← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13635

مع الناس

علي الطنطاوي

Полный текст (278 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

علي الطنطاوي مع الناس طبعة جديدة راجعها وصحّحها وعلّق عليها حفيد المؤلف مجاهد مأمون ديرانية دار المنارة للنشر والتوزيع

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر الطبعة الثامنة ٢٠١١ دار المنارة للنشر والتوزيع ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤

стр. 3

مقدمة الطبعة الثالثة بخط المؤلف ﵀ هذه طبعة جديدة من كتابي «مع الناس»؛ الحمد لله على أنْ أعان عليها ووفق إليها، وأسأل الله أن ينفع بها القُرّاء، وألاّ يحرمني أنا وناشرَ الكتاب من الثواب. علي الطنطاوي مكة المكرمة ١٢ ربيع الأول ١٤٠٩

стр. 4

أحسن كما أحسن الله إليك أذيعت سنة ١٩٥٦ نظرت البارحة فإذا الغرفة دافئة والنار موقدة، وأنا على أريكة مريحة، أفكر في موضوع أكتب فيه، والمصباح إلى جانبي، والهاتف قريب مني، والأولاد يكتبون، وأمهم تعالج صوفاً تحيكه، وقد أكلنا وشربنا، والرادّ (الراديو) يهمس بصوت خافت، وكل شيء هادئ، وليس ما أشكو منه أو أطلب زيادة عليه. فقلت: «الحمد لله»، أخرجتها من قرارة قلبي. ثم فكرت فرأيت أن «الحمد» ليس كلمة تقال باللسان ولو رددها اللسان ألف مرة، ولكن الحمد على النعم أن تُفيض منها على المحتاج إليها. حمد الغني أن يعطي الفقراء، وحمد القوي أن يُسعد الضعفاء، وحمد الصحيح أن يعاون المرضى، وحمد الحاكم أن يعدل في المحكومين، فهل أكون حامداً الله على هذه النعم إذا كنت أنا وأولادي في شبع ودفء وجاري وأولاده في الجوع والبرد؟ وإذا كان جاري لم يسألني أفلا يجب عليّ أنا أن أسأل عنه؟ وسألتني زوجتي: فيمَ تفكر؟ فأخبرتها. قالت: صحيح، ولكن لا يكفي العبادَ إلا من خلقهم،

стр. 5

ولو أردتَ أن تكفي جيرانك من الفقراء لأفقرت نفسك قبل أن تغنيهم. قلت: لو كنت غنياً لما استطعت أن أغنيهم، فكيف وأنا رجل مستور، يرزقني الله رزق الطير، تغدو خِماصاً وترجع بِطاناً؟ لا. لا أريد أن أغني الفقراء، بل أريد أن أقول إن المسائل نسبية، وأنا بالنسبة إلى أرباب الآلاف المؤلفة فقير، ولكني بالنسبة إلى العامل الذي يعيل عشرة وما له إلا أجرته غني من الأغنياء، وهذا العامل غنيّ بالنسبة إلى الأرملة المفردة التي لا مورد لها ولا مال في يدها، ورَبُّ الآلاف فقير بالنسبة لصاحب الملايين؛ فليس في الدنيا فقير ولا غني فقراً مطلقاً وغِنىً مطلقاً، وليس فيها صغير ولا كبير، ومَن شَكّ فإني أسأله أصعب سؤال يمكن أن يوجَّه إلى إنسان، أسأله عن العصفور: هل هو صغير أم كبير؟ فإن قال صغير. قلت: أقصد نسبته إلى النملة. وإن قال: هو كبير. قلت: أقصد نسبته إلى الفيل. فالعصفور كبير جداً مع النملة، وصغير جداً مع الفيل. وأنا غني جداً مع الأرملة المفردة الفقيرة التي فقدت المال والعائل، وإن كنت فقيراً جداً مع فلان وفلان من ملوك المال. * * * تقولون: إن الطنطاوي يتفلسف اليوم. لا؛ ما أتفلسف ولكن أحب أن أقول لكم -يا أيها السامعون ويا أيها السامعات- إن كل واحد منكم وواحدة يستطيع أن يجد من هو أفقر منه فيعطيه. إذا

стр. 6

لم يكن عندك -يا سيدتي- إلا خمسة أرغفة وصحن «مجدَّرة» (١) تستطيعين أن تعطي رغيفاً لمن ليس له شيء. والذي بقي عنده بعد عشائه ثلاثة صحون من الفاصوليا والرز وشيء من الفاكهة والحلو يستطيع أن يعطي منها قليلاً لصاحبة الأرغفة والمجدّرة. والذي ليس عنده إلا أربعة ثياب مرقعة يعطي ثوباً لمن ليس له شيء، والذي عنده بذلة صالحة لم تخرق ولم ترقع ولكنه ملّ منها، وعنده ثلاث جدد من دونها، يستطيع أن يعطيها لصاحب الثياب المرقعة. ورُبّ ثوب هو في نظرك قديم وعتيق بال، لو أعطيته لغيرك لرآه ثوب العيد ولاتخذه لباس الزينة، وهو يفرح به مثل فرحك أنت لو أن صاحب الملايين ملّ سيارته الشفرولية طراز سنة ١٩٥٣ - بعدما اشترى كاديلاك طراز ١٩٥٦ - فأعطاك تلك السيارة. ومهما كان المرء فقيراً فإنه يستطيع أن يعطي شيئاً لمن هو أفقر منه. إن أصغر موظف لا يتجاوز راتبه مئة وخمسين ليرة، لا يشعر بالحاجة ولا يمسه الفقر إذا تصدق بليرة واحدة على من ليس له شيء، وصاحب الراتب الذي يبلغ أربعمئة ليرة لا يضره أن يدفع منها خمس ليرات ويقول: "هذه لله". والذي يربح عشرة آلاف من التجارة في الشهر يستطيع أن يتصدق بمئتين منها في كل شهر. ولا تظنوا أن ما تعطونه يذهب بالمجان. لا والله، إنكم تقبضون الثمن أضعافاً؛ تقبضونه في الدنيا قبل الآخرة. ولقد

стр. 7

جربت ذلك بنفسي. أنا أعمل وأكسب وأنفق على أهلي من أكثر من ثلاثين سنة، وليس لي من أبواب الخير والعبادة إلا أني أبذل في سبيل الله إذا كان في يدي مال، ولم أدخر في عمري شيئاً، وكانت زوجتي تقول لي دائماً: "يا رجل، وفر واتخذ لبناتك داراً على الأقل"، فأقول: "خليها على الله". أتدرون ماذا كان؟ لقد حسب الله لي ما أنفقته في سبيله وادّخره لي في «بنك» الحسنات الذي يعطي أرباحاً سنوية قدرها سبعون ألفاً في المئة. نعم! ﴿كَمَثَلِ حَبّةٍ أنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ في كُلِّ سُنبُلَةٍ مِئَةُ حَبّة﴾ وهناك زيادات تبلغ ضعف الربح ﴿واللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يشاءُ﴾، فأرسل الله صديقاً لي سيداً كريماً من أعيان دمشق (١) فأقرضني ثمن الدار وأرسل أصدقاء آخرين من المتفضلين (٢) فبنوا الدار حتى كملت وأنا -والله- لا أعرف من أمرها إلا ما يعرفه المارّة عليها من الطريق، ثم أعان الله برزق حلال لم يكن محتسَباً فوفيت ديونها جميعاً. ومَن شاء ذكرت له التفاصيل وسميت له الأسماء. وما وقعت والله في ضيق قط إلا فرّجه الله عني، ولا احتجت لشيء إلا جاءني، وكلما زاد عندي شيء وأحببت أن أحفظه وضعته في هذا «البنك». فهل في الدنيا عاقل يعامل «بنك» المخلوق الذي يعطي ٥% ربحاً حراماً وربما أفلس أو احترق أو طيرته قنبلة، ويترك

