفي (التتارخانية) ثم طرق موته إما بالبينة أو موت الأقران وطريق قبول هذه البينة أن يجعل القاضي من في يده المال خصما عنه أو ينصب عليه قيما تقبل عليه البينة (وتعتد امرأته وورث منه حينئذ) أي: حين حكم بموته قيد فيهما ويعتق مدبروه وأمهات أولاده كذلك فلا يرثه إلا من كان من ورثته موجودا في ذلك الوقت (لا قبله) إذ الحكمي معتبر بالحقيقي (ولا يرث) المفقود (من أحد) من أقاربه (مات) أي: قبل الحكم بموته لأن بقاءه حيا باستصحاب الحال
стр. 1275
ولو كان مع المفقود وارث يحجب به لم يعط شيئا وإن انتقص حقه به يعطى أقل النصيبين ويوقف الباقي كالحمل.
ــ
وهو إنما يصلح حجة للدفع لا للاستحقاق على ما عرف وعلى هذا قلنا: بأنه إذا علمت حياته قبل الحكم بموته في وقت من الأوقات يرث ممن مات قبل ذلك من أقاربه لاحتمال أن يكون حيا كما في الحمل فإن ثبتت حياته من وقت موته فيها وإلا رد الموقوف لأجله إلى وارث مورثه الذي وقف من ماله، (ولو كان مع المفقود وارث يحجب) أي: الوارث (به) أي: بالمفقود (لم يعط) أي: الوارث (شيئا) كما إذا مات عن بنتين وابن مفقود وابن ابن وبنت ابن فللبنتين النصف والنصف الباقي في يد من كان المال في يده سواء كان في يد أجنبي أو مع البنتين ولا شيء لولد الابن لحجبهم به حيث تصادقوا على الفقد فإن لم يتصادقوا بل قال من في يده المال: إنه مات كان للبنتين الثلثان ويبقى الثلث الباقي في يد من كان المال في يده فإن برهن أولاد الابن على الموت كان لهم الثلث.
وفي (البزازية) لو مات عن ابنين أحدهما مفقود فزعم ورثته حياته والآخر زعم موته لا خصومة بينهما لأن ورثة المفقود اعترفوا أنهم لا حق لهم في التركة فكيف يخاصمون عنه انتهى، (وإن انتقص حقه) أي: الوارث (به) أي: بالمفقود (يعطى أقل النصيبين ويوقف الباقي)، كما إذا تركت زوجا وأما وأختا لأبوين وأخا كذلك مفقود كان للإمام السدس بتقدير الحياة والربع بتقدير الموت وللزوج النصف بتقدير الحياة وبتقدير الموت الربع وكذا للأخت بتقدير وفاته ولها التسع بتقدير الحياة فيعطى لكل منهم الأقل ويوقف الباقي وهذه المسألة موضعها / الفرائض ولذا حذفها القدوري هنا.
وتبعه في (الوافي) و (المجمع) وذكرها المصنف تبعا لصاحب (الهداية) والله الموفق، (كالحمل) أي: كما إذا كان حاجبا للوارث كالإخوة والأخوات والأعمام وبينهم ولا يطعى الوارث شيئا وإن كان غير حاجب كما إذا مات عن زوجة وحمل أو ابنين كذلك يعطى الوارث أقل النصيبين في قول أبي يوسف وعليه الفتوى والله الموفق بمنه وكرمه وجوده وإحسانه.
стр. 1276
كتاب الشركة
شركة الملك أن يملك اثنان عينا إرثا أو شراء وكل أجنبي في قسط.
ــ
كتاب الشركة
ذكرها بعد المفقود لمناسبة خاصة هي أنها قد تتحقق في ماله كما لو مات وله وارث آخر وهي بكسر الشين وإسكان الراء في المعروف ولك فتحها مع كسر الراء وسكونها وشرك ﴿وما لهم فيهما من شرك﴾ (سبأ: ٢٢) والجمع أشراك وشركاء وهي لغة خلط النصيبين بحيث لا يتميز أحدهما سمي العقد بها لأنه سبب لها والإضافة في قولنا شركة العقد بيانية وشرعا عبارة الاشتراك واختلاط النصيبين وفيه تسامح إذ الاختلاط للمال والشركة هي التي مصدر إنما هي الخلط وبهذا عرف أن ركنها في العقد اللفظ المفيد له وفي العين الاختلاط وبعث ﷺ والناس يتشاركون فقررهم عليها وشرط جوازها كون الواحد قابلا للشركة وحكمها صيرورة المجتمع من النصيبين مشتركا وفي شركة العقد صيرورة المعقود عليه أو ما يستفاد به مشتركا بينهما وهي على نوعين نبه على الأول بقوله (شركة الملك) سميت بذلك لحصولها بأسبابه وفائدتها أن كل حاصل منها يكون على قدر المال كم في (السراج).
(أن يملك اثنان عينا) ملكا جبريا أو اختياريا ومثل للأول بقوله (إرثا أو) اختلط مالهما من غير صنع من أحدهما وللثاني بقوله أي: (شراء) ومنه ما لو انتهبا عينا أو استوليا على مال حربي يملك ماله بالاستيلاء أو خلطا مالهما بحيث لا يتميز كالحنطة بالحنطة أو يتعسر كالحنطة بالشعير أو قبلا وصية بعين لهما ولو اقتصر على قوله أن يملك اثنان لعم الكل إلا أنه يفوته بيان أنها على قسمين كما قد علمت.
وفي (منية المفتي) اشترى شيئا ثم أشرك فيه آخر فهذا بيع النصف منه وبه عرف أن الملك لا يشترط فيه المعية بل ولو متعاقبا بقي أن التقييد بالعين يخرج الدين مع أن بعضهم عده من شركة الملك فقيل: مجاز لأن الدين وصف شرعي لا يملك والحق أنه يملك ولذا ملك ما عنه من العين على الاشتراك حتى إذا دفع من عليه الدين إلى أحدهما كان للآخر الرجوع عليه بنصف ما أخذ وليس له أن يقول: هذا الذي أخذته حصتى وما بقي على المديون حصتك ولا يصح من المديون أيضا أن يعطيه شيئا على أنه قضاه وأخر الآخر.
قالوا: والحيلة في اختصاص أحدهما بما أخذه أن يهبه المديون مقدار حصته ويهبه رب الدين حصته (وكل) من شريكي الملك (أجنبي في قسط) بالكسر هو
стр. 1277
صاحبه وشركة العقد أن يقول أحدهما: شاركتك في كذا ويقبل الآخر.
ــ
الحصة والنصيب كما في (القاموس) (صاحبه) وفي بعض النسخ غيره قيل: والأول أولى فلا يجوز أن يتصرف فيه إلا بأمره لعدم تضمنها وكالة قيد بقسط صاحبه لأنه يجوز التصرف في قسطه ببيعه له مطلقا وأما لغيره فكذلك إلا في صورة الخلط والاختلاط فلا يجوز بيعه إلا بإذنه.
قال في (البحر): والظاهر أن البيع ليس بقيد بل المراد الإخراج عن الملك بهبة أو وصية أو صدقة أو أمهار أو بدل خلع وأما الانتفاع ففي البيت والخادم والأرض له الانتفاع بالملك على المفتى به حيث كانت الأرض ينفعها الزرع لا إن لم ينفعها انتهى. والذي في قاضي خان أن لشريكه أن يزرع النصف فقط، وفي (القنية) للقاضي أن يأذن بزراعة الملك وفي الدابة لا يركبها بغير إذنه للتفاوت وأما ما ينتفع به في غيره كالحرث ونحوه فله ذلك لعدم التفاوت كما في (عقد الفرائد).
وقالوا: في الأمة تكون عند أحدهما يوما وعند الآخر يوما ولو خاف أحدهما من صاحبه وطلب وضعها على يد عدل لا يجاب، وفي المكيل والموزون له أن يعزل حصته بغيبة شريكه ولا شيء عليه إن سلم الباقي وإن هلك كان عليهما وباقي الأحكام في الأشياء المشتركة بيناه مستوفى في (الرسالة المباركة في الأشياء المشتركة) فعليك بها تزداد بها فإنها لمن ابتلي بالإفتاء نافعة وأنوار القبول عليها ساطعة.
(وشركة العقد) جعلها المصنف تبعا لصاحب (الهداية) مفاوضة وعنانا وتقبلا ووجوها، قال الإتقاني: وفيه نظر لأنه يوهم أن شركة الصنائع والوجةه مغايرتان للمفاوضة فالأولى / في التقسيم ما ذكره الطحاوي والكرخي وعليه جرى الشارح من أنها على ثلاثة أوجه بالمال والأعمال الوجوه وكل يكون مفاوضة وعنانا (أن يقول أحدهما: شاركتك في كذا) هذا تفسير للإيجاب فيها (ويقول الآخر: قبلت) أي: في كذا من المال أو في كذا من التجارات البزازية أو البقالية في العنان أو في كل مالي ومالك وهما مستويان في جميع التجارات ونحو ذلك كذا في (الفتح).
وتخصيص العموم بالمفاوضة والخصوص بالعنان يوهم أن شركة العنان لا تكون عامة مع أنها تكون عامة أيضا وقد أفصح عن ذلك في (الهداية) حيث قال: كل موضع لم تصح المفاوضة لفقد شرطه ولا يشترط ذلك في العنان كان عنانا لاجتماع شرائط العنان إذ هو قد يكون خاصا وقد يكون عاما انتهى نعم العموم في المفاوضة شرط وذكر شيخ الإسلام في شركة المفاوضة أنها تجوز في نوع خاص كذا في (التتارخانية) بقي أن اللفظ المذكور ليس بلازم فيها بل المعنى ولذا لو دفع له
стр. 1278
وهي مفاوضة إن تضمنت وكالة وكفالة وتساويا مالا وتصرفا ودينا فلا تصح بين حر وعبد وصبي وبالغ. ......
