فماذا يصنع الشاب في هذه المحنة؟ وكيف يغفل الآباء عن هذا البلاء؟
لو سمع الأب أن في هذا البلد الذي يبعث إليه بابنه وباءً فتاكاً وأن (احتمال) إصابة ولده به واحد في الألف لما أرسله إليه ولو كان فيه علم الأولين والآخرين، فكيف يرسله إلى بلد (احتمال) إصابته فيه بخلقه، وتفريطه فيه بعفافه، وتهاونه فيه بدينه تسعمئة وتسع وتسعون في الألف؟
لقد حدثني الأستاذ الشيخ مصطفى السباعي عما رآه في أوربا لما ذهب إليها للتداوي (شفاه الله وأتم عليه نعمة العافية) (١) فسمعت والله شيئاً أعجب من العجب، وأيقنت أنه لو امتُحن العجوز (٢) العابد بما يمتحن به شبابنا هناك لخيف عليه والله السقوط.
ذلك لأن النفس البشرية مفطورة على ابتغاء اللذة وقصد الراحة وترك العناء، ميالة إلى الانطلاق، ولأن الانحدار إلى المعصية أهون من التسامي إلى الطاعة؛ كالماء أَفْلِتْه يتحدّرْ إلى قرارة الوادي، وأَصْعِده لا يصعد إلا بمضخة، لذلك قلَّ في الناس الطائعون وكَثُرَ العاصون، وكثرت جرائدهم ومجلاتهم وأماكنهم ووسائلهم إلى ما هم فيه. إن الرجل الفاسد يلوّح للشاب الصالح بالجميلات وما يقدّر من اللذة بقربهن، والخمر
стр. 212
وما يتوهم من اللذة بشربها، والقمار وما يؤمل من الربح بتعاطيه، ويأخذه إلى المراقص والمشارب وكل مكان لذة فيفسده. فإلى أين -لعمري- يأخذه الرجلُ الصالح ليصلحه، وما الذي يغريه به إلا أن يعده للآخرة الغائبة بدلاً من الدنيا الحاضرة؟ وذلك مطلب عال لا يصعد إليه إلا بجهد دونه جهد السجن والضرب والقتال. لذلك جعل الله هذه المنزلة لمن يؤمن بالغيب وكرر الثناء عليه في القرآن، ولذلك أخبر النبي ﷺ بأن سبعة يظلّهم الله بظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، يوم الحشر للحساب، منهم الشاب الذي نشأ في طاعة الله وقاوم مغريات الشباب، ومنهم رجل دعته امرأة ذات جمال حتى إذا تمكن منها ذكر الله فقام عنها.
* * *
إن سفر الشاب وحده إلى أوربا خطر مؤكد، ولكن الآباء لا ينتبهون إليه ولا يفكرون فيه.
إنهم يربون الولد على العفاف ويحمونه من فتنة النساء، حتى إذا ما ظنوا أنه استقام وصلح، ووطّن نفسه على العفة والتقى، وطوى جوانحه على مثل النار الآكلة من لذع الشهوة، نقلوه إلى بلد كل شيء فيه مباح، الفتن فيه تحف به من كل جانب، وقد زالت الموانع وسقطت الحدود، فليس دون المعصية حد، لا حد الدين في بلد لا يدين بدين الإسلام، ولا حد العار في بلد لا يرى العار عاراً.
فهلا فكر الآباء في مصير أولادهم حين يبعثون بهم ليدرسوا في ديار الغرب؟
стр. 213
وبعد، فقد ذهبت -أنت يا أخي- وقُضي الأمر، فاجعل خوف الله بين عينيك، وتصور دائماً ذهاب لذة المعصية وبقاء عقابها، وذهاب ألم الصبر عنها وبقاء الثواب عليه.
واسأل الله العون واستمد منه القوة، والسلام عليك ورحمة الله، وأستودع الله دينك وخلقك.
* * *
стр. 214
صور من تاريخنا العلمي
نشرت سنة ١٩٥٩
هذه صور من تواريخ علمائنا، أبعث بها إليكم وحدها لا أبعث معها بتعليق ولا بيان، ولتحدثكم هي حديثها ولتعلقوا أنتم عليها، ولتذكركم بأشباهها أو بأضدادها من سير من تعرفون، فتكون كالمعيار لهم والمقياس لأخلاقهم، ولتكون كالصنجات في موازين حكمكم عليهم، ترجح بها كفة قوم وتطيش كفة آخرين.
ولو أخذت هذه الصور من تواريخ الصدر الأول والقرون الماضية، حيث الدين غضٌّ والزمان مقبل والعلم في شبابه يتوثب من النشاط ويتفجر بالقوة، لرأيتم والله عجباً من العجب، وعندي من ذلك الكثير. ولكني آثرت أن آخذها من الأمس القريب، والعلم في كهولته يمشي مشية العاجز، يتلمس الجدران ويقارب الخطو، لا يستطيع أن يجانب الطريق المسلوكة خشية أن يتعثر أو يضل، لتروا أن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة، وأن أمة محمد إلى خير، وأنها لا تزال طائفة منهم على الحق إلى قيام الساعة.
стр. 215
-١ -
نحن في صحن الجامع الأزهر في مصر، بعد المغرب، وكان شيخ الأزهر الرجل العظيم بعلمه، العظيم بمنصبه، الشيخ الباجوري (المؤلف المشهور) (١) وقد قعد على عادته كل عشية وأقبل العلماء والطلبة يقبلون يده (٢). وكان الشيخ مصطفى المبلِّط أكبر منه سناً، وكان قد نازعه مشيخة الأزهر وزاحمه عليها ولم يدّخر في سبيل الفوز بها جهداً، فلما صارت للباجوري صار يعظمه ويرعى له حق منصبه، فلما أقبل الناس هذه العشية على الشيخ لتقبيل يده اندس بينهم وقبل يده معهم، فانتبه له الباجوري وعرفه، فوثب قائماً وأمسك بيده وجعل يبكي ويقول: حتى أنت يا شيخ مصطفى؟ لا! لا!
فقال الشيخ مصطفى: نعم، حتى أنا. لقد خصك الله بفضل وجب أن نقرّه، وصرت شيخنا فعلينا أن نوقرك.
-٢ -
وهذه صورة أخرى من الأزهر في ساعة الظهيرة، وقد خلا من المدرسين ولم يبقَ فيه إلا طلاب لبثوا قاعدين يتراجعون مسألة من مسائل الدرس، أو ينظرون في كتاب من الكتب،
стр. 216
أو يحفّون بشيخ من المشايخ يسألونه فيجيبهم، أو يرقبونه من بعيد وهو جالس يعد درساً أو يتلو سورة، ينظرون إليه نظر تجلّة وإكبار، لأن المشايخ كانوا علماء عاملين صادقين مخلصين، فكان الطلاب يرون تعظيمهم من الدين.
ودخل شيخُ الأزهر، وكان -يومئذٍ- الشيخ عبد الرحمن الشربيني (١) العالم المصنِّف الذي كان من مزاياه أنه لم يتزلّف إلى كبير قط، فقام الطلبة كلهم احتراماً له ووقف المشايخ يحيونه، فحياهم وأراد أن يمضي، فلمح في طرف المسجد شيخاً مسناً في ثياب خشنة مضطجعاً على جنبه، يظنه من لا يعرفه فلاحاً قدم الساعة من بلده فجاء يستريح في المسجد، فوضع شيخ الأزهر حذاءه بعيداً وأقبل يمشي على أطراف أصابعه مترفقاً حتى وصل إليه، فقعد وأخذ يده فقبلها.
فانتبه النائم فرآه، فما زاد على أن قال له: إيش زيك (٢) يا?عبد الرحمن؟
ففرح شيخ الأزهر بهذه التحية فرح من حيّته الملائكة.
