ويترجح تأخير الصلاة في حالتين:
الأولى: إذا علم عدم وجود الماء.
الثانية: إذا ترجع عنده وجود الماء.
ويترجح تقديم أول الوقت في ثلاث حالات:
الأولى: إذا علم عدم وجود الماء.
الثانية: إذا ترجح عنده عدم وجود الماء.
الثالثة: إذا لم يترجح عنده شيء.
وإذا كان يعلم وجود الماء فعلى القول الراجح أنه لا يلزمه التأخير ولا يتعين عليه, فالتقديم أفضل لعموم قوله - - أيما رجلٌ من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ - , وأيضاً لأن علمه بذلك ليس أمراً مؤكداً, فقد يتخلف لأمر من الأمور وكلما كان الظن أقوى " أي بأنه سيجد الماء " كان التأخير أولى.
وكذلك يقال: إذا دار الأمر بين أن يدرك الجماعة في أول الوقت بالتيمم أو يتطهر بالماء آخر الوقت فيجب عليه تقديم الصلاة أول الوقت بالتيمم لأن الجماعة واجبة.
س٢٥٢: هل إذا تيمم للنافلة له أن يصلي بهذا التيمم الفريضة أم لا ؟
ج/ على قول من قال أن التيمم مبيح قالوا بأنه إذا تيمم لاستباحة عبادة لم يستبح ما فوقها وإنما يستبيح ما دونها فلو أنه تيمم حتى يلبث في المسجد لم يصح أن يصلي به نافلة لأنها فوقها, لكن على الراجح أن التيمم رافع وليس بمبيح (١) , فيقال بأنه إذا تيمم لاستباحة عبادة, استباح ما فوقها وما دونها فمن تيمم لصلاة نافلة صح أن يصلي بذلك فريضة, وصح بذلك أن يمس بهذا التيمم المصحف, وهذا القول هو الراجح.
س٢٥٣: هل يتيمم لما يسن له الوضوء أم لا ؟
ج/ الصحيح أنه يسن ذلك لورود النص في ذلك - لأن النبي - تيمم لرد السلام - (٢).
وقد سبق ذكر مسألة ما تستحب له الطهارة وهي (٣):
١ - عند قراءة القرآن. ٢ - عند الذكر. ٣ - عند الدعاء. ٤ - عند الآذان.
٥ - عند النوم. ٦ - عند الغضب. ٧ - بعد المعصية.
стр. 107
- باب إزالة النجاسة -
الطهارة الحسية إما أن تكون عن حدث وتقدم الحديث عنها, وإما أن تكون عن نجس وخبث وهي المقصودة هنا.
س٢٥٤: ما الخبث ؟
ج/ الخبث عين مستقذرة شرعاً.
وقولنا (عين) أي ليست وصفاً ولا معنى, وقولنا (شرعاً): أي الشرع الذي استقذرها, وحكم بنجاستها وخبثها, والنجاسة إما حكمية وإما عينية.
س٢٥٥: وما المراد بهذا الباب ؟
ج/ المراد بهذا الباب النجاسة الحكمية: وهي التي تقع على شيء طاهر فينجس بها.
وأما العينية: فإنه لا يمكن تطهيرها, فلو أتينا بماء البحر لتطهير روثه حمار مثلاً فإنها لا تطهر أبداً لأن عينها نجسة, إلا إذا استحالت على رأي بعض العلماء.
س٢٥٦: ما أقسام النجاسة ؟
ج/ النجاسة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١. مغلظة ... ٢. متوسطة. ٣. مخففة.
فالمغلظة: كنجاسة الكلب.
والمتوسطة: هي ما عدا النجاسة المغلظة والمخففة.
والمخففة: كبول الغلام الذي يأكل الطعام.
س٢٥٧: هل يجزئ في غسل النجاسات زوال عين النجاسة ولو كانت بغسله واحد أم لابد من التسبيع قياساً على ولوغ الكلب ؟
ج/ الراجح أنه يجزئ في غسل النجاسات زوال عين النجاسة ولو كانت بغسله واحدة, فإن لم تزل إلا بغسلتين فغسلتين وهكذا.
والدليل على ذلك:
قول النبي - لما بال الأعرابي في المسجد - أريقوا على بوله ذنوباً من ماء - (١) , وإن كانت النجاسة ذات جُرم فلابد من إزالة الجُرم (كما لو كانت عذره أو دماً جفّ) ثم يتبع بالماء,
стр. 108
فإن أزيلت بكل ما حولها من رطوبة كما لو اجتثت فإنه لا يحتاج إلى غسل لأن الذي تلوث بالنجاسة قد أزيل.
وفي الاختيارات الجليّة للسعدي (١): (والصحيح في غسل النجاسات كلها غير الكلب أنه يكفي فيها غسله واحدة تذهب بعين النجاسة) , وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (٢): (وهذا يعرف أن السبع مختص بنجاسة الكلب ولوغه وغيره, فبوله وعذرته أنجس من ريقه).
فيستثنى من ذلك نجاسة الكلب فلابد من غسلها سبعاً إحداهن بالتراب إذا ولغ في الإناء.
س٢٥٨: تقدم أن ولوغ الكلب يغسل سبعاً إحداهن بالتراب ففي أي غسله يكون التراب ؟
ج/ الأولى أن يكون التراب في الغسلة الأولى, لما يلي:
أ) ورود النص بذلك.
ب) أنه إذا جعل التراب في أول غسله خفت النجاسة, فتكون بعد أول غسله من النجاسات المتوسطة.
ج) أنه لو أصاب الماء في الغسلة الثانية بعد التراب محلاً آخر غسل ستاً بلا تراب, ولو جعل التراب في الأخيرة وأصابت الغسلة الثانية محلاً آخر غسل ستاً أحدها بالتراب.
س٢٥٩: هل يُجزئ عن التراب في غسل نجاسة الكلب شيء آخر كالإشنان والصابون ونحو ذلك ؟
ج/ على خلاف بين أهل العلم في ذلك والراجح أنه لا يجزئ لأمور:
١. أن الشارع نصّ على التراب فالواجب إتباع النص.
٢. أن السدر والإشنان كانت موجودة في عهد النبي - ولم يُشر إليهما.
٣. لعل في التراب مادة تقتل الجراثيم التي تخرج من لعاب الكلب.
٤. أن التراب أحد الطهورين, لأنه يقوم مقام الماء في باب التيمم إذا عُدم الماء.
قال النبي - - وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً - (٣) , وعلى هذا فالصحيح أنه لا يُجزئ عن التراب غيره, لكن لو فرض عدم وجود التراب, وهذا احتمال بعيد فإن استعمال الإشنان, أو الصابون خير من عدمه.
قال ابن قدامه ﵀: (إنما يجوز العدول إلى غير التراب عند عدمه, أو إفساد المحل المغسول .. وهذا قول ابن حامد) (٤) أ. هـ.
стр. 109
س٢٦٠: هل بول الكلب وروثه يغسل سبعاً كولوغه ؟
ج/ جمهور الفقهاء قالوا بأن روثه وبوله كولوغه بل هو أخبث, والنبي - نصّ (١) على الولوغ لأن هذا هو الغالب, وهذا القول هو الأحوط أنه يغسل من بوله وروثه سبعاً.
س٢٦١: وهل تُلحق نجاسة الخنزير بنجاسة الكلب, أي أنها تُغسل سبعاً أم لا ؟
ج/ الصحيح أنها لا تُلحق, لأن الخنزير مذكور في القرآن وموجود في عهد النبي - ولم يرد إلحاقه بالكلب, وعلى هذا فالصحيح أن نجاسته كنجاسة غيره.
س٢٦٢: هل يلزم غسل الصيد إذا أمسكه كلب الصيد أو صاد بفيه ؟
ج/ إذا صاد كلب الصيد أو أمسك بفيه لا يلزم غسل الصيد سبع مرات إحداهن بالتراب, لأن صيد الكلب مبني على التيسير. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (إن هذا مما عفا عنه الشارع) (٢).
س٢٦٣: هل يضر بقاء طعم النجاسة أو لونها أو ريحها بعد الغسل أم لا يضر ذلك ؟
ج/ إذا غسل النجاسة فإن بقي اللون أو الرائحة فلا يضر ذلك, أما إذا كان الباقي هو الطعم فإن ذلك يضر لأنه يدل على بقاء العين, لما روى أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول أرأيت لو بقي أثره؟ تعني الدم, فقال - يكفيك الماء ولا يضرك أثره - (٣).
س٢٦٤: حكم بول الغلام الذي لم يأكل الطعام ؟
ج/ ينضح بوله, والمراد بالنضح أن تتبعه الماء دون فرك أو عصر حتى يشمله كله, والدليل على ذلك حديث عائشة وأم قيس بنت محصن ﵄ أن النبي - - أتى بغلام فبال على ثوبه فدعاء بماء فنضخه ولم يغسله - (٤).
وفي تحفة المودود لابن القيم (٥): (إنما يزول حكم النضح إذا أكل الطعام وأراده واشتهاه, تغذياً به). والضابط في أكله الطعام كما قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في فتاويه (٦): (ليس المراد امتصاصه ما يوضع في فمه وابتلاعه, بل إذا كان يريد الطعام ويتناوله ويشرئب إليه, أو يصيح أو يشير إليه فهذا هو الذي يطلق عليه أنه يأكل الطعام) أ. هـ.
стр. 110
س٢٦٥: ما الحكمة من كونه يُرش من بول الغلام ويغسل بول الجارية ؟
ج/ الحكمة هي كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في تحفة المودود (١): (وقد فرق بين الغلام والجارية بعدة فروق:
١. أن بول الغلام يتطاير وينتشر ههنا فيشق غسله, وبول الجارية يقع في موضع واحد فلا يشق غسله.
٢. أن بول الجارية أنتن من بول الغلام, لأن حرارة الذكر أقوى, وهي تؤثر في إنضاج البول وتخفيف الرائحة.
