Полный текст (3 485 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
٤ - الإمامُ الحجة القدوة، زينُ العابدين أبو السّري هنادُ بن السَّريّ بن مُصعب بن أبي بكر بن شبر التميمي الدارمي الكوفي، مصنف كتاب الزهد وغير ذلك. روى أبو العباس السرَّاج أنه قال: وُلِدْتُ سنة اثنتين وخمسين ومئة. حَدَّثَ عنه الجماعةُ، لكن البخاري في غير "صحيحه" اتفاقًا لا اجتنابًا سئل أحمد بن حنبل: عمن نَكْتُبُ بالكُوفةِ، فقال: عليكم بهنَّاد، وقال أبو داود: سمعتُ قتيبة يقول: ما رأيتُ وكيعًا يُعظِّم أحدًا تعظيمَه لِهَنَّاد. لم يتزوج قطُّ ولم يتسَرَّ، وكان يُقال له: راهبُ الكوفة، ماتَ في يوم الأربعاء آخرَ يوم من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين ومئتين، وعاش إحدى وتسعين سنة (١). وعدةُ الأحاديث التي رواها الترمذي عنه تسع وثمانون ومئتان.
٥ - الإمام الحافظُ الثقةُ أبو جعفر أحمدُ بن منيع بن عبد الرحمن البغويُّ، ثم البغداديُّ. وأصلهُ مِن مَرْو الرُّوذ، رحل وجمع وصنَّف "المسندَ"، حدث عنه الستةُ، لكن البخاري بواسطة، وثقه صالح جزرة وغيرُه، ولد سنة ستين ومئة، ومات في شوّال سنة أربع وأربعين ومئتين (٢). وعدةُ الأحاديث التي رواها عنه الترمذي خمس وخمسون ومئتان.
_________
(١) "السير" ١١/ ٤٦٥ - ٤٦٦.
(٢) "سير أعلام النبلاء" ١/ ٤٨٣ - ٤٨٤.
стр. 37
٦ - الإمام المحدث الحافظ شيخ الحرم، أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَني، صنف "المسند" حدث عنه مسلم والترمذي وابن ماجه وبواسطةٍ النسائيُّ، حج سبعًا وسبعين حجةً، سُئِلَ أحمد بن حنبل: عمن نكتب؟ فقال: أما بمكة، فابن أبي عمر وقال أبو حاتم: صدوق، وكانت فيه غفلة، مات بمكة لإحدى عشرة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين ومئتين وكان من أبناء التسعين (١). وعدة الأحاديث التي رواها الترمذي عنه ثلاث وثمانون ومئة حديث.
٧ - الحافظ الثقةُ الإمامُ، شيخ المحدثين، أبو كُرَيب محمد بن العلاء بن كريب الهَمْدَاني الكوفي، وُلِدَ سنةَ إحدى وستين ومئة، وحدث عنه أصحابُ الكتب الستة، وثقه النسائي وغيره، وقال أبو حاتم: صدوق، قال موسى بن إسحاق: سمعت من أبي كريب مئة ألف حديث قال إبراهيم بن أبي طالب: قال لي محمد بن يحيى الذُّهْلي: مَن أحفظ من رأيتَ بالعراقِ؟ قلتُ: لم أر بعد أحمد بن حنبل أحفظَ مِن أبي كريب، وكان ابنُ عقدة يُقدم أبا كريب في الحفظ والكثرة على جميعِ مشايخهم ويقول: ظهر لأبي كريب بالكوفة ثلاثُ مئة ألف حديث، بلغ في رحلته إلى دمشق قاصِدًا إفريقية، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين، وعمره سبعة وثمانون عامًا (٢)، وعدة الأحاديث التي رواها الترمذي عنه ثمان وسبعون ومئة حديث.
_________
(١) "السير" ١٢/ ٩٦ - ٩٨، و"الجرح والتعديل" ٨/ ١٢٤ - ١٢٥.
(٢) "السير" ١١/ ٣٩٤ - ٣٩٨.
стр. 38
٨ - الحافظ العلامة الحجة أبو الحسن علي بن حُجْر بنِ إياس بن مقاتِل بن مُخادِش بن مُشَمْرج السعدي المروزي، ولجده مُشَمْرِج بنِ خالد صحبة، وُلِدَ سنةَ أربع وخمسين ومئة، وارتحل في طلب العلم إلى الآفاق، حدث عنه البخاريُّ ومسلمٌ والترمذي والنسائي، قال محمدُ بنُ علي بن حمزة: كان يَنْزِلُ بغداد، ثم تحوَّلَ إلى مرو، فنزل قرية زَرْزَم، وكان فاضلًا حافظًا، ووثقه النسائي، فقال: ثقة مأمون حافظ، وقال أبو بكر الخطيب: كان صادقًا مُتْقِنًا حافظًا، وقال الحافظ أبو بكر محمد بن حمدون بن سَنْجان المروزي: سمعتُ عليَّ بن حُجر يقول: انصرفتُ مِن العراقِ وأنا ابنُ ثلاث وثلاثين سنة، فقلت: لو بقيتُ ثلاثًا وثلاثين سنة أخرى، فأروي بَعض ما جمعتُه من العلم، وقد عشت بعدُ ثلاثًا وثلاثين وثلاثًا وثلاثين أخرى، وأنا أتمنى بعدما كنتُ أتمنى وقتَ انصرافي من العراق، قال الإمام الذهبيُّ معلقًا: هذا على سبيل التقريب، وإلا فلم يبلغ الرجلُ تسعًا وتسعين سنة، قال الذهبي: كان علي بن حجر مِن أوعية العلم، كتب عنه بضع وسبعون ومئة بالحرمين والعراق والشام والجزيرة وخُراسان، له مصنفاتٌ مفيدة منها "أحكام القرآن" ومات في يوم الأربعاء منتصفَ شهر جمادى الأولى سنة أربع وأربعين ومئتين (١). وعدة ما رواه الترمذي عنه في "الجامع" اثنانِ وسبعونَ ومئة حديث.
_________
(١) "السير" ١١/ ٥٠٧ - ٥١٣.
стр. 39
٩ - الإمام الحافظ الحجة الجوَّال، أبو محمد، عبد بن حُميد بن نصر، الكِسي، وُلِدَ بعد السبعين ومئة، صنف "التفسيرَ الكبيرَ"، و"المسند"، حدث عنه مسلم والترمذي والبخاري تعليقًا قال ابن حبان: كان ممن جمع وصنف مات سنةَ تسع وأربعين ومئتين (١). وعدة الأحاديث التي رواها عنه الترمذي في "جامعه" إحدى وستون ومئة حديث.
١٠ - الإمام الحافظ محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي، أبو عبد الله البخاري جبلُ الحفظ وإمامُ الدنيا في فقه الحديث، ولد سنة أربع وتسعين ومئة، سمع ببخارى وبلخ ونيسابُور والري وبغداد والبصرة والكوفة ومكة والمدينة ومصر والشام، وقد أخبر عن نفسه أنه كتب عن ألف وثمانين رجلًا ليس فيهم إلا صاحبُ حديث، وهُوَ أوَّلُ مَنْ صنَّفَ في الصحيح، فقد صنف كتابًا سماه: "الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه" ولم يضمِّنه جميعَ الصحيح كما صرح هو بذلك حيث قال: وتركت من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب.
وقد لازمه الترمذيُّ طويلًا وأخذ عنه العلمَ الكثير، وأفاد منه في معرفة العلل وفقه الحديث، وتخرج على يديه وعُرِفَ به، فقد صرّح في آخر كتاب "الجامع" بأن أكثرَ ما ذكره فيه من العلل والكلام في الرجال والتاريخ، فإنه مما ناظر به محمد بن إسماعيل، وقد نوَّه
_________
(١) "السير" ١٢/ ٢٣٥ - ٢٣٨.
стр. 40
بفضله، وشهد له بالتفوق على أئمة عصره، فقال: ولم أر بالعراق ولا بخُراسانَ في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبيرَ أحد أعلمَ من محمد بن إسماعيل، وكان محمد بن إسماعيل يُعلي من شأن الترمذي، ويُكبر علمه وحفظه، حتى إنه أخذ عنه بعض الأحاديث وسمع منه، فقد قال في "جامعه" عن حديث: "يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك" (٣٧٢٧): وقد سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث واستغربه.
وقال أيضًا في جامِعِهِ في حديث ابن عباس (٣٣٠٣) سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث، وقد قال للترمذي: ما انتفعتُ بكَ أكثرَ مما انتفعتَ بي، وكان البخاري وقتها بَيْنَ سنة ٢٥٠ هـ وسنة ٢٥٥ هـ قد بلغ أوجَ مجده وشُهرته وكان الترمذي جديرًا بذلك التقدير من شيخه، فقد قال الحافظ عمر بن عَلّكْ: مات البخاري فلم يُخَلِّفْ بخراسان مثل أبي عيسى في العلمِ والحفظ والورعِ والزهد، بكى حتى عَمِيَ وبقي ضريرًا سنين، توفي الإمام البخاري سنة ست وخمسين ومئتين عن اثنتين وستين سنة (١). وعدة الأحاديث التي رواها عنه في "جامعه" إحدى وأربعون. وعلى الرغم من قلة روايته عنه إلا أنه أفاد منه علمًا جمًّا في علل الحديث وفقهه، وسجل ذلك في كتابه "الجامع" في مئة وأربعة عشر موضعًا (٢). وقد شارك الترمذيُّ البخاريَّ ومسلمًا في الرواية عن
_________
(١) "سير أعلام النبلاء" ١٢/ ٣٩١ - ٤٧١.