стр. 8

«بنك» الخالق الذي يعطي في كل مئة ربحاً قدره سبعون ألفاً؟ وهو «مؤمَّن عليه» عند رب العالمين فلا يفلس ولا يحترق ولا يأكل أموال الناس. فلا تحسبوا أن الذي تعطونه يذهب هدراً، إن الله يخلفه في الدنيا قبل الآخرة. وأنا لا أحب أن أسوق لكم الأمثلة، فإن كل واحد منكم يحفظ مما رأى أو سمع كثيراً منها. إنما أسوق لكم مثلاً واحداً: قصة الشيخ سليم المسوتي ﵀. وقد كان شيخ أبي، وكان -على فقره- لا يرد سائلاً قط، ولطالما لبس الجبة أو «الفروة» فلقي بردان يرتجف فنزعها فدفعها إليه وعاد إلى البيت بالإزار، وطالما أخذ السفرة من أمام عياله فأعطاها السائل. وكان يوماً في رمضان وقد وُضعت المائدة انتظاراً للمدفع، فجاء سائل يقسم أنه وعياله بلا طعام، فابتغى الشيخ غفلة من امرأته وفتح له فأعطاه الطعام كله! فلما رأت ذلك امرأتُه وَلْولَتْ عليه وصاحت وأقسمت أنها لا تقعد عنده، وهو ساكت. فلم تمر نصف ساعة حتى قُرع الباب وجاء من يحمل الأطباق فيها ألوان الطعام والحلوى والفاكهة، فسألوا: ما الخبر؟ وإذا الخبر أن سعيد باشا شموين كان قد دعا بعض الكبار فاعتذروا، فغضب وحلف ألاّ يأكل أحد من الطعام وأمر بحمله كله إلى دار الشيخ سليم المسوتي. قال: أرأيت يا امرأة؟ وقصة المرأة التي كان ولدها مسافراً، وكانت قد قعدت يوماً تأكل وليس أمامها إلا لقمة إدام وقطعة خبز، فجاء سائل فمنعت عن فمها وأعطته وباتت جائعة، فلما جاء الولد من سفره جعل يحدّثها بما رأى. قال: ومن أعجب ما مر بي أنه لحقني أسد

стр. 9

في الطريق، وكنت وحدي فهربت منه، فوثب عليّ وما شعرت إلا وقد صرت في فمه، وإذا برجل عليه ثياب بيض يظهر أمامي فيخلّصني منه ويقول: "لقمة بلقمة"، ولم أفهم مراده. فسألَتْه عن وقت هذا الحادث وإذا هو في اليوم الذي تصدقت فيه على الفقير، نزعت اللقمة من فمها لتتصدق بها فنزع الله ولدها من فم الأسد. والصدقة تدفع البلاء ويشفي بها الله المريض ويمنع بها الله الأذى، وهذه أشياء مجربة، وقد وردت فيها الآثار. والذي يؤمن بأن لهذا الكون إلهاً هو يتصرف فيه وبيده العطاء والمنع، وهو الذي يشفي وهو يسلّم، يعلم أن هذا صحيح، والملحد ما لنا معه كلام. والنساء أقرب إلى الإيمان وإلى العطف، وإن كانت المرأة -بطبعها- أشد بخلاً بالمال من الرجل. وأنا أخاطب السيدات وأرجو ألاّ يذهب هذا الكلام صرخة في واد مقفر، وأن يكون له أثره، وأن تنظر كل واحدة من السامعات الفاضلات ما الذي تستطيع أن تستغني عنه من ثيابها القديمة أو ثياب أولادها، ومما ترميه ولا تحتاج إليه من فرش بيتها، ومما يفيض عنها من الطعام والشراب، فتفتش عن أسرة فقيرة يكون هذا لها فرحة الشهر. ولا تعطي عطاء الكبر والترفع، فإن الابتسامة في وجه الفقير (مع الفرنك تعطيه له) خير من ليرة تدفعها إليه وأنت شامخ الأنف متكبر مترفع. ولقد رأيت بنتي الصغيرة بنان -من سنين- تحمل صحنين لتعطيهما الحارس في رمضان، قلت: تعالي يا بنت،

стр. 10

هاتي صينية وملعقة وشوكة وكأس ماء نظيفاً وقدميها إليه هكذا. إنك لم تخسري شيئاً، الطعام هو الطعام، ولكن إذا قدمت إليه الصحن والرغيف كسرت نفسه وأشعرته أنه كالسائل (الشحاد)، أما إذا قدمتِه في الصينية مع الكأس والملعقة والشوكة والمملحة يَنجَبِر خاطره ويحس كأنه ضيف عزيز. ومن أبواب الصدقة ما لا ينتبه له أكثر الناس مع أنه هيّن. من ذلك التساهل مع البياع الذي يدور على الأبواب يبيع الخضر أو الفاكهة أو البصل، فتأتي المرأة تناقشه وتساومه على الفرنك وتظهر «شطارتها» كلها، مع أنها قد تكون من عائلة تملك مئة ألف وهذا المسكين لا تساوي بضاعته التي يدور نهاره ليبيعها، لا تساوي كلها عشر ليرات ولا يربح منها إلا ليرتين! فيا أيها النساء أسألكن بالله، تساهلن مع هؤلاء البيّاعين وأعطوهم ما يطلبون، وإذا خسرت الواحدة منكن ليرة فلتحسبها صدقة؛ إنها أفضل من الصدقة التي تُعطى للشحاد. ومن أبواب الصدقة أن تفكر معلمة المدرسة حينما تكلف البنات شراء ملابس الرياضة مثلاً، أو تصر على شراء الدفاتر الغالية والكماليات التي لا ضرورة لها من أدوات المدرسة، أن تفكر أن من التلميذات من لا يحصل أبوها أكثر من ثمن الخبز وأجرة البيت، وأن شراء ملابس الرياضة أو الدفاتر العريضة أو «الأطلس» أو علبة الألوان نراه نحن هيناً ولكنه عنده كبير، والمسائل -كما قلت- نسبية، ولو كُلِّفت المعلمة دفع ألف ليرة لنادت بالويل والثبور، مع أن التاجر الكبير يقول: "وما ألف ليرة؟ سهلة"! سهلة عليه وصعبة عليها. كذلك الخمس الليرات أو

стр. 11

العشر، سهلة على المعلمة ولكنها صعبة على كثير من الآباء. والخلاصة يا سادة: إن مَن أحب أن يُسخّر الله له مَن هو أقوى منه وأغنى فليُعِنْ من هو أضعف منه وأفقر، وليضع كلٌّ منا نفسه في موضع الآخر، وليحبّ لأخيه ما يحب لنفسه. إن النعم إنما تُحفَظ وتدوم وتزداد بالشكر، وإن الشكر لا يكون باللسان وحده. ولو أمسك الإنسان سبحة (١) وقال ألف مرة: «الحمد لله»، وهو يضن بماله إن كان غنياً، ويبخل بجاهه إن كان وجيهاً، ويظلم بسلطانه إن كان ذا سلطان لا يكون حامداً لله، وإنما يكون مرائياً أو كذّاباً. فاحمدوا الله على نعمه حمداً فعلياً، وأحسنوا كما تحبون أن يحسن الله إليكم، واعلموا أن ما أدعوكم إليه اليوم هو من أسباب النصر على العدو ومن جملة الاستعداد له؛ فهو جهاد بالمال، والجهاد بالمال أخو الجهاد بالنفس. ورحم الله مَن سمع المواعظ فعمل بها ولم يجعلها تدخل من أذن لتخرج من الأخرى. * * *

стр. 12

حديث عن دمشق نشرت سنة ١٩٤٧ (وقد أمضيت تلك السنة في مصر). دخلت مخزناً (في القاهرة) أشتري منه شيئاً، فسمع لهجتي الشاميةَ شيخٌ هِمٌّ (١) كان هناك، أبيض الشعر كأن رأسه ولحيته الثَّغَامَة (٢)، فالتفت إليّ وقال: أنت من دمشق؟ قلت: نعم. فسطع على وجهه نور وبرق في عينيه بريق، وبدت على جبينه ظلال ذكريات حلوة مرّتْ في رأسه، وأخذ بيدي هاشّاً لي باشّاً بوجهي، فأقعدني معه وقال لي: أهلاً بك، أهلاً وسهلاً، تَشرّفنا يا ولدي، فتعال. تعال حدثني عن دمشق، فقد طال عنها ابتعادي وزاد إليها اشتياقي. حدّثني عن سهلها وجبلها، عن غوطتها وربوتها، عن «الميزان» (٣). ألا يزال