٣. أن حمل الغلام أكثر من حمل الجارية لتعلق القلوب به كما تدل عليه المشاهدة, فإذا صحت هذه الفروق وإلا فالمعول على التفريق السنة) أ. هـ.
س٢٦٦: ما كيفية تطهير الأرض إذا أصابتها النجاسة ؟
ج/ إذا طرأت النجاسة على أرض فإنه يشترط لطهارتها أن تزول عين النجاسة أيّاً كانت ولو من كلب بغسلة واحدة فإن لم تُزل إلا بغسلتين, فغسلتان, وبثلاث فثلاث, والدليل على ذلك قول النبي - لما بال الأعرابي في المسجد قال - أريقوا على بوله ذنوباً من ماء - , ولم يأمر بعدد.
وإن كانت النجاسة ذات جرم فلابد أولاً من إزالة الجرم كما لو كانت عِذرة أو دماً جفّ ثم يُتبعه الماء, فإن أزيلت بكل ما حولها من رطوبة كما لو اجتثت اجتثاثاً فإنه لا يحتاج إلى غسل, لأن الذي تلوث بالنجاسة قد أُزيل.
س٢٦٧: هل يُشترط إزالة النجاسة بالماء أم أنها تزول بأي مزيل ؟
ج/على خلاف بين العلماء, والحنابلة يقولون لا يطهر متنجس ولو أرضاً بشمس ولا ريح ولا دلك.
والصحيح في هذه المسألة أن النجاسة إذا زالت بأي مزيل زال حكمها.
قال شيخ الإسلام: (وأما طين الشوارع فمبني على أصل وهو أن الأرض إذا أصابتها نجاسة ثم ذهبت بالريح أو الشمس أو نحو ذلك, هل تطهر الأرض؟ على قولين للفقهاء " إلى أن قال " أحدهما أنها تطهر, وهو مذهب أبي حنيفة وغيره, ولكن عند أبي حنيفة يُصلي عليها ولا يتيمم بها, وهذا القول هو الصواب لأنه قد ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر - أن الكلاب كانت تقبل وتُدبر وتبول في مسجد رسول الله - ولم يكونوا يرشّون شيئاً من ذلك (٢) - , ومن المعلوم أن النجاسة لو كانت باقية لوجب غسل ذلك, وهذا لا ينفي ما ثبت في الصحيح من أنه أمرهم أن يصبّوا على بول الأعرابي الذي
стр. 111
بال في المسجد ذنوباً من ماء فإن هذا يحصل به تعجيل تطهير الأرض, وهذا مقصود بخلاف ما إذا لم يُصب الماء فإن النجاسة تبقى إلى أن تستحيل) أ. هـ (١).
ومن الأدلة على ذلك ما قاله الشيخ محمد العثيمين رحمه الله تعالى (٢): (أن النجاسة عين خبيثة نجاستها بذاتها إذا زالت عاد الشيء إلى طهارته, ومن ذلك أيضاً أن إزالة النجاسة ليست من باب المأمور بل من اجتناب المحظور, فإذا حصل بأي سبب كان ثبت الحكم ولهذا يشترط لإزالة النجاسة نية. فلو نزل المطر على الأرض المتنجسة وزالت النجاسة طهرت) أ. هـ.
س٢٦٨: إذا استحالت النجاسة فهل تطهر أم لا ؟
مثال ذلك:
روث حمار أوقد به فصار رماداً.
ج/ على خلاف بين العلماء:
والراجح في ذلك أن النجاسة إذا انقلبت من عين إلى عين فإنها تطهر بذلك وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) ﵀ وابن القيم (٤).
كذلك للأدلة التالية:
أ- أن الخمر إذا تخللت بنفسها أنها تطهر بالإجماع, وهذا على القول بأن نجاسة الخمر حسية, والصحيح أن نجاسة الخمر معنوية.
ب- أن لبن البهيمة يخرج من بين فرث ودم ويتحول إلى طاهر ومع ذلك يجوز تناوله.
ج- أن النطفة تنقلب إلى علقة أي قطعة دم والعلقة تنقلب إلى مضغة والمضغة تنقلب إلى إنسان ومع ذلك طاهراً, سواء كان مسلماً أو كافراً.
س٢٦٩: هل الخمرة إذا انقلب خلاً تطهر أم لا ؟
ج/ الخمر اسم لكل مسكر هكذا فسره النبي - (٥).
والراجح أن الخمرة إذا انقلبت إلى خل سواء انقلبت بنفسها أو نتيجة معالجة فإنها تكون طاهرة, قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٦): (فقد اتفقوا كلهم على أن الخمر إذا صارت خلاً بفعل الله تعالى صارت حلالاً طيباً, وفي الافصاح (٧): (واتفقوا على أن الخمر إذا انقلب خلاً من غير معالجة الآدمي طهر).
стр. 112
س٢٧٠: إذا خفي موضع النجاسة فهل يتحرى أم لا ؟
ج/ مثال ذلك:
أصابت النجاسة أحد كمي الثوب ولم يعرف أي الكمين أصابته, أو عُلمت موضع النجاسة ثم نُسيت.
الصحيح هنا أنه لا بأس من التحري ولا يلزمه غسل الكمين جميعاً, لقوله - في الشك في الصلاة - فليتحرَ الصواب ثم ليتمَّ عليه (١) -.
فإذا كان هناك مجال للتحري فالإنسان يتحرى, أما إذا لم يكن هناك مجال للتحري فإنه يُغسل حتى يُجزم زوال النجاسة.
فالأحوال أربعة:
١. أن يجزم إصابة النجاسة للموضعين.
٢. أن يجزم أنها أصابت أحدهما بعينه ففي هاتين الحالتين الأمر ظاهر يغسل ما أصابته النجاسة.
٣. أن يغلب على الظن أنها أصابت أحدهما.
٤. أن يكون عنده الاحتمالان سواء, ففي الحالة الثالثة والرابعة الصحيح أنه يتحرى فما غلب على ظنه أنها أصابته غسله.
стр. 113
- ضوابط الأشياء النجسة -
أولاً: الخمر على قول الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀, ولكن الصحيح في هذه المسألة, أنها ليست بنجسة بدليل حديث أنس - - أن الخمر لما حُرمت خرج الناس وأراقوها في الأسواق (١) - وأسواق المسلمين لا يجوز أن تكون مكاناً للنجاسة ولهذا يحرم على الإنسان أن يبول في الطريق ويصْيب فيها النجاسة.
ثانياً: كل حيوان محرم الأكل فهو نجس يستثنى من ذلك ثلاثة أمور:
أ- الآدمي. ب- ما لا نفس له سائلة. ج- ما يشق التحرز منه.
ودليل ذلك:
ما ورد في الصحيحين من حديث أنس أن النبي - قال - إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس - أي نجسه, فدل على أن علة التحريم كونها نجسة, فدل على أن كل محرم الأكل فهو نجس, وعلى هذا نجد العلماء رحمهم الله تعالى يقولون: وسباع البهائم والطير نجسة مثل الذئب والأسد وغيرها.
س٢٧١: ما الدليل على طهارة الآدمي ؟
ج/ دليل طهارة المسلم قوله - في حديث أبي هريرة قال رسول الله - - إن المؤمن لا ينجس (٢) -.
وأما دليل طهارة الكافر, فلأن الله أباح لنا طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم, كما قال تعالى - وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ - (٣) , أما قوله تعالى - إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ - (٤) , فالمراد هنا النجاسة المعنوية وليست النجاسة الحسية.
س٢٧٢: ما معنى (ما لا نفس له سائلة) وما دليل كونه طاهر ؟
ج/ ما لا نفس له سائلة: أي إذا ذبحته فلا يخرج منه دم, مثل سائر الحشرات فهي طاهرة.
стр. 114
والدليل على ذلك:
قول الرسول - - إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء - (١) فدل على أن كل ما لا نفس له سائلة فهو طاهر.
فائدة:
بعض الناس قد يُنكر على من يقع الذباب في إنائه إذا لم يغمسه, وهذا غير صحيح, فالفقهاء ﵏ قالوا: (مراد ذلك إلى شهوة الإنسان إذا اشتهاه فعل ذلك, وإن لم يشتهيه فإنه لا يفعل ذلك, لأن بعض الناس لو فعل ذلك لترتب عليه مفسدة أكبر, فقد لا يتحمل ذلك فربما لو شرب هذا الشراب الذي غمس فيه الذباب تقياً, فإذا كان لا يطيق ذلك فإنه لا يفعل, لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح).
س٢٧٣: ما معنى (ما شق التحرز منه) وما الدليل على طهارته ؟
ج/ ما يشق التحرز منه: مثل الهرة والفأر والحمار والبغل كلها طاهرة لأنه يشق التحرز منها, بدليل قول النبي - في الهرة - إنها ليست بنجس, إنها من الطوافين عليكم والطوافات - (٢).
والمراد بطهارة البغل أو الحمار ونحوهما مما يشق التحرز منه: أي طهارة العَرَق والريق وهذا كله طاهر.
لكن يستثنى من ذلك ما استثناه الشارع: وهو الكلب, فهو كثير الطواف على الناس ومع ذلك قال النبي - - إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فلغسله سبعاً (٣) - , وهذا عام يشمل كلب الحراسة والصيد وغيرهما.
ثالثاً: كل ميتة نجسة, والدليل على هذا الضابط قوله تعالى - قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ - (٤).
ومن الأدلة أيضاً: أن النبي - مرَّ على ميتة يجرونها فقال النبي - - هلا انتفعتم بإهابها, فقالوا: إنها ميتة - (٥).
فهم عللوا على ذلك أنها ميتة, والذي دل على أنها نجسة إن النبي - أقرهم على ذلك, لأنه الأصل أن جلد الميتة نجس, لكن بين النبي - أنه إذا دبغ طهر.
стр. 115
س٢٧٤: ماذا يستثنى من نجاسة الميتة؟ وما الأدلة على ذلك ؟
ج/ يستثنى من ذلك ما يلي:
أ- ميتة الآدمي.
