Полный текст (1 611 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
لا إلى مالك ولا يتم حتى يقبض
ــ
وطريقه أنه يسلمه إلى المتولي ثم يظهر الرجوع فيخاصمه إلى القاضي فيقضي بلزومه فينفذ لأنه قضاء في فصل مجتهد فيه كذا قالوا، والظاهر أن هذا لا يتعين طريقاً على قول أبي يوسف بل لو باعه فشهدوا عليه بالوقفية فحكم بلزومه نفذ وهذا لأن الدعوى فيه غير شرط على الصحيح لأن حكمه التصدق بالغلة وهو حق الله تعالى.
ولذا قلنا: حتى لو لم يكن له بينة لا يحلف المدعي عليه لعدم صحة الدعوى كذا في (السراج) و (المنية) وليس القضاء به قضاء على الكافة بخلاف العتق حتى لو ادعى إنسان الملك فيه بعد القضاء قبلت بينته ولا تقبل في العتق كذا في (الخلاصة) قيد بالقضاء، لأن حكم المحكم لا يرفع الخلاف في الأصح وللقاضي إبطاله وعلى هذا فما في (الإسعاف) من أن الواقف لو كان مجتهداً يرى لزوم الوقف فأمضى رأيه فيه وعزم على زوال ملكه عنه أو مقلداً فسئل فأفتى بالجواز فقبله وعزم على ذلك لزم الوقف ولا يصح الرجوع فيه وإن تبدل رأي المجتهد أو أفتى المقلد بعدم اللزوم بعد ذلك لظاهر ضعفه وأفاد أنه لو علقه بموته كما إذا مت فقد وقفت داري على كذا أن ملكه لا يزول به.
قال في (الهداية): وهو الصحيح إلا أنه تصدق بمنافعه مؤبداً فيصير بمنزلة الوصية بالمنافع مؤبداً فيلزمه انتهى وإنما كان هذا هو الصحيح لما يلزم على مقابله من جواز تعليق الوقف وهو لا يقبل التعليق بخلاف ما لو قال: إذا مت فاجعلوها وقفاً فإنه يجوز لأنه تعليق التوكيل لا تعليق الوقف لنفسه، وفي (الشرح) علق الوقف بموته ثم مات صح ولزم إذا خرج من الثلث لأن الوصية بالمعدوم جائزة كالوصية بالمنافع ويكون ملك الميت باقياً حكماً يتصدق منه دائماً وإن لم يخرج من الثلث يجوز بقدر الثلث ويبقي الباقي إلى أن يظهر له مال أو يجيز الورثة فإن لم يظهر أو هم لم يجيزوا قسمت الغلة بينهما/ أثلاثاً ثلثه للوقف وثلثاه للورثة وفي (الهداية) وقف في مرض موته.
قال الطحاوي: هو بمنزلة الوصية بعد الموت والصحيح أنه لا يلزم عند أبي حنيفة وعندهما يلزم إلا أنه يعتبر من الثلث والوقف في الصحة من جميع المال وباقي تفاريع وقف المريض مذكور في (الإسعاف) والخصاف وأودعنا شيئاً من ذلك في كتابنا (إجابة السائل باختصار أنفع الوسائل) (ولا يتم الوقف حتى يقبض) شروع في شروطه الخاصة عند محمد وقد علمت أنها أربعة فإن قلت: هذا مناف لقوله أولاً والملك يزول بالقضاء إذ مفاده أنه يزول بغيره ولو توفرت هذه الشروط كلها قلت: الأولى أن يحمل ما قاله أولاً على بيان مسألة إجماعية هي أن الملك يزول أما
стр. 1297
ويفرز ويجعل آخره لجهة لا تنقطع
ــ
إذا خلا عن القضاء فلا يزول إلا بعد هذه الشروط عند محمد واختاره المصنف تبعاً لعامة المشايخ وعليه الفتوى.
وكثير من المشايخ اختاروا قول أبي يوسف وقالوا: إن عليه الفتوى ولم يرجح أحد قول الإمام وبهذا التقرير اندفع ما في (البحر) كيف مشي أولاً على قول الإمام وثانياً على قول غيره وهذا مما لا ينبغي يعني في المتون الموضوعة للتعليم ولم يقل: للمتولي لأن تسليم كل شيء عنده بما يليق به كما سيأتي في آخر الكتاب وأثر الخلاف يظهر فيما لو عزل الواقف القيم لا ينعزل ولا تولاه بنفسه ليس له ذلك، أو مات وأوصى كانت الولاية للقيم لا للوصي عند محمد خلافاً لأبي يوسف (ويفرز) فلا يجوز وقف المشاع وهذا الشرط وإن كان مفرعاً على اشتراط القبض لأن القسمة من تمامه إلا أنه نص عليه إيضاحاً، وأبو يوسف لما لم يشترط التسليم أجاز وقف المشاع والخلاف فيما يقبل القسمة أما ما لا يقبلها كالحمام والبئر والرحى فيجوز اتفاقاً إلا في المسجد والمقبرة لأن بقاء الشركة يمنع الخلوص لله.
ولا خلاف أيضاً أن الأرض لو كانت بين رجلين فوقفاها على بعض الوجوه ودفعاها إلى وال يقوم عليها جاز لوجود القبض من الوالي في الكل جملة واحدة، ولو استحق جزء غير معين بطل الوقف في الباقي عند محمد بخلاف ما لو رجع الواهب في البعض لأن الشيوع طارئ، (ويجعل آخره لجهة) أي: جهة قربة (لا تنقطع) بيان لاشتراط التأبيد فيه وقد قيل: إنه شرط إجماعاً غير أنه عند الثاني لا يشترط ذكره لأن لفظة الوقف والصدقة منبئة عنه حتى لو وقف على ولده وولد ولده ونسلهم أبداً يصح عنده فإذا انقرضوا كانت للفقراء.
قال في (الهداية): وهو الصحيح وعند محمد يشترط ذكره فلا يصح وقدمنا أن التأبيد معنى شرط اتفاقاً كما نص عليه المحققون ولو وقف على نسل زيد إن ذكر جماعة بأعيانهم لا يصح عند أبي يوسف أيضاً لأن تعيين الموقوف عليه يمنع إرادة غيره بخلاف ما إذا لم يعين لجعله إياه وقفاً على الفقراء إلا أن يرى أنه فرق بين قوله: أرضي هذه موقوفة ينصرف إلى الفقراء عرفاً فإذا ذكر الولد صار مقيداً فلا يفيد العرف كذا في (الإسعاف).
وإذا عرف هذا فما في (الأجناس) عن الثاني لو وقف على رجل بعينه فإذا مات رجع الوقف إلى ورثة الواقف وعليه الفتوى علله في (المبسوط) بأن اشتراط العود إلى ورثة الواقف عند زوال حاجة الموقوف عليه لا يفوت موجب العقد عنده فأما عند
стр. 1298
وصح وقف العقار ببقره وأكرته
ــ
محمد التأبيد شرط فاشتراط عوده يبطل هذا الشرط فيكون مبطلاً للوقف إلا أن يجعل ذلك وصية بعد موته، على أن التأبيد ليس بشرط رواية عند ضعيفة كما قد علمته والله الموفق.
(وصح وقف العقار) وهو الأرض مبنية أو غير مبنية ويدخل البناء تبعاً كذا في (الفتح)، وفي (القاموس): العقار الضيعة وهو المناسب لقوله: (ببقره وأكرته) بفتح الهمزة والكاف عبيده الحراثون كذا في (الفتح) وقيل الأكار الزراع وهو قريب من الثاني وتدخل الأشجار في وقف الأرض وكذا الشرب والطريق استحساناً دون الثمرة القائمة وقته وإن لم تؤكل كالرياحين ولو قال: بحقوقها وجميع ما فيها ومنها إلا أنه يلزمه التصدق بها على وجه النذر استحساناً، ولا يدخل الزرع إلا ما كان له أصل لا يقطع في سنة والحاصل أن كل شجرة تقطع غير داخلة وما لا يقطع في سنة تدخل فيدخل أصول الباذنجان وقصب السكر ويدخل في وقف الحمام القدر وملقى سرقينه ورماده ولا يدخل مسيل ما في/ الأرض المملوكة أو طريقة كذا في (الفتح)، وفي (منية المفتي): جعل أرضه مقبرة وفيها أشجار فلورثته أن يقطعوا الأشجار انتهى، قال في (الفتح): جعلت غلة كرمي وقفاً صار الكرم مع الغلة وقفاً.
فرع
إذا كانت الدار مشهورة معروفة صح دفعها وإن لم تحدد استغناء بشهرتها عن تحديدها وهو ظاهر في أنها لو لم تكن مشهورة فلابد من تحديدها، وفي (منية المفتي) وقف ضيعة يذكر حدود المستثنيات من المقابر والطرقات والمساجد والحياض العامة ثم رقم لابد من ذكر حدودها ثم رقم إن أمكن ثم رقم بأنه لا يصح بدون التحديد.
وفي (الخلاصة) شهدا أنه وقف أرضه ولم يحددها لنا ولكنا لا نعرف أرضه لا تقبل شهادتهما ولو قالا: لا نعرف له غيرها لعل له أرضاً أخرى لا يعلمان بها وفي قوله وأكرته إيماء إلى أن العبيد لا يصح وقفهم إلا تبعاً للعقار وإليه يشير قول صاحب (الهداية) لأنه تبع للأرض في تحصيلها ما هو المقصود فأفاد أنه لو وقف داراً وفيها عبد وجعل العبد تبعاً لها لا يصح وفي (الخلاصة) يجوز وقف الغلمان والجواري على مصالح الرباط وإذا صح الوقف كان حكمه حكم الرقيق من أنه لا يجوز بلا إذن.
وظاهر قوله في (البزازية) لو زوج الحاكم جارية الوقف جاز وعبده لا يجوز ولو من أمة الوقف لأنه يلزمه المهر والنفقة يريد أن المتولي ليس له ذلك بالأولى، وأما
стр. 1299
ومشاع قضى بجوازه ومنقول فيه تعامل
ــ
الأمة فالظاهر أنه لا يملكه إلا بإذن الحاكم، ولو جنى فعلى المتولي اختيار الأصلح من الدفع أو الفداء ولو فداه بأكثر من أرش الجناية كان متطوعاً في الزائد، وفي (البزازية): جناية عبد الوقف في مال الوقف ولو قتل عمداً لا قصاص فيه انتهى بل يجب قيمته يشتري بها المتولي عبداً يصير وقفاً كما لو قتل خطا ونفقته في مال الوقف وإن لم يشترطها الواقف، ولو مرض إلا إذا قال لعملتهم فيها فلا يعطي المريض، ولو باع العاجز واشترى بثمنه عبداً مكانه جاز كذا في (الإسعاف).
فرع
وقف عقاراً على مسجد ومدرسة هيا مكاناً لبنائها قبل أن يبنيها اختلف المتأخرون والصحيح الجواز وتصرف غلتها إلى الفقراء إلى أن يبنى فإذا بنيت ردت إليها الغلة أخذا من الوقف على أولاد فلان ولا أولاد له حكموا بصحته وتصرف غلته إلى الفقراء إلى أن يولد لفلان كذا في (الفتح) وينبغي أنه لو وقفه على مدرسة يدرس فيها المدرس مع طلبته فدرس في غيرها لتعذر التدريس فيها أن تصرف العلوفة له دون الفقراء كما هو الواقع في الديار الرومية، (و) صح وقف (مشاع قضي بجوازه) لأنه قضى في فصل مجتهد فيه ولو كان حنيفاً اعتمد قول أبو يوسف لما علمت من ترجيحه وقد قالوا: إذا كان في المسألة قولان مرجحان جاز القضاء والإفتاء بأحدهما.
(و) صح أيضاً وقف (منقول فيه تعامل) للناس خصه لأنه محل الخلاف. اعلم أن وقف المنقول تبعاً جائز وقد مر ومقصوداً كالكراع والسلاح أي الخيل ويدخل في حكمه الإبل لأن العرب يجاهدون عليها وكذا السلاح يحمل عليها كذا في (الهداية)، وفي (المجتبى) المراد به الخيل والحمير والبغال والإبل والثيران التي يحمل عليها والمراد من السلاح ما يستعمل في الحرب ويكون معداً للقتال وما في (الهداية) أولى لقولهم: لا خلاف بين الشيخين في جواز وقف هذين للآثار المشهورة في ذلك والقياس أن لا يجوز لانتفاء التأبيد والأخبار إنما وردت في آلة الجهاد ولا خفاء أن ماعدا الخيل والإبل ليس آلة له عادة وأما ما فيه تعامل فعن محمد جوازه أيضاً كالفأس والمر والقدوم والمنشار والجنازة وثيابها والقدور والمراجل والمصاحف لأن القياس قد يترك بالتعامل أيضاً كما في الاستصناع وعليه عامة فقهاء الأمصار وقد مر أنه الصحيح، وبه عرف أن وقف الحمير والبغال والثيران لا يجوز إذ لا أثر في ذلك ولا تعامل واختلفوا في وقف الكتب والفتوى على جوازه كما في (الخانية).
وفي (الخلاصة): وقف مصحفاً على أهل مسجد لقراءة القرآن إن كانوا يحصون جاز وإن وقف على المسجد جاز ويقرأ في ذلك الموضع، وذكر في موضع آخر لا
стр. 1300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكون مقصوراً على هذا المسجد، وبهذا عرف حكم نقل كتب الأوقاف من محالها للانتفاع بها والفقهاء بذلك مبتلون فإن كان الواقف وقفها على المستحقين في وقفه لا يجوز نقلها ولا سيما إذا كان الناقل ليس منهم وإن على طلبة العلم وجعل مقرها في خزانته التي في مكان كذا ففي جواز النقل تردد.
وفي (القنية): سبل/ مصحفاً في مسجد بعينه للقراءة ليس له بعد ذلك أن يدفعه إلى آخر من غير أهل تلك المحلة للقراءة يوافق الأول لا ما ذكر في موضع آخر هذا ما ظهر بعد الفحص عن المسألة.
قال في (الفتح): وقد زاد بعض المشايخ أشياء من المنقول على ما قاله محمد لما رأوا من جريان التعامل فيها ففي (الخلاصة) وقف بقرة على أن ما يخرج من لبنها وسمنها لأبناء السبيل قال: إن كان ذلك في موضع غلب ذلك في أوقافهم رجوت أن يكون جائزاً وقدمنا وقف الدراهم والمكيل والموزون ومن الفروع وقف المنقول وقف داراً فيها حمامات يخرجن ويرجعن يدخل في وقفه الحمامات الأهلية وقال الفقيه: وهو كوقف الضيعة مع الثيران، وفي (البزازية) وقف الأكسية على الفقراء جائز وتدفع إلى الفقراء في الشتاء ثم يردونها إلى المتولي بعد الشتاء.
قال في (البحر): ولم أر من صرح بحكم وقف السفينة ولا شك في دخولها تحت المنقول الذي لا تعامل فيه وقد وقعت حادثة هي أن المستأجر للدار الموقوفة المشتملة على الأشجار المثمرة هل له أن يأكل من أثمارها إذا لم يعلم شرط الواقف فيها؟ والظاهر أنه إذا لم يعلم شرط الواقف ليس له الأكل وإنما يبيعها المتولي ويصرفها في مصالح الواقف وقد يستأنس لذلك بما في (الحاوي) وما غرس في المساجد من الأشجار المثمرة إن غرس للسبيل وهو وقف العامة كان لكل من دخل المسجد من المسلمين أن يأكل منها
وإن غرس للمسجد لا يجوز وصرفها إلى مصالح المسجد الأهم فالأهم كسائر الموقوف وكذا إن لم يعلم غرض الغارس انتهى.
فرع
مهم من حوادث الفتاوى: له دار كبيرة فيها بيوت وقف بيتاً منها على عتيقه فلان والباقي على أولاده وذريته ونسله وعقبه ثم على عتقائه، قال: الوقف بعد الأولاد إلى العتقاء هل يدخل من خصه بالبيت في الثاني أم لا؟ حكم بعض الموالي بعدم دخوله تمسكاً بما في (هلال) وقف أرضه وجعل غلتها نصفين النصف منها للفقراء والمساكين والنصف الآخر لقرابته فاحتاج فقراء قرابته لأن الذي سماه لهم لا يكفيهم
стр. 1301
ولا يملك الوقف
ــ
أنعطيهم مما جعله للفقراء؟ قال: لا لأن الواقف سمى لهم شيئاً معلوماً فلا أزيد عليه وكذلك لو جعل النصف من الغلة لولده والآخر للفقراء فاحتاج ولده لعدم كفاية النصف له لا يعطي من نصف الفقراء وهكذا ذكر الناصحي وحكم المولى الثاني بعده بدخوله تمسكاً بما في (الذخيرة) و (المحيط البرهاني).
