← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13625

مذكرة القول الراجح مع الدليل - الطهارة

خالد بن إبراهيم الصقعبي

Полный текст (140 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وإنما يستحب له الوضوء وهو اختيار شيخ الإسلام وهو أقرب إلى الصواب لا سيما إذا كان غير عمد لكن الوضوء أحوط) أ. هـ. وكذلك مس حلقة الدبر لا تنقض الوضوء لكن الأحوط الوضوء, وكذا مس الخصيتين فمن باب أولى أن ذلك لا ينقض الوضوء. خامساً: مس المرأة للرجل ومس الرجل للمرأة بشهوة وبدون شهوة. وهذا مختلف فيه بين أهل العلم. س١٧٨: ما حكم مس المرأة للرجل ومس الرجل للمرأة بشهوة وبدون شهوة هل ينقض ذلك الوضوء أم لا ؟ ج/ الصحيح أن الوضوء لا ينتقض بذلك للأدلة التالية: ١ - حديث عائشة ﵂: (أن النبي - قبّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ - (١) , حدثت به ابن أختها عروة بن الزبير فقال: ما أظن المرأة إلا أنت فضحكت ... وهذا دليل إيجابي. ٢ - أن الأصل عدم النقض حتى يقوم دليل صحيح صريح على ذلك. ٣ - أن الطهارة ارتفعت بمقتضى دليل شرعي, وما ثبت بمقتضى دليل شرعي, فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي, ولا دليل على ذلك, وهذا دليل سلبي. س١٧٩: المرأة إذا وضأت طفلها وهي طاهرة هل يجب عليها أن تتوضأ أم لا ؟ ج/ أجاب عن ذلك الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ فقال: (إذا توضأت المرأة طفلها أو طفلتها ومست الفرج فإنه لا يجب عليها الوضوء وإنما تغسل يديها فقط, لأن مس الفرج لغير شهوة لا يوجب الوضوء, ومعلوم أن المرأة التي تغسل أولادها لا يخطر ببالها الشهوة, فهي إذا وضأت الطفل أو الطفلة فإنما تغسل يديها فقط من النجاسة التي أصابتها, ولا يجب عليها أن تتوضأ (٢). سادساً: غسل الميت أو بعضه. لأن ابن عمر وابن عباس وأبا هريرة كانوا يأمرون غاسل الميت بالوضوء (٣). س١٨٠: تغسيل الميت هل ينقض الوضوء أم لا ؟ ج/ الراجح أنه لا ينتقض الوضوء, لأن النقض يحتاج إلى دليل شرعي يرتفع به الوضوء الثابت بدليل شرعي ولا دليل على ذلك من كتاب الله ولا سنة رسوله - ولا من الإجماع, ويجاب عما ورد عن

стр. 72

هؤلا الصحابة الثلاثة: أن الأمر يحتمل أن يكون على سبيل الاستحباب, وفرض شيء على عباد الله من غير دليل تطمئن إليه النفس أمر صعب, لأن فرض ما ليس بفرض كتحريم ما ليس بحرام. وفي المختارات الجلية للسعدي: (ونقض الوضوء بتغسيل الميت فيه نظر, لأن الحديث الوارد فيه لم يثبت, وما روي عن ابن عمر وابن عباس في أمرهما من غسل الميت بالوضوء لا يتعين حمله على الوجوب ولا يزيل الأصل الثابت في بقاء الطهارة) (١). ويؤيد عدم الوجوب حديث ابن عباس مرفوعاً - ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه, فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم - (٢). وبناء على هذا فالأقرب أن من غسل ميتاً يستحب له الغسل ولا يجب عليه, لكن لم يقال بالوجوب لحديث ابن عباس السابق - ليس عليكم في غسل ميتكم .. - الحديث, ولقول ابن عمر ﵄ كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل - (٣). سابعاً: أكل لحم الإبل, بدليل حديث البراء بن عازب وفيه قول النبي - - توضؤا من لحوم الإبل - (٤) , ولحديث جابر بن سمرة أن رجلاً سأل النبي - - أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ, قال أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل .. الحديث - (٥). س١٨١: هل الكبد والرأس والشحوم وغيرها من أجزاء الإبل ناقضة للوضوء أم لا ؟ ج/ الراجح في ذلك أن كل أجزاء الإبل ناقضة للوضوء. ومن الأدلة على ذلك: ١ - قالوا أنه باستقراء أدلة الشرع أي بالنظر بالأدلة الشرعية لم نجد أن حيواناً بعضه حلال وبعضه حرام وبعضه ينقض وبعضه لا ينقض, ولذلك قاسه صاحب الشرح الكبير على الخنزير, فالحيوان إما أن كله حلال كالإبل, وإما أن يكون كله حرام كالخنزير, وكذلك هنا يقال إما أن كله يكون ناقض أو يكون كله لا ينقض. ٢ - أنّ في الإبل أجزاء كثيرة قد تقارب الهبر, ولو كانت غير داخلة لبين ذلك رسول الله - , لعلمه أن الناس يأكلون الهبر وغيره.

стр. 73

٣ - أن النص يتناول بقية الأجزاء بالعموم المعنوي إذ لا فرق بين الهبر وهذه الأجزاء, لأن الكل يتغذى بدم واحد, وطعام واحد, وشراب واحد, قال السعدي ﵀: (والصحيح أن جميع أجزاء الإبل كالكرش والقلب والمصران ونحوها ناقضو لأنه داخل في حكمها ولفظها ومعناها, والتفريق بين أجزائها ليس له دليل ولا تعليل) (١). س١٨٢: ما حكم الوضوء من مرق اللحم (لحم الإبل) ؟ ج/ في هذه المسألة وجه لأصحاب الإمام أحمد (٢): أنه يجب الوضوء لوجود الطعم في المرق, كما لو طبخنا لحم خنزير فإن مرقه حرام وهذا تعليل قوي جداً, وعلى هذا فالأحوط أن يتوضأ. س١٨٣: ما حكم الوضوء من لبن الإبل ؟ ج/ الصحيح أن الوضوء من ألبان الإبل مستحب وليس بواجب لوجهين: ١ - أن الأحاديث الواردة كثيرة وصحيحة في الوضوء من لحوم الإبل, وأما الوضوء من ألبانها فالحديث الوارد في ذلك إسناده حسن وبعضهم ضعّفه (٣). ٢ - ما رواه أبو هريرة في قصة العرنيين - أن النبي - أمرهم أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها (٤) - ولم يأمرهم أن يتوضئوا من ألبانها مع أن الحاجة داعية إلى ذلك, فدلّ على أن الوضوء منها مستحب. ثامناً: الردة, لقول الله تعالى - لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ - (٥). س١٨٤: هل الردة تنقض الوضوء أم لا ؟ ج/ قال شيخ الإسلام في الاختيارات: (قال أبو العباس في قديم خطه: خطر لي أن الردة تنقض الوضوء, لأن العبادة من شرط صحتها دوام شرطها استصحاباً في سائر الأوقات, وإذا كان كذلك فالنية من شرائط الطهارة على أصلنا والكافر ليس من أهلها, وهو مذهب أحمد) (٦) , وقال بهذا الأوزاعي وأبي ثور بدليل قوله تعالى في الآية - لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ - , والطهارة عمل وهي باقية حكماً تبطل بمبطلاتها فيجب أن تحبط بالشرك, ولأنها عبادة يفسدها الحدث فأفسدها الشرك كالصلاة والتيمم,

стр. 74

ولأن الردة حدث بدليل قول ابن عباس: (الحدث حدثان, حدث اللسان وحدث الفرج وأشدهما حدث اللسان, وإذا أحدث لم تقبل صلاته بغير وضوء , لقول النبي - - لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ - (١). س١٨٥: هل كل ما أوجب الغسل أوجب الوضوء أم لا ؟ ج/ أجاب عن ذلك الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ حيث قال: (المشهور عند فقهائنا ﵏ أن كل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلا الموت, وبناء على ذلك فإنه لا بد لمن اغتسل من موجبات الغسل أن ينوي الوضوء, فإما أن يتوضأ مع الغسل, وإما أن ينوي بغسله الطهارة من الحدثين. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن نية الاغتسال عن الحدث الأكبر تغني عن نية الوضوء ولأن الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ .. الآية (٢) - فلم يذكر الله تعالى في حال الجنابة إلا الإطَّهار " يعني التطهر " ولم يذكر الوضوء, ولأن النبي - قال للرجل حين أعطاه الماء ليغتسل قال - خذ هذا الماء فأفرغه على نفسك ... - (٣) , وما ذهب إليه شيخ الإسلام أقرب إلى الصواب " وهو أن من عليه حدث أكبر إذا نوى الحدث الأكبر فإنه يجزئ عن الأصغر, وبناء على هذا فإن موجبات الغسل منفردة عن نواقض الوضوء" (٤) أ. هـ. وسيأتي بيان موجبات الغسل في باب الغسل بمشيئة الله. س١٨٦: ما الحكم فيمن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة ؟ ج/ يبني على اليقين للقاعدة الشرعية التي تقول ﴿اليقين لا يزول بالشك﴾ , ولقول النبي - - إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه هل يخرج منه شيء أم لا, فلا يخرجنّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً (٥) - , وبناء على هذا يبني على الطهارة في الصورة الأولى, ويبني على الحدث في الصورة الثانية. مثال ذلك: لو توضأ الإنسان لصلاة الظهر ثم جاءت صلاة العصر وشكّ هل أحدث أم لم يحدث؟ " هو الآن متيقن من أنه قد تطهر لصلاة الظهر, ولما جاءت صلاة العصر شكّ هل أحدث أم لا " فالأصل أنه على طهارة ... لماذا؟ لأن الطهارة يقين والحدث شكّ.

стр. 75

ولو عكسنا المسألة: أي توضأ لصلاة الظهر ثم قضى حاجته بعد الصلاة فهو تيقن أنه أحدث بعد صلاة الظهر لما جاءت صلاة العصر, شكّ هل توضأ بعد ما قضى حاجته أم لم يتوضأ؟ فالأصل هنا أنه محدث. س١٨٧: ما الحكم لو تيقن الطهارة والحدث كذلك لكن جهل السابق منهما ؟ ج/ الأقرب أنه يجب الوضوء مطلقاً, ولعله في ذلك: أنه تيقن أنه حصل له حالان وهذان الحالان متضادان ولا يدري أيهما الأسبق, فلا يدري أيهما الوارد على الآخر فيتساقطان, وقد تيقن زوال تلك الحالة, فيجب عليه الوضوء احتياطاً كما لو جهل حاله قبلها. وهذا القول هو الأحوط, أي القول بوجوب الوضوء, وهذا الوضوء إن كان هو الواجب فقد قام به, وإلا فهو سنة, والفقهاء ﵏ قالوا: إذا قوى الشك فإنه يسن الوضوء, لأجل أن يؤدي الطهارة بيقين.