стр. 13

الميزان مثابة الطهر، ومعبد الجمال، وجنة الدنيا؟ ألا يزال السُّراة والتجار يصلّون الصبح كل يوم ويخرجون إليه، يقضون فيه حق النفس بالتأمل كما قضوا في المساجد حق الله بالصلاة، فيجمع الله لهم الجنتين ويعطيهم نعيم الدارين؟ ألا يزال زاخراً بحِلَق الأحباب وجماعات الصحاب، عاكفين على «سَمَاوَرات» الشاي الأخضر، يشرفون على «قنوات» و «باناس» (١) وهما يَخطُران على العَدْوة الدنيا متعانقَين متخاصرَين فعل الحبيبين في غفلة الرقيب، يمشيان حالمَين خلال الورد والفل والياسمين كزوجين في شهر العسل، يظهران حيناً ثم تشوقهما الخلوة فيلقيان عليهما حجاباً من زهر المشمش والدراقن والرمان، وعلى العَدوة القصوى زوجان آخران حبيبان، يمضيان يتناجيان ويتخالسان القبل: «يزيد» و «تورا» (٢)؟ وبردى! ألا يزال يدب في قرارة الوادي على عصاه، ينظر باسماً إلى بنيه ثم يلوي عن مشهدهم بصره وينطلق في طريقه لا يبالي. عاف الحب وملّ الغرام، وعلّمته تجارب العمر أن كل ما في هذه الحياة باطل إلا ذكر الله والعمل للآخرة، كله لعب ولهو ومتاع زائل. وقاسيون، الجَدّ العبقريّ الذي عاش عشرة ملايين سنة وما انفك شابّاً، وشاخ ابن أخيه بردى ولم يشخ، ألا يزال قاسيون قاعداً قَعدة ملك جبار، قد رفع رأسه ومدّ ذراعين له من الصخر فأحاط بهما دمشق وغوطتها من الربوة إلى برزة، ووطأ لها ركبته فنامت المدينة عليها كما تنام الحبيبة إن أضناها النعاس على ركبة الحبيب، واحتمت الصالحية بصدره كما يحتمي الطفل

стр. 14

الوليد بصدر الأم الرؤوم؟ والشمس! ألا تزال الشمس تضحك لبردى وأبنائه، وتستحم أنوارها في مائه، وتسبح أشعتها في سمائه؟ وصدر الباز ومصطبة الإمبراطور والصوفانية والشاذِروان؟ حدثني عنها ... حدِّثْ عن دمشق، ألا يزال الناس يعيشون في دمشق للخير والجمال؟ ألا يزال التجار يخرجون من صلاة العصر فيغلقون دكاكينهم ويمضون إلى بيوتهم، إلى أولادهم وأهليهم. ثم يتعشون المغرب ويؤمّون المساجد، فإذا صليت العشاء خرجوا، فمنهم من عاد إلى داره ومنهم من ذهب إلى الدرس ومنهم من مشى إلى «الدَّوْر» ... قل لي: ألا يزال «الدَّوْر» يجمع الإخوان المتآلفين والأحبة المتصافين، يسمرون في كل ليلة في منزل واحد منهم ينشدون الأشعار ويسوقون النوادر، ويروون المضحكات ويطالعون الكتب ويتجاذبون الحديث، ويأكلون ألوان الحلويات ويشربون الشاي، ثم ينصرفون إلى دورهم وقد استمتعوا أوفى ما يكون الاستمتاع وسرّوا أكثر ما يكون السرور، وما غشوا قهوة ولا أمّوا ملهى، ولا جالسوا غريباً ولا أتوا محرماً، ولا أنفقوا في غير وجهه مالاً؟ ألا تزال منازل المشايخ في «زقاق النقيب» و «حمام أسامة» (١) و «القيمرية» معاهدَ إرشاد، ومدارس علم، ودارات ملوك؟ قل لي! من بقي من تلك الأسر العلمية: آل حمزة وآل عابدين

стр. 15

والطنطاوي والعطار والخاني والطيبي والشطي والأسطواني والكزبري والعمادي والمحاسني والمنيني والخطيب؟ ألا يزال فيها العلماء الأعلام أم تنكّب الخلف طريقَ السلف واستبدلوا الدنيا بالدين، والمال بالعلم، والمنصب بالتقوى؟ والعلماء، ألا يزالون أعزة بالدين، يُعرضون عن الملوك فيسعى إلى أبوابهم الملوك، ويزهدون في الدنيا فتقبل عليهم الدنيا، ويهربون من الولايات والمناصب فتلحقهم المناصب والولايات؟ ألا يزال الناس يعكفون في دمشق على العلم لا يريدون به إلا الله والدار الآخرة، يثنون لذلك ركَبهم ويحيون ليلهم ويكدون نهارهم، ويقنعون في أيام الطلب بما سد الرمق، وحمل الجنب، وستر العورة، لا يسألون عما غاب من ذلك أو حضر، قد فكروا في غيره وأقبلوا على سواه، فكان العلم أملهم وكانت المطالعة شغلهم وكان ثواب الله مبتغاهم، قد صغرت الدنيا في أعينهم حتى إنهم لم يروها ليتكالبوا عليها ويذلوا من أجلها، و «يضربوا» عن التعلم إن لم يصلوا إليها؟ ألا تزال هذه المدارس عامرة، يجيئها الطالب فينام في غرفها ويستمع من مشايخها ويأكل من أوقافها، ويجعلها دنياه لا دنيا له وراء جدرانها: العمرية والمرادية والنورية والبادْرائية والقلبقجية ودار الحديث وجامع التوبة وباب المُصَلَّى والدقّاق ومدرسة الخياطين وأمثالها؟ ألا تزال زاخرة بالطلاب عامرة بالعلم عاملة للإصلاح؟ ومنازل دمشق! ألا تزال تلك المنازلَ الواسعة الصحون، ذات الظل والماء، والبرك والنوافير، والأشجار والزهور، والدواوين والمجالس، والصيانة والستر، فهي من خارجها

стр. 16

حواصل تبن ومن داخلها جنات عدن، وهي مصيف ومشتى، وهي مسكن وملهى، وهي دار وبستان؟ ألا تزال في دمشق الأسرة كلها تعيش في المنزل الواحد: الجد والأب والأعمام والأولاد ونساؤهم وأولادهم، ثم لا تجد خلافاً ولا شقاقاً ولا دسّاً ولا كيداً؛ الصغير يوقّر الكبير ويطيعه، والكبير يرحم الصغير ويحبه، وكلٌّ يُؤْثر على نفسه ولا يحب لغيره إلا ما يحب لها؟ ألا تزال المرأة لبيتها ولزوجها، لا تقيس الطرقات ولا تقصد الأسواق ولا تعتاد منازل الخياطات؟ إن احتاجت شيئاً اشتراه لها بعلها، وإن أرادت زيارة أهلها ذهب معها، وإن اشترت ثوباً خاطته بنفسها، والحجاب سابغ، والشهوات مقموعة، والزواج شامل؛ لا يبلغ الولد عشرين إلا وله ولد، ولا تصل البنت إلى الثامنة عشرة إلا ولها ولدان؟ والبوّابات! هل زالت البوابات التي كانت تُغلق كل ليلة بعد العشاء وتسد الطرقات في وجوه لصوص الأموال والأعراض فلا تُفتح إلا لقاصد بيته أو ذاهب في حاجة مشروعة؟ والأحياء! ألا يزال في كل حيّ عقلاؤه وسادته، يسعون لخيره ويعينون عاجزه ويسعدون فقيره، ويأخذون من فضل مال الغني ما يسدّ خلة المحتاج، وإذا رأى أحدهم غريباً في الحي سأله من هو وما يكون، فلا يدخل الحي إلا رجل شريف. وإن وجد امرأة متبرجة نصحها وزجرها وبحث عن وليها ليحميها. وإن علم بأن داراً تُرتكب فيها فاحشة عقد مجلساً فدعا المؤجر