لو جعل نصف غلة أرضه لفقراء قرابته والنصف الآخر للمساكين واحتاج فقراء قرابته هل يعطون من نصف المساكين قال هلال: لا وهو قول ابن خالد الشمني وقال إبراهيم بن يوسف وعلي بن أحمد الفارسي وأبو جعفر الهندواني: يعطون في (الخانية) أوصى لرجل بمال وللفقراء بمال والموصى له محتاج هل يعطى له من نصيب الفقراء اختلفوا قال محمد بن مقاتل وخلف بن شداد: يعطى وقال إبراهيم النخعي والحسن بن زياد: لا يعطي والأول أصح انتهى.
وهذا ملخص رسالة كبيرة لمولانا قاضي القضاة على جلبي وضعها حين نقض حكم مولانا محمد شاه بادرنه وكل منهما رد على صاحبه وقد علمت ما هو المعتمد فاعتمده والله الموفق، (ولا يملك الوقف) بعد ما صح بإجماع الفقهاء فلا يباع ولا يوهب ولا يرهن فلو سكنه المرتهن قال بعضهم عليه أجرة المثل وإن لم تكن الدار معتدة للاستغلال وكذا لو سكنه المشتري من المتولي فجاء الثاني وادعى به على المشتري وأبطل القاضي البيع وسلم الدار إلى الثاني كان عليه أجر المثل كذا في (الخانية) وفي (القنية) سكنها ثم بان أنها وقف أو لصغير يجب أجر المثل انتهى.
ولو هدم المشتري البناء فإن شاء القاضي ضمن البائع قيمته أو المشتري فإن ضمن البائع نفذ البيع لا إن ضمن المشتري غير أن المشتري يملك البناء بالضمان ويكون الضمان للوقف لا للموقوف عليهم كذا في (المحيط) وما في (الخلاصة) احتاج الواقف إلى الوقف يرفع الأمر إلى القاضي حتى يفسخ إن لم يكن مسجلاً وفي (القنية) وقف قديم لا تعرف صحته ولا فساده باعه الموقوف عليه لضرورة وقضى القاضي بصحة البيع ينفذ.
قال في (البحر): محمول على وقف لم يحكم بصحته ولزومه بدليل قوله: لم يكن مسجلاً أي: محكوماً به ومع ذلك الحمل فهو على قول الإمام المرجوح وعلى قولهما المفتى به لا يجوز بيعه قبل الحكم بلزومه ولو قضى بذلك قاضٍ/ حنفي كان باطلاً، وما أفتى به قارئ (الهداية) من صحة الحكم ببيعه قبل الحكم بوقفه فمحمول على أن القاضي مجتهد أو سهواً.
واعلم أن هذا الإطلاق يفيد منع الاستبدال مطلقاً حيث لم يكن ثمة شرط
стр. 1302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويوافقه ما في (الخانية) لو كان الوقف مرسلاً لم يذكر فيه شرط الاستبدال لم يكن له لأن يبيعها ويستبدل بها وإن كانت أرض الوقف سبخة لا ينتفع بها وفي (الخلاصة) قيم خاف من السلطان أو من وارث يغلب على أرض وقف يبيعها ويتصرف بثمنها.
قال الشهيد: والفتوى على أنه لا يبيع ويوافق هذا قول السرخسي بعد ما ذكر مسألة، وبهذا تبين خطأ من يجوز الاستبدال وقد كان ظهير الدين يفتي بجوازه ثم رجع ونقل صدر الشريعة أن أبا يوسف يجوز الاستبدال بغير شرط إذا ضعفت الأرض عن الريع ونحن لا نفتي به، وقد رأينا فيه من الفساد ما لا يعد ولا يحصى فإن ظلمة القضاة جعلوه حيلة إلى إبطال أوقاف المسلمين وفعلوا ما فعلوا.
وفي (فتح القدير) الاستبدال إن كان لا عن شرط فإن كان لخروج الوقف عن انتفاع الموقوف عليهم به فينبغي أن لا يختلف فيه كالصورتين المذكورتين لقاضي خان يعني ما لو غصب أرض الوقف غاصب وأجرى عليها الماء حتى صارت بحراً لا تصلح للزراعة يضمن قيمتها ويشترى به أرض أخرى فتكون وقفاً مكانها والثانية أرض الوقف إذا قل نزلها بحيث لا تحتمل الزراعة ولا تفضل غلتها عن مونتها ويكون صلاح الوقف في الاستبدال بأرض أخرى وإن كان لا لذلك بل اتفق إن أمكن أن يؤخذ بثمن الوقف ما هو خير منه مع كونه منتفعاً به فينبغي أن لا يجوز لأن الواجب إبقاء الوقف على ما كان عليه دون زيادة أخرى ولعل محل ما في (السير الكبير) من أن استبدال الوقف باطل هذا الاستبدال انتهى، وهذا مما ينبغي اعتماده.
وشرط في (الإسعاف) أن يكون المستبدل قاضي الجنة المفسر بذي العلم والعمل زاد في (البحر) أن يكون البدل عقاراً لا درهم ودنانير لما في فتاوى قارئ (الهداية) حين سئل عن صورة الاستبدال وهل هو قول أبي حنيفة وأصحابه؟ فقال: إذا تعين بأن كان الموقوف لا ينتفع به وثم من يرغب فيه ويعطي بدله أرضاً أو داراً لها ريع يعود نفعه إلى جهة الوقف فالاستبدال في هذه الصورة قول أبي يوسف ومحمد وإن كان للوقف ريع ولكن يرغب إنسان في استبداله إن أعطى مكانه بدلاً أكثر ريعاً منه وفي صقع أحسن من صقع الوقف جاز عند القاضي أبو يوسف والعمل عليه وإلا فلا انتهى، ورأيت بعض الموالي يميل إلى هذا ويعتمده وأنت خبير بأن المستبدل إذا كان هو قاضي الجنة فالنفس به مطمئنة ولا يخشى الضياع معه ولو بالدراهم والدنانير والله الموفق. وقد أوضحنا المسألة بأكثر من هذا في كتابنا (إجابة السائل باختصار أنفع الوسائل) فعليك به مستغفراً لمؤلفه هذا ولو اشترى هذا المتولي من غلة الوقف مستقلاً كان له بيعه في الصحيح كما في (الخانية).
стр. 1303
ولا يقسم وإن وقف على أولاده ويبدأ من غلته بعمارته بلا شرط
ــ
وأفاد في (القنية) أنه لا يملك الشراء إلا بإذن القاضي (ولا يقسم) أي: الموقوف بين مستحقه (وإن وقفه على أولاده) لأن حقهم إنما هو في الغلة لا في العين وهذا بالإجماع كما نقله غير واحد، وقد أفصح عن هذا في (القنية) حيث قال: ضيعة موقوفة على الموالي فلهم قسمتها قسمة حفظ وعمارة لا قسمة تملك وعلى هذا تفرع ما في الخصاف وقف داره على سكنى قوم بأعيانهم أو على ولده ونسله ما تناسلوا فإن انقرضوا تكرى وتوضع غلتها للمساكين ليس لأحدهم إجارتها ولو زادت على قدر حاجة سكناه وله الإعارة لا غير، ولو كانت الأولاد ذكوراً وإناثاً وفي الدار مقاصير كان له أن يسكن بزوجته وهي بزوجها وإن لم يكن فيها ذلك لا يستقيم أن يقسم ولا أن تقع فيها مهايأة، وبهذا يعرف أنه لو سكن بعضهم فلم يجد آخر موضعاً يكفيه لا يستوجب الآخر أجرة حصته على صاحبه بل إن أحب أن يسكن معه في بقعة من تلك الدار بلا زوجة أو زوج فعل وإلا تركه المتضيق.
وفي (القنية): أحد الشريكين إذا استعمل الوقف كله بالغلبة بدون إذن الآخر فعليه أجر حصة الشريك سواء كانت وقفاً على سكناهما أو للاستغلال/ وفي الملك المشترك لا يلزم للآخر على الشريك إذا استعمله كله وإن كان معداً للأجرة وليس للشريك الذي لم يستعمل الوقف أن يقول للآخر أن أستعمله بقدر ما استعملته لأن المهايأة إنما تكون بعدم الخصومة.
قال في (البحر): فعلى هذا قول الخصاف لا يستوجب الآخر أجرة معناه قبل السكنى لو طلب أن يجعل عليه شيئاً أما بعد السكنى فالإجارة واجبة، وعندي أن هذا سهو لاختلاف الموضوع وذلك أن ما في (القنية) فيما استعمله بالغلبة وفي (الخصاف) فيما إذا لم يجد الآخر موضعاً يكفيه فتدبره.
في (الإسعاف): لو قسمه الواقف بين أربابه ليزرع كل واحد منهم نصيبه ويكون المزروع له دون شركائه توقف على رضاهم، ولو فعل أهل الوقف ذلك فيما بينهم جاز ولمن أتى منهم بعد ذلك إبطاله (ويبدأ من غلته بعمارته بلا شرط) لثبوته اقتضاء وذلك لأن قصده صرف الغلة أبداً ولا يبقى ذلك إلا بالعمارة، قيد بغلته لأنه لو لم يكن له غلة فإن كان الوقف على قوم لا يحصون لا يؤاخذون بها لعدم تعينهم وإن كان على رجل بعينه أو رجال وبعده للفقراء فهي في ماله مادام حياً، فإذا مات فمن الغلة، ثم العمارة المستحقة عليهم إنما هي بقدر ما يبقى من الموقوف بها على الصفة التي عليها فأما الزيادة فليست بمستحقة فلا تصرف في العمارة إلا برضاه، ولو كان الوقف على الفقراء فكذلك عند البعض وعند آخرين تجوز الزيادة والأول أصح.
стр. 1304
ولو داراً فعمارته على من له السكنى
ــ
في (الخانية) احتاج الوقف إلى العمارة وثم وجه من وجوه البر لو صرفت الغلة إلى المرمة يفوت إن كان في تأخير المرمة إلى الغلة الثانية ضرر بين صرف الغلة إليها وإلا فإلى ذلك البر كفك الأسارى وإعانة الغازي المنقطع انتهى.
وفي (الذخيرة) لو فرق القيم الغلة على المساكين ولم يمسك للخراج شيئاً فإنه يضمن حصة الخراج لأن مقدار الخراج وما يحتاج إليه الوقف من العمارة والمونة مستثنى عن حق الشراء، فإذا دفع إليهم ذلك ضمن، قال في (البحر): وينبغي أنه لا رجوع له لأنه ملكه بالضمان فتبين أنه دفع من مال نفقته كمودع الابن إذا أنفق على الأبوين بغير إذن مالك أو حاكم انتهى.
وأقول: فيه نظر بل مادام المدفوع قائماً في يده له الرجوع لا ما إذا هلك إذ قصارى الأمر أنه هبة وفيها له الرجوع ما دامت العين قائمة بالتراضي أو بقضاء القاضي إلا لمانع فتدبره. وفي (الفتح) وتقطع الجهات الموقوفة عليها للعمارة إن لم يخف ضرر بين فإن خيف قدم وأما الناظر فإن كان المشروط له من الواقف فهو كأحد المستحقين فيقطع أيضاً إلا أن يعمل فيأخذ قدر أجرته وأفاد في (البحر) أن مما يخاف بقطعه الضرر البين الإمام والخطيب فيعطيان المشروط لهما أما المباشر والشاد إذا عملا زمن العمارة فإنما يستحقان بقدر أجرة عملهما لا المشروط.
وأقول: الظاهر أن الإمام والخطيب ليسا قيدا بل المؤذن والوقاد والفراش والملاء كذلك ثم الذي ينبغي أن يراد بالضرر البين الخطيب فقط بشرط أن يتحد في البلد كمكة والمدينة ولم يوجد من يخطب حبسه بإذن الإمام أو نائبه والله الموفق. هذا وأما من يقدم من المستحقين بعد العمارة على غيره فقد بينه في (الحاوي القدسي) حيث قال ما لفظه: والذي يبدأ به من ارتفاع الوقف عمارته شرط الواقف ذلك أم لا ثم ما هو أقرب للعمارة وأعم للمصلحة كالإمام للمسجد والمدرس للمدرسة يصرف إليهم بقدر كفايتهم ثم السراج والبساط هذا إذا لم يكن معيناً فإن كان معيناً على شيء يصرف إليه بعد عمارة البناء ويدخل في الإمام الخطيب لأنه إمام الجمعة وينبغي أن يلحق بهؤلاء المؤذن والميقاتي والناظر وكذلك الشاد والكاتب والجابي زمن العمارة كذا في (الأشباه) وهذا مخالف لمنقول كلامهم كما مر بل الناظر وغيره زمن العمارة إذا عمل كان له أجر مثله كما جرى عليه في (البحر) وهو الحق بقي أن ظاهر ما في (الحاوي) تقديم من ذكر.
ولو شرط الواقف الاستواء عند الضيق، ونازعه بعض الموالي بقول (الحاوي) هذا إذا لم يكن معيناً (ولو) كان الموقوف (داراً فعمارته على من له السكنى) واحداً
стр. 1305
ولو أبى أو عجز عمر الحاكم بأجرتها
ــ
كان أو متعدداً كما علمت لأن الخراج بالضمان وصار كنفقة العبد الموصى بخدمته.
وفي (القنية) بنى واحد من أولاد الموقوف عليهم بعض الدار الموقوفة وطين البعض وجصص البعض فطلب الآخر منه حصته ليسكن فيها فمنعه منها حتى يدفع إليه حصة ما أنفق فيها ليس/ له ذلك والتطيين والجص صار تبعاً للوقف وكلام المصنف كغيره يعطي أن من له الاستغلال لا عمارة عليه لأنه ليس له السكنى بخلاف من له السكنى.
ولذا قال في (الفتح): وليس للموقوف عليهم الدار سكناها بل الاستغلال كما أنه ليس للموقوف عليهم السكنى الاستغلال انتهى، ولو سكن الموقوف عليه الدار هل يجب عليه الأجرة؟.
قال في (البحر): لم أره والذي يظهر أنها إذا احتاجت الترميم وجب فيأخذها المتولي ليعمر بها وإلا فلا لعدم الفائدة، أقول: ولو كان الموقوف عليه متولياً فينبغي أن يجبره القاضي على عمارتها مما وجب عليه من الأجر فإن لم يفعل نصب متولياً يعمرها، وفي (التتاخانية) لو كان الواقف حين شرط الغلة لفلان ما عاش شرط على فلان مرمتها وإصلاحها فيما لا بد لها منه فالوقف جائز مع هذا الشرط، قال في (البحر): وظاهره أنه يجبر على عمارتها وقياسه أن الموقوف عليه السكنى كذلك.
وأقول: الظاهر أنه لا يجبر على عمارتها وسيأتي قريباً ما يؤيده، (ولو أبى) أي: امتنع (أو عجز) عن عمارتها (عمر الحاكم بأجرتها) أي: أجرها الحاكم منه أو من غيره وعمرها بالأجرة ثم ردها بعد ذلك إليه رعاية للحقين.
قال في (الهداية): ولا يجبر الممتنع على العمارة لما فيه من إتلاف ماله فأشبه امتناع صاحب البذر في المزارعة ولا يكون امتناعه رضا منه ببطلان حقه لأنه في حيز التردد انتهى. وأنت خبير بأن هذا بإطلاقه يشمل ما لو شرط الواقف عليه المرمة لأنها حيث كانت عليه كان في إجباره إتلاف ماله وبهذا اتضح ما مر ودل كلام المصنف أن إجارة الموقوف عليه غير صحيحة علله الشارح بأنه غير ناظر ولا مالك.