стр. 76

- ما يحرم على المحدث - س١٨٨: ما الأشياء التي يحرم على المحدث فعلها ؟ أولاً: الصلاة, بنص الكتاب والسنة, وأما الكتاب فقوله تعالى - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ - (١). وأما السنة فحديث ابن عمر مرفوعاً - لا يقبل الله صلاة عبد بغير طهور, ولا صدقة من غلول (٢) -. س١٨٩: ما حكم من صلى وهو يعلم أنه محدث ؟ ج/ جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى أن من صلى وهو يعلم أنه محدث فإنه لا يكفر إلا إذا فعل ذلك استهزاء, فإن كان هذا منه استهزاء فهو كافر لاستهزائه. وإن فعل ذلك تهاوناً فقد اختلف أهل العلم في تكفيره, ومذهب الأئمة الثلاثة في ذلك أنه لا يكفر, لأن هذه معصية, وهذا القول هو الأقرب, لأن الأصل بقاء الإسلام, ولا يمكن أن يخرجه من الإسلام إلا بدليل. س١٩٠: ما ضابط الصلاة التي يشرع لها الوضوء ؟ ج/ هي الصلاة التي لها تحريم وتسليم, سواءً كانت ذات ركوع وسجود أم لا, وعلى هذا يدخل في ذلك صلاة الجنازة, قال ابن القيم ﵀: (.. وقد دل هذا الحديث أن كل ما تحريمه التكبير وتحليله التسليم فمفتاحه الطهور, ويدخل في ذلك صلاة الجنازة, وهذا قول أصحاب رسول الله - ولا يعرف عنهم فيه خلاف, وهو قول الأئمة وجمهور الأمة خلافاً لبعض التابعين) (٣). أما سجود التلاوة وسجود الشكر فالصحيح أنهما ليستا بصلاتين, فلا تشترط لهما الطهارة, لكن لا شك أن الأفضل في سجود التلاوة أن يتوضأ, لا سيما أن القارئ سوف يتلو القرآن وتلاوة القرآن يشرع لها الوضوء لأنها من ذكر الله, وذكر الله يشرع له الوضوء. أما اشتراط الطهارة لسجود الشكر فضعف, لأن سببه تجدد النعم, أو تجدد اندفاع النقم وهذا قد يقع عن سببه سقط, وفي الاختيارات قال أبو العباس: (والذي تبين لي أن سجود التلاوة .. إلى أن قال وعلى هذا فليس صلاة فلا يشترط له شروط الصلاة, بل يجوز على غير طهارة .. لكن السجود بشروط الصلاة أفضل .. وسجود الشكر لا يفتقر إلى طهارة كسجود التلاوة) (٤).

стр. 77

ثانياً: الطواف سواء كان فرضاً أو نفلاً, بدليل حديث ابن عباس أن النبي - قال - الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام فلا تكلموا فيه إلا بخير - (١) , ولكن الراجح أنه لا يشترط, لأن هذا الحديث موقوف على ابن عباس ولا يصح رفعه إلى النبي -. قال شيخ الإسلام ﵀: (والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلاً, فإن لم ينقل أحد عن النبي - لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف, مع العلم بأنه قد حج معه خلائق عظيمة, وقد اعتمر عمراً متعددة والناس يعتمرون معه, ولو كان الوضوء فرضاً للطواف لبينه النبي - بياناً تاماً, ولو بينه لنقل ذلك المسلمون عنه ولم يهملوه, ولكن ثبت في الصحيح أنه - لما طاف توضأ, وهذا وحده لا يدل على الوجوب, فإنه قد كان يتوضأ لكل صلاة, وقد قال: إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر فتيمم لرد السلام) (٢). وإن كان الأحوط ألا يطوف إلا على طهارة, لكن لا يؤمر من طاف على غير طهارة أن يعيد الطواف, أو من سبقه الحدث في المطاف فلا نأمره بالخروج للوضوء خاصة مع شدة الزحام. ثالثاً: مس المصحف للمحدث بلا حائل. المصحف: هو ما كتب به القرآن سواءً كان كاملاً أو غير كامل, حتى ولو آية واحدة كتبت في ورقة ولم يكن معها غيرها فحكمها حكم المصحف, وكذلك اللوح له حكم المصحف. والدليل على ذلك: قوله تعالى - لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٣) -. وحديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: أن النبي - كتب إلى أهل اليمن كتاباً وفيه - لا يَمَسّ القرآن إلا طاهر - (٤). ومن الأدلة على ذلك أيضاً: ما جاء في الموطأ بإسناد صحيح عن مصعب بن سعد بن الوقاص قال - كنت أمسك المصحف لسعد فاحتككت فقال: لعلك مسست ذكرك قلت: نعم. قال: قم فتوضأ - , وهذا رأي أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى وهو الأقرب, وأما إذا كان من وراء حائل , يعني بخرقه أو منديل ونحو ذلك فلا بأس.

стр. 78

س١٩١: ما حكم مس جلدة المصحف والورق ؟ ج/ الجلدة تأخذ حكم المصحف وكذلك الورق, فلا يمس القرآن من جلدته ولا من ورقة إلا على طهارة أو من وراء حائل وهذا هو الأحوط لأن هذا يثبت تبعاً. س١٩٢: هل يشمل هذا الحكم من دون البلوغ ؟ ج/ الصحيح أنه لا يشمل الصغار , لأنهم غير مكلفين, وإذا كانوا غير مكلفين فكيف نلزمهم بشيء لا يتعلق به كفر ولا ما دون الكفر إلا أنه معصية للكبير, وهؤلا ليسوا من أهل المعاصي لرفع القلم عنهم, وعلى الصحيح أيضاً لا يلزم وليه أن يأمر لأنه غير مكلف, لكن يعوده ذلك من باب التربية والتنشئة على أوامر الإسلام, وتعظيم كتاب الله تعالى, خاصة من بلغ سن التمييز " سن السابعة " فما فوق السن التي أمر الوالدان بأمره بالصلاة عند بلوغه. س١٩٣: كتب التفسير الموجودة الآن, هل يجوز أن يمسها الإنسان على غير طهارة أم لا يجوز ؟ ج/ هذه المسألة لا تخلو من ثلاث أحوال: الحالة الأولى: أن يكون القرآن هو الأغلب (أي أن بعض كتب التفسير يكون الأغلب في الصفحة هو القرآن ويكون التفسير على الحواشي, فالقرآن أكثر من الحواشي) , فهذا يأخذ حكم المصحف, لا يجوز أن يمسه الإنسان على غير طهارة. الحالة الثانية: أن يكون التفسير هو الأغلب, فالتفسير هو الأغلب والآيات وسط الصفحة في مربع أو مستطيل صغير, فهذا لا بأس أن يمسها الإنسان على غير طهارة, لأنها تأخذ حكم كتب أهل العلم. الحالة الثالثة: أن يتساوى الأمران, نصف الصفحة تفسير ونصفها قرآن, فالقاعدة ﴿إذا اجتمع حاظرٌ ومبيح ولم يتميز أحدهما برجحان, فإنه يُغلَّب جانب الحظر﴾ , فيعطى الحكم للقرآن. الحاظر: هو القرآن, أي يحضر علينا أن نمسه إلا على طهارة. المبيح: يباح لنا أن نمسه على غير طهارة. وفي فتاوى العثيمين قال: (كتب تفسير يجوز مسها بغير وضوء, لأنها تعتبر تفسيراً والآيات التي فيها أقل من التفسير, ويستدل لذلك بكتابة النبي - الكتب للكفار وفيها آيات من القرآن الكريم فدل هذا على أن الحكم للأغلب والأكثر, أما إذا تساوى التفسير والآيات فعلى القاعدة المعروفة ﴿أنه إذا اجتمع حاظر ومبيح ولم يتميز أحدهما برجحان, فإنه يغلب جانب الحظر﴾ , وعلى هذا فإذا كان القرآن والتفسير متساويين أُعطي حكم القرآن, وإذا كان التفسير أكثر ولو بقليل أعطي حكم التفسير) (١).

стр. 79

س١٩٤: ما حكم قراءة الجُنب للقرآن ؟ ج/ بحرم على الجنب قراءة القرآن حتى يغتسل, وهو أن يقرأ آية فصاعداً, لكن إن كانت طويلة فإن بعضها كالآية الكاملة سواء من المصحف أو عن ظهر قلب, ولو تأمل القرآن بقلبه جاز بالإجماع, ولو حرك به لسانه فإنه يحرم عليه, لكن لو قرأ ذكراً يوافق القرآن ولم يقصد التلاوة فإنه لا بأس, كما لو قال (بسم الله الرحمن الرحيم) أو (الحمد لله رب العالمين) ولم يقصد التلاوة. والدليل على أن الجنب ممنوع من قراءة القرآن ما يلي: أ- حديث علي - - أن النبي - كان يعلمهم القرآن وكان لا يحجزه عن القرآن إلا الجنابة (١) -. ب- ولأن في منعه من قراءة القرآن حثاً له على المبادرة إلى الاغتسال, لأنه إذا علم من ممنوع من قراءة القرآن حتى يغتسل فسوف يبادر إلى الاغتسال, فيكون في ذلك مصلحة. س١٩٥: ما حكم قراءة الحائض والنفساء للقرآن ؟ ج/ الأقرب في ذلك أنه يجوز للحائض والنفساء قراءة القرآن مطلقاً, حتى لو كان ذلك للتعبد, قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إنه ليس في منع الحائض من قراءة القرآن نصوص صريحة صحيحة) (٢). وإذا كان كذلك فلها أن تقرأ القرآن لما يأتي: ١ - أن الأصل في ذلك الحِلّ حتى يقوم دليل على المنع. ٢ - أن الله أمر بتلاوة القرآن مطلقاً, وقد أثنى الله على من يتلو كتابه, فمن أخرج شخصاً عن عبادة الله بقراءة القرآن فإننا نطالبه بالدليل, وإذا لم يكن هناك دليل صحيح صريح على المنع فإنها مأمورة بالقراءة, وإذا رُخَّص للحائض فإن النفساء من باب أولى أن يُرخَّص لها لأن مدتها أطول من مدة الحائض. س١٩٦: ما الفرق بين الجنب والحائض؟ ولماذا يمنع الجُنب ويرخص للحائض والنفساء ؟ ج/ الجنب أمر بيده, بمعنى أنه يستطيع الاغتسال متى شاء ويرفع هذا الحدث, بخلاف الحائض والنفساء فإنها تمكث على ذلك أياماً, والأمر خارج عن إرادتها. رابعاً: مما يحرم على المحدث حدثاً أكبر وهو من لزمه الغسل: اللبث في المسجد, لقوله تعالى - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا - (٣).

стр. 80

س١٩٧: ما حكم لبث الحائض والنفساء في المسجد ؟ ج/ الحائض والنفساء ممنوعات من اللبث في المسجد. ويدل لهذه الأدلة من ذلك: ١ - قوله تعالى في الآية السابقة - وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيل حَتَّى تَغْتَسِلُوا -. وجه الدلالة أن الله تعالى نهى الجنب عن قربان مواضع الصلاة وهي المساجد, وإذا ثبت هذا في الجنب فكذلك الحائض, لأن حدثها آكد, ولذلك حرم الوطء ومنع الصيام واسقط الصلاة, وساواها في أكثر الأحكام. ٢ - حديث عائشة ﵂ أن النبي - جاء ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال - وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب - (١). ٣ - حديث عائشة ﵂ أن النبي - قال لها - ناوليني الخمرة من المسجد فقالت: إني حائض, فقال: إن حيضتك ليست في يدك, فناولته (٢) - , وجه الدلالة: أن معناه أن النجاسة التي يصان عنها المسجد وهي دم الحيض ليست في يدك, وقد خافت إدخال يدها فيه, والنبي - أمرها بإدخال يدها فقط, ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى. ٤ - حديث عائشة ﵂ لما حاضت صفية قال - أحابستنا هي؟ قالوا إنها قد أفاضت, قال: لتنفر إذاً - (٣) , فالنبي - منع الحائض من دخول المسجد. ٥ - حديث عائشة ﵂ قالت - كن المعتكفات إذا حضن أمر رسول الله - بإخراجهن من المسجد - (٤). س١٩٨: هل يجوز للجنب اللبث في المسجد ؟ ج/ الجُنُب يحرم عليه اللبث في المسجد: أ- لقوله تعالى في الآية السابقة - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا - , أي ليس المعنى لا تصلوا إلا عابري سبيل, لأن عابر السبيل لا يصلي فيكون النهي عن قربان الصلاة, أي النهي عن المرور بأمكانها وهي المساجد, فإن عَبَرَ المسجد فلا بأس به. ب- ولأن المساجد بيوت الله ومحل ذكره وعبادته ومأوى ملائكته, وإذا كان آكل البصل والأشياء المكروهة ممنوعان من العبادة في المسجد فالجنب الذي تحرم عليه الصلاة من باب أولى, لا سيما إذا كانت

стр. 81

الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب, ولما ورد أن النبي - قال - لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جُنُب (١) - , وهذا مناسب لنهيه عن اللبث في المسجد فإن المساجد بيوت الملائكة, كما نهى النبي - آكل الثوم والبصل عن دخول المسجد وقال - إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم (٢) -.

