المنصب، بل غضباً لحريتي وكرامتي، وأنَفَة من أن يتحكم فيّ إنسان مثلي ويُملّك التصرف في عملي وفي رزقي. وأظلم عليّ الليل وأنا مستغرق ذاهل، أداري من نفسي غضبة أخشى أن تتفجّر تفجّر القنبلة ... وكان في غرفتي شعبة من الرادّ، فسمعت القارئ يقرأ حتى بلغ قوله تعالى: ﴿نَحنُ قَسَمْنا بينهم معيشتَهم في الحياةِ الدُّنيا﴾، فتنبّهت إليها كأني ما سمعتها قطّ، وكأنما نزل بها جبريل الساعة على قلب محمد ﷺ ، وأحسست أنها جاءت برداً على كبدي وسلاماً، فسكت عني الغضب وامَّحَتْ عن عيني الغشاوة، ورأيت حقيقة القدر رأي العين. وقلت: يا رب، إن كنت أنت الذي قدّر وقسم وأنت الذي أعطى ومنع فأنا راضٍ بما قسمت لي.
* * *
أسمعت؟ أسمعت يا أخي؟
هو الذي قسّم المعاش، هو الذي قدّر الأرزاق، وما يملك هؤلاء الناس عطاء ولا منعاً. ما الناس إلاّ وسائط، فهل تغضب على محاسب الدائرة في أول الشهر إذا أعطاك مئة وأعطى الرئيس مئتين؟ وما ذنبه حتى تغضب عليه؟ أهو الذي وضع المِلاكات وحدّد الرواتب، أم هو منفذ لما قُرّر من قبل وأُمضي؟
هذا هو مَثَلك ومثل من تظن أنهم أعطوك أو منعوك وأنهم قدّموا غيرك وأخّروك؛ إن هم إلاّ محاسِبون، أما الذي قرر جداول الأرزاق من الأزل وحدّد مقاديرها فهو الله رب العالمين، فما كان لك فسوف يأتيك على ضعفك، وما كان لغيرك لن تناله بقوتك. أتستطيع أن تنال ليرة من راتب زميلك مهما كنت قوياً
стр. 72
وكان ضعيفاً؟ ولو اجتمع أهل الأرض على أن ينفعوك لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو أجمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف.
فإذا لم يكن لك كل ما تريد، فلماذا لا تريد كل ما يكون فتستريح وتريح؟ وهذه هي نعمة الإيمان بالقدَر. وليس معنى الإيمان أن تستلقي على ظهرك وتنتظر أن ينزل عليك رزقك من السقف، فإن السماء (كما قال عمر) لا تمطر ذهباً ولا فضة، بل أن تجِدّ وتسعى وتعمل للدنيا كأنك تعيش فيها أبداً، وأن تجمع المال من كل وجه حلال، وأن تضرب في آفاق الأرض وتأخذ بأسباب الرزق ولا تدّخر جهداً هو في طاقة البشر لا تبذله للغنى. فإن لم تصل -بعد ذلك كله- إلى ما طلبت فلا يدفعك اليأس إلى الانتحار ولا يُسْلمك الغم إلى المرض، بل تعزَّ وارْضَ، وقل: لقد عملت ما عليّ ولكن الله لم يكتب لي النجاح، وأنا راضٍ بقضاء الله.
هذه هي حقيقة الإيمان في دين الإسلام، ليست تسييباً وكسلاً كما يظنها العوام وأشباه العوام. وأنت تعرف قصة الرجل الذي ترك ناقته على باب المسجد ودخل على رسول الله ﷺ ، فلما خرج لم يجدها فرجع فقال: يا رسول الله، ناقتي! تركتها وتوكلت على الله فضلّت. فقال رسول الله ﷺ : «قيِّدْها وتوكل على الله» (١).
стр. 73
هذا هو الإيمان. إن الله جعل الكسب مَنوطاً بالعمل، والنبات مقروناً بالحرث والزرع، والشفاء موقوفاً على الطب والعلاج. فمن قعد وطلب الربح لم يربح، ومن أراد الحصاد ولم يزرع لم يحصد، ومن طلب الشفاء ولم يتداوَ لم يُشْفَ. والله لا يُبَدّل قوانين الكون وسنن الوجود إرضاء لكسول أو خَمول. فاعمل وادأب، وخذ وطالب، ولا تسكت عن حقك ولا تقصّر في ابتغائه، ولكن لا تدع اليأس يدخل عليك والحقد الأسود يأكل قلبك، ولا تقل: ما لفلان وفلان؟ فلقد كنت يوماً مثلك؛ أجد من هم دوني ومن كانوا تلاميذي قد حازوا الجاه والمال وبلغوا أعلى المناصب فأتألم، ثم قلت لنفسي: "يا نفس ويحك، ومن أعطاك العهد على أن تكوني أبداً فوق الناس، أوَليس خيراً لك يا نفس أن أدخل على وزير أو كبير فيجلّني ويراني مثله، من أن أدخل على من يستصغرني ويراني دونه، أوَلست في خير؟ أوَلا أتقلّب في النعم؟
وبرئت من مرض الحسد فاسترحت، وصرت أنظر إلى نعم الله عليّ فأراني لا أستحق بعضها. وهأنذا اليوم لا أشكو شيئاً وأعبّ السعادة، والله، عبّاً.
وليس في الدنيا أحدٌ لا يجد من هو أفضل منه في شيء ومن هو أقلّ منه في أشياء. إن كنت فقيراً ففي الناس من هو أفقر منك، وإن كنت مريضاً أو معذَّباً ففيهم من هو أشدّ منك مرضاً وأكثر تعذيباً، فلماذا ترفع رأسك لتنظر من هو فوقك ولا تخفضه لتبصر من هو تحتك؟ إن كنت تعرف مَن نال من المال والجاه ما لم تنله أنت وهو دونك ذكاء ومعرفة وخُلقاً، فلمَ لا تذكر مَن أنت دونه
стр. 74
أو مثله في ذلك كله وهو لم ينل بعض ما نلت؟
وفلسفة الرزق أدقّ من أن تُدرَك وأبعد من أن تنال. وانظر إلى الناس ترَ منهم الغوّاصين الذين جعل الله خبزهم وخبز عيالهم في قرارات البحار فلا يصلون إليه حتى ينزلوا إلى أعماق الماء، والطيارين الذين وضع خبزهم فوق السحاب فلا يبلغونه حتى يصعدوا إلى أعالي الفضاء، ومَن كان خبزه مخبوءاً في الصخر الأصمّ فلا يناله إلاّ بتكسير الصخر، ومَن رزقه في مجاري المياه الوسخة أو المناجم العميقة التي لا ترى وجه الشمس ولا بياض النهار، ومَن يأخذه بيده أو برجله أو بلسانه أو بعقله، ومَن لا يصل إلى الخبز إلاّ ببذل روحه وتعريض مهجته للهلاك، كلاعب (السِّرْك) الذي يترصّده الموت في كل مكان، فإن لم يدركه ساقطاً على رأسه أدركه وهو بين أنياب الأسد أو تحت أرجل الفيل!
فاحمد الله أن جعل رزقك على مكتبك، تصل إليه وأنت قاعد على كرسيّك، لم يجعله في رؤوس الجبال، ولا في أعماق البحار، ولا في مواجهة الأسد والنمر.
وهذه المزايا التي تقول إن الله أعطاكها: مَزيّة الفهم والجِدّ والدأب والاستقامة والأمانة، أليست نِعَماً تستحق أن تحمد الله عليها؟ أوَترضى أن تزداد مالاً وأن تكون عيياً غبياً، أو جاهلاً أو خاملاً، أو لصاً أو مجرماً؟ فلا تأسف إذا أُعطيت هذه النعم كلها وحُرمت المال الوفير، بل ائسَفْ إن حُرِمتَها وأُعطيتَ أموال قارون.
وهل السعادة -يا أخي- بالمال؟ ما المال إن لم تُشرَ به
стр. 75
متعة عيش، أو لذة نفس، أو مكرمةٌ يبقى ذكرها، أو صالحةٌ ينفع أجرها؟ المال وسيلة، فإن لم يُتوسَّل به إلى نعيم الدنيا أو سعادة الآخرة كان ورقاً مصوَّراً أو معدناً برّاقاً. كالذي زعموا أنه كان له دعوتان مستجابتان، فدعا ربه أن يجعل كل شيء تمسّه يده ذهباً، فأعطيها فكاد يطير عقله من الفرح، وانطلق يلمس كل ما يجد فيحوّله ذهباً، حتى جاع فأخذ الصحن ليأكل فصار ما فيه من الطعام ذهباً، وعطش فحمل الكأس ليشرب فصار ما فيها من الماء ذهباً، فقعد جوعان عطشان، فأقبلت ابنته تواسيه، فعانقها، فصارت تمثالاً من الذهب. فدعا ربه الدعوة الثانية: أن يعيد كل شيء كما كان، لأنه أدرك أن الرغيف للجائع والكأس للعطشان والبنت للأب خيرٌ من ملء الأرض ذهباً.