ومن ثم قال في (جامع الفصولين) الدعوى من الموقوف عليه غير مسموعة على الصحيح وبه يفتى انتهى، وظاهر أنه لو كان ناظراً ملك الإجارة والدعوى فإن أبى أجرها الحاكم، بقي هل له ولاية الإجارة مع عدم إبائه بحكم الولاية العامة؟ جزم في (الأشباه والنظائر) بأنه ليس له ذلك أخذاً مما أفتى به الشيخ قاسم من أنه لو شرط التقرير لناظر ليس لغيره ولاية ذلك ولو كان قاضياً ويدل عليه ما في (القنية) القاضي
стр. 1306
ويصرف نقضه إلى عمارته إن احتاج وإلا حفظه للاحتياج ولا يقسمه بين مستحقي الوقف وإن جعل الواقف غلة الوقف لنفسه
ــ
لا يملك التصرف في مال اليتيم مع وجود وصيه ولو منصوبة وسكت كثير عن حكم العمارة من المتولي أو القاضي.
وفي (المحيط): فإن أجرها القيم وأنفق الأجرة في العمارة فتلك العمارة المحدثة تكون لصحاب السكنى لأن الأجرة بدل المنفعة وتلك المنفعة كانت مستحقة لصاحب السكنى فكذلك بدل المنفعة تكون له والقيم إنما أجر لأجله انتهى، ومقتضاه أنها تورث عنه لو مات.
قال في (الفتح): ولو لم يرض بالعمارة ولم يجد القاضي من يستأجرها لم أر حكم هذه في المنقول من المذهب والحال فيها يؤدي إلى أن تصير نقضاً في الأرض كرماد تسفوه الرياض وخطر له أني يخيره القاضي بين أن يعمرها فيستوفي منفعتها وبين الإمام يردها إلى ورثة الواقف، قال في (البحر): وهو عجيب لأنه لا يستبدلها حينئذ، قال هشام: سمعت محمداً يقول: الوقف إذا صار بحال لا ينتفع به المساكين فللقاضي أن يبيعه ويشتري بثمنه غيره وليس في ذلك إلا للقاضي ذكره في (الذخيرة) أما عوده إلى الواقف أو إلى الورثة فقد قدمنا ضعفه، واعلم أن المسجد إذا خرب وكان في محلة وليس له ريع يعمر منه.
قال في (الفتح): تجب عمارته من بيت المال لأنه من حاجة المسلمين (ويصرف) الحاكم ومعلوم أن التولي له ذلك أيضاً، وبه صرح في (الحاوي) (نقضه) بالضم البناء المنقوض، وعن الثوري أنه بالكسر لا غير كذا في (المغرب) أي: يصرف ما انهدم من بناء الوقف وآلته (إلى عمارته إن احتاج) الأمر إليه بأن حضره الموت وكان المنهدم لقلته لا يخل بالانتفاع فيؤخره للاحتياج وإلا فبالانهدام لتحقق الحاجة فلا معنى للشرط حينئذ نبه عليه في (الفتح)، وأغفله في (البحر) وإن تعذر إعادة عينه إلى موضعه بيع وصرف ثمنه إلى المرمة صرفاً للبدل إلى مصرف المبدل كذا في (الهداية) وهو ظاهر في أن بيعه حيث أمكن إعادة عينه لا يجوز وهل يفسد البيع أو يصح مع إثم المتولي؟
قال في (البحر): لم أره وينبغي الفساد (وإلا) أي: وإن لم يحتج إليه (حفظه للاحتياج) هذا إذا لم يخف عليه الضياع فإن خافه باعه وأمسك ثمنه لعمارته عند الحاجة كذا في (الحاوي)،/ (ولا يقسمه) أي: النقض (بين مستحقي الوقف) لأن حقهم إنما هو في المنافع لا في العين وكذا ينبغي أن لا يقسم أيضاً لو باعه لو قلنا، (ولو جعل الواقف غلة الوقف لنفسه) وعرف منه صحة اشتراط بعضها بالأولى ولا فرق
стр. 1307
أو جعل الولاية إليه صح
ــ
بين كونه معيناً كالنصف والربع أو لا كقوله على أن تقضى منه ديوني وما فضل بعد ذلك يكون للفقراء (وجعل الولاية) أي: ولاية الوقف (إليه صح) أما الأول فهو قول أبي يوسف وعليه الفتوى لما رواه المشايخ (أنه ﵊ كان يأكل من وقفه) ولا يحل ذلك إلا بشرط للإجماع على أنه إذا لم يشترط ذلك لا يحل له وإنما الاختلاف مع الشرط فقال أبو يوسف: يحل ومحمد لا يحل قيل: الخلاف مبني على اشتراط التسليم إلى المتولي شرطه محمد فمنع اشتراط الغلة لنفسه لأنه حينئذ لا ينقطع حقه منه وما شرط القبض إلا لينقطع حقه ولم يشترطه أبو يوسف فجوزه وقيل: بل مسألة مبتدأة.
قال في (الفتح): وهذا أوجه ولو شرط الغلة لأمهات أولاده ومدبريه ما داموا أحياء فإذا ماتوا كان للفقراء رجح في (الهداية) (والمجتبى) أنه على الخلاف أيضاً ورجح غيره أنه صحيح بالاتفاق وهو المذكور في عامة الكتب والفرق لمحمد بين هذا واشتراط الغلة لنفسه أن حريتهم ثبتت بموته فكيف يكون الوقف عليهم كالوقف على الأجانب؟.
قال الخصاف: ولو شرط أن ينفق على نفسه وولده وحشمه وعياله من غلة هذا الوقف فلما جاءت الغلة باعها وقبض الثمن ثم مات قبل أن ينفق ذلك يكون لورثته وفرع في (الهداية) على الخلاف ما لو شرط الاستبدال لنفسه جوزه أبو يوسف وأبطل محمد الشرط والصحيح قول أبي يوسف، وأجمعوا أنه لو شرطه في أصل الوقف صح الشرط كذا في (الخانية) بقي ما لو شرط عدمه ويكون الناظر إذا هم به معزولاً بعمله.
قال الطرسوسي: لم أقف عليه وقواعد المذهب تقتضي أن للقاضي ذلك وقد أوضحناه في الإجابة وحذفنا كثيراً من أحكام الوقف من هذا الشرح استغناء بما فيها من الإشباع والله الموفق، وأما الثاني وهو اشتراط الولاية لنفسه فجائز بالإجماع لأن شرط الواقف معتبر فيراعى كالنصوص غير أن عند محمد يسلمه ثم تكون له الولاية لأن التسليم شرط عنده وذكر هلال في وقفه فقال: وقال أقوام شرط الواقف الولاية لنفسه كانت له وإن لم يشترط لا تكون له ولاية يعني بعض المشايخ.
قال مشايخنا: الأشبه أن يكون هذا قول محمد لا يقال: كيف يكون هذا قول محمد والتسليم شرط عنده لأنا نقول هذا لا ينافي التسليم لأنه يمكنه أن يسلمه ثم يأخذه منه وذكر في (الهداية) أنه يحتمل أن يسقط التسليم عنده إذا شرط الولاية
стр. 1308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لنفسه لأن شرطه يراعى كذا في (الشرح) وتعقبه الشيخ قاسم في بعض رسائله بأن دعوى الإجماع لا تصح لأن المنقول أن اشتراطها يفسد الوقف عند محمد كما في (الذخيرة).
وقوله: إن شرط الواقف يراعى كالنصوص مراده أنه يجب العمل به كالنصوص وهو خلاف ما قاله العلماء، قال شيخ الإسلام: قولهم شرط الواقف كنص الشارع أي: في الولاية والفهم لا في وجوب العمل به وقوله غير أن عند محمد ... ممنوع مما نقله في شرح (السير) وغيره أنه بعدما سلمه له ولاية عزله ويستبدل به وقوله يعني بعض المشايخ معرضاً بأن هلال أدرك بعض أصحاب أبي حنيفة مات سنة خمس وأربعين ومائتين والمشايخ بالاصطلاح يقال: على من دونه ثم من الشراح من فسر قول هلال كما ذكر في (الذخيرة) بأن المراد بالولاية ولاية الملك الثابتة قبل الوقف فإن شرطها لنفسه كانت له ولا يصح الوقف كما قال محمد وإن لم يشترط لم يكن له، وعن هذا قال مشايخنا: الأشبه أن يكون هذا قول محمد وبهذا لا يرد الإشكال الذي أورده في (الهداية) ولحظه الشارح وأجاب عنه بقوله لأنا نقول حينئذ على أنه مردود بما قدمناه عن (السير).
ولفظ محمد في (السير) أنه لو دفعه إلى قيم وشرط أنه إن مات القيم قبله فله أن يقيم فيه من أحب جاز الشرط فيراعى بشرط آخر ولم يمنع هذا الشرط إخراجه من يده فتم الحبس ولا يبطل بعوده إلى يده كيد غيره فقول صاحب (الهداية) في حل الإشكال: تأويل هذا فيما إذا سلمه إلى المتولي وقد كان شرط الولاية لنفسه حين وقفه كان له الولاية بعدما سلمه إلى المتولي فيه سقط وهو موت القيم كما قدمته من لفظ محمد والسغناقي لم يقف على لفظ محمد في كتابه ولا في شروح كتابه وما في (النهاية) لا صحة له ولا لتعليله أما الأول فلما/ تقدم أن اشتراط الولاية مبطل للحبس وأما الثاني فقد قالوا: إنه ليس كل شرط يراعى انتهى ملخصاً.
وأقول: في (فتاوى قاضي خان) ذكر محمد في (السير) أنه إذا وقف ضيعة وأخرجها إلى القيم لا يكون له ولاية بعد ذلك، وأراد شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية الحنبلي فإنه في موضع آخر عزى هذا إلى أبي عبد الله الدمشقي عن شيخه شيخ الإسلام وأبو عبد الله هو ابن مفلح الحنبلي وشيخه هو ابن تيمية وهذا كما ترى لا يلزم أن يكون رأياً للحنفية فالاستدلال به غير قادح وأي مانع من أنه كنص الشارع في وجوب العمل به فإذا شرط عليه أداء خدمة كقراءة أو تدريس وجب عليه إما
стр. 1309
وينزع لو خائناً كالوصي وإن شرط أن لا ينزع.
ــ
العمل أو الترك لمن يعمل حتى لو لم يترك ينبغي أن لا يتردد في إثمه ولا سيما إذا كانت الخدمة مما يلزم بتركها تعطيل شعيرة من شعائر الإسلام كالأذان ونحوه فتدبره، إلا إذا كان شرط الولاية لنفسه وأما إذا لم يشترط فليس له ولاية بعد التسليم.
قال: وهذه المسألة بناء على أن عند محمد التسليم إلى المتولي شرط الوقف فلا يبقى له ولاية بعد التسليم إلا إن شرط الولاية لنفسه ذكره في (الفتح) وقال: أو لا وبنى على الخلاف أي: في اشتراط التسليم وعدمه ما ذكر من أن الواقف إذا شرط الولاية في عزل القيم والاستبدال لنفسه ولأولاده وأخرجه من يده وسلمه إلى متولٍ فهذا جائز نص عليه في (السير الكبير).
وفي (الإسعاف) ذكر هلال والناطفي في ذكر محمد في (السير) أن الواقف إذا وقف ضيعة له وأخرجها إلى القيم لا تكون له الولاية بعد ذلك إلا أن يشترط لنفسه انتهى، وهذا كما ترى صريح في أن اشتراطها صحيح بالإجماع وكون الولاية ولاية الملك بعيد جداً وبه عرف أن مسند المنع محمول على ما إذا لم يشترطها لنفسه فلا يصح الاستناد إليه وما ادعاه في قدح المشايخ كصاحب (النهاية)، وتبعه في (العناية) وفي (فتح القدير) وغاية الأمر أن المشايخ اختلفوا في تأويل ما نقل عن محمد والله الموفق.
وما في (الخلاصة) إذا شرط الواقف أن يكون هو المتولي فعند أبي يوسف الوقف والشرط صحيحان وعند محمد الوقف والشرط باطلان يوافق ما حكاه عن (الذخيرة) لكنه محمول على أنه رواية عن محمد، قيد باشتراطه لأنه لو لم يشترطها كان لو الولاية أيضاً عند أبي يوسف وهو ظاهر المذهب خلافاً لمحمد بناء على اشتراط التسليم (وينزع) المتولي (لو خائناً) أي: يجب على الحاكم نزعه إذا كان غير مأمون على الوقف وكذا لو كان عاجزاً نظراً للوقف وصرح بأن مما يخرج به الناظر ما إذا ظهر به فسق كشرب الخمر ونحوه كذا في (الفتح) وكأنه لأنه قد يصرف مال الوقف فيه فلم يكن مأموناً ونحوه كإن ظهر أنه زان وينبغي أنه لو كان يصرف ماله في الكيمياء أن يعزل أيضاً لما قلنا ومن خيانته امتناعه من العمارة كما في الخصاف ومنها بيعه للوقف بلا مسوغ وظاهر (الذخيرة) أنه لابد من هدم المشتري البناء حيث قال: فإن باع بعض الوقف لترميم الباقي فالبيع باطل فإن هدم المشتري البناء ينبغي للقاضي عزله لأنه صار خائناً والظاهر الإطلاق لما في (القنية) باع شيئاً منه أو رهنه فهو خيانة (كالوصي) أي: كما أنه ينزعه لو خائناً نظراً للصغار (وإن شرط) الواقف (أن لا ينزع) لأنه شرط مخالف لحكم الشرع فيبطله ولو كان الواقف نفسه قيد بكونه خائناً لأنه لا ينزع المأمون المشروط له النظر.
стр. 1310
فصل
ومن بنى مسجداً لم يزل ملكه عنه حتى يفرزه عن ملكه بطريقه ويأذن بالصلاة فيه وإذا صلى فيه وأحد زال ملكه ومن جعل مسجداً تحته سرداب أو فوقه بيت وجعل بابه إلى
ــ
قال في (جامع الفصولين): شرط الواقف أن يكون المتولي من أولاده وأولاد أولاده هل للقاضي أن يولي غيره بلا خيانة ولو ولاه هل يكون متولياً؟ قال شيخ الإسلام برهان الدين في (فوائده): لا، والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.
فصل
لما اختص المسجد بأحكام تخالف مطلق الوقف عند الكل فعند الإمام لا يشترط في زوال الملك عنه حكم الحاكم ولا الإيصاء ولا يجوز مشاعاً عند الثاني ولا يشترط فيه التسليم إلى المتولي عند الثالث فصل يفصل على حدة (من بنى مسجداً) لله تعالى جرى على الغالب لما سيأتي في الساحة ولم يقل في ملكه استغناء بقوله: (لم يزل ملكه عنه حتى يفرزه بطريقه) لأنه لا يخلص لله تعالى إلا به.
وفي (القنية) جعل وسط داره مسجداً وأذن للناس بالدخول والصلاة فيه إن شرط معه الطريق صار مسجداً في قولهم جميعاً وإلا فلا عند أبي حنيفة وقالا: يصير مسجداً ويصير الطريق من حقه من غير شرط كما لو أجر أرضه ولم يشترط الطريق انتهى، (ويأذن/ بالصلاة فيه) أشار بإطلاقه إلى أنه لا يشترط أن يقول أذنت فيه بالصلاة جماعة أبداً بل الإطلاق كاف كذا في (البحر). وفي (الخانية): له ساحة أمر قوماً أن يصلوا فيها بجماعة قالوا: إن أمرهم بالصلاة أبداً أو أمرهم بالصلاة جماعة ولم يذكر الأبد إلا أنه أراد ثم مات لا يكون ميراثاً عنه وإن أمرهم بالصلاة شهراً أو سنة ثم مات تورث لأنه لابد من التأبيد والتوقيت ينافيه.
قال في (الفتح): ومقتضى هذا أن لا يصير مسجداً فيما إذا أطلق وهذا لا يرد على ما قدمناه من أن الإطلاق كاف للفرق بين الإطلاقين وذلك أن الأول أن يقول: أذنت بالصلاة فيه والثاني أن يقول لقوم أذنت أن تصلوا فيه (وإذا صلى فيه واحد) ولو كان مميزاً أو أنثى كما هو ظاهر الإطلاق (زال ملكه) لأنه لابد من التسليم عندهما خلافاً لأبي يوسف وقد تعذر القبض فأقيم حصول المقصود مقامه وهو صلاة واحد فيه وهذا لأن قبض الجنس متعذر فاكتفى بالواحد، ولو قال المصنف: ويصلي فيه واحد عطفاً على يفرزه وحذف قوله زال ملكه لكان أولى.