ب- ميتة ما لا نفس له سائلة.
ج- ميتة البحر.
الدليل على طهارة ميتة الآدمي: عموم قوله - - إن المؤمن لا ينجس - , ولحديث ابن عباس ﵄ في قصة الذي وقصته ناقته بعرفة حيث قال - اغسلوه بما وسدر (١) - , وهذه الأدلة تدل على أن بدن الميت ليس بنجس, لأنه لو كان نجساً لم يفد فيه شيئاً, فالكلب لو غُسل ألف مره فإنه لا يظهر.
والدليل على طهارة ما لا نفس له سائلة: قول الرسول - - إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء -.
والدليل على طهارة ميتة البحر: قول الله أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ - (٢).
صيد البحر: هو ما خرج حياً وطعامه ما أخذ ميتاً.
والصحابة أكلوا العنبر الذي قذفه البحر فأقرهم النبي - على ذلك (٣).
رابعاً: كل ما خرج من محرّم الأكل فهو نجس, ودليل هذا قول النبي - - استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه - (٤).
وكذلك النبي - مرَّ بقبرين فقال - إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير, أما أحدهما فكان لا يستتره من البول, وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة - (٥).
س٢٧٥: ماذا يستثنى من هذا الضابط وما أدلة ذلك ؟
ج/ يستثنى من ذلك ريق الآدمي وعرقه ومخاطه ولبن الآدمي ومنيه على القول الراجح وكذا دمعه, واستثنينا المخاط (النخامة) بدليل - أن النبي - تنخم في رداءه - (٦).
стр. 116
واستثنينا الريق للآدمي: لأنه طاهر بدليل أن النبي - كان ينفث ولابد أن يخرج أثناء النفث ريق, ولم يقل النبي - أنه يجب التحرز منه وغسله.
ويستثني من ذلك أيضاً: كل ما خرج من ما لا نفس له سائلة فهو طاهر, والدليل قول النبي - - إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء -.
ويستثنى من ذلك أيضاً: عرق ما يشق التحرز منه وريقه ومخاطه ودمعه, لأن النبي - كان يركب الحمار, وصحابته رضي الله تعالى عنهم كذلك, ولا شك أنه يصيبهم من العرق والريق ولم يؤمروا بغسل ذلك فدل على طهارة هذه الأشياء مما يشق التحرز منه.
خامساً: كل جزء انفصل من حيوان طاهر في حال الحياة ولو كان مأكولاً فهو نجس.
مثال ذلك: شاة قطعت رجلها والشاة طاهرة في حال الحياة, فرجلها هذه نجاسة.
وأيضاً: ما أُبِين من نجس في حال الحياة فهو نجس من باب أولى.
وكذلك ما أُبِين من الهرة وغيرها.
س٢٧٦: ماذا يستثنى من هذا الضابط؟ وما دليل ذلك ؟
ج/ يستثنى من ذلك: الشعر والصوف والوبر والريش والقرن والعظم, بدليل قوله تعالى - وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ (١) - , ولأن هذه الأشياء مما لا تحلها الحياة " أي ليس فيها دم سائل ".
سادساً الدم, وهو على أقسام:
أ- ما يخرج من حيوان البحر: طاهر.
ب- ما يخرج من ما لا نفس له سائلة: كالذباب والبعوض .. فهذا طاهر.
ج- الدم المسفوح: الذي يخرج من المذبح حال الذبح, فهذا نجس لقوله تعالى - أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ (٢) - أي نجس.
د- الدم الخارج من حيوان طاهر حال الحياة, , مثل لو جرحنا رجل شاة فخرج منها دم, فهو نجس, ومن باب أولى إذا كان الحيوان نجس في حال الحياة.
стр. 117
هـ- الدم الخارج من الفرج: فهذا نجس, بدليل حديث أسماء أن النبي - قال في دم الحيض يصيب ثوب المرأة - تحته ثم تقرصه بالماء, ثم تنضحه ثم تصلي فيه - (١).
والدم الخارج من بقية أعضاء الإنسان, كالذي يخرج من الشجة أو الجرح, فهذا طاهر لأن الصحابة كانوا يصلون في جراحاتهم في القتال, وقد يسيل منهم الدم الكثير الذي ليس محلاً للعفو ولم يرد عن النبي - الأمر بغسله, ولم يروَ أنهم كانوا يتحرزون عنه تحرزاً شديداً, بحيث يحاولون التخلي عن ثيابهم متى وجدوا غيرها.
س٢٧٧: ما حكم الدم الذي يخرج من الإنسان وقد تحول إلى قيح أو صديد ؟
ج/ القيح أو الصديد الذي يخرج من الفرج: نجس, لأن القيح والصديد هذا متكون من الدم, فالدم الذي يخرج من الفرج نجس وكذلك القيح والصديد, أما الذي يخرج من بقية البدن فهذا طاهر, فالقيح والصديد لهما حكم ما خرجا منه.
ز- المسك وفأرتة: هذا طاهر, وهو يخرج من نوع من أنواع الغزلان يسمى غزال المسك, يقال أنهم إذا أرادوا استخراج المسك يركضونه فينزل منه دم من سرته فيربطون هذا الدم بخيط, فيترك فيتحول هذا الدم إلى مسك.
ومعنى فأرته: أي جلدته, الجلدة التي تجمّع فيها الدم, والمسك وهو المتكون من الدم.
ح- الدم الباقي بعد خروج النفس من حيوان مذكى: فهذا طاهر لأنه كسائر أجزاء البهيمة, وأجزاؤها حلال طاهرة بالتذكية الشرعية, وكذلك الدم كالدم القلب والكبد والطحال.
س٢٧٨: ما حكم الدم النجس إذا كان يسيراً ؟
ج/ إذا أصاب البدن أو الثوب يسير من الدم النجس فإنه يعفى عنه, ويستثنى من ذلك الدم الخارج من السبيلين فلا يعفى عن يسيره, لأن النبي - لّما سألته النساء عن دم الحيض يصيب الثوب, أمر بغسله دون تفصيل كحديث أسماء السابق.
س٢٧٩: ما الحكم لو وطء الإنسان نجاسة ؟
ج/ إذا وطئ على نجاسة فتيقن أنها نجاسة أو غلب على ظنه ذلك فيكفي مسحها كما يفعل بخفه إذا وطئ على نجاسة. قال ابن القيم ﵀ (٢): (الخف والحذاء إذا أصابته النجاسة أسفله أجزأ دلكه بالأرض مطلقاً .. لما روى أبو هريرة - - إذا وطء أحدكم بنعليه الأذى فإن التراب طهور - (٣).
стр. 118
- مسائل في الحيض والاستحاضة -
س٢٨٠:ما تعريف الحيض في اللغة والاصطلاح ؟
ج/ الحيض لغة: السيلان, يقال حاض الوادي إذا سال, ويقال حاضت الشجرة, إذا خرج منها شيء أحمر يشبه الدم.
اصطلاحاً: دم طبيعة وجبلة, يخرج من الأنثى في أوقات معلومة.
س٢٨١: ما حد الحيض بالنسبة للسنين بداية ونهاية؟ وما أدلة ذلك؟ وما وجه الدلالة منها ؟
ج/ لا حد لأقل الحيض شرعاً بالنسبة للسنوات, فمتى ما رأت المرأة دم الحيض, فهو حيض سواء كان عمرها ثماني سنوات, أو تسع سنوات, أو أقل أو أكثر, وبه قال شيخ الإسلام (١).
وأدلة ذلك ما يلي:
أ- قوله تعالى - وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً (٢) - , فالله تعالى علق الحكم بوجود الأذى, الذي هو الدم, فإذا وجد الأذى وجد حكم الحيض.
ب- حديث عائشة ﵂ لما سئلت ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله - فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة - (٣).
ج- حديث عائشة أن النبي - قال - فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة, وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم, ثم صلي - (٤).
فالنبي - علق أحكام الحيض على إقباله وإدباره, دون النظر إلى سن معينة.
فدل على أنه متى رؤي دم الحيض تركت من أجله الصلاة.
أما نهايته بالنسبة للسنين فالراجح فيه:
أنه لا يحد بسن محددة, فمتى ما رأت الدم " دم الحيض " فو حيض سواءً كان عمرها أربعين سنة, أو خمسين سنة, أو خمساً وخمسين, أو أكثر أو أقل, ولما تقدم من الأدلة على عدم تحديد أقل الحيض بسن معينة.
فالخلاصة:
أن دم الحيض بالنسبة للسنين لا حد لأقله, ولا لأكثره, فالحكم معلق بوجود دم الحيض, فمتى ما رأته المرأة فهو حيض تأخذ أحكام الحائضات, والله أعلم.
стр. 119
س٢٨٢: ما حدُّ الحيض بالنسبة للأيام؟ وما الأدلة على ذلك؟ وما وجه الدلالة ؟
ج/ لا حد لأقل مدة الحيض وأكثره بالنسبة للأيام, فلو رأت المرأة دم الحيض يوماً وليلة, أو أكثر فهو حيض.
للأدلة الآتية:
١ - قوله تعالى - وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ (١) - , فالله تعالى علق الاعتزال على وجود الأذى, فمتى ما وجد الأذى سواءً كان يوماً وليلة, أو أقل أو أكثر, وجب الاعتزال فدل على أن حكم الحيض معلق بوجود الأذى.
٢ - حديث عائشة ﵂ أن النبي - قال - فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة, وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم, ثم صلي - (٢) , فالرسول - علّق أحكام الحيض على إقباله وإدباره, دون النظر إلى مدة معينة.
٣ - حديث عائشة ﵂ لما حاضت قال لها النبي - - افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري (٣) - , فالنبي - علق أحكام الحيض على وجوده, ولم يعلق بمدة معينة.
لكن المرأة إذا رأت الدم أقل من عادتها المعروفة, أو أكثر من عادتها, أن تحتاط في هذا الدم, وأن تنظر فيه, فقد لا يكون حيضاً إما لكونه شيئاً لا يعتبر أذى, أو دم عرق غير دم طبيعي, والله أعلم.
