الفلبين ونيوزيلندة، حتى تاريخها (وهو فصل كبير خطير ماجد من تاريخ الإسلام) لم نقرأ منه شيئاً وليس في الكتب التي هي تحت أيدينا شيء منه.
بل إن كثيرين من الشاميين الذين يقرؤون هذا المقال لا يعرفون بلاد الشام! لست أعني معرفة الشوارع والساحات، بل معرفة العادات والمواضعات. فمَن مِن أهل دمشق يعرف أسلوب الاحتفال بالعرس أو الختان في قرى إدلب -مثلاً- أو عزَاز؟ بل من يعرف من شبابهم كيف كانت طرائق الزواج في دمشق نفسها في القرن الذي مضى؟
فأين مَن وصف هذه العادات وسجلها من الأدباء؟ أين المقالات الوصفية والقصص والقصائد التي قيلت في نضالنا الفرنسيين في هذه المواقف الرائعة التي وقفناها ربع قرن كامل؟
إنه ليس في الدنيا أمة تجهل ديارها ولا تعرف نفسها إلا نحن العرب. إن في كل بقعة من ديارنا معدناً (أي منجماً) هو أثمن من معادن الفحم والنفط: معادن جمال ومجد، وطريف العادات وبارع الحكايات. وفي كل بلد شخصيات لا يصل إلى معرفتها التاريخ إن لم يدلّه عليها قلم الأديب، ونكت ونوادر، وأمثال سوائر، وأغان عبقريات. فلماذا يضيع ذلك كله؟
أما أجدادنا فأشهد أنهم ما قصّروا؛ ولقد وصفوا لنا حال عصرهم ورجال بلدانهم، حتى إنهم دونوا التوافه من أخبارهم والغث من كلامهم، وسجلوا أخبار عبيدهم وإمائهم، وعقلائهم ومجانينهم، وصالحيهم وطالحيهم، وهم (كما يزعم زاعمون منا)
стр. 37
كانوا في عصر تأخر وانحطاط. ونحن في عصر الأدب والفن ... لم نصنع شيئاً.
ولو أن أدباءنا عكفوا من أول هذه النهضة على أن يصف كل أديب قريته التي خرج منها وبلدته التي نشأ فيها: ريفها وعمرانها، وشوارعها وميادينها، وآثارها وخلائق أهليها، وعاداتهم في أفراحهم وأتراحهم، وأعراسهم ومآتمهم، وزواجهم وطلاقهم، وجدّهم ولهوهم، وأعيادهم ومواسمهم ... كم كان يجتمع لنا في هذا القرن من الثروة العلمية والأدبية، وكم يَغْنَى تاريخنا ويُفيد أدبُنا؟ وكم من صور الطبيعة، وصفحات التاريخ، وعبقري الشعر وبارع القصص يجتمع لنا؟ وكم من سير الرجال وأحاديث الأبطال، وقصص الحب والجمال، نحفظ من الضياع ونستنقذ من النسيان؟
الأماكن أوعية الحوادث وظروف التاريخ. وما التاريخ إلا زمان ومكان ورجال، وقد مرّ الزمان فلا يعود، وذهب الرجال فلا يرجعون، ولم يبق إلا المكان؛ فهو جسم التاريخ. وإذا نحن رأينا (وأرينا تلاميذَنا) الساحة التي جرت فيها المعركة، والدار التي عاش فيها العظيم، والقلعة التي افتتحها القائد، فقد رجعنا إلى التاريخ وعشنا فيه. وإذا لم نستطع زيارة المكان فلا أقل من أن تكون له اليوم صورة فنرى الصورة، وأن يكون له وصف فنقرأ الوصف.
إن من العرب من يعرف من صفة برج إيفل في باريز والجسر المعلق في نيويورك أكثر مما يعرف عن «ملويّة» سُرّ مَن رأى وجسر بغداد، لأنه يرى هذه في السينما كل يوم ويبصر صورتها
стр. 38
في كل كتاب، وتلك لا يعرفها إلا مَن رآها.
بل إن من الأدباء من شد الرحال وسافر إلى أوربا فوصف الرَّيْن والبندقية، ولكنه لم يسافر إلى الشام ولا إلى العراق، ولم يصف بردى ولا بندقية العرب.
ألا تدرون أن البصرة بندقية العرب؟ وأن فيها إلى جنب كل شارع قناة، فأنت تركب السيارة في الشارع أو الزورق في القناة؟ وأن فيها أماكن لا مسالك فيها إلا أقنية الماء، ولا مركب إليها إلا الزوارق تسير فيها بين غابات النخيل وخمائل الورد حتى تنفذ إلى شط العرب؟
فيا شعراء العربية، ويا أصحاب الأقلام، ويا معلّمي الإنشاء: خلّدوا بالأدب كل دار عاش فيها عظيم، وكل بقعة نشأ فيها مجد، وكل ساحة ولد فيها ظفر، وكل روضة هام فيها شاعر، وكل جبل وكل مصيف وكل مشتى. عودوا إلى الطبيعة فصفوها، لا تقتصروا على وصف ذراها وسفوحها ومساربها وسوحها، بل انفذوا إلى قلبها وروحها. وإن للطبيعة روحاً وللبلدان لساناً؛ إن لهذه الأودية المسحورة من لبنان (التي ضلّت طريقها بين الجبال كعاشق هائم ينشد طيف الحبيب) لَقلباً يبثّ في الدنيا عواطف الجمال والتأمل، ولهذه الجبال المُعْتَمَّة بالثلج (التي تشرف على الدنيا كفيلسوف مفكر يستجلي وجه الحقيقة من بين أشباح الأوهام) لَعقلاً ينثر على الناس حكمة البقاء والعدم ولهذه الأنهار التي تمشي منذ الأزل، إن للنيل ودجلة وبردى لساناً يروي أخبار الماضي ويحدّث أحاديث القرون ويملأ الأسماع (لو وُجدت الأسماع!) شعراً وقصصاً وأدباً خالداً.
стр. 39
وإن لبدر واليرموك والقادسية وجبل طارق وعين جالوت لشعراً في الفخر يُخرس الشعراء وبياناً يسجد له البلغاء. إن أرضنا المقدسة من فلسطين ما فتئت تتلو على الدنيا سور المجد وآيات النبل، وتقصّ أروع قصة عن البطولة الخيّرة وعتها أذن الزمان وكنا نحن أبطالها: قصة أجنادين وحطين وجبل النار، قصة المرّات الثلاث التي انتصرت فيها فلسطين (١)، قصة «قلب الأسد» لما ذاق حَرّ النَّبْل وأحسّ حُرّ النُّبْل فانقلب خائفاً منا مُكْبراً لنا، والقديس لويس لما أقمنا له من دار ابن لقمان معبداً ومن «الطواشي» صبيح سادناً، وقصة الشعب الذي لم يُخلق إلا ليكون سيداً.
إن في كل بقعة من ديار العروبة منبع شعر وأدب وفن وبيان، ولكن أين الروّاد؟
أين اليوم أدباء العربية وشعراؤها يستنطقون الديار ويروون عنها أحاديث من نور ومن نار؟ وأين يعيشون؟ ما لهم عين ترى، ولا أذن تسمع، ولا قلب يحسُّ، ولا لسان ينطق؟ وإلا فأين القصص التي تصور البلاد وعاداتها؟ وأين الصحف التي تروي تاريخها؟ وأين القصائد التي تتغنى بجمالها وأمجادها؟ أين هم (وهذا يومهم) يشحذون العزائم ويوقظون الهمم، ويقولون القول
стр. 40
العربي المُعجز الذي يجعل من الإنسان ذي اللحم والدم دبّابة تَقْحَم الجبل، وطيّارة تنطح النجم، وملَكاً يسمو عن الدنايا بجناحين من خير وطهر ويُثبت للقريب والبعيد وللأجيال والذراري أن بلادنا أجمل البلاد وأهلها أكرم الأهل وماضيها أجلُّ المواضي، وأن المستقبل لها؟
وأين معلّمو الإنشاء يفتحون على هذا الجمال الأبصار، ويلفتون إلى هذا المجد القلوب، ويصنعون للشعب العربي شعراءه وكتابه؟
* * *
стр. 41
نحن المذنبون
نشرت سنة ١٩٤٥
اهتزت الأرض لمَا كرَثَ (١) دمشق، وزُلزلت الدنيا لما أصابها، وانبرت أقلام بواتر تناصرها في محنتها، وازدلفت إليها الوفود تمسح جراحها وتلعن جَرّاحها، ولم تبق في المشرق والمغرب صحيفة لم تتلُ أخبارها وتصف حريقها ودمارها، وأنا في فراشي قد ملكتني الحُمّى فلم أشارك قومي في جهاد ولم أبذل لهم (وطالما كنت باذلاً) قلمي هذا الضعيف ولساني.