ــ
ألفا وقال: أخرج مثلها واشتر وما كان من ربح فهو بيننا وفعل انعقدت، هذا ويندب الإشهاد عليها (وهي مفاوضة) من التفويض أو من الفوض الذي منه فاض المال إذا عم ومعناه المساواة وما قيل أنها مشتقة منها ففيه تسامح ظاهر. قال الأفوه الأودي:
لا تصلح الناس فوضى لا سراة لهم .... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
إذا تولى سراة الناس أمرهم .... نمى على ذاك أمر الناس وازدادوا
تهدى الأمور بأهل الرأس ما صلحت .... فإن توت فبالجهال ينقادوا
ومعنى البيت لا يصلح أمور الناس حال كونهم متساويين إذا لم يكن لهم أمراء وسادات فإنهم إذا كانوا متساويين فتتحقق المنازعة بينهم والسراة جمع السرى وهو جمع عزيز لا يعرف غيره وقيل اسم جمع للسرى كذا في (العناية) ومعناه السيد الشريف والمحفوظ في السراة فتح السين، (إن تضمنت وكالة وكفالة) بأن عقداها بلفظ المفاوضة وإن لم يعرفا معناها كما في (السراج) لأن هذا اللفظ جعل علما على إتمام المساواة في الشركة وبه تثبت أحكامها إقامة للفظ مقام المعنى وإلا فلا بد من ذكر تمام معناها بأن كان العاقد يقدر على استيفاء معانيها لأن العبرة في العقود للمعاني، وحينئذ فتستلزم وكالة كل منهما عن الآخر في نصف ما يشتريه لتحقق غرض الشركة وكفالة كل منهما للآخر لتحقق المساواة، وأفاد بقوله: تضمنت أن كلا منهما ليس قصديا فاندفع به ما أورد كيف تصح الوكالة بالمجهول وهلا توقفت الكفالة على القبول؟ لأن ذاك فيما قصد منهما على أن الفتوى في الكفالة على الصحة.
قال الشارح: وقوله إن تضمنت وكالة ليس فيه فائدة يمتاز به عن غيرها من أنواع الشركة وفي (البحر) أنه زائد لأن هذا لا يخصها وأنت خبير بأنه لا بدع في ذكر شرط الشيء وإن كان شرطا لآخر، (ويتساويا مالا) تصح في الشركة ولا تضر زيادة ما لا تصح فيه الشركة على ما بينه (وتصرفا) بأن يقدر أحدهما على ما يقدر عليه الآخر.
قال في شرح (الدرر): وهذا مغن عن قوله (ودينا)، وأوضحه في (إيضاح الإصلاح) بأن التساوي في التصرف يستلزم التساوي في الدين وفسر التصرف كالكفالة والوكالة قال: وهذا تصرف دقيق لا يهتدي لأمثاله إلا من له دربة في هذا الفن (فلا تصح) مفاوضة وإن صحت عنانا (بين حر وعبد ولا بين صبي وبالغ) لعدم المساواة وهذا لأن الحر البالغ يملك التصرف والوكالة ولا يملك المملوك شيئا منها
стр. 1279
ومسلم وكافر وما يشتريه كل يقع مشتركا إلا طعام أهله وكسوتهم وكل دين لزم أحدهما بتجارة.
ــ
إلا بإذن المولى كما أن الصبي لا يملك التصرف إلا بإذنه وأما الكفالة فلا يملكها ولو أذنه، وإذا لم تصح بين من ذكر فعدم صحتها بين عبدين ولو مكاتبين وصبيين ولو بالإذن بالأولى وغير خال أن العبدين وإن كانا أهلا للكفالة بالإذن إلا أنها يتفاضلان فيهما لما أنهما يتفاوتان قيمة فلم يتحقق كون كل منهما كفيلا بجميع ما لزم صاحبه (و) لا بين (مسلم وكافر) عندهما وجوزها الثاني مع الكراهة لاستوائهما وكالة وكفالة ولا معتبر بزيادة تصرف يملكه أحدهما ألا ترى أنها تجوز بين الحنفي والشافعي مع تفاوتهما في التصرف في متروك التسمية عمدا ولهما أنه لا تساوي في التصرف فإن الذمي لو / اشترى برأس ماله خمرا أو خنزيرا صح بخلاف المسلم والمساواة بين الحنفي والشافعي ثابتة لأن الدليل على كونه ليس مالا متقوما قائم، وولاية الإلزام بالحاجة ثابتة باتحاد الملة والاعتقاد، ولا خلاف في جوازها بينهما عنانا كما في (السراج) وأما بين المسلم والمرتد فلا تجوز في قولهم هكذا ذكر الكرخي وفي (الأصل) قياس قول أبي يوسف أن تجوز عنده كذا في (الفتح).
وفي (المحيط) أنها موقوفة عنده وعندهما تجوز عنانا فقط وفي (السراج) وكذا المرتدان لو تشاركا وإن شارك مرتدة صحت عنانا لا مفاوضة ومقتضى ما مر عن (الأصل) أنها تصح مفاوضة أيضا على قول أبي يوسف مع الكراهة وفي (التتارخانية) لو ارتد أحدهما بطلت المفاوضة وقالا تصير عنانا وقال قبله: إنها موقوفة عنده والأول يوافق ما مر عن الكرخي والثاني ما عن (المحيط) (وما يشتريه كل) أي: كل واحد منهما (يقع مشتركا) بينهما (إلا طعام أهله) وإدامهم (وكسوتهم) واستئجاره بيتا للسكنى أو دابة للركوب لحاجة كالحج والأمة التي يطؤها استحسانا لاستثنائه عن المفاوضة ضرورة ولا يتوهم من اختصاصه بذلك أن الثاني لا يكون كفيلا بالثمن بل يكون كفيلا ويرجع بما أدى على المشتري كما في (السراج) وغيره.
(وكل دين لزم أحدهما بتجارة) كثمن المبيع في البيع الجائز أو قيمته في الفاسد وأجرة ما استأجره ولو لنفسه ومهر المشتراة الموطوءة إذا استحقت كما في (السراج) وما لزمه بالاستقراض في ظاهر الرواية كما في (المحيط) لا فرق في لزومه بين أن يكون بالبينة أو بالإقرار إلا إذا أقر لمن لا تقبل شهادته كأصوله وفروعه وزوجته ولو في عدة البائن فإنه ينفذ عليه خاصة عنده وقالا: يلزم شريطه أيضا إلا لعبده ومكاتبه ولا يرد عليه بأدنى تأمل ما لو اشترى من شريكه جارية ليطأها أو طعاما لأهله فإن البيع صحيح ولا يلزم لأن لزومه إياه يقتضي عدم صحته لأنه يكون مطالبا ومطالبا وكذا لو
стр. 1280
وغصب وكفالة لزم الآخر وتبطل إن وهب لأحدهما أو ورث ما تصح فيه الشركة لا العرض ولا تصح مفاوضة وعنان بغير النقدين والتبر والفلوس.
ــ
اشترى منه شيئا للتجارة لم يصح (وغصب) أراد به ما يشبه التجارة فدخل ضمان الاستهلاك والوديعة وكذا العارية المجحودة أو المستهلكة لأن تقرر الضمان في هذه المواضع يفيد تملك الأصل فتصير في معنى التجارة (وكفالة) بالمال (لزم الآخر) عند الإمام خلافا لهما لأنها مفاوضة انتهى، ولذا لو كانت بغير الأمر أو بالنفس لم يلزمه اتفاقا.
قيل: ولو قال وكل شيء لكان أولى لأن أحدهما لو أجر عبده أو باعه طولب الآخر بالتسليم قيد بما ذكر لأنه لا يلزمه ما لزم الآخر من المهر والخلع والصلح عن دم العمد ونفقة الزوجات والأقارب وأرش الجناية على الآدمي لأن هذه الديون بدل عما لا يصح الاشتراك فيه، أما الجناية على الدابة أو الثوب فتلزمه في قول الإمام ومحمد لما أنه يملك المجني عليه بالضمان قاله الحدادي، وفائدة اللزوم أنه لو ادعى على أحدهما والمباشر غائب كان له أن يستحلفه على العلم، (وبطلت) أي: المفاوضة (إن وهب لأحدهما أو ورث) أو وصل إلى يده ولو بصدقة أو إيصاء (ما تصح فيه الشركة) مما سيأتي بيانه، وكذا لو زادت دراهم أحدهما البيض على دراهم الآخر السود أو دنانيره قبل الشراء لفوات المساواة بقاء وهي شرط كالابتداء لكنها تصير عنانا (لا العرض) لا تبطل بهبة العرض ولا بإرثه لأن التفاوت فيه لا يمنع ابتداء فكذا بقاء وما لم يقبض من الهبة ونحوها كالعرض (ولا تصح مفاوضة وعنان) ذكر المال فيهما (بغير النقدين والتبر) وهو ما كان غير مضروب من الذهب والفضة (والفلوس).
وقيدنا بذكر المال لما قدمناه في أول الباب من أنهما يكونان تقبلا ووجوها وكل منهما يصح بلا مال فلزم اعتبار هذا القيد كما في (العناية) وغيرها وإلا فالإيجاب الجزئي يناقض السلب الكلي فلا يصحان بالعرض لأنه إذا باع كل منهما رأس ماله وتفاضلا ثمنا فما يستحقه أحدهما من الزيادة قي مال صاحبه ربح ما لم يضمن وما لم يملك ولا بالمكيل والموزون والعددي المتقارب قبل الخلط بجنسه وأما بعده فكذلك في ظاهر الرواية فيكون المخلوط شركة ملك وهو قول الثاني وقال محمد: شركة عقد، وأثر الخلاف يظهر في استحقاق المشروط من الربح وأجمعوا أنها عند اختلاف الجنس لا تنعقد وجعل التبر كالنقدين رواية كتاب الصرف وجعله في شركة (الأصل) / و (الجامع) كالعرض وهو ظاهر المذهب إلا إذا جرى التعامل فينزل منزلة الضرب.
قال في (البحر): وعليه يحمل ما في (الكتاب) وفيه نظر وأراد بالفلوس
стр. 1281
النافقة ولو باع كل نصف عرضه بنصف عرض الآخر وعقد الشركة صح.
ــ
الرائجة، قيل: هذا قول محمد وعندهما لا يجوز والأصح أنها تجوز عندهما لأنها أثمان باصطلاح الكل فلا تبطل ما لم يصطلح على ضده وسكت عن إحضار المال وهو صحيح لأنه لا يشترط إحضاره عند العقد بل عند الشراء، حتى لو دفع لرجل ألفا وقال له: أخرج مثلها واشتر بهما وبع والحاصل بيننا أنصافا فبرهن المأمور على أنه فعل ذلك وأحضر المال وقت الشراء جاز.
وفي (الذخيرة) دفع إلى آخر ألفا وقال: اشتر بها بيني وبينك نصفين والربح لنا والوضعية عليها فهلك المال قبل الشراء فلا ضمان عليه وهذا شركة، ولو بعد الشراء كان عليهما (ولو باع كل) أي: كل واحد منهما (نصف عرضه) أي: نصف ماله من العروض (بنصف عرض الآخر وعقدا بعد ذلك عقد الشركة) مفاوضة أو عنانا (يصح) بيان للحيلة في جواز الشركة بالعروض توسعة على الناس وهذا لأنه بالبيع صار بينهما شركة ملك حتى لا يجوز لأحدهما أن يتصرف في نصف الآخر وبالعقد صارت شركة عقد فتجوز إذ المانع من كون رأس المال عرضا لزوم ربح ما لم يضمن وجهالة ما لكل منهما عند القسمة وكل منهما منتف وبه اندفه ما قيل هذا على قياس قول محمد في المكيل والموزون وهو قول الكل، عليه تواردت كلمة أهل المذهب وهو الحق وعلى قياس قول أبي يوسف لا يجوز أن يكون مضافة إلى حالة بيعها العروض بالدراهم وعقد الشركة يحتمل الإضافة لكن قال صاحب (الهداية): وهذه شركة ملك لما بينا أن العروض لا يصلح مال الشركة.