وكان النائم هو الشيخ الأشموني، العالم المعروف.
стр. 217
-٣ -
ونحن الآن في قصر حاكم مصر، وقد زاره الشيخ الأمير (المتوفى قبل مئة وخمسين سنة) (١) وهو صاحب الحواشي المعروفة في النحو والشروح في فقه المالكية، وكان بينه وبين الشيخ القويسني الذي ولي مشيخة الأزهر بعد ذلك (٢) خصومة معروفة، فسأله الحاكم عنها (وكان يحب أن يقف على حقيقتها ليوفق بينهما)، فقال الشيخ الأمير: "ليس بيننا إلا الخير، وما أظن الشيخ القويسني حدثك بشيء من هذا". ومدح القويسني وأثنى عليه، ثم خرج فمر على القويسني وخبّره بما دار بينه وبين الحاكم، فقال القويسني: "صدقت، ما قلت له شيئاً". فقال الأمير: هكذا يكون أهل العلم، يسوّون ما بينهم في خاصّتهم، أما مظهرهم فيجب أن يكون قدوة في التآلف والخير إمساكاً على عروة الإسلام وحفظاً لكرامة العلم.
-٤ -
على أنهم لم يكونوا يبتغون الصداقة إلاّ من طريق الحق والصدق والتعاون على الخير، فإن جاءت من طريق الباطل تركوها وأعرضوا عنها، لأن العالم الذي يتزلف ويرائي ويحبّ
стр. 218
أن يمدح بما ليس فيه وأن يُذكَر بما لم يعمل يخالف عن سبيل العلماء.
أروي لكم قصة وقعتْ في مدرسة القضاء الشرعي في مصر، وكان مديرها يومئذ محمد عاطف بركات. وكان من المحافظين على الصدق والمتمسكين به، وقد خلت وظيفة في المدرسة ورغب فيها أستاذان: شيخ من المشايخ وأستاذ من الأفندية، فلم يحبّ أن يردّ أحداً منهما، وسعى حتى وجد لكل منهما عملاً وأراد أن يسعفهما معاً، ولكن الوزارة قدّمت الشيخ وخصّته بالوظيفة. وجاء يشكر المدير فقال له: إن المسألة ليست في يدي، ولو كان الأمر في يدي ما عيّنتك.
-٥ -
أما صدعهم بالحق وجهرهم به، فإني أروي حادثاً واحداً شاهداً عليه. لمّا توالت الهزائم على مصر في حربها مع الحبشة ووقع الخلف بين قوّادها، قال الخديوي إسماعيل لوزيره شريف باشا: ماذا ترى أن نصنع؟ قال: نجمع العلماء ليقرؤوا صحيح البخاري.
كأنّ صحيح البخاري ورد أو تميمة، وكأنّ المهم تحريك اللسان بألفاظه لا حمل القلب والجوارح على العمل بما فيه!
فجمع العلماء في الجامع الأزهر وجعلوا يقرؤونه والهزائم تتوالى، فجاء الخديوي بنفسه إلى الأزهر، فصاح بالعلماء وبالشيخ العروسي شيخ الأزهر وقال لهم بلهجة المغيظ المحنق:
стр. 219
إما أن هذا ليس البخاري، أو أنكم لستم العلماء!
فوجموا وصمتوا، ولكن عالماً من آخر الصف لم يصمت ولم يَجِمْ (١)، بل صاح به: منك يا إسماعيل! فإنا روينا عن النبيصلى الله عليه وسلم أنه قال: «لتامُرُنّ بالمعروف ولَتَنْهَوُنّ عن المنكر، أو ليسلّطنّ الله عليكم شراركم، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم».
فزاد وجوم المشايخ واضطربوا وجزعوا، ووقف الخديوي لحظة لا ينطق ووجهه يتمعّرُ من الغضب، ثم استدار فانصرف ومعه شريف باشا. وأخذ العلماء يؤنبون الشيخ المتكلم (شأنَ الناس مع كل من يصدع بالحق وينادي به، كأن الأصل هو المسايرة والمداراة، وكأن الصراحة خلاف الأصل) ويقولون: ماذا صنعت بنفسك؟ ولماذا عرضتها للتهلكة؟ وهو لا يبالي بهم ولا يرد عليهم. وما كان لمن يقوم بمثل ما قام به أن يبالي بلوم اللائمين.
ولم تمرّ ساعة حتى جاء الشرطة يدعونه لمقابلة الخديوي، فقال الناس: قد ذهب! وعدّوه مع الموتى.
وحُمِل فأُدخل على الخديوي، فإذا هو وحده ليس معه أحد، فقال له: أَعِدْ عليّ ما قلته. فأعاد عليه. قال: وما الذي صنعناه؟ قال: يا أفندينا! أليس الزنا مباحاً؟ أليس الربا مباحاً؟ أليس؟ أليس؟
ومضى يعدّد المنكرات. قال: وماذا نعمل وقد اقتبسنا مدنية
стр. 220
أوربا وهذه عاداتها؟
قال: فما ذنب العلماء؟
-٦ -
وكانوا زاهدين في الدنيا؛ لا زهد المغفلين المجاذيب الذين يعيشون في الزوايا المظلمة مثل الخفافيش، يفزعون من ضوء النهار، بل الزهد الحقيقي، زهد الصحابة والتابعين، زهد من يعرف الدنيا ويسعى لها سعيها ولكن الدنيا لا تتملك لبّه ولا يسكن حبُّها قلبَه، ومن يعمل للإصلاح ويشتغل للعلم، ويكون له في نهضة أمته أبرز الأثر، ويكون أكبر همّه رضا الله والنجاة في الآخرة، لا رضا الناس ولا متع الدنيا. ومن زهد في الدنيا لم يعظم أهلها ولم يخضع لهم، وجاهرهم بالحق وبيّنَ لهم حكم الله، وقام فيهم مقام الدليل الهادي لا السائل الطامع.
دخل اللورد كرومر جبار مصر وحاكمها يومئذ على الشيخ الأنبابي شيخ الجامع الأزهر، فلم يقم له الشيخ وردّ ﵇ ومدّ يده فصافحه وهو قاعد، فاستعظم ذلك اللورد، وقال له: ألست تقوم للخديوي؟ قال: نعم. قال: فَلِمَ لَمْ تَقُمْ لي؟ قال: إن الخديوي هو وليّ الأمر منا، واللورد ليس منّا، والله يقول: ﴿أطيعوا اللهَ وأطيعوا الرّسولَ وأولي الأمْرِ مِنكم﴾.
وهذه هي عزة الإيمان، وهذه هي الوطنية الخالصة. وما كان من اللورد إلاّ أن أكبر فيه هذه الصراحة وصار يعظّمه ويجلّه أكبر الإعظام والإجلال.
стр. 221
-٧ -
وانظروا إلى موقف الشيخ محمد عبده مع اللورد كرومر: زار الشيخ اللورد مرة، فقابله الناموس (السكرتير)، ولم يعرفه، فقال له: إن اللورد كرومر غائب.
فترك بطاقته وعاد، فلم يبتعد خطوات حتى أحسّ اللورد، فبعث الناموس يدعوه ويعتذر إليه، فقال الشيخ: في فرصة أخرى. ولم يَعُدْ.
-٨ -
وأخبار الشيخ طاهر (١) في زهده في الدنيا وانصرافه عنها أشهر من أن تُذكر. من ذلك أنه لما قدم مصر واحتاج، جعل يبيع
стр. 222
من كتبه، وكتبه أعز شيء عليه. وكان قد أنفق في شرائها كل ما تملك يداه، لا سيما المخطوط النادر منها. وكان يرضى أن يبيع الكتاب لدار الكتب المصرية بعشرين ولا يرضى أن يبيعه للمتحف البريطاني بمئة، ليبقى الكتاب في أيدي المسلمين، حتى لم يكد يبقى عنده من الكتب إلاّ القليل.