كنت أطل من شبّاكي على دمشق (وداري -كما يعلم من يعلم من القراء- تعلو عن دمشق ضاربة في الجبل مئتي متر) فأرى مساقط القنابل وأشاهد مواقع القذائف، وأبصر النار تأكل بلدي
стр. 42
الحبيب والرصاص يحصد حصداً قومي، فأحس في أعصابي فوق الحمى حميات، ولكني لا أقدر على شيء.
ولم أقرأ في هذه البرهة الطويلة مجلة ولا أبصرت «رسالة»، ولا رأيت ممن وفد على دمشق من الإخوان الكرام أحداً، ولا حضرت (وقد دُعيت) لتكريمهم احتفالاً؛ قد قيدني المرض بفراشي فلا أستطيع له براحاً ... وهذي أول ساعة أقدر فيها على القلم وأتمكن من زمامه، رأيت فرضاً عليّ فيها فرض الاعتراف والوفاء أن أكتب للرسالة (١).
جلست لأكتب في محنة دمشق، فرأيتها قد سارت بحديثها الركبان وامتلأت بها الآذان ومشت على كل لسان، فكدت أدع القلم، ثم قلت لنفسي: لئن تأخرت اليوم فلقد كنت يوماً سَبّاقاً، يوم هوت تحت السنابك باريس وقام كتّابٌ (منّا!) يبكونها، وما يبكون إلا لَذّات لهم فيها مُحرَّمة فقدوها ومَفَاسق خسروها. وكنا وكان سيف فرنسا العادية مسلولاً علينا، فكتبت في الرسالة (٣٦٨) في ٢٣ تموز (يوليو) ١٩٤٠ كلمة قصيرة ولكنها كسِنان الرمح لا يضره مع مضائه قِصَره، صغيرة ولكنها كالقنبلة إذا تفجرت دمرت. ولقد شرّقت شظاياها وغرّبت فأصابت -فيمن أصابت- مستشار المعارف الفرنسي، حملها إليه بعض (الأذناب ...) ممن تبدل اليوم لأن الدهر تبدّلَ ودار؛ فدعاني وكان بيني وبينه كلام لو أنا نشرته خفت ألاّ يصدقه من لا يعرف قائله من القراء. لا أقول ذلك فخراً ولكن ليعلم الناس أنّا -بني الشام- ما ذللنا قط ولا
стр. 43
خنعنا، ولا أخافتنا فرنسا يوم كانت فرنسا وكان لها في الأرض سلطان وبين الأعزة الأقوياء مكان.
* * *
ولئن فاتني الكلام في «حادثة الشام» فما فاتني أن أكتب «على هامشها»، وإن لديّ صوراً وإن في يدي عِبَراً، إذا وفق الله وواليت نشرها في الرسالة اجتمع منها كتاب (١). ولست أعيد ما قاله الكتّاب ولا أحب أن أعرّف المعروف، ولقد فرغ الناس من الحكم على فرنسا ومدنيتها، وخرست ألسن كانت تسبّح بحمدها وتمجّد حضارتها، وما تحمد منها -أقسم بالله- إلا مطارح الهوى الفاجر ومسارح الفن الداعر! وجفت أقلام كانت في أرضنا «جيشاً خامساً»، وما حديث الجيش الخامس ببعيد ... فلم يبق إلا أن نسوق صوراً لا يراها إلا القريب المشاهِد وعِبَراً لا يتنبّه لها إلا الرقيب المفكّر، وأن ننذر قومنا يوماً أشد وخطباً أعمّ إذا لم يقطعوا أسبابه ولم يُغلقوا بابه.
وإن أول ما ينبغي أن نخرج به من هذا الذي كان أن نعلم أن الله عادل لا يصيب قوماً إلا بما قدّمت أيديهم. وإن من بديع صنعه لهذه الأمة أن يبعث لها هذه الشدائد تنبيهاً من غفلتها كلما غفلت وتوقظها إذا نامت، وإن من أسرار هذه العربية أن الابتلاء هو الامتحان، وأن الله يمتحننا ليرى: أنفوز في الامتحان أم نكون من الخاسرين؟ فتعالوا يا إخواننا نحاسب أنفسنا وننظر من أين أُتينا؟
стр. 44
أما أنا فلقد فكرت فرأيت أن الذنب ذنبنا، ما هو بذنب الفرنسيين، وأنك إن عانقت الحية فلدغتك فما تُلام الحية بل تكون أنت الملوم. إن الفرنسيين قد جرَوا على سنتهم واستجابوا لطبيعتهم، ففاض إناؤهم بالذي فيه، وما فيه إلا الطيش والخرق والغرور والتبجح، وعشرٌ أُخَر من هذه الصفات، ولقد بلوناهم ربعَ قرن فما رأينا من حضارتهم إلا العدوان على الأطفال والنساء والعجائز الكبار، ولقد طالما تبدّلت علينا الوجوه ولكن السنّةَ السنّةُ والطبعَ الطبعُ؛ كلٌّ في الحماقة سواء!
ولكنا -مع ذلك- واليناهم وقد نهانا الله عن موالاتهم، وقلّدناهم وقد منعَنا دينُنا من تقليدهم، وتركنا بياننا لرطانتهم، وفضائلنا لأزيائهم، وشريعتنا لقوانينهم، ومساجدنا لملاهيهم، والقادسيةَ لأوسترلتز، وعمرَ لنابليون، ومكةَ لباريس!
نحن أعطيناهم هذا السلاح الذي قاتلونا به: جاؤونا بالخمور تهري أمعاءنا وتمزق أكبادنا، فشربناها ودفعنا الثمن. وجاؤوا بالكتالوجات فيها الأزياء العارية التي تُذهب فضيلتنا وتُفسد شبابنا وبناتنا، فعملنا بها وتركنا لها قرآننا ودفعنا الثمن. وجاؤونا بالأرتستات يخربن بيوتنا ويمرضن جسومنا ويسممن أرواحنا، فهبطنا على أقدامهن ودفعنا الثمن. وجاؤونا بكل بلية فيها الأذى وفيها الهلاك، فدفعنا الثمن، فأخذوه فجعلوا منه دبابات وطيارات ثم أتوا فقالوا: هذا لجيشكم السوري (١)، أليس جيشكم؟ قلنا: بلى، وهل في ذلك شك؟ قالوا: هاتوا ثمنه. فدفعناه مرة ثانية، فقاتلونا بسلاح شريناه نحن ودفعنا ثمنه مرتين!
стр. 45
نحن أعطيناهم الجنود الذين حاربونا بهم: أبناءنا؛ قلنا لهم: خذوهم وخذوا بناتنا فعلموهم في مدارسكم، ونشّئوهم على مبادئكم، واستعمروا عقولهم كيف شئتم؛ فجعلوا من أبنائنا عدواً لنا. يا أيها القراء في مشارق الأرض ومغاربها، اعلموا أن الذي ضرب الشام بالمدافع (بإذن أوليفا روجه وأمره) إنما هو رجل شامي ومسلم وابن شيخ واسمه علاء الدين الإمام!
* * *
فهل استيقظنا؟ إذا لم توقظنا هذه المدافع المدويّة، إن لم ينبهنا لذع النار، فما والله يوقظنا شيء.