стр. 82

- باب ما يوجب الغسل - س١٩٩: مالأ صل في الغسل ؟ ج/ الأصل في الغسل الكتاب والسنة والإجماع كما سيأتي بيان أدلة ذلك. س٢٠٠: ما موجبات الغسل ؟ ج/ موجبات الغسل هي: أولاً: خروج المني بلذة إذا كان يقظاناً: والدليل على ذلك: أ- قول الله تعالى - وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (١) - , والجُنُب هو الذي خرج منه المني دفقاً بلذة. ب- قول النبي - - الماء من الماء - (٢). وعلى هذا فإذا خرج من غير لذة من يقظان فإنه لا يُوجب الغُسل على الصحيح من أقوال أهل العلم, لحديث علي مرفوعاً - إذا فضخت الماء فاغتسل, وإن لم تكن فاضخاً فلا تغتسل - (٣) , والفضخ هو خروجه بالغلبة, وعلى هذا يكون نجساً وليس بمذي. س٢٠١: ما الحكم لو خرج من مخرج المني غير المني بلذة, كما لو خرج منه بلذة ؟ ج/ هذا يوجب الغسل, وهذا قول الفقهاء, حكاه الترمذي, قال في الشرح (ولا تعلم فيه خلافاً, لقول النبي - في حديث علي السابق - إذا فضخت الماء فاغتسل - , والفضخ خروجه على وجه الشدة. س٢٠٢: ما الحكم لو انتقل المني ولكنه لم يخرج ؟ ج/ الراجح أنه لا غسل عليه, اختار ذلك ابن قدامة وابن أبي عمر (٤) , قال في الشرح (٥): (والرواية الثانية أنه لا غسل عليه وهو ظاهر قول الخرقي, وقول أكثر الفقهاء وهو الصحيح إن شاء الله, لأن النبي - علّق الاغتسال على رؤية الماء بقوله - إذا رأت الماء .. - (٦) فلا يثبت الحكم بدونه, وما ذكروه من الاشتقاق ممنوع لأنه أن يسمى جنباً لمجانبته الماء ولا يحصل إلا بخروجه, أو لمجانبته الصلاة أو المسجد, وكلام الإمام أحمد وهو قوله (أنه قد باعد محله فصدق عليه اسم الجنب, إنما يدل على أن الماء إذا انتقل لزم منه الخروج, وإنما يتأخر, وكذلك يتأخر الغسل إلى حين خروجه) أ. هـ.

стр. 83

س ٢٠٣: ما الحكم لو خرج المني من نائم أو مغمى عليه؟ وما الدليل على ذلك ؟ ج/ يُفهم من قوله - خروج المني بلذة إذا كان يقظاناً - أنه إذا خرج من نائم أو مُغمى عليه أو سكران وجب عليه الغُسل مطلقاً سواءً كان بلذة أم لا, لأن النائم ونحوه قد لا يحس به, وهذا يقع كثيراً فقد يستيقظ الإنسان ويجد أثراً ولم يشعر باحتلام. والدليل على ذلك: حديث أم سلمة ﵂ حين سألت النبي - عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها من غُسل؟ قال: نعم إذا هي رأت الماء - (١). فأوجب الغُسُل إذا هي رأت الماء, ولم يشترط أكثر من ذلك, فدلّ على وجوب الغُسل إذا استيقظ النائم ووجد الماء, أحس بخروجه أو لم يُحسّ, سواء رأى أنه قد أحتلم أم لم يرّ, لأن النائم قد ينسى. س٢٠٤: ما الحكم لو استيقظ النائم ووجد بللاً ؟ ج/ إذا استيقظ النائم ووجد بللاً فلا يخلو من ثلاث حالات: ١ - أن يتيقن أنه موجب للغسل, أي أنه مني, وفي هذه الحال يجب عليه أن يغتسل, سواءً ذكر احتلاماً أم لم يذكر. ٢ - أن يتيقن أنه ليس بمني, وفي هذه الحالة لا يجب عليه الغسل, لكن يجب عليه أن يغتسل ما أصابه, لأن حكمه حكم البول. ٣ - أن يجهل هل هو مني أم لا؟ * فهنا إن ذكر أنه احتلم فإننا نجعله منياً ونأمره لأن النبي - لما سُئل عن المرأة ترى ما يرى الرجل, قال - نعم إذا هي رأت الماء (٢) -. * وإن لم يرَ شيئاً في منامه وقد سبق نومه حديث أو تفكير في جماع جعلناه مذياً فلا يجب عليه الغسل, لأنه يخرج بعد التفكير والحديث في الجماع دون إحساس. * وإن لم يسبقه تفكير أو حديث في جماع فعلى خلاف, والصحيح أننا نجعله مذياً ولا نوجب عليه الغُسل, والله أعلم. ثانياً: تغييب الحشفة كلها أو قدرها بلا حائل في الفرج (الإيلاج) , فهذا يوجب الغسل وإن لم يحصل إنزال, بدليل حديث أبي هريرة - أن النبي - قال - إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل (٣) - , وفي لفظ لمسلم - وإن لم ينزل -.

стр. 84

والحشفة: هي رأس الذكر تكون عليها جلدة تقطع عند الختان. وتغيب الحشفة بحائل في الفرج لا يوجب الغسل إلا إذا حصل إنزال, وهذا فيما إذا كان الحائل غير رقيق, أما إذا كان الحائل رقيقاً بحيث تكمل اللذة فإنه يوجب الغُسُل. س٢٠٥: ما حكم وطء القُبُل في فرج الميتة هل يوجب الغسل أم لا ؟ ج/ وطء القُبُل في فرج الميتة يوجب الغسل إذا كان هناك تغييب للحشفة, لأنه فرج بالقياس. أما وطء البهيمة والطير الدبر فهو لا يوجب الغُسُل إلا بإنزال وهو قول الأحناف وهو الأقرب, للقاعدة الشرعية ﴿أن الوطء المحرم شرعاً لا عبرة به﴾ , وعلى هذا فلا يجب إلا بالإنزال. تنبيه: مثل هذه المسائل وضعها الفقهاء للتمثيل بصرف النظر عن حكمها. س٢٠٦: إذا وطئ من عمره تسع سنوات امرأة عمرها ثمان سنوات فهل يجب عليهما الغسل ؟ ج/ الحنابلة يرون أنه لا يجب عليهما الغسل, وهي قاعدة عند المذهب يقررون الذكر بالعشر والأنثى بتسع , ويقولون لأن الذي يتصور منه الوطء هو من بلغ العاشرة, ومن يؤطأ هي بنت تسع. والراجح: أنه يجب الغسل عليهما حتى وإن كانا دون هذا السن, كما لو وطئ من عمره تسع سنوات ابنة الثمان سنوات وغيب الحشفة, لحديث أبي هريرة السابق - إذا جلس بين شعبها الأربع .. - الحديث. ثالثاً: من موجبات الغسل كذلك إسلام الكافر والمرتد. والأدلة على ذلك ما يلي: * - أمر النبي - قيس بن عاصم لما أسلم بأن يغتسل بماء وسدر (١) - , والأصل في الأمر أنه للوجوب. * كذلك لما أسلم ثمامة بن آثال قال النبي - - اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل - (٢). ولأنه كذلك طهر باطنه من نجس الشرك فمن الحكمة أن يطهر ظاهره بالغسل. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد (٣) , في قصة قدوم وفد دوس (وقد صح أمر النبي - به, وأصح الأقوال وجوبه على من أجنب في حال كفره ومن لم يُجنب). وقال الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار (٤): (والظاهر الوجوب لأن أمر البعض قد وقع به التبليغ ودعوى عدم الأمر لمن عداهم لا يصلح متمسكاً لأن غاية ما فيه عدم العلم, وهو ليس علماً بالعدم). رابعاً: خروج دم الحيض والنفاس, فيجب الغُسُل إذا انقطع دم الحيض والنفاس, بدليل حديث فاطمة بنت حبيش (أنها كانت تستحاض فأمرها النبي - أن تجلس عادتها ثم تغتسل وتصلي - (٥) , والأصل في الأمر للوجوب.

стр. 85

قال ابن المنذر في الإجماع: (وأجمعوا أن على النفساء الاغتسال إذا طهرت) (١) , وقال ابن حزم في مراتب الإجماع: (واتفقوا على أن الدم الأسود الخارج في أيام الحيض من فرج المرأة التي من كانت في مثل سنها حاضت يوجب الغسل على المرأة) (٢). س٢٠٧: إذا أحست المرأة بانتقال الدم ولم يخرج, هل تدع الصلاة ؟ ج/ لا, لا تدع الصلاة حتى يخرج, وإذا أحست بأوجاع قبل الحيض ثم أحست بانتقال الدم ولم يخرج ثم ذهب عنها فإنه لا يجب عليها الغُسُل. خامساً: الموت, فإذا مات المسلم وجب على المسلمين تغسيله, لقوله - كما في حديث أم عطية - أغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك (٣) -. * وقال في المحرم الذي وقصته راحلته - اغسلوه بماء وسدر - (٤) , وهذا أمر والأصل في الأمر أنه للوجوب. س٢٠٨: وهل السقط يُغسّل أم لا ؟ ج/ فيه تفصيل: * إن نفخت فيه الروح غُسل وصُلي عليه, وكُفن. * وإن لم يُنفخ فيه الروح فلا يغسل. وتنفخ فيه الروح إذا تَّم أربعة أشهر, لحديث عبدالله بن مسعود في الصحيحين (٥). س٢٠٩: ما شروط الغسل ؟ ج/ شروط الغُسل هي: أولاً: انقطاع ما يوجبه, فعلى هذا لو اغتسلت المرأة للحيض وهي لا تزال حائضاً فإن هذا الغُسل وجوده كعدمه, فلابد من انقطاع دم الحيض حتى يصحّ الغُسل, وكذلك النفساء. ثانياً: النية, فمن شروط الغُسل النية, فلو أن إنساناً كان عليه جنابة ثم اغتسل تنظُّفاً فإن ذلك لايُجزؤه عن الغسل الواجب فلابد من نية رفع الحدث.