وأنت تستطيع بمُرَتّبك القليل -إن أحسنت التصرف فيه واستشعرت الرضا به- أن تكون أسعد ممن له الآلاف المؤلفة من الليرات. وأنا أعرف رجالاً يدخل على الواحد منهم في يومه ما لا يدخل عليّ في السنة والسنتين من المال، وأنا أعيش عيشاً أرفه وأرغد مما يعيشون: لا آكل أطيب مما يأكلون ولا ألبس أفضل مما يلبسون ولا أُمتِّع نفسي أكثر مما يتمتعون، ولكن أرضى أكثر مما يرضون.
ولي بعد ذلك لذائذ هم محرومون منها: لذة المطالعة أمام المدفأة في ليالي الشتاء، ولذة التفكير الحالم في الفراش قبل النوم، ولذة المناظرة في مجالس العلم والأدب، ولذة المحاضرة في النوادي والإذاعات. وهم يحتاجون إليّ؛ يسألونني فأعلمهم ويجيئون إليّ فأحكم بينهم، وأنا لا أحتاج إلى واحد منهم لأنهم
стр. 76
إنما يَفْضُلونني بالمال، وأنا لا أطمع في أموالهم ولا أرضى أن آخذ منهم. وأنا إن أردت القناعة والرضا وجدت من المال ما يكفيني، وإن لم أقنع ولم أرضَ لم تكفني أموال الدنيا.
وما يصنع بالمال مَن يدخل عليه في شهره العشرة الآلاف، والعشرون والخمسون، من كبار التجّار والموسرين؟ أيمكن أن يلبس الرجل عشر بذلات معاً؟ أو أن يأكل عشرين رغيفاً في غداء؟ أو ينام على خمسة أسرة في وقت واحد؟ إلاّ أن يكون الإنفاق في السرف والترف والفسوق والعصيان، وهذا شيء ليس له حدود، ويمكن أن ينفق المرء في ليلة واحدة على الخمر والعهر ما جمعه في عشر سنين ... ويمكن أن يشعل دخينته (سيكارته) بورقة أمّ مئة ليرة، ولكن هذه كلها أفعال السفهاء المجانين، ونحن نتكلّم عن العقلاء من الناس.
ولقد بقيت مرة وحدي في المحكمة الشرعية القديمة، فقعدت أمام البحرة (١) وأردت أن تمتلئ حتى يفيض الماء من جوانبها، ففتحت «السّباع» كلها، فتدفق الماء ولكنها لم تمتلئ، فعجبت وقمت أفتش فوجدت «الهارب» الكبير مفتوحاً، فسددته ففاض الماء.
فعلمت أنه ليس العبرة بفتح «السبع» ولكن بسدّ «الهارب»؛ العبرة بتقليل المصروف لا بتكثير الوارد. فلا تَاسَ على نفسك
стр. 77
إن قلّ مرتبك وارضَ فإن الرضا هو السعادة، يفتش عنها الناس ويبحث عنها الفلاسفة ويهيم بها الأدباء، وهي تحت أيديهم، كالذي يفتش عن نظّاراته في كل مكان ويسأل عنها في الدار كل إنسان، والنظارات على عينيه!
السعادة بالرضا والإيمان.
* * *
واعلم -بعدُ- أن كل حال إلى زوال، فلا يفرحْ غني حتى يطغى ويبطر ولا ييأسْ فقير حتى يعصي ويكفر، فإنه لا فقر يدوم ولا يدوم غنى، وكم من رجال نشؤوا على فرش الحرير وشربوا بكؤوس الذهب، وورثوا كنوز المال، وأذلوا أعناق الرجال وتعبّدوا الأحرار، فما ماتوا حتى اشتهوا فراشاً من صوف يقي الجنب عَضَّ الأرض ورغيفاً من خبز يحمي البطن من قرص الجوع. وآخرون قاسوا المِحَن والبلايا وذاقوا الألم والحرمان وطووا الليالي بلا طعام، فما ماتوا حتى ازدحمت عليهم النعم وتكاثرت الخيرات، وصاروا من سُراة الناس. وهل في الدنيا غني لم يكن -يوماً- أو لم يكن أبوه أو جدّه فقيراً؟ وكم في الدنيا من فقير صار أو صار ولده أو حفيده ربّ الملايين!
فلا ييأس أحد؛ فربما صار ابنُ فرّاش المحكمة رئيسَها وصار ابنُ الرئيس فرّاشها، وغدا ولد صاحب الأرض فلاحاً يشتغل بطعام يومه. وإنما هي الأيام يداولها الله بين الناس، ككرة الملعب: ما تكون بيدك إلاّ ريثما تنتقل إلى غيرك. والعمر كله ماضٍ، فهل يبقى لك المال إن ذهبت الحياة؟
стр. 78
وسيسوّي الموت بين الأحياء جميعاً: الغني والفقير في نظر الدود سواء، والمالك والأجير، والصعلوك والأمير، والكبير والصغير؛ كلهم يصير إلى البلى والانحلال، ثم يلقى السعادة الدائمة أو الشقاء الخالد.
قم في المقبرة تَلْقَ قبراً يشمخ بأنفه كِبراً على القبور، يُزْهى بالرخام المجزَّع المنقوش (١) ويضحك بالزهر والورد، وآخر متعثراً بالطين يئن تحت أقدام السائرين، وقبراً ثالثاً قد مات كما مات من فيه فعاد القبر تراباً في الأرض ... تتفاوت المظاهر ولكن اتحدت البواطن، فما فيها كلها إلاّ رمم بالية وعظام نخرة، لا تختلف رمة عن رمة ولا عظام عن عظام، ولا تميز جمجمة الملك من جمجمة الصعلوك ولا ساق القاضي الذي حكم من ساق المجرم الذي حُكِمَ، وما ردَّ قبرٌ الحياةَ على ميت ولو كان قبر الإمبراطورة شاهجهان (٢).
ما يبقى للميت إلاّ الذكر في الدنيا والعمل للآخرة. وما الذكر -إن حققت- وما الشهرة إلاّ خدعة كبرى ليس وراءها شيء، سراب. والعمل الصالح هو وحده الباقي.
* * *
стр. 79
لصوص الوقت
أذيعت من دمشق سنة ١٩٥٢
لي عادة قبيحة هي أن أسير في عملي على قاعدة «لا تؤخر إلى الغد ما تستطيع عمله بعد غد»؛ فأنا أرجئ كتابة مقالاتي وأحاديثي إلى اللحظة الأخيرة، ثم أجمع ذهني وأسرع في كتابتها. أي أني على طريقة الأرنب لا على طريقة السلحفاة. وقد قال أناتول فرانس: «ليقل لافونتين ما شاء، فإن الأرنب تسبق السلحفاة دائماً».
فلما كلفتني محطة الشرق الأدنى بهذا الحديث أخّرته، حتى إذا لم يبقَ على موعد تسجيله إلاّ ساعتان ومدةُ السفر إلى بيروت اعتكفت في غرفتي وبدأت أفكر في الموضوع، فلا أعتمد موضوعاً. وإني لفي تفكيري، وإذا بباب الغرفة يُفتح بلا إنذار ولا إعذار ولا استئذان، وإذا بشابين غريبين عني لا أعرفهما يدخلان عليّ دخول ألمانيا على بلجيكا في الحرب الماضية، أما أحدهما فله رأس كبير كرأس دب هائل، قد نفش شعره من فوق ومن الجانبين حتى كأنه ديك حبش (١) قد خرج من معركة ... ووضع
стр. 80
فوق فمه شاربين لا شرقيين ولا غربيين، يمتدان فوق الشفتين كأنهما حاجبا فتاة، ثم ينزلان على جانبي الفم كذنَب الفأر، وقد منحه الله أكبر قسط من الغِلاظة (بكسر الغين) (١) والعياذ بالله ... أما الآخر فقد حَفَّ جانبَي رأسه وعند صدغيه كأن قد لحستهما قطة وهو نائم، وأطال شعره من فوق ... على طريقة العم سام.
وقعدا. وخرجت أسأل في الدار مَن أدخل عليّ هذا البلاء، فإذا هي ابنتي الصغيرة سمعت قرع الباب ففتحته، ورأت الضيوف فأدركتها نوبة مبكرة من حُمّى الكرم الشرقي الذي لا يرد ضيفاً أبداً، فأدخلتهما وأشارت بأصبعها الصغيرة إلى غرفتي، فهبطا عليّ كموت الفجأة!