стр. 17

والمستأجر وكانت المحاكمة التي لا تؤدي إلا إلى منع الفاحشة في غير ظلم ولا عدوان؛ فكان الحي كله كالأسرة الواحدة، وكان البلد مجموعةَ أسر كلها خيّر فاضل نبيل؟ ألا يزال الناس في وئام وسلام فلا نزاع ولا خصام، يعرف كلٌّ منهم حقه فلا يطلب إلا أقل منه، ويعرف ما عليه فلا يقصر في أدائه، وإن اختلفوا رجعوا إلى العالِم ورضوا بحكمه؛ لا يعرفون المحكمة إلا إن استحكم الخلاف، وقلما كان يستحكم الخلاف؟ ألا يزال القاضي الشرعي مرجعَ كل خصومة ومصدرَ كل حكم، يحكم في كل قضية بشرع الله، فلا تطويل ولا تأجيل، ولا مراوغين ولا محامين (١)؟ ألا يزال كل ما يحتاج إليه الناس يُصنع في دمشق، فلا يأكلون إلا حاصلات بلادهم، ولا يلبسون إلا نسيج أيديهم، ولا يتداوون إلا بعشب أرضهم؛ لا يدفعون أموالهم إلى عدوهم ولا يعينونه بها على أنفسهم؟ ألا يزالون سعداء راضين؟ قد انصرف العالم لعلمه، والتاجر لتجارته، والطالب لدرسه، والمرأة لبيتها؛ لا يشتغل أحد بغير شغله ولا يدخل فيما لا يعنيه، قد تركوا السياسة لنفر منهم أخلصوا لهم فوثقوا بهم، ورأوا أمانتهم فأعطوهم طاعاتهم، ورأوهم لا

стр. 18

يسرقون مالهم، ولا يمالئون عدوهم، ولا يضيعون مصالحهم، فلم يَنْفِسوا عليهم زعامتهم ولا ضيقوا عليهم مكانتهم؟ * * * فقلت للشيخ: منذ كم فارقتَ دمشق يا سيدي؟ فتنهد وقال: منذ سنة ١٨٩٧، فارقتها شاباً ولم أدخلها بعد ذلك أبداً. فرحمت الشيخ أن أفجعه في أحلى ذكرياته وأن أطمس في نفسه أجمل صور حياته، فتلطفت فودعته ولم أقل له شيئاً. وماذا أقول؟ أأقول له: إن أهل الشام قد انصرفوا عن صدر الباز والميزان والصوفانية والشاذروان وأهملوها حتى صارت مزابل لأنهم آثروا عليها العباسية والهافانا وشهرزاد ونادي الصفا؟ وأنهم هجروا منازلهم التي كانت جنّات ليسكنوا -كالإفرنج- في طبقات كأنها سجون أو مغارات، وأن أبناء العلماء الأتقياء، صاروا من الفسّاق الجُهلاء، وأن مدارس العلم هُدمت أو سُرقت، وأن غرفها احتُلّت لتكون مساكن أو قهوات أو مخادع شهوات، وأن طلبة العلم الديني يطلبونه للمناصب والمراتب والأموال والرواتب، وأن الأسر انصدع شملها وتفرق جمعها، وأن النساء ملأن اليوم الطرقات وأممن المخازن والسينمات وعاشرن الشبّان في المدارس والملهيات، وأن البنات كسدن في البيوت لمّا آثر الشباب اللهو على الزواج والسِّفاح على النكاح، وأن الأحياء غلب

стр. 19

عليها سفهاؤها وضعف عن حكمها عقلاؤها، وأن الناس اختلفوا وتنازعوا وفشا فيهم الغش والخداع، وأن المحاكم هجرت شرع الله وحكمت بقوانين فرنسا، وأن الناس تركوا أشغالهم واشتغلوا بالسياسة، وأن الزعماء طلبوا المال والجاه وآثروا مصالحهم على مصالح الناس، وأن الموظفين غلبت عليهم الرشوات والبراطيل والسرقات، وأننا تركنا مصنوعات بلادنا وكرهنا أزياءها وتعلقنا بأذناب الغربيين وأعطيناهم أموالنا، وأنه قد ارتفع الوِفاق وحل الشقاق، وذهب الرخاء وجاء السخط، فالرجل يختلف أبداً مع زوجته، والأب ينازعه ابنه، والشريك يسرقه شريكه، وليس فينا راضٍ ولا قانعٌ ولا سعيدٌ، ما فينا إلا شاكٍ باكٍ كاره الحياة متمنٍّ الموت؟ ... ثم إننا لم نحسّ أن هذا كله من لعنة هذه المدنية الغربية ومن ثمراتها المرة التي لا يمكن أن تثمر غيرها! ولكن لا؛ فإن في دمشق خيراً كثيراً، لا يعرف خيرها إلا من يعيش في غيرها. إن دمشق التي يصفها الشيخ لم تمت ولا تزال تتردد ذَماؤها، فإما أن تنعشها «رابطة العلماء» ويمدها الإخلاص بالقوة حتى تنقذها، وإما أن يغلب القضاء فيموت المريض تحت يد الطبيب ... ولن تموت دمشق الإسلامية بحول الله أبداً. * * *

стр. 20

رمضان نُشرت سنة ١٩٥٢ لما قعدت أكتب هذا الحديث تقابلت في نفسي صورتان لرمضان: رمضان المزعج الثقيل الذي قدم يحمل الجوع والعطش؛ ترى الطعام أمامك، يدك تصل إليه ونفسك تشتهيه ولكنك لا تستطيع أن تأكله، ويلهب الظمأ جوفك والماء بين يديك ولكنك لا تقدر أن تشربه، وتكون في أمتع نومة فيأتي رمضان فيوقظك لتأكل من جوف الليل وأنت تؤثر لحظة منام على كل ما في الدنيا من طعام، وإن كنت صاحب دخان منعك من دخينتك (سيكارتك) أو نارجيلتك؛ فهو شهر مشقة وتعب وجوع وعطش. ورمضان الحلو الجميل الذي يقوم فيه الناس في هدءات الأسحار وسكنات الليل، حين يرقّ الأفق وتزهر النجوم ويصفو الكون، ويتجلى الله على الوجود يعرض كنوز فضله على الناس ويفتح لهم باب رحمته، يقول جلّ وعلا: «ألا مِن مستغفر فأغفرَ له؟ ألا من سائل فأعطيَه؟»، فيسأل الطالب ويستغفر المذنب، فيُعطى السائل ويُغفر للتائب، وتتصل القلوب بالله فتحسّ بلذة لا تعدل لذاذاتُ الدنيا كلُّها ذرةً واحدة منها. ثم يسمعون صوت

стр. 21

المؤذن يمشي في جنبات الفضاء مشي الشفاء في الأجسام والطرب في القلوب، ينادي: «الصلاة خير من النوم»، فيقومون إلى الصلاة يقفون بين يدَي مصرِّف الأكوان يناجون الرحيم الرحمن، فيسري الإيمان في كل جنان، ويجري التسبيح على كل لسان، وتنزل الرحمة في كل مكان. رمضان الذي ينيب فيه الناس إلى الله ويؤمّون بيوته، فتمتلئ المساجد بالمسلمين، متعبدين أو متعلمين لا متحدثين ولا نائمين، ففي كل بلد من بلاد الإسلام مساجدُ حُفَّلٌ بالعبّاد والعلماء، ليس يخلو مجلس فيها من مصلٍّ أو ذاكر، ولا أسطوانة من تالٍ أو قارئ، ولا عقد من مدرّس أو واعظ، قد ألقوا عن قلوبهم أحمال الإثم والمعصية، والغل والحسد، والشهوات والمطامع، ودخلوا المساجد بقلوب صفَت للعبادة وسمَت إلى الخير، قطعوا أسبابهم من عالم الأرض ليصلوها بعالم السماء، تفرقوا في البلدان واجتمعوا في الإيمان، وحّدتهم هذه القبلة التي يتوجهون كلهم إليها، لا عبادةً لها، فما يعبد المؤمن إلاّ الله، وما الحجر الأسود إلاّ حجر لا يضرّ ولا ينفع، وإنما هو رمز إلى أن المسلمين -مهما تناءت بهم الديار وتباعدت الأقطار- أمة واحدة، دائرة محيطها الأرض كلها ومركزها الكعبة والبيت الحرام. رمضان الذي نجتلي فيه أجمل صفحات الوجود، وما كنا لنجتليها قبل رمضان. لأن الحياة سَفَرٌ في الزمان، يحملنا قطار الأعمار، فإذا قطع بنا أجمل مراحل الطريق: حيث يولد النور، وتصفو الدنيا، ويسكن الكون؛ مرحلة السحر، قطعها بنا ونحن نيام لا نفتح عليها عيوننا ولا نبصر فتونها.