(٢) ثلاثة عشر منها في كتاب الطهارة، وإحدى وعشرون في الصلاة، وأربعة في =
стр. 41
تسعة عشر شيخًا، وسبعةٍ وعشرين شيخًا شارك الترمذي البخاري فيهم، وواحدٍ وأربعين شيخًا شارك الترمذيُّ مسلمًا فيهم.
ولقي الترمذيُّ الإمامَ مسلم بنِ الحجاج القشيري النيسابوري لكن لم يخرج عنه في "الجامع" إلا حديثًا واحدًا في الصوم، باب ما جاء في إحصاء هلال شعبان لرمضان، رقم (٦٨٧).
وكان يُذاكِرُ الإمام أبا داود سليمانَ بن الأشعث السجستاني صاحبَ "السنن" فقد نقل عنه بإثر الحديث (٤٦٦): سمعت أبا داود السجزي يعني سليمان بن الأشعث يقول: سألتُ أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: أخوه عبد الله لا بأس به.
تَنَوُّعُ ثقافته:
إن المطالع لكتاب "الجامع" لأبي عيسى الترمذي يدرك عظمةَ هذا الإمام، ويلمس سعة دائرته المعرفية، وتنوع علومه وثقافته
_________
= الزكاة، وستة في الصوم، وخمسة في الحج، وسبعة في الجنائز، وسبعة في النكاح، وثلاثة في البيوع، واثنان في الأحكام، وأربعة في الحدود، وفي موضع في أبواب العيدين، وثلاثة في النذور والأيمان، وستة في فضائل الجهاد، وخمسة في اللباس، واثنان في الأطعمة، وفي الأشربة في موضع واحد، وفي البر والصلة في موضع، وفي الفتن في موضع، وثلاثة في صفة الجنة، وفي صفة جهنم في موضع، وخمسة في الاستئذان، وثلاثة في فضائل القرآن، وخمسة في التفسير، وثلاثة في الدعوات واثنان في المناقب، نقل ذلك صاحب "كشف النقاب" ١/ ٨١ عن كتاب "مؤلفين صحاح ستة" ص ١٥٣ - ١٥٨.
стр. 42
مما كان يختصُّ به أو مما كان له فيه مشاركةٌ قوية. وقد شهد له العلماءُ بذلك، فقد قال أبو بكر بن العربي: وليس فيهم مثلُ كتاب أبي عيسى حلاوةَ مقطعٍ، ونفاسَةَ مَنْزعٍ، وعُذُوبَةَ مشرعٍ، وفيه أربعةَ عشرَ علمًا فرائد: صنَّف، وذلك أقربُ إلى العمل، وأسندَ وصحح، وأشهرَ وعدد الطرقَ، وجرَّح وعدل، وأسمى وأكْنى، وَوَصَلَ وقطع، وأوضح المعمولَ به والمتروك، وبيَّنَ اختلافَ العلماءِ في الردِّ والقبُولِ لآثاره، وذكر اختلافَهم في تأويله، وكل علم مِن هذه العلوم أصلٌ في بابه، فردٌ في نصابه (١).
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر بن رُشَيد: هذا الذي قاله القاضي أبو بكر في بعضه تداخُلٌ، مع أنه لم يستوف تعديدَ علومه، ولو عدَّد ما في الكتابِ من الفوائد - بهذا الاعتبار - لكانت علومُه أكثرَ من أربعة عشر: فقد حسَّن، واستغربَ، وبين المتابعةَ والانفرادَ، وزياداتِ الثقات، وبيّنَ المرفوعَ مِن الموقوف، والمرسلَ من الموصول، والمزيد من متصل الأسانيد، ورواية الصحابة بعضِهم عن بعضٍ، وروايةَ التابعين بعضهم عن بعض، ورواية الصاحب عن التابع، وعَدَّدَ مَنْ روى ذلك الحديث من الصحابة ومن تثبت صحبتُه ومن لم تثبت، ورواية الأكابر عن الأصاغِر إلى غير ذلك، وقد تدخل روايةُ الصاحب عن التابع تحت هذا، وتاريخ الرواة.
_________
(١) عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي في مقدمة الكتاب.
стр. 43
ثم قال: والأجرى على واضحِ الطريق أن يقال: إنه تضمن الحديثَ مصنفًا على الأبوابِ، وهو علم برأسه، والفقه علم ثانٍ، وعللَ الأحاديث، ويشتمل على بيانِ الصحيح من السقيم وما بينهما من المراتب علم ثالث، والأسماء والكنى رابع، والتعديل والتجريح خامس، ومَن أدرك النبيَّ ﷺ ممن لم يُدركه ممن أسندَ عنه في كتابه سادس، وتعديد من روى ذلك الحديث سابع، هذه علومه الجُمْليّة، وأما التفصيلية، فمتعددة. وبالجملة فمنفعتُه كبيرة، وفوائدُه كثيرة.
وقال الإمام ابنُ سيد الناس اليَعْمَرِي مُعلقًا على كلام القاضي أبي بكر والإمام ابن رُشيد: ومما لم يذكراه أيضًا ولا أحدُهما: ما تضمنه مِن الشذوذ وهو نوعٌ ثامن، ومن الموقوف وهو تاسعٌ، ومن المُدرج وهو عاشر، وهذه الأنواعُ مما يكثر في فوائده التي تُستجاد منه، وتستفادُ عنه (١).
وقال الذهبي: وكتابه "الجامع" يدل على تبحُّره في هذا الشأنِ، وفي الفقه، واختلاف العلماء (٢).
وقال ابنُ الأثير: والترمذي أَحَدُ العلماءِ الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يدٌ صالحة.
_________
(١) "النفخ الشذي في شرح جامع الترمذي" ١/ ١٩٣ - ١٩٤.
(٢) "تاريخ الإسلام" وفيات ٢٦١ - ٢٨٠ ص ٤٦٠.
стр. 44
وقال أيضًا: وهذا كتابه "الصحيح": أحسن الكتب … ، وفيه ما ليس في غيره: مِن ذكر المذاهب: ووجوهِ الاستدلال، وتبيين أنواعِ الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرحٌ وتعديلٌ، وفي آخرهِ كتاب "العلل" (١).
وقال أبو الفتح ابنُ سيد الناس اليَعْمَرِي وابنُ نقطة البغدادي: وذكر عن أبي عيسى قال: صنفتُ هذا الكتاب، وعرضتُه على علماءِ الحجاز، والعراق، وخُراسان، فَرَضُوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب، فكأنما في بيته نبيٌّ يتكلَّمُ (٢).
قلنا: ولا شكَّ أن الترمذي عَرَضه على العلماء في مُخْتَلِفِ التخصصات الشرعية مِن محدثين وفقهاء، وكلهم رَضُوا به، وأقروه عليه، وهذا يدل على قوة حفظه، ومعرفته بعلوم الحديث، وكذلك على دقته وأمانته في نقل مذاهب الفقهاء، فهو بحقٍّ مُحَدِّث حافِظٌ متقنٌ فقيه.
وقال ابنُ عطية: سمعتُ محمدَ بنَ طاهر المقدسي يقول: سمعتُ أبا إسماعيل عبدَ الله بن محمد الأنصاري يقول: كتابُ الترمذي عندي أفيدُ مِن كتاب البخاري ومسلم، قلت: وَلِمَ؟ قال: لأنه لا يصل إلى الفائدة منهما إلا مَن هو مِن أهل المعرفة التامة
_________
(١) "جامع الأصول" ١/ ١٩٣.
(٢) "التقييد" لابن نقطة البغدادي ص ٩٧ - ٩٨، و"تاريخ الإسلام" وفيات ٢٦١ - ٢٨٠ ص ٤٦١ - ٤٦٢.
стр. 45
بهذا الفن، وكتاب الترمذي قد شرح أحاديثه وبينها، فيصل إليها كُلُّ أحدٍ من الناس من الفقهاء والمحدثين وغيرهم (١).