وعبارته في (الوافي) بنى مسجداً وأفرزه بطريقه وأذن بالصلاة فيه وصلى زال ملكه أحسن واختلف في صلاة الواقف وحده والأصح أنه لا يكفي إذ لا يكون قابضاً
стр. 1311
الطريق وعزله أو اتخذ وسط داره مسجداً وأذن للناس بالدخول فله بيعه ويورث عنه
ــ
من نفسه وما جرى عليه المصنف من الاكتفاء بصلاة واحد هو ظاهر الرواية عنهما كما في (الخانية) وروي عنهما أنه لا يزول إلا بالصلاة بجماعة جهراً بأذان وإقامة حتى لو كان سراً بأن كان بلا أذان ولا إقامة لا يصير مسجداً.
قال الشارح: وهذه الرواية هي الصحيحة لأن المساجد تبنى لإقامة الصلاة بالجماعة فلا يصير مسجداً قبل حصول هذا المقصود ولو اتحد الإمام والمؤذن وصلى فيه بأذان وإقامة صار مسجداً اتفاقاً وإذ قد عرفت أن الصلاة فيه أقيمت مقام التسليم علمت أنه بالتسليم إلى المتولي يكون مسجداً دونها وهذا هو الأصح كما في (الشرح) وغيره، وفي (الفتح) وهو الأوجه لأن بالتسليم إليه يحصل تمام التسليم إليه تعالى وكذا لو سلمه إلى القاضي أو نائبه كما في (الإسعاف)، وقيل: لا يصير مسجداً، واختاره السرخسي وبه اندفع ما في (البحر) أن مفاد ما في (الكتاب) حيث اشترط الصلاة فيه أن لا يكون مسجداً.
واعلم أن الوقف إنما احتيج في لزومه إلى القضاء عند الإمام لأن لفظه لا ينبئ عن الإخراج عن الملك بل على الاتفاقية لتحصيل الغلة على ملكه فيتصدق بها بخلاف قوله جعلته مسجداً فإنه لا ينبئ عن ذلك ليحتاج إلى القضاء بزواله فإذا أذن بالصلاة فيه وصلى فيه قضى العرف بزواله عن ملكه ومقتضى هذا أنه لا يحتاج إلى قوله: وقفته ونحوه وهو كذلك وأنه لو قال: وقفته مسجداً ولم يأذن بالصلاة فيه ولم يصل فيه أحد أنه لا يصير مسجداً بلا حكم وهو بعيد كذا في (الفتح) ملخصا، ولقائل أن يقول: إذا قال: جعلته مسجداً فالعرف قاض وماض بزواله عن ملكه أيضاً غير متوقف على القضاء وهذا هو الذي لا ينبغي أن يتردد فيه.
فرع
أراد أهل المحلة نقض المسجد وبناءه أحكم من الأول إن لم يكن الباني من أهل المحلة ليس لهم ذلك وإن كان من أهل المحلة لهم ذلك كذا في (البزازية) (ومن جعل مسجداً تحته سرداب) جمعه سراديب وهو بيت يتخذ تحت الأرض لغرض تبريد الماء وغيره كذا في (الفتح) وشرط في (المصباح) أن يكون ضيقاً، (أو فوقه بيت وجعل بابه) أي: المسجد (إلى الطريق وعزله أو اتخذ وسط داره مسجداً وأذن للناس بالدخول) فيه (فله بيعه ويورث عنه) في ظاهر المذهب أما إذا كان العلو مسجداً فلأن أرض العلو لصاحب السفل.
وأما إذا كان السفل مسجداً فلأن لصاحب العلو حقاً في السفل حتى كان له أن
стр. 1312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يمنعه من أن يحدث بناء وما رهنه بغير إذنه اتفاقاً فلم يكن خالصاً لله تعالى وشأن المسجد أن يكون خالصاً، قال الله تعالى: ﴿وإن المساجد لله﴾ [الجن: ١٨] ومعلوم أن كل الأشياء له فكأن فائدة الإضافة اختصاصه به وهو بانقطاع حق كل من سواه عنه وهو هنا منتف ومن ثم قلنا: لو كان السرداب أو العلو موقوفاً لصالح المسجد جاز إذ لا ملك فيه لأحد فهو كسرداب بيت القدس كذا في (الفتح)، وبه عرف أن الواقف لو بنى بيتاً للإمام فوق المسجد لا يضر في كونه مسجداً لأنه من المصالح، وأما لو تمت المسجدية ثم أراد هدم ذلك البناء فإنه لا يمكن من ذلك.
ولو قال: عنيت ذلك لا يصدق كما في (التتارخانية) وأما إذا اتخذ وسط داره مسجداً/ فلأن ملكه محيط بجوانبه فكان له حق المنع من الدخول وشرط المسجد أن لا يكون لأحد فيه حق المنع ولأنه أبقى الطريق لنفسه وهذا يقتضي أنه لو شرط الطريق فيه كان مسجداً وبه صرح الشارح وغيره والله الموفق.
تتمة: سكت عن المسجد إذا خرب وليس له ما يعمر به وقد استغنى الناس عنه لبناء غيره أو لخراب البلدة أو لم يخرب لكن استغني عنه لخراب القرية وانتقل أهلها وقد قال محمد: يعود إلى ملك الباني أو إلى ورثته، وقال أبو يوسف وجمهور العلماء: لا يعود وهو مسجد أبداً إلى قيام الساعة، ولا يجوز نقله ونقل ماله إلى مسجد آخر سواء كان يصلون فيه أو لا وعليه أكثر المشايخ كما في (المجتبي)، وفي (الفتح) وهو الأوجه. قال في (الحاوي القدسي): وعليه الفتوى، أما القنديل والحصير من مذهبه أنه لا يعود أيضاً إلى ملك متخذه بل يحول إلى مسجد آخر أو يبيعه القيم للمسجد وعلى هذا الخلاف لو انهدم الموقوف وليس له ما يعمر به وكذا حانوت احترق في سوق وصار بحالة لا ينتفع به ولم يستأجر بشيء البتة وكذا حوض محلة خرب وليس له ما يعمر به.
قال في (الفتح): وقول من قال في جنس هذه المسائل نظر فليتأمل عند الفتوى غير واقع موقعه وادعى في (البحر) أن النظر وقع موقعه لأن الفتوى على قول أبي يوسف في المسجد فكذا ما ابتني عليه ومحمد يقول بجواز الاستبدال عند الخراب فكيف ينقل عنه القول ببطلان الوقفية ولقد رجع في (الفتح) إلى الحق حيث قال: وفي (الظهيرية) سئل الحلواني عن أوقاف المسجد إذا تعطلت وتعذر استغلالها هل للمتولي بيعها؟ قال: نعم، وروى هشام عن محمد إذا صار الوقف لا ينتفع به المساكين فللقاضي أن يبيعه ويشتري بثمنه غيره، وعلى هذا فينبغي أن لا
стр. 1313
ومن بنى سقاية أو خاناً أو رباطاً أو مقبرة لم يزل ملكه عنه حتى يحكم به حاكم
ــ
يفتى على قوله برجوعه إلى ملك الواقف وورثته بمجر تعطيله أو خرابه بل إذا صار بحيث لا ينتفع به يشترى بثمنه وقف يشتغل ولو كانت غلته دون غلة الأول انتهى.
وأقول: ما ادعاه من التدافع بين كلام محمد غير واقع لأن بيعه إنما هو رواية هشام عن محمد وعدم جواز البيع هو المذكور في (السير الكبير) وعليه تفريع عوده إلى ملك الواقف أو ورثته فلا تدافع نعم المعمول به ما رواه هشام كما مر عن (الظهيرية) والله الموفق.
فرع
من حوادث الفتوى أرصد الإمام قطعة أرض على ساقية ليصرف خراجها في كلفة إدارتها فاستغنى عنها لخراب البلدة فنقلها وكيل الإمام إلى ساقية هي ملك هل يصح هذا النقل؟ أجاب بعض الشافعية بأن الإرصاد على الملك إرصاد على المالك يعني فيصح وهذا لم أره في كلام علمائنا إلا أنه في (الخلاصة) قال: المسجد إذا خرب أو الحوض إذا خرب ولم يحتج إليه لتفرق الناس عنه صرفت أوقافه في مسجد آخر أو حوض آخر انتهى، وعلى هذا فيلزم المرصد عليه أن يديرها لسقي الدواب وتسييل الماء كما كانت ولا يتوهم من كونه إرصاداً على المالك أنه لا يلزم ذلك فتدبر.
(ومن بنى سقاية) للمسلمين (أو خاناً) يسكنه بنو السبيل (أو رباطاً أو مقبرة لم يزل ملكه عند) الإمام (حتى يحكم به حاكم) أو يضيفه إلى ما بعد الموت فيلزم بعده وله الرجوع قبله وعند أبي يوسف يزول بمجرد القول كما هو أصله وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعند محمد حتى يسلمه بأن يستقي الناس من الساقية والبئر أو الحوض أو شربت منه دابة أو سكنوا الخان والرباط ويدفنوا في المقبرة والواحد يكفي لتعذر الكل ولو سلم إلى المتولي صح التسليم.
وفي هذه قال في (الإسعاف): هذا في الخان والسقاية الذي ينزل فيه ويشرب كل يوم أما الخان الذي ينزل فيه الحاج أو الغزاة كل سنة والسقاية التي يحتاج إلى صب الماء فيها فلابد فيها من التسليم إلى المتولي لاحتياجهما إلى من يقوم بمصالحهما، ثم لا فرق في الانتفاع في هذه الأشياء بين الغني والفقير بخلاف الغلة حيث يختص بها الفقير لأن الغني لا يستصحب هذه الأشياء عادة فكان محتاجاً إليها كالفقير أما الغلة فهي مستغن بماله عنها لأنها صدقة وعلى هذا لو وقف الغلة على الحاج أو القراءة أو طلبة العلم اختص به الفقراء كذا في (المحيط).
стр. 1314
وإن جعل شيء من الطريق مسجداً صح كعكسه.
ــ
(وإن جعل شيء) أي: جعل الباني شيئاً (من الطريق مسجداً) لضيقه/ ولم يضر بأصحاب الطريق (صح) أي: جاز هكذا روي عن الإمام ومحمد لأن الطريق للمسلمين والمسجد لهم، ولو كان بجنبه أرض لرجل وقد ضاق تؤخذ أرضه بالقيمة كرهاً، ولو كانت الأرض وقفاً على المسجد جاز بأمر القاضي كذا في (الخانية) وفيها أذن السلطان لقوم أن يجعلوا أرضاً من أراضي البلدة حوانيت موقوفة على المسجد وأمروا أن يزيدوا في مسجدهم.
قالوا: إن كانت البلدة فتحت عنوة وذلك لا يضر بالمادة والناس ينفذ أمر السلطان فيها، وإن كانت فتحت صلحاً لا ينفذ لأنها في الأول تصير ملكاً للغانمين وفي الثاني تبقى على ملك مالكها (كعكسه) أي: كما يجوز عكسه وهو ما إذا جعل في المسجد ممراً لتعارف أهل الأمصار في الجوامع فيجوز لكل أحد أن يمر فيه حتى الكافر لا الجنب والحائض والنفساء وليس لهم أن يدخلوا فيه الدواب كذا في (الشرح).
خاتمة: في المتولي وغيره: اعلم أنه إما أن يكون بالشرط أو بغيره ويشترط في الكل العقل والبلوغ. قال في (الإسعاف): أوصى لصبي بطل مطلقاً قياساً وفي الاستحسان هي باطلة ما دام صغيراً فإذا كبر تكون الولاية له وحكم من لم يخلق من أولاده ونسله في الولاية كحكم الصغير قياساً واستحساناً، وأفاد أنه لا يشترط فيه أن يكون حراً ولا مسلماً حيث قال: ولو كان ولده عبداً يجوز قياساً واستحساناً والذمي في الحكم كالعبد فلو أخرجهما القاضي ثم أعتق العبد وأسلم الذمي لا تعود الولاية إليهما انتهى. وفيه نصب الواقف عند موته وصياً ولم يذكر من أمر الوقف شيئاً تكون ولاية الوقف إلى الوصي، ولو جعله وصياً في أمر الوقف فقط كان وصياً في الأشياء كلها عندهما خلافاً لأبي يوسف، وليس لأحد الناظرين التصرف بدون رأي الآخر، وعلى قياس أبي يوسف يجوز.
ولو نصب متولياً على وقفه ثم وقف آخر ولم يجعل له متولياً لا يكون الأول متولياً الثاني إلا أن يقول: أنت وصيي، ولو جعل ولاية وقفه لرجل ثم جعل آخر وصية يكون شريكاً للمتولي إلا أن يقول: أوقفت أرضي على كذا وكذا وجعلت ولايتها إلى فلان وجعلت فلاناً وصيي في تركاتي وجميع أموري فحينئذ ينفرد كل منهما بما فوض إليه.
قال في (البحر): ومنه يعلم جواب حادثة وجد مكتوباً وقف وفي أحدهما أن المتولي فلان والآخر أنه غيره والثاني متأخر التاريخ فأجيب بأنهما يشتركان ولا يكون الثاني ناسخاً لأن التولية تخالف سائر الشرائط لما أنه له التغيير والتبديل فيها من غير
стр. 1315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شرط على قول الثاني وأما باقي الشرائط فلا بد من ذكرها في أصل الوقف ولو شرطها لأفضل أولاده وقد استووا في الفضل كانت لأسنهم كما في (الإسعاف).
والمذكور في (الظهيرية) أن الأوفر علماً بأمور الوقف أولى بعد أن تؤمن خيانته وعائلته وهو الأولى، وقدمنا أنه لو عزله بغير جنحة لم ينعزل ومن ثم ذكر الخصاف أن الحاكم لو أخرج قيماً فمات أو عزل فادعى المخرج عند الثاني أن الأول أخرجه بلا جنحة لا يدخله لأن أمره محمول على السداد ولكن يكلفه أن يثبت عنده أنه أهل للنظر فإن فعل أعاده وكذا لو أخرجه لفسقه أو خيانة فإن تاب إلى الله وأقام بينة عند المخرج أنه صار أهلاً وجب عليه أن يرده واستشكله في (البحر) بأنه كيف يعيد الطالب مع قولهم: طالب التولية لا يولى وأجاب بأنه محمول على طلبها ابتداء جمعاً بين كلامهم.
وأقول: الحق أن ما في الخصاف في المشروط له التولية بدليل قوله: وجب عليه أن يعيده وقولهم طالب التولية لا يولى في غيره وبه عرف أن المشروط له النظر لو طلب من القاضي تقريره فيه أجابه لأنه إنما يريد التقيد لا أصل التولية لأنه مولى وهذا فقه حسن فاحفظه، وأما بغيره وهو منصوب القاضي كما إذا مات الواقف ولم يجعل الولاية لأحد أو مات المشروط له بعد الواقف ولم يوص إلى أحد فإنه ينصب متولياً ولا يجعله من الأجانب إلا إذا لم يجد من أهل بيت الواقف من يصلح لذلك لأنه أشفق ومن قصده نسبة الوقف إليهم.
قال في (الفتح): والصالح للنظر من لم يسأل الولاية ولم يكن له فسق ظاهر ثم قال: وينعزل الناظر بالجنون المطبق إذا دام سنة فإذا عاد إليه عقله عاد إليه النظر انتهى، والظاهر هذا في المشروط له النظر أما منصوب القاضي فلا، وقد علمت أنه يعزل لو خائناً، قال في (القنية): أو يضم إليه انتهى، وهو المسمى بالناظر حسبة في عرفنا أي: من غير معلوم، وفي آخر أوقاف الخصاف أما الإخراج فلا ينبغي إلا بخيانة وأما إذا أدخل معه رجلاً فالأجر له فإن رأى أن يجعل له شيئاً من هذا المال فلا بأس به وهل له أن/ يتصرف؟ قال: المشايخ: ليس للمشرف أن يتصرف في مال الوقف بلا وظيفة له الحفظ لا غير.
قال في (الفتح): وهذا يختلف بحسب العرف في معنى المشرف الشرف، بقي هل للأصيل أن يستقل بالتصرف دونه؟ لم أر المسألة في كلامهم إلا أنني رأيت الشيخ الأخ تغمده الله تعالى برحمته أفتى بأنه إن ضم إليه الخيانة لا يستقل وإلا كان له ذلك وهو حسن وذلك أنه قد يضمه لشك أو ارتياب في أمانته ولو نصب القاضي قيماً آخر لا ينعزل والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
стр. 1316
كتاب البيوع
هو مبادلة المال بمال بالتراضي
ــ
كتاب البيع
لما فرغ من حقوق الله تعالى التي هي العبادات والعقوبات والكفارات شرع في المعاملات التي هي حقوق العباد ثم في تقديم بعض الأبواب على بعض مناسبات مرت ووقع في آخرها ترتيب أقسام حقوق العباد وهو الوقف على البيع لأنه إذا صح خرج عن ملك الواقف لا إلى مالك وفي البيع إلى مالك فنزل منزلة البسيط من المركب وهو مقدم في الوجود فقدم في التعليم، قال في (الفتح): ولا يخفي شروعه في المعاملات من زمان فإن ما تقدم من اللقطة واللقيط والمفقود والشركة من المعاملات انتهى. وكان النكاح أولى بالذكر من اللقيط ونحوه، وهو لغة مقابلة شيء بشيء قيل: هذا التعريف يدخل فيه السلام وإطلاق البيع عليه أبعد من البعيد.