فقال أحمد تيمور باشا للشيخ علي يوسف صاحب المؤيّد (كما يروي خالي الأستاذ محب الدين الخطيب): ألا ترى يا أستاذ أنّ من الواجب على مصر أن تعرف لهذا العالم الجليل قدره فتستفيد من علمه وفضله في دار الكتب مثلاً، وهو اليوم أعلم الناس بالكتب الإسلامية وقد كان هو المؤسس للمكتبة الظاهرية في دمشق؟
فوعده الشيخ علي بالسعي في ذلك. وكانت له منزلة معروفة في المعيّة الخديوية وفي وزارات الحكومة، وكل وزير يتمنى أن تكون له يد عند الشيخ علي يوسف ليقابله بمثلها عند الحاجة.
ولكن الشيخ لمّا بلغه الأمر اعتذر بأنه اعتاد المطالعة في الليل إلى الفجر وليس من السهل تغيير عادته وهو في سن الشيخوخة. فسعى له الشيخ علي فرُتّب له معاش من الخديوي، وذهب تيمور باشا يبلغه ذلك، فقال له الشيخ طاهر: كأني كنت معك لما كلّمت الخديوي بشأني، وقلتَ له إنك سمعتني أثني عليه لعنايته بالكتب العربية. ولكن من الذي يضمن لك أني لا أقف منه عكس هذا الموقف إذا صدر منه ما يناقض ذلك العمل؟ الأحسن يا أستاذ ألاّ تعرض نفسك لما قد يَسْوَدُّ به وجهك بسببي، وإني بحمد الله في سعة ولا حاجة بي إلى الرواتب ولا إلى الوظائف، فأرجو أن تعمل لقطع هذا الراتب.
стр. 223
-٩ -
وروى الأب أنستاس الكرملي أنه رأى عالم العراق الشيخ الألوسي (١) يلبس بعد الاحتلال حذاء من أحذية الجند البريطاني، وكانت تُباع رخيصة، فقال له: يا مولاي، أراك تلبس في رجلك ما لم يرد أن يلبسه جند الإنكليز أنفسهم لضخامة هذه الأحذية وشكلها القبيح ولصوتها المزعج عند المشي.
قال الشيخ: إني أقنع بما تيسّر.
ولم يزِدْ على ذلك.
وكان قد وصل إلى حالة من الفقر لا مزيد عليها. فلما عرف ذلك المعتمد الإنكليزي برسي كوكس أهدى إليه ثلاثمئة ليرة ذهبية إنكليزية، وكلّف الكرملي بتقديمها إليه، فرفضها رفضاً قاطعاً وقال: خير لي أن أموت جوعاً من أن آخذ ما لا أتعب في كسبه، لا سيما وهو من عدوّ بلادي.
فألحّ عليه إلحاحاً متواصلاً، فقال له: لا تكثر من إلحاحك لئلاّ أطردك من بيتي طرد من لا عودة له إليه.
فسعى له هو وجماعة من أصدقائه وتلاميذه، حتى صدر
стр. 224
الأمر بتولّيه قضاء بغداد. فلمّا جاؤوه بالتولية قال: إن هذا المقام يستلزم علماً زاخراً وذمة لا غبار عليها ووقوفاً تاماً على الفقه، وأنا لا أجدني مستكملاً هذه الشروط ولا أصلح للقضاء. ورفض.
-١٠ -
وحدّث الأستاذ محمود زناتي، وهو من تلاميذ الإمام اللغوي الشيخ سيد المرصفي شارح الكامل (١)، أنه دخل عليه يوماً وقد سكن داراً بالية من حيّ قديم. فرآه قد جلس على حصير وسط الغرفة يكتب ويطالع وحوله الكتب، ومن حول الحصير خيط من عسل القصب مرشوش على البلاط يحيط به.
فسأله: ما هذا؟
قال: هذا خندقي من هجوم البق!
وعلى هذا الحصير شَرَحَ «الكامل»، هذا الشرح العظيم الذي يفاخر به عصرُنا العصورَ الخوالي.
-١١ -
ولما قَدِم الشيخ سليمان النوري الأزهر كان شيخه الشيخ إبراهيم الباجوري، فسأله أن يوصي به مدير الدقهلية. والمدير -في اصطلاح المصريين- هو المحافظ عندنا، فكتب له ورقة
стр. 225
بمساحة إصبعين هذا نصّها:
ولدَنا مدير الدقهلية،
رافعه من طلبة العلم يجب إكرامه.
خادم العلم والفقراء: إبراهيم
فرفعت الورقة عن الأسرة كلها ظلم تلك الأيام، وخلّصتهم من السخرة والمعونة ورفعت من شأن الشيخ.
هكذا كانت منزلتهم عند الحكّام.
وكان الخديوي عبّاس الأول يجيء الأزهر ويحضر درس الشيخ الباجوري، ولا يستطيع التربّع على الأرض لعلّةٍ فيه. فكان الشيخ يأمر بكرسي قش صغير فيُجلَب له من قهوة بلدية أمام باب المزينين، فيجلس عليه الخديوي بين الطَلَبة والمستمعين.
وكانت العادة في مصر أيام الاستقبالات الرسمية في الأعياد أن يقف الخديوي فيمرّ به المسلمون فيسلّمون وهم وقوف وينصرفون، إلاّ الأمراء من أُسرة الملك والعلماء فكان يقعد لهم وتقدم لهم القهوة، وكان يجلس للعلماء كل يوم سبت من كل أسبوعين جلسة تسمى «التشريفة الصغرى»، يكلّمهم ويسمع منهم.
-١٢ -
وكان الشيخ حسن الطويل أستاذاً في دار العلوم، فزار المدرسةَ يوماً رياض باشا، وكان رئيس الوزراء ووزير المالية، ومعه وزير المعارف علي مبارك باشا. فدخل غرفة الأساتذة، فلمّا
стр. 226
رآه الشيخ حسن قال له: يا باشا، أما آن لكم أن تجعلوني معكم وزيراً؟
فدهش رياض باشا، وقال له: ما هذا يا شيخ حسن؟
قال: ما تسمع يا باشا؟
قال: فأيّ وزارة تريد؟
قال: المالية.
قال: لماذا؟
قال: لأستبيح أموالها!
فغضب الرئيس وقطع الزيارة وخرج، وقال لمبارك باشا: لا بدّ أن تُخرج هذا الرجل من خدمة الحكومة فوراً.
قال علي مبارك باشا: وماذا أصنع مع علماء الأرض وهو عالم عالمي؟
وجاء الشيخ حسن الطويل يوماً ليدخل على الخديوي، فكلّفوه أن ينزع عنه عباءته ويدعها في البهو، فأبى وقال: أقف بها في صلاتي وأقابل بها ربي، ولا أقابل بها الخديوي؟
-١٣ -
وأختم بقصّة الشيخ سعيد الحلبي عالِم الشام في عصره، وقد كان في درسه مادّاً رجله فدخل عليه جبّار الشام إبراهيم باشا، ابن محمد علي صاحب مصر، فلم يتحرّك له ولم يقبض
стр. 227
رجله ولم يبدّل قعدته. وتألّم الباشا ولكنه كتم ألمه، وذهب فبعث إليه بصرّة فيها ألف ليرة ذهبية (وكانت -يومئذٍ- تعدل مليون ريال الآن)، فردّها الشيخ وقال للرسول الذي جاءه بها: قل للباشا إنّ الذي يمدّ رجله لا يمدّ يده!