تلامذته:
وحين بلغ الإمامُ الترمذيُّ الغاية في معرفة حديث النبي ﷺ وما يتعلق به مِن العلومِ، وألَّف كتابه "الجامع" وغيره من تصانيفه رحل إليه طلبةُ العلم من كل حَدَب وصَوب، للأخذِ عنه، والإفادةِ منه، وقراءة مصنفاته عليه، فقد ذكر ابن حبان في "ثقاته" أن أهلَ خراسان رَوَوْا عنه، وأفادوا منه وقال صاحب "الخلاصة": روى عنه خلقٌ مِن أهل سمرقند ونَسَفَ وتلك الديار، وذكر الحافظ المزي في كتابه "تهذيب الكمال" بعض من روى عنه، فبلغوا ستًا وعشرين راويًا، ثم قال بإثر ذلك: هناك رواة آخرون عنه، ونحن نترجم هنا للمشهورين من هؤلاء:
١ - الإمام المحدث، مُفيد مرو، أبو العباس، محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل، المحبوبي المروزي، راوي "جامع" أبي عيسى عنه، قال أبو بكر محمدُ بنُ منصور السمعاني: أبو العباس المروزي كان مزكِّيَ مرو ومعَدِّلَها، ومحدِّثَ أهلِها في عصره، ومقدَّمَ أصحاب الحديث في الثروة والرياسة، وكانت الرحلةُ إليه
_________
(١) "شروط الأئمة الستة" لابن طاهر المقدسي ص ٢٤، و"شرح علل الترمذي" لابن رجب ١/ ٤٦٣، و"فضائل الكتاب الجامع" لأبي القاسم الإسعردي ص ٣٣.
стр. 46
في الحديث رحل إلى تِرمذ لِلُقِيِّ أبي عيسى سنة خمسٍ وستين ومئتين (١) وهو ابنُ ستَّ عشرة سنة ولد سنة تسعٍ وأربعين ومئتين، وتوفِّيَ في شهر رمضان في السابع والعشرين منه سنة ست وأربعين وثلاث مئة (٢)، قال الحافظ أبو بكر بنُ عبد الغني البغدادي: سماعاته مضبوطةٌ صحيحة بخط خاله أبي بكر الأحول (٣).
قلنا: وعامةُ ما بين أيدينا مِن النسخ الخطية بروايته عن الترمذي.
٢ - الإمام الحافظ الثقة الرَّحَّالُ الأديبُ، أبو سعيد، الهيثم بنُ كُليب بن سريج بن مَعْقِلٍ الشَّاشي التركي صاحبُ "المسند الكبير"، وأصلُه مِن مرو، رحل إلى بغداد وبخارى وبلخ، توفي سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة (٤). قلنا: وهو راوية "الشمائل" للترمذي، فعنه اشتهرَ الكتابُ، وروى أيضًا عنه كتابَ "الجامع" كما أسنده إليه غيرُ واحدٍ من العلماء، فقد سمعه بروايته أبو بكر محمد بنُ خير الإشبيلي، كما جاء في "فهرسته" ص ١١٩، وأبو علي الصدفيُّ كما في "المعجم في أصحاب القاضي أبي علي الصدفي" في ترجمة أحمد بن عبد الرحمن بن عيسى بن إدريس التُّجيبي أبي العباس
_________
(١) وقد سمع منه "الجامع" في هذه السنة كما صرّح هو نفسه بذلك في "برنامج" التجيبي ص ١٠١.
(٢) "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٥٣٧ و"فضائل الكتاب الجامع" ص ٤٢ - ٤٣.
(٣) "برنامج التجيبي" ص ١٠٨.
(٤) "السير" ١٥/ ٣٥٩ - ٣٦٠، و"التقييد" لابن نقطة ص ٤٧٩، و"الوافي بالوفيات" ٤/ ٢٩٦. =
стр. 47
ص ٤٦، والقاسم بن يوسف التُّجيبي في "برنامجه" ص ١٠٢ - ١٠٣، وأبو محمد بن عطية المُحاربي الأندلسي صاحب التفسير المشهور "المحرر الوجيز" فقد ذكر في "فهرسته" في ترجمة شيخه أبي علي الصدفي ص ٧٥ أنه أخذ عنه كتاب الترمذي ثم أسنده.
٣ - حمادُ بنُ شاكر بن سَوِيَّة الإمامُ المحدث الصدوقُ، أبو محمد النسفي، أحدُ رواة صحيح البخاري، قال الحافظ جعفر المستغفري: هو ثقة صدوق، رحل إلى الشام، حدثني عنه بكرُ بنُ محمد بن جامع بـ "صحيح البخاري"، توفي سنة إحدى عشرة وثلاث مئة (١).
٤ - الإمامُ العالمُ الحافظُ المتقن، أبو عبد الرحمن، وأبو جعفر، محمدُ بنُ المنذر بن سعيد بن عثمان بن رجاء بن عبد الله بن الصحابي العباس بن مرداس السُّلَمي الهروي، شكَّر الحافظ، كان واسع الرواية، جيد التصنيف.
قال الحاكم: حدَّث شكّر بمرو، وطُوس، وسرخس، ومَرْو الرُّوذ، وبخارى، ونيسابور حدَّث بها سنةَ سبع وتسعين ومئتين. مات سنة ثلاث وثلاث مئة وقيل: في سنة اثنتين وثلاث مئة (٢).
وقال الخليلُ بنُ عبد الله الحافظ: ثقة حافظ، روى عنه الكبارُ مِن أقرانه، لحفظه وأمانته (٣).
_________
(١) "السير" ١٥/ ٥.
(٢) "السير" ١٤/ ٢٢١.
(٣) "الإرشاد" ٣/ ٨٧٦.
стр. 48
٥ - الحافظ الرحَّال الفقيه، أبو مطيع مكحولُ بنُ الفضل النَّسَفي، صاحب كتاب "اللؤلؤيات" ذكره المستغفري في "تاريخ نَسَف" وذكر أن اسمَه محمدُ بنُ الفضل، ومكحول لقبه، وأنه توفي سنةَ ثمان وثلاث مئة، قال الذهبي: رأيت له مؤلفًا مخرومًا عند الشيخ عبد الله الضرير، وله نظم حسن (١).
٦ - الشيخ المُعَمَّر الشهير، أبو حامد أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان، النيسابوري التاجر السفَّار، ابن حسنويه، قال الحاكم: سمع من أبي عيسى الترمذي جملةً من مصنفاته، وكان مِن المجتهدين في العبادة الليلَ والنهارَ، قال: سألته عن سِنّه سنةَ ثمان وثلاثين وثلاث مئة، فقال لي: سِتٌّ وثمانون سنة، وأُدخلتُ الشام سنةَ ست وستين ومئتين، وأنا ابن اثنتي عشرة سنة، وأخرجْتُ مَنْ اسمُه أحمد من شيوخي، فخرَّج مئة وعشرين، قال الحاكم: ورحل إلى الترمذي (٢).
٧ - أبو علي الحسينُ بن يوسف بن عبد المجيد البندار الفِرَبري، من شيوخ أبي أحمد بن عدي الجرجاني صاحب "الكامل في الضعفاء" روى عنه في ترجمة الحسن بن دينار، سمع أبا الفضل أحمد بن علي بن عمرو السليماني البَيْكندي الحافظ، وجدَّه لأمه أبا منصور الحسين بن علي بن يوسف الفِرَبْرِي (٣).
_________
(١) "السير" ١٥/ ٣٣.
(٢) "السير" ١٥/ ٥٤٨ - ٥٥١.
(٣) "الأنساب" للسمعاني ٩/ ٢٦١، و"نزهة الألباب في الألقاب" ١/ ١٣٤.
стр. 49
٨ - داود بن نصر بن سهيل بن عبدويه بن يزداذ أبو سليمان البزدوي، أحدُ علماء مدينة نَسَف مات سنةَ ثلاث وعشرين وثلاث مئة، وأخوه أيضًا أبو محمد عبد الله بن نصر بن سهيل البزدوي روى عن الترمذي كذلك (١).
٩ - محمد بن سفيان بن النضر، أبو جعفر النسفي، المعروف بالأمين، روى عن البخاري "صحيحهُ"، ذكره المستغفري في "تاريخ نَسَف" (٢).
١٠ - نصر بن محمد بن سبرة، أبو محمد الشِّيْرَكَثي، نسبة إلى شِيْرَكَث قرية من قرى نسَف، سمع "الجامع" من أبي عيسى، وأسمعه (٣).
أقوال العلماء فيه وثناؤهم عليه:
لقد بلغ الإمامُ الترمذي رحمه الله تعالى في العلم مبلغًا عظيمًا، شهد له بذلك جِلّة العلماءِ وأفاضلُهم في عصره، ومن جاء بعده، فقد قال له شيخه الإمام الحافظ محمد بن إسماعيل البخاري: ما انتفعتُ بكَ أكثرُ مما انتفعتَ بي (٤).
_________
(١) "تاريخ الإسلام" وفيات (٣٢١ - ٣٣٠) ص ١٢٩، و"الإكمال" لابن ماكولا ١/ ٤٧٢، و"الأنساب" ٢/ ١٩٠.
(٢) تاريخ الإسلام، وفيات (٣٠١ - ٣٢٠) ص ٢٤٣.
(٣) "الأنساب" في ترجمة أبي نصر أحمد بن عمار بن عصمة بن معاذ الشيركثي ٧/ ٤٦١.
(٤) "تهذيب التهذيب" ٣/ ٦٦٩.