стр. 86

س٢١٠: إذا اغتسل الإنسان عن الحدث الأكبر هل يجزئه عن الوضوء ؟ ج/ هنا نقول على حسب نيته, والنية لها أربع حالات: ١ - أن ينوي رفع الحدثين جميعاً فيرتفعان, لقول النبي - - إنما الأعمال بالنيات - (١). ٢ - أن ينوي رفع الحدث الأكبر فقط دون الأصغر, فالراجح هنا أنه يرتفع الحدثان جميعاً, وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (٢). ٣ - أن ينوي ما لا يباح إلا بالوضوء أو باعتبار الحدثين جميعاً كالصلاة, فإذا نوى الغُسل للصلاة ولم ينو رفع الحدث ارتفع عنه الحدثان, لأن من لازم نية الصلاة أن يرتفع الحدثان, والصلاة لا تصح إلا بارتفاع الحدثين. ٤ - أن ينوي ما يباح بالغُسل فقط, دون الوضوء كقراءة القرآن أو المُكث في المسجد, فلو اغتسل لقراءة القرآن فقط, ولم ينوِ رفع الحدث أو الحدثين ارتفع حدثه الأكبر فقط, فإن أراد الصلاة أو مس المصحف, فلابد من الوضوء, ولكن واقع الناس اليوم نجد أن أكثرهم يغتسلون من الجنابة من أجل رفع الحدث الأكبر أو الصلاة, وعلى هذا يرتفع الحدثان. ثالثاً: الإسلام. رابعاً: العقل. خامساً: التمييز, فالإسلام والعقل والتمييز شروط في كل عبادة إلا التمييز فإنه لا يشترط في الحج والعمرة, فهما يصحان من الصغير لكنهما لا يجزئانه عن حجة وعمرة الإسلام. وكذلك في الزكاة, فليس من شروطهما لا العقل ولا البلوغ, لأن الصحيح أن المجنون والصغير تجب الزكاة في ماليهما, ويطالب الولي بالإخراج. سادساً: الماء الطهور, فلو أنه تطهرّ أو اغتسل بماء نجس فإن حدثه لا يرتفع. س٢١١: ما حكم الغُسل بالماء المغصوب أو المسروق ؟ ج/ الصحيح أنه يرفع الحدث لكن مع الإثم, لأن النهي لا يقتضي الفساد إلا إذا عاد إلى ذات المنهي عنه أو وصفه اللازم. سابعاً: إزالة ما يمنع وصول الماء, كالطين والعجين والمناكير ونحو ذلك. بدليل قول الله تعالى - وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا - (٣) , ولأن الواجب غسل جميع الجسم, فإذا كان هناك شيء يمنع وصول الماء فهو لم يغسل جميع جسده, ولكن يُعفى عن اليسير, كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٤).

стр. 87

س٢١٢: وما ضابط اليسير في ذلك ؟ ج/ وضابط اليسير, يرجع في تحديد ذلك إلى عُرف الناس حيث لم يرد له تحديدٌ في الشرع. س٢١٣: ما حكم التسمية عند الغُسل ؟ ج/ الصحيح أنها مستحبة وليست بواجبة, وهو قول أكثر أهل العلم, قال الإمام أحمد ﵀: (لا يثبت في هذا الباب شيء) (١) , أي في وجوب التسمية في الوضوء والغُسل, وإذا لم يثبت فيه شيء فلا يكون حجة. س٢١٤: ما صفة الغسل ؟ ج/ للغُسل صفتان: الصفة الأولى: صفة مُجزئة, أن يُعم الماء جميع بدنه, ويدخل في الوجه الفم والأنف, فلابد أن يتمضمض ويستنشق لأنهما من الوجه, فعلى هذا لو انغمس مع النية في بئر ثم خرج فإن ذلك يُجزئه وحدثه يرتفع, لكن لابد من المضمضة والاستنشاق لأن الفم والأنف من الوجه, لقول النبي - للذي أصابته جنابه لما جاء الماء - خذ هذا فأفضه على جسدك - (٢) , ولأنه لو كان الله يريد منا أن نغتسل على وجه التفصيل لبينه كما بين الوضوء على وجه التفصيل, فلما أجمل الغُسل عُلِم أنه ليس بواجب علينا أن نبدأ بأعلى البدن أو أسفله. الصفة الثانية: الغُسل الكامل, أي المشتمل على الواجبات والسنن وهو كما يلي: * أن ينوي, فعند إرادة الإنسان الغُسل, ينوي الغُسل, وهذه هي نية العمل. * ثم يسمي, وهي مستحبة على الصحيح من أقوال أهل العلم. * ثم يغسل يديه ثلاثاً وهذه سنة, واليدان (الكفان) , لأن اليد إذا أُطلقت يراد بها الكف بدليل قوله تعالى - وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا - (٣) , والذي يُقطع هو الكف. ولماَ أراد ما فوق الكف قال سبحانه - وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ - (٤). * ثم يغسل ما لوّثه ولا فرق بين أن يكون ما لوثه على فرجه أو على سائر بدنه, وسواءٌ كان نجساً كالمذي, أو طاهراً كالمني.

стр. 88

ثم يتوضأ وضوئه للصلاة بدليل حديث عائشة ﵂ قالت - كان النبي - إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثاً وتوضأ وضوءه للصلاة ثم يخلل شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده - (١). قال ابن عبد البر في الاستذكار (٢): (المُغتسل من الجنابة إذا لم يتوضأ وعمم جميع جسده فقد أدى ما عليه, لأن الله تعالى افترض على الجُنب الغُسل من الجنابة دون الوضوء بقوله - وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا - (٣) , وهو إجماعٌ لا خلاف بين العلماء فيه, إلا أنهم أجمعوا على استحباب الوضوء قبل الغُسل تأسياً برسول الله - , ولأنه أعون على الغُسل). * ثم يحثو على رأسه ثلاث حثيات ترويه, أي تصل إلى أصوله بحيث لا يكون الماء قليلاً ويكفي في ذلك غلبه الظن, بدليل حديث عائشة السابق حيث قالت - حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته -. * ثم يُفيض الماء على جسده مرة واحدة على الصحيح, خلافاً لمن قال أنه يُثلَّث في غسل بقية جسده. قال السعدي ﵀ كما في المختارات الجلية (٤): (والصحيح أن التثليث لا يشرع في الغُسل إلا في غسل الرأس, لأن ذلك هو الوارد في صفة غسله - فلم يثبت عنه سوى هذا, وقياس الغُسل على الوضوء غير مسُلَّم لوجود الفارق من وجوه كثيرة). * وكذلك يستحب الدلك, قال في الشرح الكبير (٥): (ويستحب إمرار يده على جسده في الغسل والوضوء ولا يجب إذا تيقن أو غلب على ظنه وصول الماء إلى جميع جسده). * وكذلك يستحب التيامن, أي يبدأ بالجانب الأيمن, أما الوضوء فظاهر, وكذلك في الغسل, لحديث عائشة ﵂ كان النبي - يعجبه التيامن في ترجله وتنعله, وطهوره, وفي شأنه كله) (٦). * ثم إذا خرج يقول الذكر الوارد بعد الوضوء, وهو أن ينطق بالشهادتين, ثم يقول: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين (٧) , وإن زاد: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك (٨) , فحسن.

стр. 89

س ٢١٥: هل يجب على المرأة إذا كان شعرها ملفوفاً أو ضفائر أن تنقضه في حال غسلها للحيض أو النفاس أو الجنابة أم لا ؟ ج/ قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى كما في نيل المآرب للبسام (١): (اختلف العلماء في وجوب نقض المرأة شعرها من الحيض والصحيح, أنه لا يجب عليها نقضه لما ورد في بعض روايات حديث أم سلمة قالت للنبي - - إني امرأة أشدُ ضفر رأسي أفأنقضة للحيض والجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضي عليك الماء فتطهرين - (٢) , فهذه الرواية نصٌ في عدم وجوب نقض الشعر للغسل من الحيض والجنابة). وفي الإنصاف (٣): (لا يجب نقض شعر الرأس لغُسل الجنابة مطلقاً على الصحيح من المذهب). س٢١٦: ما مقدار ما يتوضأ به ويغتسل به ؟ ج/ يتوضأ بمد ويغتسل بصاع, لحديث أنس - قال - كان رسول الله - يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد, ويتوضأ بالمد (٤) -. مقدار المد = ٥١٠ غرام أي ما يقارب نصف كيلو. والصاع = ١٠٠٠ غرام أي ما يقارب من كيلوين وأربعين غراماً. فإن قيل: نحن الآن نتوضأ من الصنابير فمقياس الماء لا ينضبط: فيقال: لا تزد على المشروع في غسل الأعضاء في الوضوء, فلا تزد على ثلاث, في الغسل على مرة وبهذا يحصل الاعتدال. س٢١٧: ما حكم الإسراف في الغسل والوضوء ؟ ج/ حكم ذلك مكروه تنزيه, لما ورد من حديث عبدالله بن مغفل قال: سمعت رسول الله - يقول - إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء - (٥) , والمقصود بالتعدي هنا أي أنه أخطأ طريق السنة, والكراهة تنزيهية حتى عند الأحناف إلا إذا اعتقد أن ما زاد على الغسلات الثلاث من أعمال الوضوء فتكون الكراهة حينئذ تحريمية عندهم, وإنما يقال بأن الكراهة تنزيهية إذا كان الماء مباحاً أو مملوكاً للمتوضيء, فإن كان موقوفاً على الوضوء منه كالماء المعد للوضوء في المساجد ونحوها فالإسراف فيه حرام, لما في ذلك من التعدي على حق الغير بغير وجه حق, والله أعلم.

стр. 90

س٢١٨: ما حكم لو أن المتوضيء والمغتسل أسبغ بما دون المقدار الذي كان عليه النبي - يتوضأ ويغتسل به ؟ ج/ لا بأس بذلك, قال شيخ الإسلام ﵀: (ولو أسبغ بدون ذلك جاز من غير كراهة, إذا أتى بالغسل ولم يقتصر على مجرد المسح لظاهر القرآن ... وعن عائشة هي ورسول الله - من أناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريباً من ذلك (١) أزهـ (٢). س٢١٩: ما حكم الوضوء والاغتسال في المسجد ؟ ج/ لا بأس بذلك, بشرطين: أ. ألاّ يؤدي ذلك إلى إيذاء أحد. ب. ألاّ يؤدي ذلك إلى تلويث المسجد. ومن الأدلة على ذلك ما يلي: ١) ما رواه رجل من الصحابة - قال - حفظت لق أن رسول الله - توضأ في المسجد (٣) -. ٢) ما رواه نعيم المجمر قال - رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ فقال: سمعت رسول الله - يقول: إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء, فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل (٤) -. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (الراجح أنه لا يكره الوضوء في المسجد, وهو قول الجمهور إلا أن يحصل معه بصاق أو مخاط) (٥). وفي بدائع الفوائد: (ومن مسائل إسحاق بن منصور الكوسج لأحمد: قلت يتوضأ الرجل في المسجد؟ قال: قد فعل ذلك قوم, قال إسحاق: هو حسن ما لم يستنتج فيه) (٦). س٢٢٠: ما حكم الوضوء والاغتسال في الحمامات ؟ ج/ المقصود بالحمامات: ليست هي الموجودة الآن, لكن المراد بها حمامات عامة الناس يسخن فيها الماء ويقصدها الناس, فهذه الحمامات كرهها بعض أهل العلم كأحمد رحمه الله تعالى (٧) , وإنما كرهوها لما فيها من كشف العورات والنظر إليها والدخول المنهي عنها كنهي النساء. والخلاصة في ذلك: أن هذه الحمامات إذا خلت من المحظور مع الحاجة إليها فلا بأس بذلك, ولذلك بنيت الحمامات في الحجاز والعراق على عهد علي - وأقروها أي الصحابة ﵃.