هل علمتنّ -يا آنساتي ويا سيداتي الآن- أن هذا (الكتالوج) إنما هو «ديناميت» إن احتفظتنّ به في دوركن دمر الدور وأهلها؟ وأنكن حين تكشفن عن شيء من مواطن الفتنة في أجسامكن إنما تكشفن للعدو قلعة من قلاع الوطن، لأن كشفها يفسد أخلاق الشباب فتذهب رجولتهم، ويفقدهم روح الكفاح، ويشغلهم عن الحرب بالحب؟ وأن هذا الأحمر على خدودكن وشفاهكن إنما هو دم الشهداء، لولاه ولولا أشباهه ما تمكن العدو منا، وما كان ليغلبنا لولا أن أضاع علينا أخلاق صحرائنا، وشغلنا عنها بكن، وشغلكن بهذا الأحمر عن كل واجب عليكن؟
هل علمتم -أيها الآباء- أن من يضع ابنه في مدرسة عدوه إنما يخون وطنه ودينه وربه؟ وهل سمعتم -أيها القراء- اللعنة التي أطلقها في الشام خطباءٌ على المنابر وأئمةٌ في المحاريب، فتجاوبت بصداها الأودية والشعاب:
стр. 46
ملعونٌ كل من ينسى ما صنع بنا الفرنسيون. ملعونٌ كل من يحب فرنسياً أو يتزوج بعد اليوم فرنسية أو يشتري بضاعة فرنسية. ملعون من يُدخل ابنه أو بنته مدرسة فرنسية. ملعون كل شركسي أكل خبزنا وحاربَنا. ملعون كل سوري أعان على بلده عدواً. ملعون علاء الدين الإمام، لعنة مجلجلة صارخة مستمرة متجددة، متنقلة في البطون، ماشية في الذراري، لعنة الأم التي فجعها الفرنسيون بوحيدها، واليتيم الذي أفقدوه أباه، والزوجة التي أيّموها بعد زوجها، والأسرة التي قتلوا ربها وخربوا دارها، والتاجر الذي أحرقوا دكانه وسرقوا متاعه ... لعنة مغموسة بالدم، مغسولة بالنار.
* * *
стр. 47
كل شيء للناس !
نشرت سنة ١٩٥٩
من عادتي أني لا أركب إن استطعت المشي، ولا أمشي في الظل إن قدرت أن أمشي في الشمس، سواء علي في ذلك شمس لبنان في تشرين وشمس الهند في تموز. وكان النهار أمس صائفاً حاراً، فحللت هذا الرباط عن عنقي وطويته ووضعته في جيبي (١) فمرّ بي صديق أحبه وأحترمه، ولكني أنكر عليه أنه يتمسك بالعادات أكثر من تمسك العابد بالدين، ويحرص على رضا الناس أشد من حرص الزاهد على رضا الله. فلم يكد يفرغ من السلام حتى أقبل عليّ صارم الوجه بادي الاهتمام فقال: وكيف تصنع هذا؟
فارتعبت وقلت: وماذا صنعت؟
وجعلت أذكر: هل أحدثت في الإسلام حدثاً؟ أو آويت محدثاً أو جنيت جناية؟ فلما لم أذكر قلت: وضّح يا أخي وقل لي ما الذي بلغك عني، فلعل الذي بلّغك فاسق أو كاذب.
стр. 48
قال: ما بلّغني أحد ولكني أرى بعيني.
وأشار إليّ. قلت: وما ذاك؟
قال: العقدة (الكرافات). كيف تمشي بلا عقدة؟ هذا لا يليق بمستشار (١). ماذا يقول عنك الناس؟
فتركت الحوار وقعدت أفكر ... فإذا نحن نعمل كل شيء للناس.
نخنق أنفسنا بهذه العقد التي نضعها في أعناقنا كالأرسان ونتكلف منها في حر الصيف ما لا يُطاق من أجل الناس!
والنساء يتخذن هذه الأحذية الفظيعة ذوات الكعوب العالية مع أن المشي بها أصعب من المشي على الحبل. ومَن لم يصدّق من الرجال فليمشِ مئة خطوة على رؤوس أصابع قدميه! وهي -فوق ذلك- تُصلّب عضلات الساق وتشوّه جمالها، وما للبسها معنى وليس فيها جمال، ولكن هكذا يريد الناس!
ورأيت مرة امرأة واقفة في الترام والمقاعد خالية، وكلما دعوها لتجلس أبت، ثم تبين لي أنها تلبس إزاراً (خرّاطة أو جونيلا) ضيقاً عجيباً لا تستطيع معه المشي إلا كمشي المقيّد بالحديد، ولا تستطيع صعود درجة الترام إلا بكشف رجليها وإخراجهما منها، فلذلك لا تستطيع القعود. تتساءلون: لماذا تعذّب نفسها هذا العذاب؟ من أجل الناس!
стр. 49
ومن الشبان من يصفف شعر رأسه تصفيفاً فنياً يشتغل به نصف ساعة، ويبقى النهار كله خائفاً أن تهب نسمة هواء أو أن تقترب منه يد طائشة في الترام فتفسد هندسته. وربما أدركته الحكة فاحتمل ألمها طول النهار ولم يستطع أن يمد أصبعه فيحكه، لماذا؟ لأجل الناس! وكل خير هو للناس!
المرأة ظرفها ولطفها للناس. تقابل ضيوفها وصديقاتها بالوجه المشرق والفم الباسم والجَرْس الناعم والأدب البالغ، وزوجها ليس له إلا التجهم والنظر الشزر واللفظ الجافي. وكذلك يصنع الزوج!
وزينتها للناس، إذا خرجت تزيّنت للغرباء وتعطرت وارتدت أجمل أثوابها، وزوجها لا تلقاه إلا منفوشة الشعر كالحة الوجه، تسبقها روائح السمن والبصل والثوم. وكذلك يصنع الزوج!
والمائدة المرتَّبة في غرفة الطعام للناس؛ فإذا جاء الناس صُفَّت الأطباق والصحون ونُضِدت الأوراد والزهور، وإن لم يكن أحد كان الأكل في المطبخ. وغرفة النوم ذات الأسرّة المرتبة والأغطية المطرزة ليراها الناس، وأصحابها ينامون في غرفة أخرى فيها أسرّة من حديد ولحف بلا ملاحف!
نتعب أنفسنا ونقيد أعناقنا وأرجلنا للناس، وكل خير عندنا للناس. وإن أردنا أن نزوج البنت لم ننظر إلى مصلحتها ومصلحة زوجها ولم نفكر في إسعاد حياته وحياتها، ولكن فكّرنا في أيام العرس وحدها وسعينا لإرضاء الناس فقط.
لا نسأل (إلا قليلاً) عن أخلاق الرجل وطباعه، بل نسأل عن
стр. 50
المهر الذي يدفعه لنقول للناس: "مهر بنتنا عشرة آلاف"، وعن الجهاز ليراه الناس فيقولوا: "ما شاء الله، والله جهاز عظيم"، وعن حفلة العرس، نتسابق لإرضاء الشيطان بإضاعة الأموال في هذا وأمثاله. ثوب العرس الذي لا يُلبَس إلا ليلة واحدة فقط يكلف مئتَي ليرة على الأقل، وقد يصل إلى ألفين. وعلب الملبَّس ثمن الواحدة ليرة على الأقل، وقد تصل إلى العشرين. وفيم كل ذلك؟ لفائدة العروس؟ لا والله. للثواب والجنة؟ لا والله. لكسب المال؟ لا والله. فلِمَ إذن؟ للناس! والناس -بعد ذلك- لا يرضون؛ لأنك مهما أنفقت فإن في الناس من ينفق أكثر منك، فيقولون: "ما هذه الحفلة؟ وما هذه العلب؟ علب فلان كان ثمنها أكثر وحفلة فلانة كانت أكبر".
والمآتم مثل الأفراح؛ كلها تسابقٌ إلى إضاعة المال.
ويا ليت الأمر يقتصر على أصحاب العرس أو عائلة الميت. لا؛ ولكن كل زواج وكل وفاة فيها نكبة ثلاثين أسرة.