стр. 50
وقال الحافظ أبو سعد عبد الرحمن بن محمد الإدريسي: محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحّاك السُّلَمي الترمذي الحافظ الضرير، أحد الأئمة الذين يُقتدى بهم في علم الحديث، ﵁، صنف كتاب "الجامع"، و"التواريخ"، و"العلل" تصنيفَ رجل عالم متقن، كان يُضرب به المثل في الحفظ (١).
وقال أبو سَعْد السَّمعاني: أبو عيسى محمد بنُ عيسى بن سورة بن شداد البُوغي الترمذي الضرير، إمام عصره بلا مدافعة، صاحب التصانيف (٢).
وقال المبارك بن محمد بن الأثير الجزري: أحد الأئمة الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يد صالحة (٣).
وقال ابن حبان: كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر (٤).
وقال أبو أحمد الحاكمُ: سمعت عمر بن علَّك يقول: مات البخاري، فلم يُخَلِّفْ بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ، والورعِ والزهدِ، بكى حتى عمي، وبقي ضريرًا سنين (٥).
_________
(١) نقله عنه الإسعردي في "فضائل الكتاب الجامع" بسنده ص ٣١، وكذا أسنده محمد بن طاهر في "شروط الأئمة الستة" ص ٢٥.
(٢) "الأنساب" ٣/ ٣٣٥ في نسبة البوغي.
(٣) "جامع الأصول" ١/ ١٩٣.
(٤) "الثقات" ٩/ ١٥٣.
(٥) "تهذيب التهذيب" ٣/ ٦٦٩، و"سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٢٧٣.
стр. 51
وقال الذهبي: محمدُ بنُ عيسى بن سورة الحافظ العَلَمُ، الإمامُ، البارع.
وقال في موضع آخر: الحافظ العَلَمُ أبو عيسى الترمذي، صاحب الجامع، ثقة مُجمع عليه (١).
وقال أبو يعلى الخليل بن عبد الله: ثقةٌ، متفق عليه، مشهورٌ بالأمانة والعلم (٢).
وقال يوسفُ بنُ أحمد البغدادي: ولأبي عيسى فضائل تُجْمَعُ وتُروى وتُسمع (٣).
وقال القاسم بن يوسف التُّجيبي السّبتي: وشهرةُ أبي عيسى المذكور ﵀، وجلالةُ قدره، وكثرةُ حفظه للمتون وعللها والأسانيد واتصالها، وتفننه في كثيرٍ من العلوم، معلومٌ متعارف عندَ أهلِ المشرق والمغرب (٤).
وقال الحافظ المِزي: أحدُ الأئمة الحفاظ المبرّزين، ومَنْ نَفَعَ اللهُ به المسلمين (٥).
_________
(١) "سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٢٧٠، و"ميزان الاعتدال" ٣/ ٦٧٨.
(٢) "الإرشاد في معرفة علماء الحديث" ٣/ ٩٠٥.
(٣) "مقدمة شرح ابن سيد الناس" ١/ ١٨٥.
(٤) "برنامجه" ص ١٠٦.
(٥) "تهذيب الكمال" ٢٦/ ٢٥٠.
стр. 52
وقال محمدُ بن محمد ابن الأثير الجزري أخو المبارك: كان إمامًا حافظًا، له تصانيف حسنة (١).
وقال أبو جعفر بن الزبير: وللترمذي فى فنون الصناعة الحديثية ما لم يُشاركه غيره (٢).
وقال ابن العماد الحنبلي: كان مبرّزًا على الأقران، آيةً في الحفظ والإتقان (٣).
وقال علي القاري: الإمامُ الحجةُ الأوحد، الثقةُ الحافظ المتقن (٤).
وهذا الإمامُ الذي طَبَّقَتْ شهرتُه الآفاقَ، وانتشر كتابُه في ديار الإسلام، وأثنى عليه علماءُ عصره، ومَن جاء بعدهم مِن أهل العلم، لا يضيرُه أن يقولَ فيه أبو محمد بن حزم في كتابه "الإيصال" (٥): إنه مجهول، لا يُدرى من هو، لأن هذا يُنادي بنفسه على قائله بقصورِ نظره، وقلةِ اطلاعه، ونزارة علمه في هذا الباب.
_________
(١) "الكامل في التاريخ" ٧/ ٤٦٠ في أحداث سنة ٢٧٩ هـ.
(٢) نقله عنه السيوطي في "قوت المغتذي" ص ٦.
(٣) "شذرات الذهب" ٢/ ١٧٤ - ١٧٥.
(٤) "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" ١/ ٢١.
(٥) قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ" ٢/ ١١٤٧ عن هذا الكتاب: هو كتاب كبير في فقه الحديث، وسماه: "الإيصال إلى فهم كتاب الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام والحلال والحرام والسنة والإجماع".
стр. 53
وقد ردَّ عليه المحققون مِنْ أهل العلمِ بالحديث، منهمُ الإمامُ ابنُ القطان الفاسي، والإمام الذهبي، والإمامُ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والإمام القاسم بن يوسف التجيبي، وغيرهم.
فقد قال ابن القطان: محمدُ بنُ عيسى بن سَورة بن موسى بن الضحاك السُّلَمي الترمذي جهّله بعضُ من لم يبحث عنه، وهو أبو محمد بن حزم، فقد قال في كتاب الفرائض من "الإيصال" - إثرَ حديث أورده -: إنه مجهول، فأوجب ذلك في ذكره من تعيين مَنْ شَهِدَ له بالإمامة، ما هو مستغنٍ عنه بشاهد علمه، وسائر شهرته، فممن ذكره في جملة المحدثين: أبو الحسن الدارقطني، وأبو عبد الله بن البَيَّع [المعروف بالحاكم]، وقال أبو يعلى الخليلي في كتابه: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَورة الحافظ ثقة متفق عليه، وممن ذكره أيضًا: الأميرُ ابن ماكولا، وابنُ الفَرَضي، وأبو سُليمان الخطابي (١).
وقال الذهبي: ولا التفاتَ إلى قول أبي محمد بن حزم فيه في الفرائض من كتاب "الإيصال": إنه مجهول، فإنه ما عرفه، ولا دَرَى بوجود "الجامع"، ولا "العلل" اللذين له (٢).
وقال الإمامُ ابنُ كثير: وجهالةُ ابنُ حزم لأبي عيسى الترمذي لا تَضُرُّهُ حيث قال في محلاه!: ومن محمدُ بنُ عيسى بن سَوْرَةَ؟ فإن
_________
(١) "بيان الوهم والإيهام" ٥/ ٦٣٧ - ٦٣٨.
(٢) "ميزان الاعتدال" ٣/ ٦٧٨.
стр. 54
جهالتَه لا تَضَعُ مِن قدره، عند أهل العلم، بل وَضَعَتْ منزلَة ابن حزم عند الحفاظ.
وكَيْفَ يَصِحُّ في الأَذْهانِ شَيءٌ … إذا احْتاجَ النَّهارُ إلى دَليل (١)
وقال الحافظ ابن حجر: وأما أبو محمد بن حزم، فإنه نادى على نفسه بعدمِ الاطلاع، فقال في كتاب الفرائض من "الإيصال": محمد بن عيسى بن سورة مجهول، ولا يقولَنَّ قائل: لعله ما عرف الترمذي، ولا اطَّلع على حفظه، ولا على تصانيفه، فإن هذا الرجل قد أطلق هذه العبارة في خلقٍ مِن المشهورين مِن الثقات الحفاظِ كأبي القاسم البغوي، وأبي العباس الأصم، وإسماعيل بن محمد الصفّار، والعجبُ أن الحافظ ابن الفرضي ذكره في كتابه "المؤتلف والمختلف" ونبّه على قدره فكيف فات ابنَ حَزْمٍ الوقوفُ عليه فيه؟ (٢)
وقال القاسم بن يوسف التُّجيبي السَّبتي بعد أن بَيَّنَ فضل الترمذي وعلومه وشهرته: ولا يضرُّه جَهْلُ مَنْ جَهِلَهُ، وهو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الفارسي الظاهري، فإنه وهم فيه وهمًا بيّنًا، وسها سهوًا ظاهرًا، فقد قال في كتاب الفرائض من إيصاله إثر حديث أورده فيه: إن أبا عيسى الترمذي مجهول لا يعرف، وهذه هفوة لا تُوصف (٣).
_________
(١) "البداية والنهاية" ١١/ ٧١.
(٢) "تهذيب التهذيب" ٣/ ٦٦٨.
(٣) "برنامجه" ص ١٠٦.