стр. 91

وأما عند عدم الحاجة إليها فهي مكروهة لمظنة انكشاف العورات والنظر إليها, لكن إن أدى ذلك إلى انكشاف العورات فالقول بالحرمة هو الأقرب. وأما بالنسبة للمرأة فيقال بحرمة ذلك على الإطلاق إلا لعذر, قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (لأن المرأة كلها عورة ولا يحل لها أن تضع ثيابها في غير بيت زوجها ... والأفضل اجتنابها بكل حال مع الغنى, لأنها مما أحدث الناس من رقيق العيش, ولأنها مظنة النظر في الجملة ... والحاجة التي تبيحها مع قيام الحاظر المرض والنفاس فإن الحمام يذهب الدرن وينفع البدن, وكذلك الحاجة إلى الغسل من جنابة أو حيض أو غيره مع تعذره في المنزل وخشية التضرر به لبرد وغيره) (١). س٢٢١: ما الأغسال المستحبة ؟ ج/ ذكر المصنف رحمه الله تعالى أنها ستة عشر ثم ذكر آكد هذه الاغسال, وسنذكرها على ترتيب المصنف مع بيان القول الراجح في كل قسم باختصار, لأن هذه المسائل ستأتي مواضعها إن شاء الله تعالى في أبوابها وهي: ١. الغسل لصلاة الجمعة في يومها: وهي خاصة بالذَّكَر إذا حضرها " أي حضر الجمعة ". والراجح أن غسل الجمعة واجب والأدلة على ذلك كثيرة منها: حديث ابن عمر - أن النبي - قال - إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل (٢) - , ولحديث أبي هريرة - أن النبي - قال - حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً يغسل فيه رأسه وجسده (٣) - , ولحديث أبي سعيد الخدري - أن النبي - قال - غسل الجمعة واجب على كل محتلم (٤) -. ٢. الغسل بعد غسل الميت لمن غسّله. والراجح هنا كما قال المصنف أنه يستحب لمن غسل ميتاً أن يغتسل, بدليل ما ورد عن أبي هريرة - أن النبي - قال - من غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ (٥) - , قالوا وهذا الحديث فيه الأمر , والأمر الأصل فيه الوجوب لكن لما كان فيه شيء من الضعف لم ينتهض للإلزام به, وهذا مبني على قاعدة وهي ﴿أن النهي إذا كان في حديث ضعيف لا يكون للتحريم, والأمر لا يكون للوجوب, لأن الإلزام بالمنع, أو الفعل يحتاج إلى دليل تبرأ به الذمة لإلزام العباد﴾. قال الألباني ﵀ في كتاب أحكام الجنائز: (ويستحب لمن غسله أن يغتسل).

стр. 92

٣. الغسل في يوم العيد. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (وكان يغتسل للعيدين صح الحديث فيه, وفيه حديثان ضعيفان: حديث ابن عباس من رواية جبارة بن فطس, وحديث الفاكه بن سعد من رواية يوسف بن خالد السمتي, لكن ثبت عن ابن عمر مع شدة إتباعه السنة) (١). وورد أن السائب بن يزيد - - كان يغتسل قبل أن يخرج إلى المصلي - (٢). وعن ابن عمر - كان يغتسل ويتطيب يوم الفطر - (٣). ٤. الغسل للكسوف والاستسقاء. والراجح عدم استحباب ذلك, لأن النبي - فزع إلى صلاة الكسوف حتى أدرك بردائه (٤) فظاهرة أنه لم يغتسل, ولأنه يخالف أمره بالمبادرة إلى الغسل, وعلى هذا الأرجح أنه يخرج الكسوف متبذلاً متذللاً, وكذلك الاستسقاء, لأن المقام مقام تذلل وخضوع. ٥. الاغتسال للجنون والإغماء. وهذا صحيح لما ورد في حديث عائشة ﵂ أن النبي - اغتسل من الإغماء (٥) , وإذا شرع الاغتسال للإغماء فالجنون من باب أولى لأنه أشد. ٦. المستحاضة يشرع لها الاغتسال لكل صلاة. وهذا صحيح, لأن - أم حبيبة استحيضت فسألت النبي - عن ذلك فأمرها أن تغتسل, فكانت تغتسل عند كل صلاة - (٦) , وهذا الغسل ليس بواجب, بل الواجب ما كان عند إدبار الحيض وماعدا ذلك فهو سنة, قال الشوكاني: (وأمره ﵊ هنا لها بالاغتسال أجاب عنه الشافعي ﵀ بقوله: إنما أمرها رسول الله - أن تغتسل وتصلي وليس فيه أمرها أن تغتسل لكل صلاة, قال: ولا أشك إن شاء الله أن غسلها كان تطوعاً غير ما أمرت به وذلك واسع لها, وكذا قال سفيان بن عيينة والليث بن سعد وغيرهما. وما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب الاغتسال إلا لإدبار الحيضة هو الحق لفقد الدليل الصحيح الذي تقوم به الحجة لا سيما في مثل هذا التكليف الشاق) (٧).

стр. 93

٧. الاغتسال للإحرام وهو سنة. لحديث زيد بن ثابت - - أنه رأى النبي - تجرد لإهلاله واغتسل (١) - , ولأن النبي - - .. أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل - (٢). ٨. الاغتسال لدخول مكة. لفعل النبي - ذلك (٣) , لكن يقال الأقرب في ذلك: إن طال الزمن بين غسل الإحرام ودخول مكة شرع له ذلك, لأن النبي - قدم من المدينة على راحلة وهي رحلة طويلة فاغتسل عند دخوله مكة نظراً لما أصابه من أثر السفر, أما الآن فإن الزمن في الغالب لا يطول فقد يكون بين غسله للإحرام ودخوله مكة ساعة تقريباً فلا يشرع هنا لعدم الحاجة إلى ذلك. ٩. الاغتسال للوقوف بعرفة. قال شيخ الإسلام: (والاغتسال لعرفة قد روي عن ابن عمر وغيره, ولم ينقل عن النبي - ولا عن أصحابه في الحج إلا ثلاثة أغسال: غسل الإحرام, والغسل عند دخول مكة, والغسل يوم عرفة, وما سوى ذلك كالغسل لرمي الجمار, وللطواف, وللمبيت بمزدلفة فلا أصل له. لا عن النبي - ولا عن أصحابه, ولا أستحبه جمهور الأئمة لا مالك ولا أبي حنيفة ولا أحمد, وإن كان قد ذكره طائفة من متأخري أصحابه بل هو بدعة, إلا أن يكون هناك سبب يقتضي الاستحباب, مثل أن يكون عليه رائحة يؤذي الناس بها فيغتسل لإزالتها) (٤). ١٠. الاغتسال لطواف الزيارة وطواف الوداع, والمبيت بمزدلفة, ولرمي الجمار. والراجح أن هذه الأشياء لا يشرع لها الاغتسال, وقد تقدم كلام شيخ الإسلام. س٢٢٢: إذا تعذر الماء فهل يسن للإنسان أن يتيمم بدل الغسل فيما يسن له الغسل أم لا؟ مثال ذلك: أراد إنسان الإحرام وقد سبق أنه يسن الغسل للإحرام, ولكن الماء تعذر عليه فهل يتيمم بدل الاغتسال أم لا ؟ ج/ الراجح أنه لا يتيمم لذلك لأن الاغتسال إنما شرع للتنظيف والتيمم ليس فيه نظافة حسية , لكن لو كان الغسل واجباً كغسل الجنابة مثلاً وتعذر استخدام الماء إما لفقده أو لمرض فإنه يتيمم هنا. قال ابن قدامة ﵀: (الصحيح أنه غير مسنون, لأنه غسل غير واجب فلم يستحب التيمم عند عدمه كغسل الجمعة, والفرق بين الواجب والمسنون أن الواجب شرع لإباحة الصلاة, والتيمم يقوم مقامه في ذلك, والمسنون يراد للتنظيف وقطع الرائحة, والتيمم لا يحصّل هذا, بل يحصل شعثاً وتغبيراً) (٥).

стр. 94

- مسألتان لم يذكرهما المصنف ﵀ وهما: س٢٢٣: إذا كان الإنسان على جنابة وأراد النوم فهل يستحب له الوضوء أم لا ؟ ج/ الراجح أن من كان على جنابة وأراد أن ينام أنه يستحب له الوضوء, ولا يجب عليه للأدلة الآتية: أ- حديث عمر - أنه قال - يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ فليرقد - , وفي لفظ - توضأ وأغسل ذكرك ثم نم (١) -. ٢ - حديث عائشة ﵂ أن النبي - كان ينام وهو جنب؟ من غير أن يمس ماء - (٢) , فترك النبي - للغسل بيان للجواز وأن الأمر ليس للوجوب. لكن يكره النوم إن كان على جنابة ولم يتوضأ, قال شيخ الإسلام ﵀: (الجنب يستحب له الوضوء إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يعاود الوطء, لكن يكره له النوم إذا لم يتوضأ) (٣). س٢٢٤: إذا كان الإنسان على جنابة وأراد الأكل أو الشرب فهل يستحب له الوضوء أم لا ؟ ج/ الراجح أنه يستحب له ذلك, لحديث عائشة ﵂ أن النبي - إذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جنب توضأ - (٤) , ولما ورد من حديث عمار بن ياسر - - أن النبي - رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يتوضأ (٥) - , وتقدم كلام شيخ الإسلام ﵀, لكن هنا لو أكل أو شرب ولم يتوضأ فإنه لا يكره له ذلك. س٢٢٥: إذا أراد الإنسان أن يعاود الوطء فهل يستحب له الوضوء أم لا ؟ ج/ الراجح أنه يستحب الوضوء للجنب إذا أراد أن يجامع مرة أخرى, بدليل ما ورد في حديث أبي سعيد الخدري - أن النبي - قال - إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوء - (٦) , والأصل في الأمر أنه للوجوب لكن أخرج هذا الأمر عن الوجوب ما رواه الحاكم - إنه أنشط للعود - , فالتعليل أنه أنشط للعود يدل على أن الأمر للإرشاد وليس للوجوب.

стр. 95

- باب التيمم - س٢٢٦: ما تعريف التيمم في اللغة والاصطلاح ؟ ج/ التيمم لغة: القصد. شرعاً: التعبد لله بقصد الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين به. وهو من خصائص هذه الأمة, ولما رواه جابر أن النبي - قال - أعطيت خمساً لم يعطهن نبي من الأنبياء قبلي, نُصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجداً وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل .. الحديث - (١). س٢٢٧: هل التيمم رافع للحدث أو مبيح لما تجب له الطهارة ؟ ج/ في المسألة خلاف, والراجح في ذلك أنه رافع للحدث للأدلة التالية: ١.قوله تعالى لما ذكر التيمم - مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ (٢) -. ٢. قول النبي - في الحديث السابق - وجعلت لي الأرض مسجداً وطهورا .. الحديث - , والطهور بالفتح: ما يُتطهر به. ٣. أنه بدل, والقاعدة الشرعية ﴿أن البدل له حكم المبدل﴾ , فكما أن طهارة الماء ترفع الحدث, فكذلك طهارة التيمم. س٢٢٨: وماذا يترتب على هذا الخلاف؟ أي بين قولنا أنه رافع أو مبيح . ج/ يترتب على هذا الخلاف ما يلي: أ- إذا قلنا أنه مبيح, فإنه إذا نوى الإنسان التيمم لعبادة لم يستبح به ما فوقها, فإذا تيمم لنافلة لم يُصلَّ به فريضة, لأن الفريضة أعلى, وإذا قلنا أنه رافع وهو الراجح كما تقدم جاز ذلك. ب- إذا قلنا إنه مبيح, فإذا خرج الوقت بطل التيمم ولو لم يأتِ بناقض من نواقض الوضوء, وعلى القول بأنه رافع لا يبطل بخروج الوقت. ج-إذا قلنا إنه مبيح أُشترط أن ينوي ما تيمم له, فلو نوى رفع الحدث فقط لم يرتفع وعلى القول بأنه رافع له لا يشترط ذلك فإذا تيمم لرفع الحدث فقط جاز له ذلك.

стр. 96

س٢٢٩: ما الحكم لو وجد المتيمم بالتراب ماءً؟ وما الدليل ؟ ج/ قلنا قاعدة هي ﴿أن البدل له حكم المبدل﴾ , لكن إذا وجد المبدل وهو الماء بطلت طهارة التيمم, وعليه أن يغتسل إن كان التيمم عن غُسل, وأن يتوضأ إن كان التيمم عن وضوء. والدليل على ذلك مايلي: ١ - حديث عمران بن حصين الطويل, وقوله - للرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء - عليك بالصعيد فإنه يكفيك, ولما جاء الماء قال له النبي - خذ هذا فأفرغه عليك - (١) , فدل على أن التيمم يَبطُل بوجود الماء. ٢ - قول النبي - - الصعيد الطيب وضوء المسلم, وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجده فليتقِ الله وليمسّه بشرته - (٢) , وفائدة قولنا بدل أنه لا يمكن أن يُعمل به مع وجود الأصل. س٢٣٠: من المعلوم أن الإنسان إذا عدم أو لم يستطع استعماله للحدث الأكبر أو الأصغر ولكن هل يتيمم لو كان على بدنه نجاسة لم يقدر على تغييرها أم لا وعليه حدث كذلك ؟ ج/ الصحيح أنه لا يتيمم إلا عن حدث فقط, لما يأتي: أ- لأن هذا هو الذي ورد به النص. ب- أن طهارة الحدث عبادة فإذا تعذر الماء بتعفير أفضل أعضائه بالتراب, وأما النجاسة فشيء يطلب التخلي منه, لا إيجاده فمتى خلي من النجاسة ولو بلا نية طهر منها, وإلا صلى على حسب حاله, لأن طهارة التيمم لا تؤثر في إزالة النجاسة والمطلوب من إزالة النجاسة تخلية البدن عنها, وإذا تيمم فإن النجاسة لا تتخلى عن البدن, وعلى هذا إن وجد الماء أزالها به " أي أزال النجاسة بالماء " وإلا سقط الوجوب.