قال في (القاموس): باعه يبيعه بيعاً ومبيعاً والقياس بياعاً إذا باعه وإذا اشتراه ويطلق على كل واحد من المتعاقدين أنه بائع غير أن المتبادر عند الإطلاق هو باذل السلعة، وقد يراد به المعقول فيجمع باعتباره كما يجمع المبيع، قال في (المغرب): والأصل فيه مبادلة مال بمال لقولهم بيع رابح وبيع خاسر وذلك حقيقة في وصف الأعيان وإطلاقه على العقد مجاز لأنه سبب التمليك والمحذوف من مبيع الواو عند سيبويه لزيادتها، وقال الأخفش: هو العين والتوجيه لكل معروف في محله.
قال المازني: كلاهما حسن وقول الأخفش أقيس ونبه على معناه الشرعي بقوله: (هو مبادلة المال) أي: تمليك المال كما في (الدراية) (بالمال بالتراضي) هذا القيد زيد شرعاً كما قال فخر الإسلام والذي يظهر أن التراضي لابد منه لغة أيضاً فإنه لا يفهم من باعه وباع زيد عبده إلا أنه يستدل به بالتراضي وأن الأخذ غصباً أو إعطاء شيء من غير تراض لا تقول فيه أهل اللغة باعه كذا في (الفتح) وهذا الحد بيع من كل وجه انتهى، وهذا كالصريح في أنهم أرادوا تعريف البيع المركب من الإيجاب والقبول وهو العقد لا قسيم الشراء وهو الذي يشتق منه لمن صدر عنه لفظ بائع وبه ظهر أن قوله في (الحواشي السعدية) لا يخفي عليك أن تفسيره بالمبادلة المذكور تسامح والمراد ما هو مبدؤها التام فلا يرد النقض بالشراء على أن الباء الداخلة على المال هي بالعوض والمقايضة انتهى، إنما يحتاج إليه بناء على أن المراد به قسيم الشراء لا العقد فتدبره.
стр. 1317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زاد في (العناية) على طريق الاكتساب وفسرها في شرح (الدرر) بالتجارة ورده في (الحواشي السعدية) بأنها هي المبادلة كما صرح بذلك في مأذون (الهداية) فيكون المعنى المبادلة المذكورة على طريق المبادلة بل هي طلب الربح فخرج بذلك الهبة بشرط العوض والتبرع من الجانبين ولا يخفى أن الهبة بشرط العوض والتبرع خالية عن المبادلة ابتداء أما انتهاء فمسلم ولا يضرنا، وكل من التبرع عين هبة مستقلة من كل جانب فلا مبادلة وكان هذا هو السر في حذف أهل التحقيق هذا القيد.
واعلم أن التقييد بالتراضي اقتداء بالآية وبه خرج بيع المكره ولولاه لكان الحذف أولى كما في (الوقاية) لشمول التعريف للفاسد بسائر أنواعه كما لو باع درهماً بمثله واتحدا وزناً وصفة وقد صرح بفساده في (الذخيرة) إذ غاية الأمر أن بيع المكره فاسد فما باله خصه بالإخراج مع أن حكمه إنما ذكر في الإكراه لكن عدم ذكره لا يستدعي إخراجه من التعريف إذ الصرف أيضاً غير مذكور فيه لإفراده بكتاب مع شمول التعريف له وعرف من هذا أن الرضا ليس جزء مفهومه شرعاً وإلا لكان بيع المكره باطلاً، بلا شرط لثبوت حكمه وهذا لأن لفظ بعت ليس علة لثبوت الرضا بل إمارة عليه فيتحقق ولا رضا وشرط في العاقد التمييز والولاية الكائنة عن ملك أو وكالة أو وصية أو قرابة أو غير ذلك فلم ينعقد بيع المجنون والصبي الذي لا يعقل أما بيع الصبي أو المعتوه الذي يعقل البيع وأثره فمنقعد، والتعدد فلم ينعقد بالوكيل من الجانبين إلا في الأب والقاضي والوصي فإنه إذا اشترى أحدهم مال اليتيم من نفسه أو باعه من صح وكذلك العبد يشتري نفسه من مولاه بأمره وشرط في الوصي النفع الظاهر بأن اشترى منه ما يساوي عشرة بخمسة عشر أو بيع خمسة عشر بعشر والظاهر أن العبرة في/ القيمة لوقت العقد حتى لو زادت بعده لا ينتقض شراؤه ولا يشترط هذا في الأب كما في وصايا (الخانية) وسماع كل منهما كلام الآخر.
ولو ادعى أحدهما عدمه مع سماع أهل المجلس لا يصدق حيث لا وقر في أذنه، وما في (القنية) لا يجوز أن يناديه من بعيد أو من وراء جدار محمول على ما إذا لم يسمع كلامه ولذا رقم بعده رجل في البئر قال للذي في السطح: بعت منك بكذا فقال: اشتريت صح إن كان كل واحد منهما يرى صاحبه ولا يلتبس الكلام للبعيد ثم رقم تعاقد البيع وبينهما النهر المردخاني يصح، قلت: وإن كان نهراً عظيماً تجري فيه السفن؟ قال الشيخ: وقد تقرر أي: في أمثال هذه الصور إن كان البعد بحال يوجب التباس ما يقول كل واحد منهما لصاحبه يمنع وإلا فلا، وفي العقد
стр. 1318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
موافقة الإيجاب للقبول فإن قبل المشتري غير ما أوجبه البائع أو بعض ما أوجبه أو بغير ما أوجبه أو ببعضه لم ينعقد لتفرق الصفقة إلا في الشفعة كما سيأتي.
وفي المبيع كونه مالاً متقوماً شرعاً مقدور التسليم في الحال أو في ثاني الحال كذا في (الفتح) فخرج بالمال الحر وبالمتقوم الخمر والخنزير في حق المسلم، قيل: التقوم إنما هو شرط في البيع الصحيح والكلام فيما يعم الفاسد أيضاً والحق أن من شرط التراضي فإنما أراد الصحيح ومن حذفه أراد ما يعم الفاسد وبالقدرة بيع الآبق على الظاهر زاد في (البحر) وأن يكون مملوكاً في نفسه موجوداً ليخرج بيع الكلأ ولو في أرضه وبيع المعدوم وقد يستغنى عن الثاني بكونه مقدور التسليم وههنا فرعان في (القنية) الأول: ما يؤخذ من البياع على وجه الجر كالعدس والملح والزيت ونحوها لو اشتراها بعدما انعدمت صح، والثاني: شراء التذاكر التي يكتبها الديوان على العمال لا يصح، قيل له: أئمة بخارى جوزوا بيع خطوط الأئمة، قال: لأن مال الوقف قائم ولا كذلك ثمة قال في (البحر): والفرع الأول خرج عن القاعدة فيجوز بيع المعدوم هنا ويستفاد من الثاني أن يجوز للمستحق بيع خبزه قبل قبضه انتهى.
وأقول: الظاهر أن ما في (القنية) ضعيف لاتفاق كلمتهم على أن بيع المعدوم لا يصح وكذا غير المملوك والمانع من أن يكون المأخوذ من العدس ونحوه بيعاً بالتعاطي ولا يحتاج في مثله إلى بيان الثمن لأنه معلوم كما سيأتي وخط الإمام لا يملك قبل القبض فأنى يصح بيعه؟ ولكن على ما ذكر مما قبله ابن وهبان في كتاب الشرب ما في (القنية) إذا كان مخالفاً للقواعد لا التفات إليه بما لم يعضده نقل من غيره، وسبب شرعيته تعلق البقاء المعلوم لله تعالى على وجه جميل وحكمه الملك وهو القدرة على التصرف شرعاً فلا ينقض التعريف بتصرف المشتري في المبيع قبل قبضه فإنه ممتنع مع الملك وكذا لو وطئ بعدم الاستبراء في الأمة إذ لا يلزم من العجز الغير المشروع العجز عن المشروع ولما كان الملك هو المقصود من شرعية البيع اقتصروا عليه وإن ترتب عليه غيره من عتق القريب ووجوب الشفعة وملك المنفعة في الجارية والخيارات ضمناً كذا في (العناية) وهو ظاهر في أنه شرعاً قيد في التصرف وفيه بحث، أما أولاً فلأنه لو أطلق التصرف وجعل قيداً للقدرة لا ينتقض التعريف أيضاً والجواب أن الأصل في لام التعريف إذا لم يكن ثمة مفهوم هو الحمل على الاستغراق عند الجمهور، وأما ثانياً فلأن هذه القدرة قد توجد في صورة الإباحة ألا ترى أنا نقدر على الشرب من المباح والتوضؤ منه وإحرازه في الإناء فالتعريف غير مانع فلا بد من اعتبار قيد بوصف الاعتبار على ما اعتبره الإمام النسفي كذا في
стр. 1319
ويلزم بإيجاب وقبول
ــ
(الحواشي السعدية)، وأنت خبير بأن الحمل على الاستغراق يدفع هذا لامتناع التصرف فيه بنحو بيع قبل الإحراز فتدبره.
(ويلزم) أي: البيع (بإيجاب وقبول) أي: بسببهما عدل عن قول القدوري البيع ينعقد بالإيجاب والقبول لأن ظاهره يفيد أنهما غيره مع أنهما عينه، ولذا قال في (الفتح): المراد بالبيع هنا المعنى الشرعي الخاص المعلوم حكمه وإنما قلنا هذا لأنه لو قال: ينعقد بالإيجاب والقبول لجعلهما غيره مع أن البيع ليس إلا بالإيجاب والقبول الموجودين جساً يرتبطان ارتباطاً حكمياً فيجعل معنى شرعي يكون ملك المشتري أثراً له بذلك المعنى هو البيع فالمراد بذلك المعنى المجموع المركب من الإيجاب والقبول مع ذلك الارتباط للشيء لا أن البيع مجرد ذاك المعنى الشرعي والإيجاب والقبول آلة له كما توهمه/ البعض لأن كونهما أركاناً ينافي ذلك فإن قلت: كيف قال في (الفتح) البيع ليس إلا الإيجاب والقبول انتهى مع أنه الربط أيضاً؟ قلت: كونه استغنى عنه بذكر القبول إذ لا يكون قبولاً شرعاً بدونه.
ثم قال في (الفتح): لكن الظاهر أن المراد بالبيع هنا ليس إلا نفس حكمه لا معنى له إلا ذلك الحكم وما قبل البيع عبارة عن معنى شرعي يظهر في المحل عند الإيجاب والقبول حتى يكون العاقد قادراً على التصرف ليس غير الحكم الذي هو الملك لأنه هو الذي ثبت به قدرة التصرف عند وجود الفعلين أعني الشرطين بوضعهما سبباً شرعياً له وليس هناك شيء ثالث انتهى.
وفي (الحواشي السعدية) إما أن يراد بالبيع مجموع الإيجاب والقبول مع الارتباط الشرعي بينهما كما هو الظاهر أو الارتباط فقط أو ما بقوله البائع حال العقد وعلى التقدير الأول ينبغي أن يكون ينعقد بمعنى يحصل على طريق ذكر المقيد وإرادة المطلق أو بمعنى يحصل الانعقاد به ويجعل من قبيل وصف الكل بحال بعض أجزائه، وعلى الثاني يتعين الأول وعلى الثالث يكون المعنى أن قول البائع حين قصده إنشاء البيع إنما يرتبط بكلام المشتري ويحصل منهما معنى شرعي إذا كان كل منهما بلفظ الماضي، وقول الشراح الانعقاد هنا بمعنى تعلق كلام أحد المتعاقدين بالآخر شرعاً على وجه يظهر أثره يلائم المعنى الثالث أن لا يظهر العائد إلى المبتدأ في الجملة المجعولة خبراً على المعنيين كما لا يخفي انتهى، وإنما كان على الأول من ذكر المقيد وإرادة المطلق لأن المحصول إنما يكون في جزأين وليس مراداً وعلى الثاني من قبيل وصف الكل بحال بعض أجزائه لأن الذي يحصل الانعقاد به إنما هو الربط ولا شك أنه جزء وهذا المقام يحتاج إلى تدبر في الكلام، ونبه بقوله
стр. 1320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يلزم إلى أنه ليس لأحدهما بعد القبول خيار المجلس وأنه لا يحتاج تمام العقد إلى إجازة البائع بعد ذلك وبه قال العامة وهو الصحيح خلافاً لمن قال يحتاج كما في (الذخيرة) وإلى أنه لو أقر بالبيع كاذباً لم ينعقد كما في (الصيرفية) وبهذا عرف أن الضمير في يلزم يعود على البيع الذي هو العقد لا أن المراد حكم البيع كما توهمه في (البحر)، ثم الإيجاب اللفظ الصادر أولاً والقبول هو الصادر ثانياً ويرد على التعريفين ما لو خرجا معاً فإنه صحيح كما في (التتارخانية)، وعلى الأول ما لو تعدد الإيجاب فإن القبول يكون إلى الإيجاب الثاني ويكون بيعاً بالثمن الأول وفي الطلاق والإعتاق على مال إذا قبل بعدهما لزمه المالان ولا يبطل الثاني الأول كما في (جامع الفصولين).
وفي قوله: لا يبطل الثاني الأول هو الأولى في التحقيق ومن ثم قلنا: لو تعددا وكان الثاني بأزيد أو بأنقص من الأول انفسخ الأول، واختلف فيما إذا كان فاسداً ومقتضى النظر أن الأول لا ينفسخ، فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون الثاني تأكيداً والإيجاب هو للأول؟ قلت: لأنه فاصل بينه وبين القبول وعلى هذا فلو قال المشتري: قبلت بالإيجاب الأول ينبغي أن لا يتردد في عدم صحة البيع هذا ويشترط لصحة الإيجاب أن لا يقترن بما يبطله فلو وهبه الثمن قبل القبول بطل، وقيل: لا ويكون إبراء أما الإيجاب بلا ثمن نفياً فغير صحيح وإنكاره بعد الإقرار به لا يبطله أما إنكار القبول.
ففي (البزازية) وغيرها ادعى أنه باع من هذا بألف فأنكر الشراء ثم عاد في المجلس أو بعده إلى تصديق البائع فالأصل أن كل عقد يكون الحق فيه لهما كالبيع والنكاح فعود المنكر إلى التصديق قبل تصديق الآخر المنكر في الإنكار يبطل الإنكار وكل عقد يكون الحق فيه لأحدهما كالهبة والصدقة والإقرار لا ينفعه التصديق بعد الإنكار انتهى، وبه عرف جواب مسألة أوردها بعض المولى على شيخنا الأخ وكنت حاضراً أن زيداً قال لعمر: قتلت ابنك فكذبه ثم صدقه أيقبل منه ذلك؟ فتوقف رحمه الله تعالى وقد علمت أنه لا يقبل منه التصديق لكن في (عقد الفرائد) معزياً إلى (جامع الفتاوى) قال: أنا عبدك، فرده المقر له ثم عاد إلى التصديق فهو عبد ولا يبطل الإقرار بالرق والرد انتهى.
واعلم أنه في (فتح القدير) خالف القوم فعرف القبول بأنه الفعل الصادر ثانياً قال: وإنما قلنا: الفعل لأنه أعم منه ومن القول لأن من فروعهم ما لو قال: كل هذا الطعام بدرهم فأكله تم البيع وأكله حلالاً والركوب واللبس بعد قول البائع اركبها
стр. 1321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بمائة والبسه بكذا رضي بالبيع وكذا إذا قال: بعتك بألف فقبضه ولم يقل شيئاً كان قبضه/ قبولاً بخلاف بيع التعاطي فإنه ليس فيه إيجاب بل قبض بعد معرفة الثمن ففي جعل مسألة القبض بعد قوله بعتك بألف من صور التعاطي كما فعل بعضهم نظر.