يكون الزوج المسكين قد أعد مشروع موازنة الشهر، وسهر الليالي وضرب الأخماس بالأسداس حتى استطاع أن يسدد حاجة الأسرة براتبه الذي لا يتجاوز ثلاثمئة ليرة في الشهر؛ يشد لحافه ليغطي كتفيه فيكشف عن رجليه، فإذا ستر رجليه انحسر عن كتفيه! وبينما هو في ذلك إذ خطر على بال عمة امرأة خال زوجته أن تموت فجأة (١)، فتجيء الزوجة تطلب حالاً وبلا تأخر وبالسرعة الكلية (على لغة المبايعات الرسمية) أربعين ليرة ثمن
стр. 51
ثوب أسود للعصرية. فيقول: "اسمعي يا امرأة، إن موازنتنا لا تتحمل". فتبكي وتعول وتقول: وكيف أذهب إلى عصرية الفقيدة العزيزة المرحومة المأسوف على شبابها عمة زوج خالي بلا ثوب أسود، وماذا يقول عني الناس؟
قد تكون هذه العزيزة المأسوف على شبابها بنت تسع وسبعين سنة فقط، وقد تكون منقطعة عن زيارتها من ست سنين، ولكن الحكاية حكاية: ماذا يقول الناس؟
وإذا وُلد مولود لزوجة ابن صديق رئيسك أو معلمك فيجب أن تقتطع من مرتبك الذي لا يكفي ثمن خبزك لتقدم لها الهدية اللائقة كما يقدم أمثالك، وإلا فماذا يقول عنك الناس؟
وإذا كنت مشغولاً بإعداد درسك في المدرسة، أو حساب عملائك في المتجر، أو تمريض بنتك المشرفة على الموت، وإذا كان لديك شغل الذهب وجاءك -فجأة بلا موعد- أحد العاطلين المعطّلين الفارغين ليقطع الوقت باللَّتّ والعَجن (١) معك، فلا تقل له: "أنا مشغول". إياك، وإلا فأنت أعلم بما يقوله عنك الناس!
وإذا كان جارك أو عديلك غنياً يملك الملايين وكنت أنت مستوراً ليس لك إلا راتبك، واشترى لبيته ثُريّا بألف ليرة وبرّادة وغسّالة وعصّارة كهربائية وفرناً على الغاز وسجادة طولها ثمانية أمتار وعرضها خمسة، فاذهب حالاً فاشترِ مثلها ولو سرقت ونهبت وقطعت الطريق، وإلا أوقعت نفسك في أفواه الناس!
стр. 52
وإذا أقامت زوجة التاجر الفلاني أو الوارث العلاّني وليمة، دعت إليها امرأتك وقدمت فيها لحم الطواويس وألسنة الشحارير، والحلويات المصنوعة في روما الواردة بالطيارة الخاصة، فيجب أن تعد زوجتك مثل ذلك وإلا تكلم عنها الناس!
* * *
والخلاصة أنه يجب أن يكون قيامك وقعودك وأكلك ولبسك وفرش بيتك ونفقات يومك كما يريد الناس أن تكون، ولو اختنقتَ حساً ومعنى، ولو نُكبت في سعادتك وفي مالك، ولو احترق نَفَسُك، وإلا انتقدك الناس!
الناس، دائماً الناس! فيا أيها الناس، متى نعيش لأنفسنا؟ ومتى نستطيع أن نقف عند حد الشرع وحد العقل؟ ومتى يخرج فينا العقلاء الأقوياء الذين يكسرون هذه القيود؟
أمّا أنا فوالله ما أبالي هذا كله، ولكن أعظ من شاء أن يتعظ: أن يتبع دينه أولاً فلا يأتي محرماً، ثم يتبع العقل، ثم يعمل ما يراه خيراً ويمدّ رجليه على قدر لحافه وينفق النفقة الضرورية ويترك التبذير ولو كان أغنى الأغنياء. ولا تخشوا قول الناس ما دمتم لم ترتكبوا محرماً ولا ممنوعاً شرعاً.
وهل عند الناس إلا أن يقولوا؟! لقد قالوا عن محمد ﷺ (وهو خاتم الأنبياء): مجنون، وقالوا: ساحر، وقالوا: كذّاب. فليقولوا عنكم ما شاؤوا، ولا تبالوا بسخط الناس إن كنتم قد أرضيتم الله.
* * *
стр. 53
لا تؤجِّلْ
أذيعت سنة ١٩٥٦
أنا الآن في ورطة؛ يدي تعدّ حقائب السفر، ورجلي في الركاب، وعليّ أن أكتب هذا الحديث وأن أعدّ المحاضرات التي دُعيت لإلقائها في الكويت، والموضوعات تتزاحم في رأسي وتتضارب وتتراكض حتى لأحسّ بها تضرب أصداغي، وكلما شرعت في موضوع ورد عليّ طرف من الموضوع الآخر، حتى تداخلني اليأس، فكدت ألقي القلم وأعترف بالهزيمة.
ثم قلت لنفسي: لقد فشلت، ولكن لماذا لا أفكر في أسباب الفشل فأجعل منها موضوع الحديث؟
لقد فشلت لسببين: الأول أني حمّلت نفسي فوق ما أطيق، فأنا أعمل في المحكمة، وأكتب في أكثر من مجلة، وأذيع في الإذاعة، وأعدّ محاضرات. ولو اقتصرت على ما أستطيع حمله وأداءه على وجهه لنجحت.
والثاني: أن من طبعي التأجيل والتسويف؛ فأنا لا أزال أؤجل عمل اليوم إلى غدٍ، وأتشاغل عنه وأسوّف فيه حتى لا يبقى للمحاضرة أو الحديث إلا ساعات معدودة، فأركض ركض
стр. 54
الأرنب. وكان خيراً لي وأهون عليّ لو مشيت من أول الوقت ولو مشي السلحفاة.
ولكن هل أنا وحدي الذي يحمّل نفسه فوق طاقتها؟ وهل أنا وحدي المبتلى بالتأجيل؟
أما يعدك الخياط أن يسلمك البذلة في نصف رمضان، فلا يزال يسوّف حتى تأتي ليلة العيد والبذلة (١) لم تصل إليك؟ أليس السبب أن الخيّاط يُلزم نفسه بعشرين بذلة وهو لا يقدر على أكثر من عشر؟
أوَليس الحذّاء والبنّاء وأصحاب الأعمال كلها مثل الخياط، كلهم يحمل أكثر مما يطيق فيعجز عنه؟
والتأجيل ... أليس التسويف والتأجيل مرضنا جميعاً، بل هو -على التحقيق- رأس أمراضنا الاجتماعية وعلة عللنا؟ كل أب يعرف طريقة لتربية ولده خيراً من طريقته، وكل تاجر يجد أسلوباً لتوسيع تجارته أحسن من أسلوبه، وكل رجل يعرف الطريق لتحسين صحته وإصلاح سيرته في بيته مع أهله وزوجته، ولكن كل واحد من هؤلاء يؤجل الابتداء بهذا الإصلاح يوماً بعد يوم حتى تمر السنون الطويلة وهو لم يفعل شيئاً.
كل مدخّن يقول لنفسه: "سأترك التدخين"، ولكنه يؤجل تنفيذ هذه الإرادة من يوم إلى يوم، فتمضي السنوات وهو لا يزال
стр. 55
كما كان. وكل مسرف مبذّر يعزم أن يقتصد ويزن نفقاته بميزان العقل، ولكنه يؤجل التنفيذ. وكل فاسق تدركه لحظات يسمع فيها آية أو موعظة، فيرقّ قلبه وتسمو نفسه ويعزم على التوبة ولكنه يؤجل، يقول: "سأتوب إذا جاء رمضان وأرجع إلى الله وأكون من الصالحين"، فإذا جاء رمضان قال: "سأحج وأتوب في الحج"، فإذا ذهب وقت الحج قال: "أنا الآن شاب وسأتوب إذا بلغت أواخر العمر". ويمضي العمر وهو لم يتب ولم يصلح.