стр. 97

- شروط التيمم - أولاً: النية. ثانياً: الإسلام. ثالثاً: العقل. رابعاً: التمييز, وتقدم أن هذه الشروط الأربعة شروط في كل عبادة ما عدا التمييز, فلا يشترط في الحج والعمرة فهما يصحان حتى من الصغير. خامساً: الاستنجاء والاستجمار, وهذا الشرط الصحيح أنه يصح التيمم قبل الاستنجاء والاستجمار, ومثل هذه المسألة سبقت في باب شروط الوضوء في حكم الوضوء قبل الاستجمار والاستنجاء (١). سادساً: دخول الوقت, وهذا الشرط بناءً على أن التيمم مبيح وتقدم أن التيمم رافع على القول الراجح (٢) , وعلى هذا فالصحيح عدم اشتراط هذا الشرط, فلو تيمم في أي وقت أجزأ حتى في أوقات النهي على الصحيح. سابعاً: تعذر استعمال إما لفقده, أو للتضرر باستعماله, أو طلبه أو ضرر رفيقه أو حرمته. لفقده: أي يكون غير واجد للماء لا في بيته, ولا في رحله, إن كان مسافراً, ولا ما قرب منه, أو وجد بثمن لا يقدر عليه, لكونه ليس معه ثمنه كاملاً, أو ليس معه ثمنه البتة, بدليل قوله تعالى - فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً (٣) - , ولقول النبي - - إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير - (٤). س٢٣١: لكن إن وجد الماء بثمن باهظ ومعه مال فهل يلزمه شراؤه أم لا ؟ ج/ المسألة على خلاف, والصحيح أنه يلزمه شراؤه والدليل قوله تعالى - فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً - , فالله تعالى اشترط للتيمم عدم الماء, والماء هنا موجود ولا ضرر عليه في شرائه لقدرته عليه. أو تضرر باستعماله: أي تضرر بدنه في استعمال الماء, أي أنه مريض, فهنا يدخل في عموم قوله تعالى - وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر (٥) - , كما لو كان في أعضاء وضوئه قروح أو في بدنه حكة عند الغسل, وخاف ضرر بدنه فله أن يتيمم. أو طلبه: أي يخشى ضرر بدنه بطلب الماء لكونه بعيداً, أو لشدة برودة الجو ونحو ذلك, فتيمم.

стр. 98

أو رفيقه: أي خاف باستعماله ضرر رفيقه, كأن يكون معه ماء قليل ورفقه, فإن استعمل الماء عطش الرفقة وتضرروا, فإنه يعدل إلى التيمم. أو حرمته: أي خاف باستعماله ضرر امرأته أو من له ولاية عليها من النساء, ونحو ذلك من أنواع الضرر. س٢٣٢: إذا كان معه ماء يكفي لطهارته فقط ووجد عطشاناً من آدمي أو بهيمة محترمين فهل يتوضأ بهذا الماء حتى ولو أدى ذلك إلى هلاك الآدمي والبهيمة المحترمين أم يبذله لهما ؟ ج/ الراجح أنه يجب عليه بذله لهما ويتيمم, لكن بشرط أن يكون كلاً من الآدمي والبهيمة محترمين. والمحترم من الآدمي هو: هو المسلم, والذمي, والمعاهد, والمستأمن, بخلاف الحربي وهو من بيننا وبينه حرب فلا يجب بذل الماء له, ولو بذله الإنسان فلا بأس بذلك. والمحترم من البهائم هي التي يحرم قتلها إلا لغرض, بخلاف ما لا يحرم قتله فلا يجب بذل الماء لها. س٢٣٣: من وجد ماء يكفي لبعض طهارته دون بعض فكيف يعمل ؟ ج/ يقال: في هذه الحالة يجمع بين الطهارة بالماء والتيمم, على القول الراجح من أقوال أهل العلم. مثال ذلك: رجل عنده ماء يكفي لغسل وجهه ويديه ومسح الرأس دون غسل الرجلين, فهو يغسل الوجه واليدين ويمسح رأسه ويتيمم عن غسل الرجلين, لقول النبي - - إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم - (١). س٢٣٤: إذا وصل المسافر إلى الماء وقد ضاق الوقت " أي سيخرج الوقت " إن شرع في الوضوء أو علم أن النوبة " أي دوره على الماء " لا يأتيه إلا بعد خروج الوقت فهل يتيمم محافظة على الوقت أم يتوضأ ولو خرج الوقت؟ أي هل يتيمم محافظة على الوقت أم لا ؟ ج/ هذه المسألة لا تخلو من حالتين: ١ - أن يكون الإنسان غير نائم ولا ناسي: وهذا مثاله, ما تقدم كما لو كان الإنسان مسافر ولم يصل إلى الماء إلا بعد تضايق الوقت, أو الماء عليه جماعة يطلبونه فإذا انتظر دوره خرج الوقت, فهنا الراجح أنه يتيمم محافظة على الوقت, وهو قول شيخ الإسلام ﵀. ٢ - أن يكون نائماً أو ناسياً: مثاله, إنسان نام عن صلاة الفجر ولم يستيقظ إلا قرب طلوع الشمس, أو نسيها ولم يتذكرها إلا قرب طلوع الشمس فلو اشتغل بالطهارة خرج الوقت, وإن تيمم أدرك الوقت, فهل يتيمم ويدرك الوقت أم يرفع حدثه " أي يتوضأ بالماء " ولو خرج الوقت؟

стр. 99

يقال في هذا الصورة: يرفع حدثه ولو خرج الوقت, لأن النائم والناسي يكون وقت الصلاة في حقه إذا قام من النوم أو تذكر إن كان ناسياً, قال شيخ الإسلام ﵀: (ومن استيقظ آخر الوقت وهو جنب وخاف أن اغتسل خروج الوقت, اغتسل وصلى ولو خرج الوقت, وكذا من نسيها, بخلاف من استيقظ أول الوقت فليس له أن يفوت وقت الصلاة بل يتيمم ويصلي) (١). س٢٣٥: من أراق الماء في وقت الصلاة أو أمر به وأمكنه الوضوء ولم يتوضأ مع علمه بأنه لا يجد غيره فما حكمه ؟ ج/ يقال بأنه آثم لتفريطه, ويشرع له التيمم ويصلي ولا يعيد الصلاة إذا وجد الماء. س٢٣٦: إذا خرج الإنسان للنزهة أو لغرض آخر في وقت صلاة ولا يمكنه حمل الماء وهو يعلم أنه لا يجد ماء, وإذا رجع للوضوء فاتت حاجته فهل يلزمه أن يحمل معه الماء أم لا يلزمه ذلك ؟ ج/ يقال بأنه لا يلزمه أن يحمل معه الماء إلا للصلاة التي خرج في وقتها, لأنه مطالب بالصلاة ومن باب أولى بالوضوء, أما بقية الصلوات فلا يلزمه أن يحمل لها الماء, فإن وجد ماء توضأ وإلا فإنه يعدل إلى التيمم. س٢٣٧: من كان عليه حدث وفي ثوبه نجاسة وعنده ماء لا يكفي للجميع فأيهما يبدأ ؟ ج/ الصحيح أنه يبدأ بإزالة الخبث فإن فضل شيء توضأ بالباقي, وإن لم يفضل شيء يتيمم, ولماذا يبدأ بإزالة الخبث؟ لأن التيمم للخبث فيه خلاف والراجح أنه لا يتيمم له كما تقدم (٢) , وأما التيمم للحدث فهذا محل اتفاق, ولذلك قالوا يبدأ بإزالة الخبث فإن فضل شيء للوضوء توضأ ولا شيء عليه, وإن كفاه لبعض أعضاه غسل ما يستطيع وتيمم عن الباقي. س٢٣٨: ما الحدث الذي يتيمم له ؟ ج/ يصح التيمم لكل حدث سواء كان حدثاً أصغر أو أكبر, وهذا بالاتفاق, لعموم الآية - فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا (٣) - , ولقوله - كما في حديث عمران - عليك بالصعيد الطيب فإنه يكفيك - (٤). ثامناً: من شروط التيمم أيضاً أن يكون بتراب طهور, مباح غير محترق, له غبار ويعلق باليد. (وهذا الشرط على قول بعض الفقهاء منهم المصنف رحمه الله تعالى).

стр. 100

س٢٣٩: هل يُخص التيمم بالتراب فقط ؟ ج/ الصحيح أنه لا يخص التيمم بالتراب فقط بل يصح التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض, والدليل على ذلك: أ- قوله تعالى (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً - , وقوله - في الحديث السابق - عليك بالصعيد الطيب فإنه يكفيك -. والصعيد: كل ما تصاعد على وجه الأرض والله يعلم أن الناس يطرقون في أسفارهم أراضي رملية وحجرية وترابية فلم يخصص شيء دون شيء. ب- أن النبي - في غزوة تبوك مرّ برمال كثيرة, ولم ينقل أنه كان يحمل التراب معه أو يصلي بلا تيمم. * قوله (طهور) خرج من ذلك الطاهر والنجس, أما النجس فنعم فلا يصح التيمم عليه, أما الطاهر فالصحيح أنه لا وجود للطاهر وأن الماء على قسمين كم ذكرنا في أقسام المياه (١). *قوله (مباح) خرج من ذلك المغصوب والمسروق ونحوهما. س٢٤٠: ما الحكم لو تيمم بتراب مسروق أو مغصوب ؟ ج/ على اشتراط أن يكون التراب (مباحاً) لو تيمم بتراب مسروق أو مغصوب فإن تيممه لا يصح, والراجح أنه يصح تيممه مع الإثم كما تقدم في حكم الوضوء بالماء المسروق والمغصوب ونحوهما (٢). * قوله (غير محترق) أي لو كان محترقاً كالخزف والأسمنت فلا يجوز التيمم به, وهذا ضعيف فالصواب أن كل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب ورمل وحجر وطين رطب أو يابس فإنه يتيمم به. * قوله (وله غبار يعلق باليد) يقال في هذه المسألة الراجح أن ما تيمم عليه على قسمين: القسم الأول أن يكون من جنس الأرض: فهذا لا يشترط أن يكون له غبار, فلو أتى إلى صخرة ملساء وتيمم عليها صحّ ذلك, ولا يشترط لذلك غبار. القسم الثاني أن يكون من غير جنس الأرض: كما لو تيمم على الباب أو على فرشه, فهذا فلابد أن يكون عليه شيء من جنس الأرض وهو الغبار. س٢٤١: إذا عدم الإنسان الماء ولم يستطع التيمم كذلك فما حكمه ؟ ج/ يصلي حسب حاله بدون وضوء ولا تيمم ولا إعادة عليه إذا قدر على الماء أو التيمم, قال شيخ الإسلام ﵀: (وكل من صلى في الوقت كما أمر حسب الإمكان فلا إعادة عليه, وسواء كان العذر نادراً أو معتاداً) (٣).

