← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13635

مع الناس

علي الطنطاوي

Полный текст (278 стр.). Показаны 246–278 · переход к 251.

стр. 246

الخوري، وكل شيء لا بدّ له من هذه البركة، حتى إنزال السفينة الجديدة إلى البحر أو حفلة توزيع الشهادات في أوكسفورد. هذه هي أعياد الناس، فما هو مكان عيدنا من هذه الأعياد؟ إن لنا في الإسلام عيدين لا ثالث لهما، وإن لم يكن ما يمنع من الاحتفال بذكريات الهدى والمجد، بيوم الهجرة وبيوم بدر مثلاً، احتفالاً يخلو من البدع والمحرمات ومن تلاوة هذه الأكاذيب التي اشتملت عليها الموالد، على أن لا تُعد أعياداً دينيةً، لأن الدين لم يشرع لنا إلاّ هذين العيدين: عيد الفطر، وعيد الأضحى؛ هذا احتفال ببداية نزول القرآن وإكمال الصيام، وذاك احتفاء باختتام الوحي وإتمام الدين. وأعيادنا لله أولاً، لأنها أعياد عبادة وتبتل وتوجه إلى الله بالشكر والحمد والطلب والرجاء. وهي للوطن (ووطن المسلم كل أرض تعلو فيها كلمة الله وتحكم شريعته) لأنها ذكرى أعظم حادث في تاريخ البشرية كلها: نزول القرآن في ليلة القدر من رمضان، وتمامه في حجة الوداع من ذي الحجة. وإذا كانت الأمم تحتفل بيوم الدستور وتجعله عيداً، فإن يوم الدستور الإلهي الذي أنشأ حضارة تفيأت ظلالَها الأممُ كلها حقيق أن يكون عيداً إنسانياً، يحتفل به كل من استفاد من حضارة القرآن. وهي من أعياد الرجال، لأنها ذكرى أعظم رجل مسّت قدمه ظهر هذه الكرة: محمد ﷺ ؛ محمد الذي جاء بالصيام ليعلّم الأغنياء بهذا الجوع الاختياري أن في الدنيا من يجوع جوعاً

стр. 247

اضطرارياً، ولولا هذا الصيام ما كان يتصور الأغنياء كيف يكون الجوع. الذي قرر المساواة في رمضان حتى صار الغني الذي يملك الملايين يشتهي كِسرة الخبز وقطرة الماء كما يشتهيها الفقير المسكين. والذي قرر المساواة مرة ثانية حين جعل مَن له كنوز الأموال يقف مع السائل الذي لا يجد عشاء ليلة، وهو يلبس لباساً مثل لباسه، ويقف من عرفة موقفاً مثل موقفه، وينام على الأرض في المزدلفة مثل منامه، ويرمي الجمار في منى وسط الزحمة مثل رميه، وهنالك في هذا الموقف الأكبر، الذي لا تعرف البشرية في كل عصورها نظيراً له، وقف محمد ﷺ يقرر الحرية الشخصية، وحرية الرأي، وحرية المسكن، ويعلن المساواة بين الناس، فلا امتياز لجنس على جنس ولا لون على لون ولا أسرة على أسرة كما يمتاز الناس في أميركا في قرن العشرين وفي جنوب إفريقية! وإنما يتفاضلون بالمزايا الشخصية: بالإيمان والعلم والتقى والأخلاق. لقد قرر ذلك في خطبته التاريخية الخالدة في حجة الوداع، قبل أن تعلنه إنكلترا، وقبل الثورة الفرنسية، وقبل مبادئ ويلسون، وقبل ميثاق الأطلنطي الذي كتبوه على الماء بأكثر من ألف سنة! أعلنه إعلاناً حقيقياً تؤيده وقائع الحياة الإسلامية وأوضاع المجتمع الإسلامي، لا الإعلان الغربي الذي تُكذّبه شواهد الواقع ومظاهر الحياة في ديار الغرب. وهي أعياد بطولة ورياضة. وما الحياة الرياضية إلاّ حياة الصبر والاحتمال وألاّ يزدهي صاحبَها النصرُ ولا تهدّه الهزيمة، وأن يستشعر الأخوّة الرياضية لشركائه في هذا الكفاح؛ وكل ذلك يتحقق على أتمه وأكمله في صيام رمضان وفي شعائر الحج.

стр. 248

وهي أعياد فرحة ومسرة، ولهو شريف، ومتاع حلال. والإسلام ليس دين تزمت ولا يحارب طبيعة النفوس التي طبع الله الناس عليها ولا ينافي الفطرة، ولكنه يمنع ما فيه الضرر. هذه هي المحرّمات، فكل لهو لا محرم فيه مطلوب شرعاً إن كان باعتدال وقصد، وإلى الحد الذي يقوي النفس على الخير ويُنشّطها للقيام بما يجب. * * * بقيت عليّ كلمةٌ واحدة: هي أن حكمة رمضان لا تتم في عيد الفطر إلاّ إذا شاركتم الفقراء في الأكل والشرب كما شاركتموهم في الجوع والعطش، وكنتم معهم في لذة الوجدان كما كنتم معهم في لوعة الحرمان، وأن لا تملؤوا أيدي أولادكم باللُّعَب والسّكاكر وفي أبناء جيرانكم أولاد مثلهم ينظرون إليهم وأيديهم خالية، وأن تعلموا أن مما رميتموه زهداً به من ثياب أولادكم ما يكون ثوب العيد وفرحة العمر لهؤلاء الأولاد، وأن كل غني يجد من هو أغنى منه وكل فقير يلقى من هو أفقر منه. والمسائل نسبية، والعصفور نملة إن قيس بالفيل، ولكنه فيل إن قيس بالنملة. فأعطِ من هو أفقر منك عشر ليرات هي عنده مئة ليرة وعندك ليرة، يبعث لك الله من يعطيك خمسة آلاف وهي لك خمسون ألفاً وهي عنده عشر ليرات. وإذا فرّحت أخاك بعطيتك فرّحك الله بعطية من عنده لا تحتسبها ولا ترتقبها، وثواب الآخرة أكبر. فاختاروا -يا أيها القراء- مما يفضل من ثيابكم، وما يزيد من اللعب والسكاكر والحلويات عن أولادكم، فأرسلوه إلى أولاد الجيران الفقراء. دعوهم يعيشون يوماً واحداً من السنة كما تعيشون

стр. 249

أنتم كل يوم. ولا تعطوا عطاء الكبر والترفّع، إعطاء الصدقة، بل إعطاء الصداقة، ورب بسمة في وجه السائل أو شَدّة على يده أَحَبُّ إليه من المال الذي تضعه في كفه، لأن المال يحيي جسده وحده والمال مع الابتسامة يحيي جسده وروحه. وحينما تخرجون من بيوتكم فتجدون هؤلاء الأطفال الصغار الذين كسوتموهم وأعطيتموهم الحلويات واللعب ينظرون إليكم بعيون تبرق بالشكر والحب ويبسمون لكم بأفواه تشرق بالسعادة والفرح، وتسمعون أمهاتهم يتمنين لكم طول العمر ولأولادكم كمال النِعَم، حينئذٍ تعلمون أن أعظم لذة في الدنيا هي لذة الإحسان. أليس هذا خيراً من أن تجدوا في عيونهم نظرات الحسد وعلى ألسنتهم دعوات الموت والخراب؟ وهنيئاً لكم -بعدُ- قبول صيامكم، وهنيئاً لكم أفراح عيدكم، وكل عام أنتم بخير. * * *

стр. 250

مجنون نُشرت سنة ١٩٥٩ قال لي صديق في مصر يوماً: هل لك في زيارة مجنون؟ قلت: وهل فرغنا من زيارة العقلاء حتى نزور المجانين؟ قال: إنه مجنون عاقل. فضحكت وقلت: هذا قياس فاسد؛ لأنه إن صحّ أن يكون هذا المجنون عاقلاً تكون أنت -أيها العاقل- مجنوناً. قال: دعك من هذه الفلسفة، واذهب معي ترَ رجلاً يندر أن ترى مثله في الرجال. قلت: ما صفته، ما شأنه؟ قال: كهل يعيش هو وزوجه العاقر. كان موظفاً فهبط عليه الغِنى فجأة، مات قريب له موسر وأورثه ماله كله، فاعتزل العمل وعاش متبطلاً. قلت: إن الغنى سبب واضح للجنون. ولكن ما جنونه؟ هل يضرب؟ هل يخنق؟ هل يخوض في حديث طويل مع سائق الأتوبيس فيعرّض أربعين روحاً للخطر؟ هل يعتقد أن ما يكتبه

стр. 251

السباعي وعبد القدوس (١) أدب رفيع؟ هل يطرب لأغاني الأطرش وحافظ؟ هل يرتضي شعر الحداثة الذي لا جمال في لفظه ولا في معناه؟ هل يضع أولاده في المدارس الأجنبية؟ هل يؤمن بديمقراطية أميركا التي تشنق الزنجي إن قبّل امرأة بيضاء قد تكون من البغايا؟ قال: إنه على الطريق ... لم يصل بعد إلى هذه الدركة من الجنون. ومشيت معه فأخذني إلى عمارة ضخمة في حيّ الحدائق (جاردن سيتي) فيها مصعد وتدفئة عامة وهواء معدّل، وأدخلني بيتاً فيها، فخماً مفروشاً فرشاً إفرنجياً ما أظنّ أني رأيت آنق منه ولا أحكم وضعاً ولا أحسن ترتيباً. ووجدت الرجل حليق الوجه غربي اللباس، يدخّن السيكار ويرطن بالفرنسية، ووجدته حلو الحديث سريع البادرة حاضر النكتة. وقضينا معه ساعة استمتعنا فيها حقاً. فلما خرجنا قلت لصاحبي: أين جنونه؟ قال: ستراه بعد شهرين. وعاد بعد شهرين وقد نسيت القصة كلها فقال لي: هلمّ لزيارة المجنون. ومشى بي في غير الطريق الذي سرنا فيه أول مرة. وما زال ينتقل بي من الترام إلى السيارة، ويسلك بي من حارة إلى

стр. 252

حارة، حتى صرنا عند الجبل، فأدخلني أزقة ضيقة ومسالك معوجّة حتى وَقَفني على دار قديمة طرق بابها ففُتح، وإذا الرجل ذاته ولكنه في إزار عربي وعباءة رقيقة، وله لحية خفيفة لم تكن له من قبل. ورأيت داراً شرقية قديمة مزخرفة الجدران، خالية من الكهرباء فيها المصابيح المُدلاّة والسّرُج المحلاّة وحمّالات الشموع. ووجدت فرشاً عربياً غير الفرش الأول، البُسُط والنمارق والوسائد والمتكآت، وليس في الدار كلها كرسي واحد ولا نضد. ووجدت الرجل هو الرجل، ولكن مكان السيكار النارجيلة، وبدل الرطانة بالفرنسية الحديث باللهجة البلدية وسَوْق أعرقِ الأمثال في العامية. وكانت جلسة ساعة، فلما خرجنا قلت لصاحبي: ما هذا؟ قال: هذا جنونه؛ إنه لا يطالع ولا يعمل ويخاف الملل، فهو يتنقّل هذا التنقّل المفاجئ ليشعر بلذة التغيّر ومتعة التجدّد، وينفق على هذا جلّ ماله، فهو ينتقل في البلدان. يعيش في القاهرة حيناً وفي الإسكندرية حيناً، وتارة في أوربا وتارة في الريف. وينتقل في الحالات فهو يوماً شرقي ويوماً غربي، وآناً يعيش عيش الفلاحين يلبس لباسهم ويأكل طعامهم ويأوي إلى مساكنهم، وآناً يحيا حياة لورد من لوردات الإنكليز. ولا يفتأ يبدّل ترتيب الغُرف ونوع الأثاث وطريقة الفراش، فإن كان السرير في غرفة النوم إلى اليمين جعله بعد أيام على الشمال، وإن كانت مائدة الطعام بالطول أقامها بالعرض، فإن ملّ الجديد عاد إلى القديم. قلت: هذا والله من كبار العقلاء. إن العادة -كما يقول علماء

стр. 253

النفس- تُضعّف الحس وتبطل الشعور. إن الموسر الذي يركب الكاديلاك كل يوم، وينام على السرير الفخم، ويأكل على المائدة الحافلة، لا يحسّ لذلك كله بعُشر اللذة التي يحس بها الفقير إذا جرّبه مرة. بل إن الغني ليمل الترف ويشتهي لوناً آخر من ألوان الحياة. خبّرني الشيخ عبد الله أبو الشامات أن أحمد باشا الشمعة (الذي كان وجه دمشق في أيامه) جاءه مرة واشتهى عليه أكلة فول مُدمّس مع البصل على أرض الحديقة. وأنت تعرف مائدة أحمد باشا الشمعة. بل تعالَ قل لي أنت: أما مللت وضع غرفة الاستقبال في بيتك وغرفة النوم؟ أما تشعر بلذة إذا بدلت غرفة بغرفة، وأنزلت هذه اللوحة التي علقتها منذ زواجك من قبل ثلاثين سنة وجئت بغيرها؟ إنها قد تكون لوحة فنية جميلة ولكن ثق أنه لم يبقَ من يشعر بجمالها، لا أنت ولا ضيوفك الذين شبعوا منها وعافوها. أما تحس بحياة جديدة إذا تركت هذه الدار التي تسكنها وانتقلت إلى حيّ جديد تشغل نفسك مدة بدراسة أحواله ومعرفة أهله وكشف أسراره وخفاياه؟ إن التبديلَ والتجديدَ حياةٌ، والجمودَ والركودَ موتٌ. وإن علة الحياة الزوجية خاصة هي الاستمرار وفقد الجديد. وأنا أرى أن يأخذ الرجل الموسر أهله وأولاده ليلة أو ليلتين إلى الفندق يبيتون فيه إذا لم يستطع السفر بهم إلى بلد آخر، ليجد في التجدّد ما يبعث في نفسه وفي أنفسهم الشعور بالحياة، وليكون من ذلك مادة للحديث والتذكّر. المهم هو التبديل، وإلا فلماذا نصطاف في الجبال؟ ما الاصطياف؟ إذا كان فعل ذلك الرجل في تبديل المساكن جنوناً

стр. 254

فكل واحد منا يُجَنّ مرة في السنة حين يذهب إلى الجبال ليصطاف فيها. إن له من وسائل الراحة في بيته وفي بلده ما لا يجد مثله في المصيف، ولكنه حب التبديل. والموظف في الزبداني ينتظر يوم العطلة لينزل إلى دمشق، ونحن في دمشق نرقب يوم العطلة لنذهب إلى الزبداني؛ هو يجد المتعة في دمشق ونحن نجد المتعة في الزبداني، وما اختلفت النفوس ولكنه حب التبديل. والكشافة الذين يتركون القطار المريح والسيارة السريعة، ويحملون أحمالهم ويصعدون الجبال ويؤمون المدن والقرى، يدَعون البيوت وينامون في الخيام، يهجرون الأسرّة ويهجعون على الأرض، إنما يريدون التبديل. بل إن الحج نفسه إنما هو -أولاً- عبادة مفروضة وركن من أركان الإسلام، ثم إنه لون من ألوان التبديل في نمط المعيشة؛ إنه معسكر كشفي تدريبي لا بدّ فيه من تحمّل المشاق والصبر على المتاعب، ولو كانت حجة يمكن أن تخلو من تعب لكانت حجتنا التي حججناها سنة ١٩٥٤، كنا ضيوف الحكومة، النزول في فندق بنك مصر الفخم، والسيارة على الباب، وكل شيء ميَسَّر، وقاسينا مع ذلك من مشاق الزحام في الطواف والسعي والرمي والسهر ليلة منى والامتناع عما يحرم على المحرم ما لا ننساه (١)، كأن تلك المشاق من مقاصد الشريعة في الحج ليكون معسكراً تدريبياً إلزامياً. وإن من أسباب التوفيق في الزواج أن يبتكر فيه الزوجان

стр. 255

أسلوباً للتجديد ودفع الحياة النَمَطية المتشابهة. أعرف رجلاً من أرباب النكتة كان يعد لزوجته كل يوم مفاجأة، فهو يتصيد الأخبار ليقصها عليها، ويخترع من النكات العلمية أنواعاً عجيبة تكون في أولها جداً كالجد ثم تكون مادة للضحك والحديث عنها شهراً. جاء هذا الرجل يوماً فوجد زوجه منفردة في الدار تشكو الملل. وكانت امرأة عاميّة فأحبّ أن يشغلها بشيء، فجعل يلوي وجهه ويظهر الألم فارتاعت وسألته: ما لك؟ قال: لا شيء ... لا تهتمي. قالت: ما لك؟ قل لي ممَّ تتألم؟ قال: لا أدري، رجلي كلها، أحسّ كأن النار تمشي فيها. وجعل يفتش ويتحسس رجله كأنه يفتش عن موضع الألم حتى اهتدى إليه فقال: ها هو ذا، إنه هنا في خنصر رجلي، إنها علة مخيفة قرأت عنها. إن خنصر رجلي مغموس في اللحم. ولم تنتبه المسكينة -من خوفها عليه- إلى أن كل خنصر مغموس في اللحم، وانطلقت إلى الهاتف لتدعو الطبيب. فقال: لا، لا، فتشي في الدليل عن طبيب مختص بمرض الخناصر. وأمضى في ذلك نصف ساعة. ثم ضحك فعرفت النكتة وصارت لها مثاراً للضحك ومادة تحدّث بها جاراتها. وأنا لا أطلب من كل زوج أن يمثل مثل هذه الرواية السخيفة، بل أريد من الأزواج أن يعلموا أن من أكبر أسباب الشقاق بين الزوجين هذه الحياة الراكدة التي تمر أيامها متشابهة متماثلة، كل يوم مثل أمسه وشبه غده، وكل شيء فيها لا يتبدّل،

стр. 256

توزيع الغرف ووضع الأثاث وألوان الطعام وأسلوب الأكل. وما أدري ما الذي يمنع أن نأخذ الحكمة من هذا المجنون، فنعمد أبداً إلى التغيير والتبديل الذي تحتمله أموالنا ولا تسوء به أحوالنا؛ فتذهب الزوجة إلى دار أهلها فتقضي فيها أياماً ويبقى الرجل وحيداً يعالج أمره بنفسه، أو يكون ضيفاً معها عند أهلها فيجد من تبدّل الحال ما يجدد نشاطه ويشحذ شعوره، ثم يدعو أهل المرأة ليقضوا عنده أياماً مثلها. أو يأخذ زوجه وأولاده فيأكلوا يوماً في المطعم، أو يحملوا الطعام فيتعشّوا على صخرة في الجبل أو عند ساقية في البستان. ولست أريد هذا بالذات، بل أضرب الأمثال على ما يمكن به دفع الملل وتجديد أسلوب العيش. وما أدري أجئت بشيء معقول أم أنا لا أزال في جو المجنون الذي زرته، فأنا لذلك أتكلّم كلام المجانين! * * *

стр. 257

موضوع إنشاء نُشرت سنة ١٩٣٤ احسبوا معي يا قرّائي الأعزاء؛ لأني -كما تعلمون أو كما لا تعلمون- لا أحسن الحساب ولا أعلم أن خمسة وستة ثلاثة عشر إلاّ بعد ساعة كاملة أقضيها في حل هذه المسألة ... وربما خرجت بعد هذا التفكير ومعي فيها قولان: فهي على قول اثنا عشر، وعلى قول هذه الثلاثة عشر المشؤومة، واللهُ أعلم بالصحيح. احسبوا معي يا سادة: مئتان وخمسون ورقة، في كل ورقة خمسة حمير وخمسة أفراس، فكم هو الحاصل؟ لست أدريه على التحقيق، ولكنه -من غير شك- أكثر من ألف حمار وألف فرس! وليست هذه الدواب في إصطبل ولا في خان ولا في مزرعة، ولكنها في ... رأسي ولا مؤاخذة! نعم، في رأسي؛ فقد دعوني إلى لجنة الفحص وجعلوا موضوع الإنشاء حواراً بين حمار وفرس (١)، وأرادوني وأرادوا زملائي الكرام على قراءة مئتين وخمسين مقالة في هذا الموضوع

стр. 258

«الحماري»، فجعلوني أحسّ أنّ في رأسي ألف حمار وألف فرس تتعادى وتترافس وتصهل وتنهق، وتضرب بأرجلها جوانب رأسي وتدخل في أذني وأنفي، وأراها في أحلامي طائرة من حولي تضاحكني وتباسطني بنهيق من نغم الصبا الحماري أو بعناق على الطريقة الحمارية. ولست ألوم في اختيار هذا الموضوع لأنهم أكّدوا لي أن الموظف لا يحقّ له أن يلوم رؤساءه ولو بدا له أن هذا اللوم حق، ولكني أقول إن هذا الموضوع لم يعجبني. ولا يعنيهم أن يعجبني أو لا يعجبني ما دمت -في نظر القانون- لا يمكن أن أفهم شيئاً في هذا الباب لأني معلّم ألف باء تاء ثاء ... في مدرسة زاكية الحورانية! وأقول إنه أضحكني كثيراً وأضحك زملائي أنّ أحد الطلاب كان رقيقاً أكثر من اللازم فجعل الفرس والحمار يتعاتبان عتاباً رقيقاً، ثم يعتذر أحدهما للآخر ويصافحه ويعانقه ويقدّم له «بردوناً» حمارياً ... وأنّ أحد الطلاب كان سمجاً أكثر من اللازم فجعل بين الحمار والفرس حواراً أودع فيه كل ما يعرف من ألفاظ السباب والشتائم البلدية موجهة إلى حضرات الأساتذة الكرام أعضاء اللجنة وحجّته بأن الحمار رفس الفرس فقتله ... وأنّ أحد الطلاب أراد أن يتفاصح فجعل الفرس الأصيلة فرساً «قصيلة» ولها «يدتان» و «رجلتان» و «عينتان»! * * * لا ألوم أحداً، ولكني كتبت لأتنفّس الصعداء بعد هذا العناء الطويل والبلاء المستطيل، ولأهنئ إخواني الطلاب لا بنجاحهم وحملهم الشهادة (فليس هذا بالأمر المهم، وليس يعنيني كثيراً

стр. 259

أن تزيد قائمة المغترين مئة اسم أو مئتين) ولكني أهنئهم بأنهم لا يزالون تلاميذ، لا يعرفون -بعدُ- ما هو عناء الفحص. والتلميذ يوم الفحص يحسب أنه وحده الخائف الحذر، في حين أن هؤلاء التلاميذ الكبار، هؤلاء الفاحصين، أشدّ منه خوفاً وحذراً. هو يخاف من السّقوط، والسقوط أمر تافه ما دام التلميذ قد حفظ دروسه وقام بالواجب عليه، وهم يخافون من الظلم، والظلم أمر خطير لا يستطيع الرجل الشريف أن يُقدِم عليه. والتلميذ يكتب ورقة واحدة، يصبّ فيها ما شاء من هراء وهَذَيان، ثم يذهب إلى بيته فيؤمن ويؤمن أبوه وأمه أنه قد أجاد وأحسن وبذّ الكاتبين، وهم مجبورون على قراءة هذه الأوراق كلها وحشو أدمغتهم بهذا الهراء وهذا الهذيان وفهمه وإدراكه، وتقديره بعلامة من علامات الامتحان. وهو إذا سقط يزعم ويزعم أهله أنه قد ظُلم وأن الفاحصين قد تحاملوا عليه وانتقموا منه، وهم إذا أسقطوا تلميذاً سقطت عليهم اللعنات والشتائم ورُفعت أكفّ العجائز في ظلمة الليل تدعو الله أن ينتقم "ممن كان سبب سقوطك يا ولدي، الله يخرب بيته، الله يعدمه أولاده، الله يبعث له العمى والكساح"! أي أن جزاء هذا الفاحص المسكين، الذي أجهد نفسه وأتعب ضميره وأضاع وقته، أن يخرب بيته فيبقى في الشارع، ويموت أولاده فيغدو منفرداً ثاكلاً حزيناً، ويذهب بصره فلا يعرف عدواً من صديق ولا يعرف أين الطريق، ويصبح مُقعَداً لا يقدر على حِراك ... والغريب أن هذا السخف لم يختص به العجائز، بل تجاوزهم إلى مدير مدرسة بيني وبينه بعض الجفاء وتلاميذه مقصرون جداً

стр. 260

فسقطوا في الفحص، فلم يرَ سبيلاً إلى ستر تقصيرهم وإخفاء عجزهم إلاّ بأن ينسب إليّ الخطأ. وأغرب من هذا أن كثيراً من أصدقائي قد سألوني أن أضمن لهم نجاح طائفة من الطلاب، ولم يروا في هذا بأساً، وغضبوا حين لم ينجح هؤلاء الطلاب ... مع أنني أحقّ بالغضب منهم وأولى أن أثور لكرامتي التي يعبثون بها بهذا الطلب الذي لا يختلف في شيء عن قولهم لي لو قالوا: أنت رجل خائن قد تعوّدت الخيانة، فنرجو أن تخون أمانتك هذه المرة أيضاً من أجل خاطرنا! على أن الذي جرأ الناس على هذه الطلبات وعوّدهم عليها هو إصغاء بعض المعلمين ومن بيدهم أمر الفحص إليها، واستجابتهم لها. ولو رفضوها واستنكروها وغضبوا منها لتراجَع الناس وفهموا أن المعلم ليس لصاً ولا خائناً، ولا يختصّ زيداً بالخير ولا عَمْراً بالشر، ولو اضطرته إلى ذلك الصداقة المتينة أو العداء الأكيد. والخلاصة أني أحمد الله على نجاتي من هذا العناء وعلى عودتي إلى نفسي وهدوئي ومطالعاتي، وأرجو أن تكون هذه آخرَ مرة أُدعى فيها إلى مثل هذا العناء. وأحسب أنهم لن يدْعوني كرّة أخرى، وأحسبني قد أتعبتهم كما أتعبوني. * * * وبعد، فإني أحمد الله على انتهاء هذه المفازة الامتحانية، وأُهنّئ من فاز من الطلاّب، وأرجو لمن سقط نجاحاً قريباً، وليغفر الله لمن ملأ رؤوسنا خيلاً وحميراً. * * *

стр. 261

من عبث التلاميذ نُشرت سنة ١٩٣٤ كنت في الصف وكان موضوع الدرس شيئاً لا نعرف نحن معشر المعلمين، ولا يعرف من هم فوقنا، مدلوله إلاّ بالتقريب؛ ذلك الشيء الذي يحويه ثبت الدروس الرسمية ويُهمل في الواقع، هو ... «المحادثة». وقد زعمتُ مرة أني فهمت موضوع هذا الدرس وافترضت أني مجنون حقيقة (إذ إن كل معلم مجنونٌ مجازاً ولا مؤاخذة ... جنون عبقرية لا جنون مارستان)، ورحت أتحدّث أنا وتلاميذي؛ أسخر منهم ويسخرون مني، وأسألهم ويسألونني. ولِمَ لا؟ أليس الدرس درس محادثة؟ هَلُمّ فلنتحدّث! سألتهم: ماذا يختار كل واحد منهم من المهن إذا هو بلغ مقبل أيامه وصار رجلاً (أعني بحسب الظاهر)؟ وهذا السؤال -على ما فيه من سخف بَيِّن- شائعٌ فينا معشر المعلمين، نلقيه في أوجه التلاميذ كلما لاحت لنا مناسبة أو أخرجنا هذه المناسبة من جيوبنا! فقال واحد منهم: أما أنا فأريد أن أكون مختاراً (أي عمدة). حسن، إن المختارية (العمودية) غاية ما يطمح إليه تلميذ

стр. 262

في قرية، وهذه همة عالية ولا شك. ولكني أحببت (أو أن موقفي اقتضى) أن أسأله: لماذا؟ فارتبك ساعة ثم قال (والعبارات كلها مترجَمة من لغات الأطفال التي لا يفهمها إلاّ نحن إلى اللغة العامة): إن المختار ينال المال بلا تعب ولا مشقة، فليس عليه إلاّ أن يختم بخاتمه كل ما يعرض عليه. - لا؛ ليس كل ما يعرض عليه. قد يعرض عليه أشياء مخالفة للقانون. - نعم يا سيدي، ولكنه يختمها إذا أجزلوا له الأجر. - لا، لا. إن القانون يمنعه. - والله العظيم يختمها. لقد ختم لـ (فلان) بعد أن أخذ منه ورقتين (١). - اسكت، لا تذكر أسماء ... أقول لك إن هذا لا يكون وإن ختمه لا يُقبل. - كيف لا يُقبل؟ إن أبي يقول إن الحكومة تقبل ختم المختار في كل شيء وتعد كل ما شهد به حقاً وكل حق لم يشهد به باطلاً. - هذا لا يهمنا ... أنت إذن تريد أن تكون مختاراً. سأعود للكلام معك، وأنت؟ تكلّم.

стр. 263

- أنا أريد أن أكون دَرَكياً (١). - وأي شيء يعجبك في الدركي؟ - أعجبني أنه فوق المختار؛ يأمره أمراً ويدعوه إليه متى شاء، وينزل به هو وأصحابه وفرسه وأفراس أصحابه، فيأكلون ويشربون ويقيمون ما طاب لهم المقام، والمختار لا يستطيع أن يعارض في شيء. ثم إن الدركي هو الحاكم المطلق في القرى لا قوة فوق قوته، يحترمه الناس ويقومون له إذا جاز بهم، وإلاّ وجد سبيلاً إلى اتهامهم بتهمة من التهم وتقطيع أرجلهم بالضرب. - إن ضرب المتهمين ممنوع. اسكتوا، لماذا الصياح؟ ليتكلم أحدكم، قل أنت. - إنهم يضربون يا أستاذ، يضربون حتى الأبرياء، أقسم بالله. - لا تقسم. - يضربون، لم يمنعهم أحد. وقد سمعت دركياً يقول: إن هذا المعلم متكبّر، وإن شاء الله سأرميه في ورطة. فأسررتها في نفسي وقلت: خرجتَ عن الموضوع ... يكفي. مَن منكم يريد أن يكون معلّماً؟ معلم ... لا أحد؟ ويحكم، لماذا؟ نعم، قل.

стр. 264

فقال ما معناه: لأن المعلم يُتعب نفسه فلا يعلم بتعبه أحد ولا يجزيه خيراً، ويُقذَف به إلى أنحس القرى ولو كان أحسن معلم (١) فلا يحس به أحد ولا يُرثى له، وينظر إليه الناس نظرة ليس فيها من الاحترام ما يكون للجابي أو الدركي. وقد قال أبو فارس إن الجابي يستطيع أن يعزل المعلم. - إن هذا كذب. إن المعلمين أشرفُ الناس وأحسنهم أخلاقاً و ... - دائماً يا سيدي؟ - دائماً، طبعاً. - كيف إذن يكون في «...» معلّم ليس أحسن الناس أخلاقاً، ولكنه ... - اسكت، قليل الأدب. وقُرع الجرس، فانتهى الدرس وانتهت القصة. * * *

стр. 265

إلى لبنان (١) نُشرت سنة ١٩٣٧ لقيني الأستاذ عز الدين التنوخي (وكنت قادماً من سفر) فقال لي: هَلُمّ! قلت: إلى أين؟ قال: إلى الجبل، نزور أمير البيان ورجل الإسلام، شكيب أرسلان. قلت: ما أعدل والله بزيارته شيئاً، ولكني آتٍ من سفر ولم أبلغ داري. قال: اطمئن، فإن الدار في محلها لم تَطِرْ، وما عليك أن تراها غداً؟ قلت: صحيح. وسرت معه. ولم أعد أرى السفر شيئاً، لأني أصبحت -في هذه السنين الأواخر- كذلك الذي كان «موكَلاً بفضاء الله

стр. 266

يذرعه»؛ فلا أكاد ألقي عصا التسيار وأحط الرحال من سفر حتى أتهيأ لآخر (١)؛ أطوّف ما أطوّف ثم آوي إلى هذه الغرفة الصغيرة، أجلس بين ركام الكتب أحسب ما كسبته من هذا العناء الطويل، فلا أجدني كسبت إلا صورة في الذاكرة أضمها إلى صورة، وذكرى في النفس أقرنها بذكرى، وصفحة في دفتري أضيفها إلى صفحة؛ أسعد بتدوينها وأسرّ ببقائها، وإن كنت لا أدوّن إلا الأقل مما أراه وأشعر به ولا أذكر إلا التافه مما يمر بي، وإن كنت أعلم أن صور الذاكرة إلى امّحاء وذكريات النفس إلى ضياع وقصص الدفتر إلى السكين والنار، لا يزهّدني ذلك فيها ولا يصرفني عنها، لعلمي أن الحياة نفسها ستموت والوجود سيعدم، ولا يبقى في الوجود إلا الموجد. * * *

стр. 267

وكنا خمسة في السيارة: الأستاذ التنوخي، والأستاذ الشيخ بهجة البيطار، والأستاذ الشيخ بهجة الأثري، والشيخ ياسين الرواف، معتمد المملكة السعودية في دمشق سابقاً، وأنا. خرجنا من دمشق مع الغروب. وكان اليوم جمعة، وكانت ليلة قمراء، فسالت الطرق بالدمشقيين -على عادتهم في مثل هذه الليالي- فامتلأت جوانب بردى، والمرجة الخضراء، والربوة، ووادي الشاذروان (أجمل أودية الدنيا وأحلاها) بخير الفتيان وأجمل الفتيات وأحلى الأطفال؛ فلم يكن أمتع للعين ولا أشهى للقلب من ذلك المشهد. فسرنا في هذا العالم الساحر مترفّقين متمهلين، لأننا لا نمشي في طريق وإنما نمشي في بحر من العيون والقلوب والمفاتن جمع كل جميل بارع أخّاذ، حتى بلغنا دمّر: والحور في دمّر أو حول هامتها ... حورٌ كَوَاشفُ عن ساق وولدان (١) فوقفنا نمتع الأنظار بحَوْرِها وحُورِها وشموسها وبدورها، وأنت مهما عرفت دمشق لا تزال ترى فيها أبداً جمالاً تجهله ولا تعرفه، ففي كل يوم جمال جديد وفي كل مكان فتنة جديدة؛ فلا تدري أين تقف وماذا تنظر وأياً تفضل: أوادي الشاذروان، أم جنائن الغوطة، أم جبال بلودان، أم عين الخضراء، أم سهول الزبداني، أم العيون التي لا يحصيها عدد؟

стр. 268

سقى اللهُ ما تحوي دمشقُ وحيّاها ... فما أطيبَ اللذّاتِ فيها وأهناها نزلنا بها واستوقفَتْنا محاسِنٌ ... يَحِنّ إليها كلُّ قلبٍ ويهواها لبسنا بها عَيشاً رقيقاً رِداؤه ... ونلنا بها من صفوةِ اللهو أعلاها سلامٌ على تلك المعاهد إنها ... مَحَطُّ صَباباتِ النفوس ومثواها رعى الله أياماً تَقَضَّتْ بقُربها ... فما كان أحلاها لديها وأَمْرَاها (١) * * * خلّينا الهامة وجُمرايا، بلدة ابن واسانة (٢)، والوادي كله عن أيماننا، وأسندنا إلى الجبل نستقبل الصحراء إلى ميسلون؛ بلاط شهدائنا، ومشهد أبطالنا، ومبدأ تاريخنا الحديث، ومثوى الأسد الرابض يوسف العظمة، الذي وقف هو وأشبال دمشق العُزّل الأقلاّء في وجه ثاني دولة قوية ظافرة، فما ضعفوا ولا استكانوا ولا جبنوا، وما زالوا يقاتلون ويدافعون عن العرين ثابتين ما ثبتت الروح في أجسامهم حتى أعجزهم أن يعيشوا أشرافاً فماتوا أشرافاً؛ فكان موتهم حياة لهذه الأمة التي حفظت العهد وحملت الأمانة، وكانت قبورهم مناراً أحمر في طريق هذا الشعب المجاهد المستميت الذي لن يقف أو يتباطأ حتى يأخذ «الكل» الذي «أعطى» الآن (٣) «بعضاً» منه، ولن ينام حتى يرى هذه

стр. 269

الصحراء قد آضت جنّات ألفافاً، تحمل الزهر الذي لا يُسقى إلا بالماء الأحمر الملتهب تحمل أزهار الحرية. سيبقى هذا اللحد لتمرّ عليه الأجيال الآتية، الأجيال الحرة العزيزة، فتذكر جهاد أسلافنا وتعرف الثمن الذي دفعوه، ولتعلم أن القوة إن غَلبت الحق حيناً فإن الحق يصنع القوة التي يغلب بها دائماً. سأذكر ما حييت جدار قبر ... بظاهر جلَّق ركب الرمالا (١) مقيمٌ ما أقامت ميسلون ... يذكر مصرع الأُسْدِ الشِّبالا تغيّبَ عظمةُ العظَمات فيه ... وأوّلُ سيّدٍ يلقى النِّبالا مشى ومشت فيالِقُ من فرنسا ... تجُرُّ مَطَارِفَ الظَّفَر اختيالا أقام نهارَهُ يَلقى ويُلقى ... فلمّا زالَ قُرصُ الشّمسِ زالا فكُفِّنَ بالصّوارِمِ والعَوالي ... ووُسِّدَ حيثُ جالَ وحيثُ صالا إذا مرّتْ به الأجيالُ تترى ... سمعتَ لها أزيزاً وابتهالا (٢) * * * ثم أخذت السيارة تصعد بنا في مسالك ملتوية مستديرة تزيغ الأبصار من استدارتها وعلوها، حتى إذا ظننا أننا بلغنا قُنّة الجبل تكشّفت لنا قُنَن (٣)، فإذا نحن لا نزال في الحضيض. وما فتئنا نعلو

стр. 270

ونتسلق وندور حتى حاذينا بلودان، درة المصايف الشامية، وبدا لنا فندقها الفخم الذي بنته الحكومة ليملأ الخزانةَ مالاً والجيوبَ ذهباً، فملأ النفوسَ فساداً والأخلاقَ انحطاطاً، لما أنشؤوا فيه من بلايا وطامات زعموها حضارة ورقياً! ثم عدنا نهبط، وهذه سنة الحياة: «ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع»، ولا علا رجل إلا هبط، إلا رجلاً علا بعلمه وبأخلاقه ومواهبه، فذاك الذي لا يهبط أبداً بل يزداد رفعة، لأن علمه لن يُنسى وأخلاقَه لن تذهب ومواهبَه لن تضيع، أما من علا على قوائم الكرسي وأعناق الشعب فأَحْرِ به أن يسقط مهما استمر علوُّه وطال بقاؤه. أقول: إننا ما زلنا نهبط حتى انتهينا إلى سهل البقاع الخصب الأفيَح الجميل، الذي يفصل لبناننا «الشرقي» الأجرد المهيب الرهيب، الذي ادّرع المهابة واتّشح بوشاح الخلود، ولاحت عليه سمات الجلال والجد والوقار، ولبنانهم «الغربي» المرح الفرح الأخضر الجميل، الذي اتّزر بالسحر وارتدى رداء الشعر. وكلاهما أخّاذ فاتن، ولكن الأول جليل والثاني جميل، والجنات الخالدات والفراديس الباقيات في دمشق، على سفح لبنان الشرقي ... قال شوقي: نُبِّئْتُ لبنانُ جنّاتُ الخلود وما ... نُبّئتُ أنّ طريقَ الخُلدِ لبنانُ وأنت حين يحتويك لبنان الغربي تحسّ بجماله وروعته، ولكنك تشعر أنك أنت له وأنك جزء منه، ولكنك تحس حين تكون في لبناننا أنه هو لك وأنه جزء منك، وشتان بين ما تكون

стр. 271

أنت في قلبه وما يكون هو في قلبك. وأنت حين تكون في لبنان الغربي تجد يد الإنسان لم تُبقِ من جمال الطبيعة إلا قليلاً، وتجد ما تجد أكثره في المدن الكبرى، ولكنك حين تكون في لبنان الشرقي تجد الطبيعة الحلوة الفاتنة التي لم تبدلها يد الإنسان، وإنما أحاطتها بإطار يحفظها ويظهر جمالها. ثم إن الجبلين كانا جبلاً واحداً صدعته حوادث أرضية (جيولوجية) من زمن قديم، والأمتين فيهما أمة واحدة، ولكنك واجد في هذه المسافة التي لا تتجاوز الساعتين جمهوريتين مختلفتين وعَلَمين متباينين، وحدوداً كحدود ألمانيا وفرنسا. ألقاب مملكة ... وسبحان خالق الهر وخالق الأسد، وخالق كل شيء! * * * وأنخنا رواحلنا (أعني وَقَفنا سيارتنا، ولم يكن معنا رَواحلُ ولا رِحال) في شتورة، عروس السهل، نستريح فيها قليلاً قبل أن نتسلق بالسيارة الجبل الذي لا تبلغ الطير ذراه. وإذا أنت شئت أن تتصور مبلغ ما نعلو فتصور شارعاً طوله قرابة كيلين اثنين، قد وقف على رأسه وكنت أنت فوقه تطل على الدنيا من علٍ! علونا في جبال شَجْراء ضاحكة، نجتاز القرى المتناثرة على السفوح والذرى، ونرى الينابيع تتدفق من أعالي الصخور وتسيل في بطون الأودية حالمة سكرى. وما زلنا في علو ولفّ ودوران حتى بلغنا «ظهر البيدر» حيث صرنا فوق السحاب، لا على المجاز أو المبالغة -كما يقول الشعراء- بل على الحقيقة التي

стр. 272

يشاهدها الناس كلهم؛ فقد كان السحاب يمس الذرى التي تحتنا ويلفح وجوهنا ويحجب عنا السهل والسفوح. وكنا نعلو عليه أحياناً فلا يبلغنا ولا يمسنا، ونراه يمر من تحتنا أشبه شيء بالغبار الأبيض تحمله الريح، حتى درنا تلك الدورة الكبيرة وأشرفنا على وادي «صوفر-حمّانا» العظيم، أوسع أودية لبنان وأجملها، وقد ازدهى بالصنوبر وانتثرت على سفوحه عشرات القرى ولاحت مبانيها العظيمة وقصورها الشُّم. والرّوابي توسّدَتْ راحةَ السّحـ ... ـبِ ونامت على وشاحٍ مُرقَّقْ والذُّرى البيضُ في العَلاءِ نسورٌ ... حوَّمَتْ تكشِفُ الخَفيَّ المُغَلَّقْ نَشَرتْ في الفضاء أَجْنُحَهَا الزّه ... ـرُ فأسْنَى بها الوجودُ وأشْرَقْ والقُرى غَلْغَلَتْ بأخبِيَةِ الغَيْـ ... ـبِ وضاعت بين الغَمَامِ المُنَمَّقْ واليَنابيعُ ضاحِكاتٌ من الزَّهـ ... ـوِ تَرَامَى فيها السَّنَا وتَألَّقْ وتراءَى البحرُ البَعيدُ كحُلْمٍ ... مُبْهَمٍ راجِفِ الخَيالِ مُلَفَّقْ سرقَتْهُ السّماءُ في الأفُقِ النّائي ... فَمَنْ أبصَرَ الخِضَمّاتِ (١) تُسْرَقْ؟ (٢) * * * تمر على الإنسان ساعات، بل لحظات، ينسى فيها هذا العالَم المادي وهذه الحياة القصيرة الناقصة، ويحس كأنه يعيش بنفسه حياة أكمل وأجمل، تخالط نفسَه مشاعرُ لا عهد له بها ولا يقدر على وصفها، وتغمر قلبَه لذّةٌ لا يعرف أي شيء هي،

стр. 273

فيشعر أنه انتقل إلى عالم سحري جني عجيب، كهذه اللحظات التي تمر علينا في غمرة التأمل النفسي، أو في نشوة الحب، أو حين الاستغراق في العبادة والمناجاة. هذه هي اللحظات التي تمرّ عليك حين تشرف على وادي «صوفر-حمّانا» أو تجلس في الشاغور أو تصعد إلى عين الصحة في فالوغا. لست أريد الدعاية للبنان، وما لبنان في حاجة إلى دعاية، وما في لبنان سرير في فندق أو غرفة في دار إلاّ وقد امتلأت، حتى إننا لم نجد في صوفر (وقد وصلناها ليلاً) مكاناً نبيت فيه، وكلما دخلنا فندقاً خرجنا منه بخفي صاحبنا حنين الإسكاف ... حتى قادنا المطاف إلى فندق لطيف معتزل قاعد في منتصف الطريق بين صوفر وبحمدون، ولم يكن بعده فندق نأوي إليه. فتعلقنا بصاحبه وتوسلنا إليه وأطمعناه حتى رضي أن يعد لنا مكاناً في الردهة (الصالون) فقبلنا، ووُضعت سرر صغار كسرر الجند وطلبة المدارس الداخلية جاء بها من بيته، فحمدنا الله عليها. * * * ولما دخلنا (الأوتيل): عمامتان عاليتان على رأسَي البهجتين، بهجة العراق وبهجة الشام، وعقال نجدي فخم على هامة أمير من أمراء نجد، ونحن الاثنان «المُطربَشان»، الأستاذ عز الدين وأنا، تعلقت بنا الأنظار ودارت حولنا الأبصار، وحفّ بنا شباب يسلمون علينا، فقلنا: وعليكم السلام يا إخواننا. فما راعنا إلا أنهم ضحكوا وضحك الحاضرون، فقلت لأحدهم: من فضلك قل لي، لماذا تضحك؟ هل تجد في هيئتي

стр. 274

ما يضحك يا سيدي؟ فازداد الخبيث ضحكاً، فهممت به فوثب الحاضرون وقالوا: يا للعجب! أتضرب فتاة؟ وإذا هي «فتاة» بثياب الرجال! وفررنا ونحن مستحيون نحاول ألاّ نعيدها كرّة أخرى. ولما خرجت في الليل لمحت في طريقي واحدة من هؤلاء النسوة فحيتني، فقلت لها: مساء الخير يا مدموازيل. فقالت: مادموازيل إيش يا وقح؟ قلت في نفسي: إنها متزوجة، وقد ساءها أن دعوتها بالمدموازيل (الآنسة)، وأسرعت فتداركت الخطأ وقلت: بردون مدام. قالت: مدام في عينك قليل الأدب، بأي حق تمزح معي؟ أنا (فلان) المحامي. قلت: بردون، بردون! ووليت هارباً، فذهبت إلى صاحب (الأوتيل) فرجوته أن يعمل لنا طريقة للتفريق بين الرجل والمرأة، فدُهش مني ووجم لحظة، ثم قدّر أني أمزح فانطلق ضاحكاً. قلت: إني لا أمزح ولكني أقول الجِدّ. وقصصت عليه القصة. قال: وماذا نعمل؟

стр. 275

قلت: لوحات صغيرة مثلاً من النحاس، كالتي توضع على السيارات لبيان رقمها أو على الدراجات ... يُكتب عليها «رجل» أو «امرأة»، تُعلَّق في الصدر تحت الثدي الأيسر، أو تُتّخَذ حلية من الذهب أو الفضة عليها صورة ديك مثلاً ودجاجة، أو ... أو شاة وخروف أو شيء آخر من علامات التذكير والتأنيث ... فراقه اقتراحي وقبله على أنه نكتة، ولكنه لم يفكّر بالعمل به لأنه لم يجد حاجة إلى هذا التفريق ما دام المذهب الجديد يقول بمساواة الجنسين! * * * ولم نُطل الإقامة في صوفر لأننا لم نجد الأمير فعدنا أدراجنا إلى دمشق، نحمد الله على أننا لا نزال نعيش في بلد فيه النساء نساء والرجال رجال (١). * * *

стр. 276

إلى القرّاء الكرام لقد بذلتُ في تصحيح هذا الكتاب غايةَ ما استطعت من الجهد، لكنّي لا آمَنُ أن يكون فيه خطأ سهوتُ عنه، لأن الكمال ليس لأحد من البشر، إنما هو من صفات خالق البشر. فأرجو أن يَمُنّ عليّ قارئه (وقارئ سائر كتب جدّي التي صحّحتُها وأعدت إخراجها من قريب) فينبّهني إلى أي خطأ سهوت عنه لكي أتداركه في الطبعات الآتيات، وأنا أشكره وأدعو له اللهَ بأن يجزل له الأجر والثواب. مجاهد مأمون ديرانية mujahed@al-ajyal.com

стр. 277

المحتويات مقدمة الطبعة الثالثة ٥ أحسن كما أحسن الله إليك ٧ حديث عن دمشق ١٥ رمضان ٢٣ مزعجات رمضان ٣١ أين أرباب الأقلام؟ ٣٧ نحن المذنبون ٤٥ كل شيء للناس ٥١ لا تؤجِّلْ ٥٧ الحبّ والزواج ٦٥ السنّ المناسبة للزواج ٧١ طريق السعادة ٧٥ لصوص الوقت ٨٥ الوظيفة والموظَّفون ٩١ الوعد الشرقي ٩٧ شغِّلوا الطلاّب في عطلة الصّيف ١٠٥ مشكلة الزواج ١١١ أسباب المشكلة ١١٩ إبراهيم بك هنانو قال لي ١٢٧ من حديث المزعجات ١٣٥

стр. 278

في الفندق ١٤٣ بين المعلّم والتلميذ ١٤٩ إلى الطلاّب ١٥٣ الوصايا ١٦١ نساؤنا ونساء الإفرنج ١٦٩ صناعة «المَشْيَخَة» ١٧٧ هذا نذير للناس ١٨٣ هذا هو الدواء ١٩٥ الإذاعات العربية ٢٠٧ صور دمشقية سوداء من ربع قرن ٢١٥ رسالة ٢٢١ صور من تاريخنا العلمي ٢٢٩ الطلاّب والعطلة ٢٤٣ في الزواج ٢٥١ حديث العيد ٢٥٩ مجنون ٢٦٧ موضوع إنشاء ٢٧٥ من عبث التلاميذ ٢٧٩ إلى لبنان ٢٨٣