قال في (البحر): ولا حاجة إليه وما ذكره إنما هو من باب القبول يقوم مقامه فعل ولذا قال في (الخانية): يقوم القبض مقام القبول ويشترط لصحة القبول حياة الموجب فلو مات قبله بطل، قال في (البحر): إلا في مسألة في (الخانية) أوصى ببيع داره من رجل فقال: داري بيع منه بألف درهم، ومات فقبل الموصى له بعد موته جاز.
وأقول: هذا سهو ظاهر منشؤه فهم أن المراد جاز البيع وليس كذلك بل جاز قبول الوصية وعلى الوصي أن يبيعه بإيجاب وقبول، ثم رأيت المسألة ولله الحمد في شفعة (المحيط) طبق ما فهمت حيث قال: أوصى بأن تباع داره من رجل بألف درهم فقبل الموصى له بعد موته وحيث الشفعة وإن لم يقبضها لأن الوصية بشرط العوض وأنها لا تفيد الملك إلا بعد القبض وهذا إذا أوجب الوارث أو الوصي البيع بعد موته وقبل الموصى له انتهى.
ومن الشروط أيضاً أن تكون قبل رجوع الموجب وعليه تفرع ما في (الخانية) بعتك هذا بألف ثم قال لآخر: بعتك نصفه بخمسمائة، قال أبو يوسف: يصح قبول الثاني ولا يصح قبول الأول بعد رجوع البائع عن النصف انتهى.
ولو خرج الرجوع مع القبول معاً كان الرجوع أولى لأنه لم يتم البيع كذا في (السراج)، وأن يكون قبل تغيير المبيع ومن ثم قال في (الخانية): لو قطعت يد الجارية بعد الإيجاب أو ولدت أو تخمر العصير ثم صار خلاً لم يصح قبول المشتري، والظاهر أن التقييد بأخذ الأرش اتفاقي وأن يكون قبل رد المخاطب الإيجاب فلو قال: بعتك بألف، فقال: لا أقبل بل بخمسمائة، ثم قال: أخذت بألف.
قال أبو يوسف: إن دفعه إليه فهو رضى وإلا فلا ولم يقيد الإيجاب والقبول بالمضي لأنه ينعقد بالمضارع لكن بالنية في الأصح وقيده في (القنية) بما إذا لم يكن أهل البلد يستعملونه للحال فإن كان كذلك كأهل خوارزم لا يحتاج إليها انتهى، وظاهر أن كلامهم فيما يحتمل الحال والاستقبال أما ما تمحض للحال كأبيعك الآن فلا يحتاج إليها أيضاً وأما ما تمحض للاستقبال كالمقرون بالسين أو سوف أو الأمر فلا ينعقد به إلا إذا دل المعنى على الأمر المذكور كخذه بكذا وقال:
стр. 1322
وبتعاط
ــ
أخذته فإنه كالماضي إلا أن استدعاء الماضي سبق البيع بالوضع وهذا بطريق الاقتضاء.
قال في (الفتح): وها هنا ثمانية مواضيع البيع والإقالة لا يكتفى بالأمر فيهما عن الإيجاب أما الخلع والنكاح والهبة والكفالة والإبراء والثامنة ما لو قال لعبده اشتر نفسك مني بألف فقال: فعلت فيقع الأمر فيها إيجاباً انتهى، وصور الخلع في (الصيرفية) بما إذا قالت: اخلعني على كذا فقال: قد فعلت أما إذا قالت: اخلعني فقال: خلعتك على كذا لا يقع ما لم تقبل، والكتاب كالخطاب وكذا الإرسال حتى اعتبر مجلس بلوغ الكتاب وأداء الرسالة ويصح الرجوع من الكاتب والمرسل قبل الوصول سواء علم الآخر أو لم يعلم.
وفي وكالة (الخلاصة) لا يصح عزل الرسول بدون علمه فكأنهم فرقوا بين الرجوع والعزل، (و) يلزم أيضاً (بتعاط) وهو التناول كما في (القاموس) لأن جواز البيع باعتبار الرضى لا بصورة اللفظ وقد وجد في التعاطي حتى لو صرح معه بعدم الرضا لم ينعقد بما كما في (الخانية) و (القنية) ولا بد أيضاً أن لا يكون بعد عقد فاسد أو باطل فإن كان لم ينعقد به قبل المتاركة لأنه بناء على السابق صرح في (الخلاصة) وغيرها وإطلاقه يفيد أنه لا فرق بين الخسيس والنفيس وهو الصحيح خلافاً للكرخي.
وفي (الحاوي القدسي) المشهور من الرواية كما قال الكرخي، وفي رواية محمد لا فرق بينهما وهذا أصح والنفيس نصاب السرقة والخسيس ما دونه، وهل قبض البدلين شرط فيه أو أحدهما كاف؟ خلاف أفتى الحلواني بالأولى وفي (البزازية) وهو المختار.
وفي (العمادية): قال صاحب (المحيط): وهو المختار عندي، واكتفى الكرماني بتسليم المبيع مع بيان الثمن أما إذا دفع الثمن وحده ولم يقبض المبيع لا يجوز إلا إذا كان بيع مقايضة، والصحيح أن قبض أحدهما كاف لنص محمد على أنه يثبت بقبض أحد البدلين وهذا ينتظم/ الثمن والمبيع وقوله في (الجامع): إن تسليم المبيع يكفي لا ينبغي الآخر، وفي (المنتقى) عليه ألف درهم فقال لرب الدين أعطيك مالك دنانير فساومه بالدنانير ولم يقع بيع ثم فارقه فجاء بها فدفعها إليه يريد الذي كان ساوم عليه ثم فارقه ولم يستأنف بيعاً جاز كذا في (الفتح).
وأقول: هذا يفيد أن التعاطي يكون في الصرف أيضاً ويدل عليه ما في
стр. 1323
وأي قام عن المجلس قبل القبول بطل الإيجاب
ــ
(التتارخانية) اشترى عبداً بألف درهم على أن المشتري بالخيار فأعطاه مائة دينار ثم فسخ البيع فعلى قول أبي حنيفة الصرف جائز ويرد الدراهم وعلى قول أبي يوسف باطل وهي فائدة حسنة ولم أر من نبه عليها، ومن صور التعاطي أيضاً ما لو جاء المودع بأمة غير المودعة قائلاً: هذه أمتك والبائع يعلم أنها غيرها وحلف فأخذها حل الوطء للمودع وللأمة وكذا لو ردها عليه بخيار عيب والبائع متيقن أنها غيرها فأخذها ورضي فهو بيع بالتعاطي، وعن أبي يوسف لو قال للخياط: ليست هذه بطانتي فحلف أنها هي وسعة أخذها كذا في (الفتح).
وفي (البزازية) الإقالة تنعقد بالتعاطي أيضاً من أحد الجانبين على الصحيح كالبيع وفي (العمادية) تنعقد الإجارة أيضاً بالتعاطي فقد ذكر محمد في إجارات (الأصل) لو استأجر قدوراً بغير أعيانها لا يجوز للتفاوت فإن جاء بقدور وقبلها منه على الكراء الأول جاز ويكون هذا إجارة مبتدأة بالتعاطي (وأي) يعني: وأي واحد من المتعاقدين (قام عن المجلس) أي: مجلس البيع (قبل القبول بطل الإيجاب) بيان لاشتراط المجلس لصحة الإيجاب وهذا لأن للموجب أياً كان له أن يرجع قبل قبول الثاني الآخر لأنه لم يثبت له حق يبطله الآخر، وللآخر أن يقبل ما بقي المجلس وإن لم يقبل حتى اختلف لم ينعقد، واختلافه باعتراض ما يدل على الإعراض من الاشتغال بعمل آخر كأكل إلا إذا كان لقمة وشربة إلا إذا كان الإناء في يده، ونوم إلا أن يكونا جالسين، وصلاة إلا إتمام فريضة أو شفع نفلاً، أو كلام ولو لحاجة ومشي مطلقاً في ظاهر الرواية حتى لو تبايعا وهما يمشيان أو يسيران ولو على دابة واحدة لم يصح واختار غير واحد كالطحاوي أنه إن أجاب على فور كلامه متصلاً جاز، وصححه في (المحيط) كما في (البحر).
وفي (الخلاصة) لو قبل بعدما مشى خطوة أو خطوتين جاز في جميع التفاريق وبه نأخذ، وقيام لأنه دليل الإعراض فلو قام أحدهما ولم يذهب ذكر شيخ الإسلام أنه لو قبل صح وإليه أشير في (جميع التفاريق) قيل: وفي قوله عن المجلس إيماء إليه لأن القيام عنه إنما يتحقق بالذهاب ومع عدمه إنما يقال: قام فيه كذا في (المعراج) وغيره وفي التعبير بقيل إيماء إلى ضعفه ومن ثم قال في (الفتح): ظاهر (الهداية) وعليه جمع أنه لا يصح القبول بعد ذلك وإليه ذهب قاضي خان حيث قال: فإن قام أحدهما بطل يعني الإيجاب لأن القيام دليل الإعراض، وتلك المقدمة في حيز المنع.
وفي (القنية) لو قام لمصلحة لا معرضاً لم يصح وبه عرف أن قصر اختلاف المجلس على ما يجل على الإعراض، فيه قصور والأولى ما في (المجتبى) المجلس
стр. 1324
ولا بد من معرفة قدر
ــ
المتحد أن لا يشتغل أحد المتعاقدين بغير ما عقد له المجلس أو ما هو دليل الإعراض إذ لا شك أن القيام وإن لم يكن للإعراض لكن لم يعقد المجلس له، قيد بالقيام لأنهما لو قعدا لم يبطل، والسفينة كالبيت فلا يقطع المجلس بجريانها لانهما لا يملكان إيقافها (ولا بد من معرفة قدر) أي: قدر مبيع وثمن ككر حنطة وخمسة دراهم أو أكرار حنطة فخرج ما لو كان قدر المبيع مجهولاً أي: جهالة فاحشة فإنه لا يصح وقيدنا بالفاحشة لما قالوه: ولو باعه جميع ما في هذه القرية أو هذه الدار والمشتري لا يعلم ما فيها لا يصح لفحش الجهالة، أما لو باعه جميع ما في هذا البيت أو الصندوق أو الجوالق فإنه يصح لأن الجهالة يسيرة.
قال في (القنية):إلا إذا كان لا يحتاج معه إلى التسليم والتسلم فإنه يصح بدون معرفة قدر المبيع كمن أقر أن في يده متاع فلان غصباً أو وديعة ثم اشتراه منه جاز وإن لم يعرف مقداره انتهى. ومعرفة الحدود تغني عن معرفة المقدار ففي (البزازية) باعه أرضاً وذكر حدودها لا ذرعها طولاً وعرضاً جاز وكذا إن لم يذكر الحدود ولم يعرفه المشتري إذا لم يقع بينهما تجاحد، وفيها جهل البائع معرفة المبيع لا يمنع وجهل المشترى يمنع/ انتهى.
وعلى هذا تفرع ما في (القنية) لك في يدي أرض خربة لا تساوي شيئاً في موضع كذا فبعها مني بستة دراهم فقال: بعتها ولم يعرفها البائع وهي تساوي أكثر من ذلك جاز ولم يكن ذلك بيع المجهول لأنه لما قال: لك في يدي أرض صار كأنه قال: أرض كذا وفي (المجمع) لو باعه نصيبه من دار فعلم العاقدين شرط ويجيزه مطلقاً وشرط علم المشتري وحده.
وفي (الخانية) اشترى كذا كذا قربة من ماء الفرات قال أبو يوسف: إن كانت القربة بعينها جاز لمكان التعامل وكذا الرواية والجرة وهذا استحسان وفي القياس لا يجوز إذا كان لا يعرف قدرها وهو قول الإمام، وخرج أيضاً ما لو كان الثمن مجهولاً كالبيع بقيمته أو برأس ماله أو بما اشتراه أو بمثل ما اشتراه فلان فإن علم المشتري بالقدر في المجلس فرضيه عاد جائزاً ومنه أيضاً لو باعه بمثل ما يبيع الناس إلا أن يكون شيئاً لا يتفاوت.
فرع
قال لمديونه: بعني هذا الثوب ببعض العشرة التي لي عليك وهذا الآخر بباقي العشرة جاز مع جهالة الثمن ف كل منها وهذا يرد على المصنف لكن علله في (فتح)
стр. 1325
ووصف ثمن غير مشار
ــ
(القدير) بعدم إفضاء جهالة الثمن الأولى إلى المنازعة بضم البيع الثاني إليه إذ لا بد أن يصير ثمنهما عشرة انتهى، ولم أر ما لو وجد بأحدهما عيباً وينبغي أن يكون في حكم صفقة واحدة فيردهما أو يأخذهما، (ووصف ثمن غير مشار) لأن إذا كان مجهول الوصف تتحقق المنازعة فالمشتري يريد دفع الأدون والبائع يطلب الأرفع فلا يحصل مقصود شرعية العقد وظاهر كلامه ييعطي أنه معرفة وصف المبيع غير شرط.
قال في (البحر):وظاهر ما في (الفتح) أن معرفة الوصف في المبيع والثمن شرط الصحة كمعرفة القدر فإنه قال: والصفة عشرة دراهم بخارية أو سمرقندية وكذا حنطة بحيرية أو صعيدية.
وأقول: هذا وهم فاحش وذلك أن القدوري قال: والأثمان المطلقة لا تصح إلا أن يكون معلومة القدر والصفة، فبين في (الفتح) الصفة بما قال إذ الكلام في الثمن لا فلي المبيع ولا شك أن الحنظة تصلح ثمناً إذا وصفت كما سيأتي وليس في الكلام ما يوهم ما ذكره بوجه وفي (البدائع) وأما معرفة أوصاف المبيع والثمن فقال أصحابنا: ليس شرطاً والجهل بها ليس بمانع من الصحة لكن شرط اللزوم فيصح بيع ما لم يره.
واعلم أن الدراهم والدنانير أثمان أبداً سواء قوبلت بغيرها أو بجنسها وأما الأعيان التي ليست مكيلة ولا موزونة فمبيعة أبداً ولا يجوز فيها البيع إلا عيناً إلا فيما يجوز فيه السلم كالثياب وكما تثبت الثياب مبيعاً في الذمة بريق السلم تثبت ديناً مؤجلاً في الذمة على أنها ثمن وحينئذ فيشترط الأجل لا لأنها ثمن بل لتصير ملحقة بالثمن في كونها ديناً في الذمة ولذا قلنا: إذا باع عبداً بثوب موصوف في الذمة إلى أجل جاز ويكون بيعاً في حق العبد حتى لا يشترط قبضه في المجلس بخلاف ما إذا سلم الدراهم وإنما ظهرت أحكام المسلم فيه في الثوب حتى شرط فيه الأجل وامتنع ببيعه قبل قبضه لإلحاقه بالمسلم فيه، أو مكيلاً أو موزوناً أو عددياً متقارباً كالبيض فإن قوبلت بالنقود فهي مبيعات أو بأمثالها من المثليات فما كان موصوفاً في الذمة فهو ثمن وما كان معيناً فمبيع وإن كان كل منهما معيناً فما صحبه حرف الباء أو لفظ على كان ثمناً والآخر مبيعاً كذا في (الفتح) وغيره، والفلوس كالنقدين كما في (الدراية) ودخل في القيميات المصوغ من الذهب والفضة فتعين للصنعة، أما المثلي إذا قابل بقيمي فلم يدخل فيما ذكرنا، وقال خواهر زاده: إنه ثمن، كذا في (البحر) (لا مشار) تصريح بمفهوم قوله غير مشار أي: لا يحتاج في صحة البيع إلى معرفة القدر والوصف في المشار إليه حتى لو قال: بعتك هذه الصبرة من الحنطة أو
стр. 1326
لا مشار وصح بثمن حال وبأجل معلوم
ــ
هذه الكورجة من الأرز والشاشات وهي مجهولة القدر بهذه الدراهم التي في يدك وهي مرئية فقيل: جاز ولزم لأن الباقي جهالة الوصف يعني القدر وهو لا يمنع من التسليم والتسلم، والمسألة مقيدة بغير الأموال الربوية أما الربوية إذا قوبلت بجنسها فلا تصح مع الإشارة لاحتمال الربا كحقيقيته.