* * *
ونحن لا ينقصنا العلم، بل ينقصنا الشروع في العمل بما نعلم. لا، لا ينقصنا العلم، إن كل واحد منا يعلم أن الكذب شر والصدق خير، وكل واحد منا يعلم أن للوالدين حقوقاً وأن صلة الرحم من الواجبات وأن الغش والظلم والعدوان من أسباب غضب الله، ولكنا لا نعمل بهذا الذي نعلمه.
ولقد كان أبي ﵀ كلما أيقظني لصلاة الصبح يقول لي: "لا تتراخَ، اقفز قفزاً". فأتراخى وأتكاسل، ثم أتناوم فلا أرد، أو أردّ ولا أقوم، حتى يمل فيدعني.
وأنا أعض أصابعي الآن ندماً لأني لم أسمع هذه الوصية: «اقفز قفزاً». ولو أني سمعتها وعملت بها، أو لو أنه أجبرني عليها، لتغيرت حياتي ولما فشلت في إعداد هذا الحديث، ولكنت في دنياي وفي ديني خيراً مما أنا عليه اليوم.
وأنا -إلى الآن- كلما أردت أن أقوم في الصباح أحسّ هذه الكلمة، كلمة أبي تدوي في أذني: "اقفز قفزاً، قم إلى
стр. 56
الصلاة فالصلاة خير من النوم". ثم أسمع صوت الشيطان يقول لي: "نم دقيقة أخرى، فالوقت فسيح، والفراش دافئ والجو بارد". ولا أزال بين داعي الواجب وداعي اللذة، أفكر في ثواب الصلاة فأتحفز للقيام، وأتصوّر لذة المنام وبرد الماء فأسترخي وأتقلب من جنب إلى جنب. ولا تزال نفسي بينهما كنوّاس الساعة (الرقاص)، بين: «قم»، «نم». «قم»، «نم». «قم»، «نم» ... حتى تدركني رحمة الله فأقفز، أو تطلع الشمس وتفوت الصلاة وأقوم وقد مضى الوقت ودنا العمل، فآكل طعامي لقمة بالطول ولقمة بالعرض، ولقمة تعترض في صدري فأغصّ بها، وألبس جورباً على الوجه وجورباً على القفا، وأعقد العقدة مائلة وأزرّر زر القميص الأول في العروة الثانية، وأنسى -من عجلتي- الساعة أو النظارات، وأهرول في الطريق؛ فأسيء هضمي، وأُتعب معدتي، وأُضحك الناسَ عليّ. وكل ذلك لأني أطعت الشيطان -لعنه الله- فلم أقفز قفزاً إلى صلاة الصبح.
وأنا أقرأ كل يوم مهما أقللت ومهما كنت مشغولاً أكثر من مئتَي صفحة (١)، أكثرها مما لا يفيد علماً ولا يعلّم أدباً ولا يقوّم خلقاً، وأدع عشرات من الكتب الجدية النافعة، مع أني ما اشتريتها إلا لأقرأها. قد صففتها أمامي، ولكني كلما هممت بالشروع فيها أجدها كثيرة فأؤجلها إلى غد، ويأتي الغد فأحذفها إلى ما بعده. وتمضي السنون وما قرأت منها شيئاً، والسبب مرض
стр. 57
التأجيل والتردد (١).
هذا المرض الذي طالما أضاع علينا أموالاً ومكاسب، وخيرات ومنافع، وأفقدنا الدنيا والدين، وهو مرض الجماعات منا والحكومات.
كلما جاء الصيف شكا الناس من فساد الطرق وسوء السيارات، وقلة الماء، وغلاء البيوت والمآكل، ووضعت الخطط للإصلاح ونهم بأن نشرع بها فيكون الصيف قد ولّى، فنؤجل ونسوّف حتى يجيء صيف جديد.
ولما كنت في بغداد سنة ١٩٣٦ فاض نهر دجلة فيضاناً مخيفاً مرعباً صدع قلوب الناس وكاد يغرق بغداد كلها. ونادى منادي الخطر، وحشدوا الناس من الشوارع لإقامة السدود (٢)، فلما ذهب الخطر جاء التسويف وبقي الأمر كما كان إلى الآن.
стр. 58
وكل مشروع من المشروعات الكبرى في بلاد هذا الشرق كلها: إما أن ينام على فراش التخدير بـ «مورفين» التسويف والتأجيل، وإما أن يجيء مرتجَلاً مشوَّهاً كجنين ولد قبل الأوان.
إنّا لا نؤدي واجباً في موعده، حتى صارت كلمة «الوعد الشرقي» رمزاً - مع الأسف- للوعد الذي لا يوثَق به ولا يُطمَأَنّ إليه، وكلما أوغلت في الشرق رأيت ذلك أظهر وأوضح، فلا تقام في باكستان حفلة في موعدها ولا يأتي ضيف إلا متأخراً ساعة، مع أنه لو جاز لكل أمة في الدنيا أن تهمل المواعيد وتتراخى فيها لما جاز ذلك للمسلمين، لأن دينهم يقوم على مواعيد مضبوطة ضبط الدقائق والثواني؛ فالذي يصلي قبل موعد الصلاة بخمس دقائق لا تصح صلاته، والذي يفطر قبل أذان المغرب بخمس دقائق لا يصح صومه، والذي يصل عرفة بعد انتهاء وقت الوقوف بخمس دقائق لا يصح حجّه.
وكل ذلك لتعليمنا ضبط المواعيد. وإلا فماذا يضر الصائم في الصيف إن صام أربع عشرة ساعة إلا خمس دقائق؟ ألا يصوم في الشتاء اثنتي عشرة ساعة؟ المراد أن نتعود النظام والضبط في أعمالنا كلها، وألاّ نصاب بطاعون التأجيل والتسويف وإخلاف المواعيد.
والرسول ﷺ يقول: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». فإخلاف الوعد والإخلال به ثلث النفاق! والإسلام لا يعرف هذه الوعود المائعة، الوعود الشامية العتيقة: «قبل الظهر»، «بين الصلاتين»، «بعد المغرب»،
стр. 59
بل يعرف الوعد المضبوط ضبط الساعة، ضبط أوقات الصلاة وأوقات الإمساك والإفطار.
* * *
يا أيها السامعون والسامعات:
إن الذي لا يقفز إلى الفريسة تفلت منه، ومن لا يغتنم الفرصة في وقتها لا يجدها، ومن لا يضرب الحديد حامياً لا يستطيع أن يضربه إذا برد، والذي يؤجّل ما يجب عليه لا يقدر أن يؤديه كاملاً.
فيا أيها المدخن: إذا عزمت حقاً أن تترك الدخان فابدأ من الآن، ألقِ الدخينة من يدك ولا تؤجل تركه دقيقة واحدة، لأن الدقيقة تجر دقيقة والساعة تجر ساعة فلا تتركه أبداً.
ويا أيها التلميذ الذي يريد أن يستعد للامتحان: ابدأ من الآن، ولا تقل سأبدأ غداً، لأن الغد إذا جاء صار حاضراً وأعقبه غد جديد، فلا ترى إلا الامتحان قد صار أمامك وأنت لم تصنع شيئاً.
ويا أيتها المرأة التي تريد أن تصلح نفسها، وتضع عقلها في رأسها فتهتم بأمر زوجها وأولادها لا بالأزياء والاستقبالات وبالكلام الفارغ: اشرعي من الآن.
ويا من يعلم أن بعد الدنيا آخرة، وأن بعد الحياة موتاً، وأن لا بد من وقفة للحساب ومشية على الصراط وليس -بعدُ- إلا الجنة أو النار: تب من الآن ولا تؤجل التوبة إلى غد، فإنك لا تدري ما
стр. 60
هو مقدَّر عليك في غد.
وليكتب كل واحد منكم هذه الحكمة في لوحة كبيرة: «لا تؤجل عمل اليوم إلى غد»، وليعلقها في صدر مجلسه، ولينظر فيها صباحه ومساءه، وليعمل بها، فهي دستور النجاح وأساس الفلاح:
«لا تؤجل عمل اليوم إلى غد».