стр. 55
رأيُ الإمَامِ التِّرمذيِّ في مَسْأَلةِ الأسماءِ والصِّفَاتِ:
إنَّ مسألةَ الأسماءِ والصفاتِ تُعدُّ مِن أجلَّ وأعظمِ ما تُكلم فيه مِن أصول الاعتقاد، وقد اختلفت فيها مقالاتُ الإسلاميين، فمنهم مَنْ قال بالنفي المحض، ومنهم من أقرَّ بأسماء الله في الجملة ونفى الصفات، ومنهم من أقرَّ بالأسماء والصفات، لكن تأوَّل طائفةً منها وصرفها عن ظاهرها لدليل قام عنده، ومنهم مَنْ ذَهَبَ إلى الإيمان بكل ما وَرَدَ في كتاب الله وصحيح السنة مِن الأسماءِ والصفات، وإمرارها على ظاهرها، ونفي الكيفيةِ والتشبيه والتمثيل عنها، فهو لا يُشبه شيءٌ مِن صفاته صِفات الخَلْقِ، كما لا تشبه ذاتُه ذواتِ الخلق، قال الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وأصحابُ هذا القول هم سلفُ الأمة، وعلماءُ السنة، تلقَّوها جميعًا بالإيمانِ والقبول، وتجنبوا فيها التمثيلَ والتأويلَ، ووكلوا العلمَ فيها إلى الله.
والإمام الترمذي يجري في مضمارِ هذا الرأي الأخير، ويتقلَّدُ قولَ القائلين بهِ مِن أهل السنة والجماعة، ويرتضيه ويدينُ به. فقد قال ﵀ بإثْرِ حديثِ أبي هريرة المرفوع الذي أخرجه في "الجامع" برقم (٦٧٠) "إنّ اللهَ يقبلُ الصدقةَ ويأخذُها بيمينه، فيُرَبِّيها لأحدكم كما يُربي أحدُكُم مُهْرَهُ … ": هذا حديثٌ صحيح، وقد رُوي عن عائشة عن النبيَّ ﷺ نحوُ هذا، وقد قال غيرُ واحدٍ من أهلِ العلم في هذا الحديثِ وما يُشْبِهُ هذا من الروايات والصفات،
стр. 56
ونزولِ الربِّ ﵎ كُلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الرواياتُ في هذا، ويُؤمَنُ بها، ولا يُتَوهَّمُ، ولا يُقالُ: كَيْفَ.
هكذا رُوي عن مالكٍ، وسفيانَ بنِ عُيينة، وعبدِ الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قولُ أهلِ العلم مِن أهل السنة والجماعة، وأما الجهميةُ، فأنكرتْ هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر اللهُ في غير موضع مِن كتابه: اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهميةُ هذه الآيات، ففسروها على غير ما فسر أهلُ العلم، وقالوا: إن الله لم يَخْلُقْ آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد ها هنا القوة.
وقال إسحاق بنُ إبراهيم: إنما يكون التشبيهُ إذا قال: يَدٌ كيدٍ أو مثلُ يدٍ، أو سمعٌ كسمعٍ أو مثلُ سمع، فإذا قال: سمعٌ كسمعٍ أو مثلُ سمع، فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله: يدٌ وسمعٌ وبصرٌ، ولا يقولُ: كيف، ولا يقول: مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وقال بإثر حديث أبي هُريرة الطويل (٢٥٥٧): وقد رُوي عن النبيَّ ﷺ روايات كثيرة مثلُ هذا ما يذكر فيه أمرُ الرؤية أن الناسَ يرون ربَّهم، وذكر القدم وما أشبه هذه الأشياء، والمذهبُ في هذا عِنْدَ أهلِ العلم مِن الأئمة مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، وابن عُيينة، ووكيع، وغيرهم: أنهم رَوَوْا هذه
стр. 57
الأشياء، ثم قالوا: تُروى هذه الأحاديث، ونُؤمِن بها، ولا يُقالُ: كيف؟ وهذا الذي اختاره أهلُ الحديث أن يرووا هذه الأشياء كما جاءت، ويُؤمَنُ بها، ولا تُفسَّرُ، ولا تُتوهم، ولا يقال: كيف، وهذا أمرُ أهلِ العلم الذي اختاروه، وذهبوا إليه.
مَذْهَبُه في التَّفَقُّهِ وهَلْ كَانَ ينتسِبُ إلى أَحَدِ الأئمة المَتْبُوعِيْنَ، ويَأْخُذُ بأقوالِه، ويَعْتَمِدُ عَلَيْهَا؟
إن جامع أبي عيسى حافل بنقل المذاهب الفقهية، وأقاويل الصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة المتبوعين، وغيرهم من أصحاب المذاهب المعروفة في عصره، مثل الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام، وسفيان الثوري إمام أهل العراق، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه إمام أهل خراسان، وعبد الله بن المبارك، فهو يُعَدُّ من المراجع الأصيلة في مذاهب العلماء واختلافِ المجتهدين، وهو أقدم مصنف وصل إلينا عن أوجه الخلاف.
فقد قال العلامة أبو الحسن الندوي ﵀: وكان الترمذي مِن أول من طَرَق موضوع ما يُسميه الناسُ اليوم بالفقه المقارن، وكان له فضل كبيرٌ يجب أن تعترف الأمةُ به في حفظه لِفقه المدارس الاجتهادية في عصره، ولولاه لضاعَ منه الشيء الكثير، وعفا عليه الزَّمانُ، وتلك خصيصة لجامعه تفرد بها من بين
стр. 58
مصنفات الحديث والسنة، فهو مِن أوثق المراجع وأقدمِها في الخلاف سيما في معرفة المذاهب المهجورة، كمذاهب الأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وكان من حسناته أنه حفظ للمتأخرين مذهب الشافعي القديم.
ولم يكن التقليدُ شائعًا في العصر الذي كان فيه الترمذي كما هو عليه الآن من الالتزامِ الكامل للمذهب، بل كان العالمُ المتمكِّن يبحث في المسألة الخلافية، ويطَّلع على الأدلة، ويوازنُ بينها، ثم يأخذ بما هو أقربُ إلى الصواب، سواءٌ وافقَ الإمامَ الذي التزم مذهبه أو خالفه.
ومن هنا نجد الإمام الترمذي يقف في جامعه من المذاهب والآراء موقف المحتكم إلى السنة النبوية، والاستدلال بها، فيرجح منها ما شهد له الحديثُ الصحيح، أو كان دليلُه أقوى في نظره حين ينقدح في ذهنه وجه الترجيح، ولا يلتزم مذهبًا معينًا، بل هو دائر مع قوة الدليل، شأنه في ذلك شأن علماء عصره الذين لم يكونوا يرضَون لأنفسهم التقليدَ، لا حفاظُ الحديث، ولا أئمة الفقه، فهو يَسْرُدُ المذاهبَ، ثم يُرجح بينها، فهو في هذا مُتَّبع، وهي منزلة بين التقليد، وبين الاجتهاد، وعليه يُمكننا أن نقول: إن اجتهاد الترمذي في مرتبة الترجيح على طريقة أهل الحديث.
وهو يقصد بقوله: أصحابنا، الفقهاء المجتهدين من أهل الحديث، كمالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه، وفي "الجامع" أمثلة غير قليلة تدل على ذلك.
стр. 59
وقد نَسَبه بعضُهم إلى الإمام الشافعي، فإن صحَّ ذلك عنه، فيكون قد ارتضى منهجَه في الاستدلال، وطريقتَه في التفقه، لا أنه يأخذ بجميع أقواله، وهذا بيِّن في المسائل المُدْرَجة في "الجامع"، فقد خالف في غير مسألة منها رأيَ الإمام الشافعي، وأخذ بقولِ غيرهِ.
الطريقةُ التي اتَّبعها التِّرْمِذِيُّ في نقلِ مَذَاهِبِ الأَئِمَّة:
ويُعَوِّلُ الإمام الترمذي في نقل أقاويل الأئمة الفقهاء ومذاهبهم على الأسانيد جريًا على الطريقة المتبعة عندَ أهلِ الحديثِ، لتوثيق المنقولات، وقد سرد في كتاب العلل الذي في آخر الجامع الأسانيد التي اعتمدها وعوّل عليها في ذلك.
فقال عن قول سفيان الثوري، فأكثرُه ما حدثنا به محمد بن عثمان الكوفي، حدثنا عُبيد الله بنُ موسى، عن سفيان الثوري. ومنه ما حدثني أبو الفضل مكتومُ بن العباس الترمذي، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان.
وما كان فيه من قول مالك بن أنس، فأكثره ما حدثني به إسحاقُ بن موسى الأنصاري، حدثنا معنُ بن عيسى القزاز، عن مالك بن أنس. وما كان فيه من أبواب الصوم، فأخبرنا به أبو مصعب المدني، عن مالك بن أنس. وبعض كلام مالك ما أخبرنا به موسى بن حِزام، أخبرنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك بن أنس.
стр. 60
وما كان فيه من قولِ ابنِ المبارك، فهو ما حدثنا به أحمدُ بن عَبْدة الآمُلي، عن أصحابِ ابن المبارك، ومنه ما روي عن أبي وهب محمد بن مزاحم، عن ابن المبارك، ومنه ما روي عن علي بن الحسن بن شقيق، عن عبد الله، ومنه ما روي عن حِبّان بن موسى، عن عبد الله بن المبارك. وله رجال مُسمَّون سوى مَن ذكرنا عن عبد الله بن المبارك.