وسلّما فرددت رداً ضعيفاً فاتراً، وسألتهما بشيء من الجفاء عن الخدمة التي أستطيع أن أؤديها لهما. وهذا معناه في البلاغة الجديدة: "انصرفا فلست مستعداً لأن أؤدي لكما خدمة". فانطلق الغليظ ذو الشعر المنفوش وأخذ يتكلم متحذلقاً متفيهقاً متفاصحاً بصوت يخرج نصفه من أنفه ونصفه من بطنه، والباقي (إن كان بقي شيء) يبلع بعضه ويجترّ بعضاً ... وجعل يدور ويقدم المقدمات من قبل الطوفان، وأنا أتصبّر وأكاد أنشقُّ من الغيظ وأحس أن كل عصب من أعصابي يُسحب كوتر العود ثم يُطلَق ...
стр. 81
وكلما وقف عند جملة ابتسم ابتسامة تقطع الرزق وتأمّل نفسه معجباً كعجوز متصابية أمام مرآتها تقول: ما أجملني! فإذا أخونا المحترم يريد أن يؤلف فرقة مسرحية، ولم يَرَ في الأدباء من هو أحقّ مني بشرف تأليف الرواية الأولى لها.
قلت: وكم مدة التمثيل؟
قال: نصف ساعة فقط.
قلت: تدفعون مئتي ليرة؟
ولا أطيل على القراء وصف ما كان، ويستطيعون أن يتصوروا النتيجة بسهولة، إلاّ أن ما لا يستطيعون تصوره هو أن الأخ قال لي وهو خارج: بَسْ آسف. إنّا لم نكلفك شيئاً، إنها لا تكلفك إلاّ ساعة من وقتك.
* * *
لا تكلفني شيئاً إلا ساعة من وقتي! هذا هو الموضوع الذي كنت أفتّش عليه، لقد وجدته. الموضوع هو سرقة الوقت، والوقت هو العمر، وهو أعزّ شيء على الإنسان. ولولا الوقت ما كسب مال، ولا حصل علم، ولا نال أحد دنيا ولا ضمن أخرى، فهل في السرقات أفظع وأعظم من سرقة أوقات الناس؟ ومن منا لا يشكو منها ولا يتألم؟ ثم لا يستطيع أن يدفع ذلك، ولا يستطيع أن يشكو أمره إلى القاضي، لأن القانون جعل سرقة خمس ليرات جريمة يعاقَب فاعلها وترك من يسرق الوقت الذي يساوي ألف ليرة لا يعاقبه ولا يعاتبه.
стр. 82
فماذا أصنع وكيف أفرّ من هؤلاء الذين يسرقون وقتي؟ آتي المحكمة منذ الصباح لأدقق في دعاوى اليوم فيدخل عليّ صديق ثقيل، لا يمنعه إغلاق الباب ولا بكور الوقت، فأحاول صرفه بالحسنى فأحادثه حتى أظن أني قد قمت بحقه وأنه قد سكت فأنصرف إلى عملي، فلا أكاد أجمع ذهني وأقبل على أوراقي حتى يفتح فمه ويلقي الجوهرة: "كيف الصحة؟ " ... "الله يحفظكم، الحمد لله. بس الشغل كثير، كل يوم نحو أربعين دعوى كما ترى، فأنا آتي باكراً لأدققها". وأقول في نفسي إنه لو كان حيواناً لفهم الآن. وأرجع لعملي مطمئناً، فلا تمضي مدة حتى يلقي جوهرة أخرى: "قضايا الطلاق كثيرة مو هيك؟ " (١)، فأجيب بما تيسر، ويسكت. فأعود إلى عملي، فلا أكاد أستغرق فيه حتى ينطق المحترم فيقول: "يمكن القضاء مزعج؟ "، فأنفزرُ (٢) وأنفجر وأنسى كل آداب الاجتماع وأصرخ فيه: "بل أنت والله المزعج، مانك شايف شغل جاي تتسلى على حسابي؟! ". ويذهب يحدّث الناس بأني غليظ شرس، مغرور بالوظيفة، قليل التهذيب. ويشيع فيّ مقالة السوء.
فماذا أصنع أيها القارئ الكريم؟
وأكون ماشياً في الطريق مستعجلاً مسرعاً إلى موعد لا بدّ منه وقد قدّرت أن أصل على الدقيقة، فيطلع عليّ غليظ كأنه مارد
стр. 83
انشقت عنه الأرض، ويمدّ إليّ ليصافحني يداً كمجرفة الخبّاز التي يجرف بها الخبز من بيت النار، ويمضي ليحدّثني حديثاً لا ينفعني ولا ينفعه، وإنما هو كلام فارغ امتلأت به نفسه فلم يجد أحمقَ يصبّه في أذنه لينفّس عن نفسه إلاّ أنا ... أو يناديني من بُعد ثلاثين متراً: "أستاذ ... " فأتصامم وأسرع كأني ما سمعت، فيصرخ "يا أستاذ طنطاوي"، ويتطوع ثلاثة على الأقل من المارين والواقفين فيعاونونه عليّ وينادون: "يا أستاذ طنطاوي"، فيصير الأستاذ الطنطاوي لا «عَلَماً في رأسه نار» بل شعلة مدخَّنة على عصا لها صوت، فهي تشغل السمع والبصر والشم، والحمد لله على الشهرة! وأقف أنتظر هذا الرجل الذي يناديني كأن له عليّ دَيْناً حان سداده، أو كأني مجرم فارٌّ وهو شرطي أمين، أو كأن عنده بشارة لي بأن قريباً لي لا أعرفه من أسلافي في طنطا مات وأورثني عشرة آلاف جنيه ... ويصل فيقول: يا أستاذ وينك؟ والله مشتاق إليك، كيفك؟ كيف حالك؟
فماذا -يا ناس- ماذا أعمل له؟ أضربه؟ أسبّه؟ أتركه وأمشي؟ أخشى أن يقول الناس: «غير مهذَّب»، فأُضطر إلى محاسنته وملاطفته وأن أدعه يقول لي: "مشتاق" فأقول: "أنا بالأكثر"، وكلانا كاذب!
والذي يفيق من الصبح يظن أن الناس كلهم مثله فيطرق عليّ الباب من الساعة السادسة، فأقوم من الفراش مذعوراً، وإذا بالزائر من لطفه يقول: "ما بدّي أعطلك، بننزل سوا". كأن الإنسان يقفز عادة من سريره إلى باب الزقاق، ولا يدري -حفظه الله- أنه يعمل أشياء، ويغسل، ويأكل ويلبس، فأضطر أن أدع هذا كله
стр. 84
وأن أقعد لأونسه وأسليه وأسمع ثرثرته!
وآخر يسهر يظن أن الناس كلهم مثله، فيطرق عليّ الباب الساعة العاشرة ليلاً، فأدع نومي لأقعد معه إلى نصف الليل أحادثه وأصغي إلى هذيانه، وأوقظ ربة الدار التي تعبت طول النهار لتترك راحتها ونومها وتعمل له القهوة والشاي، وربما زاد معه اللطف ورفع الكلفة فطلب العشاء!
وثالث يدهمني وأنا خارج من الدار إلى عملي أو موعدي ويُرجعني لأقعد معه!
فمتى يا ناس، يا أيها المستمعون والمستمعات، نعرف قيمة الوقت؟ ومتى نعلم أن من يسرق من آخر ساعة من وقته يكون كأنه سرق ديناراً من جيبه؟ ومتى نتأدب بآداب القرآن ونذكر قوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلوا بيوتاً غيرَ بُيوتِكُمْ حتّى تَسْتَانِسوا﴾ أي: تستأذنوا، وقوله: ﴿وإنْ قيلَ لكُمُ ارْجِعوا فارْجِعوا ...﴾.
آسَفُ أن الإفرنج حفظوا آداب ديننا هذه ونحن نسيناها!