قال في (الفتح) تبعا (للكافي): وهو مشكل ووجهه كما في (العناية) بأنه لو كان المراد شركة الملك لم يحتج إلى قوله ثم عقد الشركة، قال في (البحر): ولعله أي: صاحب (الفتح) فهم أن الإشارة عائدة إلى الكل وليس كذلك وإنما هي راجعة إلى البيع فقط.
واقول: كيف يصح هذا مع قوله لما بينا أن العروض لا يصلح مال الشركة نعم ذكر الأكمل عن شيخه عبد العزيز البخاري وشيخه هو الإمام قوام الدين الكاكي وصرح الكاكي هنا بأنه أخذ عن صاحب (الهداية) ما حاصله أن ما ذكره المصنف تبعا للقدوري من جواز الشركة اختيار شيخ الإسلام وصاحب (الذخيرة) وشرح الطحاوي واختار شمس الأئمة وصاحب (الهداية) أنه لا يجوز عقد الشركة اتفاقا وهو أقرب إلى الفقه لبقاء جهالة رأس المال والربح عند القسمة بخلاف ما إذا باع نصف عرضه بنصف دراهم صاحبه ثم اشتركا لأن الدراهم بهذا القد صارت نصفين بينهما فيكون ذلك رأس مالهما ثم بينا حكم الشركة في العروض تبعا انتهى.
стр. 1282
وعنان إن تضمنت وكالة فقط وتصح مع التساوي في المال دون الربح وعكسه.
ــ
قال في (الفتح): ولا يخفى ضعف هذا إذ فسادها بالعروض ليس لذاتها بل للازم الباطل وعلمت أنه منتف وفي (الحواشي السعدية) وكون هذا أقرب إلى الفقه منظور فيه لأن هذه الجهالة لبقاء الجهالة لا تفضي إلى المنازعة وقيد بقوله: نصف عرضه بنصف عرض الآخر ليشمل المفاوضة والعنان نعم قوله بنصف عرض الآخر اتفاقي لما مر.
وفي (المحيط): اشتركا في طعام لهما شركة خلط وأحدهما أجود جازت وكان الثمن بينهما لأن هذا يشبه البيع حين خلطاه على أنه بينهما وفي موضع آخر نص في هذا الكتاب أنه يقسم الثمن على قيمة الجيد وقيمة الرديء يوم باعا انتهى، والثاني بالقواعد أليق، (و) هي (عنان) بوزن كتاب كما في (القاموس) وقيل: بفتح العين من عنان السماء أي: سحابة لأنها علت كالسحاب بصحتها وشهرتها ولذا اتفقوا على صحتها وهي مأخوذة من عن كذا عرض أو ظهر له أن يشاركه في البعض من ماله وقيل: من عنان الفرس لأن كلا منهما جعل عنان التصرف في ماله لرفيقه وبعضه لنفسه ويجوز تفاوتهما في المال والربح كما يتفاوت العنان في كف الفارس طولا وقصرا في حالتي الإرخاء وضده.
قال في (الفتح): إلا أنه اشتقاق غير صحيح إلا فيما سمع ولا بد منه كما في استحجر الطين وأمثاله يعني: أن اشتقاق اسم المعنى من اسم العين مقصور على السماع وأنت خبير بأن هذا بتقدير تسليمه الظاهر أنه مسموع يف والذاهب إليه الإمامان الكسائي والأصمعي والواحد منهما حجة في اللغة فكيف بهما، (إن تضمنت وكالة فقط) بيان لشرطها وهو أن يكون التصرف المعقود عليه عقد الشرك قابلا / للوكالة ليكون ما يستفاد منه مشتركا بينهما ونبه بقوله فقط لأنها لا تتضمن كفالة بأن عقداها في نوع من التجارات ولم يذكر الكفالة لاختصاصها بالمفاوضة ومن ثم صحت بين البالغ والصبي أو معتوه يغفل البيع والشراء فلو ذكرنا الكفالة مع توفر باقي شروطها انعقدت مفاوضة وإن لم تكن متوفرة كانت عنانا ثم هل تبطل الكفالة يمكن أن يقال: تبطل وأن يقال: لا تبطل لأن المعتبر فيها عدم اعتبار الكفالة لاعتبار عدمها كما أنها تكون عنانا مع العموم.
قال في (الفتح): وقد يرجح الأول بأنها كفالة بمجهول فلا تصح إلا ضمنا فإذا لم تكن مما يتضمنها الشركة لم يكن ثبوتها إلا قصدا (وتصح) شركة العنان (مع المتساوي في المال دون الربح وعكسه) وهو التفاضل في المال دون الربح، اعلم أنهما إذا شرطا العمل عليهما وتساويا مالا وتفاوتا ربحا جاز عند علمائنا الثلاثة خلافا لزفر
стр. 1283
وببعض المال وبخلاف الجنس وعدم خلط وطولب المشتري بالثمن فقط ورجع على شريكه بحصته منه وتبطل المالين أو أحدهما قبل الشراء
ــ
والربح بينهما على ما شرطا وإن عمل أحدهما فقط، وإن شرطاه على أحدهما فإن شرطا الربح بينهما بمقدار رأس مالهما جاز ويكون مال الذي لا عمل له بضاعة عند العامل له ربحه وعليه وضيعته وإن شرطا الربح للعامل أكثر من رأس ماله جاز أيضاً على الشرط ويكون مال الدافع عند العامل بضاعة لكل واحد منهما بربح ماله والوضيعة بينهما على قدر رأس مالهما أبداً هذا حاصل ما في (العناية) وبقي من الأقسام ما لو شرطا كل الربح لأحدهما فإنه لا يجوز لأنه حينئذ يخرج إلى قرض إن شرط للعامل أو بضاعة إن شرط لرب المال وبهذا عرف أن في كلام المصنف إرسالاً غير واقع.
وفي (الظهيرية) قال أحد الشريكين لصاحبه: لا أعمل معك في الشركة فهذا بمنزلة قوله فاسختك (و) تصح أيضاً (ببعض المال) أي: مال كل واحد منهما (وبخلاف الجنس) بأن يكون من أحدهما دراهم ومن الآخر دنانير والوصف أيضاً بأن تكون دراهم أحدهما بيضاً والثاني سوداً وإن تفاوتت قيمتها، والربح على ما شرطا لأن لفظها لا يقتضي المساواة ولا ينبئ عنه ليعتبر في مفهومه، (وعدم الخلط) أي: تصح أيضاً بعدم الخلط للمالين لأن الشركة في الربح مستندة إلى العقد لا المال (وطولب المشتري) من شريكي العنان (بالثمن) أي: بثمن ما اشتراه لأنه العاقد (فقط) أي: دون شريكه الآخر لعدم تضمنها كفالة (ورجع على شريكه بحصته منه) معناه إن أدى المال نفسه لأنه وكيل من جهته في حصته كذا في (الهداية) واحترز به عما لو نفد من مال الشركة فإنه لا يرجع وهذا القيد أهمله المصنف كالقدوري للعلم به من قوله: يرجع لظهور أنه لا يكون إلا إذا أداه من مال نفسه.
ولو ادعى بعد الهلاك أنه اشتراه للشركة كان عليه البيان (وتبطل الشركة بهلاك المالين) لأن المعقود عليه عقد الشركة هو المال المعين لتعينه في الشركة كالهبة والوصية وبهلاك المعقود عليه يبطل العقد كما في البيع، (أو) هلاك (أحدهما) لأن من بقي ماله لم يشركه صاحبه في ماله ولا يشركه هو أيضاً في ماله بتقدير بقائه فإذا فات ذلك ظهر وقوع ما لم يكن راضياً به عند عقد الشركة فيبطل العقد لعدم فائدته من الاشتراك فيما يستفاد، وغير خاف أن هلاك أحدهما إنما يتصور قبل الخلط سواء هلك في يد صاحبه أو في يد الآخر ويهلك عليه لأنه أمانة في يده أما بعد الخلط فالهلاك عليهما لعدم التمييز والباقي على الشركة وإن هلك الكل بطلت، (قبل الشراء) قيد به لأنه لو هلك أحدهما بعد الشراء بالمال الآخر كان المشتري بينهما
стр. 1284
وإن اشترى أحدهما بماله وهلك مال الآخر فالمشتري بينهما ورجع على شريكه بحصته منه وتفسد إن شرط لأحدهما دراهم مسماة من الربح ولكل من شريكي العنان والمفاوضة أن يبضع ويستأجر ويودع ويضارب
ــ
وقد كشف نقاب هذا المفهوم بقوله: (وإن اشترى أحدهما بماله وهلك مال الآخر فالمشترى) بالفتح (بينهما) على ما شرطا لقيام الشركة وقت الشراء لأن الهلاك لم يقع قبله ليبطل فلا يعتبر بهلاك مال الآخر ثم هذه الشركة في المشترى شركة عقد عند محمد فلكل منهما أن يتصرف فيه.
وقال الحسن بن زياد: شركة ملك فلا يصح تصرف أحدهما إلا في نصيبه وظاهر كلام كثير ترجيح قول محمد ويجب أن تكون الواو في قوله: وهلك بمعنى ثم لأنه لو اشترى بماله بعد هلاك مال الآخر لا يكون المشترى مشتركاً بينهما على ما شرط إلا إذا صرحا بالوكالة في عقد الشركة بأن قالا: على ما اشتراه كل منهما بمال هذا يكون مشتركاً.
وفي (المحيط) لو كان لأحد شريكي العنان مائة دينار قيمتها ألف وخمسمائة والآخر ألف واشترط الربح والوضيعة على قدر رأس المال فاشترى صاحب الدراهم/ جارية ثم هلك الدنانير فالجارية بينهما وربحها أخماساً ثلاثة أخماس لصاحب الدنانير وخمسان لصاحب الدراهم (ورجع على شريكه بحصته منه) أي: من الثمن لأنه وكيل عنه في حصته وقد قضى الثمن من ماله فيرجع عليه بحسابه لعدم الرضا بدون ضمانة، (وتفسد) الشركة (وإن شرط لأحدهما دراهم مسماة من الربح) بأن قال أحدهما: لي مائة من الربح مثلاً والباقي يقسم.