س٢٨٣: ما غالب المدة في أيام الحيض ؟
ج/ غالب مدة الحيض ستة أيام أو سبعة في الشهر مرة واحدة , لقوله - لحمنة بنت جحش - تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة ̧ثم اغتسلي وصلي أربعة وعشرين يوماً, أو ثلاثة وعشرين يوماً, كما يحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهن (٤) - وقد دل عليه أيضاً الاستقراء.
والطب يقرر في الوقت الحاضر على أن الحيض لا يتكرر على المرأة في الشهر أكثر من مرة واحدة, والله تعالى أعلم.
стр. 120
س٢٨٤: بعض النساء ربما طهرت من حيضتها ثم عاودها الدم مرة أخرى بعد فترة قصيرة كعشرة أيام أو خمسة أيام مثلاً فهل يعتبر هذا حيض أم لا ؟
ج/ في المسألة خلاف:
المشهور من المذهب: أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً, وعلى هذا إذا طهرت من حيضتها ثم عاودها الدم مرة أخرى قبل ثلاثة عشر يوماً, فإنه لا يأخذ أحكام الحيض.
ويرى آخرون من أهل العلم, وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀ (١): أنه لا حد لأقل الطهر بين الحيضتين, لما يلي:
أ- قوله تعالى - وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ (٢) - فالله تعالى علق الاعتزال على وجود الأذى وقد وجد, فدل على أن الحيض معلق بوجود الأذى, دون النظر إلى مدة الطهر.
ب- حديث عائشة ﵂, أن النبي - قال - فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة, وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم, ثم صلي - (٣) , فالرسول - علق أحكام الحيض على إقباله, دون النظر إلى مدة الطهر.
ج- وأيضاً يقال هذه التقديرات لم ترد في الكتاب والسنة ولو كانت معتبرة لينها الشارع, لأنه يتعلق بها أمور عظيمة كالصلاة والصيام والطلاق .. الخ, وعلى هذا فالصحيح أنه لا حد لأقل الطهر بين الحيضتين.
س٢٨٥: ما أكثر الطهر بين الحيضتين ؟
ج/ لا حد لأكثر الطهر بين الحيضتين بالإجماع, فقد تجلس المرأة شهراً أو شهرين, أو أكثر لا يأتيها الحيض, ومن النساء من لا تحيض أبداً, ومن النساء من تجلس أربعة أشهر لا يأتيها الحيض, ثم يأتيها الحيض لمدة شهر كامل.
س٢٨٦: هل الحامل تحيض ؟
ج/ اختلف العلماء في الحامل هل تحيض أم لا؟
стр. 121
والأقرب: ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة وأحمد, أن الحامل لا تحيض, وقد ثبت عن عائشة ﵂ في الحامل ترى الدم, قالت - تغتسل وتصلي (١) - , ويعضد هذا أَّنه قول الأطباء في الوقت الحاضر.
وعلى هذا فما تراه الحامل من دم لا تترك من أجله العبادات, فتصلي بعد غسل الفرج والتلجم والوضوء, وكذلك تصوم وغير ذلك من العبادات, ولا يُمنع زوجها من وطئها.
لكن لو تيقنت الحامل أن هذا الدم النازل معها أنه دم حيض فإنها تعتبره حيضاً, قال الشيخ محمد بن إبراهيم في فتاويه (٢): (والحبلى وما يصيبها في حال حبلها المعروف والصحيح أنه إذا كان بوقته وصفته فإنه حيض, أما الأشياء التي تضرب فهي تلحق بدم الفساد فإن الحبلى يعتريها شيء من الدم غير الحيض وهو ما يصيب الجنين مما تراق معه شيء من الدماء, وهذا هو الصحيح الذي يفتي به المحققون) أ. هـ.
وفي رسالة الدماء الطبيعية للشيخ محمد بن عثيمين (٣): (والصواب أنه حيض إذا كان على وجه المعتاد في حيضها, لأن الأصل فيما يصيب المرأة من الدم أنه حيض إذا لم يكن له سبب يمنع من كونه حيضاً, وليس في الكتاب والسنة ما يمنع حيض الحامل) أ. هـ.
س٢٨٧: ما الحكم إذا طهرت المرأة قبل تمام عادتها؟ مثل أن تكون عادتها ستة أيام فترى الطهر لخمسة أيام مثلاً .
ج/ يجب عليها أن تغتسل, وتأخذ أحكام الطاهرات من وجوب العبادات وغيرها.
ودليل ذلك:
ما تقدم من الآية, وحديث عائشة ﵂ في المسألة السابقة.
س٢٨٨: إذا تقدمت عادة المرأة كأن تكون في آخر الشهر, فرأت الدم في أوله, أو تأخرت كأن تكون أول الشهر, فرأت الدم آخره فما الحكم ؟
ج/ تكون حائضاً, لما تقدم من الآية الكريمة, وحديث عائشة ﵂, ففيهما دلالة على أن المرأة متى رأت الأذى الذي هو دم الحيض أخذت أحكامه, والله أعلم.
стр. 122
س٢٨٩: ما الحكم في الزيادة على دم العادة, كأن تكون عادة المرأة ستة أيام من كلّ شهر, فيستمر معها الدم سبعة أو ثمانية أيام ؟
ج/ فيه خلاف بين أهل العلم, والراجح أن هذه الزيادة حيض لقوله تعالى - وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً - (١) , فما دام الدم موجوداً, فالأذى موجود.
ولحديث عائشة ﵂ أن النبي - قال - فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة, وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي (٢) -.
فالنبي - علق أحكام الحيض على إقبال الحيض ووجوده, وهذا يشمل ما إذا زاد على عادة المرأة.
هذا من حيث الجملة, لكن يجب على المرأة أن تحتاط في الدم إذا زاد على غالب عادتها, فقد لا يكون دم طبيعة, بل دم عرق لسبب من الأسباب, فتنظر فيه, والنبي - أرجع المستحاضة إلى عادتها, كما في حديث عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي - قالت - إني أستحاض فلا أطهر, أفادع الصلاة؟ فقال: لا, إن ذلك عرق, ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها, ثم اغتسلي وصلي - (٣) , وفي قوله - لأم حبيبة - امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي (٤) -.
س٢٩٠: ما حكم انقطاع الدم في زمن الحيض ؟
ج/ إن كان الانقطاع مدة يسيرة كساعة وساعتين, ونصف يوم مثلاً, فلا عبرة به ويلحق بالحيض, لأن الدم ينقطع تارة, ويجري أخرى, وفي إيجاب الغسل على من تطهر ساعة أو ساعتين حرج ومشقة, وأما إن كان النقاء لمدة يوم فأكثر, فيحكم عليه بالطهر, وهذا اختيار ابن قدامة ﵀ (٥).
مثال ذلك:
امرأة عادتها مثلاً سبعة أيام أتاها الدم في اليوم الأول والثاني والثالث والرابع, وانقطع عنها في اليوم الخامس, ثم عاد الدم مرة أخرى في اليوم السداس والسابع, فما حكم ذلك اليوم؟
فيقال:
أن النقاء إن كان مدة يسيرة كخمس أو ست ساعات مثلاً فحكمه حكم الحيض, وإن كان يوماً كاملاً فأكثر فحكمه حكم الطهر, فعلى هذا تغتسل وتصلي في ذلك اليوم وتأخذ أحكام الطاهرات, والله أعلم.
стр. 123
- حكم الصفرة والكدرة -
س٢٩١: ما معنى الصفرة والكدرة ؟
ج/ الصفرة: ماء كالصديد يعلوه صفره. والكدرة: ماء ممزوج بحمرة.
س ٢٩٢: ما حالات الصفرة والكدرة ؟
ج/ الصفرة والكدرة لهما ثلاث حالات:
١ - أن تكون الكدرة والصفرة قبل الحيض فلا عبرة بهما.
مثال ذلك:
قبل نزول دم الحيض تأتي بعض النساء كدرة أو صفرة لمدة يوم أو يومين مثلاً, فلا عبرة بهما, وتنتظر حتى ينزل عليها الدم, وعلى هذا تصلي المرأة وتصوم, ولا تأخذ أحكام الحائضات, حتى ولو كان هناك قرينة لقرب نزول دم الحيض كأوجاع العادة ونحو ذلك, لما في صحيح البخاري - كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئاً (١) -. وأما كيفية تطهيرها فسيأتي بيان ذلك في أحكام المستحاضة.
٢ - أن تكون الكدرة أو الصفرة في زمن العادة فحيض:
مثال ذلك:
امرأة عادتها ستة أيام مثلاً, يأتيها الدم في اليوم الأول والثاني, ثم في اليوم الثالث مثلاً ترى كدرة أو صفرة, ثم يعاودها الدم في اليوم الرابع, والخامس, والسادس, فهذه تأخذ أحكام الحيض, بمعنى أن الكدرة والصفرة " في مثل هذه الحالة " تأخذ حكم الحيض.
٣ - أن تكون الكدرة أو الصفرة في آخر زمن الحيض:
فإذا كان هذا بعد الطهر فلا عبرة بالكدرة والصفرة هنا, وتأخذ المرأة أحكام الطاهرات, فإذا رأت الدم وما يتبعه من كدرة وصفرة فهو حيض, وإذا طهرت سواء كانت تعرف طهرها بالنشاف أو بالقَصَّة البيضاء, فلا عبرة بالكدرة والصفرة بعد ذلك, لما في صحيح البخاري - كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئاً - , وفي أبي داود - بعد الطهر (٢) -.
ولما ثبت عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين أنها قالت - كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بالدرجة فيها الكرسف فيها الصفرة من دم الحيضة, فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء (٣) - , فدل على أنها قبل الطهر حيض إذا لم تتطاول الصفرة أو الكدرة, بأن تكون الصفرة أو الكدرة مع دم الحيض كغالب عادة النساء أو قريب من ذلك, لأن النبي - أرجع المستحاضة إلى عادتها.