* * *
стр. 85
الوظيفة والموظّفون (١)
نشرت سنة ١٩٣٥
اعلَمْ -أعزّك الله- أن الوظيفة ليست غُلاًّ في العنق، ولا قيداً في الرجل، وليست مقايَضَة أو مُبادَلة آخُذُ فيها الوظيفة (٢) باليمين لأعطي الضمير بالشمال، ولو أنها كانت كذلك لعزفتُ عنها واجتويتها ونفضت يدي منها، ولآثرت أن أبيع خزانة كتبي كَرّة أخرى أو أقضي وأسرتي جوعاً على أن آكل خبزي مغموساً بدم الضمير، وعلى أن أكفر بالفضيلة وأومن بالمصلحة، فأزن كلّ شيء في الدنيا بميزانٍ صنجاتُه (٣) الدنانير وأبصر كلّ ما في الكون من ثقب القرش (٤)، وأفكر -إذ أفكر- بعقلي الذي في كيس نقودي لا بعقلي الذي في رأسي، فأختزل المنطق كله في
стр. 86
قضية واحدة، هي الأولى والأخرى، وهي الحق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهي الكتاب المعجِز الذي لا يُفرّط فيه من شيء ولا يعجزه شيء، فيكون المنطق كله هذه القضية: «تحصيل المال واجب»، وفي هذا الأمر تحصيل مال، فهذا الأمر واجب! وضَعْ مكان «هذا الأمر» ما تشاء من أفعال اللؤم والخسّة، والكذب والنُّذولة، والضّعة والفُسُولة، تنتظِم القضية وتستقِم، وتصح وتطَّرد، ولا يبقَ في الدنيا رديء ولا فاسد منكَر ما دام معه المال.
لا يا سيدي! لست أسألك هذه الطريق التي لا أزال أحذّر منها مَن لم يسلكها وأصرف عنها سالكيها. وإن كان السّالكوها هم الكثرة من موظفينا وعلمائنا ومن كل ذي وظيفة أو صاحب صلة بالحكومة، حتى إن الرجل من هؤلاء ليأتي الأمر يعترف أنه مؤذٍ للأمة، منافٍ للفضيلة، مناقضٌ للشرف، فيحتجّ له بأن مصلحته تقتضيه ومعيشته تستلزمه، وأنه رجل (عاوز يعيش ...)، ولا يعيش من لا يساير وينافق ويَذِلّ ويَتزلّف. لا يدري الجاهل أن المعيشة على الصَّعْتَر مع الشرف خير من حياة النعيم والترف من غير فضيلة ولا شرف!
* * *
ومن أنبأك -أعزّك الله (١) - أن الموظف لا يحق له أن يفكر إلاّ بعقل رؤسائه ولا يرى إلاّ بعين أمرائه، فلا يُحِقّ من الآراء ما أبطلوا ولا يقبل ما ردّوا ولا يوقّر ما سفّهوا، ولا يرى ما استقبحوا
стр. 87
حسَناً ولا ما كتموا ظاهراً، ولا ما صغّروا كبيراً ولا ما عظّموا حقيراً؟ أوَلو كان رؤساؤه مخطئين؟ أوَلو كانوا لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟
ومَن ذا حظر عليه ما أبيح للناس، ومنعه ما مُنحوا من حرية التفكير وحرية الرأي وحرية القول؟ ولماذا يشتهي من الطعام ما يعافه رئيسه، ويستحسن من أبيات الشعر وأصوات الغناء ما يستهجنه ويستثقله، ولا يكون عليه في ذلك من حرج، ثم لا يتخذ له من الآراء غير رأيه ومن المذاهب غير مذهبه؟ ولماذا لا ينشر هذا الرأي ويؤيد هذا المذهب، ما دام لا يأتي محرَّماً في الشرع ولا ممنوعاً في القانون؟
والوظيفة -يا سيدي- عَقْدٌ بين الدولة والموظف (١)، على أن يعمل عملاً بعينه، على جُعْلٍ بذاته. فهل يعمل الأجير في الدُّكان، والعامل في المصنع، والنّادل في الفندق، والخادم في البيت، وكلُّ مأجورٍ من الناس في عمل جلّ أو قلّ، علا أو سَفُلَ، فإذا أكمل عمله وجوّده استحق الأجر، وانطلق حراً في وقته يقضيه على ما أَحَبّ، حراً في ماله ينفقه على ما شاء، حراً في رأيه ينحو به النحو الذي أراد ويسوقه المساق الذي اختار ... ثم لا يكون الموظف حراً أبداً ولا يملك من أمر نفسه شيئاً؟
وماذا عليّ وأنا مدرّس -إذا أنا أعدَدْتُ درسي وألقيته، وقرأت وظائف تلاميذي وصحّحتها، وفعلت كل ما يوجب
стр. 88
عليّ القانون أن أفعل، وزدت على الواجبِ النوافلَ- أن أؤلّف وأكتب، وأنقد الأخلاق والكتب والعادات، وأساهم في الجهاد الإصلاحي، وأحمل القسط الذي أطيقه من أثقال الأمة؟ ومن ذا يحمله إذا لم أحمله أنا وأمثالي من الموظفين والمتعلمين؟ وكيف تتقدم الأمة وتسير في طريقها إلى غايتها إذا لم تجد بين أبنائها من يحمل أثقالها؟
فهل يريد سيدي -أعزّه الله- أن أمحو مَلَكة الكتابة من رأسي، وأطمس نور البصيرة من قلبي، وأسدل على عيني حجاباً حتى لا أرى فأسرّ فأشكر أو أبتئس فأنقد، وأهجر الكتب حتى لا أقرأ فيفتح علي الكتاب طريقاً إلى مقالة، وأتعزّل الناس حتى لا أسمع حديثاً فأكتب عن هذا الحديث، أو قصة فأدوّن هذه القصة وأدلّ على مكان العبرة منها وموطن العظة فيها؟ فهل يريد سيدي أن أذهب إلى غار في الجبل فأحبس نفسي فيه كيلا أكتب فأزعج معاليه؟
وهل توجِب الوظيفة على صاحبها أن يكون عبداً لرؤسائه، مسخَّراً لأغراضهم ساعياً في مصالحهم، ولو كانت الطريقُ إلى إرضائهم طريقاً ملتوية معوجّة لا يسلكها رجل يعرف ما هي الفضيلة ويدري ما هو الشرف؟
وهل توجب الوظيفة على الموظف أن يكون مبتوراً من جسم الأمة، فلا يشعر بشعورها ولا يألم لألمها، ولا يحسّ أنه منها ولا يشاركها في شيء من عواطفها، في حين أن المفروض في الموظف أنه من أرقى أبناء الأمة فكراً وأوسعهم اطلاعاً وأشدّهم شعوراً بـ «الواجب العام»؟
стр. 89
وهل يأخذ الموظفون رواتبهم من صندوق الأمة ليناموا آمنين إذا هي خافت، ويضحكوا فرحين إذا هي تألمت، وينعموا فارهين إذا هي شقيت، ويأكلوا مسرفين إذا هي جاعت؟
كلا! كلا يا سيدي؛ فالموظف من الأمة وإلى الأمة. وليس في البلد شعب وموظفون، ولكنّ فيه شعباً واحداً يشعر بشعور واحد، ويصدر عن مبدأ واحد ويسعى إلى غاية واحدة. ولأن تعرف أنت هذه الحقيقة فتعمل بها أولى من أن أنزل أنا عند رأيك وأخضع لإرادتك فيما يؤذي الحقيقة وينافيها.
كلا! لقد انقضى ذلك العهد الذي كان الموظف فيه مسؤولاً أمام رئيسه، وأصبحنا اليوم وكلنا مسؤولون أمام الأمة والتاريخ (١). وليس هذا الراتب منحة منك حتى تمنّ به عليّ، ولكن راتبك أنت منحة من الأمة (التي أنا من أبنائها) تمنّ هي به عليك.
* * *
وبعد؛ أفليس مما يجب على قادة الفكر وأرباب الأقلام، أن يعرّفوا الناس حقيقة الوظيفة والموظفين، وحق الأمة عليهم وأمل الأمة فيهم؟ أوَليس يجب عليهم معالجة هذه النواحي من أخلاقنا، وبسط الكلام فيها، وتحذير السالمين منها، ومداواة المصابين فيها؟
* * *
стр. 90
الوعد الشرقي
نشرت سنة ١٩٥٢
كنت أمس وراء مكتبي فسمعت صوتاً هائلاً له رنين وصدى، كأنه صوت رجل ينادي من قعر البئر أو يصرخ في الحمام، يقول: السلام عليكم.
فرفعت رأسي فإذا أمام وجهي بطن الرجل، وكأنه بطن فرس ضخم من أفراس البحر، أما رأسه فكان في نصف المسافة بيني وبين السقف، ومدّ إليّ يداً كالمخباط يصافحني، ثم عمد إلى أكبر مقعد في الغرفة فحاول أن يُدخل نفسه فيه فلم يستطع فلبث واقفاً، وعرض حاجته وهي دعوتي إلى اجتماع للمصالحة بين أخوين من إخواننا. ولم يكن من عادتي إجابة مثل هذه الدعوة، وهممت بالرفض لولا أني قست بعيني طول الرجل وعرضه، وعمقه وارتفاعه، فآثرت السلامة ووعدته.