قال ابن المنذر: ولا خلاف في هذا لأحد من أهل العلم فإن قلت: الشركة كالمضاربة لا تبطل بالشرط الفاسد فكيف بطلت هنا؟ قلت: إنما بطلت لا لأن هذا شرط فاسد بل لأن هذا الشرط تنتفي به الشركة إذ عساه أن لا يخرج إلا قدر المسمى فيكون اشتراط جميع الربح لأحدهما على ذلك التقدير مخرج على القرض أو البضاعة، (ولكل من شريكي العنان والمفاوضة أن يبضع) أي: يدفع المال بضاعة بأن يشترط الربح كله لرب المال (ويستأجر) من يتجر له أو يحفظ له المال (ويودع) لأنه استحفاظ بدون أجر إذا جاز بالأجر فبدونه أولى (ويضارب) أي: يدفع المال مضاربة وهذا رواية (الأصل) وهو الأصح، وعن الإمام ليس له ذلك لأن فيه نوع شركة.
قلنا: هي غير مقصودة وأما إذا أخذ مالاً مضاربة فإن أخذه ليتصرف فيما ليس من تجارتهما فالربح له خاصة وكذا فيما هو من تجارتهما إذا كان بحضرة صاحبه ولو مع غيبته أو مطلقاً كان الربح بينهما نصفه لشريكه ونصفه بين المضارب ورب المال
стр. 1285
ويوكل ويده في المال أمانة
ــ
كذا في (المحيط) (ويوكل) لأن هذا من توابع التجارة وبقي أن له أن يعير ثوباً أو داراً أو خادماً استحساناً كذا في (كافي) الحاكم، والصحيح من مذهب الإمام ومحمد أن لكل منهما أن يسافر وكذا للمبضع والمودع قاله الحدادي، وكل ما كان لأحدهما إذا نهاه عنه شريكه لم يكن له فعله ولهذا لو قال له: اخرج لدمياط ولا تجاوزها فجاوزها فهلك المال ضمن حصة شريكه كذا في (الفتح).
وفي (السراج): للمفاوض أن يدفع المال شركة عنان وأن يفاوض بإذن شريكه وله أن يرهن عبداً من المفاوضة بدين عليهما وكذا عليه فقط، وله أن يقر بالرهن والارتهان وله أن يكاتب عبداً وأن يأذن له في التجارة وأن ينهى وكيل شريكه عما وكل فيه إن كان قبل الشراء، وليس للشريك عناناً أن يرهن شيئاً من مال الشركة بدين عليهما إلا أن يكون هو العاقد في موجب الدين أو بإذن شريكه ولا يشارك عناناً إلا بإذنه أيضاً، وإقراره بالرهن والارتهان عند ولايته العقد صحيح، ولا أن يكاتب وليس لأحدهما الإقرار إلا بإذن شريكه إذناً صريحاً فيه هذا كله إذا لم يقل له اعمل برأيك فإن قال: له الشركة والمضاربة والرهن وكل شيء كان من أنواع التجارات إلا القرض والهبة وكل ما كان من التبرعات انتهى. (ويده) أي: الشريك (في المال) الذي في يده للشركة (أمانة) لأنه قبضه بإذنه لا على وجه البدل والوثيقة فيصير كالوديعة فلو ادعى دفعه لشريكه وأنكر حلف وكذا المضارب مع رب المال كما في (البزازية) ولو ادعاه بعد موته.
قال في (البحر): ظاهر ما في (الولوالجية) من الوكالة يفيد أنه كذلك حيث قال: ادعى الوكيل الدفع في الحياة وأنكر الوارث فإن كان المقصود نفي الضمان عن نفسه كالوكيل بقبض العين فالقول قوله، وإن كان المقصود إيجاب الدين على الميت كالوكيل بقبض الدين لا يقبل قوله، قال في (البحر): وقد وقعت حادثتان: الأولى نهاه عن البيع نسيئة فباع فأجبت بنفاذه في حصته وتوقفه في حصة شريكه فإذا أجاز قسم الربح بينهما، الثانية نهاه عن الإخراج فخرج ثم ربح فأجبت بأنه غاصب حصة شريكه بالإخراج فينبغي أن لا يكون الربح على الشرط انتهى.
ومقتضاه فساد الشركة وتفرع على كونه أمانة أيضاً ما في (فتاوى) قارئ (الهداية) وقد سئل عن شريك طلب من شريكه أو من عامل في المضاربة حساب ما باعه وأصرفه فقال: لا أعلم هل يلزم بعمل محاسبته؟ فأجاب بأن القول قول الشريك والمضارب في مقدار الربح والخسران مع يمينه ولا يلزمه أن يذكر الأمر مفضلاً والقول قوله في الضياع والرد إلى الشريك انتهى، وعلى هذا الوصي ومتولي الوقف إذا
стр. 1286
وتقبل إن اشترك خياطان أو خياط وصباغ على أن يتقبلا الأعمال
ــ
قالا: لم يبق معنا من مال اليتيم والوقف إلا هذا فينبغي أن لا يلزما بذكر الأمر مفصلاً وقضاة زماننا ليس لهم قصد بالمحاسبة إلا/ الوصول إلى ما يرومونه من ذلك من سحت المحصول ولقد رأيت بعض قضاة الطريق النواب يدعي به على نائبه عند بعض الموالي فلم يلتفت إليه والله تعالى هو الهادي للصواب، (وتقبل) عطف على مفاوضته.
قال في (البحر): وظاهره أن التقبل والوجوه غير المفاوضة والعنان وقد قدمنا خلافه، وفي (البزازية) وشركة التقبل والوجوه قد تكون مفاوضة وعناناً فالعنان ما تكون في تجارة خاصة والمفاوضة تكون في التجارات انتهى. والتحقيق أن ما مر من المفاوضة والعنان فيما إذا ذكر المال فيهما وأما إذا لم يذكر فيكونان وجوهاً وتقبلاً كما أشرنا إليه وتسمى أيضاً شركة الصناع والأبدان والأعمال وإنما جاز هذا النوع من الشركة لأن المقصود منها إنما هو تحصيل الربح على الاشتراك وهو لا يقتصر على المال بل يكون بالعمل أيضاً فإذا وكل كل منهما الآخر بقبول العمل كان واحد أصيلاً في نصف العمل المتقبل وكيلاً في النصف الآخر فتحققت الشركة في الربح فإن لم يعمل إلا أحدهما كان العامل معيناً شريكه فيما لزمه، ونبه بقوله: (إن اشترك خياطان أو خياط وصباغ على) أنه لا يشترط فيها اتحاد العمل بل ولا المكان أيضاً لان ما مر من المعنى المجوز لها لا يختلف وفيه إيماء إلى أن المشترك فيه حلال حتى لو اشتركا في حرام لم تصح كما في (البزازية)، وفيها اشتركا على أن يعمل بأداته في بيت هذا والكسب بينهما جاز وكذا سائر الصناعات، ولو من أحدهما أداة القصارة والعمل من الآخر فسدت والربح للعامل وعليه أجر مثل الأداة، ولو اشتركا معلمان لحفظ الصبيان وتعليم الكتابة والقرآن جاز هو المختار، وفي (الخانية) وكذا لو اشتركا في تعليم الفقه يعني بناء على جواز أخذ الأجرة على القربات على ما عليه الفتوى.
وفي (القنية) لو اشتركا في نقل كتب الحاج على أن ما رزق الله فهو بينهما نصفان جاز على (أن يتقبلا الأعمال)، نبه بذلك على أنه لو شرط على الصانع أن لا يتقبل لا يجوز لأنه عند السكوت جعل إثباتهما اقتضاء ولا يمكن ذلك مع النفي كذا في (المحيط)، وفي إيماء على أنهما لو اشتركا على أن يتقبل أحدهما ويعمل الآخر جاز كما في (القنية)، لأن من شرط عليه العمل لو تقبل جاز وبه اندفع ما في (البحر) من أن قوله على أن يتقبلا ليس بقيد.
قال: وقوله: خياطان ولو حكما ليشمل ما لو اشتركا في صنعة ولم يحسنهما
стр. 1287
ويكون الكسب بينهما وكل عمل يتقبله أحدهما يلزمهما وكسب أحدهما بينهما ووجوه إن اشتركا بلا مال على أن يشتريا
ــ
أحدهما فإنها صحيحة كما سيأتي ولا حاجة إليه إذ المشترك فيه إنما هو العمل لا خصوص الخياطة، ولذا قالوا: من صور هذه الشركة أن يجلس آخر على دكانه فيطرح عليه العمل بالنصف والقياس أن لا يجوز لأن من أحدهما العمل ومن الآخر الحانوت واستحسن جوازها لأن التقبل من صاحب الحانوت عمل، ولابد أن يكون من أحدهما العمل مما يمكن استحقاقه فلا تجوز شركة الدلالين، ولا شركة القراء في القراءة بالزمزمة لأنها غير مستحقة عليهم، ولا شركة السؤال لأن التوكيل بالسؤال غير صحيح كما في (القنية) (ويكون الكسب بينهما) على ما شرطا ولو شرطا أكثر الربح لأدناهما عملا فالأصح الجواز، (وكل عمل يقبله أحدهما يلزمهما) حتى كان لصاحب الثوب أن يأخذ الشريك بالعمل وللشريك الذي لم يتقبل أن يطالب رب الثوب بالدفع إليه، وهذا ظاهر فيما إذا كانت مفاوضة.
قال في (البحر): وصورها في (المحيط) أن يعقداها على أن يتقبلا ويضمنا العمل جميعاً على التساوي وأن يتساويا في الربح والوضيعة وأن يكون كل واحد منهما كفيلاً فيما لحقه بسبب الشركة، ويكفي عند استجماع شرائطها أن يعقداها مفاوضة كما مر.
وفي (الخانية): شرط على الخياط أن يخيطه بنفسه لا يطالب الآخر بحكم الكفالة أما إذا أطلقاها أو قيداها بالعنان فثبوت هذه الأحكام استحسان ووجهه كما في (الهداية) أن هذه الشركة مقتضية للضمان، ألا ترى أن ما يتقبله كل واحد منهما مضمون على الآخر وبهذا يستحق الأجر بسبب نفاذ تقبله عليه فجرى مجرى المفاوضة في ضمان العمل واقتضاء البدل انتهى، ولعل هذا هو السر في حذف المصنف التنصيص على أنها تتضمن وكالة فقط لأنها إنما تتضمنها في غير هذين الأمرين.