стр. 22

رمضان الذي يجمع للصائم صحة الجسم، وصحة الروح، وعظمة النفس، ورضا الله. إن الصيام من سنن الرياضيين، وسلوا كتب الرياضة وسلوا شيخها مكفادن. ولست طبيباً ولكني جربت بنفسي، ورُبّ مجرِّب أعرف بنفسه من طبيب، فأنا أحد من أضنتهم الرثية (الروماتزم) وحصوات الكلى، ولقد راجعت في علاجها ستة وثلاثين طبيباً، إي والله، وأحسبني جرّبت لها كل علاج، فلم أجد لها مثل الصيام. والصيام يصفّي الجسم ويطرح سمومه، وينفي عنه الفضلات ويبعد عنه الأمراض. رمضان الذي تتحقق فيه معاني الإنسانية وتكون المساواة بين الناس، فلا يجوع واحد ويتخم الآخر، بل يشترك الناس كلهم في الجوع وفي الشبع، غنيّهم وفقيرهم؛ فيحسّ الغني بألم الجوع ليذكره -من بعد- إذا جاءه من يقول له: "أنا جوعان"، ويعرف الفقير قيمة نعمة الله عليه حين يعلم أن الغني يشتهي -على غناه- رغيفاً من الخبز أو كأساً من الماء، ويعلم الجميع حين يجلسون إلى مائدة الإفطار أن الجوع يسوّي بين المطاعم كلها: القوزي والنمّورة، وصحن الفول المدمّس وقطعة الجرادق. وليس الذي يطيّب الطعامَ غلاءُ ثمنه ولا جودة صنعه ولا حسن مائدته، ولكن الجوع الذي يشهّيه والصحة التي تهضمه، وأرخص طعام مع الصحة والجوع ألذّ من موائد الملوك لمن كان مريضاً أو شبعان. ويغدو الناس كأنهم إخوة في أسرة واحدة أو رفاق في مدرسة داخلية، يفطرون جميعاً في لحظة واحدة ويمسكون جميعاً في لحظة واحدة، فتراهم المساء مسرعين إلى بيوتهم أو

стр. 23

قائمين على مشارف دورهم أو على أبواب منازلهم، فإذا سمعوا ضربة المدفع، أو أبصروا ضوء المنارة، أو رنّ في أسماعهم صوت المؤذن، عمّت الفرحة الكبار والصغار، فانطلقت وجوه الكبار، وصاح الصغار بنغمة موزونة: "أذَّنْ أذَّنْ أذَّنْ" وطاروا إلى دورهم كعصافير الروض، يرضى كلٌّ بما قُسم له ويحمد الله عليه، قد راضهم الجوع على أن يتقبلوا كل طعام، فكل طعام هو في أذواقهم -تلك الساعة- أطيب طعام. فإذا فرغوا من طعامهم أمّوا المساجد فقاموا بين يدي ربهم وخالقهم صفاً واحداً، متراصّة أقدامُهم ملتحِمةً أكتافُهم، وجباهُهم جميعاً على الأرض. الغني والفقير، والكبير والصغير، والصعلوك والأمير، يذلّون لله، يضعون له وجوههم عند مواطئ الأقدام، فيعطيهم الله بهذه الذلة له عزّة على الناس كلهم، فتنخفض لهم رؤوس الملوك والجبارين حتى تقع على أقدامهم، ومن ذلّ لله أعزه الله، ومن كان لله عبداً جعله الله في الدنيا سيداً، ومن كان مع الله باتباع شرعه والوقوف عند أمره ونهيه وإتيان فرائضه واجتناب محرّماته كان الله معه بالنصر والتوفيق والغفران. وبذلك ساد أجدادنا الناس، وفتحوا الأرض من مشرقها إلى مغربها، وحازوا المجد من أطرافه، وأقاموا دولة ما عرف التاريخ أنبل منها ولا أفضل، ولا أكرم ولا أعدل. * * * هذه صورة رمضان الحلوة. أفلا تُستحلى معها مرارة الصورة الأخرى؟ إنه دواء فمَن مِن العقلاء لا يحتمل ألم الدواء لما يرجو بعده من لذة الشفاء؟

стр. 24

ها هو ذا رمضان، فإذا أردتم أن تصوموا حقاً فصوموا فيه عن الأحقاد والمآثم والشرور، كفّوا لسانكم فيه عن اللغو وغضّوا فيه أبصاركم عن الحرام، واعلموا أن من الصائمين من ليس له من صيامه إلاّ الجوع والعطش؛ ذلك الذي يترك الطعام ويأكل بالغيبة لحوم إخوانه، ويكف عن الشراب ولكنه لا يكف عن الكذب والغش والعدوان على الناس. ولقد سأل الرسولُ ﷺ أصحابَه: «من المفلس؟»، قالوا: «المفلس فينا من لا مال له ولا درهم»، قال: «المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وحسنات، ويأتي وقد ضرب هذا وشتم هذا وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته فلا يبقى له شيء» (١). وأفظع الذنوب الكذب، الكذب بالقول والكذب بالفعل، بأن تتزيّا بزي الصالحين وتتخذ سمت المتقين وأنت مُراءٍ مخادعٌ تريد أن تأكل الدنيا بالدين. ولقد سُئل رسول الله ﷺ : هل يسرق المؤمن؟ هل يفعل كذا وكذا من الذنوب؟ فأجاب بأنه ربما وقع ذلك منه فتاب، فسألوه: هل يكذب المؤمن؟ قال: لا، إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون (٢).

стр. 25

ولقد بين ﷺ بأن من غش فليس منا، وهذا قانون من مادة واحدة معناه بلسان اليوم: «يُطرَد من الجنسية الإسلامية من يغشّ» (١). ففتشوا في الصائمين: أليس فيهم من يكذب؟ أليس فيهم من يغشّ؟ أليس فيهم من يُخلف الوعد، وإخلاف الوعد ثلث علامات النفاق؟ فكيف يرجو هؤلاء أن يكون لهم ثواب الصائمين وهم قد صاموا عن الطعام الحلال ولم يصوموا عن الحرام؟ إن الدين المعاملة، ومقياس الصلاح الصفراء والبيضاء، الذهب والفضة، المال؛ هذا هو المقياس. ولقد زكّى رجل رجلاً عند عمر فقال له: هل عاملته؟ هل سافرت معه؟ أم لعله غرّك منه إحناء رأسه في الصلاة وتحريك لسانه بالتسبيح (٢)؟ الدين المعاملة، والمقياس المال. وبعد يا أيها الصائمون، فإن رمضان شهر الحب والوئام، فكونوا فيه أوسع صدراً وأندى لساناً وأبعدَ عن المخاصمة والشرّ، وإذا رأيتم من نسائكم زلة في رمضان فاحتملوها، وإن وجدتم مساءة من إخوانكم فاصبروا عليها، وإن بادأكم أحد بالخصام فلا تقابلوه بمثله، بل ليقل أحدكم: «إني صائم». وإذا جعتم هذا الجوع الاختياري فاذكروا من يتجرع غصص