* * *
стр. 61
الحبّ والزواج
جوابي على سؤال «الأيام»
نُشرت سنة ١٩٥٩
تطلع علينا «الأيام» كل يوم باستفتاء أو سؤال تحرّك به ما جمد من العقول وتوقد به ما خمد من القرائح، تدفع الكتّاب إلى إعمال العقل وإجراء القلم، فيستمتع القراء بثمرات عقولهم وحصاد أقلامهم.
وكان من آخر ما طلعت علينا به السؤال عن الزواج: هل يمكن أن يُبنى على الحب وحده؟ وعن سن الزواج: متى يحسن بالرجل أن يتزوج؟
وبدت طلائع الأجوبة، فكان منها ما هو عجب من العجب. وأنا لا أحبّ أن أجادل أحداً ولا أن أردّ على أحد، وإنما أدلي بالرأي الذي أراه، فمن كان يثق بي واتّبع رأيي فَبِها وَنِعِمّت، ومن خالفني وعصاني فلست مسؤولاً عنه ولا أنا عليه بوكيل.
وقبل الجواب على السؤال الأول، أحبّ أن أفهم ما هو هذا الحب الذي تسألون عنه؟
إن الله خَلَق في الإنسان غريزتين؛ غريزة لبقاء ذاته، وغريزة
стр. 62
لبقاء نوعه. فبالأولى يسوقه لَذْعُ الجوع إلى ابتغاء الطعام ليدفع بالشبع الموت عن نفسه، وبالثانية يسوقه وَقْدُ الشهوة إلى الاقتراب من الأنثى ليمنع بالنسل الانقراض عن جنسه.
وقد يكون الطعام بين يديك في المطعم وثمنه في جيبك، تفكر فيه فتراه أمامك، ويكون الجنس الآخر في مِلْكك، ويكون حلالاً لك قِيدَ (١) طلبك، فلا تشغل بتصوّره ذهنك ولا تُكدّ بانتظاره أعصابك.
وقد يكون الجوع موجوداً والطعام مفقوداً، فأنت كلما قاسيت مرارة الجوع ازدادت في تصورك حلاوة الطعام، فإذا طال الأمد صار لك (كما يقول علماء النفس) فكرةً ثابتة، فأنت لا تفكّر إلاّ فيه ولا تحن إلاّ إليه.
وتكون الرغبة الجنسية موجودة والجنس الآخر مفقوداً، فيكون عندك من التفكير فيه مثل تفكير الجائع في الطعام. وهذا هو الذي نسميه الحب، وهو أشدّ من تفكير الجائع بالطعام، لأنه حين يطلبه لا يفكّر في لونه ولا في جنسه، والجائع الجنسي قد تستقر رغبته في امرأة بعينها تنحصر دنياه كلها فيها. إنه يطلب أن ينظر إليها ويحدثها، فهل ترونه يكتفي إن رآها بالنظر؟ هل تظنون أنه إن حدثها قنع بالحديث (٢)؟ إنه كالجائع، فهل يكفي الجائع أن يرى الطعام ويشمه وينظم في وصفه الأشعار ويصوغ القوافي؟
стр. 63
لا يا أولادي، لا والله العظيم؛ إنه لا يريد جمالها لعينه ولا حديثها لأذنه، ولكنه يريد قفلها لمفتاحه (١). إنها غريزة النوع لا يرويها إلاّ ما يتمّ به النسل.
وما الحب (مهما زخرفه الشعراء وزوّقه الأدباء) إلاّ رغبة في الاتصال الجنسي لم تجد طريقها. إن الحبّ العذري الشريف حديث خرافة لا تروج سوقه إلاّ على المجانين والشباب. هذه حقيقة من أنكرها وجد الردّ عليه في نفسه، إن في كل نفس الدليل على أنها حقيقة لا سبيل إلى إنكارها، فهل يصلح الحب وحده أساساً للزواج؟
إن الحبّ جوع نفسي، فهل يستطيع الجوعان أن يحكم على جودة الطعام؟ ألا يزيّن له جوعه المجدّرة حتى يحسّ لها تحت لسانه طعم الخروف المحشي؟ فإذا زالت لذعة الجوع عادت المجدّرة مجدّرة، وتبيّن أنها لم تكن خروفاً إلاّ في أوهام الجوع. كذلك المحبّ؛ إنه يسبغ من حبّه على المحبوب ثوباً براقاً يراه به أجمل الناس. فإذا تزوجها لهذا الثوب الذي يغريه بها، ثم زال عنها لمّا زال الحب، لم يبقَ بينهما زواج، لأنه ما تزوج بها ولكن تزوّج الثوب الذي أسبغه خياله عليها. وما دام الحب في حقيقته اشتهاء للقاء الجنسي، فلا بدّ أن يزول إن زالت هذه الشهوة، ولا بدّ أن يعقل المجنون فتعود ليلى في نظره امرأة كسائر النساء فلا تبقى له فيها رغبة، كما تذهب رغبة الجائع في الطعام إذا ملأ معدته منه. إنه رباط مؤقت ينقطع من الملامسة الأولى (وأنتم
стр. 64
تفهمون ما معنى الملامسة!) والزواج صلة دائمة تحتاج إلى رباط دائم يقوى بالملامسة ويشتدّ، ولا يزداد على الأيام إلاّ قوّة وإحكاماً.
وأنا من مدمني النظر في آداب الأمم كلها، ولا أحصي القصص التي قرأتها لكبار الأدباء في موضوع الزواج الذي يُبنى على الحب، ونهايتها كلها الشقاق والفراق. ولا تغتروا بأمثال آلام فرتر ورفائيل وماجدولين وبول وفرجيني وكرازييلا وجوسلان والأجنحة المتكسّرة، فهذه كلها صور لمرحلة الرغبة التي تكلّمت عنها، ولو تزوّج كل واحد من أبطالها بالتي يعشقها زواج حب فقط لكانت خاتمة القصة الطلاق!
لا؛ لا يصحّ أن يُبنى الزواج على الحبّ وحده إلاّ إن صحّ أن تُبنى العمارة الضخمة على أساس من الملح في مجرى الماء!
إنما يُبنى الزواج على التوافق في التفكير والسلوك والوضع الاجتماعي والحالة المالية، وبعد هذا كله تأتي العاطفة، فينظر إليها وتنظر إليه، أي ينظر إلى وجهها وكفّيها فقط بحضور وليّها أو أحد محارمها، لا كما أفتى ذلك الشيخ الخبّاص (١) الباقوري. فإن ألقى الله في قلب كل منهما الميل إلى الآخر صار هذا الميل مع الزواج حباً هادئاً مستمراً، وإن أحسّا نفرة أو عزوفاً أغنى الله كلاًّ منهما عن الآخر.
هذا جوابي على السؤال الأول. (أما جواب السؤال الثاني
стр. 65
فقد طال المقال وضاق عنه المجال؛ فأمهلوني في الكلام عليه إلى الإثنين القادم إن شاء الله) (١).
* * *
стр. 66
السنّ المناسبة للزواج (١)
نُشرت سنة ١٩٥٩
أما الإجابة على السؤال الآخر، فإن كان يكفي فيه أن ينطق المسؤول بأول عدد يخطر على باله، لا يُطالَب بدليل ولا بتعليل، قال قائل: «ثلاثين» وآخر: «أربعين». وإن كان يجب في الجواب أن يكون موافقاً لفطرةِ الله التي فطر عليها النفوس وطبيعةِ الكون التي طبع عليها الأشياء، فلا بدّ لي -قبل الإجابة- من تقديم هذه المقدمة.
قد قلت لكم إن الله وضع في نفس الإنسان غريزتين: غريزة حفظ الذات التي تدفع إلى الأكل، وغريزة حفظ النوع التي يكون بها النسل، وما يصحّ في إحداها يصحّ في الأخرى. فخبّروني متى
стр. 67
يأكل الإنسان أخبركم متى يتزوّج.
متى يأكل؟ تقولون: عندما يجوع.
فليتزوّج إذن عندما «يشتهي»؛ أي عندما يبلغ مبلغ الرجال، أعني في الثامنة عشرة من العمر.
تقولون: وإذا لم يجد أسباب الزواج مجتمعة له وهو في هذه السنّ، فماذا يصنع؟
فأقول: يصنع ما يصنعه الجائع الذي لا يجد الطعام، يصبّر نفسه حتى يجد الطعام.
تقولون: فإن لم يستطع الجائع أن ينتظر، ورأى الطعام أمامه فسرقه وأكله وارتكب في سبيله الجرائم، فماذا نصنع نحن؟
فأقول: إن على المجتمع أن يمهّد لكل جائع سبيل الوصول إلى الطعام لئلاّ يسرق أو يجرم، فإن منعه من الأكل مانع اضطراري وخيف منه السرقة وجب أن يحفظ الناس أموالهم منه. فهو -من جهة- محق لأن المجتمع حرمه الطعام وهو حقّ له، وهو -من جهة- مبطل لأنه أخذ ما ليس له.
وهذا هو القول في الزواج:
الوقت الطبيعي للزواج هو وقت البلوغ، ولكن الشابّ يكون في هذه السنّ في المدرسة، لا مورد له ولا مال في يده، ويستمر في الدراسة إلى سن خمس وعشرين على الأقل. أي أن الظروف الاجتماعية التي اصطلح الناس عليها جاءت مُصادِمة ومُناقِضة
стр. 68
لطبائع النفوس وحقائق الأشياء. فماذا نصنع؟ ماذا يصنع الشاب وهو مضطر أن يمضي هذه السنين العشر بلا زواج، مع أن هذه السنين العشر هي أشدّ سني العمر شدّة في الشهوة وإحساساً بها؟
إن الله وضع بين جنبيه ناراً متّقدة إن لم يطفئها بالزواج أحرقت بالألم نفسه أو أحرقت بالزنا بيوت الناس، وها هنا تستقر المشكلة، وهذا ما يجب أن يكون فيه البحث. وإن من أسهل السهل على من يكتب هذا الموضوع أن يستلقي على كرسيّه، ويأخذ نفساً عميقاً من دخينته، ويقول ببطء وتمهُّل: إن رأيي أنّ سن الزواج المناسبة هي الثلاثون ...
هذا رأيك، ولكن هذا لا يحلّ المشكلة.
إن الكلام بالمجان، والحاكم الذي ينطق بحكم الإعدام لا يكلّفه ذلك من التعب إلاّ أن يفتح فمه ويحرّك لسانه، ولكن المصيبة إنما تقع على رأس المحكوم عليه. والمحكوم عليه هنا هو الشاب ... والشابّة أيضاً.
وإذا كانت طبيعة الشاب وغريزة نفسه توقظ في نفسه الجوع الجنسي في سن الخامسة عشرة، وأخونا المفكر المحترم يحكم عليه بألاّ يتزوّج إلاّ في سن الثلاثين، فماذا يعمل في هذه الخمس عشرة سنة؟
لا سيما وأن هذا المجتمع الذي يمنعه من الزواج فيها، لا يترك وسيلة لزيادة هذه النار اشتعالاً في نفسه إلاّ عمد إليها، وكلما نسي المسكين هذه الشهوة ذكّرناه بها: بالصور العارية،
стр. 69
والأفلام الخليعة، والعورات البادية، والاختلاط المتفشي. إنْ مشى في الطريق وجد المغريات، وإن دخل الكليّة وجد المغريات، وهو يجد المغريات في كل مكان، ونحن نوجب عليه أن يحمل ذلك العبء خمس عشرة سنة، ونقول له بعد ذلك: انصرف إلى دروسك وإلى مطالعاتك، وإياك أن تفكر في الفاحشة أو تقترب منها!
أُقسم بالله إن من يُحكَم عليه بالسجن خمس عشرة سنة ليس أشدّ حالاً من الشاب الذي تكلّفه بهذا كله!
فما العمل؟
العمل أن نعود إلى الطبيعة ونتبع حكم الفطرة؛ فإنه لا يستطيع بشرٌ أن يحارب فطرة الناس وطبيعة الأشياء. وأن نرجع إلى عادة أجدادنا فنزوّج الشاب في الثامنة عشرة والبنت في السادسة عشرة، فإن لم يمكن فلا أقلّ من أن نربّي أولادنا على خوف الله وعلى متانة الخُلُق، وأن ننظف مجتمعنا من كل ما يذكّر الشاب (الذي اضطررناه إلى العزوبة الجَبرية) بما نسي من شهوته، وأن نمنع منعاً باتاً كل ما يغريه بالمعصية ويسوقه إليها، وأن يحمي الآباء بناتهم من أن يسرق أحدٌ أعراضهنّ كما يحمون أموالهم من اللصوص أن تمتد أيديهم إليها.
هذا هو الجواب، وأنا واثق أن كل من يقرؤه سيقول إنه صحيح، ولكن لن يعمل به أحد، مع الأسف!
* * *
стр. 70
طريق السعادة
أُذيعت سنة ١٩٥٨
ورد عليّ في بريد هذا الأسبوع كتاب من أخ من أوساط الموظفين، كتب إليّ ثائراً فائراً، يذم الدهر ويشكو الزمان لأن مرتبه وهو الذكي العالِم المستقيم (كما يقول عن نفسه) لا يبلغ ربع ما يناله زميل له ليس له ربع ذكائه ولا علمه، وكلما طالَبَ منعوه ما هو حق له وحرموه منه، فكان تحكّم بشر مثله في رزقه أشدَّ عليه من ضيق الرزق ... إلى آخر ما قال.
ولقد مرّ بي -أنا- مثل هذه المحنة، حين خطبت أيام الحكم العسكري في الشام، من بضع سنوات، تلك الخطبة التي حملها المذياع من منبر مسجد الجامعة السورية إلى آفاق الأرض (١)، فأغضبت عليّ الحكومة حتى نال مني الحاكمون في منصبي وفي رزقي.
وقعدت عشيةً مَغيظاً محنقاً، لا لنقص المرتب وضياع
стр. 71
المنصب، بل غضباً لحريتي وكرامتي، وأنَفَة من أن يتحكم فيّ إنسان مثلي ويُملّك التصرف في عملي وفي رزقي. وأظلم عليّ الليل وأنا مستغرق ذاهل، أداري من نفسي غضبة أخشى أن تتفجّر تفجّر القنبلة ... وكان في غرفتي شعبة من الرادّ، فسمعت القارئ يقرأ حتى بلغ قوله تعالى: ﴿نَحنُ قَسَمْنا بينهم معيشتَهم في الحياةِ الدُّنيا﴾، فتنبّهت إليها كأني ما سمعتها قطّ، وكأنما نزل بها جبريل الساعة على قلب محمد ﷺ ، وأحسست أنها جاءت برداً على كبدي وسلاماً، فسكت عني الغضب وامَّحَتْ عن عيني الغشاوة، ورأيت حقيقة القدر رأي العين. وقلت: يا رب، إن كنت أنت الذي قدّر وقسم وأنت الذي أعطى ومنع فأنا راضٍ بما قسمت لي.
* * *
أسمعت؟ أسمعت يا أخي؟
هو الذي قسّم المعاش، هو الذي قدّر الأرزاق، وما يملك هؤلاء الناس عطاء ولا منعاً. ما الناس إلاّ وسائط، فهل تغضب على محاسب الدائرة في أول الشهر إذا أعطاك مئة وأعطى الرئيس مئتين؟ وما ذنبه حتى تغضب عليه؟ أهو الذي وضع المِلاكات وحدّد الرواتب، أم هو منفذ لما قُرّر من قبل وأُمضي؟
هذا هو مَثَلك ومثل من تظن أنهم أعطوك أو منعوك وأنهم قدّموا غيرك وأخّروك؛ إن هم إلاّ محاسِبون، أما الذي قرر جداول الأرزاق من الأزل وحدّد مقاديرها فهو الله رب العالمين، فما كان لك فسوف يأتيك على ضعفك، وما كان لغيرك لن تناله بقوتك. أتستطيع أن تنال ليرة من راتب زميلك مهما كنت قوياً
стр. 72
وكان ضعيفاً؟ ولو اجتمع أهل الأرض على أن ينفعوك لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو أجمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف.
فإذا لم يكن لك كل ما تريد، فلماذا لا تريد كل ما يكون فتستريح وتريح؟ وهذه هي نعمة الإيمان بالقدَر. وليس معنى الإيمان أن تستلقي على ظهرك وتنتظر أن ينزل عليك رزقك من السقف، فإن السماء (كما قال عمر) لا تمطر ذهباً ولا فضة، بل أن تجِدّ وتسعى وتعمل للدنيا كأنك تعيش فيها أبداً، وأن تجمع المال من كل وجه حلال، وأن تضرب في آفاق الأرض وتأخذ بأسباب الرزق ولا تدّخر جهداً هو في طاقة البشر لا تبذله للغنى. فإن لم تصل -بعد ذلك كله- إلى ما طلبت فلا يدفعك اليأس إلى الانتحار ولا يُسْلمك الغم إلى المرض، بل تعزَّ وارْضَ، وقل: لقد عملت ما عليّ ولكن الله لم يكتب لي النجاح، وأنا راضٍ بقضاء الله.
هذه هي حقيقة الإيمان في دين الإسلام، ليست تسييباً وكسلاً كما يظنها العوام وأشباه العوام. وأنت تعرف قصة الرجل الذي ترك ناقته على باب المسجد ودخل على رسول الله ﷺ ، فلما خرج لم يجدها فرجع فقال: يا رسول الله، ناقتي! تركتها وتوكلت على الله فضلّت. فقال رسول الله ﷺ : «قيِّدْها وتوكل على الله» (١).
стр. 73
هذا هو الإيمان. إن الله جعل الكسب مَنوطاً بالعمل، والنبات مقروناً بالحرث والزرع، والشفاء موقوفاً على الطب والعلاج. فمن قعد وطلب الربح لم يربح، ومن أراد الحصاد ولم يزرع لم يحصد، ومن طلب الشفاء ولم يتداوَ لم يُشْفَ. والله لا يُبَدّل قوانين الكون وسنن الوجود إرضاء لكسول أو خَمول. فاعمل وادأب، وخذ وطالب، ولا تسكت عن حقك ولا تقصّر في ابتغائه، ولكن لا تدع اليأس يدخل عليك والحقد الأسود يأكل قلبك، ولا تقل: ما لفلان وفلان؟ فلقد كنت يوماً مثلك؛ أجد من هم دوني ومن كانوا تلاميذي قد حازوا الجاه والمال وبلغوا أعلى المناصب فأتألم، ثم قلت لنفسي: "يا نفس ويحك، ومن أعطاك العهد على أن تكوني أبداً فوق الناس، أوَليس خيراً لك يا نفس أن أدخل على وزير أو كبير فيجلّني ويراني مثله، من أن أدخل على من يستصغرني ويراني دونه، أوَلست في خير؟ أوَلا أتقلّب في النعم؟
وبرئت من مرض الحسد فاسترحت، وصرت أنظر إلى نعم الله عليّ فأراني لا أستحق بعضها. وهأنذا اليوم لا أشكو شيئاً وأعبّ السعادة، والله، عبّاً.
وليس في الدنيا أحدٌ لا يجد من هو أفضل منه في شيء ومن هو أقلّ منه في أشياء. إن كنت فقيراً ففي الناس من هو أفقر منك، وإن كنت مريضاً أو معذَّباً ففيهم من هو أشدّ منك مرضاً وأكثر تعذيباً، فلماذا ترفع رأسك لتنظر من هو فوقك ولا تخفضه لتبصر من هو تحتك؟ إن كنت تعرف مَن نال من المال والجاه ما لم تنله أنت وهو دونك ذكاء ومعرفة وخُلقاً، فلمَ لا تذكر مَن أنت دونه
стр. 74
أو مثله في ذلك كله وهو لم ينل بعض ما نلت؟
وفلسفة الرزق أدقّ من أن تُدرَك وأبعد من أن تنال. وانظر إلى الناس ترَ منهم الغوّاصين الذين جعل الله خبزهم وخبز عيالهم في قرارات البحار فلا يصلون إليه حتى ينزلوا إلى أعماق الماء، والطيارين الذين وضع خبزهم فوق السحاب فلا يبلغونه حتى يصعدوا إلى أعالي الفضاء، ومَن كان خبزه مخبوءاً في الصخر الأصمّ فلا يناله إلاّ بتكسير الصخر، ومَن رزقه في مجاري المياه الوسخة أو المناجم العميقة التي لا ترى وجه الشمس ولا بياض النهار، ومَن يأخذه بيده أو برجله أو بلسانه أو بعقله، ومَن لا يصل إلى الخبز إلاّ ببذل روحه وتعريض مهجته للهلاك، كلاعب (السِّرْك) الذي يترصّده الموت في كل مكان، فإن لم يدركه ساقطاً على رأسه أدركه وهو بين أنياب الأسد أو تحت أرجل الفيل!
فاحمد الله أن جعل رزقك على مكتبك، تصل إليه وأنت قاعد على كرسيّك، لم يجعله في رؤوس الجبال، ولا في أعماق البحار، ولا في مواجهة الأسد والنمر.
وهذه المزايا التي تقول إن الله أعطاكها: مَزيّة الفهم والجِدّ والدأب والاستقامة والأمانة، أليست نِعَماً تستحق أن تحمد الله عليها؟ أوَترضى أن تزداد مالاً وأن تكون عيياً غبياً، أو جاهلاً أو خاملاً، أو لصاً أو مجرماً؟ فلا تأسف إذا أُعطيت هذه النعم كلها وحُرمت المال الوفير، بل ائسَفْ إن حُرِمتَها وأُعطيتَ أموال قارون.
وهل السعادة -يا أخي- بالمال؟ ما المال إن لم تُشرَ به
стр. 75
متعة عيش، أو لذة نفس، أو مكرمةٌ يبقى ذكرها، أو صالحةٌ ينفع أجرها؟ المال وسيلة، فإن لم يُتوسَّل به إلى نعيم الدنيا أو سعادة الآخرة كان ورقاً مصوَّراً أو معدناً برّاقاً. كالذي زعموا أنه كان له دعوتان مستجابتان، فدعا ربه أن يجعل كل شيء تمسّه يده ذهباً، فأعطيها فكاد يطير عقله من الفرح، وانطلق يلمس كل ما يجد فيحوّله ذهباً، حتى جاع فأخذ الصحن ليأكل فصار ما فيه من الطعام ذهباً، وعطش فحمل الكأس ليشرب فصار ما فيها من الماء ذهباً، فقعد جوعان عطشان، فأقبلت ابنته تواسيه، فعانقها، فصارت تمثالاً من الذهب. فدعا ربه الدعوة الثانية: أن يعيد كل شيء كما كان، لأنه أدرك أن الرغيف للجائع والكأس للعطشان والبنت للأب خيرٌ من ملء الأرض ذهباً.
وأنت تستطيع بمُرَتّبك القليل -إن أحسنت التصرف فيه واستشعرت الرضا به- أن تكون أسعد ممن له الآلاف المؤلفة من الليرات. وأنا أعرف رجالاً يدخل على الواحد منهم في يومه ما لا يدخل عليّ في السنة والسنتين من المال، وأنا أعيش عيشاً أرفه وأرغد مما يعيشون: لا آكل أطيب مما يأكلون ولا ألبس أفضل مما يلبسون ولا أُمتِّع نفسي أكثر مما يتمتعون، ولكن أرضى أكثر مما يرضون.
ولي بعد ذلك لذائذ هم محرومون منها: لذة المطالعة أمام المدفأة في ليالي الشتاء، ولذة التفكير الحالم في الفراش قبل النوم، ولذة المناظرة في مجالس العلم والأدب، ولذة المحاضرة في النوادي والإذاعات. وهم يحتاجون إليّ؛ يسألونني فأعلمهم ويجيئون إليّ فأحكم بينهم، وأنا لا أحتاج إلى واحد منهم لأنهم