قال: أين نلتقي؟
فخفت أن أدلّه على الدار فيدخل فلا أستطيع إخراجه، فقلت له: هنا، الساعة الثالثة بالضبط.
قال: نعم. وولى ذاهباً وكأنه عمارة تمشي!
стр. 91
وجئت في الموعد، فوجدت المحكمة مغلقة، وقد نسيت أن أحمل المفتاح فوقفت على الباب والناس ينظرون إليّ، فمن عرفني أقبل يسألني فأضطر لأن أشرح له القصة، ومن كان لا يعرفني حسبني أحد أرباب الدعاوى فقال: "ما فيها أحد، سكّرت المحكمة"، فلا أرد عليه، وأنا واقف أتململ من الضجر، أرفع رجلاً وأضع أخرى، وأُقبل مرة وأُدبر مرة، أنظر من هنا ومن هناك، فكلما رأيت من بعيد شيئاً كبيراً أحسبه صاحبي، فإذا اقترب رأيت جملاً عليه حطب أو حماراً فوقه تبن، أو تاجراً من تجار الحرب الذين انتفخوا من كثرة ما أكلوا من أموال الناس ... حتى مضت نصف ساعة، وأحسست النار تمشي في عروقي غضباً منه ومن نفسي أن لنت له ولطفت به. وذهبت إلى الدار وأنا مصدوع الرأس مهيج الأعصاب، فألقيت بنفسي على الفراش. فلم أكد أستقر لحظة حتى سمعت رجة ظننت معها أن قد زلزلت الأرض بنا أو تفجرت من حولنا قنبلة، وإذا أنا بصاحبي الضخم، قد فتحت له الخادم فراعها أن رأت فيه فيلاً يمشي على رجلين، فأدخلته عليّ بلا استئذان وولّت هاربة تحدّث مَن في الدار حديث هذه الهولة المرعبة.
ونفخ الرجل من التعب كأنه قاطرة قديمة من قاطرات القرن التاسع عشر التي لا تزال تمشي بين دمشق وبيروت، وألقى بنفسه على طرف السرير، فطقطق من تحته الحديد وانحنى.
وأخرج منديلاً كأنه ملحفة، ومسح به هذه الكرة المركَّبة بين كتفيه وقال: هيك يا سيدنا؟ ما بتنتظر شوية؟ شو صار؟ حَمَّل الحج؟ سارت الباخرة؟ الإنسان مسيَّر لا مخيَّر، والغائب عذره
стр. 92
معه، والكريم مسامح. وعدنا وعد شرقي.
وعد شرقي؟ أليس عجيباً أن صار اسم «الوعد الشرقي» عَلَماً على الوعود الكاذبة، واسم «الوعد الغربي» عَلَماً على الوعد الصادق؟
من علّم الغربيين هذه الفضائل إلا نحن؟ من أين قَبَسوا هذه الأنوار التي سطعت بها حضارتهم؟ ألم يأخذوها منا؟ من هنا أيام الحروب الصليبية، ومن هناك، من الأندلس، بعد ذلك. وهل في الدنيا دين إلا هذا الدين «الشرقي» يجعل للعبادات موعداً لا تصح العبادة إلا فيه، وإن أخلفه المتعبّد دقيقة واحدة بطلت العبادة؟ إن الصوم شُرع لتقوية البدن وإذاقة الغني مرارة الجوع حتى يشفق على الفقير الجائع، وكل ذلك يتحقق في صوم اثنتي عشرة ساعة واثنتي عشرة ساعة إلا خمس دقائق، فلماذا يبطل الصوم إن أفطر الصائم قبل المغرب بخمس دقائق؟ أليس لتعليمه الدقة والضبط والوفاء بالوعد؟ ولماذا تبطل الصلاة إن صليت قبل الوقت بخمس دقائق؟ والحج؟ لماذا يبطل الحج إن وصل الحاج إلى عرفات بعد يوم الوقفة، أليس لأن الحاج قد أخلف الموعد؟
أوَلم يجعل الإسلام إخلاف الوعد من علامات النفاق، وجعل المخلف ثلث منافق؟ فكيف نرى -بعد هذا كله- كثيرين من المسلمين لا يكادون يفون بموعد، ولا يبالون بمن يخالف لهم وعداً أو يتأخر عنه، حتى صار التقيد بالوعد والتدقيق فيه والحرص عليه نادرة يتحدث بها الناس، ويعجبون بصاحبها ويعجبون منه، وحتى صارت وعودنا مضطربة مترددة لا تعرف الضبط ولا التحديد؟
стр. 93
يقول لك الرجل: «الموعد صباحاً». صباحاً؟ في أي ساعة من الصباح؟ في السادسة؟ في السابعة؟ في الثامنة؟ إنك مضطر إلى الانتظار هذه الساعات كلها. «الوعد بين الصلاتين»، وبين الصلاتين أكثر من ساعتين! «الوعد بعد العشاء»! أهذه مواعيد؟! هذه مهازل وسخريات، لقوم لا عمل لهم ولا قيمة لأوقاتِهم، ولا مبالاة لهم بكراماتهم!
هذه مواعيدنا في ولائمنا وحفلاتنا، وفي اجتماعاتنا الفردية والعامة.
دُعيت مرة إلى وليمة عند صديق لي قد حدد لها ساعة معينة هي الساعة الأولى من بعد الظهر، فوصلت مع الموعد فوجدت المدعوين موجودين إلا واحداً له عند صاحب الدار منزلة. وتحدثنا وحلت ساعة الغداء، وتوقعنا أن يدعونا المضيف إلى المائدة فلم يفعل، وجعل يشاغلنا بتافه الحديث ورائحةُ الطعام من شواء وقلاء وحلواء تملأ آنافنا، وتصل إلى معدنا الخاوية فتوقد فيها ناراً، حتى إذا اشتد بي الجوع قلت: هل عدلت عن الوليمة؟
فضحك ضحكة باردة وخالها نكتة، فقلت: يا أخي، جاء في الحديث أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. ونحن جماعة وهي واحدة، وهي قطة ونحن بشر!
فتغافل وتشاغل، ثم صرّح فقال: حتى يجيء فلان.
قلت: إذا كان فلان قد أخلف الموعد، أفنُعاقَب نحن بإخلافه؟ وهل يكون ذنبنا أنّا كنا غير مُخْلفين؟
стр. 94
والحفلات مثل الولائم. يُكتب في البطاقة أنها تبدأ في الساعة الرابعة، وتبدأ في نصف الخامسة. وأعمالنا كلها على هذا النمط؛ ركبت مرة الطيارة من مطار ألماظة في مصر فتأخرت عن القيام نصف ساعة انتظارَ راكب موصى به من أحد أصحاب المعالي. ولما ثرنا معشر الركاب وصخبنا طار بنا، فلم يسر والله ربع ساعة حتى عاد فهبط، فارتعنا وفزعنا وحسبنا أن قد جرى شيء، وإذا العودة من أجل الراكب المدلل صديق صاحب المعالي، وقد تأخر لأنه لم يحب أن يسافر حتى يدخل الحمام ويستريح بعد الخروج كيلا يلفحه (اسم الله عليه) الهواء البارد! وكنت يومئذ عائداً من رحلة رسمية، فلما وصلت إلى مطار المزّة وجدت أكثر من مئتي إنسان بينهم مندوب وزير العدل ينتظرون في الشمس منذ ساعة كاملة.
والسيارات مثل الطيّارات، والدكاكين والدواوين، والمقاهي والملاهي؛ كل ذلك يقوم على تبديل المواعيد وإخلافها، حتى لم يبق لشيء موعدٌ معروف.
فيا أيها القراء خبّروني، سألتكم بالله: أي طبقة من الناس تفي بالموعد وتحرص عليه وتصدق فيه وتدقق في إنجازه؟ الموظفون؟ المشايخ؟ الأطباء؟ الخيّاطون والحذّاؤون؟ سائقو السيارات؟ مَن؟ مَن يا أيها القراء؟
يكون لك عند الموظف حاجة لا يحتمل قضاؤها خمس دقائق، فتجيئه وهو يشرب القهوة أو يقرأ الجريدة، أو يشغل نفسه بما لا طائل تحته، فيصعِّد فيك بصره ويصوبه ويقوّمك بعينه، فإن أنت لم تملأها ولم تدفعه إلى مساعدتك رغبة فيك أو رهبة
стр. 95
منك قال لك: ارجع غداً. فترجع غداً، فيرجئك إلى ما بعد غد ... لا أعني موظفاً بعينه ولا عهداً بذاته، بل أصف داءً قديماً سرى فينا واستشرى، ودخل وتغلغل.