стр. 124
س٢٩٣: بعض النساء تذكر أن الصفرة أو الكدرة تستمر معها إلى عشرة أيام أو اثنى عشر يوماً, فما الحكم ؟
ج/ إذا تجاوزت الصفرة أو الكدرة العادة الغالبة للنساء تغتسل وتصلي, وتأخذ حكم الطاهرات.
س٢٩٤: بعض النساء ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة أيام فقط, ثم ينقطع عنها الدم وتستمر معها الكدرة أو الصفرة, فما الحكم ؟
ج/ الصفرة والكدرة هنا معتبرة, حتى تطهر أو تبلغ عادة غالب النساء, وهي ستة أيام أو سبعة, لأن النبي - أرجع المستحاضة إلى عادتها الغالبة لحديث فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ أنها سألت النبي - - إني أستحاض, فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: لا. إن ذلك عرق, ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها, ثم اغتسلي وصلي - (١).
وكذا فيما يظهر لو رأت المرأة دماً كعادة غالب النساء ستة أيام أو سبعة, ثم رأت صفرة أو كدرة, فلا عبرة لها, إلحاقاً لهذه الصفرة أو الكدرة بدم الاستحاضة, وقد تقدم أمر النبي - للمستحاضة أن تجلس قدر عادتها, ولتيقن وجوب الصلاة عليها.
س٢٩٥: ما علامة طهر الحائض ؟
ج/ للطهر من الحيض علامتان:
الأولى: القصة البيضاء: وهي عبارة عن سائل أبيض يقذفه الرحم آخر الحيض.
الثانية: الجفاف بأن ينقطع عنها الدم, ولا تتغير معه القطنة إذا احتشت بها.
- الأشياء التي تحرم بالحيض -
يحرم بالحيض ما يلي:
أولاً: الوطء في الفرج, فالوطء في الفرج في حال الحيض محرم ولا يجوز, لقوله تعالى - وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ - (٢).
ولقول النبي - في حديث أنس - أصنعوا كل شيء إلا النكاح - (٣).
стр. 125
س٢٩٦: ما حكم الاستمتاع فيما عدا ما بين السرة إلى الركبة ؟
ج/ الاستمتاع فيما عدا ما بين السرة إلى الركبة, أي ما تحت الركبة وفوق السرة جائز, وقد حكى الإجماع على ذلك.
وظاهر حديث أنس السابق وهو قول النبي - - اصنعوا كل شيء إلا النكاح - أن الاستمتاع فيما بين السرة والركبة أي فوق الركبة, وتحت السرة دون الجماع أنه جائز فالتحريم لموضع الحيض, ولأن الأصل الحل, لقوله تعالى - إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ (١) -.
لكن السنة كما قالت عائشة - كان النبي - إذا أراد أن يباشرها يأمرها أن تتزر (٢) -.
وفي سنن أبي داود - إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً - (٣) , ومن يخشى على نفسه الوقوع في الوطء عليه أن يجتنب ذلك أي الاستمتاع فيما بين السرة والركبة.
ثانياً: الطلاق, فيحرم في حال الحيض طلاق الزوجة, بدليل قوله تعالى - فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ - (٤) , وطلاق المرأة في حال حيضها طلاق لغير العدة.
س٢٩٧: ما معنى طلاق المرأة في حال حيضها طلاق لغير العدة ؟
ج/ أي أنها لا تشرع في العدة إذا طلقت حال الحيض, لحديث ابن عمر في الصحيحين أنه طلق امرأته وهي حائض فغضب النبي - وقال لعمر - مره فليراجعها حتى تطهر, ثم تحيض, ثم تطهر, ثم تحيض, ثم تطهر, فإن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس, فتلك العِدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء - (٥) , فالحديث بّين معنى قوله تعالى - فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ - فدل على أن الطلاق إنما يكون في حال طهر قبل أن يمس, فالطلاق في حال الحيض محرم.
ثالثاً: الصلاة, يحرم على الحائض أن تصلي وهي حائض ولا تجب عليها, لحديث عائشة ﵂ قالت - كنا نؤمر بقضاء الصوم, ولا نؤمر بقضاء الصلاة - (٦)
стр. 126
س٢٩٨: ما الحكم لو أن امرأة أدركت من أول الوقت مقدار ركعة كاملة بسجدتيها بأن مضى مقدار ركعة من الوقت أي بعد دخوله, ثم حاضت قبل أن تصلي ؟
ج/ إذا طهرت يجب عليها قضاء هذه الصلاة التي أدركت من أول وقتها مقدار ركعة, لحديث أبي هريرة أن النبي - قال - من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة - (١).
وهذا أحوط من قول شيخ الإسلام: أنه لا يجب على الحائض قضاء الصلاة, إلا إذا أخرت الصلاة حتى تضايق وقتها بحيث لم يبق مقدار ما تصلي فيه, ثم حاضت, فيجب عليها القضاء.
س٢٩٩: ما الحكم لو أن المرأة طهرت قبل خروج الوقت بمقدار ركعة ؟
ج/ تبادر بالاغتسال وتقضي هذه الصلاة حتى ولو خرج الوقت وهي تغتسل, لحديث أبي هريرة السابق.
س٣٠٠: لو أدركت المرأة من وقت العصر مقدار ركعة قبل خروج الوقت, فهل يجب عليها ما يجمع معها وهي صلاة الظهر, وكذا لو أدركت من وقت العشاء مقدار ركعة قبل خروج الوقت فهل يجب عليها ما يجمع معها وهي صلاة المغرب أم لا ؟
ج/ المسألة على خلاف, والأقرب أنه لا يجب عليها إلا الصلاة التي أدركتها, لحديث عائشة ﵂ كنا نؤمر بقضاء الصوم, ولا نؤمر بقضاء الصلاة -.
ومما يعضد ذلك أن القائلين بوجوب ما يجمع معها كالحنابلة مثلاً يقولون لو أن المرأة بعد ما دخل وقت صلاة الظهر أو المغرب, وقد مضى مقدار ما تدرك به الصلاة, ثم حاضت قبل أن تصلي, فإنه لا يجب عليها إذا طهرت إلا تلك الصلاة التي أدركت, أي صلاة الظهر, أو المغرب, دون العصر والعشاء, الله أعلم.
فيقال:
فكذلك إذا طهرت قبل خروج وقت العصر بمقدار ركعة, أو العشاء قبل نصف الليل, فلا يجب عليها إلا صلاة العصر وصلاة العشاء.
رابعاً: الصوم, وهذا بالإجماع, فالمرأة إذا حاضت حرم عليها الصوم ولو صامت فصيامها غير صحيح, لحديث أبي سعيد الخدري أن النبي - قال - أليس إذا حاضت لم تصلِ, ولم تصمْ؟ - (٢).
وأيضاً يجب عليها القضاء بالإجماع, لحديث عائشة ﵂ كنا نؤمر بقضاء الصوم, ولا نؤمر بقضاء الصلاة - (٣).
стр. 127
س٣٠١: ما الحكم لو أن المرأة أحست بانتقال الدم قبل الغروب, ولم يخرج إلا بعد الغروب ؟
ج/ صيامها صحيح, ولو أنه خرج قبل الغروب ولو بلحظة واحدة فصيامها غير صحيح, ويلزمها قضاء ذلك اليوم.
س٣٠٢: لو أن المرأة خرج الدم منها بعد الغروب وقبل الصلاة ؟
ج/ صيامها في ذلك اليوم صحيح, لكن يلزمها قضاء تلك الصلاة إذا طهرت, إذا كانت أدركت من أول الوقت مقدار ركعة, كما تقدم.
س٣٠٣: ما الحكم فيمن طهرت قبل الفجر بلحظة واحدة ؟
ج/ لو طهرت قبل الفجر بلحظة واحدة صح صيامها, ولو لم تغتسل إلا بعد الفجر, ولو أنها طهرت بعد الفجر بلحظة واحدة لم يصح صومها.
خامساً: مس المصحف, ليس للحائض أن تمس المصحف إلا من وراء حائل, لما رواه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده - أن النبي - كتب إلى أهل اليمن كتاباً وفيه: وأن لا يمس القرآن إلا طاهر (١) -.
قال شيخ الإسلام: (قال أحمد: لا أشك أن النبي - كتبه له) (٢) , وأيضاً لما في الموطأ بإسناد صحيح عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص وقال - كنت أمسك المصحف لسعد فاحتككت , فقال: لعلك مسست ذكرك! قلت: نعم. فقال: قم فتوضأ (٣) - , فيدل على أن المحدث ليس له أن يمس القرآن حتى يتطهر, والحائض محدثة, وهذا هو قول أكثر أهل العلم, وهو الراجح.
س٣٠٤: الحائض هل تقرأ شيئاً من القرآن أم لا ؟
ج/ فيه خلاف بين أهل العلم:
والراجح في هذه المسألة ما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀: أن الحائض لها أن تقرأ القرآن, لعمومات الأمر بقراءة القرآن, كقوله تعالى - اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ (٤) -.
ولحديث عائشة ﵂ قالت - كان النبي - يذكر الله على كل أحيانه (٥) -.
ولعدم ثبوت النهي عن قراءة القرآن للحائض, والأصل الأمر بذلك, قال شيخ الإسلام: (ومن المعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله - ولم يكن ينهاهن عن قراءة القرآن, كما لم يكن ينهاهن عن أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله - ولم يكن ينهاهن عن قراءة القرآن, كما لم يكن ينهاهن عن
стр. 128
الذكر والدعاء, بل أمر الحّيض أن يخرجن يوم العيد فيكبرن بتكبير المسلمين, وأمر الحائض أن تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت تلبي وهي حائض, وكذلك المزدلفة ومنى وغير ذلك من المشاعر, وأما الجنب فلم يأمره أن يشهد العيد ولا يصلي ولا يقضي شيئاً من المناسك. فعلم أن الحائض يُرخص لها فيما لا يُرخص للجنب, وإن كانت عدتها أغلظ فكذلك قراءة القرآن لم ينهها الشارع عن ذلك) أ. هـ (١).