стр. 101

س٢٤٢: وهل يصلي بذلك الفرض فقط أم لا ؟ ج/ بعض العلماء قال أنه إن لم يجد الماء ولم يستطيع التيمم بأنه يصلي الفرض فقط ولا يزيد في صلاته على ما يجزئ, فيقتصر في التسبيح في الصلاة على واحدة وهكذا, والراجح أن من عجز عن الطهارتين صلى بذلك الفرض والنفل, وله أن يزيد على ما يجزئ. وفي المختارات الجلية للسعدي قال: (والصحيح أن الذي يعجز عن الطهارتين ويصلي على حسب حاله أنه يصلي ما شاء من فروض ونوافل, ويزيد على ما يجزئ, لأنها كاملة في حقه لا نقص فيها, وليس للاقتصار على مجرد الواجبات نظير في العبادات يقاس عليه) (١). وجواز الزيادة على المجزئ هو اختيار الشيخ محمد بن إبراهيم كما في فتاويه (٢). س٢٤٣: ما حكم التسمية في التيمم ؟ ج/ التسمية في التيمم على الصحيح أنها سنة وليست بواجبة, كما هو الحال بالنسبة للوضوء والغُسل وقد تقدم الكلام على ذلك (٣). - فروض التيمم - أولاً: مسح الوجه, لقوله تعالى - فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ - (٤) , وبالنسبة لشعر الوجه فيكفي في التيمم مسح ظاهره, قال السعدي ﵀: (أما التيمم فيكفي مسح ظاهر الشعر خفيفاً كان أو كثيفاً, في الحدث الأصغر أو الأكبر, وأما طهارة الماء فإن الحدث الأكبر لابد من إيصال الماء إلى باطن الشعر كظاهره ..) (٥). ثانياً: مسح اليدين إلى الكوعين, لقوله تعالى - وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ - (٦).

стр. 102

س٢٤٤: هل يمسح المتيمم ذراعيه ؟ ج/ مسح اليدين يكون إلى الكوع فقط, والدليل على ذلك قوله تعالى - وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ - واليد إذا أطلقت فالمراد بها الكف, بدليل قوله تعالى - وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا - (١) والقطع إنما يكون من الكف, ولحديث عمار بن ياسر وفيه أن النبي - قال - إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا, وضرب بيديه الأرض ومسح وجهه وكفيه - (٢) , فمسح الكف فقط ولم يمسح الذراع. ثالثاً: من فروض التيمم الترتيب, وهو أن يبدأ بالوجه قبل اليدين, بدلالة الآية - فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ - , حيث بدأ بالوجه قبل اليدين. س٢٤٥: ما الحكم لو كان في موضع من مواضع الطهارة جرح لا يستطيع غسله هل يتيمم له ؟ ج/ الأصل أنه يجب عليه غسله فإن لم يستطع لتضرره بذلك, أو لكونه قد لف عليه خرقة فإنه يمسح عليه, فإذا لم يستطع غسله, ولا مسحه تيمم عنه. س٢٤٦: وهل يشترط الترتيب بين الغُسل والتيمم ؟ ج/ مثال ذلك: رجل في يده اليسرى جرح لا يستطيع غسله ولا مسحه, وقد تقدم بأن من كان هذه حاله فإنه يتيمم عن هذا القدر من العضو بعد غسل ما يقدر عليه, ولكن هل يلزم الترتيب بين الغسل والتيمم هنا بمعنى هل يقال إذا غسل ما يستطيع من يده اليسرى يتيمم عن ما لا يستطيع غسله ثم يكمل باقي وضوءه أم أن له أن يؤخر التيمم إلى انتهاء الوضوء؟ يقال الراجح في ذلك أنه لا يشترط هنا الترتيب بين الغسل والتيمم, بل يؤخر التيمم إلى ما بعد الوضوء حتى ولو كان الفاصل بينهما طويلاً, بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن التيمم أثناء الوضوء بدعة (٣). رابعاً: من فروض التيمم الموالاة: وهي ألاّ يؤخر مسح اليدين بعد مسح الوجه زمناً لو كانت الطهارة بالماء لجف الوجه قبل أن يُطهر اليدين, وعلل الفقهاء ذلك بأن التيمم بدل عن الماء والبدل له حكم المبدل, فإذا كانت الموالاة واجبة في الوضوء فكذلك في التيمم, وهذا هو الأولى أن يقال أن الموالاة واجبة في الطهارتين جميعاً إذ يبعد أن يقال لمن مسح وجهه أول الصبح ويديه عند الظهر أن هذه هي صورة التيمم المشروعة.

стр. 103

خامساً: تعيين النية لما تيمم له من حدث أو نجاسة, فلا تكفي نية أحدهما عن الآخر, وإن نواهما أجزأ. (هذا الشرط على قول المصنف ﵀. فيقال أما النية في التيمم لرفع الحدث فهذا ظاهر أنه لابد منه. لكن قوله: (أو نجاسة) تقدم أن الصحيح أن التيمم عن إزالة النجاسة ليس بصحيح (١). وأما نية رفع الحدث فهو على أقسام: ١ - أن ينوي بتيممه رفع الحدث, فهذا يرتفع حدثه الأصغر والأكبر. ٢ - أن ينوي بتيممه رفع الحدثين إذا كان عليه حدثان, فهما يرتفعان. ٣ - أن ينوي بتيممه رفع الحدث الأكبر فقط, فهل يرتفع حدثه ألصغر أم لا؟ على خلاف, والراجح أنه يرتفع. ٤_أن ينوي بتيممه رفع الحدث الأصغر وعليه حدث أكبر, فهنا لا يرتفع الحدث الأكبر. س٢٤٧: ما مبطلات التيمم ؟ أولاً ما أبطل الوضوء أبطل التيمم: والمقصود بذلك نواقض الوضوء, وهذا ظاهر, لأن البدل له حكم المبدل. ثانياً وجود الماء: إذا كان تيممه لفقد الماء, فإذا كان قبل دخوله في الصلاة بطل تيممه بالإجماع, لعموم قول النبي - كما في حديث أبي ذر - الصعيد الطاهر وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين, فإذا وجده فليتقِ الله وليمسه بشرته (٢) - , ولحديث عمران بن حصين الطويل وفيه قوله - للرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء - عليك بالصعيد الطيب فإنه يكفيك - , ولما جاء الماء قال النبي - - خذ هذا وأفرغه عليك (٣) - , قال ابن هبيرة في الإفصاح: (وأجمعوا على أن المحدث إذا تيمم ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة فإنه يبطل تيممه) (٤) , وأما إن كان وجود الماء إذا كان تيممه لفقد الماء في أثناء الصلاة فهذا سيأتي بيان حكمه إن شاء الله تعالى.

стр. 104

ثالثاً خروج الخروج: فلو تيمم لصلاة الظهر فخرج وقت الظهر بطل تيممه, وهذا على القول بأن التيمم مبيح, ولكن تقدم أن الراجح أن التيمم رافع (١) وباء على هذا فالراجح أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت للأدلة الآتية: أ- قول الله تعالى بعد أن ذكر الطهارة بالماء والتراب - مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ (٢) - , إذاً فطهارة التيمم طهارة تامة. ب- قوله - - وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً - (٣) والطَهور بالفتح ما يتطهر به, وهذا يدل على أن التيمم مطهر ليس مبيحاً. ج- أنه بدل عن طهارة الماء, والبدل له حكم المبدل, فإذا كان المبدل وهو الماء لا يبطل بخروج الوقت فكذلك البدل وهو التيمم, وقال ابن القيم ﵀: (وكذلك لم يصح عنه التيمم لكل صلاة ولا أمر به, بل أطلق التيمم وجعله قائماً مقام الوضوء, وهذا يقتضي أن يكون حكمه, إلا ما اقتضى الدليل خلافه) (٤). رابعاً زوال المبيح له: فإذا كان تيممه لعدم وجود الماء ثم وجده بطل تيممه, وإذا كان تيممه لعدم قدرته على استعمال الماء لمرض مثلاً ثم برئ بطل تيممه, وهذا ظاهر وصحيح. خامساً إذا خلع ما مسح عليه: مثاله, لو كان عليه خفان ثم تيمم إما لعدم الماء أو لعدم قدرته على استعمال, ثم خلع الخفين, قالوا فإن تيممه يبطل كالماء, لكن الصحيح أن خلع الخفين فإن طهارته لا تبطل على الراجح, وقد تقدم بيان ذلك (٥) , فكذلك لو تيمم وعليه ما يمسح عليه ثم خلعه فإن تيممه لا يبطل. قال في المغني: (والصحيح أن هذا ليس بمبطل للتيمم " أي إذا خلع ما مسح عليه " وهذا قول سائر الفقهاء, لأن التيمم طهارة لم يمسح فيها عليه فلا يبطل بنزعه) (٦). س٢٤٨: إذا وجد الماء أو قدر على استعمال الماء وهو في الصلاة فهل يبطل تيممه أم لا ؟ ج/ الراجح أن صلاته تبطل ويتوضأ ثم يعيد الصلاة من جديد, لعموم قوله تعالى - فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً - وهذا قد وجد الماء, ولعموم قوله - - فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته - , ولأن التيمم بدل فإذا وُجد زالت البدلية فيزول حكمها.

стр. 105

س٢٤٩: إذا وجد الماء بعد الصلاة فهل يعيد صلاته أم لا ؟ ج/ الصحيح أنه لا يعيد صلاته سواء خرج الوقت أم لم يخرج, وهذا بلإجماع كما هو في الإجماع لابن المنذر, والإفصاح (١). س٢٥٠: ما صفة التيمم ؟ ج/ صفة التيمم هي: أن ينوي الإنسان, أي ينوي استباحة ما تيمم له كفرض الصلاة من الحدث الأصغر أو الأكبر ونحوه, والنية ليست صفة إلا على سبيل التجوز, لأن محلها القلب, وهي شرط لصحة العمل وقبوله وإجزائه لقوله - - إنما الأعمال بالنيات - (٢) , ثم يسمي, أي يقول بسم الله, وهي مستحبة كما تقدم. ثم يضرب التراب بيديه ضربة واحدة على الراجح من أقوال أهل العلم, لقوله - لعمار - إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا, ثم ضرب بيديه إلى الأرض ضربة واحدة, ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه - (٣)., قال ابن القيم ﵀: (كان - يتيمم بضربة واحدة للوجه والكفين, ولم يصح عنه أنه تيمم بضربتين) (٤) , وهل يفرج أصابعه أثناء الضرب أم لا؟ ظاهر حديث عمار المتقدم أنه لا يشترط أن يضرب بيديه الأرض ثم يمسح بهما وجهه وكفيه لحديث عمار بن ياسر الذي في الصحيح (٥) , ثم يمسح وجهه بباطن أصابعه ويمسح كفيه براحتيه. وهل يخلل بين أصابعه ليصل التراب إلى ما بينهما أم لا؟ الراجح أنه لا يخلل, لظاهر حديث عمار, ولأن طهارة التيمم مبنية على التسامح, ولهذا كما تقدم لا يجب إيصال التراب إلى باطن الشعور الخفيفة بخلاف الوضوء. س٢٥١: إذا لم يجد الماء عند دخول الوقت ولكن يرجو وجوده في آخر الوقت فهل الأفضل أن يقدَّم الصلاة في أول الوقت أو يؤخرها حتى يجد الماء ؟ ج/ يقال هنا تعارض أمران: الأول: تقديم الصلاة في أول الوقت. الثاني: الصلاة بطهارة الماء بدلاً عن التيمم.