стр. 26

الجوع الإجباري، واشكروا على نعمة ربّكم. وليس الشكر أن ترددوا ألف مرة باللسان وحده: «الحمد لله، الحمد لله»، ولكنّ شكرَ الغني البذلُ للفقراء، وشكرَ القوي إسعادُ الضعفاء. وأعطوا من أنفسكم كما تعطون من أموالكم، فرُبّ بسمة مع العطاء تنعش السائل أكثر من العطاء، وكلمة خير لجار تحيي الجار، وبش في وجه ذي الحاجة والاعتذار عنها خير من قضائها مع الترفع عليه عند السؤال والمنّ عليه بعد النوال. فجربوا هذه العطية في رمضان. وخذوا منه الصحة لأجسامكم، والسمو لأرواحكم، والعظمة لنفوسكم، والقوة والنبل، والبذل والفضل، وخذوا منه ذخراً للعام كله، يكن لكم ذخراً. رمضان الذي تَشيع فيه خِلالُ الخير ويعم الحب والوئام، فإذا أردتم أن تصوموا حقاً فصوموا عن الأحقاد، واذكروا ما في أعدائكم من خِلال الخير (١) فأحبوهم لأجلها، واغفروا لهم وادفعوا بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينكم وبينه عداوة كأنه ولي حميم. * * *

стр. 27

مزعجات رمضان نُشرت في «مجلة الإذاعة» سنة ١٩٥٦ أنا أكتب في الصحف والمجلات من ثلاثين سنة، والكتابة هي حرفتي، ولم أكن -مع ذلك- من المجلّين السابقين في درس «الإنشاء» في المدرسة، وكان بعض إخواننا في «الصف» (ممن صاروا اليوم أبعد الناس عن الكتابة، وإن صاروا من أعلام السياسة أو العلم أو الاقتصاد) يأخذون من علامات النجاح أكثر مما آخُذ. لا لأنهم كانوا يكتبون أحسن مما أكتب؛ بل لأن المدرس كان يحدد لنا الموضوع، وعدد الأسطر، ووجهة التفكير، فلا أستطيع -مع هذه القيود- أن أسير؛ كماء الساقية إن أقمت في وجهه السدود ومنعته أن يجري في مجراه، وقف ثم انقلب من رقراق عذب متحدر إلى بركة آسنة. لذلك كنت أخيب، فلا عجب إذا خبت اليوم وقد جاء محرر «مجلة الإذاعة» يعيد معي قصة مدرّس الإنشاء فيحدد لي الموضوع والأسطر؛ فالموضوع: «تقاليد رمضان الماضي»، والمجال: صفحة أو صفحتان من المجلة. وأنا أعرف رمضان الذي كان يجيء دمشق من أكثر من أربعين سنة، ولا أزال أذكر ملامح وجهه ولون ثيابه، والذي

стр. 28

افتقدته من زمن بعيد فلم أعد أراه. لقد تبدل كما تبدلت أنا، ونحن كل يوم في موت وحياة. لقد مات كما مات فيّ ذلك الطفل الذي كان يذهب إلى المدرسة قبل إعلان الحرب الأولى، وأين ذلك الطفل؟ إنه مضى (كما مضى رمضان) إلى حيث لا يعود الذاهبون، وجاء في مكانه إنسان آخر يحمل اسمه ولكنه ليس إياه، كما يحمل رمضانُ هذا اسمَ رمضان الماضي وليس ذلك الـ «رمضان». أنا أعرفه وأذكر كيف كان يستقبله الشاميون، وأعرف أن للحديث عنه متعة ولذة، ولكني قاعد من ساعتين أحاول أن أحصر ذهني لأكتب عنه فلا أجد في ذهني إلاّ «مزعجات رمضان»، يجول الفكر فيها ثم يقف عليها ويستقر عندها. وقد يكون الفكر كالفرس الجامح، لا يمشي بك حيث تريد أنت بل حيث يريد هو. ولم يبقَ أمامي إلا أحد أمرين: إما أن تعفيني المجلة من المقال، وإما أن أكتب في مزعجات رمضان. ولست أعني بالمزعجات الجوع والعطش واضطراب ميزان اليقظة والمنام، فذلك شيء لا بد منه ولولاه لم يكن لرمضان معنى. وأي معنى يبقى لـ «التدريب العسكري» إذا خلا من المشقة والتعب وبذل الجهد، وصار نوماً متصلاً وأكلاً متصلاً وأكلاً وشرباً واسترخاء؟ ولكني أعني مزعجات الناس. وإذا كان قرّاء المجلة يَعِدُونني بأن يكتموا ما أقول عن مدير الإذاعة لقلت لهم إن شطر هذا الإزعاج من الإذاعة، والشطر من الناس.

стр. 29

إزعاج يستمر من الصباح إلى المساء، ولا ينقطع لحظة واحدة نرجع فيها إلى أنفسنا ونستطيع أن نستجلي فيها طلعة رمضان أو نحس بوجوده. ورمضان أجمل مرحلة في طريق الزمان، يمر فيه ركب الإنسانية على الروض الأنيق فيرى المشهد البارع، ويشم العطر العبق، ويسمع من صدح البلابل وهديل الحمام ما يُرقص من الطرب القلوب. ولكن كيف يرى المشهدَ من يزدحم عليه الناس حتى يسدوا في وجهه منافذ النظر؟ وكيف يشم الأريج من تهب من حوله العواصف؟ وكيف يسمع الصوت الرقيق من تحف به ضجة تزلزل الأرض؟ إنها مائدة حافلة، ولكنكم لا تدعونني أتناول لقمة منها حتى تصدوني عنها. إنه شهر التأمل والعبادة ولذة الروح وأنس القلب، ولكنكم لا تتركون لي ساعة، ساعة واحدة، أستمتع فيها بهدأة التأمل وذهلة الحلم ونشوة المناجاة. وهذا هو الموجز، وهاكم تفصيل الأنباء كما يقول المذيع. * * * أما الإذاعة فإنها لا تسكت من صباح الله الباكر إلى نصف الليل، ولا تستريح ولا تريح، ولا تكف لسانها دقيقة. ولو كانت تذيع ما يعين على الخشوع والعبادة في رمضان وما يذكّر بالله لهان الخطب، ولكنها تذيع الأغاني التي أجمعت كلمة الإنس والجن على استنكار أكثرها. وأنا لا أقول للإذاعة: "لا تغنّي"؛ لأني لا أحب أن أقول كلمة أعلم أنه لن يُستجاب لها، ولكن أقول إن

стр. 30

موسيقا الناس نصفها ألحان معبّرة ونصفها كلام ملحن، وموسيقانا كلها كلام! وإن الكلام في موسيقاهم نصفه للمرأة ونصفه للطبيعة والوطن والحياة، وما عندنا كله للمرأة! وإن ما للمرأة عندهم نصفه من الغزل السامي الاتباعي (الكلاسيك) ونصفه غزل خفيف، وليس عندنا إلا هذا الغزل الخفيف بلفظ عامي فظيع ومعان شنيعة مبتذلة ونغم مسترخٍ متخنث! وهم يجدون كل يوم جديداً ونحن -لعقم القرائح- نردد ونعيد. ولماذا أعمم القول فأكون ظالماً؟ لا؛ ليس كله كذلك! وقد نسمع أغاني تبلغ في جمال لفظها وحسن معناها وتوقيع لحنها ذروة الكمال، ولكنا نسمعها أول مرة فنستجدّها ونستجيدها ونستعيدها، ونسمعها الثانية فنطرب لها ونسر بها، ونسمعها الثالثة فنستملحها، والرابعة فلا نكرهها، والخامسة فنبدأ بالإعراض عنها، والسادسة فنضيق بتكرارها. فلا تزال الإذاعة تعيدها حتى تأتي المرة العاشرة والخامسة عشرة والسادسة والسبعون فتطلع منها أرواحنا. ولو كانت الشهد المصفى أو الفالوذج وأطعمتها إنساناً كل يوم عشر مرات، وحشوت به فمه جائعاً وشبعان، راغباً وكارهاً، لصار لها في فمه طعم العلقم! * * * أما الناس فإزعاجهم أكبر وأنكر. وأنا أستطيع أن أسد الرادّ فلا أسمع ما تذيع الإذاعة، أو آخذ منه ما صفا وأدع ما كدر، ولكن ما أصنع بمَن لا يطرب إلا إن أشرك معه بسماع الأغنية مئة جارة وجار، من أمام ومن خلف وعن اليمين وعن اليسار؟ فكيف ننام، وكيف نشتغل، وكيف نخلص التوجه إلى الله، ومن كل