قال في (العناية): ولم يقيد به في (الكتاب) لأن ذلك مما يتعلق بالربا وهذا الباب ليس لبيانه وبغير السلم فلا يصح أن يكون العرض فيه مشاراً إليه اتفاقاً للأجل ولا رأس مال السلم إذا كان مكيلاً أو موزوناً عند الإمام كما سيجيء.
واعلم أن ظاهر قول القدوري والأعراض المشار إليها لا يحتاج إلى معرفة مقداراها في جواز البيع يفيد أن معرفة الصفة يحتاج إليها وقد أفصح عن ذلك في (فتح القدير) حيث قال: والتقييد بمقدارها احتراز عن الصفة فإنه لو أراه دراهم وقال اشتريته بهذه فوجدها زيوفاً أو نبهرجة كان له أن يرجع بالجياد لأن الإشارة إلى الدراهم كالتنصيص عليها/ وهو منصرف إلى الجياد ولو وجدها ستوقة أو رصاصاً فسد البيع وعليه القيمة إن كان أتلفها.
ولو قال: أشتريتها بهذه الصرة من الدراهم فوجد البائع ما فيها خلاف نقد البلد جاز ولا خيار للبائع بخلاف ما لو قال: اشتريه بما في هذه الخابية ثم رأى الدراهم التي فيها كان له الخيار وإن كانت نقد البلد، لأن الصرة يعرف مقدار ما فيها من خارجها بخلاف الخابية والمراد بالخيار خيارة الكمية لا خيار لرؤية لأنها لا تثبت في النقود انتهى، وفيه بحث فإنه إن أريد الاحتياج إليها في جواز البيع كما هو الظاهر لزم أن لا يصح فيما لو وجدها زيوفاً وليس بالواقع وإذا كانت الإشارة إليها كالتنصيص عليها وهو منصرف إلى الجياد وقد استغنى عن وصفها وإنما فسد فيها إذا وجدها ستوقة أو رصاصاً فلأنها ليست من الدراهم المشترى بها فالظاهر أنه ليس بشرط كما يشير إليه قول المصنف فتدبره. (وصح) البيع (بثمن حال). قال في (المصباح):حل الدين يحل بالكسر انتهى أجله فهو حال وظاهره أنه لا يقال: حل إلا بعد تأجيل وليس بمراد وفي (القاموس) حل الدين أي صار حالاً كذا في (البحر).
وأقول: فيه نظر للفرق البين بين حل الدين وباعه بحال ويدل عليه ما في (المغرب) حل الدين وجب ولزم والدين الحال خلاف المؤجل (و) صح أيضاً (بأجل معلوم) لإطلاق قوله تعالآ: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥] وما هو بثمن مؤجل بيع قيد بالمعلوم لأنه إلى مجهول فاسد وليس منه ما لو باعه مؤجلاً لانصرافه إلى شهر كما في (شرح المجمع) نعم من جهالة الأجل ما لو باعه بألف على أن يؤدي الثمن
стр. 1327
ومطلقه على النقد الغالب وإن اختلفت النقود فسد إن لم يبين
ــ
في بلد آخر، ولو قال: إلى شهر والمسألة بحالها صح وبطل الشرط لأنه تعيين مكان الإيفاء فيما لا حمل له ولا مونة غير صحيح، فلو كان له حمل ومونة صح، وفي الحدادي لو اختلفا في أصله فالقول لنافيه أو في قدره فلمدع الأقل والبينة بينة المشتري في الوجهين ولو في مضيه فالقول للمشتري والبينة بينته أيضاً.
وفي شرح (المجمع) لو مات البائع لا يبطل الأجل ولو مات المشتري حل المال ولا يبطل بقوله: برئت من الأجل ولا حاجة لي به ولو قال: تركته أو أبطلته أو جعلت المال حالاً بطل وفي (البزازية) له على آخر ألف من ثمن مبيع فقال: أعطني كل شهر مائة درهم لا يكون تأجيلاً.
وفي (الملتقط) عليه ألف ثمن جعله الطالب نجوماً إن أخل بنجم حل الباقي فالأمر على ما شرطا وهي كثيرة الوقوع (ومطلقه) أي: مطلق الثمن عن قيد الوصف بعد أن سمى القدر، زاد الشارح وعن قيد البلد كعشرة دراهم يقع (على النقد الغالب) في البلد التي جرى البيع فيها لا بلد المتابعين كما قال تاج الشريعة لأنه هو المتعارف ينصرف المطلق إليه، وسواء كان ذلك الغالب هو المتعامل به مع وجود دراهم أخرى لا يتعامل بها أو يتعامل بها إلا أن غيرها أكثر تعاملاً وإلى هذا أشار في (الفتح) حيث قال: إن كان إطلاق اسم الدراهم عرفاً يختص بها مع وجود دراهم غيرها فهو تخصيص الدراهم بالعرف القولي وهو من أفراد ترك الحقيقة بدلالة العرف وإن كان المتعامل بها في الغالب كان من تركها لدلالة العادة وكل منهما واجب تحرياً للجواز وعدم إهدار كلام العاقل انتهى.
(إن اختلفت النقود) في المالية كالذهب الأشرفي والناصري بمصر واستوت رواجاً (فسد) البيع للجهالة المفضية إلى المنازعة لأن الصرف إلى أحدهما بعينه مع الاستواء في الرواج تحكم و (إن لم يبين) المشتري أحدهما في المجلس ويرضى به البائع لارتفاع المفسد قبل تقرره، قيد باختلافها لأنها لو استوت مالية ورواجاً صح وكان له أن يؤدي من أيها شاء، وكذا لو كانت مختلفة مالية ورواجاً فقط ويصرف إلى الأروج وبهذا علم أن في كلامه إرسالاً غير واقع، قيد بالبيع لأنها لو اختلفت في المهر مالية نظر في مهر مثلها فأي ذلك وافقه يحكم لها به كما في (التتارخانية) وبدل الصلح والأجزة كالبيع كما في (البزازية) وفيها من الدعوى يحتاج إلى ذكر الصفة عند اختلاف النقود ولو استوت رواجاً يجوز البيع وفي الدعوى لا بد من التعيين ولا بد من ذكر الجودة عند العامة ومن ضرب أي دار وذكر اللامشي إذا كانت النقود مختلفة وأحدهما أروج لا تصح الدعوى ما لم يبين وكذا لو أقر بعشرة دنانير حمر
стр. 1328
ويباع الطعام كيلاً وجزافاً وبإناء أو حجر بعينه لا يعرف قدره
ــ
وفي البلد نقود ومختلفة حمر لا يصح بلا بيان انتهى. وفي الوصية عند اختلاف المالية فقط تنفذ بأقل النقود وإن تفاوتت رواجاً انصرفت إلى الأغلب، وبقي الخلع لو خالعها على ألف درهم/ ولم يبين والوقف لو شرط له دراهم أو دنانير قال في (البحر): وينبغي أن يستحق الأقل.
وأقول: ينبغي أن يقيد هذا بما إذا لم يعرف عرف الواقف فإن عرف صرفت الدراهم إيه، (ويباع الطعام) هو في العرف الماضي اسم للحنطه ودقيقها فقول القدوري والحبوب من عطف العام ومن ثم اقتصر عليها في (المجمع) ويجب أن يفسر بها ما في (الكتاب) بقرينة قوله (كيلاً وجزافاً) بالضم أي: بلا كيل ولا وزن فارسي معرف والمجازفه في البيع المساهلة، وفي (البزازية) بيع الحنطة بالدراهم وزناً يجوز.
وفي (السراج): بعني هذا الكر من الحنطة فباعه فهو على الكيل فإن قبضه من غير كيل ثم كاله وحده جاز غير أنه لا يصدق في نقصه لو ادعاه لأه صدق على وفاء الكيل وإنما كيله تحليل وإطلاق المجازفة مقيد بغير الأموال الربوية أما هي إذا بيعت بجنسها مجازفة فلا يجوز لاحتمال الربا بشرط أن تدخل تحت الكيل فإن لم تدخل كحفنة بحفنتين جاز، والعذر للمصنف في تركه التقييد به على ما مر، وفي (جامع الفصولين) شراء قصيل البر بالبر كيلاً وجزافاً يجوز لعدم الجنس.
وفي (الفتح) لو باع غير الحبوب من الربويات كالفضة إذا باعها بجنسها كفة ميزان بكفة ميزان جاز مع أنه لا يخرج عن المجازفة بسبب أنه لا يعرف قدرها لانتفاء احتمال التفاضل انتهى، ولا ينافيه ما في (الصيرفية) معزياً إلى (الجامع السصغير) تبايعا تبراً بذهب مضروب كفة بكفة وأخذ صاحب التبر الذهب لا يجوز ما لم يعلما وزن الذهب لأنه وزني انتهى، لأن الذهب الخالص أقل لأنه لا ينطبع بنفسه، (و) يباع أيضاً (بإناء) لا ينكبس ولا ينقبض كأن يكون من خشب أو من حديد أما إذا كان كالزبيل والجولق فلا يجوز إلا في قرب الماء استحساناً للتعامل (أو حجر بعينه لا يعرف قدره) قيد فيهما لأن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة وعن الإمام أنه لا يجوز والأول أصح، والظاهر أن هذا القسم من المجازفة وعطفه عليها لأنها في صورة الكيل وليس حقيقة ولذا وجه مسألة الإناء في (المبسوط) بأنه في المعين مجازفة يجوز فبمكيال غير معروف أولى ونازعه في (الفتح) في الأولوية.
ثم رأيت في (السراج) قال: ومن المجازفة ما لو اشتراه مكايلة بإناء بعينه لا يعرف قدره انتهى، ذكره بعد التولية ولا بد في الصحة من بقاء الإناء والحجر فلو
стр. 1329
ومن باع صبرة كل صاع بدرهم صح في صاع
ــ
هلكا فسد البيع كذا في (السراج) أطلق الحجر وقيده الشارح بما إذا كان لا يتفتت فإن تفتت لا يجوز قال: وكذا إذا باعه بوزن شيء يخف إذا جف كالخيار والبطيخ انتهى.
قال في (الفتح):وليس بشيء فإن البيع بوزن حجر بعينه لا يصح إلا بشرط تعجيل التسليم ولا جفاف يوجب نقصاً في ذلك الزمن، قال في (المبسوط): اشترى بهذا الإناء يداً بيد فلا بأس به انتهى، وبتقدير التسليم فالجفاف يسير.
وقد قالوا: لو باع الجمد في المجمدة جاز مطلقاً في الأصح إذا سلمه قبل ثلاثة أيام لأن النقص قبلها قليل فأهدر فكذا في البطيخة النقص الحاصل الذي به ينقص قدر المبيع قليل فكان ينبغي أن يقتر فتدبره.
وسكت المصنف عن ثبوت الخيار للمشتري ونص في جمع (النوازل) على ثبوته فيما لو اشترى بوزن هذا الحجر ذهباً ونسبه في جميع (التفاريق) إلى محمد وينبغي ثبوته أيضاً فيما لو اشترى بإناء لا يعرف قدره قال في (الفتح): وينبغي أن يكون هذا محمل الرواية المتقدمة من عدم الجواز فتقوله: لا يجوز أي: لا يلزم.
وأقول: عبارته في (الخانية) رجل اشترى طعاماً بإناء لا يعرف قدره قالوا: لا يجوز بيعه لأنه يس بمكايلة ولا بمجازفة انتهى، وهذا التعليل يمنع هذا الحمل فتدبره، ونظير ما نحن فيه لو باعه حنطة مجموعة في بيته أو مطمورة في أرض والمشتري لا يعلم مبلغها ولا منتهى حفر الحفيرة كان له الخيار إن شاء أخذها بجميع الثمن وإن شاء ترك وإن كان يعلم منتهى المطمورة ولا يعلم مبلغ الحنطة جاز بلا خيار إلا أن يظهر تحتها صفة ونحوها كذا في (الخانية)، وعن أبي جعفر باعه من هذه الحنطة قدر ما يملأ هذا الطشت جاز ولو باعه قدر ما يملأ هذا البيت لا يجوز.
(ومن باع صبرة) هي الطعام المجموع سميت بذلك لإفراغ بعضها على بعض ومنه قيل للسحاب فوق السحاب صبر قاله الازهري، وقال القرطبي: هي الجملة المصبورة أي: المحبوسة للبيع والصبر الحبس والجمع صبر كغرف وأراد صبرة مشار إليها كما سيأتي وليست قيداً بل مكيل أو موزون أو معدود من جنس واحد إذا لم يختلف قيمته كذلك، (كل صاع بدرهم) هذا أيضاً ليس بقيد لأنه لو قال: كل صاعين أو ثلاثة/ بكذا صح بقدر ما سمى به عنده (صح) البيع (في صاع) واحد عند الإمام مع الخيار للمشتري لتفرق الصفقة عليه دون البائع، وأفهم كلامه أنه فاسد في الباقي إلى تسميته الكل في المجلس أو كيله به لزوال المفسد قبل تقرره فيثبت حينئذ على وجه يكون الخيار للمشتري فإن رضي هل يلزم البيع بدون رضى البائع أو
стр. 1330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يتوقف على قبوله؟ روى الثاني عن الإمام أنه لا يجوز إلا بتراضيهما وروى محمد خلافه، حتى لو فسخ البائع البيع بعد الكيل أو رضي المشتري بأخذ الكل لا يعمل فسخه وهو الظاهر وقالا: صح في الكل لأن المبيع معلوم الإشارة والمشار إليه لا يحتاج إلى معرفة مقداره لجواز البيع، وجهالة الثمن بيدهما رفعها بأن يكيلاه في المجلس وما هو كذلك لا يفضي إلى المنازعة، وله أن الثمن مجهول وذلك مفسد ولا جهالة في القفيز فصح فيه وكون العاقدين بيدهما إزالة جهالة في صلب العقد لا يوجب صحة البيع قبل إزالتها بدلالة الإجماع على عدم جواز بيع الثوب برقمه مع أن بيد البائع إزالتها.
وقدر في (فتح القدير) أولاً أنه موقوف وثانياً في دليل الإمام أنه فاسد وهذا إنما يتم بناء على أن الموقوف فاسد وهو قول مرجوح ثم قال: وغايته أنه إذا أزيلت أي: الجهالة في المجلس وهما على رضاهما ثبت للعقد المعاطاة لا لعين الأول كما قال الحلواني في الرقم إذا تبين في المجلس، وأنت خبير بأن هذا لا يناسب التوقف بل ولا الفساد لأنه إذا رفع قبل تقرره انقلب العقد صحيحاً وحينئذ فلا حاجة إلى انعقاده بالتعاطي.
وفي (السراج) لو أشار إلى نوعين حنطة وشعير فقال: أبيعك هاتين الصبرتين كل قفيز بدرهم فالبيع جائز عند الإمام في قفيز واحد وقالا: يجوز في الكل كذا في الكرخي، وفي (المنظومة) فاسد في الجميع وعند الإمام.
واعلم أن ظاهر (الهداية) ترجيح قولهما وفي (عيون المذاهب) وبه يفتى لا لضعف دليل الإمام بل تيسيراً على الناس وكأنه في (البحر) لم يطلع على هذا فقال: رجح قولهما في (الخلاصة) في نظيره حيث قال ما محصله: اشترى كل وقر بكذا والوقر عندهم معروف إن كان من جنس واحد يجب أن يجوز في واحد عند الإمام كما في الصبرة وإن أجناساً مختلفة لا يجوز أصلاً عنده كبيع قطيع الغنم وعندهما يجوز في الكل حيث كان جنساً واحداً وكذا إذا كان مختلفاً قاله الشهيد، وجعل أبو لليث الجواز عند اتحاد الجس متفقاً عليه والفتوى على قولهما تيسيراً للأمر على الناس انتهى.
تنبيه: قال في (المعراج): أبو الليث هذا هو الخوارزمي انتهى، قلت: تحرز به عن السمرقندي بفتح السين والميم وفتح الراء لحن كذا في (القاموس) وهو نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم صاحب (التفسير) و (النوازل) و (خزانة الفقه) و (تنبيه الغافلين) و (بستان العارفين) و (عيون المسائل) و (تأسيس النظائر)
стр. 1331
ولو باع ثلة أو ثوباً كل شاة بدرهم أو كل ذراع بدرهم فسد في الكل ولو سمى الكل صح في الكل
ــ
و (مقدمة الصلاة)، تفقه على أبي جعفر الهندواني، توفي ليلة الثلاثاء لإحدى عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة كذا في (تاج التراجم) ولم أر من ترجم الخوارزمي هذا. قيد بالبيع لأن في الإجارة كأجرتك داري كل شهر بكذا أو الإقرار كلك على كذا درهم ينصرف إلى الواحد اتفاقاً.