سادساً: الطواف, لا يجوز للحائض أن تطوف بالبيت, لقوله - لعائشة - افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت (٢) - , ولما قيل له - - إن صفية قد حاضت, قال: أحابستنا هي؟ قيل له: إنها قد أفاضت, قال: فلتنفر إذاً - (٣).
س٣٠٥: ماذا تفعل من جاءها الحيض وهي لم تطف طواف الإفاضة ؟
ج/ تنتظر حتى تطهر, أو ترجع إلى بلدها وتبقى عل إحرامها, فإذا طهرت رجعت إلى مكة وطافت, فإذا لم يتيسر لها ذلك أي أن رفقتها لا يمكن أن ينتظروها وإذا سافرت إلى بلدها لا تستطيع الرجوع طافت للضرورة بعد ما تستنفر ولكن يُقيد ذلك بالضرورة, والواجب عدم التساهل في ذلك.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في الاختيارات (٤): (يجوز للحائض الطواف للضرورة).
سابعاً: اللبث في المسجد.
س٣٠٦: هل يجوز للحائض اللبث في المسجد إذا أمنت تلويثه ؟
ج/ يحرم على الحائض اللبث في المسجد حتى لو أمنت تلويثه, للأدلة الآتية:
أ- قوله - لعائشة لما حاضت - افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي في البيت حتى تطهري (٥) -.
ب- قوله - لعائشة - ناوليني الخمرة من المسجد فقالت إني حائض, فقال: إن حيضتك ليست في يدك (٦) -.
ج- ما ورد في حديث صفية السابق, قال - - أحابستنا هي؟ قالوا: لا, قال: فلتنفرد إذاً -.
د- حديث عائشة ﵂ قالت - كن المعتكفات إذا حضن أمر رسول الله - بإخراجهن من المسجد (٧) -.
стр. 129
ثامناً: المرور في المسجد إن خافت تلويثه.
الحائض إذا دخلت المسجد لحاجة ثم خرجت, فلا بأس بذلك بشرط أن تأمن تلويثه, أما إذا لم تأمن تلويثه فلا يجوز لها حتى المرور في المسجد.
- الكفارة في وطء الحائض مقدارها وشروط إيجابها -
لا خلاف أنه يحرم على الزوج وطء زوجته في حال حيضها كما تقدم, ويحرم عليها هي أن تمكنه من نفسها, وإن وطئها وجبت عليه كفارة.
وهذا من مفردات الحنابلة, وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية, وابن القيم, ودليل ذلك:
حديث ابن عباس أن النبي - قال - في الذي يأتي امرأته وهي حائض يتصدق بدينار أو نصف دينار - (١) , وقد ثبت هذا عن ابن عباس موقوفاً لا مرفوعاً.
مقدار الكفارة: دينار, أو نصف دينار يخير بينهما. والدينار يساوى مثقالاً, والمثقال يساوي الآن بالغرامات (٤،٢٥) غرامات, فيخرج هذه الغرامات أو نصفها أو قيمة ما سبق.
س٣٠٧: ما شروط إيجاب الكفارة في وطء الحائض ؟
ج/ شروط إيجاب الكفارة هي:
١ - أن يكون مختاراُ, فإن كان مكرهاً فلا كفارة عليه, ولا إثم, لقوله تعالى - إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ - (٢) , فلو أكره الزوج زوجته على الجماع حال الحيض, ولم تطاوعه فلا شيء عليها, وكذا لو أكرهته هي.
٢ - أن يكون ذاكراً, فإن كان ناسياً فلا شيء عليه, لقوله - - إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما أستكرهوا عليه - (٣).
٣ - أن يكون عالماً فإن كان جاهلاً للحال, أي لم يعلم أنها حائض, أو كان جاهلاً للحكم الشرعي, أي أنه لا يعلم أن وطء الحائض حرام, فلا كفارة عليه.
стр. 130
أما إن كان جاهلاً أن عليه كفارة, أي يعلم أنها حائض ويعلم أن وطء الحائض حرام, ولكن يجهل أن عليه كفارة فهنا لا يعذر وتجب عليه الكفارة.
والمرأة عليها كفارة مستقلة أيضاً إذا توفرت فيها الشروط السابقة, بأن كانت ذاكرة مطاوعة للزوج وعالمة بأنها حائض, وأن وطء الحائض محرم.
стр. 131
- أحكام المستحاضة -
س٣٠٨: ما تعريف الاستحاضة ؟
ج/الاستحاضة: استفعال من الحيض وهو دم يخرج من عرق يقال له العاذل.
والمذهب: أن المستحاضة هي من جاوز دمها خمسة عشر يوماً.
والقول الثاني للحجاوي: أن المستحاضة هي من رأت دماً لا يصلح أن يكون دم حيض ولا نفاس.
وهذا هو الأقرب. فيشمل من استمر عليها الدم فلم ينقطع عنها أبداً, أو انقطع مدة يسيرة, ويشمل من ترى دماً في غير أيام عادتها, لا يصلح أن يكون حيضاً, والله أعلم.
س٣٠٩: ما الفرق بين دم الحيض وبين دم الاستحاضة ؟
ج/ ذكر العلماء فروقاً بين دم الحيض, والاستحاضة كما يلي:
١. الفرق الأول في صفة الدم: فدم الحيض يميل إلى السواد, وأما دم الاستحاضة فهو أحم, يميل إلى الصفرة.
٢. دم الحيض ثخين, وأما دم الاستحاضة فهو رقيق.
٣. دم الحيض له رائحة كريهة, بخلاف دم الاستحاضة فلا رائحة له.
٤. دم الحيض يخرج من أقصى الرحم, وأما دم الاستحاضة فهو يخرج من أدنى الرحم من عرف يقال له العاذل.
٦. دم الحيض لا يتجمد إذا ظهر, لأنه تجمد في الرحم, ثم انفجر, وأما دم الاستحاضة فيتجمد إذا ظهر.
س٣١٠: ما أحوال المستحاضة؟ وما أحكامها؟ وما أدلة ذلك ؟
ج/ المستحاضة لها أحوال وهي:
الأولى: أن تكون معتادة.
مثال ذلك:
امرأة لها حيض معتاد من أول الشهر إلى اليوم السادس, ثم أطبق عليها الدم بعد ذلك واستمر معها, فهذه ترجع إلى عادتها, أي تجلس من (١ - ٦) ثم تغتسل, ويصبح حكمها حكم الطاهرات, إلا في بعض المسائل, كما سيأتي بيانه, ولو كان الدم ما زال مستمراً معها.
стр. 132
ودليل هذا القسم: حديث عائشة, وفي قوله - لأم حبيبة - امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي (١) -.
الثانية: أن تكون المرأة لها عادة ولها تمييز صالح.
بمعنى أن لها عادة, في أول الشهر مثلاً, وترى دماً متميزاً صالحاً, لكونه حيضاً وسط الشهر, أو آخره, فهذه ترجع إلى عادتها, أو إلى تمييزها؟
في المسألة خلاف بين أهل العلم, فالمذهب أنها ترجع إلى عادتها حتى لو كانت تميز الدم, فعلى هذا تجلس عادتها, فلو كانت عادتها مثلاً ما بين (١ - ٥) فإنها تجلس هذه الفترة, ثم تغتسل بعد ذلك وتأخذ أحكام الطاهرات, إلا في بعض المسائل, كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
والدليل على ذلك:
حديث عائشة ﵂ المتقدم, ولأنه أضبط لها, لأن التمييز قد يضطرب عليها.
الثالثة: أن تكون لها عادة وتمييز لكنها نسيت عادتها.
بمعنى أنها لا تدري متى عادتها وهل هي في أول الشهر أو في وسطه, أو في آخره, ولكنها ترى دماً متميزاً, فمثلاً ما بين (٢٠ - ٢٥) ترى دماً أسوداً ثخيناً, فهذه ترجع للتمييز وتجعله عادة لها, ثم تغتسل بعد هذا الدم المتميز.
وإن لم يكن لها تمييز, وقد نسيت زمن عادتها فلا تدري هي في أول الشهر, أو في وسطه, أو آخره, فهذه تجلس كعادة قريباتها من أول يوم رأت الدم, ثم بعد ذلك تغتسل.
الرابعة: ألا تكون لها عادة.
أي جاء معها الدم أول مرة, واستمر معها, فلم يكن لها عادة سابقة, وتسمى المبتدأة, فإن كان لها تمييز صالح رجعت إليه وأخذت به, وإن لم يكن لها تميز صالح أخذت بعادة نسائها, أي من تشابهها من أقاربها في السن والخلقة, فإذا كانت قريبتها عادتها ستة أيام مثلاً أخذت بذلك, وجلست ستة أيام من حين رأت الدم.
ودليل ذلك:
حديث عائشة ﵂, أن النبي - قال لأم حبيبة - امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي - , فالنبي - أرجع المستحاضة لعادتها, وهذه لا عادة لها, فتأخذ بعادة قريباتها.
стр. 133
س٣١١: هل المستحاضة تأخذ حكم الطاهرات في كل الأحكام أم لا ؟
ج/ المستحاضة حكمها حكم الطاهرات إلا أنها تخالفها في أحكام هي:
الحكم الأول: وقت وضوء المستحاضة, في المسألة خلاف, فالمذهب أنها تتوضأ في وقت كل صلاة, لقوله - في حديث عروة عن عائشة قالت - جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - فذكرت خبرها, قال: اغتسلي ثم توضئي لكل صلاة - (١) , أي لوقت كلّ صلاة , ولأمر النبي - فاطمة بنت أبي حبيش بغسل دم الاستحاضة عنها مع الصلاة, وهي في الصحيحين كما سيأتي.