وما كان فيه مِن قول الشافعي، فأكثرُه ما أخبرني به الحسن بن محمد الزعفراني، عن الشافعي، وما كان من الوضوء والصلاة فحدثنا به أبو الوليد المكي، عن الشافعي، ومنه ما حدثنا به أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا يوسف بن يحيى القرشي البُوَيطي، عن الشافعي، وذكر منه أشياء عن الربيع، عن الشافعي، وقد أجاز لنا الربيع ذلك، وكتب به إلينا.
وما كان فيه مِن قول أحمدَ بن حنبل وإسحاق بن راهويه، فهو ما أخبرنا به إسحاقُ بن منصور الكَوْسَجُ، عن أحمد وإسحاق، إلا ما في أبواب الحج والديات والحدود، فإني لم أسمعه مِن إسحاق بن منصور، وأخبرني به محمد بن موسى الأصم، عن إسحاق بن منصور، عن أحمد وإسحاق، وبعضُ كلام إسحاق بن إبراهيم [وهو نفسه ابن راهويه] أخبرنا به محمد بن أفلح، عن إسحاق، وقد بينا هذا على وجهه في الكتاب الذي فيه الموقوف.
وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ، فهو ما استخرجتُه مِن كتاب "التاريخ"، وأكثر ذلك ما ناظرت به
стр. 61
محمدَ بنَ إسماعيل، ومنه ما ناظرت به عبد الله بن عبد الرحمن (يعني الدارمي) وأبا زرعة (يعني الرازي)، وأكثر ذلك عن محمد، وأقلُّ شيء فيه عن عبد الله وأبي زرعة، ولم أر أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبيرَ أحدٍ أعلمَ من محمد بن إسماعيل ﵀.
قلنا: وهذه الأسانيد قد استوفى دراستها الدكتور نور الدين عتر في بحث خاص في كتابه "الإمام الترمذي" ص ٣٩٢ - ٤٠٨، وانتهى به البحث إلى صلاحية تلك الأسانيد للاحتجاج بها في نقل المذاهب الفقهية عن الأئمة التي نقلت مذاهبهم بالأسانيد المذكورة إليهم.
اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الكَرَاهَةِ والكَرَاهِيَةِ عندَ الإمامِ الترمذيِّ:
قد أكثر الإمامُ الترمذيُّ مِن استعمال لفظ الكراهة والكراهية في تراجم الأبواب من كتابه "الجامع". فقال: بابُ كراهية الاستنجاء باليمين، وقال: باب ما جاء في كراهية البول في المغتسل، وقال: باب ما جاء في كراهيةِ النومِ قبلَ العشاء، وقال: باب في كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر، وقال: باب ما جاء في كراهية الأذان بغير وضوء، وقال: باب ما جاء في كراهية أن يُبادَرَ الإمامُ في الركوع والسجود …
وهو ﵀ لم يُرِدْ بهذا اللفظ ما هو المشهور عند المتأخرين أنه للتنزيه وترك الأولى، بل أراد معنى شاملًا للتنزيه والحُرمَةِ، وقد جاء هذا اللفظ في كلام المتقدمين بمعنى الحرمة كثيرًا.
стр. 62
وقد عقد الإمام ابن القيم فصلًا في غاية النفاسة في هذا الباب نقل فيه عن الأئمة المتقدمين إطلاقهم لفظ الكراهة على ما هو حرام (١).
قال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: لم يكن مِن أمرِ الناس، ولا مَن مضى من سلفنا، ولا أدركتُ أحدًا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره ذا، ونرى هذا حسنًا، فينبغي هذا ولا نرى هذا، وقال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكرهُه ولا أقولُ: هو حرام، ومذهبُه تحريمُه، وإنما تورَّع عن إطلاق لفظ التحريم، لأجل قول عثمانَ.
وقال في رواية إسحاق بن منصور: إذا كان أكثرُ مالِ الرجل حرامًا، فلا يُعجبني أن يؤكل مالهُ، وهذا على سبيل التحريم.
وقال في رواية ابنه عبد الله: لا يعجبني أكلُ ما ذُبِح للزُّهرة ولا الكنيسة، وكل شيء ذُبِحَ لغير الله، قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] فتأمل كيف قال: لا يعجبني في ما نصَّ الله سبحانه على تحريمه، واحتج هو أيضًا بتحريم الله له في كتابه.
وقد نص محمد بن الحسن أن كل مكروه، فهو حرام، إلا أنه لما لم يجد فيه نصًا قاطعًا، لم يُطلق عليه لفظ الحرام.
_________
(١) "أعلام الموقعين" ١/ ٧١ - ٧٦.
стр. 63
وروى محمد أيضًا عن أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ أنه إلى الحرام أقربُ.
وقد قال في "الجامع الكبير": يُكره الشربُ في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء، ومرادُه التحريم، وكذلك قال أبو يوسف ومحمد: يكره النومُ على فراش الحرير والتوسُّد على وسائده، ومرادُهما التحريم.
وأما أصحابُ مالك، فالمكروه عندهم مرتبة بينَ الحرام والمباح، ولا يُطلقون عليه اسمَ الجوازِ، ويقولون: إن أكل كلّ ذي ناب من السَّبُعِ مكروه غيرُ مباح.
وقد قال مالك في كثير من أجوبته: أكره كذا وهو حرام.
وقد نص الشافعيُّ على كراهة تزوج الرجل من بنته من ماء الزنى ولم يقل قطُّ: إنه مباح ولا جائز، والذي يليقُ بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أجلَّه الله به مِن الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم، وأطلق لفظ الكراهة، لأن الحرام يكرهه اللهُ ورسولُه، وقد قال الله سبحانه عقيبَ ذكر ما حرمه مِن المحرمات مِن عند قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] إلى قوله ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٤] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] إلى آخر الآيات، ثم قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨].
стр. 64
وفي الصحيح: "إنَّ الله كَرِهَ لكم قيلَ وقالَ، وكثرةَ السؤالِ وإضاعة المال"، فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استُعمل فيه كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرين اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم، وتركه أرجح من فعله.
مصنفاته:
وقد ألف الإمامُ الترمذي كتبًا عديدةً في خدمةِ السُّنَّةِ النبوية، أبانت عن إمامته، وغزارة علمه، ورسوخِ قدمه في هذا العلم الشريف، وقد ملأها من علوم شيوخه وأقوالهم، ونقلها بأسلوبٍ غاية في الوضوح، وطريقة سهلة، بحيث قرّبت هذا العلم إلى كل طالب علم، وجعلته في متناول اليد.
ومن مصنفاته:
١ - الجامع، وقد فصلنا القول فيه في مبحث مفرد، سيأتي قريبًا.
٢ - العلل الصغير: وهو كتاب مُهِمٌّ أبان فيه الترمذيُّ عن منهجه في كتابه "الجامع" وهو من الضرورة بمكان، بحيث لا يستغني عنه كلُّ من يُطالع كتابه "الجامع". وقد شرحه الحافظ ابنُ رجب الحنبلي شرحًا مفيدًا لِطلبة العلم والمتخصصين في علم الحديث والعلل. وهو جزء مِن شرحه على كتاب "الجامع" للترمذي، وسنتكلم عليه بشيء من التفصيل عند الحديث عن شروح "الجامع"، وقد طُبِعَ بتحقيق الدكتور نور الدين عتر، ونشر في دار الملاح في دمشق.
стр. 65
٣ - العلل الكبير، وهو من كتبه المهمة المفيدة، ضمنه الكلام على علل الأحاديث مما سأل عنه شيخَه محمدَ بنَ إسماعيل البخاري، وأبا زرعة الرازي، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأكثره للبخاري، وبعضُه لأبي زرعة والدارمي وشيء مِن أقواله هو، وهو كما ألفه الترمذي مفقودٌ، والموجودُ إنما هو بترتيب فقيه عصره في علم الخلاف القاضي أبي طالب محمود بن علي الأصفهاني الشافعي المتوفَّى سنة (٥٨٥ هـ)، رتَّبه على الأبوابِ الفقهية، فجاء في (٤٢٨) بابًا، وقد طُبعَ بتحقيق الأستاذ حمزة ديب مصطفى، ونشر في مكتبة الأقصى، بعمَّان سنة ١٤٠٦ هـ.
٤ - تسميةُ أصحاب رسول الله ﷺ ، طبع بتحقيق الأستاذ عماد الدين أحمد حيدر، في دار الجنان في بيروت سنة ١٤٠٦ هـ.
٥ - الشمائل النبوية، طبع أكثر من طبعة، وله شروح كثيرة زادت على الأربعين بعضها مطبوع، وقد ذكرها فؤاد سزكين في "تاريخ التراث العربي" فليراجع.
وقد ذكر غيرُ واحدٍ من أهل العلم عدة كتب للإمام الترمذي لم تقع لنا، ولا نعلم هَلْ هي مركوزة في بعض المكتبات في العالم، أو أنها مما ضاع واندثر، منها كتاب "الزهد"، وكتاب "التاريخ"، و"الأسماء والكنى"، و"التفسير"، و"الرباعيات" وكتاب في "الآثار الموقوفة".