* * *
стр. 228
الطلاّب والعطلة
أُذيعت سنة ١٩٥٩
لم تكن في دمشق كلها في أيامنا إلاّ أربع مدارس ابتدائية فقط، فكان أكثر التلاميذ في المدارس الأهلية، فلم يكونوا يعرفون هذه العطلة الصيفية لأن هذه المدارس تفتح أبوابها في الصيف وفي الشتاء. وكان تلاميذ المدارس الأميرية (إلاّ الأقل منهم) يقضون مدة الصيف في هذه المدارس، فإذا كان آخر أيلول (سبتمبر) وفتحت مدارسهم عادوا إليها. ولم يكن يعرف الدمشقيون قضاء الصيف في الجبال، فكانوا يكتفون بالصبحية والمسوية في صدر الباز أو الميزان أو الربوة أو الشاذروان، ومن أراد الاستجمام أمضى أياماً في دمّر أو الهامة، ثم أبعدوا النجعة فصار مجمع الناس في الجديدة والأشرفية وبسّيمة والفيجة، تستأجر الأسرة داراً من دور الفلاّحين أو غرفة من دار تقضي فيها ليالي القمر، وإن أطالت أمضت فيها شهراً.
فتبدّلت الحال الآن؛ فصارت المدارس الابتدائية الرسمية عشرات، وازداد الإقبال على الاصطياف، وصار كثير من الناس يقضي الصيف كلّه في الزبداني ومضايا وبلودان، فصار من نتائج الاصطياف وانتشار المدارس الأميرية أن بقي التلاميذ مدة الصيف
стр. 229
بلا مدرسة. وكان من نتائج ذلك أن نشأت مشكلة جديدة، هي مشكلة الأولاد، ماذا تصنعون بهم في الصيف؟
هل تنوون أن تحرموهم حقهم في اللعب والحركة والانطلاق وتكلّفوهم أن يقعدوا طول النهار صامتين جامدين في هذه الطوابق المغلقة، فتكون العطلة سجناً عليهم، وهي ما وُجدت إلاّ لتكون راحة لهم ومتعة لأنفسهم؟
أم أنتم تنوون أن تطلقوهم على هواهم؛ تذهبون إلى أشغالكم وتتركونهم في البيت للأم المسكينة، يقفزون من حولها من الصباح إلى المساء، ويزوغون منها يوسّخون ما نظّفته ويفسدون ما أصلحته، ويكسرون الآنية ويمزّقون الستائر، فتطلع روحها منهم أو تضيق بهم، فتقذف بهم إلى الشارع، يجتمعون فيه بأولاد الجيران فينطّون ويثبون، ويصيحون ويزيّطون، ويتضاربون ويترامون بالحجارة، فيزعجون المريض ويوقظون النائم ويضايقون العباد، وتكون لهم الطرق مدارس شيطانية تعلّمهم كل بذيء من القول وقبيح من الفعل، ثم لا يعودون إلى الدار إلاّ بثياب وسخة وملابس ممزقة، وربما عاد أحدهم إلى بيته محمولاً قد شجّ رأسه حجر، أو كسرت رجله وقعة، أو لطمته دراجة، أو ضربته سيارة، فلا يكون لعب الأولاد في الطريق إلاّ شراً عليهم وعلى الناس؟
فما العمل؟
أما الأولاد الذين يذهبون مع أهليهم إلى المصايف فلا كلام لنا الآن فيهم، وإن كانت لنا عودة -إن شاء الله- إلى الكلام عنهم. بقي الذين لا يصطاف أهلوهم، وهؤلاء هم موضوع المشكلة؛
стр. 230
لأن من يمضي الصيف كلّه في الجبال هم الأقل عدداً والكثرة من الناس تبقى في دمشق، فماذا يصنع هؤلاء؟
لقد كنت كتبت في جريدة الأيام من أسابيع أعالج هذا الأمر من الجهة الجماعية، وبينت ما يصنع القوم في أميركا وفي غيرها من هذا الباب، ولست أعيد هنا ما قلته هناك (١)، وإنما أعالج الأمر اليوم من الوجهة الفردية بعد أن عالجته أمس من الوجهة الجماعية.
إن علينا أن نجد للتلميذ في العطلة أعمالاً تقوّم خلقه وتزيد ثقافته، أو تقوي جسمه وتحسن صحته، أو تدربه على مواجهة الحياة وتمكنه من اكتساب بعض المال.
وقبل أن أفيض في الشرح أبيّن للسامعين أن العمل ليس عيباً، وأن من أبناء الموسرين الكبار في أميركا وغيرها من يعوّده أهله اكتساب المال في الصيف من أي طريق حلال، وأن طلاب الجامعات يشتغلون في المطاعم بغسل الصحون ويعملون في بيع الجرائد ولا يرون في ذلك بأساً، لا عن حاجة للمال، فمِن آبائهم مَن يملك الملايين حقاً، بل لتعويدهم الكسب والاعتماد على النفس.
وأنا لا أريد من كل أب أن يبعث بابنه ليشتغل بجلي الصحون أو بيع الجرائد، بل أريد أن يفكر الأب أولاً؛ فإن كان ولده مقصراً في درس من دروسه، أو كان عليه إعادة الامتحان
стр. 231
في مادة من المواد، فأول ما يجب عليه هو أن يراجع درسه ويستعد لامتحانه، وإذا حُرم راحة العطلة فبذنبه، ولو لم يسترح وقت الشغل لما اضطر أن يشتغل وقت الراحة، ولعله يعتبر فلا يُخدع بحلاوة الذنب بعدما ذاق مرارة العقوبة.
وإن كان الولد ناجحاً وليس عليه امتحان يعيده ولا درس يحضره، كان على أبيه أن يعدّ له -قبل كل شيء- مجلساً من مجالس أهل العلم، أو كتاباً من كتب الأخلاق والدين، ليتعلم من مطالعة الكتاب ومجالسة العالم كيف يكون مؤمناً يخاف الله ويرجو ثوابه، ويحب للناس ما يحب لنفسه، ويبتعد عن الكذب والغش والعقوق وسائر المحرمات.
ثم يفتش له عن عمل يشغله؛ فإذا كان الأب مكفِيّ المؤونة ميسور الحال ولم يكن يريد أن يعلم ابنه صناعة أو يعوّده التكسب، علّمه التردد على المكتبة العامة للمطالعة وسأله عما قرأ ومن صاحب، واختار له بإشرافه نادياً رياضياً موثوقاً بأهله والقائمين عليه، فعوده الرياضة وصبّ فيه روحها (١).
ومن أراد لولده خيراً من ذلك علّمه صناعة من الصناعات؛ كصفِّ الحروف في المطبعة أو الضرب على الآلة الكاتبة أو الميكانيك، أو وَضَعه عند خطّاط أو رسّام يتعلّم منه، على ألاّ يشتغل بذلك نهاره كله بل نصف النهار فقط ويبقى النصف الآخر لراحته. وإن كان الأب تاجراً صحبه معه إلى دكانه فعلمه البيع والشراء وجعل له أجرة على عمله، أو اتخذ له «بَسْطَة» فيها من
стр. 232
السلع الصغيرة ما يشتغل هو ببيعه ويأخذ هو ربحه، يتصرف فيه على ما يريده. وإن كان الأب زارعاً أخذه معه إلى حقله ورغّبه في حياة الزراعة وكلّفه من الأعمال ما يطيق، وجعل له عليه أجراً.
ولو أن المدرسة تصنع ما يصنع القوم في البلاد الأخرى فتسجل أسماء من يريد العمل وتعدّه هي لهم، فتجد لهم بعض الأعمال الهيِّنة وتدفع إليهم أجرها، كأن تجعل من الأولاد الصغار فرقة لتوزيع الخبز صباحاً على بيوت الحيّ، أو توزيع الحليب أو الجرائد على مشتركي الحيّ، أو تشغّلهم بموافقة آبائهم في المتاجر أو المعامل أو المطاعم على أن تُتخذ الأسباب الكافية لسلامة أخلاقهم وحفظ كرامتهم.