стр. 106

ويترجح تأخير الصلاة في حالتين: الأولى: إذا علم عدم وجود الماء. الثانية: إذا ترجع عنده وجود الماء. ويترجح تقديم أول الوقت في ثلاث حالات: الأولى: إذا علم عدم وجود الماء. الثانية: إذا ترجح عنده عدم وجود الماء. الثالثة: إذا لم يترجح عنده شيء. وإذا كان يعلم وجود الماء فعلى القول الراجح أنه لا يلزمه التأخير ولا يتعين عليه, فالتقديم أفضل لعموم قوله - - أيما رجلٌ من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ - , وأيضاً لأن علمه بذلك ليس أمراً مؤكداً, فقد يتخلف لأمر من الأمور وكلما كان الظن أقوى " أي بأنه سيجد الماء " كان التأخير أولى. وكذلك يقال: إذا دار الأمر بين أن يدرك الجماعة في أول الوقت بالتيمم أو يتطهر بالماء آخر الوقت فيجب عليه تقديم الصلاة أول الوقت بالتيمم لأن الجماعة واجبة. س٢٥٢: هل إذا تيمم للنافلة له أن يصلي بهذا التيمم الفريضة أم لا ؟ ج/ على قول من قال أن التيمم مبيح قالوا بأنه إذا تيمم لاستباحة عبادة لم يستبح ما فوقها وإنما يستبيح ما دونها فلو أنه تيمم حتى يلبث في المسجد لم يصح أن يصلي به نافلة لأنها فوقها, لكن على الراجح أن التيمم رافع وليس بمبيح (١) , فيقال بأنه إذا تيمم لاستباحة عبادة, استباح ما فوقها وما دونها فمن تيمم لصلاة نافلة صح أن يصلي بذلك فريضة, وصح بذلك أن يمس بهذا التيمم المصحف, وهذا القول هو الراجح. س٢٥٣: هل يتيمم لما يسن له الوضوء أم لا ؟ ج/ الصحيح أنه يسن ذلك لورود النص في ذلك - لأن النبي - تيمم لرد السلام - (٢). وقد سبق ذكر مسألة ما تستحب له الطهارة وهي (٣): ١ - عند قراءة القرآن. ٢ - عند الذكر. ٣ - عند الدعاء. ٤ - عند الآذان. ٥ - عند النوم. ٦ - عند الغضب. ٧ - بعد المعصية.

стр. 107

- باب إزالة النجاسة - الطهارة الحسية إما أن تكون عن حدث وتقدم الحديث عنها, وإما أن تكون عن نجس وخبث وهي المقصودة هنا. س٢٥٤: ما الخبث ؟ ج/ الخبث عين مستقذرة شرعاً. وقولنا (عين) أي ليست وصفاً ولا معنى, وقولنا (شرعاً): أي الشرع الذي استقذرها, وحكم بنجاستها وخبثها, والنجاسة إما حكمية وإما عينية. س٢٥٥: وما المراد بهذا الباب ؟ ج/ المراد بهذا الباب النجاسة الحكمية: وهي التي تقع على شيء طاهر فينجس بها. وأما العينية: فإنه لا يمكن تطهيرها, فلو أتينا بماء البحر لتطهير روثه حمار مثلاً فإنها لا تطهر أبداً لأن عينها نجسة, إلا إذا استحالت على رأي بعض العلماء. س٢٥٦: ما أقسام النجاسة ؟ ج/ النجاسة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١. مغلظة ... ٢. متوسطة. ٣. مخففة. فالمغلظة: كنجاسة الكلب. والمتوسطة: هي ما عدا النجاسة المغلظة والمخففة. والمخففة: كبول الغلام الذي يأكل الطعام. س٢٥٧: هل يجزئ في غسل النجاسات زوال عين النجاسة ولو كانت بغسله واحد أم لابد من التسبيع قياساً على ولوغ الكلب ؟ ج/ الراجح أنه يجزئ في غسل النجاسات زوال عين النجاسة ولو كانت بغسله واحدة, فإن لم تزل إلا بغسلتين فغسلتين وهكذا. والدليل على ذلك: قول النبي - لما بال الأعرابي في المسجد - أريقوا على بوله ذنوباً من ماء - (١) , وإن كانت النجاسة ذات جُرم فلابد من إزالة الجُرم (كما لو كانت عذره أو دماً جفّ) ثم يتبع بالماء,

стр. 108

فإن أزيلت بكل ما حولها من رطوبة كما لو اجتثت فإنه لا يحتاج إلى غسل لأن الذي تلوث بالنجاسة قد أزيل. وفي الاختيارات الجليّة للسعدي (١): (والصحيح في غسل النجاسات كلها غير الكلب أنه يكفي فيها غسله واحدة تذهب بعين النجاسة) , وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (٢): (وهذا يعرف أن السبع مختص بنجاسة الكلب ولوغه وغيره, فبوله وعذرته أنجس من ريقه). فيستثنى من ذلك نجاسة الكلب فلابد من غسلها سبعاً إحداهن بالتراب إذا ولغ في الإناء. س٢٥٨: تقدم أن ولوغ الكلب يغسل سبعاً إحداهن بالتراب ففي أي غسله يكون التراب ؟ ج/ الأولى أن يكون التراب في الغسلة الأولى, لما يلي: أ) ورود النص بذلك. ب) أنه إذا جعل التراب في أول غسله خفت النجاسة, فتكون بعد أول غسله من النجاسات المتوسطة. ج) أنه لو أصاب الماء في الغسلة الثانية بعد التراب محلاً آخر غسل ستاً بلا تراب, ولو جعل التراب في الأخيرة وأصابت الغسلة الثانية محلاً آخر غسل ستاً أحدها بالتراب. س٢٥٩: هل يُجزئ عن التراب في غسل نجاسة الكلب شيء آخر كالإشنان والصابون ونحو ذلك ؟ ج/ على خلاف بين أهل العلم في ذلك والراجح أنه لا يجزئ لأمور: ١. أن الشارع نصّ على التراب فالواجب إتباع النص. ٢. أن السدر والإشنان كانت موجودة في عهد النبي - ولم يُشر إليهما. ٣. لعل في التراب مادة تقتل الجراثيم التي تخرج من لعاب الكلب. ٤. أن التراب أحد الطهورين, لأنه يقوم مقام الماء في باب التيمم إذا عُدم الماء. قال النبي - - وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً - (٣) , وعلى هذا فالصحيح أنه لا يُجزئ عن التراب غيره, لكن لو فرض عدم وجود التراب, وهذا احتمال بعيد فإن استعمال الإشنان, أو الصابون خير من عدمه. قال ابن قدامه ﵀: (إنما يجوز العدول إلى غير التراب عند عدمه, أو إفساد المحل المغسول .. وهذا قول ابن حامد) (٤) أ. هـ.

стр. 109

س٢٦٠: هل بول الكلب وروثه يغسل سبعاً كولوغه ؟ ج/ جمهور الفقهاء قالوا بأن روثه وبوله كولوغه بل هو أخبث, والنبي - نصّ (١) على الولوغ لأن هذا هو الغالب, وهذا القول هو الأحوط أنه يغسل من بوله وروثه سبعاً. س٢٦١: وهل تُلحق نجاسة الخنزير بنجاسة الكلب, أي أنها تُغسل سبعاً أم لا ؟ ج/ الصحيح أنها لا تُلحق, لأن الخنزير مذكور في القرآن وموجود في عهد النبي - ولم يرد إلحاقه بالكلب, وعلى هذا فالصحيح أن نجاسته كنجاسة غيره. س٢٦٢: هل يلزم غسل الصيد إذا أمسكه كلب الصيد أو صاد بفيه ؟ ج/ إذا صاد كلب الصيد أو أمسك بفيه لا يلزم غسل الصيد سبع مرات إحداهن بالتراب, لأن صيد الكلب مبني على التيسير. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (إن هذا مما عفا عنه الشارع) (٢). س٢٦٣: هل يضر بقاء طعم النجاسة أو لونها أو ريحها بعد الغسل أم لا يضر ذلك ؟ ج/ إذا غسل النجاسة فإن بقي اللون أو الرائحة فلا يضر ذلك, أما إذا كان الباقي هو الطعم فإن ذلك يضر لأنه يدل على بقاء العين, لما روى أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول أرأيت لو بقي أثره؟ تعني الدم, فقال - يكفيك الماء ولا يضرك أثره - (٣). س٢٦٤: حكم بول الغلام الذي لم يأكل الطعام ؟ ج/ ينضح بوله, والمراد بالنضح أن تتبعه الماء دون فرك أو عصر حتى يشمله كله, والدليل على ذلك حديث عائشة وأم قيس بنت محصن ﵄ أن النبي - - أتى بغلام فبال على ثوبه فدعاء بماء فنضخه ولم يغسله - (٤). وفي تحفة المودود لابن القيم (٥): (إنما يزول حكم النضح إذا أكل الطعام وأراده واشتهاه, تغذياً به). والضابط في أكله الطعام كما قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في فتاويه (٦): (ليس المراد امتصاصه ما يوضع في فمه وابتلاعه, بل إذا كان يريد الطعام ويتناوله ويشرئب إليه, أو يصيح أو يشير إليه فهذا هو الذي يطلق عليه أنه يأكل الطعام) أ. هـ.

стр. 110

س٢٦٥: ما الحكمة من كونه يُرش من بول الغلام ويغسل بول الجارية ؟ ج/ الحكمة هي كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في تحفة المودود (١): (وقد فرق بين الغلام والجارية بعدة فروق: ١. أن بول الغلام يتطاير وينتشر ههنا فيشق غسله, وبول الجارية يقع في موضع واحد فلا يشق غسله. ٢. أن بول الجارية أنتن من بول الغلام, لأن حرارة الذكر أقوى, وهي تؤثر في إنضاج البول وتخفيف الرائحة. ٣. أن حمل الغلام أكثر من حمل الجارية لتعلق القلوب به كما تدل عليه المشاهدة, فإذا صحت هذه الفروق وإلا فالمعول على التفريق السنة) أ. هـ. س٢٦٦: ما كيفية تطهير الأرض إذا أصابتها النجاسة ؟ ج/ إذا طرأت النجاسة على أرض فإنه يشترط لطهارتها أن تزول عين النجاسة أيّاً كانت ولو من كلب بغسلة واحدة فإن لم تُزل إلا بغسلتين, فغسلتان, وبثلاث فثلاث, والدليل على ذلك قول النبي - لما بال الأعرابي في المسجد قال - أريقوا على بوله ذنوباً من ماء - , ولم يأمر بعدد. وإن كانت النجاسة ذات جرم فلابد أولاً من إزالة الجرم كما لو كانت عِذرة أو دماً جفّ ثم يُتبعه الماء, فإن أزيلت بكل ما حولها من رطوبة كما لو اجتثت اجتثاثاً فإنه لا يحتاج إلى غسل, لأن الذي تلوث بالنجاسة قد أُزيل. س٢٦٧: هل يُشترط إزالة النجاسة بالماء أم أنها تزول بأي مزيل ؟ ج/على خلاف بين العلماء, والحنابلة يقولون لا يطهر متنجس ولو أرضاً بشمس ولا ريح ولا دلك. والصحيح في هذه المسألة أن النجاسة إذا زالت بأي مزيل زال حكمها. قال شيخ الإسلام: (وأما طين الشوارع فمبني على أصل وهو أن الأرض إذا أصابتها نجاسة ثم ذهبت بالريح أو الشمس أو نحو ذلك, هل تطهر الأرض؟ على قولين للفقهاء " إلى أن قال " أحدهما أنها تطهر, وهو مذهب أبي حنيفة وغيره, ولكن عند أبي حنيفة يُصلي عليها ولا يتيمم بها, وهذا القول هو الصواب لأنه قد ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر - أن الكلاب كانت تقبل وتُدبر وتبول في مسجد رسول الله - ولم يكونوا يرشّون شيئاً من ذلك (٢) - , ومن المعلوم أن النجاسة لو كانت باقية لوجب غسل ذلك, وهذا لا ينفي ما ثبت في الصحيح من أنه أمرهم أن يصبّوا على بول الأعرابي الذي
следующие страницы →