مثال ذلك:
إذا دخل عليها وقت المغرب مثلاً, فإنها تتوضأ, ثم , ثم بعد ذلك تصلي فيه ما شاءت من الفرائض والنوافل, فتصلي المغرب والسنة الراتبة, وتمس القرآن وتفعل العبادات المطلقة في وضوئها هذا, فإذا دخل وقت العشاء عليها, فإن أرادت أن تصلي الفريضة فلابد أن تتوضأ مرة أخرى.
والقاعدة في ذلك:
أن كل عبادة مؤقتة إذا دخل وقتها, فإنها تتوضأ لها, وإذا خرج وقتها فالطهارة لا تبطل, فلها أن تفعل العبادات غير المؤقتة بالوضوء السابق.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (أن الأحداث اللازمة كدم الاستحاضة, وسلس البول لا تنقض الوضوء ما لم يوجد المعتاد, وهو مذهب مالك. ولكن رأي الجمهور كأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل. .إلى أن قال: فلهذا أظهر قولي العلماء أن مثل هؤلا يتوضئون لكل صلاة أو لوقت كل صلاة) (٢).
ولكن الراجح هو أنه:
لا يلزم المستحاضة أو من حدثه دائم الوضوء بحدث الاستحاضة ونحوه ما لم يوجد الحدث المعتاد.
وأما قوله - - ثم توضئي لكل صلاة - فهذا لا يثبت مرفوعاً إلى النبي -.
الحكم الثاني: وطء المستحاضة, جماع المستحاضة مباح, وهو قول أكثر الفقهاء. للأدلة الآتية:
أ- قوله تعالى - فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ - (٣) , وهذا يشمل المستحاضة.
ب- أن سبع عشرة امرأة في عهد النبي - استحضن ومع ذلك لم يأمر النبي - أزواجهن باعتزالهن.
ج- ما رواه عكرمة أن حمنة بنت جحش كانت تستحاض وكان زوجها يجامعها (٤).
стр. 134
د- أن الأصل براءة الذمة, وحل الاستمتاع بين الزوجين.
الحكم الثالث: أن المستحاضة إذا أرادت أن تتوضأ فإنها تغسل عنها أثر الدم, لأنه نجس, لقول النبي - لفاطمة بنت أبي حبيش ﵂ لما قالت له - إني امرأة استحاض فلا أطهر, أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله -: لا, إنما ذلك عرق, وليس بحيض, فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي - (١).
فالنبي - حكم بأن هذا الخارج من الفرج دم عرق, ثم أمر بغسل هذا الدم عند الصلاة, عند إدبار الحيضة أي زمنها, لوجود الصلاة مع حكمه - أولاً على جميع الدم أنه دم عرق, والله أعلم.
وتتحفظ لقول النبي - لأسماء بنت عميس لما ولدت - اغتسلي , واستنفري, وأحرمي - (٢).
ويعضد ذلك قوله - لحمنة بنت جحش - أنعت لكِ الكرسف - (٣) , والكرسف: هو القطن, ولئلا تتلوث بهذا الدم الذي أمر النبي - بغسله.
واستعمال المرأة للماء في كل وقت صلاة فيه فائدة طبية, وهو أنه ينشف العروق فيؤدي ذلك إلى توقف الدم.
ولكن بعض النساء قد يضرها غسل فرجها لكل صلاة, فهذه يقال لها تنشفه بالقطن, ولا يلزمها غسله مع الضرر.
الحكم الرابع: أن المستحاضة يستحب لها أن تغتسل لكل صلاة, عند بعض العلماء لفعل أم حبيبة لما استحيضت.
الحكم الخامس: يجوز للمستحاضة الجمع بين الصلاتين الظهر مع العصر, والمغرب مع العشاء, لأن الاستحاضة نوه مرض فأبيح لها أن تجمع بين الصلاتين لمشقة وضوئها لكل صلاة والله تعالى أعلم.
стр. 135
- أحكام المستحاضة -
س٣١٢: ما تعريف النفاس في اللغة والاصطلاح ؟
ج/ النفاس لغة: مأخوذ من التنفس الذي هو خروج النفس من الرئة بعد إدخاله.
النفاس اصطلاحاً: هو دم يخرج من الرحم بعد الولادة أو مع الولادة أو قبلها بزمن يسير, وعلى هذا القول نقول أن ما تراه المرأة من الدم حال الولادة له ثلاث حالات:
١ - ما تراه من الدم مع الولادة فهذا دم نفاس.
٢ - ما تراه بعد الولادة هذا نفاس, إذا وضعت في القسمين الأولين ما تبين فيه خلق إنسان, فعلى هذا لو أن المرأة رأت الدم مع الولادة أو بعد الولادة لكنها وضعت قطعة لحم لم يتبين فيها خلق إنسان فإنه ليس بنفاس.
٣ - ما تراه قبل الولادة, فبعض النساء يأتيها الطلق قبل الولادة ومعه دم.
س٣١٣: هل نحكم على من أتاها دم مع الطلق قبل الولادة أنه دم نفاس أم تأخذ حكم الطاهرات ؟
ج/ فيه خلاف بين أهل العلم:
والأقرب أن ما تراه المرأة من الدم مع القرينة وهو وجود الطلق فإنه دم نفاس ولو زاد على ثلاثة أيام خلافاً لمن قيده بزمن يسير كيومين أو ثلاثة.
قال السعدي ﵀ كما في الفتاوى السعدية (١): (صريح كلام الفقهاء أن ما تراه النفساء قبل الولادة بأكثر من ثلاثة أيام دم فساد وليس بنفاس ولو مع وجود الأمارة وفي هذا نظر .. وليس تحديد الثلاثة منصوصاً عليه .. ثم ذكر ﵀: أن الأولى أن الدم الخارج بسبب الولادة ولو زاد على ثلاثة أيام أنه نفاس) أ. هـ.
لكن المرأة التي يخرج منها الماء قبل الولادة هذا ليس بنفاس وهو طاهر يعني لا يلزم غسله ولا غسل الفرج وتأخذ حكم من به سلس البول وقد تقدم حكم من به حدث غير معتاد كسلس البول ونحوه.
стр. 136
- أقل النفاس وأكثره -
س٣١٤: هل هناك مدة محددة لأقل النفاس وأكثره ؟
ج/ النفاس لا حد لأقله لأنه لم يرد تحديده فرفع إلى الوجود وقد وجد قليلاً وكثيراً, فلا حد لأقله بالنسبة للدم ولا بالنسبة للوقت.
وقد ذكر العلماء أن المرأة قد تلد بلا دم فلو أن المرأة ولدت بدون دم فإنها طاهر تجب عليها الصلاة والصوم فهي تأخذ حكم الطاهرات.
ولا يجب عليها الاغتسال لكن تتوضأ وضوءً, لأنه شيء خرج من السبيلين وعلى كل حال أقله لا حد له وهذا هو الصحيح.
أما أكثره: فالسنة كما في حديث أم سلمة - كانت النفساء على عهد النبي - تجلس أربعين يوماً - (١).
وهذا الحديث منهم من ضعفه, ومنهم من حسنه, وجوّده له شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن.
لكن نقول:
أنه على تقدير صحة الحديث فهو محمول على الغالب يعني أن الغالب أن المرأة تطهر في الأربعين وليس هناك مانع من أنه قد يزيد.
لكن الأطباء قالوا:
بالنسبة للنفساء وهو ما ينزل من المرأة بعد الولادة حتى تندمل المشيمة المنفصلة بعد تجويف الرحم, قالوا يبدأ سائل أحمر ثم يكون سائل أصفر, ويقولون أما أقصاه السوي هو ستة أسابيع, وإذا زاد على ذلك قالوا لا يعتبر سوياً وإنما يلحق بالاستحاضة, وستة أسابيع تساوي اثنين وأربعين يوماً تقريباً, وهذا على تقدير الأطباء أن أكثره أربعين يوماً, وهذا هو الأقرب.
لكن يعفى عن اليسير كاليوم واليومين, فلو زاد عليها الدم يومين أو ثلاثة فهي تنتظر وما زاد عن ذلك فهو دم استحاضة إلا إن وافق عادته فهو حيض.
مثال ذلك:
امرأة تم لها أربعون يوماً في أول يوم من الشهر مثلاً وعادتها أن يأتيها الحيض قبل الحمل في أول يوم من أيام الشهر فلو أستمر الدم من اليوم الأول إلى اليوم السادس مثلاُ فهذه الأيام نجعلها حيضاً لأنه وافق العادة.
س٣١٥: هل كل وضع يثبت به النفاس أم لا ؟
ج/ لا يخلو هذا من أحوال:
١ - أن تضع نطفة وهذا ليس بحيض ولا نفاس بالاتفاق.
стр. 137
٢ - أن تضع ما تم له أربعة أشهر ويخرج معه دم, فهذا نفاس قولاً واحداً, لأنه نفخت فيه الروح وتيقنا أنه بشر.
٣ - أن تضع علقة (قطعة دم) فهذا أيضاً لا يعتبر نفاساً.
٤ - أن تسقطه مضغة أي قطعة لحم فهذا فيه تفصيل:
* أن تبين فيه خلق إنسان فهو نفاس إذا كان معه دم.
* إن لم يتبين فيه خلق إنسان فهو ليس بنفاس, ومعنى تبين أي ترى فيه تخطيطاً ولو كان خفيفاً, كما لو تبين فيه مثلاً تخطيط يده ولو كانت واحدة أو رجل, فهذا يأخذ حكم النفاس فليس بلازم أن يكن تخطيطه كاملاً, وأقل مدة يتبين فيه خلق الإنسان واحد وثمانون يوماً, لحديث ابن مسعود - وفيه - أربعون يوماً نطفة, ثم علقة مثل ذلك - (١) , فهذه ثمانون يوماً, ثم مضغة وهي أربعون يوماً وتبتدئ من واحد وثمانون يوماً, فإذا سقط لأقل من ثمانين يوماً لا نفاس, والدم حكمه سلس البول, وإذا ولدت لواحد وثمانين يوماً فيجب التثبت هل هو مُخلّق أو غير مُخلّق؟ لأن الله تعالى قسم المضغة إلى مخلقة وغير مخلقة بقوله تعالى - مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ - (٢) فجائز ألا تخلق, وعلى هذا ما بين الثمانين إلى التسعين لابد من تثبت, فإذا تم للحمل تسعون يوماً تبين فيه خلق إنسان, وعلى هذا إذا وضعت لتسعين يوماً فهو نفاس على الغالب, وما بعد التسعين يتأكد أنه ولد وأنه نفاس, وما قبل التسعين يحتاج إلى تثبيت كما تقدم.