ويكون لك موعد مع الشيخ، فيجيئك بعد نصف ساعة ويعتذر لك، فيكون لاعتذاره متن وشرح وحاشية، فيضيع عليك في محاضرة الاعتذار نصف ساعة أخرى. وإن دعوته الساعة الثانية جاء في الثالثة. وإن كان مدرّساً لم يأت درسه إلا متأخراً.
والطبيب يعلن أن العيادة في الساعة الثامنة ولا يخرج من داره إلى العاشرة، وتجيئه في الموعد فتجده قد وعد خمسة من المرضى مثل موعدك، واختلى بضيف يحدثه حديث السياسة والجو والكلام الفارغ وتركهم على مثل الجمر أو على رؤوس الإبر، ينتظرون فرج الله، حتى يملّوا فيلعنوا الساعة التي وقفوا فيها على باب الطبيب، ويذهبون يفضّلون آلام المرض على آلام الانتظار، ويؤثرون الموت العاجل المفاجئ على هذا الموت البطيء المضني.
أما الخياطون والخطاطون، والحذاؤون والبناؤون، وأرباب السيارات وعامة أصحاب الصناعات، فإني أشهد أنْ لا إله إلا الله وأنهم من أكذب خلق الله وأخلفهم لوعد! الكذب لهم دين، والخلف عادة، ولطالما لقيت منهم ولقوا مني. وما خطت قميصاً ولا حلة، ولا صنعت حذاء، ولا سافرت في سيارة عامة سفرة، ولا بعثت ثوباً إلى مصبغة لكيه أو غسله أو تنظيفه، إلا كووا أعصابي بفعلهم وشويتهم بلساني. وإن كان أكثرهم لا يبالي ولو
стр. 96
هجاه الحُطيئة أو جرير أو دعبل الخزاعي، بل إنهم ليفخرون بهذه البراعة في إخلاف المواعيد والتلاعب بالناس، ويعدونها مهارة وحذقاً!
فمتى يجيء اليوم الذي نتكلم فيه كلام الشرف، ونعد وعد الصدق، وتقوم حياتنا فيه على التواصي بالحق؟ لا يعد فيه المرشح وعداً إلا وفى به بعد أن يبلغ مقاعد البرلمان، ولا يقول الموظف لصاحب الحاجة: "إني سأقضيها لك" إلا إذا كان عازماً على قضائها، ولا الصانع بإنجاز العمل إلا إذا كان قادراً على إنجازه، والموظفون يأتون من أول وقت الدوام ويذهبون من آخره، والأطباء لا يفارقون المكان ساعات العيادة، والخياط لا يتعهد بخياطة عشرة أثواب إن كان لا يستطيع أن يخيط إلا تسعاً، وتمحى من قاموسنا هذه الأكاذيب. تقول لأجير الحلاق: "أين معلمك؟ "، فيقول: "إنه هنا، سيحضر بعد دقيقة". ويكون نائماً في الدار لا يحضر إلا بعد ساعتين. ويقول لك الموظف: "من فضلك لحظة واحدة"، فتصير لحظته ساعة!
ومتى تقوم حياتنا على ضبط المواعيد وتحديدها تحديداً صادقاً دقيقاً، فلا يتأخر موعد افتتاح المدارس من يوم إلى يوم ويتكرر ذلك كل سنة، ولا يُرجَأ موعد اجتماع الدول العربية في الجامعة من شهر إلى شهر، ولا تعاد في تاريخنا مأساة فلسطين التي لم يكن سببها إلا إهمال ضبط المواعيد وإخلافها؟ ولو أنّا حددنا بالضبط موعد القتال وموعد الهدنة، وجئنا (أعني الدول العربية) على موعد واتفاق، لكان لنا في تاريخ فلسطين صفحة غير التي سيقرؤها الناس غداً عنا.
стр. 97
إن إخلاف الموعد الصغير هو الذي جرّ إلى إخلاف هذا الموعد الكبير. فلنأخذ مما كان درساً؛ فإن المصيبة إذا أفادت كانت نعمة. ومتى صلحت أخلاقنا، وعاد لجوهرنا العربي صفاؤه وطهره، وغسلت عنه الأدران، استعدنا فلسطين وأعدنا ملك الجدود.
فابدؤوا بإصلاح الأخلاق، فإنها أول الطريق.
* * *
стр. 98
شغِّلوا الطلاّب في عطلة الصّيف
نشرت سنة ١٩٥٩
قرأت في عدد قديم من مجلة «المختار» مقالة لكاتب أميركي، تحدث فيها عن لجان الشباب وما تقوم به في أميركا من الأعمال الجسام.
من ذلك أن حي الأعمال في مدينة أوشكوش قد اشتدت فيه ضوضاء السير وضجة السيارات حتى لم يعد يستطيع سكانه العمل، وكادت هذه الضجة المستمرة تحطم أعصابهم وألحوا على الحكومة أن تجد لهم مخلصاً من هذا البلاء. ففكر رئيس شرطة السير في المدينة، فلم يجد إلا سبيلاً واحداً للخلاص، هو أن يلجأ إلى لجنة الشباب في المدينة. فأثار حماستهم ورغّبهم وقال لهم: "هذه فرصة لكم لخدمة مدينتكم". فقبلوا، وكلّفت اللجنة مئتين من أعضائها ممن تتراوح أعمارهم بين ثلاث عشرة سنة وسبع عشرة سنة، فوقفوا على أطراف الطرق ثلاثة أيام يسألون كل سائق سيارة رأيه ويتفهمون أسلوبه في القيادة وعادته في وقف السيارة والانتظار بها، وقدّموا المعلومات التي جمعوها إلى رئيس الشرطة فاستطاع أن يضع -بعد معرفتها- نظاماً جديداً للسير مستمَدّاً من الواقع قاطعاً أسباب الشكوى، ووفروا على الحكومة ٢٨ ألف دولار.
стр. 99
وفي مدينة ماديسون اجتمع أكثر من ستمئة طالب من طلبة المدارس الثانوية نقلتهم عربات النقل في السابعة صباحاً إلى منافذ الأزقة والحارات، فولجوها سيراً على أقدامهم يجمعون منها ومن حدائق المنازل وأفنيتها ومن الساحات والملاعب ما فيها من النفايات والأوساخ، فاستحيى الناس وأسرعوا لمعاونتهم، فنظفت المدينة وصارت أرضها كالمرآة المجلوة.
وفي مدينة أوكلير طلب مدير التعليم الخاص إلى لجنة شباب المدينة مساعدته في توصيل عدد من أطفال المدارس الخاصة إلى منازلهم، وقبلت اللجنة، وأرسلت أعضاءها يستلمون الأطفال من المدرسة ويضعون كلاً منهم في السيارة التي توصله إلى منزله.
ومن ذلك أن لجنة الشباب في راين لاندر أنشأت مكتباً للعمل، فوجد أن الفنادق والمنتزهات في هذه المدينة التي تُقصَد في العطلات والمواسم تحتاج إلى عمّال فتأتي بهم من المدن الأخرى، فسعت لإحلال شباب المدينة في هذه الأعمال، واستطاعت تشغيل مئات منهم مدة العطلة بعمل شريف وبأجور جيدة.
وفي المقالة أمثلة أخرى.
* * *
وقد رجعت بي الأيام -لمّا قرأت هذه المقالة- ثلاثين سنة، إلى سنة ١٩٢٩ وسنة ١٩٣٠ وقد عدت من مصر (١) أحدّث إخواني
стр. 100
عن لجان الطلبة فيها وما تقوم به من أعمال كبار في ميادين الجهاد الوطني. وألفت أنا ونفر من أخواننا (١) لجانَ الطلبة في المدارس الثانوية ثم في الجامعة، ثم ألفت لجنة مركزية للطلاب وكنت عضواً فيها، ثم تشرفت أن كنت يوماً رئيسها، وكنت من محرري جريدة «الأيام» يوم كانت جريدةَ الكتلة الوطنية وكان رئيس تحريرها الأستاذ عارف النكدي، وكان للجنة المركزية بهو خاص في دار «الأيام». ويشهد أقطاب الحركة الوطنية في ذلك العهد ما صنعت لجنة الطلبة، وحسبها أنها هي التي أبطلت انتخابات ٢٠ كانون المزورة سنة ١٩٣٠، وهي التي كانت تعد الإضراب العام في المدينة، وهي التي كانت القوة المنفذة لمقررات شيوخ الوطنية وقادة الجهاد. واستمرت على ذلك إلى أن وُقّعت المعاهدة سنة ١٩٣٦.