стр. 31

جهة من حولنا هذه المصائب الثقال، والضجة المروعة، وفريد الأطرش، وهذا الآخر عبد الحليم حافظ؟! فإذا سكت الرادّ في الساعة الثانية عشرة وحاولت أن تنام لم تمر نصف ساعة حتى يجيء «أبو طبلة»، هذه الآفة التي لا دافع لها، المسحّر الذي ضاقت به الصناعات والمهن فلم يجد له صنعة إلا أن يحمل طبلاً ثم يأتي نصف الليل ليقرع به رأسك ويوقظك من منامك. وأعجب العجب أن يعترف المجتمع بهذه الصنعة ويعدّها من الصناعات المقررة، ويوجب عليك أن تقول له: «أشكرك» وأن تدفع له في آخر الشهر أجرته على أنه قد حطم أعصابك وكسر دماغك! وأنا أفهم أن يكون للمسحّر موضع في الماضي، أما اليوم -وفي البلد إذاعة، وفي كل بيت ساعة، وفي كل حي منارة عليها مؤذّن، وفي البلد مدفع يوقظ صوتُه أهلَ المقابر- فليس للمسحّر موضع فينا. فإذا انقضى السحور وأردت أن تنام عادت أختنا الإذاعة إلى «وراك وراك» و «يا بيّاع الورد»، وعاد الجيران إلى تطبيق الجو بهذه الأصوات، وجاء بيّاع الحليب وبيّاع الفول ومصلح البوابير و «الذي عنده خزانات للبيع» و «الذي عنده كنبات للبيع» ... وزلزلت الأرض بأبواق السيارات وصراخ الأولاد! فإن هربت إلى المسجد الأموي لتأخذ منه موعظة أو تسمع درساً رأيت النائمين مصفوفين بالطول وبالعرض، يشخرون ويتنفّسون من كل منفذ ... وحلقات المتحدثين يضحكون

стр. 32

ويمزحون ويغتابون ويكذبون، ووجدت العوام يدرّسون بلا رخصة ولا إذن لأن العلماء غائبون. ولم تجد في المسجد شيئاً مما يجب أن يكون فيه! فإن سرت في الشوارع رأيت المطاعم مفتوحة والمفطرين في كل مكان، وركب أمامك في الترام من يدخّن وينفخ الدخان في وجهك، مع أن القانون والعرف يمنعان التدخين في الترام، والذوق (إن لم نقل الدين) يمنع إعلان الفطر في رمضان في البلد المسلم. فمن أين مع هذه المزعجات، من أين -يا مجلة الإذاعة- أستطيع أن أنفذ إلى الموضوع الذي تريدون مني أن أكتب فيه؟! * * *

стр. 33

أين أرباب الأقلام ؟ نشرت سنة ١٩٥٨ زارني شاب فاضل قال إنه من «لَحْج»، ففتشت في زوايا ذهني فلم أجد شيئاً عن لحج هذه. ووجدتني أجهلها جهلاً مطبقاً، لا أعرف شكلها ولا أهلها، ولا أدري كثيراً ولا قليلاً من خبرها. ونظرت فوجدت أن كل ما نعرف عن بلادنا (العربية والإسلامية) هو ما ذكره المصنفون الأولون وما نحفظ من شعر فيها مما قاله الشعراء الأولون، ولولا أن الله يسّر لـ «ياقوت» أن يصف لنا هذه البلاد التي مرّ بأكثرها تاجراً، ويجمع ما قرأ عنها، في كتابه العظيم «معجم البلدان»، ولولا هذه الكتب الأربعة أو الخمسة الأخرى، لجهلنا عن بلادنا كل شيء. فأين الكتب التي ألفها فيها علماؤنا اليوم؟ وأين الشعر الذي قاله فيها شعراؤنا؟ إنه لم يبق في فرنسا -مثلاً- جبل ولا نهر ولا قلعة ولا قصر إلا قال فيه الشعراء ووصفه الكتاب وكتب عنه العلماء. ونحن نعيش في أجمل البلاد، وأحفلها بالماضي الضخم والمجد التليد، وآمال شعب هبّ ينظر إلى الأمام وينشئ المستقبل المجيد، ثم لا نقول فيها شيئاً! هاتوا خبّروني: كم قصيدة قال شعراء الشام في بلودان

стр. 34

والزبداني وعين الصاحب والعين الخضراء، وهذا الوادي الذي هو بيت القصيد في ديوان الوجود والذي لا يدانيه في جماله وسحره واد؟ هل قالوا في ذلك كله وفي جنات لبنان معشار ما قاله شعراؤنا الأولون في سَلع ومنى ونَعمان وذي سَلَم وهاتيك الصحارى المقفرات؟ ونقول إننا في إبّان نهضة أدبية أوفى فيها الأدب العربي على الغاية! * * * وتعالوا أسألكم: ماذا تعرفون عن الكوفة؟ لا أريد الكوفة القديمة التي ملأت أخبارها كتب التاريخ والأدب، بل الكوفة اليوم: أين تقع؟ وماذا بقي منها؟ وما صفتها؟ والبصرة الآن: ما مكانها من البصرة القديمة؟ وأين المِربد؟ بل خبّروني عن دمشق: هل تعرفون حدود دمشق أيام الأمويين؟ هل تعرفون تاريخ امتدادها من بعدُ وتوسعها؟ تقرؤون في كتب الأدب والتاريخ أسماء نجد واليمامة وجبلَي طيء، فهل تعرفون ما حدودها وما أسماؤها الآن؟ وهل تدرون أين جرت معركة القادسية وأين كانت معركة اليرموك؟ وأين «عين جالوت» التي كانت فيها الموقعة الكبرى، وأين ... أين حطين؟ وتحجّون كل سنة، فهل عرفتم أين وُلد الرسول صلوات الله عليه؟ وأين دار الأرقم؟ وأين مكان الرّماة في أحد؟ وأين كانت منازل اليهود التي أُجلوا عنها؟

стр. 35

بل أنا أسألكم أن تمتحنوا أنفسكم فتجيبوا فوراً بلا مراجعة ولا فكر: أين تقع مدينة مراكش، وما بعدها عن فاس؟ وأين مسجد القرويين وأين جامع الزيتونة؟ وهل القيروان على البحر أو على سفح جبل، وما صفتها اليوم؟ هذا ولم أسألكم عن مدن الإسلام في فارس والأفغان والهند وأندونيسيا لأني واثق أنكم لا تعرفون منها إلا أسماءها، وهذه الإحصاءات الميتة التي بقيت في نفوسكم من درس الجغرافيا. وقد سألت عشرات المتعلمين في مصر عن الأُبُلّة التي عدّها ياقوت في متنزهات الدنيا، فما عرف أحد أين هي اليوم. وأعجب من ذلك أن طالباً في كلية الآداب في القاهرة أبوه شامي وهو مولود في مصر؛ سألني مرة: "و «بردى» ده يبقى إيه؟ "! ولو قال: من أين ينبع بردى أو أين يصب؟ لكان لذلك وجه، أما أن يسأل عنه: "يبقى إيه؟ " لا يدري أهو نهر أم جبل أو هو تمثال في متحف أو لون من ألوان الطعام، فشيء لا يكاد يصدَّق! ولم ينفرد إخواننا المصريون (أعني قبل الوحدة) بجهل بلادنا، فنحن -على كثرة ما نقرأ عن مصر في مجلاتها وما نرى من مناظرها في «أفلامها» - لا نعرف غير القاهرة والإسكندرية. ولو سألت جمهرة المتعلمين منا: أين تقع الفيوم من المنصورة؟ وما الدقهلية من الغربية؟ لما دروا. ونحن لا نكاد نعرف عن المغرب دانيه وقاصيه شيئاً. أما سائر بلاد الإسلام فأنا أقر على نفسي أنني لم أكن أعرف عن الهند والملايا وأندونيسيا (قبل أن أذهب إليها) أكثر مما أعرف اليوم عن