قالوا: وفيما سوى هذين الأمرين فهي باقية على مقتضى العنان ولذا لو أقر أحدهما بدين من ثمن صابون مثلاً أو آجر أجيراً أو بيت أو دكان لمدة مضت لا يصدق على صاحبه إلا ببينة لأن نفاذ الإقرار على الآخر موجب للمفاوضة ولم ينصا عليها (وكسب أحدهما بينهما)، أما العامل فظاهر، وأما/ غيره سواء كان امتناعه عن العمل لعذر سفر أو لم يكن فلأنه لزمه العمل بالتقبل فيكون ضامناً له فيستحقه بالضمان وهو لزوم العمل، ولو شرطا التساوي فيه والتفاضل في الكسب جاز استحساناً وقد مر، ووجوه أن تكون شركة العقد شركة وجوه أيضاً.
(و) فسرها بقوله: (إن اشتركا بلا مال على أن يشتريا) حذف المفعول إيماء إلى
стр. 1288
بوجوههما ويبيعا وتتضمن الوكالة وإن شرطا مناصفة المشتري أو مثالثته فالربح كذلك وبطل شرط الفضل.
فصل في الشركة الفاسدة
ولا تصح شركة في احتطاب واصطياد واستقاء والكسب للعامل
ــ
أنها تكون عامة وخاصة (بوجوههما) أي: بوجاهتهما والجاه مقلوب الوجه وفيه إيماء إلى وجه التسمية وقيل: لأنهما إذا جلسا لتدبير أمر ينظر كل إلى وجه صاحبه وقيل: لأنهما يشتريان من الوجه الذي لا يعرف وتكون مفاوضة بأن يكونا من أهل الكفالة والمشترى بينهما نصفين وعلى كل منهما نصف ثمنه ويتساويان في الربح ويتلفظا بلفظ المفاوضة أو يذكرا مقتضياتها كما سلف فيتحقق الوكالة والكفالة في الأثمان والبياعات وإذا أطلقت كانت عناناً.
وفي (البزازية) في توقيتها روايتان وعلى المنع يكون شرطاً فاسداً ومع هذا لا يفسد واعتبرت بالوكالة (وتتضمن) شركة الوجوه (الوكالة) لأنه بذلك ليتمكن من التحصيل لصاحبه إذ لا ولاية عليه وخصها لأنها تلزمها بخلاف الكفالة فإنها مشروطة بأن تكون مفاوضة كما مر (وإن شرطا مناصفة المشترى) بفتح الراء أي: بأن يكون بينهما نصفين (أو مثالثة) بأن يكون بينهما أثلاثاً (فالربح) يكون (كذلك وبطل شرط الفضل) لأن استحقاق الربح في شركة الوجوه بالضمان وهو على قدر الملك في المشترى فكان الربح الزائد عليه ربح ما لم يضمن بخلاف العنان فإن التفاضل في الربح فيها مع التساوي في المال صحيح لأنها في معنى المضاربة من حيث أن كلا منهما يعمل في مال صاحبه فالتحقت بها والله الموفق للصواب.
فصل في الشركة الفاسدة
تقديم الصحيحة على الفاسدة غني عن إبداء وجهه (ولا تصح الشركة في) نحو (احتطاب واصطياد واستقاء) واحتشاش واجتناء ثمار من جبال وطلب معدن من كنوز ونقل طين من أرض مباحة أو جص أو ملح أو كحل وكذا على أن يلبنا أو يطبخا آجراً من طين مباح لأنها تتضمن وكالة والتوكيل في أخذ المباح غير صحيح فإن كان الطين أو النورة أو سهلة الزجاج مملوكاً فاشتركا على أن يشتريا ذلك ويطبخاه ويبيعاه جاز وهو شركة الوجوه كذا في (الخلاصة)، معزياً إلى الشافعي وتبعه البزازي والعيني.
والمذكور في (فتح القدير) أن هذه من شركة الصنائع والأول أظهر (والكسب للعامل) وحده لفساد الشركة وقد انفرد بالسبب وهو الأخذ والإحزاز حتى لو أخذاه
стр. 1289
وعليه أجر مثل ما للآخر والربح في الشركة الفاسدة بقدر المال وإن شرط الفضل وتبطل الشركة بموت أحدهما ولو حكما
ــ
معاً ثم خلطاه وباعاه كان الثمن بينهما إن علم ما لكل منهما بالكيل أو الوزن أو القيمة وإلا صدق كل منهما في النصف ولا يصدق فيما زاد إلا ببينة (وعليه أجر ما) أي: الذي (للآخر) لأنه استوفى منفعة بعقد فاسد وأفاد بما أنه لا فرق بين كون الذي للأخر عمل كما إذا أعانه في القلع والجمع أو آلة كما لو دفع له بغلاً أو رواية يستقي عليها أو شبكة ليصيد بها، وأطلق في الأجرة إيماء إلى أنه يجب بالغاً ما بلغ وهذا قول محمد.
وقال أبو يوسف: لا يجاوز به نصف ثمن ذلك قيل: وتقديمه في (الهداية) قول محمد وكذا تقديمه في (المبسوط) دليل أبي يوسف دليل على أنهم اختاروا قول محمد كذا في (العناية) وقرر الشارح أن هذا الخلاف في كل إجارة فسدت لكن محله ما إذا كان المسمى معلوماً من وجه دون وجه كالنصف والثمن أما إذا كان معلوماً من كل الوجوه فإنه لا يزاد به على المسمى، أو مجهولاً كما إذا جعل الأجر دابة أو ثوباً وجب الأجر بالغاً ما بلغ (والربح في الشركة الفاسدة) بسائر أنواعها (بقدر المال وإن شرط) أحدهما (الفضل) لأنه إنما عدل عن الأصل وهو تبعية للمال عند صحة التسمية ولم تصح فبطل الشرط، ونبه بقوله بقدر المال على أنه لو كان من أحدهما كان للآخر عند فسادها أجر المثل وعلى ذلك تفرع ما في (القنية) له سفينة اشترك مع أربع على أن يعملوا في السفينة وآلاتها والخمس لصاحب السفينة والباقي بينهم بالسوية فسدت والحاصل لرب السفينة وعليه أجر مثلهم.
وفي (المحيط) دفع دابته لرجل ليؤجرها على أن/ الأجر بينهما فالشركة فاسدة والأجر لرب الدابة وللآخر أجر مثله وكذلك السفينة ولو ليبيع عليها البز فالربح لرب البز وللآخر أجر مثل الدابة لأن منفعة الدابة لا تصلح مال الشركة كالعروض ولو لأحدهما بغل والآخر بعير فاشتركا على أن الأجرة بينهما لا تصح ويقسم الأجر بينهما على مثل أجر البغل والبعير، (وتبطل الشركة بموت أحدهما) علم به الشريك أو لا (ولو) كان الموت (حكماً) نصب على التمييز بأن قضى بلحاقه مرتداً فإن لم يقض به توقف انقطاعها إجماعاً فإن عاد قبل الحكم بقيت وإن مات أو قتل انقطعت وهل تنقلب عناناً في حالة التوقف؟ نفاه الإمام وأثبتاه كذا (الفتح) ملخصاً، هذا وبقي مما تبطل به أمران الأول ما إذا فسخها أحدهما بعلم الآخر وكان المال نقداً فإن كان عروضاً لا رواية في الشركة إنما الرواية في المضاربة من أن الفسخ لا يصح وجعل الطحاوي الشركة كالمضاربة وظاهر المذهب صحة الفسخ فيها دون المضاربة.
стр. 1290
ولم يزك مال الآخر فإن أذن كل وأديا معاً ضمنا ولو متعاقباً ضمن الثاني وإن أذن أحد المتفاوضين بشراء أمة ليطأ ففعل فهي له بلا شيء.
ــ
وفي (الخلاصة) قال أحد: الشريكين لصاحبه أريد أن أشتري هذه الجارية لنفسي فسكت فاشتراها لا تكون له، ولو قال الوكيل ذلك فسكت فاشتراها تكون له وفرق بينهما بأن الوكيل يملك عزل نفسه إذا علم الموكل رضي أم سخط بخلاف الشريط فإن أحد الشريكين لا يملك فسخ الشركة إلا برضى صاحبه، قال في (الفتح): وهذا غلط وقد صحح هو انفراده بالفسخ والمال عروض والتعليل الصحيح ما في (التجنيس) من أن أحدهما لا يملك تغيير موجبها إلا برضى صاحبه، وفي الرضى احتمال يعني: إذا كان ساكتاً والمراد بموجبها وقوع المشتري على اختصاص انتهى.
ولو حمل فرق (الخلاصة) على ما اختاره الطحاوي لكان أولى من نسبته الغلط إليه ووقف في (البحر) بأن المراد بالفسخ الفسخ في خاص وهو المشترى وهذا لا يكفي فيه العلم بخلاف رفع عقدها بالكلية انتهى وأنت خبير بأن تغيير موجبها لا يسمى فسخاً وإنكارها بالفسخ فإنه يكتفي فيه بالعلم وقوله: اعمل فسخ حتى لو عمل الآخر كان ضامناً لقيمة نصيب شريكه، الثاني المجنون فإن مطبقاً اتفسخت وما ربح بعد ذلك للعامل غير أنه يتصدق بربح مال المجنون كذا في (التتارخانية).
(ولم يزك) أحد الشريكين (مال الآخر) بلا إذن لأن الإذن بينهما إنما كان في التجارة والزكاة ليست منها (فإن أذن كل) أي: كل واحد منهما لصاحبه بأدائها عنه (وأديا معاً ضمنا) أي: ضمن كل لصاحبه (ولو) أديا أداء (متعاقباً ضمن الثاني) علم بأداء صاحبه أم لا عند الإمام، والأصح عندهما أنه لا يضمن مطلقاً وعلى هذا الوكيل بأدائها أو بأداء الكفارة لهما أنه مأمور بالأداء وقد أتى به وليس في وسعه إيقاعه زكاة أو كفارة لتعلقه بنية الآمر، وله أنه أتى بغير المأمورية إذ هو إسقاط الفرض عنه ولم يسقط به فصار بالدفع مخالفاً وهذا لأنه بأداء الأمر صار معزولاً عزلاً حكمياً وفيه لا يشترط العلم كما مر.