ذكرت هذا كله لمّا قرأت المقالة، وقلت في نفسي: لقد انقضى عهد النضال السلبي وحررت البلاد من الانتداب وتمت (والحمد لله) نعمة الاستقلال، فلم يبقَ مجال لمثل تلك الأعمال، فلماذا لا نسخّر هذه القوى الهائلة، قوى الطلاب والشباب، للأعمال الإنشائية النافعة التي تشير إلى أمثلة منها هذه المقالة التي قرأتها في المختار؟
لم يكن في دمشق في أيامنا إلا ثانوية رسمية واحدة هي «مكتب عنبر» وفيها ثلاثمئة طالب فقط، وكان طلاب الجامعة لا يزيدون -فيما أقدّر- على أربعمئة أو خمسمئة، وقد قمنا بهذه
стр. 101
الأعمال، فماذا يصنع اليوم طلاب دمشق وفيها عشر ثانويات رسمية وفي الجامعة آلاف وآلاف؟
إن العمل ليس عيباً. وفي أميركا يشتغل الطلاب، حتى الأغنياء منهم، في العطلة الصيفية بالخدمة في المطاعم والعمل في المصانع. فلماذا يبقى شبابنا مدة العطل (وهي ربع السنة أو ثلثها) بلا عمل فيتعوّدوا الكسل والبطالة، أو يقرؤوا روايات أرسين لوبين، أو يروا الأفلام الخبيثة، أو يتطيّبوا ويتعطروا ويتبختروا في عشيات الصيف في بوّابة الصالحية وحول البرلمان يراقبون المارّين والمارّات، أو يشتغلوا بالحزبيات والعصبيات؟
ولماذا نقتبس من الغرب الضار ولا نقتبس النافع؟
لماذا لا نوسّع النشاط المدرسي فنؤلّف لجاناً للشباب تبدأ في كل مدرسة ثم يكون منها اتحاد أوسع، ثم تجمع هذه «الاتحادات» حتى يكون في كل بلد لجنة مركزية واحدة للشباب تعلّمهم التعاون والجِد وحمل المسؤوليات، وتقوي أجسامهم بالرياضة وعقولهم بالمحاضرات وأرواحهم بالسلوك الخلقي القويم، وتشارك في الأعمال العامة النافعة؟
تصوّروا لو أن طلاب دمشق (١) -مثلاً- خرجوا في مواكب إلى أطراف الغوطة حيث الأرض الفضاء، فأخذ كل واحد منهم غرسة فغرسها هناك وأمضوا يوماً في لعب وتسلية ونشاط وصحة، لأقاموا في يوم واحد بستاناً للأمة فيه عشرة آلاف غرسة، يتولونه أبداً بالرعاية.
стр. 102
وتصوروا لو أخذ كل طالب من بيته رغيفين أو ثوباً قديماً، وخرجت مواكبهم فدارت على حارات الفقراء ومخيمات اللاجئين، فوزعوها وقضوا يوماً بينهم في مواساة ومشاركة لهم في حياتهم. كم يكون أثر ذلك في نفوسهم وفي نفوس هؤلاء المساكين؟
والحكومة تحتاج إلى مشروعات كثيرة، تحتاج إلى آلاف من الشباب أيام الإحصاء العام، وفي النوازل والنكبات، فلو كان هنا لجان للطلاب واستعانت بهم على ما تريد من الخير لحققت في يوم واحد وبلا نفقات ما لا يمكن تحقيقه في المدة الطويلة وبالنفقات الكثيرة، عدا عمّا في ذلك من تعويد الطلاب حياة العمل والتعاون وإبعادهم عن مواطن الزلل والضعف والبطالة.
ولكل لجنة من هذه اللجان في أميركا مستشارون من الرجال الكبار يختارهم الشباب بأنفسهم، وهؤلاء المستشارون يَعلمون بأن مهمتهم هي العمل مع الشباب لا الأمر والنهي فيهم، ومنهج هذه اللجان يوصي المستشار بأن يعرض نصحه في الاجتماع بصراحة فإذا لم توافق اللجنة عليه فلا داعي للأسف ولا للغضب.
لقد كانت لجنتنا المركزية (قبل ست وعشرين سنة) تمثّل طلاب دمشق جميعاً، وكانوا يمشون وراءها صفاً واحداً وينفّذون قراراتها. فتصوروا ماذا يكون من الخير للشباب وللأمة لو أن الحكومة وضعت نظاماً على نحو النظام المتبع في أميركا والبلاد الأخرى للجان الشباب وأقامت لها إدارة تشرف عليها. إذن لوجهتها وجهة الخير وصرفتها عن العبث واللهو والبطالة والشغب
стр. 103
والحزبيات، ثم شغلتها بالأعمال النافعة التي لا يحصيها العد، وكان لها مخيمات في الصيف وكان لها نواد في الشتاء، وكان عملها المساهمة في كل مشروع عام، وتهيئة عمل في الصيف لمن يحب أن يعمل من الشباب فيساعد بما يحصله نفسه وأهله كما يصنع الطلاب في أميركا.
والشرط الأول والأخير في هذا كله أن يكون هذا العمل لله وحده، لا يُستغَلّ لمصلحة حزب ولا هيئة ولا مذهب ولا جماعة، وأن يقوم على صحة الأجساد بالرياضة وتنمية العقول بالمحاضرات وتصفية الأرواح بالعبادة والذكر وبث روح التعاون وتعويد الشباب حمل التبعات، وأن تحبب إليهم الحياة الاستقلالية لا الحياة الاتكالية، وأن يعلموا أن العمل ليس عيباً ولو كان كنس الشوارع، ولكن العيب أن يكون الشاب من أهل البطالة أو يكون من أهل الفسوق وأن يكون كلاً على أبويه وهو يستطيع أن يشتغل، وأن يقتصر على الشباب فقط فلا يكون وسيلة للاختلاط ولا يكون باباً للفساد.
* * *
стр. 104
مشكلة الزواج
أذيعت سنة ١٩٥٨
في البلد اليوم مشكلة من أعقد المشكلات الاجتماعية وأعمقها أثراً في حياة الأمة؛ هي مشكلة الزواج. وتتلخص هذه المشكلة في كلمة واحدة هي أن فينا آلافاً مؤلفة من البنات في سن الزواج لا يجدن الخاطب، وآلافاً مؤلفة من الشباب لا يجدون البنات، أو لا يريدون الزواج.
ولتدركوا خطر هذه المشكلة وامتدادها، خذوا ورقة وقلماً واكتبوا أسماء الأسر التي تشتمل على البنات الكاسدات، والأسر التي تشتمل على الشباب العزّاب، تروا أن في محيط كل واحد منكم -أيها السامعون- عشرات من هؤلاء ومن أولئك.
وبحثي اليوم في أسباب هذه المشكلة ونتائجها وفي طرق حلها.
أما نتائجها فهذا الفساد الأخلاقي الذي يشكو منه كل بلد من بلدان هذا الشرق الإسلامي. وأنا لا أستطيع أن أصرّح لأني لا أتحدّث إلى جماعة أراهم أمامي أعرف أذواقهم وميولهم، ولا أتكلم في مجلس محصور ولكن أتكلم في هذا المذياع الذي
стр. 105
يحمل الكلام إلى آفاق الأرض، ولا أدري مَن يستمع إليّ، ولعل فيهم البنت والشاب ومَن لا يحسن التصريح أمامه بهذه الأشياء؛ لذلك أكتفي بأن أقول بأن الله ما حرّم شيئاً إلا أحلّ مكانه شيئاً يغني عنه: حرّم الربا وأحلّ البيع، وحرّم الزنا وأحلّ الزواج، فمن سُدّ في وجهه طريق الحلال لم يجد للوصول إلى هذه الحاجة الطبيعية إلا سلوك طريق الحرام. لذلك كانت النتيحة الحتمية لقلة الزواج هي كثرة الفساد، ولعلي أتحدث عن الفساد الخلقي حديثاً مستقلاً مفصلاً، وأقرر من الآن أنه لا يمكن القضاء على هذا الفساد إلا بتسهيل الزواج.
أما أسباب مشكلة الزواج، فأولها نظام التعليم:
إن هذا النظام يعارض فطرة الله ويخالف طبائع النفوس وحقائق الأشياء. وبيان ذلك أن الله وضع غريزة الجنس في نفس الشاب والشابة وقدّر لظهورها سن الخامسة عشرة أو نحوها، فإذا بلغها الولد أو البنت تنبه في نفسه ما كان غافلاً وتيقظ ما كان نائماً، ونظام التعليم يوجب أن يبقى الشاب والشابة في المدارس إلى الخامسة والعشرين؛ يدخل المدرسة ابن سبع سنين، ويبقى اثنتي عشرة سنة في الابتدائية والثانوية فهذه تسع عشرة سنة، ويبقى في الجامعة من أربع سنين إلى سبع سنين، فيصير عمره من ثلاث وعشرين إلى ست وعشرين، فإذا ذهب بعد ذلك ليجيء بالدكتوراة من أوربا أو أميركا وغاب لذلك ثلاث سنين أخرى على الأقل صار ابن ثلاثين سنة أو نحوها.