стр. 36

الفلبين ونيوزيلندة، حتى تاريخها (وهو فصل كبير خطير ماجد من تاريخ الإسلام) لم نقرأ منه شيئاً وليس في الكتب التي هي تحت أيدينا شيء منه. بل إن كثيرين من الشاميين الذين يقرؤون هذا المقال لا يعرفون بلاد الشام! لست أعني معرفة الشوارع والساحات، بل معرفة العادات والمواضعات. فمَن مِن أهل دمشق يعرف أسلوب الاحتفال بالعرس أو الختان في قرى إدلب -مثلاً- أو عزَاز؟ بل من يعرف من شبابهم كيف كانت طرائق الزواج في دمشق نفسها في القرن الذي مضى؟ فأين مَن وصف هذه العادات وسجلها من الأدباء؟ أين المقالات الوصفية والقصص والقصائد التي قيلت في نضالنا الفرنسيين في هذه المواقف الرائعة التي وقفناها ربع قرن كامل؟ إنه ليس في الدنيا أمة تجهل ديارها ولا تعرف نفسها إلا نحن العرب. إن في كل بقعة من ديارنا معدناً (أي منجماً) هو أثمن من معادن الفحم والنفط: معادن جمال ومجد، وطريف العادات وبارع الحكايات. وفي كل بلد شخصيات لا يصل إلى معرفتها التاريخ إن لم يدلّه عليها قلم الأديب، ونكت ونوادر، وأمثال سوائر، وأغان عبقريات. فلماذا يضيع ذلك كله؟ أما أجدادنا فأشهد أنهم ما قصّروا؛ ولقد وصفوا لنا حال عصرهم ورجال بلدانهم، حتى إنهم دونوا التوافه من أخبارهم والغث من كلامهم، وسجلوا أخبار عبيدهم وإمائهم، وعقلائهم ومجانينهم، وصالحيهم وطالحيهم، وهم (كما يزعم زاعمون منا)

стр. 37

كانوا في عصر تأخر وانحطاط. ونحن في عصر الأدب والفن ... لم نصنع شيئاً. ولو أن أدباءنا عكفوا من أول هذه النهضة على أن يصف كل أديب قريته التي خرج منها وبلدته التي نشأ فيها: ريفها وعمرانها، وشوارعها وميادينها، وآثارها وخلائق أهليها، وعاداتهم في أفراحهم وأتراحهم، وأعراسهم ومآتمهم، وزواجهم وطلاقهم، وجدّهم ولهوهم، وأعيادهم ومواسمهم ... كم كان يجتمع لنا في هذا القرن من الثروة العلمية والأدبية، وكم يَغْنَى تاريخنا ويُفيد أدبُنا؟ وكم من صور الطبيعة، وصفحات التاريخ، وعبقري الشعر وبارع القصص يجتمع لنا؟ وكم من سير الرجال وأحاديث الأبطال، وقصص الحب والجمال، نحفظ من الضياع ونستنقذ من النسيان؟ الأماكن أوعية الحوادث وظروف التاريخ. وما التاريخ إلا زمان ومكان ورجال، وقد مرّ الزمان فلا يعود، وذهب الرجال فلا يرجعون، ولم يبق إلا المكان؛ فهو جسم التاريخ. وإذا نحن رأينا (وأرينا تلاميذَنا) الساحة التي جرت فيها المعركة، والدار التي عاش فيها العظيم، والقلعة التي افتتحها القائد، فقد رجعنا إلى التاريخ وعشنا فيه. وإذا لم نستطع زيارة المكان فلا أقل من أن تكون له اليوم صورة فنرى الصورة، وأن يكون له وصف فنقرأ الوصف. إن من العرب من يعرف من صفة برج إيفل في باريز والجسر المعلق في نيويورك أكثر مما يعرف عن «ملويّة» سُرّ مَن رأى وجسر بغداد، لأنه يرى هذه في السينما كل يوم ويبصر صورتها

стр. 38

في كل كتاب، وتلك لا يعرفها إلا مَن رآها. بل إن من الأدباء من شد الرحال وسافر إلى أوربا فوصف الرَّيْن والبندقية، ولكنه لم يسافر إلى الشام ولا إلى العراق، ولم يصف بردى ولا بندقية العرب. ألا تدرون أن البصرة بندقية العرب؟ وأن فيها إلى جنب كل شارع قناة، فأنت تركب السيارة في الشارع أو الزورق في القناة؟ وأن فيها أماكن لا مسالك فيها إلا أقنية الماء، ولا مركب إليها إلا الزوارق تسير فيها بين غابات النخيل وخمائل الورد حتى تنفذ إلى شط العرب؟ فيا شعراء العربية، ويا أصحاب الأقلام، ويا معلّمي الإنشاء: خلّدوا بالأدب كل دار عاش فيها عظيم، وكل بقعة نشأ فيها مجد، وكل ساحة ولد فيها ظفر، وكل روضة هام فيها شاعر، وكل جبل وكل مصيف وكل مشتى. عودوا إلى الطبيعة فصفوها، لا تقتصروا على وصف ذراها وسفوحها ومساربها وسوحها، بل انفذوا إلى قلبها وروحها. وإن للطبيعة روحاً وللبلدان لساناً؛ إن لهذه الأودية المسحورة من لبنان (التي ضلّت طريقها بين الجبال كعاشق هائم ينشد طيف الحبيب) لَقلباً يبثّ في الدنيا عواطف الجمال والتأمل، ولهذه الجبال المُعْتَمَّة بالثلج (التي تشرف على الدنيا كفيلسوف مفكر يستجلي وجه الحقيقة من بين أشباح الأوهام) لَعقلاً ينثر على الناس حكمة البقاء والعدم ولهذه الأنهار التي تمشي منذ الأزل، إن للنيل ودجلة وبردى لساناً يروي أخبار الماضي ويحدّث أحاديث القرون ويملأ الأسماع (لو وُجدت الأسماع!) شعراً وقصصاً وأدباً خالداً.

стр. 39

وإن لبدر واليرموك والقادسية وجبل طارق وعين جالوت لشعراً في الفخر يُخرس الشعراء وبياناً يسجد له البلغاء. إن أرضنا المقدسة من فلسطين ما فتئت تتلو على الدنيا سور المجد وآيات النبل، وتقصّ أروع قصة عن البطولة الخيّرة وعتها أذن الزمان وكنا نحن أبطالها: قصة أجنادين وحطين وجبل النار، قصة المرّات الثلاث التي انتصرت فيها فلسطين (١)، قصة «قلب الأسد» لما ذاق حَرّ النَّبْل وأحسّ حُرّ النُّبْل فانقلب خائفاً منا مُكْبراً لنا، والقديس لويس لما أقمنا له من دار ابن لقمان معبداً ومن «الطواشي» صبيح سادناً، وقصة الشعب الذي لم يُخلق إلا ليكون سيداً. إن في كل بقعة من ديار العروبة منبع شعر وأدب وفن وبيان، ولكن أين الروّاد؟ أين اليوم أدباء العربية وشعراؤها يستنطقون الديار ويروون عنها أحاديث من نور ومن نار؟ وأين يعيشون؟ ما لهم عين ترى، ولا أذن تسمع، ولا قلب يحسُّ، ولا لسان ينطق؟ وإلا فأين القصص التي تصور البلاد وعاداتها؟ وأين الصحف التي تروي تاريخها؟ وأين القصائد التي تتغنى بجمالها وأمجادها؟ أين هم (وهذا يومهم) يشحذون العزائم ويوقظون الهمم، ويقولون القول

стр. 40

العربي المُعجز الذي يجعل من الإنسان ذي اللحم والدم دبّابة تَقْحَم الجبل، وطيّارة تنطح النجم، وملَكاً يسمو عن الدنايا بجناحين من خير وطهر ويُثبت للقريب والبعيد وللأجيال والذراري أن بلادنا أجمل البلاد وأهلها أكرم الأهل وماضيها أجلُّ المواضي، وأن المستقبل لها؟ وأين معلّمو الإنشاء يفتحون على هذا الجمال الأبصار، ويلفتون إلى هذا المجد القلوب، ويصنعون للشعب العربي شعراءه وكتابه؟ * * *
следующие страницы →