والتلميذات المُحتاجات يَستطعن أن يعملن في البيوت أعمالاً يكسبن منها مالاً. من ذلك أن أكثر ربّات البيوت تجد المشقة في إعداد الخضر للطبخ أو يضيق عن ذلك وقتها، ولو أن بعض التلميذات اتفقن على أن يجتمعن ساعتين كل يوم في بيت واحدة منهن فيُعددن الخضر للطبخ؛ كأن يأخذن الفاصوليا فيقطعنها وينزعن خيوطها ويغسلنها ويضعنها في أكياس من النايلون كل كيلو بكيس، ويقشرن البطاطا أو الباذنجان، ويحفرن الكوسا أو يُقطّعنه، ويأتي أولاد المدرسة فيوزعوا ذلك على البيوت، يُباع بزيادة خمسين أو ستين في المئة ويتقاسم الأولاد والبنات الربح، ويكنّ قد تعلّمنَ شغل البيت.
وهذا أمر واحد خطر على بالي أسوقه على سبيل المثال. وهناك أمور كثيرة يمكن أن تُعمل في الدار ويكون منها مكسب ويكون خدمة للناس؛ كأن يؤخَذ البنّ مثلاً فيُحمَّص ويُطحَن،
стр. 233
وفي كل دار محمصة ومطحنة، ويوضع في أكياس، أو تشتغل البنت بصنع زهور صناعية، أو أنواع من الحلويات والكاتو (أي الفراني (١)) والبسكويت أو إعداد المواد التي يُصنع منها الزّعتر ومزجها ووضعها في أكياس، أو ترويب اللبن ووضعه في كؤوس، أو إعداد أنواع المربيات والمعقّدات كمربى المشمش والكباد والنارنج والجانرك والخوخ والسفرجل والتين والجوز واليقطين والجزر، أو خياطة ألبسة «بسيطة» للأطفال، ويتولى الأولاد توزيع ذلك.
وأنا أعلم أن هذا الكلام يبدو غريباً ولا يستطيع أكثر الآباء أن يقبله، وأنا كذلك لا أستطيع أن أقبله إذا سمعته من غيري، وهو يبدو غريباً عليّ وأنا أقوله الآن؛ لأن الأخلاق التي نشأنا عليها والتربية التي رُبينا عليها تعد مثل هذا العمل عيباً لا يشتغل به إلاّ المحتاج، وهو حين يشتغل به يستحي منه ويتمنى أن يستغني عنه، مع أن الإفرنج - ولا سيما الأميركان- لا يرون بذلك بأساً. ونحن نقلدهم دائماً في كل شيء ضار، فلماذا لا نقلدهم مرة واحدة في الشيء النافع؟
стр. 234
إن القصد ليس المال وحده، بل الاشتغال في العطلة والتعود على العمل والتمرّن على مواجهة الحياة والاعتماد على النفس.
وربما قال أحد الآباء: أنا أشغل ولدي أجيراً؟ أعوذ بالله! إنني أعطي ولدي ثلاث ليرات خرجية في اليوم فلماذا أكلّفه أن يشتغل طول النهار ليحصل على نصف ليرة؟
وإني أقول لهذا الأب الغني: إن روكفلر لم يكن يعطي ولده شيئاً إلاّ مقابل عمل، وقد جعل له نصف بنس (أي أقلّ من نصف فرنك) مقابل كل ثغرة في سياج الحديقة يكشف حاجتها إلى الإصلاح، ثم جعل له عن كل ساعة يعملها في إصلاحها سبعة بنسات ونصف. وروكفلر (إن كنت لا تعلم يا أيها الأب الغني) كان يدخل عليه كل دقيقة أكثر من مئتي ليرة، وله أعمال خيرية هائلة منها مؤسسة الصحة التي تنفق كل سنة ما يعادل ثمانية ملايين ليرة سورية، فلم يكن بخيلاً ولا فقيراً وكان يستطيع أن يجعل خرجية ولده ألف ليرة في اليوم ولا يحسّ بدفعها، ولكنه ضيّق عليه فجعل منه رجلاً مثله، وأنت بتدليلك ولدك وبهذه التوسعة عليه تجعله مخنثاً، لا يعرف للمال قيمة ولا يدري سبيل الاعتماد على النفس.
ثم إن الليرة الواحدة التي يكسبها الولد بعمله يكون لها من القيمة ويكون له بها من اللذة ما لا تعدله قيمة مئة ليرة يأخذها من أبيه ولا لذتها، وهذا شيء لا يعرف إلاّ بالتجربة.
* * *
стр. 235
وبعد، فهل استطعت بهذا الحديث أن أجعلكم تفكرون في هذه المشكلة، مشكلة العطلة الصيفية؟ وهل وُفِّقت إلى إقناعكم بأن تعويد أبنائكم على العمل ليس بعيب بل هو مكرمة وفضيلة؟
إذا كان الجواب بالإيجاب فأنا سعيد.
* * *
стр. 236
في الزواج
أُذيعت سنة ١٩٥٩
زارني من يومين شاب من أقربائنا، يحمل شهادة عالية ويملك مرتباً كبيراً، وهو صحيح الجسم حسن الخلق، قد قارب الثلاثين من عمره ولا يزال عزباً. فقلت له وأنا أحدثه: لماذا لا تتزوج (١)؟
قال: لأني وجدت كل المتزوجين من إخواننا يشكون الخلاف الزوجي ويقاسون آلامه ويتجرعون غصصه، ويتمنون لو أنهم ما كانوا قد تزوجوا. فعلمت أن الزواج في هذه الأيام وجع رأس وتعب دماغ، وأنا لا أحب أن أشتري الأوجاع والمتاعب لنفسي وأدفع في ثمنها مالي!
قلت: وهل العشرة من إخوانك الذين سألتهم هم الناس؟ وإذا كانوا هم في تعب وعناء كان المتزوجون كلهم كذلك وكان الزواج وجع رأس وتعب دماغ؟ ولماذا سألتهم ولم تسألني أنا؟ إني أعرَف منهم، وإذا كان الرجل الذي يحضر خمسة مجالس
стр. 237
عائلية ليفصل فيها بين الزوجين المختلفين يعد نفسه خبيراً، فأنا قد حضرت في المحكمة أكثر من ثلاثين ألف جلسة سمعت فيها من الزوج وسمعت من الزوجة، وأنا -فوق ذلك- أشتغل بالتحليل النفسي والدرس الاجتماعي، وإذا أنا يوماً أحلت على التقاعد ولم أشتغل بالمحاماة ولا بالكتابة والتأليف، فإني أفتح مكتباً للدراسات العائلية أقوم فيه بحل المشاكل الزوجية، فأنا خبير فني في الموضوع (١)، فاسألني.
قال: ألا ترى أن أكثر المتزوجين في خلاف مستمر؟
قلت: أحبّ أولاً أن أحدد معنى الخلاف؛ فإذا كنت تريد (وكان إخوانك الذين سألتهم يريدون) حياة زوجية خالية من كل اختلاف في الرأي بين الزوجين، وأن يكون العمر كله شهراً من شهور العسل وجلسة واحدة من جلسات روميو وجولييت أو قيس وليلى، فهذا لا يكون. وماذا في مجالس الحب إلاّ هذا الكلام الفارغ؟ تقول له: «أحبك»، ويقول لها: «أحبكِ»، ويعيدان هذه الكلمة حتى لا يبقى لها معنى، ثم يملاّن ويسكتان! فهل يمكن أن تكون الحياة كلها أحبكَ وأحبكِ، كما يتوهم الفتيان الصغار؟ ولو أن قيساً تزوج ليلى واقتصر على حديث الحب لوقع الخلاف بينهما من أول الشهر الثاني، ولسمع الجيران خصامهما في الشهر الثالث، ولأقيمت دعوى التفريق في المحكمة الشرعية قبل نهاية السنة!