стр. 66
وَفَاتُهُ:
توفي الإمامُ الترمذيُّ لثلاث عشرة ليلةً مضت من رجب سنةَ تسعٍ وسبعين ومئتين كما قال غيرُ واحدٍ من العُلماء، منهم أبو العباس المستغفري المؤرخ الكبير، ومحمدُ بنُ أحمد غنجار الحافظ في "تاريخ بُخارى"، ويوسفُ بنُ أحمد البغدادي الحافظ، والحافظُ ابن ماكولا وابن الأثير الجزري صاحب "جامع الأصول"، وغيرهم.
وذكر السمعاني في "الأنساب" في نسبة البوغي أنه توفي سنة خمس وسبعين، وفي نسبة الترمذي أنه توفي سنة نيّف وسبعين، وقال الخليلي: مات بعد الثمانين، والصحيح هو الأول، وعليه اقتصر الحفّاظُ أبو القاسم الإسعردي في "فضائل الكتاب الجامع"، وأبو الحجاج المزي في "تهذيب الكمال" وابنُ حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" وصوَّبه الحافظ ابن نقطة في "التقييد" في ترجمة الإمام الترمذي.
وكانت وفاته في قرية بُوغ إحدى القُرى التابعة لِتِرمذ على ستة فراسخَ منها، وقال بعضُ مترجميه: إنه توفي بترمذ ولعل قائل ذلك قد تجوَّز، فذكر المدينة التي تعرف بها قريته.
стр. 67
التَّعريف بكِتَاب الجَامع
عنوان الكتاب:
قد اختلف أهل العلم في تسمية هذا الكتاب على أقوال:
١ - "الجامعُ الكبير"، سمَّاه بذلك محمدُ بن محمد ابن الأثير صاحب "الكامل" في التاريخ، والوادي آشي، وهو الموجودُ في أصولنا الخطية، أحدُها بخط أبي الفتح الكروخي راويه عن المشايخ: التِّرياقي والغُورجي والأَزْدي، عن أبي محمد الجرَّاحي، عن أبي العباس المحبوبي، عن أبي عيسى الترمذي، وهو الذي اعتمدناه، وثبتناه في طبعتنا هذه.
٢ - "الجامع"، سمَّاه بذلك الحافظ أبو سعدٍ الإدريسيُّ والسمعاني والمباركُ بنُ محمد ابن الأثير صاحب "جامع الأصول"، والمُؤْتَمَنُ الساجي الذي روى هذا الكتاب مع الكروخي وسمعه أيضًا من المشايخ الثلاثة المذكورين، وكذا سماه غُنجار صاحب "تاريخ بخارى"، والذهبي، وابنُ كثير، والعراقي، وابن حجر العسقلاني، والقاسمُ بنُ يوسف التُجيبي، وابنُ نقطة البغدادي صاحب "التقييد" و"تكملةُ الإكمال"، وابنُ سيد الناس، وابن تغردي بردي.
٣ - "السنن"، سماه بذلك الحافظُ ابنُ كثير، وابنُ عطية صاحب التفسير المعروف بـ "المحرر الوجيز"، واشتهر به بَيْنَ أهلِ
стр. 68
العلم، كانتشارِ سنن أبي داود وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، وسنن الدارمي.
٤ - "الجامع الصحيح"، سماه بذلك أبو عبد الله الحاكم، وأبو بكر البرقاني (١).
٥ - "الصحيح"، سماه بذلك الخطيبُ البغداديُّ، وابنُ الأثير المبارك بن محمد، وابن النديم صاحب "الفهرست"، وابنُ الأبار القُضاعي، والسَّمعانيُّ، وطاش كبري زاده، وفي هذا الإطلاق ضربٌ من التجوّز، ونوعٌ من التساهل، فليس يُوجد نص عن الإمام الترمذي أنه التزم فيه الصحةَ، بل فيه أحاديثُ غيرُ قليلة ضعيفة، نبّه هو على ضعفها.
وسوّغ هذا الإطلاقَ بعضُهم، بأن ما فيه مِن الصحيح والحسن، ومجموعُهما أكثرُ من الضعيف، فيكون المرادُ بهذا الإطلاقِ أغلبَ ما فيه.
قال ابنُ كثير: وكانَ الحاكمُ أبو عبد الله، والخطيبُ البغدادي يُسميانِ كتاب الترمذي "الجامع الصحيح"، وهذا تساهلٌ منهما، فإن فيه أحاديثَ كثيرة منكرة! (٢).
وقال السيوطي: ومَنْ أطلق عليهما الصحيح، كقولِ السِّلَفي في الكتب الخمسة: اتفق على صحتها علماءُ المشرق والمغرب،
_________
(١) نقل ذلك عن البرقاني الخطيب في "تاريخه" ٥/ ٦٩.
(٢) "الباعث الحثيث" ص ١٢ - ١٣.
стр. 69
وكإطلاق الحاكم على الترمذي "الجامع الصحيح"، وإطلاق الخطيب عليه وعلى النسائي اسم الصحيح، فقد تساهل (١).
ويقول صاحب "كشف النقاب" ص ١٠٥: وقد اشتهر الكتابُ باسم جامع الترمذي، لاشتماله على السير والآداب والتفسير والعقائد والفتن والأحكام والأشراط والمناقب، لأنَّ هذه الأبواب إذا وُجِدَتْ في كتابٍ يُطلق عليه اسمُ الجامع عند المحدثين، وتسميةُ الكتابِ بهذا الاسم أولى، لأنه يَشْمَلُ الأبوابَ الثمانية، ويَشْمَلُ الصحيحَ وغَيْرَهُ، وإذا قلنا له: سُنن الترمذي، فهو باعتبار أن فيه أحاديث الأحكامِ مرتبةً على ترتيب أبوابِ الفقه، وتكون هذه التسمية تجوّزًا باعتبار تسميةِ الكلِ ببعضِ أجزائه، حيث إن فيه أحاديث الأحكام وغيرها كما ذكرنا.
وقد ورد اسم الكتاب في نسخة تشستربيتي التي بين أيدينا في القطعة التي هي برواية أبي حامد التاجر وأبي ذر الهروي، كلاهما عن الترمذي في لوحة العنوان هكذا: "الجامعُ المختصر من السنن ومعرفة الصحيح والمعلول، وما عليه العمل" وسيأتي بسطُ الكلام عليه وكذلك سماه ابنُ خير الإشبيلي في "فهرسته" (٢).
ولم نَقف على نص يشير إلى الزمن الذي ابتدأ فيه الإمام الترمذي بتأليف كتابه الجامع، وكذلك لم يَنُصُّ أحد على المدة
_________
(١) "تدريب الراوي" ص ٩٥.
(٢) "فهرسة ابن خير" ص ١١٧
стр. 70
التي استغرقها هذا التأليفُ، إلا أننا وقفنا على نص يدل على تاريخ الفراغ من تأليفه، فقد ذكر ابن نقطة البغدادي في "التقييد" له ١/ ٩٥ والإسعردي في كتابه "فضائل الكتاب الجامع" ص ٣٢ أن الإمام الترمذي ﵀ قد فَرَغَ مِنْ تصنيف كتابِ الجامع يومَ الأضحى من سنة سبعين ومئتين، أي قبلَ وفاته بتسعِ سنوات.
لكن يخدِش هذا أن أبا العباس المحبوبي قال: إنه قد سَمِعَ من الإمام الترمذي كتاب الجامع سنة خمس وستين ومئتين وكان عمره إذ ذاكَ ستَّ عشرة سنة (١).
منزلة الجامع العلمية مِن بين الكتب الستة:
لا زالَ العلماء على مرِّ العصور والأزمان يُقرُّون ويُكْبِرُون كتابَ الترمذي "الجامع"، ويشهدون بِحُسْنِ تصنيفه وترتيبه، ويسلِّمون بأنه لم يُؤلَّفْ على غِراره، ولم يُنسج على مِنواله، فقد تميَّز بأمورٍ استحق بها ذلك الشرف والفضل، وهو يمثل ثقافة الإمام الترمذي بحق. وقد عرضه الإمامُ الترمذي بعدَ فراغه مِن تصنيفه على علماء عصره فَقَبِلُوه، فقد قال: صنفتُ هذا الكتابَ فعَرضتُه على علماءِ الحجاز، فرضُوا به، وعرضتُه على علماءِ العراق، فرضُوا به، وعرضتُه على عُلماء خراسانَ، فرضُوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب، فكأنما في بيته نبيُّ يتكلم (٢).
_________
(١) "برنامج التجيبي" ص ١٠١.
(٢) "فضائل الكتاب الجامع" ص ٣٢.
стр. 71
وقال في "العلل الصغير": جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمولٌ به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين ذكرهما قال الحافظ ابنُ رجب: وكأن مراد الترمذي رحمه الله تعالى أحاديثُ الأحكام.