وفي إقرار (الخلاصة) قال الوصي: قبضت كل ما لفلان الميت على الناس فادعى غريم أنه دفع إليه كذا وأنكره فالقول للوصي مع يمينه وفي غصب (الخانية) كل غريم لي فهو في حل قال ابن مقاتل: لا تبرأ غرماؤه، وفيها كل إنسان تناول من مالي فهو له حلال، قال ابن سلمة: لا يجوز وابن نصر بن سلام يجوز وعليه الفتور (ومن باع ثلة) وهي بفتح المثلثة.
قال في (القاموس): هي جماعة الغنم أو الكثير منها أو من الضأن خاصة والجمع كبدر وثلال انتهى. وبالضم الكثير من الناس (أو ثوباً وكل شاة بدرهم أو كل ذراع بدرهم فسد في الكل) عند الإمام وقالا: جاز في الكل لما مر من أن هذه الجهالة بيدهما إزالتها وعنده وإن انصرف إلى الواحد إلا أن الآحاد هنا متفاوته فلم ينقسم الثمن على الجملة بالأجزاء فتقع المنازعة على تعيين ذلك الواحد فيفسد في الكل وعلى هذا كل عددي متفاوت كالإبل والبقر والعبيد والبطيخ والرمان والسفرجل.
قال في (البدائع): وكذا كل ما في تبعيضه ضرر كالمصوغ من الأواني والقلب وفي/ (المعراج) البيض كالقفزان استحساناً فإن سمي عدد الغنم والذرعان أو جملة الثمن صح اتفاقاً للعلم بتمام الثمن التزاماً في الأول ومطابقة في الثاني.
وفي (المعراج) قال الحلواني: الأصح أنه إن علم عدد الاغنام في المجلس لا ينقلب العقد صحيحاً لكن لو كان كل منهما على رضاه ينعقد البيع بالتعاطي، والعلم به بأن عزلها المشتري وذهب البائع ساكت، قيد بقوله: كل شاة بكذا لأنه لو قال: كل شاتين بعشرين وسمى الجملة مائة مثلاً كان باطلاً إجماعاً وإن وجده كما سمي لأن كل شاة لا يعرف ثمنها إلا بانضمام غيرها إليها قاله الحدادي.
وفي (الخانية) لو كان ذلك في مكيل أو موزون أو عددي متقارب جاز، وقيد العتابي المنع في الثوب بما إذا كان يضره التبعيض أما في الكرباس فينبغي أن يجوز عنده في واحد كالصبرة، (ولو سمى الكل) أي: كل المبيع والثمن (صح) البيع (في الكل) أي: المثلي والقيمي لزوال المانع، وإطلاقه يعم ما لو وقعت التسمية في صلب العقد أو بعده في المجلس وقدمنا عن (الفتح) أنه في الثاني يكون بيعاً بالتعاطي.
стр. 1332
ولو نقص كيل أخذ بحصته أو فسخ، وإن زاد فللبائع
ــ
(وإن نقص كيل أخذ) المشتري الباقي (بحصته) إن شاء لأن الثمن ينقسم بالأجزاء على أجزاء المبيع المثلي مكيلاً أو موزوناً، (أو فسخ) لتفرق الصفقة الواحدة عليه وكذا الحكم في كل مكيل أو موزون ليس في تبعيضه ضرر، وخرج بهذا القيد ما لو اشترى سمكة على أنها عشرة أرطال فوجد المشتري في بطنها حجراً يزن ثلاثة أرطال فإن شاء أخذها بجميع الثمن وإن شاء تركها فإن شواها قومت عشرة وبسبعة ورجع بحصة ما بينهما من الثمن كذا في (المحيط). وفي (الخانية): لو باع لؤلؤة على أنها تزن مثقالاً فوجدها أكثر سلمت للمشتري لأن الوزن فيما يضره التبعيض وصف بمنزلة الذرعان في الثوب، وفيها القول للمشترى في النقصان وإن وزنه له البائع ما لم يقرأنه قبض منه المقدار.
وفي (البزازية): اتفق أهل بلدة على سعر الخبز واللحم وشاع ذلك على وجه لا يتفاوت فأعطى رجلاً ثمناً فأعطاه أقل من المتعارف إن ما أهل البلدة رجع بالنقصان من الثمن وإن من غير أهلها رجع في الخبز لا في اللحم.
واعلم أن في (البحر) قيد قوله: أخذه بحصته بما إذا لم يكن المبيع مشاهداً له فإن كان مشاهداً انتفى الغرر ولذا قال في (الخانية):اشترى سويقاً على أن البائع لته بمن من السمن وتقابضا والمشترى ينظر إليه فظهر أنه لته بنصف من جاز البيع ولا خيار للمشتري لأن هذا مما يعرف بالعيان فإذا عاينه انتهى الغرور، وهو كما لو اشترى صابوناً على أنه متخذ من كذا جرة من الدهن فظهر أنه متخذ من أقل من ذلك والمشتري ينظر على الصابون وقت الشراء وكذا لو اشترى قميصاً على أنه من عشرة أذرع وهو ينظر إليه فإذا هو من تسعة جاز البيع ولا خيار للمشتري انتهى.
وأقول: فيه نظر إذ الكلام في مبيع ينقسم أجزاء الثمن فيه على أجزاء المبيع وما في (الخانية) ليس منه لتصريحهم بأن السويق قيمي لما بين السويق والسويق من التفاوت الفاحش بسبب القلب وكذا الصابون كما في (جامع الفصولين) وأما الثوب فظاهر وعلى هذا فما سيأتي من أنه يخير في نقص القيمي بين أخذه بكل الثمن أو تركه مقيد بما إذا لم يكن مشاهداً فتدبره نعم نخيره بين الأخذ والفسخ، قيده فيها بما إذا لم يقبض المبيع أو قبض البعض فإن قبض الكل لا يخير يعني وإنما يرجع بالنقصان، وأنت خبير بأن الموجب للتخيير إنما هو تفريق الصفقة وهذا القدر ثابت فيما لو وجده بعد القبض ناقصاً إلا أن يقال: إنه بالقبض صار راضياً بذلك فتدبره.
(وإن زاد فللبائع) لأن المبيع وقع على مقدار معين ليس له جهة الوصفية فما زاد عليه لم يدخل في العقد فلا يجب رده في العقد فيكون للبائع، وقيده الزاهدي
стр. 1333
ولو نقص ذراع أخذ بكل الثمن أو ترك وإن زاد فللمشتري ولا خيار للبائع ولو قال: كل ذراع بكذا ونقص أخذه بحصته أو ترك وإن زاد أخذ كله كل ذراع بكذا أو فسخ
ــ
بما لا يدخل تحت الكيلين أو الوزنين أما ما يدخل فلا يجب رده، واختلف في قدره فقيل: نصف درهم في مائة وقيل دانق في مائة لا حكم له وعن أبي يوسف دانق في عشرة كثير وقيل: ما دون عفو في الدينار وفي القفيز المعتاد في زماننا نصف من انتهى. والزيادة الحادثة بعد الكيل قبل القبض للبائع وبعده للمشتري كما لو زادت الحنظة بالبلل وفي المشار إليه إذا بيع بشرط الكيل يكون للبائع إن حدث قبل الكيل وبعده للمشتري كذا في (المحيط).
(وإذا نقص ذراع) من القدر الذي سماه (اخذ) المشتري/المبيع (بكل الثمن أو ترك وإن زاد فللمشتري ولا خيار للبائع) لأن الذرع وصف في الثوب المبيع وكل ما هو وصف في المبيع لا يقابله شيء من الثمن فالذرع في الثوب لا يقابله شيء من الثمن، أما أنه وصف فلأنه عبارة عن الطول والعرض وهما من الأعراض وأما أنه لا يقابله شيء من الثمن فلأن التوابع شأنها كذلك كأطراف الحيوان حتى أن من اشترى جارية فاعورت في يد البائع قبل التسليم لا ينقص شيء من الثمن ولو أعورت عند المشتري جاز له أن يرابح على ثمنها بلا بيان وإنما يتخير لفوات الوصف المشروط المرغوب فيه كما لو اشتراها على أنها بكر فوجدها ثيباً، وكان الزائد له كما لو باعها على أنها ثيب فوجدها بكراً قيل: هذه المسألة من أشكل المسائل إذ لقائل أن يمنع كونه وصفاً والاستدلال عليه بما مر ممنوع لأنه كما يجوز أن يقال: طويل وعريض يقال: قليل وكثير والحق أنه ليس المراد بالوصف هنا كونه صفة عرضية بل هو في الاصطلاح ما يكون تابعاً للشيء غير منفصل إذا حصل فيه يزيده حسناً وإن كان في نفسه جوهراً كذراع من ثوب فإن ثوباً هو عشره أذرع بعشرة إذا نقص منه ذراع لا يساوي تسعة ومن ثم قيل: ما تعيب بالتشقيص والزيادة والنقصان وصف وما ليس كذلك أصل، وقيل: ما لوجوده تأثير في تقوم غيره ولعدم تأثيره نقصان غيره فوصف وإلا فأصل.
قال في (الدراية): مما ظهر أثر الوصفية فيه أنه يجوز بيعه قبل ذرعه سواء اشتراه مجازفة أو شرط الذرع وأن بيع الواحد باثنين منه جائز، وأعلم أن إطلاقه يفيد أن الزيادة له ديانة أيضاً وهو قول أبي حفص الكبير وأبي الليث لكن المذكور في (فتاوى النسفي) و (آمالي) قاضي خان أنها لا تسلم له ديانة كذا في (المعراج).
(ولو قال): على أنه مائة ذراع (كل ذراع بكذا ونقص) عما سماه (أخذ) المشتري الباقي (بحصته أو ترك وإن زاد أخذ كله كل ذراع بكذا أو فسخ) لأن الوصف
стр. 1334
وفسد بيع عشرة أذرع من دار لا أسهم
ــ
وإن كان تابعاً لكنه صار أصلًا بانفراده بذكر الثمن فنزل كل ذراع منزلة ثوب قيل: هذا القدر ممكن في الأولى لأنه ذكر عشرة دراهم في مقابلة عشرة أذرع ومقابلة الجملة بالجملة تقتضي انقسام الآحاد وأجيب بأن الذراع أصل من وجه لأنه من أجزاء العين وصف من وجه لأنه لا يقابله شيء من الثمن فلو جعلناه منقسماً عند ترك ذكر الذراع لزم إلغاء جهة الوصفة من كل وجه فقلنا بالوصفية عند ترك ذكره وبالأصالة عند ذكره عملاً بالشبهين.
قال في (العناية): وفيه نظر لأن قوله: من حيث أنه لا يقابله شيء من الثمن معلول للوصفية فلا يكون علة لها فالأولى أن يقال إذا لم يفرد كل ذراع بالذكر كان كون ذراع مبيع ضمناً ولا معتبر بذلك لما ذكرنا أن الوصف يصير أصلاً إذا كان مقصوداً بالتناول وخير في النقصان لتفرق الصفقة عليه وفي الزيادة لأنه وإن حصلت له الزيادة لكنه لزمته الزيادة في الثمن وفي ذلك ضرر فكان في معنى خيار الرؤية في نفي الضرر وفيه بحث من وجهين:
الأول: أن كل ذراع إن كان بمنزلة ثوب على حدة فسد البيع إذا وجد أكثر أو أقل كما لو كان العقر وارداً على أثواب عشرة وقد وجدت أحد عشر أو تسعة على ما سيأتي أن الذراع لو كان أصلاً بإفراد ذكر الثمن امتنع دخول الزيادة في العقد كما لو باع صبره على أنها عشرة أقفزة فإذا هي أحد عشر فإن الزيادة لا تدخل إلا بصفقه على حدة وأجيب عن الأول بأن الأثواب مختلفة فيكون العشرة المبيعة مجهولة جهالة تفضي إلي المنازعة والذرعان من ثوب واحد ليست كذلك.
وعن الثاني: بأن الذراع لو لم يدخل كان بائعًا بعض الثوب وفسد البيع فحكمنا بالدخول تحريًا للجواز، والقفيز الزائد ليس له كذلك (وفسد بيع عشرة أذرع من دار) أو حمام عند الإمام وقالا: يجوز إذا كانت الدار مائة ولا فرق عنده بين أن يكون من مائة ذراع أو لا في الأصح، وقصر الخصاف الفساد على ما إذا لم يبين جملة الذرعان ويرده أن محمد صورها في (الجامع الصغير) قوله من مائة ذراع من دار.
ولو تبعه المصنف لكان أولى لوجهين: الأول: إفادة الفساد فيما إذا لم يبين جملتها بالأولى، الثاني: ليصح قوله (لا أسهم) إذ الصحة مقيدة بما إذا قال: عشرة أسهم من مائة سهم من دار فإن لم يقل فسد البيع أيضاً لهما أن عشرة أذرع من مائة ذراع عشر الدار فأشبه عشرة أسهم وله أن الذراع اسم لما يزرع به واستعير لما يحله
стр. 1335
وإن اشترى عدلاً على أنه عشرة أثواب فنقص أو زاد فسد ولو بين ثمن كل ثوب ونقص صح بقدره وخير، وإن زاد فسد
ــ
الذراع هو المعين دون/ المشاع فمرجع الخلاف حينئذ مؤدي التركيب فعندهما شائع وبيعه جائز اتفاقاً وعنده قدر معين والجوانب مختلفة الجودة فتقع المنازعة في تعيين العشرة تفسد فهو نظير اختلافهم في نكاح الصائبة ولو تراضياً في تعيينها في مكان لم أره، وينبغي أنه إن كان في المجلس انقلب العقد صحيحا (وإن) كان بعده بيعاً بالتعاطي واختلف المشايخ على قولهما فيما إذا لم يسم جملتها والصحيح عندهما الجواز؛ لأن هذا الجهالة بيدهما إزالتها ومن (اشترى) أي: باع (عدلًا) تعدل الشيء بكسر العين مثله من جنسه في مقداره ومنه عدل الحمل (على أنه عشرة أثواب) بأن بعتك ما في هذا العدل على أنه عشرة أثواب بمائة درهم (فنقص) منه (أو زاد) ثوب (فسد) البيع لجهالة الثمن في النقصان لأنه لا تنقسم أجزاؤه على أجزاء المبيع القيمي فلم يعلم للثوب الناقص حصة معلومة من الثمن المسمى لينقص ذلك القدر منه فكأن الناقص من الثمن قدراً مجهولاً والمبيع في فصل الزيادة لأنه يحتاج إلي رد الزائد فيتنازعان في المردود.
(ولو بين ثمن كل ثوب) بأن قال كل ثوب منه بكذا (ونقص) ثوب (صح) البيع (بقدره) أي: بما يسوى قدر الناقص لعدم الجهالة (وخير) المشتري لتفرق الصفقة عليه (وإن زاد) ثوباً (فسد) البيع لأن جهالة المبيع لا ترتفع به لوقوع المنازعة في تعين العشرة المبيعة من الأحد عشر ومن المشايخ من قال بأنه فاسد عنده في صورة النقصان أيضاً لأنه جمع بين موجود ومعدوم في صفقة فكأن قبول البيع في المعدوم شرطا لقبوله في الموجود واستدل بما في (الجامع) اشترى ثوبان على أنهما هرويان كل ثوب بعشرة فإذا أحدهما مروي فسد البيع فيهما عنده وعندهما يجوز في المروي فإذا فسد بفوات الصفقة فبفوات الأصل أولى قال السرخسي والأصح عندي عدم الفساد في النقصان قول الكل إذ لم يجعل قبول العقد في المعدوم شرطا لقبوله في الموجود بل قصد بيع الموجود إلا أنه غلط في العدد بخلاف مسألة الجامع فأنه قصد الإيجاب فيهما فجعل قبول العقد في كل منهما شرطاً لقبوله في الآخر وهو شرط فاسد وعلى هذا فجعل الشارح الفساد في النقصان رواية فيه نظر بل هو استخراج لبعض المشايخ وليس بصحيح. وفي (البزازية) و (الخلاصة) أشترى عدلًا على أنه كذا فوجده أزيد والبائع غائب يعزل الزائد ويستعمل الباقي لأنه ملكه أنتهى.
وفي (الخانية) اشترى جراباً على أن فيه عشرين ثوباً بكذا فوجده أكثر لا تسلم
следующие страницы →