ولو دفع إلى غيره دراهم ليقضي بها ديناً عليه ثم أدى الدافع الدين أو ذبح المأمور دم الإحصار بعد زواله قيل: على الخلاف أيضاً وقيل: عدم الضمان على الاتفاق، (وإن أذن أحد المتفاوضين) لشريكه (بشراء أمة ليطأ) أي: للوطء (ففعل) أي: اشتراها وأدى الثمن من الشركة (فهي له) أي: للمأذون له بالشراء (بلا شيء) يجب عليه لشريكه عند الإمام وقالا: يرجع عليه بنصف ما أدى لأنه أدى ديناً عليه خاصة من مال مشترك كما في شراء الطعام والكسوة، وله أن الجارية دخلت في
стр. 1291
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشراء على الشركة جرياً على موجب المفاوضة فكان كحال عدم الإذن ثم الإذن له بالوطء يتضمن هبة نصيبه منه إذ لا يحل إلا في الملك ولا يمكن إثباته بالبيع لأنهما لا يملكان تغيير مقتضي العقد ولا من الشريك بعدم تعيين الثمن فكان هبة، وإن كان شائعاً بخلاف الطعام والكسوة لأن ذلك مستثني من الشركة ضرورة فوقع الملك له خاصة وقد أدى الثمن من مال مشترك فيرجع نصفه.
خاتمة: في اختلافهما من في يده المال لو جحد الشركة فالقول له لأن الآخر يدعي استحقاق ما في يده وهو منكر إلا أن يقيم البينة أنه بينهما مفاوضة، أو زادوا بأن ما في يده من شركتهما أو بينهما نصفان فيقضي للمدعي بنصفه.
ولو أقام ذو اليد بينة أنه ميراث قبلت عند محمد خلافاً لأبي يوسف ولو أقر من في يده المال بالمفاوضة ثم عين إنما في يده إرثاً أو هبة وبرهن على ذلك قبلت أي: اتفاقاً والفرق لأبي يوسف أن ذا اليد هنا مقر بالمفاوضة مدع للميراث ولا منافاة بينهما ولذا ثبت دعواه/ وفي الأداء جاحد مدعى عليه وقد صار مقضياً عليه، وسيأتي في الدعوى ما يؤيد قول الثاني إن شاء تعالى ولو كان ذلك بعد موت أحدهما والمال في يد الحي فادعى الورثة بالمفاوضة ورهنوا على ذلك لم يقض بشيء حتى يقيموا البينة أنه كان في يده في حياة الميت أو أنه من شركتهما ولو كان المال في يد الورثة فأقام الحي بينة على المفاوضة وأقاموها على الإرث لم تقبل بينتهم ويقضى للحي بنصفه، وصحح شمس الأئمة أن هذا قولهم جميعاً.
ولو قالوا: مات جدنا وتركه ميراثاً لأبينا وبرهنوا على ذلك لم يقبل في قول أبي يوسف خلافاً لمحمد كذا في (الفتح) ملخصاً، لكن المذكور في (الظهيرية): أنه لو ادعى ذو اليد بعد ما قضى عليه بالنصف شيئاً مما في يده إرثاً أو هبة أو صدقة من جهة غير المدعي فإن كان شهود مدعي المفاوضة شهدوا بها أو أن المال بينهما أو أنه في شركتهما لم تسمع دعواه وإن شهدوا أن مفاوضة فقط قبلت عند محمد خلافاً لأبي يوسف والله الموفق للصواب.
стр. 1292
كتاب الوقف
هو حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة
ــ
كتاب الوقف
مناسبته بالشركة باعتبار أن المقصود بكل منهما الانتفاع بما يزيد على أصل المال إلا أنه في الشركة باق على ملك صاحبه وفي الوقف يخرج عنه عند الأكثر وهو والتحبيس والتسبيل بمعنى، وحبست أكثر استعمالاً، مصدر وقفت أقف حبست ومنه الموقف لحبس الناس فيه للحساب وأوقفت لغة رديئة حتى ادعى المازني أنها لم تعرف من كلام العرب
قال الجوهري: وليس في الكلام أوقفت إلا حرفاً واحداً أوقفت على الأمر الذي كنت عليه، ثم اشتهر في الموقوف فقيل هذا الدار وقف ولذا جمع على أوقاف وقد قال الشافعي رحمه الله تعالى: لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمت وإنما حبس أهل الإسلام وفي وقف (المنية) الرباط أفضل من العتق ومعناه شرعاً عند الإمام ما أفاده بقوله: (وهو حبس العين على) حكم (ملك الواقف والتصدق بالمنفعة) زاد في (الفتح) وتبعه ابن الكمال ليكون التعريف جامعاً أو صرف منفعتها إلى من أحب لأن الوقف يصح لمن يحب من الأغنياء بلا قصد القربة وهو وإن كان لابد في أخذه من القربة بشرط التأبيد كالفقراء ومصالح المسجد لكنه يكون وقفاً قبل انقراض الأغنياء بلا تصدق ويمكن أن يجاب: بأن المراد التصدق ولو في الجملة ويدل عليه ما في (المحيط)، لو وقف على الأغنياء لم يجز لأنه ليس بقربة بخلاف ما لو جعل آخره للفقراء فإنه يكون قربة في الجملة انتهى، والأصح أنه جائز عنده إلا أنه غير لازم بمنزلة العارية.
وفي (الفتح): إذا لم يزل ملكه عنده قبل الحكم فلفظ حبس لا معنى له لأن له التصرف فيه متى شاء فلم يحدث الواقف إلا بمشيئة التصدق بالمنفعة وله أن يترك ذلك متى شاء وهذا القدر كان ثابتاً قبل الوقف بلا ذكر لفظ الوقف فلم يفد لفظ الوقف شيئاً وهذا معنى ما في (المبسوط) من قوله كان أبو حنيفة لا يجيز الوقف أي: لا يجيز الأحكام الذي ذكر غيره أنها أحكام الوقف وحينئذ فقوله من أخذ بظاهر هذا فقال: الوقف لا يجوز عنده صحيح لأنه ظهر أنه لم يثبت به قبل الحكم حكم لم يكن وإذا لم يكن له أثر زائد على ما كان قبله كان كالمعدوم.
ونظر فيه في (البحر) بأن سلب الفائدة مطلقاً غير صحيح لأنه يصح الحكم به
стр. 1293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويحل للفقير أن يأكل منه ويثاب ويتبع شرطه ويصح نصب المتولي عليه وقوله: فقول من أخذ بظاهر هذا اللفظ صحيح غير صحيح، لأنه ظاهره عدم الصحة أصلاً ولم يقل به أحد وإلا لزم أن لا يصح الحكم به، وعندهما هو حبس العين على حكم ملك لله تعالى وسببه كما في (الفتح)، إرادة محبوب النفس في الدنيا ببر الأحياء وفي الآخرة بالتقرب إلى رب الأرباب تعالى وتقدس، ومحله المال المتقوم وشرطه أهلية التبرع من كونه حراً مكلفاً وأن يكون منجزاً غير معلق لما أنه لا يصح تعليقه وأما إضافته فتصح كما في (جامع الفصولين) كقوله: وقفت داري غداً بخلاف إذا جاء غد وغير خاف أن التعليق بالكائن تنجيز فلو قال: إن كانت هذه الدار في ملكي فهي صدقة موقوفة فظهر أنها في ملكه وقت التكلم كانت وقفاً.
وفي (منية المفتي): ضاع له شيء فقال: إن وجدته فلله على أن أقف ارضي هذه فوجده فعليه أن يقف على من يجوز دفع الزكاة إليه، فإن وقف على من لا يجوز دفع الزكاة إليه صح الوقف ولا يخرج عن عهدة النذر انتهى. وفي (البزازية) تعليق كل ما لا/ يحلف به لا يصح والوقف مما لا يحلف به فاندفع النذر لأنه مما يحلف به انتهى، وأن يكون محجوراً بسفه أو دين كذا أطلقه الخصاف.
قال في (الفتح): وينبغي أنه لو وقف السفيه على نفسه ثم جهة لا تنقطع أنه يصح على قول أبي يوسف وهو الصحيح عند المحققين وعند الكل إذا حكم به حاكم ورده في (البحر) بأنه تبرع وهو ليس من أهله ويمكن أن يجاب عنه بأن عدم أهليته للتبرع يعني على غيره لا على نفسه كما هنا واستحقاق الغير له إنما هو بعد موته، ولو وقف بإذن القاضي على ولده صح عند البلخي خلافاً لأبي القاسم الصفار وإن لم يذكر معه اشتراط بيعه وصرف الثمن إلى حاجته، فإن قال: لم يصح الوقف في المختار كما في (البزازية) وأن لا يذكر فيه خيار شرط معلوماً كان أو مجهولاً عند محمد واختاره هلال.
وقال أبو يوسف: إن كان الوقت معلوماً جاز الوقف والشرط، وقال ابن خالد السمتي الشرط باطل فقط، وأن لا يكون مؤقتاً بشهر أو سنة، وفصل هلال بين أن يشترط رجوعها إليه بعد الوقت فيبطل وإلا فلا وظاهر (الخانية) اعتماده وأن يكون مملوكاً حتى لو غصب أرضاً فوقفها ثم اشتراها لا يكون وقفاً منه، أما لو أجازه المالك جاز وهذا هو وقف الفضولي.
وقالوا لوقف المريض المديون الذي أحاط الدين بماله نقض الوقف وبيع للدين أما الصحيح المديون كذلك فوقفه لازم لا ينقض إن كان قبل الحجر اتفاقاً كذا في
стр. 1294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(الفتح) يعني حيث توفرت الشروط، وكذا الراهن لو وقف المرهون المسلم وكان معسراً أبطل القاضي الوقف وباعه فيما عليه كما في (الإسعاف) ويتفرع على هذا الشرط عدم جواز وقف الإقطاعات إلا إذا كانت الأرض مواتاً أو ملكاً للإمام فأقطعها رجلاً، وأغلب أوقاف الأمراء بمصر إنما هي إقطاعات يجعلونها مشتراة صورة من وكيل بيت المال والله أعلم بحقائق الأحوال، وكذا عدم جواز وقف المرتد زمن ردته إن قتل على ذلك أو مات لأن ملكه يزول بها زوالاً موقوفاً بخلاف المرتدة.
ولو ارتد المسلم بطل وقفه ذكره الخصاف، وأن يكون معلوماً حتى لو وقف شيئاً من أرضه ولم يسمعه لا يصح ولو بين بعد ذلك وكذا لو قال: وقفت هذه الأرض أو هذه، نعم لو وقف جميع حصته من هذه الأرض ولم يسم السهام جاز استحساناً ولو قال: وهو ثلث جميع الدار فإذا هو النصف كان الكل وقفاً كما في (الخانية) وبقي من الشروط أن يكون المحل قابلاً وهو كونه عقار أو منقولاً تبعاً ولو مستقلاً فعن الثاني أنه لا يجوز والصحيح ما عن محمد وهو جواز ما جرى فيه التعارف كالمصاحف والكتب ونحوها وذكر الناطفي عن زفر جواز وقف الدراهم والطعام والمكيل والموزون قيل له: كيف يصنع الدراهم؟ قال: يدفعها مضاربة وكذلك يبيع المكيل والموزون بالدراهم والدنانير ويدفعها مضاربة ويتصدق بالفضل.
قيل: فعلى هذا ينبغي أن يجوز إذا قال وقفت هذا الكر على أن يقرض لمن لا بذر له من الفقراء فيدفع إليهم للبذر فإذا حصلوا أخذ ودفع لغيرهم كذا في (الإسعاف) ومقتضى ما مر عن محمد عدم جواز ذلك في الأقطار المصرية لعدم تعارفه بالكلية نعم وقف الدراهم أو الدنانير تعورف في الديار الرومية، ومن المنقول البناء وقد ذكر البقالي اختلافاً في جواز وقفه بدون الأرض وعن محمد أن وقفه في أرض الوقف على الجهة التي وقفت عليها الأرض جائز، وذكر الخصاف أن وقف حوانيت الأوقاف يجوز إن كانت الأرض بإجارة في أيدي الذين بنوها لا يخرجهم السلطان عنها انتهى، وبه عرف جواز وقف البناء على الأرض المحتكرة، وفي (منية المفتي) حانوت لرجل في أرض وقف فأبى صاحبه أن يستأجر الأرض بأجر المثل فإن كانت العمارة لو رفعت يستأجر بأكثر مما يستأجره فإنه يؤمر برفع العمارة وإلا ترك في يده بذلك الأجر انتهى، وبه عرف حكم الزيادة في الأرض المحتكرة، ومن
стр. 1295
والملك يزول بالقضاء
ــ
الشروط أيضاً أن يكون قربة في ذاته وعند المتصرف فلا يضح وقف المسلم والذمي على البيعة أو على فقراء أهل الحرب بخلاف الوقف على فقراء أهل الذمة وفي فقراء المجوسي خلاف حكاه في (القنية).
واختلف الشيخان في اشتراط كونه مفرزاً مسلماً مذكوراً فيه التأبيد أو ما يقوم مقامه خالياً عن اشتراط الواقف الانتفاع بشيء منه قال محمد: لابد من ذلك، وقال أبو يوسف: لا يشترط شيء من ذلك،/ واجتمعوا على اشتراط التأبيد المعنوي نص على ذلك المحققون، وركنه الألفاظ الخاصة كأرضي هذه صدقة موقوفة مؤبدة على المساكين ولا خلاف في ثبوته بهذا بحيث توفرت الشروط وفي قوله موقوفة فقط لا يصح إلا على قول الثاني ورده هلال بأن الوقف يكون على الغني أيضاً ولم يعين فبطل.
لكن قال الشهيد: مشايخ بلخ يفتون بقول أبي يوسف ونحن نفتي به أيضاً للعرف فيه اندفع الرد فإن العرف إذا كان يصرفه للفقراء كان كالتنصيص عليهم كما لو قال: وقفت على الفقراء بخلاف محبوسة أو حبس ولو كان في حبسه مثل هذا يجب أني كون كموقوفة، ولو قال: للسبيل إن تعارفوه وقفاً مؤبداً كان كذلك وإلا سئل فإن قال: أردت الوقف صار وقفاً لأنه محتمل لفظه أو معنى صدقة كان نذراً يتصدق بها أو بثمنها، ولو لم ينو كانت ميراثاً ذكره في (النوازل) وفيها لو قال: جعلتها وقفاً إن تعارفوه كانت وقفاً وإلا سئل فإن أراد الوقف فهو وقف أو الصدقة فهو نذر وهذا عند عدم النية لأنه أدنى فإثباته به عند الاحتمال أولى ولم يذكر في هذا أنها تكون ميراثاً، ولو قال: هي صدقة أو تصدقت بأرضي هذه على المساكين لا تكون وقفاً بل نذراً وحكمه من ولو زاد موقوفة كانت وقفاً لانتفاء احتمال النذر بموقوفه وكذلك حبس صدقة أو صدقة محرمة قيل ومحرمة بمنزلة وقف وهي معروفة عند أهل الحجاز، ولو قال: موقوفة لله تعالى كان كقوله صدقة موقوفة، وفي (الإسعاف): لو قال: موقوفة على وجه الخير أو البر كانت وقفاً على المساكين.
واعلم أن الوقف قد يكون لازماً وهو المنذور كإن قدم ولدي فلله علي أن أقف هذه الدار فقدم فإن وقفها على من لا يجوز دفع الزكاة إليهم جاز في الحكم وبقي نذره وإن على غيرهم سقط وصح النذر به لأن من جنسه واجباً وهو أنه يجب على الإمام أن يتخذ للمسلمين مسجداً من بيت المال أو من مالهم إن لم يكن بيت مال ولا يكون قربة إلا بالنية من الأهل وإلا فإن كان مباحاً وبهذا عرف صفته وحكمه ما مر في تعريفه، (والملك) أي: ملك العين الموقوفة (يزول) عن ملك الواقف (بالقضاء)
стр. 1296
لا إلى مالك ولا يتم حتى يقبض
ــ
وطريقه أنه يسلمه إلى المتولي ثم يظهر الرجوع فيخاصمه إلى القاضي فيقضي بلزومه فينفذ لأنه قضاء في فصل مجتهد فيه كذا قالوا، والظاهر أن هذا لا يتعين طريقاً على قول أبي يوسف بل لو باعه فشهدوا عليه بالوقفية فحكم بلزومه نفذ وهذا لأن الدعوى فيه غير شرط على الصحيح لأن حكمه التصدق بالغلة وهو حق الله تعالى.
ولذا قلنا: حتى لو لم يكن له بينة لا يحلف المدعي عليه لعدم صحة الدعوى كذا في (السراج) و (المنية) وليس القضاء به قضاء على الكافة بخلاف العتق حتى لو ادعى إنسان الملك فيه بعد القضاء قبلت بينته ولا تقبل في العتق كذا في (الخلاصة) قيد بالقضاء، لأن حكم المحكم لا يرفع الخلاف في الأصح وللقاضي إبطاله وعلى هذا فما في (الإسعاف) من أن الواقف لو كان مجتهداً يرى لزوم الوقف فأمضى رأيه فيه وعزم على زوال ملكه عنه أو مقلداً فسئل فأفتى بالجواز فقبله وعزم على ذلك لزم الوقف ولا يصح الرجوع فيه وإن تبدل رأي المجتهد أو أفتى المقلد بعدم اللزوم بعد ذلك لظاهر ضعفه وأفاد أنه لو علقه بموته كما إذا مت فقد وقفت داري على كذا أن ملكه لا يزول به.
قال في (الهداية): وهو الصحيح إلا أنه تصدق بمنافعه مؤبداً فيصير بمنزلة الوصية بالمنافع مؤبداً فيلزمه انتهى وإنما كان هذا هو الصحيح لما يلزم على مقابله من جواز تعليق الوقف وهو لا يقبل التعليق بخلاف ما لو قال: إذا مت فاجعلوها وقفاً فإنه يجوز لأنه تعليق التوكيل لا تعليق الوقف لنفسه، وفي (الشرح) علق الوقف بموته ثم مات صح ولزم إذا خرج من الثلث لأن الوصية بالمعدوم جائزة كالوصية بالمنافع ويكون ملك الميت باقياً حكماً يتصدق منه دائماً وإن لم يخرج من الثلث يجوز بقدر الثلث ويبقي الباقي إلى أن يظهر له مال أو يجيز الورثة فإن لم يظهر أو هم لم يجيزوا قسمت الغلة بينهما/ أثلاثاً ثلثه للوقف وثلثاه للورثة وفي (الهداية) وقف في مرض موته.
قال الطحاوي: هو بمنزلة الوصية بعد الموت والصحيح أنه لا يلزم عند أبي حنيفة وعندهما يلزم إلا أنه يعتبر من الثلث والوقف في الصحة من جميع المال وباقي تفاريع وقف المريض مذكور في (الإسعاف) والخصاف وأودعنا شيئاً من ذلك في كتابنا (إجابة السائل باختصار أنفع الوسائل) (ولا يتم الوقف حتى يقبض) شروع في شروطه الخاصة عند محمد وقد علمت أنها أربعة فإن قلت: هذا مناف لقوله أولاً والملك يزول بالقضاء إذ مفاده أنه يزول بغيره ولو توفرت هذه الشروط كلها قلت: الأولى أن يحمل ما قاله أولاً على بيان مسألة إجماعية هي أن الملك يزول أما
стр. 1297
ويفرز ويجعل آخره لجهة لا تنقطع
ــ
إذا خلا عن القضاء فلا يزول إلا بعد هذه الشروط عند محمد واختاره المصنف تبعاً لعامة المشايخ وعليه الفتوى.
وكثير من المشايخ اختاروا قول أبي يوسف وقالوا: إن عليه الفتوى ولم يرجح أحد قول الإمام وبهذا التقرير اندفع ما في (البحر) كيف مشي أولاً على قول الإمام وثانياً على قول غيره وهذا مما لا ينبغي يعني في المتون الموضوعة للتعليم ولم يقل: للمتولي لأن تسليم كل شيء عنده بما يليق به كما سيأتي في آخر الكتاب وأثر الخلاف يظهر فيما لو عزل الواقف القيم لا ينعزل ولا تولاه بنفسه ليس له ذلك، أو مات وأوصى كانت الولاية للقيم لا للوصي عند محمد خلافاً لأبي يوسف (ويفرز) فلا يجوز وقف المشاع وهذا الشرط وإن كان مفرعاً على اشتراط القبض لأن القسمة من تمامه إلا أنه نص عليه إيضاحاً، وأبو يوسف لما لم يشترط التسليم أجاز وقف المشاع والخلاف فيما يقبل القسمة أما ما لا يقبلها كالحمام والبئر والرحى فيجوز اتفاقاً إلا في المسجد والمقبرة لأن بقاء الشركة يمنع الخلوص لله.
ولا خلاف أيضاً أن الأرض لو كانت بين رجلين فوقفاها على بعض الوجوه ودفعاها إلى وال يقوم عليها جاز لوجود القبض من الوالي في الكل جملة واحدة، ولو استحق جزء غير معين بطل الوقف في الباقي عند محمد بخلاف ما لو رجع الواهب في البعض لأن الشيوع طارئ، (ويجعل آخره لجهة) أي: جهة قربة (لا تنقطع) بيان لاشتراط التأبيد فيه وقد قيل: إنه شرط إجماعاً غير أنه عند الثاني لا يشترط ذكره لأن لفظة الوقف والصدقة منبئة عنه حتى لو وقف على ولده وولد ولده ونسلهم أبداً يصح عنده فإذا انقرضوا كانت للفقراء.
قال في (الهداية): وهو الصحيح وعند محمد يشترط ذكره فلا يصح وقدمنا أن التأبيد معنى شرط اتفاقاً كما نص عليه المحققون ولو وقف على نسل زيد إن ذكر جماعة بأعيانهم لا يصح عند أبي يوسف أيضاً لأن تعيين الموقوف عليه يمنع إرادة غيره بخلاف ما إذا لم يعين لجعله إياه وقفاً على الفقراء إلا أن يرى أنه فرق بين قوله: أرضي هذه موقوفة ينصرف إلى الفقراء عرفاً فإذا ذكر الولد صار مقيداً فلا يفيد العرف كذا في (الإسعاف).
وإذا عرف هذا فما في (الأجناس) عن الثاني لو وقف على رجل بعينه فإذا مات رجع الوقف إلى ورثة الواقف وعليه الفتوى علله في (المبسوط) بأن اشتراط العود إلى ورثة الواقف عند زوال حاجة الموقوف عليه لا يفوت موجب العقد عنده فأما عند
стр. 1298
وصح وقف العقار ببقره وأكرته
ــ
محمد التأبيد شرط فاشتراط عوده يبطل هذا الشرط فيكون مبطلاً للوقف إلا أن يجعل ذلك وصية بعد موته، على أن التأبيد ليس بشرط رواية عند ضعيفة كما قد علمته والله الموفق.
(وصح وقف العقار) وهو الأرض مبنية أو غير مبنية ويدخل البناء تبعاً كذا في (الفتح)، وفي (القاموس): العقار الضيعة وهو المناسب لقوله: (ببقره وأكرته) بفتح الهمزة والكاف عبيده الحراثون كذا في (الفتح) وقيل الأكار الزراع وهو قريب من الثاني وتدخل الأشجار في وقف الأرض وكذا الشرب والطريق استحساناً دون الثمرة القائمة وقته وإن لم تؤكل كالرياحين ولو قال: بحقوقها وجميع ما فيها ومنها إلا أنه يلزمه التصدق بها على وجه النذر استحساناً، ولا يدخل الزرع إلا ما كان له أصل لا يقطع في سنة والحاصل أن كل شجرة تقطع غير داخلة وما لا يقطع في سنة تدخل فيدخل أصول الباذنجان وقصب السكر ويدخل في وقف الحمام القدر وملقى سرقينه ورماده ولا يدخل مسيل ما في/ الأرض المملوكة أو طريقة كذا في (الفتح)، وفي (منية المفتي): جعل أرضه مقبرة وفيها أشجار فلورثته أن يقطعوا الأشجار انتهى، قال في (الفتح): جعلت غلة كرمي وقفاً صار الكرم مع الغلة وقفاً.
فرع
إذا كانت الدار مشهورة معروفة صح دفعها وإن لم تحدد استغناء بشهرتها عن تحديدها وهو ظاهر في أنها لو لم تكن مشهورة فلابد من تحديدها، وفي (منية المفتي) وقف ضيعة يذكر حدود المستثنيات من المقابر والطرقات والمساجد والحياض العامة ثم رقم لابد من ذكر حدودها ثم رقم إن أمكن ثم رقم بأنه لا يصح بدون التحديد.
وفي (الخلاصة) شهدا أنه وقف أرضه ولم يحددها لنا ولكنا لا نعرف أرضه لا تقبل شهادتهما ولو قالا: لا نعرف له غيرها لعل له أرضاً أخرى لا يعلمان بها وفي قوله وأكرته إيماء إلى أن العبيد لا يصح وقفهم إلا تبعاً للعقار وإليه يشير قول صاحب (الهداية) لأنه تبع للأرض في تحصيلها ما هو المقصود فأفاد أنه لو وقف داراً وفيها عبد وجعل العبد تبعاً لها لا يصح وفي (الخلاصة) يجوز وقف الغلمان والجواري على مصالح الرباط وإذا صح الوقف كان حكمه حكم الرقيق من أنه لا يجوز بلا إذن.
وظاهر قوله في (البزازية) لو زوج الحاكم جارية الوقف جاز وعبده لا يجوز ولو من أمة الوقف لأنه يلزمه المهر والنفقة يريد أن المتولي ليس له ذلك بالأولى، وأما
стр. 1299
ومشاع قضى بجوازه ومنقول فيه تعامل
ــ
الأمة فالظاهر أنه لا يملكه إلا بإذن الحاكم، ولو جنى فعلى المتولي اختيار الأصلح من الدفع أو الفداء ولو فداه بأكثر من أرش الجناية كان متطوعاً في الزائد، وفي (البزازية): جناية عبد الوقف في مال الوقف ولو قتل عمداً لا قصاص فيه انتهى بل يجب قيمته يشتري بها المتولي عبداً يصير وقفاً كما لو قتل خطا ونفقته في مال الوقف وإن لم يشترطها الواقف، ولو مرض إلا إذا قال لعملتهم فيها فلا يعطي المريض، ولو باع العاجز واشترى بثمنه عبداً مكانه جاز كذا في (الإسعاف).
فرع
وقف عقاراً على مسجد ومدرسة هيا مكاناً لبنائها قبل أن يبنيها اختلف المتأخرون والصحيح الجواز وتصرف غلتها إلى الفقراء إلى أن يبنى فإذا بنيت ردت إليها الغلة أخذا من الوقف على أولاد فلان ولا أولاد له حكموا بصحته وتصرف غلته إلى الفقراء إلى أن يولد لفلان كذا في (الفتح) وينبغي أنه لو وقفه على مدرسة يدرس فيها المدرس مع طلبته فدرس في غيرها لتعذر التدريس فيها أن تصرف العلوفة له دون الفقراء كما هو الواقع في الديار الرومية، (و) صح وقف (مشاع قضي بجوازه) لأنه قضى في فصل مجتهد فيه ولو كان حنيفاً اعتمد قول أبو يوسف لما علمت من ترجيحه وقد قالوا: إذا كان في المسألة قولان مرجحان جاز القضاء والإفتاء بأحدهما.
(و) صح أيضاً وقف (منقول فيه تعامل) للناس خصه لأنه محل الخلاف. اعلم أن وقف المنقول تبعاً جائز وقد مر ومقصوداً كالكراع والسلاح أي الخيل ويدخل في حكمه الإبل لأن العرب يجاهدون عليها وكذا السلاح يحمل عليها كذا في (الهداية)، وفي (المجتبى) المراد به الخيل والحمير والبغال والإبل والثيران التي يحمل عليها والمراد من السلاح ما يستعمل في الحرب ويكون معداً للقتال وما في (الهداية) أولى لقولهم: لا خلاف بين الشيخين في جواز وقف هذين للآثار المشهورة في ذلك والقياس أن لا يجوز لانتفاء التأبيد والأخبار إنما وردت في آلة الجهاد ولا خفاء أن ماعدا الخيل والإبل ليس آلة له عادة وأما ما فيه تعامل فعن محمد جوازه أيضاً كالفأس والمر والقدوم والمنشار والجنازة وثيابها والقدور والمراجل والمصاحف لأن القياس قد يترك بالتعامل أيضاً كما في الاستصناع وعليه عامة فقهاء الأمصار وقد مر أنه الصحيح، وبه عرف أن وقف الحمير والبغال والثيران لا يجوز إذ لا أثر في ذلك ولا تعامل واختلفوا في وقف الكتب والفتوى على جوازه كما في (الخانية).
وفي (الخلاصة): وقف مصحفاً على أهل مسجد لقراءة القرآن إن كانوا يحصون جاز وإن وقف على المسجد جاز ويقرأ في ذلك الموضع، وذكر في موضع آخر لا
стр. 1300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكون مقصوراً على هذا المسجد، وبهذا عرف حكم نقل كتب الأوقاف من محالها للانتفاع بها والفقهاء بذلك مبتلون فإن كان الواقف وقفها على المستحقين في وقفه لا يجوز نقلها ولا سيما إذا كان الناقل ليس منهم وإن على طلبة العلم وجعل مقرها في خزانته التي في مكان كذا ففي جواز النقل تردد.
وفي (القنية): سبل/ مصحفاً في مسجد بعينه للقراءة ليس له بعد ذلك أن يدفعه إلى آخر من غير أهل تلك المحلة للقراءة يوافق الأول لا ما ذكر في موضع آخر هذا ما ظهر بعد الفحص عن المسألة.
قال في (الفتح): وقد زاد بعض المشايخ أشياء من المنقول على ما قاله محمد لما رأوا من جريان التعامل فيها ففي (الخلاصة) وقف بقرة على أن ما يخرج من لبنها وسمنها لأبناء السبيل قال: إن كان ذلك في موضع غلب ذلك في أوقافهم رجوت أن يكون جائزاً وقدمنا وقف الدراهم والمكيل والموزون ومن الفروع وقف المنقول وقف داراً فيها حمامات يخرجن ويرجعن يدخل في وقفه الحمامات الأهلية وقال الفقيه: وهو كوقف الضيعة مع الثيران، وفي (البزازية) وقف الأكسية على الفقراء جائز وتدفع إلى الفقراء في الشتاء ثم يردونها إلى المتولي بعد الشتاء.
قال في (البحر): ولم أر من صرح بحكم وقف السفينة ولا شك في دخولها تحت المنقول الذي لا تعامل فيه وقد وقعت حادثة هي أن المستأجر للدار الموقوفة المشتملة على الأشجار المثمرة هل له أن يأكل من أثمارها إذا لم يعلم شرط الواقف فيها؟ والظاهر أنه إذا لم يعلم شرط الواقف ليس له الأكل وإنما يبيعها المتولي ويصرفها في مصالح الواقف وقد يستأنس لذلك بما في (الحاوي) وما غرس في المساجد من الأشجار المثمرة إن غرس للسبيل وهو وقف العامة كان لكل من دخل المسجد من المسلمين أن يأكل منها
وإن غرس للمسجد لا يجوز وصرفها إلى مصالح المسجد الأهم فالأهم كسائر الموقوف وكذا إن لم يعلم غرض الغارس انتهى.
فرع
مهم من حوادث الفتاوى: له دار كبيرة فيها بيوت وقف بيتاً منها على عتيقه فلان والباقي على أولاده وذريته ونسله وعقبه ثم على عتقائه، قال: الوقف بعد الأولاد إلى العتقاء هل يدخل من خصه بالبيت في الثاني أم لا؟ حكم بعض الموالي بعدم دخوله تمسكاً بما في (هلال) وقف أرضه وجعل غلتها نصفين النصف منها للفقراء والمساكين والنصف الآخر لقرابته فاحتاج فقراء قرابته لأن الذي سماه لهم لا يكفيهم
следующие страницы →