стр. 238
فلا يمكن أن يكون في الدنيا زوج وزوجة يعيشان هذه الحياة الخيالية العاطفية التي لا تكون إلاّ في القصص. وكل زوجين يختلفان أحياناً، ولا يخلو بيت العالِم من هذا الاختلاف، حتى الرسول ﷺ لم يَخْلُ بيته - وهو أشرف بيت أقيم على ظهر الأرض- مما يكون بين النساء، وهذا هو القرآن فاقرؤوا «سورة التحريم». والصحابة كانوا يختلفون هم ونساؤهم، ولقد جاء رجل يشكو زوجته إلى عمر، فلما قرع الباب سمع زوجة عمر ترفع صوتها عليه وهو ساكت، وهو عمر العظيم الذي كانت تخافه صناديد الرجال، فولى الرجل منصرفاً، فخرج عمر يناديه، فرجع. قال له عمر: ما لك؟ قال: يا أمير المؤمنين، جئت أشكو إليك سوء خلق زوجتي وأنها تتجرّأ عليّ، فوجدتك مثلي. فضحك عمر وقال: أَحتمِلُها لحقوق لها عليّ.
والله لم يخلق اثنين على صورة واحدة، حتى التوأمين إذا وقفا معاً وجدت بينهما فروقاً دقيقة، ولم يخلق كذلك اثنين بطباع واحدة. وإذا أراد الزوجان والشريكان والرفيقان ألاّ يختلفا فلا بدّ لأحدهما أن يساير الآخر، وأن يخالف رأي نفسه ليتبع رأيه. وإذا وقف كلٌّ عند رأيه لا يمكن أن يتفقا، وإذا كنتَ أنت على الرصيف الأيمن من الشارع ورفيقُك على الرصيف الأيسر وأردت أن تصافحه لم تستطع، ولا بدّ أن يمشي أحدكما إلى الآخر أو تمشيا معاً حتى تلتقيا في منتصف الطريق (١).
وكل شركة لا بدّ لها من رئيس، والرجل هو -بلا شك-
стр. 239
رئيس الشركة الزوجية، فيجب أن يكون رأيه هو المقدم، بشرط ألاّ يتدخل في الصغيرة والكبيرة ويدس أنفه في الكنس والطبخ وترتيب الدار، فإن هذا من حق المرأة فهي «وزيرة الداخلية»، وله الإشراف العام كإشراف رئيس الوزراء. فإذا كانت المرأة-مثلاً- وسخة لا تبالي بتنظيف الدار أو تسيء إعداد الطعام نبّهها، وإذا كانت مصابة بجنون النظافة تنسى نفسها بلا طعام وتنسى حق زوجها وحق ولدها لتمسح البلاط وتنظّف الدار، فلا تراها إلاّ راكضة من هنا إلى هناك رأسها يسبق رجليها، كان عليه أن ينبهها. وإن أكثر الرجال لا يهمهم الإمعان في النظافة ولا لمعان البلاط ولا ترتيب المقاعد، بل يهمهم أن يجدوا شريكة لحياتهم توافقهم وتذهب مذاهبهم وتكون على رأيهم. ومن النساء من يزيد معها هذا المرض (مرض النظافة) حتى تترك غرف الدار المفروشة للشياطين لا يستعملها أحد وتقعد في زاوية وتُلزم زوجها أن يقعد فيها، فإذا قعد على المقعد المريح صرخت به: "قم، لقد أفسدته! أما رأيتني أشتغل به من الصباح؟ ". وربما نامت على «الطرّاحة» لتُبقي السرير مرتباً، مع أنه لا يدخل أحد ليراه ولا يوضع في معرض!
والمرأة العاقلة هي التي تنظر ما الذي يرضي زوجها فتفعله، وعلى الرجل -كذلك- أن يبتغي مسرتها ورضاها وأَلاّ يغتر بهذه السلطة ويحسب أنه صار كسرى أنوشروان فلا يعرف إلاّ الأمر والنهي، وألاّ يكون ظرفه ولطفه للناس فقط، فإن في الناس من يكون خيره للغرباء وشره للأهل.
ولقد كان في دمشق رجل معروف بسرد النادرة وسرعة
стр. 240
البادرة، يحفظ من النكات العجيبة والوقائع الغريبة ما يضحك الثكلى التي فقدت وحيدها، يتسابق الناس إلى دعوته والاجتماع به ويرونه زينة المجالس، إن حَضَر مجلساً لم يتكلم غيره، ولم يتكلم بكلمة إلاّ ضحك لها الحاضرون من قرارات قلوبهم. وهو -مع ذلك- أثقل الناس على أهله، لا يكاد يبتسم في بيته ولا يكاد يكلّم أحداً. إذا دخل الدار دخلت الكآبة وحلّ الوجوم، لأنه لا ينطق ولا يدع أحداً من أهله ينطق في حضوره!
وأعرف رجلاً ما يذهب في رحلة أو نزهة إلاّ تولى هو بنفسه خدمة إخوانه كلهم، إن كانوا في مخيّم اشترى لهم اللحم والخضر وأوقد النار وطبخ لهم ووزع عليهم، وإن كانوا في مجلس تولى هو صنع الشاي وخدم بنفسه، وإن احتاج واحد من أصدقائه أو من معارف أصدقائه إلى شيء قام به عنه. وهو -مع ذلك- أكسل الناس في بيته وأشدّهم تحكماً على أهله وتكليفاً لهم، لا يقوم ليملأ لنفسه كأس ماء ولا يسحب لنفسه كرسيّاً ولا يتناول رداء من الخزانة إلاّ أن تكون زوجته أو بنته قائمة بين يديه، تملأ له الكأس وتعدّ له الكرسي وتناوله الرداء!
وأعرف رجلاً ليس في الناس أكرم منه على إخوانه، يوليهم الهدايا الثمينة ويمنحهم المنح ولا يمسك عنهم مالاً ولا ينفرد دونهم بشيء، وهو في بيته أبخل البخلاء، يضنّ على أهله بالقليل ويحرمهم ما لا بدّ منه من الضروريات.
وأعرف نساء إن كنّ في استقبال أو كنّ بين أيدي الضيوف لا تبدو من إحداهنّ كلمة نابية، ولا تسمع منها لهجة حادة، ولا
стр. 241
تمّحي عن وجهها الابتسامة العذبة، وكلما رأت منهن من قبيح تغاضت عنه واحتملته، حتى يقلن: "ما شاء الله، ما أشدّ تهذيبها وأكرم خلقها وأحلى حديثها"، وإن كانت مع زوجها لم تلقَه إلاّ بالتقطيب والعبوس وبوجه مقلوب كأنه وجه عجوز أكلت ليمونة بقشرها!
ثم إن أكثر النساء إذا خرجنَ لزيارة أو جولة، أو تهيأنَ لمقابلة قريبة أو صديقة، استعدت إحداهنّ استعداد عروس لعرسها، فتزينت وتنظفت ولبست أجمل أثوابها وتطيبت بأعطر طيوبها، فإذا لم يكن إلاّ زوجها خرجت عليه من المطبخ منفوشة الشعر كالحة الوجه، تسبقها رائحة السمن والزيت والبصل والثوم!
مع أن حق الزوج على زوجته أكبر من حق الغريب. والعقل والدين يوجبان عليها أن تتزيّن (إن تزينت) له هو لا للناس، وأن تلقاه بأحسن أحوالها وتكلمه بأحلى لهجاتها، وأن تدّخِر له ابتسامتها ولطفها وإيناسها. والعقل والمنطق يوجبان عليه هو (إن تكرّم) أن يكون كرمه لأهله لا للناس، وإن عمل أن يعمل لهم، وأن يخدمهم لا أن يدعهم ويخدم الناس، وإن كان خفيف الروح حاضر النكتة سريع البادرة بالخير، أن يكون لأهله الحظ الأوفى من خفته ونكتته، لا أن يخص بذلك الناس وحدهم.
فكيف انقلبت الحال، فصار القريب هو المستحق للشرور كلها وصار الغريب هو الذي ينال المحاسن كلها؟
أنا أعرف السبب أيها السامعون والسامعات.
стр. 242
السبب هو الإفراط في رفع الكلفة. وأنا أعرف أن الألفة تزيل الكلفة، وأن من العجيب المضحك بلا شك أن يتعامل الزوجان بالرسميات (بالبروتوكول) الذي يكون في وزارة الخارجية، وأن تكون حياتهما كلها على «الأتيكيت». ولست أقصد هذا، ولكن أقصد أن رفع الكلفة بالمرة يؤدي إلى أن يَعرض كل واحد على الآخر ما لديه من عيوب ونقائص، لا يحاول إخفاء شيء منها. مع أن لكل إنسان أشياء لا يحسن أن يظهرها حتى لأقرب الناس إليه، وزيادة القرب حجاب (كما يقول العرب). قَرِّبْ وجهك من رفيقك حتى لا يبقى بينك وبينه إلاّ عرض إصبع فإنه لا يراك، وإنما يرى مكان الأنف جبلاً قائماً في مقدمته مغارتان! وارسم خطين مستقيمين واجعلهما متعرجين وباعدهما تَرَهما متوازيين، فإذا قربتهما حتى التصقا بدت الفجوات بينهما. وكذلك الناس؛ كان لي صديق استمرت صداقتي إياه ثلاثين سنة وأنا لا أرى منه إلاّ خيراً وأجده موافقي في كل شيء، ثم سافرنا واضطررت أن أبيت معه في غرفة واحدة فرأيت منه في حالات أكله وشربه ونومه ووضوئه ما أيقنت معه أن بيننا من الاختلاف أكثر مما بين الليل والنهار.
بهذا وبمثله يسعد المتزوجون، ويرغّبون الشباب العزّاب بالزواج.
* * *
стр. 243
حديث العيد
أذيعت من دمشق سنة ١٩٤٦
أرأيتم الجيش يوم العرض؟ حيث يمر الجنود متتابعين متشابهين، مشيتهم واحدة ولبستهم واحدة، لا يمتاز فرد منهم عن فرد، ثم يأتي ضابط أو رئيس يختال في مشيته ويزهى بأوسمته، فينتبه الناس إليه وتنصبّ الأنظار عليه؟
كذلك الأيام يا إخوان.
إنها تمر متتابعة متشابهة لا يكاد يختلف يوم منها عن يوم، ثم يأتي العيد فتراه يوماً ليس كالأيام، وترى نهاره أجمل، وتُحس المتعة به أطول، وتُبْصِر شمسه أضوأ، وتجد ليله أهنأ. وما اختلفت في الحقيقة الأيام في ذاتها، ولكن اختلف نظرنا إليها؛ نسينا في العيد متاعبنا فاسترحنا، وأبعدنا عنا آلامنا فهنئنا، وابتسمنا للناس وللحياة فابتسمت لنا الحياة والناس، وقلنا لمن نلقى أطيب القول: «كل عام وأنتم بخير»، فقال لنا أطيب القول: «كل عام وأنتم بخير» (١).
стр. 244
كنا كالمسافر يجتاز بالدنيا مسرعاً، فيبصر الدور والمساكن وكل ما على الطريق، لكن لا يستوعبه. فإذا تمهلنا رأينا جمالها واستمتعنا بحسنها. وما الحياة إلاّ سَفَر، وما نحن إلاّ رَكْب الحياة، ولكننا نغمض عيوننا عن جمال الروض وبهاء الينبوع وفتنة الوادي، ولا ننظر إلاّ إلى الغاية ... والغاية المال؛ المال، فنحن أبداً نركض وراء المال، نفيق فنسرع إلى الديوان أو إلى السوق نفتش عن المال، أما النفس فلا نخلو بها، أما الطبيعة فلا ننظر إليها. ثم إنّا نقطع أجمل مراحل الطريق، وهي مرحلة السحر من كل يوم، ونحن نيام. ويوم العيد هو اليوم الذي ننسى فيه المال ساعات معدودات لنفتش عن الجمال، فلذلك كان هذا اليوم عيداً، ولو فعلنا ذلك كل يوم لكانت أيامنا كلها أعياداً.
والأعياد إما أن تكون أعياداً للدين، لذكريات دينية تتصل بالعقيدة، وتنبثق عن الإيمان، وتكون ذكراً وعبادةً، يتوجه فيها الناس إلى ربهم، ويقيمون شعائرهم في معابدهم، ويتبعون فيها أوضاعاً وأحوالاً أمَرهم بها دينهم، أو حسبوا أنه أمرهم بها. وأكثر أعياد الناس أو كلها، إنما كانت من الأعياد الدينية، سواء في ذلك الأمة التي تدين دين الحق والأمم التي تدين أديان الباطل.
وإما أن تكون أعياداً وطنية، ذكريات أحداث جسام كان لها في حياة الأمة أثر، أو معارك مظفرة، أو أعمال لهذه الأمة باهرة؛ كأعياد الاستقلال وأعياد إقامة الدول.
وأعياد للفن والرياضة يحتشد لها الناس ويتبارى فيها أرباب اللَّسَنِ والفصاحة وأصحاب القوة والبراعة. وربما صحب ذلك
стр. 245
بيع وشراء وربح وتجارة، كأعياد الأولمبياد عند اليونان وسوق عكاظ عند العرب.
وأعياد رجال عِظام يجتمع الناس لإحياء ذكراهم، وتلاوة سيرهم، وزيارة بقاياهم وآثارهم. ولكل أمة من ذلك أيام غُرٌّ مشهَّرات.
وأعياد هي مواسم للطبيعة؛ كأعياد الربيع في كل بلاد الغرب، حيث تلبس المدن حلة من الورد وتعرض فيها مواكب الزهر، قد جمعت في هذه المواكب زهرات الحقول وزهرات البيوت والقصور، وربما فرشوا الشارع كله ببساط من الفل والزنبق والياسمين والنسرين، مُزخرف منقوش (١)، ومن ذلك يوم النيروز أيام بني العبّاس، وعيد شم النسيم في مصر، وقد كانت بلدان الشام تعنى في القرن الماضي بمثل هذا العيد، فتبتغي فيه المتع المباحات والمسرات من غير أن تكشف العورات ولا أن تأتي المحرّمات.
وأعياد للهو واللعب، كأيام المساخر (الكرنفال).
والإفرنج يمزجون هذه الأعياد كلها مزيجاً عجيباً، فلا يخلو عيد الدين كيوم مولد المسيح ﵇ من أن يبدأ بالكنيسة وينتهي في الملهى، ولا يخلو عيد الوطن من مظاهر الدين، وكل شيء عندهم يدخل فيه الدين؛ حفلات تتويج ملكة الإنكليز تكون في الكنيسة وتتم عن يد الأسقف الأكبر، وحفلة الربيع يباركها
стр. 246
الخوري، وكل شيء لا بدّ له من هذه البركة، حتى إنزال السفينة الجديدة إلى البحر أو حفلة توزيع الشهادات في أوكسفورد.
هذه هي أعياد الناس، فما هو مكان عيدنا من هذه الأعياد؟
إن لنا في الإسلام عيدين لا ثالث لهما، وإن لم يكن ما يمنع من الاحتفال بذكريات الهدى والمجد، بيوم الهجرة وبيوم بدر مثلاً، احتفالاً يخلو من البدع والمحرمات ومن تلاوة هذه الأكاذيب التي اشتملت عليها الموالد، على أن لا تُعد أعياداً دينيةً، لأن الدين لم يشرع لنا إلاّ هذين العيدين: عيد الفطر، وعيد الأضحى؛ هذا احتفال ببداية نزول القرآن وإكمال الصيام، وذاك احتفاء باختتام الوحي وإتمام الدين.
وأعيادنا لله أولاً، لأنها أعياد عبادة وتبتل وتوجه إلى الله بالشكر والحمد والطلب والرجاء.
وهي للوطن (ووطن المسلم كل أرض تعلو فيها كلمة الله وتحكم شريعته) لأنها ذكرى أعظم حادث في تاريخ البشرية كلها: نزول القرآن في ليلة القدر من رمضان، وتمامه في حجة الوداع من ذي الحجة. وإذا كانت الأمم تحتفل بيوم الدستور وتجعله عيداً، فإن يوم الدستور الإلهي الذي أنشأ حضارة تفيأت ظلالَها الأممُ كلها حقيق أن يكون عيداً إنسانياً، يحتفل به كل من استفاد من حضارة القرآن.
وهي من أعياد الرجال، لأنها ذكرى أعظم رجل مسّت قدمه ظهر هذه الكرة: محمد ﷺ ؛ محمد الذي جاء بالصيام ليعلّم الأغنياء بهذا الجوع الاختياري أن في الدنيا من يجوع جوعاً
стр. 247
اضطرارياً، ولولا هذا الصيام ما كان يتصور الأغنياء كيف يكون الجوع. الذي قرر المساواة في رمضان حتى صار الغني الذي يملك الملايين يشتهي كِسرة الخبز وقطرة الماء كما يشتهيها الفقير المسكين. والذي قرر المساواة مرة ثانية حين جعل مَن له كنوز الأموال يقف مع السائل الذي لا يجد عشاء ليلة، وهو يلبس لباساً مثل لباسه، ويقف من عرفة موقفاً مثل موقفه، وينام على الأرض في المزدلفة مثل منامه، ويرمي الجمار في منى وسط الزحمة مثل رميه، وهنالك في هذا الموقف الأكبر، الذي لا تعرف البشرية في كل عصورها نظيراً له، وقف محمد ﷺ يقرر الحرية الشخصية، وحرية الرأي، وحرية المسكن، ويعلن المساواة بين الناس، فلا امتياز لجنس على جنس ولا لون على لون ولا أسرة على أسرة كما يمتاز الناس في أميركا في قرن العشرين وفي جنوب إفريقية! وإنما يتفاضلون بالمزايا الشخصية: بالإيمان والعلم والتقى والأخلاق. لقد قرر ذلك في خطبته التاريخية الخالدة في حجة الوداع، قبل أن تعلنه إنكلترا، وقبل الثورة الفرنسية، وقبل مبادئ ويلسون، وقبل ميثاق الأطلنطي الذي كتبوه على الماء بأكثر من ألف سنة! أعلنه إعلاناً حقيقياً تؤيده وقائع الحياة الإسلامية وأوضاع المجتمع الإسلامي، لا الإعلان الغربي الذي تُكذّبه شواهد الواقع ومظاهر الحياة في ديار الغرب.
وهي أعياد بطولة ورياضة. وما الحياة الرياضية إلاّ حياة الصبر والاحتمال وألاّ يزدهي صاحبَها النصرُ ولا تهدّه الهزيمة، وأن يستشعر الأخوّة الرياضية لشركائه في هذا الكفاح؛ وكل ذلك يتحقق على أتمه وأكمله في صيام رمضان وفي شعائر الحج.
стр. 248
وهي أعياد فرحة ومسرة، ولهو شريف، ومتاع حلال. والإسلام ليس دين تزمت ولا يحارب طبيعة النفوس التي طبع الله الناس عليها ولا ينافي الفطرة، ولكنه يمنع ما فيه الضرر. هذه هي المحرّمات، فكل لهو لا محرم فيه مطلوب شرعاً إن كان باعتدال وقصد، وإلى الحد الذي يقوي النفس على الخير ويُنشّطها للقيام بما يجب.
* * *
بقيت عليّ كلمةٌ واحدة: هي أن حكمة رمضان لا تتم في عيد الفطر إلاّ إذا شاركتم الفقراء في الأكل والشرب كما شاركتموهم في الجوع والعطش، وكنتم معهم في لذة الوجدان كما كنتم معهم في لوعة الحرمان، وأن لا تملؤوا أيدي أولادكم باللُّعَب والسّكاكر وفي أبناء جيرانكم أولاد مثلهم ينظرون إليهم وأيديهم خالية، وأن تعلموا أن مما رميتموه زهداً به من ثياب أولادكم ما يكون ثوب العيد وفرحة العمر لهؤلاء الأولاد، وأن كل غني يجد من هو أغنى منه وكل فقير يلقى من هو أفقر منه. والمسائل نسبية، والعصفور نملة إن قيس بالفيل، ولكنه فيل إن قيس بالنملة. فأعطِ من هو أفقر منك عشر ليرات هي عنده مئة ليرة وعندك ليرة، يبعث لك الله من يعطيك خمسة آلاف وهي لك خمسون ألفاً وهي عنده عشر ليرات. وإذا فرّحت أخاك بعطيتك فرّحك الله بعطية من عنده لا تحتسبها ولا ترتقبها، وثواب الآخرة أكبر.
فاختاروا -يا أيها القراء- مما يفضل من ثيابكم، وما يزيد من اللعب والسكاكر والحلويات عن أولادكم، فأرسلوه إلى أولاد الجيران الفقراء. دعوهم يعيشون يوماً واحداً من السنة كما تعيشون
стр. 249
أنتم كل يوم. ولا تعطوا عطاء الكبر والترفّع، إعطاء الصدقة، بل إعطاء الصداقة، ورب بسمة في وجه السائل أو شَدّة على يده أَحَبُّ إليه من المال الذي تضعه في كفه، لأن المال يحيي جسده وحده والمال مع الابتسامة يحيي جسده وروحه.
وحينما تخرجون من بيوتكم فتجدون هؤلاء الأطفال الصغار الذين كسوتموهم وأعطيتموهم الحلويات واللعب ينظرون إليكم بعيون تبرق بالشكر والحب ويبسمون لكم بأفواه تشرق بالسعادة والفرح، وتسمعون أمهاتهم يتمنين لكم طول العمر ولأولادكم كمال النِعَم، حينئذٍ تعلمون أن أعظم لذة في الدنيا هي لذة الإحسان.
أليس هذا خيراً من أن تجدوا في عيونهم نظرات الحسد وعلى ألسنتهم دعوات الموت والخراب؟
وهنيئاً لكم -بعدُ- قبول صيامكم، وهنيئاً لكم أفراح عيدكم، وكل عام أنتم بخير.
* * *
стр. 250
مجنون
نُشرت سنة ١٩٥٩
قال لي صديق في مصر يوماً: هل لك في زيارة مجنون؟
قلت: وهل فرغنا من زيارة العقلاء حتى نزور المجانين؟
قال: إنه مجنون عاقل.
فضحكت وقلت: هذا قياس فاسد؛ لأنه إن صحّ أن يكون هذا المجنون عاقلاً تكون أنت -أيها العاقل- مجنوناً.
قال: دعك من هذه الفلسفة، واذهب معي ترَ رجلاً يندر أن ترى مثله في الرجال.
قلت: ما صفته، ما شأنه؟
قال: كهل يعيش هو وزوجه العاقر. كان موظفاً فهبط عليه الغِنى فجأة، مات قريب له موسر وأورثه ماله كله، فاعتزل العمل وعاش متبطلاً.
قلت: إن الغنى سبب واضح للجنون. ولكن ما جنونه؟ هل يضرب؟ هل يخنق؟ هل يخوض في حديث طويل مع سائق الأتوبيس فيعرّض أربعين روحاً للخطر؟ هل يعتقد أن ما يكتبه