وقال محمدُ بنُ طاهر المقدسي: سمعتُ الإمام أبا إسماعيلَ عبدَ الله بن محمد الأنصاري بِهراة (١) وجرى بين يديه ذكرُ أبي عيسى الترمذي وكتابه، فقال: كتابُه عندي أنفعُ مِن كتابِ البخاري ومسلم، لأن كتابي البخاري ومسلم لا يَقِفُ على الفائدة منهما إلا المتبحرُ العالم، وكتاب أبي عيسى يصل إلى فائدته كُلُّ أحد من الناس (٢).
وقال الحافظ يوسف بن أحمد البغدادي: لأبي عيسى فضائل تُجمع وتُروى وتُسمع، وكتابُه من الكتب الخمسة التي اتفق أهلُ العَقْدِ والحلِّ والفضلِ والفقهِ مِن العلماء والفقهاء وأهل الحديث النبهاء على قبولها والحكمِ بصحة أصولها، وما ورد في أبوابها وفصولها (٣).
_________
(١) بالفتح، إحدى أمهات خراسان، وهي اليوم تقع في أفغانستان، افتتحها المسلمون بقيادة الأحنف بن قيس، في خلافة عثمان ﵁، وانظر عنها "بلدان الخلافة الشرقية" ص ٤٤٩ - ٤٥٢.
(٢) "شروط الأئمة الستة" ص ٢٤، و"فضائل الكتاب الجامع" ص ٣٧.
(٣) مقدمة "النفح الشذي بشرح جامع الترمذي" ١/ ١٨٥.
стр. 72
وقال الحافظ أبو القاسم الإسعردي: وبعد، فإن علمَ الأثرِ أشرفُ العلوم في المَعاد، وأرجاها عندَ ربِّ العباد، وله أئمةٌ وجهابِذة ونقَّاد، عدَّلوا رجالَه وجرَّحوا، وشرحوا ألفاظه وأوضَحوا، فكان مِن أجلِّهم تأليفًا الإمامُ أبو عيسى الترمذي، اشتمل كتابُه على فقهِ الحديثِ وعلله، وبيانِ المجروحين من رجاله، وتعديلِ نَقلَته (١).
وقال الحافظ محمد بنُ طاهر أبو الفضل المقدسي: وأما أبو عيسى الترمذي ﵀، فكتابه وحدَه على أربعة أقسام: قسم صحيح مقطوع به، وهو ما وافق فيه البخاري ومسلمًا، وقسمٌ على شرط الثلاثة دونهما، وقسم أخرجه للضدِّية وأبانَ عَن عِلته ولم يُغْفِلهُ، وقسم رابع أبان هو عنه، فقال: ما أخرجتُ في كتابي إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء، وهذا شرط واسعٌ، فإن على هذا الأصلِ كُلُّ حديثٍ احتجَّ به محتجٌ، أو عَمِلَ به عامل أخرجه، سواء صحَّ طريقه أو لم يصح، وقد أزاح عن نفسه الكلام، فإنه شفى في تصنيفه، وتكلم على كُلٍّ بما يقتضيه (٢).
وقال الحافظ أبو بكر محمدُ بن موسى الحازمي: وفي الحقيقة شرطُ الترمذي أبلغُ من شرط أبي داود، لأن الحديث إذا كان ضعيفًا أو مطلعه مِن حديثِ أهلِ الطبقة الرابعة، فإنه يُبيِّن ضعفه ويُنبِّه
_________
(١) "فضائل الكتاب الجامع" ص ٣٠.
(٢) "شروط الأئمة الستة" ص ٢١.
стр. 73
عليه، فيصير الحديث عنده مِن باب الشواهد والمتابعات، ويكون اعتمادُه على ما صح عند الجماعة (١).
وقال الحافظ أبو عمر بنُ عبد البر النَّمَرِي: ثلاثةُ كتب مختصرة في معناها أوثِرُها وأُفَضِّلُها: مصنف أبي عيسى الترمذي في السنن، والأحكام في القرآن لابنِ بُكير، ومختصر ابن عبد الحكم (٢).
وقال الحافظ أبو إسماعيل الهروي: كتابُ الترمذي أحسنُ كتاب صُنف في الإسلام، وأقربُه مأخذًا لاهتداء المرءِ لما يُريده سريعًا بلا مشقة، وكلامه على فقه الحديث الذي يورده فيه حسن (٣).
وقال أبو السعادات ابنُ الأثير الجزري: وهذا كتابُه "الصحيح" أحسنُ الكتب، وأكثرُها فائدةً، وأحسنُها ترتيبًا، وأقلُّها تكرارًا، وفيه ما ليسَ في غيره من ذكر المذاهب ووجوهِ الاستدلالِ، وتبيينِ أنواعِ الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرحٌ وتعديل، وفي آخره كتاب "العلل" قد جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرُها على مَنْ وقف عليها (٤).
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: وليس في قدر كتاب أبي
_________
(١) "شروط الأئمة الخمسة" ص ٥٧.
(٢) "فهرسة ما رواه ابنُ خير عن شيوخه" ص ١٢١، و"برنامج التجيبي" ص ١٠٥.
(٣) "برنامج التجيبي" ص ١٠٥.
(٤) "جامع الأصول" ١/ ١٩٣ - ١٩٤.
стр. 74
عيسى مثله، حلاوةَ مَقْطَع، ونفاسة مَنزِع، وعذوبةَ مَشْرعَ، وفيه أربعةَ عشر علمًا فرائد: صنَّف، وذلك أقربُ إلى العمل، وأسندَ وصحح، وأشهر وعَدَّدَ الطرق، وجرَّح وعدَّل، وأسمى وأكنى، ووصل وقطع، وأوضحَ المعمولَ به والمتروكَ، وبَيَّن اختلافَ العلماء في الرد والقبول لآثاره، وذكر اختلافهم في تأويله وكُلُّ علم من هذه العلوم أصل في بابه، فرد في نصابه.
وقال أبو عبد الله محمد بن عمر بن رُشيد: والأجرى على واضح الطريق أن يقال: إنه تضمَّن الحديثَ مصنفًا على الأبواب، وهو علمٌ برأسه، والفقه علم ثانٍ، وعلل الأحاديث، ويشتمل على بيانِ الصحيح من السقيم، وما بينهما مِن المراتب علم ثالث، والأسماء والكنى رابع، والتعديل والتجريح خامس، ومن أدرك النبي ﷺ ممن لم يُدركه ممن أسْنَدَ عنه في كتابه سادس، وتعديدُ من روى ذلك الحديثَ سابع. هذه علومه الجُمْليّة، وأما التفصيلية فمتعددة، وبالجملة فمنفعته كبيرة، وفوائده كثيرة (١).
وقال الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس: ولما كان كتابُ الجامع للإمام أبي عيسى "الترمذي الحافظ ﵀ ورَضِيَ عنه - هو الذي أبْدَعَ جامعه وما أبعد، والذي حَظِيَ بتعداد هذه العلوم، فكان بها مِن غيره أقعد، فذَلَّلَ جوامِحَها، وسهَّلَ طوامِحَها، وأرسلَ
_________
(١) نقله عنه ابن سيد الناس في مقدمة "النفح الشذي" ١/ ١٩٣.
стр. 75
لَواقحها، وأسالَ بأعناقِ المَطيِّ أباطِحَها، واستلانَ صعبَها، وأبان لمن ظن بُعدها قُرْبَها (١).
وقال ابنُ كثير: وكتابُ "الجامع" أحدُ الكتب الستة التي يرجِعُ إليها العلماءُ في سائر الآفاق (٢).
وقال الحافظ الذهبي: وكتابُه "الجامعُ" يَدُلُّ على تبحره في هذا الشأنِ، وفي الفقه، واختلافِ العلماء (٣)، وقال في موضع آخر: "جامِعُه" قاضٍ له بإمامتهِ وحفظه وفقهه (٤).
وقال في موضع آخر: في "الجامعِ" علمٌ نافع، وفوائدُ غزيرة، ورؤوس المسائل، وهو أحدُ أصول الإسلام (٥).
وقال الحافظ أبو طاهر السَّلَفي: الكتُب الخمسة اتفق على صِحتها علماءُ المشرق والمغرب (٦).
وقال الشيخ أحمد شاكر ﵀ (٧): كتاب الترمذي يمتاز بأمور ثلاثة لا تجدها في شيءٍ من كتب السنة الأصول الستة أو غيرها:
_________
(١) "النفح الشذي" ١/ ١٦٢ - ١٦٣.
(٢) "البداية والنهاية" ١١/ ٧١.
(٣) "تاريخ الإسلام" وفيات ٢٦١ - ٢٨٠ ص ٤٦٠.
(٤) "سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٢٧٦.
(٥) "السير" ١٣/ ٢٧٤.
(٦) "تاريخ الإسلام" وفيات ٢٦١ - ٢٨٠ ص ٤٦٢.
(٧) انظر مقدمته للترمذي ١/ ٦٦ - ٦٧.
следующие страницы →