فكيف يمضي هذه السنوات العشر أو الخمس عشرة التي هي أشد سني العمر ثورة وشهوة وضراماً في الأعصاب، لا سيما
стр. 106
وهو يعيش في جو مملوء بالمغريات الجنسية، وإذا سافر إلى بلاد الغرب رأى ما هو أشد إغراء؟
وليس البحث الآن في المسألة الجنسية لأسأل ماذا يصنع في هذه المدة، بل البحث في الزواج، فكيف يمكن أن يتزوج؟ لا سيما وأنه مضطر -بحكم هذا النظام- أن يبقى بلا كسب ولا مورد ويبقى عالة على أبيه حتى يبلغ الثلاثين، ويبقى بعد ذلك بضع سنين أخرى بطبيعة الحال كي يجمع تكاليف الزواج، فيصير عمره خمساً وثلاثين. ومن المشاهَد أن كثيراً من الذين يبقون بلا زواج إلى هذه السن لا يتزوجون أبداً، لأن الدافع إلى الزواج يضعف بعدها ونار الغريزة تخمد، والشباب يكون قد ولى.
فالسبب الأول -في رأيي- هو نظام التعليم. وقد كان من المعروف في دمشق من نصف قرن، لمّا كان أكثر الناس يشتغلون بالتجارة ولا يعرفون هذا التعليم الجامعي، أن الشاب إذا صار في العشرين صارت له دكان، وصار صاحب مورد ورب تجارة، وصار زوجاً وأباً وصاحب أسرة، وأن البنت إذا بلغت الرابعة عشرة تتزوج.
* * *
والسبب الثاني: هذه العادات الشنيعة في الزواج، العادات التي تخرّب بيت الأب وبيت الخاطب معاً، وليس فيها -كما قلت في الحديث الماضي- نفع لأحد، إنما هي للتفاخر أمام الناس وللتكاثر والتسابق إلى التبذير والسرف، من المباراة في زيادة المهور وشراء الجهاز الفخم الذي يشتمل على أشياء أكثرها
стр. 107
لا حاجة إليه ولا لزوم له، ولقد دخلت غرفاً في أفخم الدور كُدِّست فيها التحف والتماثيل والمطرّزات واللوحات بلا ذوق ولا ترتيب، حتى صارت كأنها مخزن مفروشات لا غرفة استقبال، مع أن الأجانب الذين نقلدهم في حياتنا لا يضعون في أبهاء الاستقبال إلا الشيء الضروري، وإذا عمدوا إلى الزينة والترف علقوا لوحة لها قيمة فنية وأقاموا تحفة واحدة أثرية أو تذكارية، لا ترى لديهم إطاراً ضخماً غالياً فيه صورة سخيفة حمقاء، ولا ترى هذه المجموعات من الأطباق الصينية وعلب الزينة وقناني الطيب التي لا تُفتح ولا تُستعمل، وهم يفضّلون الأناقة والذوق على الثمن المادي للأشياء.
وهذه السلسلة من الحفلات، حفلة الخطبة ولبس الخاتم، وحفلة العقد، وربما سبقتها حفلة التلبيسة، وحفلة العرس، والسبعة الأيام وحفلة التعارف ... وكل حفلة تكلف المئات وتجمع أنماطاً من الناس ليس بينهم تفاهم ولا توادّ، وربما لم يكن بينهم تعارف سابق. وهذه الحفلات للرجال ضجة وصخب وفوضى أو صمت وتكلف وحديث خافت، وللنساء حفلات عرض أزياء، كل واحدة تعرض ثوبها وتنتقد ملابس الأخريات!
وهذه الحفلات مع ما يتبعها من الهدايا المقررة المتعارف عليها، التي يتفق أحياناً على نوعها وثمنها، تكلف الخاطب أكثر من المهر، وتكلف الأب هي والجهاز مثل ما تكلف الخاطب، وتكون نكبة على كل رجل تدعى زوجته أو ابنته إليها لأنه يضطر إلى شراء الملابس الجديدة ودفع ثمنها مما خصصه لخبز عياله أو ثمن ملابس أولاده.
стр. 108
ولما كنت في جزيرة جاوة (في أندونيسيا) رأيت أكثر الشباب متزوجين. فسألت عن طريقة الزواج فإذا هي أسهل وأقرب الطرق، فكنت أتذكّر صعوبة الزواج في بلادنا وهذه العراقيل التي أقيمت في طريقه، حتى صار الاتصال المحرَّم أسهل بمئة مرة من الزواج الحلال (أقول هذا وأنا في خجل وأسف) وصار الآباء يتغافلون عن هذا المنكر ويمهّدون له -حيث لا يشعرون- بإهمالهم التربية الدينية والخلقية، ويعارضون الزواج ويلقون أمام طالبه الأشواك.
* * *
والسبب الثالث أن أكثر الأزواج تركوا الشرع ولم يقفوا عند حدوده؛ فلم يعرف الزوج الواجب عليه لزوجته ولم يقم به، ولم تعرف الواجب عليها لزوجها ولم تقم به، فدخل -بذلك- الخلاف إلى أكثر البيوت، وصارت حياة المتزوجين جحيماً لا يطاق، وتتالت الدعاوى في المحاكم وفشا الطلاق. ورأى هذا الشبابُ العزاب وسمعوا أخباره فزادهم ذلك كراهة للزواج وانصرافاً عنه.
والسبب الرابع الفساد الخلقي، والفساد الخلقي الذي هو نتيجة لقلة الزواج صار سبباً من أسباب هذه القلة، وصارت مسألة الدور الذي أبطله المناطقة وجوّزه الشعراء، فقال أحدهم:
مسألةُ الدَّوْر أتَتْ ... بَيني وبين مَنْ أُحِبْ
لولا مشيبي ما جَفا ... لولا جَفاهُ لم أَشِبْ
الشاب الذي لا يتزوج وهو يجد الدافع إلى الزواج يسلك
стр. 109
طريق الفساد، وسهولةُ طريق الفساد تصرفه عن الزواج. وما له وللزواج ونفقاته ومشكلاته؟ وما له وللخلافات الزوجية وهو يقدر أن يوصل نفسه إلى كل ما تشتهيه بغير ذلك كله؟ وهنا أعود فأقرر أن بين مشكلة الزواج ومشكلة البغاء السري والعلني وحدة وامتزاجاً، فلا يمكن علاج إحداهما إلا بعلاج الأخرى.
والسبب الخامس هو نتيجة التعريف الذي بدأت به هذا الحديث. أما قلت لكم إن مشكلة الزواج هي وجود آلاف مؤلفة من البنات بلا أزواج ووجود آلاف مؤلفة من الشباب بلا زوجات؟
إن الشباب مختلفون غِنى وفقراً، وثقافة وجهلاً، وتُقى وتساهلاً، وجِدّاً وهَزلاً، وفي كل صنف من هؤلاء مثيله من البنات. ولو أن كل شاب يريد الزواج خطب مَن تُماثله في تفكيره ووضعه الاجتماعي ونظره إلى الحياة لما كان عشر هذا الاختلاف الزوجي الذي نراه الآن، ولا يحتاج ذلك إلا إلى جماعة من المصلحين يدعون إلى الزواج ويرغّبون فيه، ثم يدلون كل خاطب على الأسرة التي تناسبه. ولو وُجد في كل حيّ من أحياء البلد نفرٌ من هؤلاء المصلحين لحل بعض هذه المشكلة.
* * *
والخلاصة أن في البلد مشكلة زواج، وأن هذه المشكلة مرتبطة بمشكلة الفساد والأخلاق، ولا تُحَلّ إحداهما إلا بحل الأخرى. وأن سببها نظام التعليم أولاً، ثم هذه العادات في المهور والحفلات والهدايا، وهذه التكاليف التي لا تُحتمل، ثم ترك
стр. 110
المتزوجين أحكام الشرع حتى حل الخصام فيهم محل الوئام، ثم فَقْد الوسطاء واختيار الخاطب الفتاة التي لا تناسبه ولا تقاربه، وتفضيله الجمال فيها على الكمال، وتفضيله على الدين فيها المالَ وعلى الخلق والحشمة الإغراءَ والدلال.
ولي إلى هذا الموضوع رجعات إن شاء الله تعالى.
* * *