س٣١٦: كثير من النساء يقلن لا أدري هل تبين فيه خلق إنسان أم لا؟ فهل يحكم أنه نفاس أم لا ؟
ج/ الخلاصة:
نقول إذا كان لها أقل من ثلاثة أشهر فهنا نحكم أنه ليس نفاساً, لأنه حتى وإن كان له أكثر من ثمانين فإنَّ كونه يتبين فيه خلق إنسان هنا قليل, وإن كان له ثلاثة أشهر فأكثر فهنا نحكم بأنه نفاس, لأن الغالب أنه يتبين فيه خلق إنسان, وأما إذا علمت هل تبين فيه خلق إنسان أم لا؟ فالأمر ظاهر وقد سبق بيانه.
س٣١٧: إذا انقطع الدم عن النفساء في الأربعين فما الحكم ؟
ج/ سبق أن ذكرنا أن حيض المرأة قد يتخلله أحياناً نقاء وحكمنا أنه طهر إذا كان يوم وليلة, وكذلك النفاس قد يتخلله نقاء, فلو انقطع عنها دم النفاس في أثناء الأربعين مثلاً رأت الدم لمدة عشرة أيام ثم انقطع عنها الحنابلة يقولون: أنه طهر وأنها تأخذ أحكام الطاهرات وإذا عاد فهو مشكوك في صحته.
стр. 138
والأقرب في ذلك:
إن كان انقطاع الدم عنها زمن يسير كيومين أو ثلاثة فهو نفاس إن عاودها الدم, وإن كان أكثر من ثلاثة أيام وعاودها الدم مرة أخرى وكان الدم دم نفاس فلأحوط أنها تقضي ما طهرت فيه من الصلوات والصيام, وإن كانت صامت فصيامها صحيح, وإن عاودها الدم مرة أخرى لكنه ليس دم نفاس فهو طهر من باب أولى, لكن عليها أن تنتبه حتى لا يكون ذلك الدم الذي عاد إليها بعد طهرها دم حيض لكون ذلك يوافق عادتها.
س٣١٨: لو ولدت المرأة ولدين أو ثلاثة وبينهما فترة فمن أيهما تحسب مدة النفاس ؟
ج/ لو ولدت الولد الأول في أول الشهر ثم بعد عشرين يوماً ولدت الثاني, ثم في آخر الشهر ولدت الثالث مثلاً, فالحنابلة يرون أن مدة النفاس تحسب من أول ولد.
والصحيح في هذه المسألة الرواية الأخرى عن الإمام أحمد ﵀ أن الثاني إذا تجدد له دم فهو نفاس, فإذا ولدت الثاني ثم خرج معه دم فإننا نعتبره نفاس, ولكن قد تقول المرأة في الأصل معي دم مع الولد الأول نقول لو أنه افترض أنه زاد الدم معها (تجدد) فنقول هنا نعتبره نفاس. وإن لم يتجدد ما زاد لا يعتبر من الثاني وإنما يعتبر من الأول وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله تعالى.
س٣١٩: ما الحكم في وطء النفساء ؟
ج/ وطء النفساء ما في وطء الحائض من الكفارة قياساً عليه.
س٣٢٠: هل تأخذ النفساء أحكام الحائض ؟
ج/ نعم النفساء أحكامها كأحكام الحائض إلا في مسائل ستة وهي:
١. أن البلوغ معتبر في الحيض وليس معتبر في النفاس لأننا حكمنا ببلوغها قبل أن تحمل.
٢. دم الحيض في العِدة معتبر, وأما دم النفاس فلا يعتبر فيها.
٣. في الإيلاء إذا آل من زوجته, والإيلاء أن يحلف على ترك على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر.
لو كانت المرأة نفساء فإننا نستثني مدة النفاس من الأربعة أشهر فلا تحسب.
مثال ذلك:
لو حلف أن لا يطأ زوجته لمدة أربعة أشهر ثم وضعت ولداً, حلف عليها اليوم ثم وضعت في نفس اليوم فمدة النفاس لا نحسبها من مدة الإيلاء, لأن المولى يضرب له أربعة أشهر إن وطئ وإلا فسخت منه, بخلاف فترة الحيض فإنها تحسب من المدة.
٤. الطلاق, أي طلاق المرأة حال الحيض طلاق بدعة وهو محرم, وأما طلاقها في حال النفاس هذا قال بعض أهل العلم أنه طلاق سنة, خلاف ما يعتقده بعض الناس أنه لا يجوز طلاق المرأة وهي في النفاس, فإذا طلقها وهي في النفاس تشرع في العدة من حين طلاقها.
стр. 139
٥. أن الدم في الحيض إذا عاد في نفس أيام الحيض فهو حيض, يعني حاضت ثم حصل لها جفاف إذا كان يوم وليلة وتغتسل وتصوم وتصلي, إذا عاد يحسب من الحيض, بينما في مدة النفاس إذا عاد فهو مشكوك في صحته وهو قول بعض العلماء, وقد تقدم بحث هذه المسألة.
٦. المرأة في حال الحيض إذا طهرت قبل تمام المدة لا يكره لزوجها أن يطأها, مثلاُ مدة حيضها ستة أيام فطهرت في خمسة أيام فلا يكره لزوجها أن يجامعها, أما في النفاس إن طهرت قبل تمام المدة فالمذهب يرون أنه يكره لزوجها أن يجامعها, والصحيح أنه لا يكره ذلك, وأما ما روي عن عثمان بن أبي العاص لما أتته امرأته قبل الأربعين فقال لها: لا تقربيني, فهذا محمول على التتره. فالكراهة هنا كراهة نفسية وليست شرعية لأن الأصل الحل.
س٣٢١: ما حكم استعمال ما يمنع الحمل ؟
ج/ استعمال ما يمنع الحمل على نوعين:
الأول: أن يمنعه منعاً مستمراً فهذا لا يجوز.
الثاني: أن يمنعه منعاً مؤقتاً, مثل أن تكون المرأة كثير الحمل والحمل يرهقها فتحب أن تنظم حملها كل سنتين مرة فهذا جائز بشرط إذن الزوج وألا يكون عليها ضرر.
ودليله أن الصحابة كانوا يعزلون عن نساءهم في عهد النبي - فلم ينهوا عن ذلك (١).
س٣٢٢: ما حكم استعمال ما يسقط الحمل ؟
ج/ استعمال ما يسقط الحمل على نوعين:
الأول: أن يقصد من إسقاطه إتلافه, فإن كان بعد نفخ الروح فلهو محرم, وإن كان قبل نفخ الروح فقد اختلف العلماء في جوازه والأحوط المنع من إسقاطه إلا لحاجة كأن تكون الأم مريضة لا تتحمل الحمل أو نحو ذلك فيجوز إسقاطه حينئيذٍ, إلا إن مضى عليه زمن يمكن أن يتبين فيه خلق إنسان فيمنع.
الثاني: ألا يقصد من إسقاطه إتلافه بأن تكون محاولة إسقاطه عند انتهاء مدة الحمل وقرب الوضع, فهذا جائز بشرط ألا يكون في ذلك ضرر على الأم ولا على الولد ولا يحتاج الأمر إلى عملية, فإن احتاج الأمر إلى عملية فله حالات أربع:
١. أن تكون الأم حية والحمل حياً فلا تجوز العملية إلا لضرورة بأن تتعسر ولادتها.
٢. أن تكون الأم ميتة والحمل ميتاً فلا تجوز العملية لعدم الفائدة من إخراجه.
стр. 140
٣. أن تكون الأم حية والحمل ميتاً فتجوز العملية إلا أن يخشى الضرر على الأم, لأن الظاهر والله أعلم أن الحمل إذا مات لا يكاد يخرج بدون العملية.
٤. أن تكون الأم ميتة والحمل حياً فإن كانت لا ترجى حياته لم تجز العملية, وإن كانت ترجى حياته فالصواب أنه يشق البطن إن لم يمكن إخراجه بدونه.
س٣٢٣: لو أن المرأة شربت الدواء لكي ينزل عليها الحيض فما الحكم ؟
ج/ هو جائز لشروط:
١. أن يكون بإذن الزوج إن كانت ذات زوج لأن استعجال مثل ذلك يمنع حق الاستمتاع للزوج فلابد من الإذن.
٢. أن لا يكون هناك ضرر.
٣. أن لا تتحيل به على إسقاط أمر واجب, مثل لو كان الصيام في الحر وأرادت إنزال العادة حتى تفطر وتقضي إذا برد الجو فهذا لا يجوز.
س٣٢٤: ما حكم قطع الحيض أي كونه يكون عليها الدم ثم تريد أن تقطعه, مثل بعض النساء تتناول حبوب لمنع الحمل ؟
ج/ جائز بشروط أيضاً:
١. أن لا يكون هناك ضرر.
٢. أن يكون ذلك بإذن الزوج, إن كان له به تعلق وذلك كالمعتدة, فالمعتدة ذات الإقراء عدتها ثلاثة قروء فلو شربت هذا الدواء لكي يقطع الحيض فهو يؤدي إلى تطويل العدة وبالتالي يؤدي إلى زيادة النفقة والسكن على الزوج, لأن الرجعية لها حكم الزوجات, فشرب هذا الدواء فيه إضرار بالزوج وإذا كان له تعلق بالزوج من جهة أخرى إذ هو يمنع الحمل, أي كونها تقطع الدم هذا يمنع الحمل فلابد من إذن الزوج.
والله تعالى أعلم
- والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات -