← Книги сунны

Книги сунны · id 1363

سنن الترمذي - ط الرسالة

الترمذي

Полный текст (3 485 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقال في "العلل الصغير": جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمولٌ به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين ذكرهما قال الحافظ ابنُ رجب: وكأن مراد الترمذي رحمه الله تعالى أحاديثُ الأحكام. وقال محمدُ بنُ طاهر المقدسي: سمعتُ الإمام أبا إسماعيلَ عبدَ الله بن محمد الأنصاري بِهراة (١) وجرى بين يديه ذكرُ أبي عيسى الترمذي وكتابه، فقال: كتابُه عندي أنفعُ مِن كتابِ البخاري ومسلم، لأن كتابي البخاري ومسلم لا يَقِفُ على الفائدة منهما إلا المتبحرُ العالم، وكتاب أبي عيسى يصل إلى فائدته كُلُّ أحد من الناس (٢). وقال الحافظ يوسف بن أحمد البغدادي: لأبي عيسى فضائل تُجمع وتُروى وتُسمع، وكتابُه من الكتب الخمسة التي اتفق أهلُ العَقْدِ والحلِّ والفضلِ والفقهِ مِن العلماء والفقهاء وأهل الحديث النبهاء على قبولها والحكمِ بصحة أصولها، وما ورد في أبوابها وفصولها (٣). _________ (١) بالفتح، إحدى أمهات خراسان، وهي اليوم تقع في أفغانستان، افتتحها المسلمون بقيادة الأحنف بن قيس، في خلافة عثمان ﵁، وانظر عنها "بلدان الخلافة الشرقية" ص ٤٤٩ - ٤٥٢. (٢) "شروط الأئمة الستة" ص ٢٤، و"فضائل الكتاب الجامع" ص ٣٧. (٣) مقدمة "النفح الشذي بشرح جامع الترمذي" ١/ ١٨٥.

стр. 72

وقال الحافظ أبو القاسم الإسعردي: وبعد، فإن علمَ الأثرِ أشرفُ العلوم في المَعاد، وأرجاها عندَ ربِّ العباد، وله أئمةٌ وجهابِذة ونقَّاد، عدَّلوا رجالَه وجرَّحوا، وشرحوا ألفاظه وأوضَحوا، فكان مِن أجلِّهم تأليفًا الإمامُ أبو عيسى الترمذي، اشتمل كتابُه على فقهِ الحديثِ وعلله، وبيانِ المجروحين من رجاله، وتعديلِ نَقلَته (١). وقال الحافظ محمد بنُ طاهر أبو الفضل المقدسي: وأما أبو عيسى الترمذي ﵀، فكتابه وحدَه على أربعة أقسام: قسم صحيح مقطوع به، وهو ما وافق فيه البخاري ومسلمًا، وقسمٌ على شرط الثلاثة دونهما، وقسم أخرجه للضدِّية وأبانَ عَن عِلته ولم يُغْفِلهُ، وقسم رابع أبان هو عنه، فقال: ما أخرجتُ في كتابي إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء، وهذا شرط واسعٌ، فإن على هذا الأصلِ كُلُّ حديثٍ احتجَّ به محتجٌ، أو عَمِلَ به عامل أخرجه، سواء صحَّ طريقه أو لم يصح، وقد أزاح عن نفسه الكلام، فإنه شفى في تصنيفه، وتكلم على كُلٍّ بما يقتضيه (٢). وقال الحافظ أبو بكر محمدُ بن موسى الحازمي: وفي الحقيقة شرطُ الترمذي أبلغُ من شرط أبي داود، لأن الحديث إذا كان ضعيفًا أو مطلعه مِن حديثِ أهلِ الطبقة الرابعة، فإنه يُبيِّن ضعفه ويُنبِّه _________ (١) "فضائل الكتاب الجامع" ص ٣٠. (٢) "شروط الأئمة الستة" ص ٢١.

стр. 73

عليه، فيصير الحديث عنده مِن باب الشواهد والمتابعات، ويكون اعتمادُه على ما صح عند الجماعة (١). وقال الحافظ أبو عمر بنُ عبد البر النَّمَرِي: ثلاثةُ كتب مختصرة في معناها أوثِرُها وأُفَضِّلُها: مصنف أبي عيسى الترمذي في السنن، والأحكام في القرآن لابنِ بُكير، ومختصر ابن عبد الحكم (٢). وقال الحافظ أبو إسماعيل الهروي: كتابُ الترمذي أحسنُ كتاب صُنف في الإسلام، وأقربُه مأخذًا لاهتداء المرءِ لما يُريده سريعًا بلا مشقة، وكلامه على فقه الحديث الذي يورده فيه حسن (٣). وقال أبو السعادات ابنُ الأثير الجزري: وهذا كتابُه "الصحيح" أحسنُ الكتب، وأكثرُها فائدةً، وأحسنُها ترتيبًا، وأقلُّها تكرارًا، وفيه ما ليسَ في غيره من ذكر المذاهب ووجوهِ الاستدلالِ، وتبيينِ أنواعِ الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرحٌ وتعديل، وفي آخره كتاب "العلل" قد جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرُها على مَنْ وقف عليها (٤). وقال القاضي أبو بكر بن العربي: وليس في قدر كتاب أبي _________ (١) "شروط الأئمة الخمسة" ص ٥٧. (٢) "فهرسة ما رواه ابنُ خير عن شيوخه" ص ١٢١، و"برنامج التجيبي" ص ١٠٥. (٣) "برنامج التجيبي" ص ١٠٥. (٤) "جامع الأصول" ١/ ١٩٣ - ١٩٤.

стр. 74

عيسى مثله، حلاوةَ مَقْطَع، ونفاسة مَنزِع، وعذوبةَ مَشْرعَ، وفيه أربعةَ عشر علمًا فرائد: صنَّف، وذلك أقربُ إلى العمل، وأسندَ وصحح، وأشهر وعَدَّدَ الطرق، وجرَّح وعدَّل، وأسمى وأكنى، ووصل وقطع، وأوضحَ المعمولَ به والمتروكَ، وبَيَّن اختلافَ العلماء في الرد والقبول لآثاره، وذكر اختلافهم في تأويله وكُلُّ علم من هذه العلوم أصل في بابه، فرد في نصابه. وقال أبو عبد الله محمد بن عمر بن رُشيد: والأجرى على واضح الطريق أن يقال: إنه تضمَّن الحديثَ مصنفًا على الأبواب، وهو علمٌ برأسه، والفقه علم ثانٍ، وعلل الأحاديث، ويشتمل على بيانِ الصحيح من السقيم، وما بينهما مِن المراتب علم ثالث، والأسماء والكنى رابع، والتعديل والتجريح خامس، ومن أدرك النبي ﷺ ممن لم يُدركه ممن أسْنَدَ عنه في كتابه سادس، وتعديدُ من روى ذلك الحديثَ سابع. هذه علومه الجُمْليّة، وأما التفصيلية فمتعددة، وبالجملة فمنفعته كبيرة، وفوائده كثيرة (١). وقال الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس: ولما كان كتابُ الجامع للإمام أبي عيسى "الترمذي الحافظ ﵀ ورَضِيَ عنه - هو الذي أبْدَعَ جامعه وما أبعد، والذي حَظِيَ بتعداد هذه العلوم، فكان بها مِن غيره أقعد، فذَلَّلَ جوامِحَها، وسهَّلَ طوامِحَها، وأرسلَ _________ (١) نقله عنه ابن سيد الناس في مقدمة "النفح الشذي" ١/ ١٩٣.

стр. 75

لَواقحها، وأسالَ بأعناقِ المَطيِّ أباطِحَها، واستلانَ صعبَها، وأبان لمن ظن بُعدها قُرْبَها (١). وقال ابنُ كثير: وكتابُ "الجامع" أحدُ الكتب الستة التي يرجِعُ إليها العلماءُ في سائر الآفاق (٢). وقال الحافظ الذهبي: وكتابُه "الجامعُ" يَدُلُّ على تبحره في هذا الشأنِ، وفي الفقه، واختلافِ العلماء (٣)، وقال في موضع آخر: "جامِعُه" قاضٍ له بإمامتهِ وحفظه وفقهه (٤). وقال في موضع آخر: في "الجامعِ" علمٌ نافع، وفوائدُ غزيرة، ورؤوس المسائل، وهو أحدُ أصول الإسلام (٥). وقال الحافظ أبو طاهر السَّلَفي: الكتُب الخمسة اتفق على صِحتها علماءُ المشرق والمغرب (٦). وقال الشيخ أحمد شاكر ﵀ (٧): كتاب الترمذي يمتاز بأمور ثلاثة لا تجدها في شيءٍ من كتب السنة الأصول الستة أو غيرها: _________ (١) "النفح الشذي" ١/ ١٦٢ - ١٦٣. (٢) "البداية والنهاية" ١١/ ٧١. (٣) "تاريخ الإسلام" وفيات ٢٦١ - ٢٨٠ ص ٤٦٠. (٤) "سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٢٧٦. (٥) "السير" ١٣/ ٢٧٤. (٦) "تاريخ الإسلام" وفيات ٢٦١ - ٢٨٠ ص ٤٦٢. (٧) انظر مقدمته للترمذي ١/ ٦٦ - ٦٧.

стр. 76

أولها: أنه بعد أن يرويَ حديثَ البابِ يذكر أسماء الصحابة الذين رُويت عنهم أحاديثُ فيه. ثانيها: أنه في أغلب أحيانه يذكر اختلافَ الفقهاءِ وأقوالهم في المسائل الفقهية، وكثيرا ما يُشير إلى دلائلهم، ويذكر الأحاديث المتعارضة في المسألة وهذا مَقْصِدٌ من أعلى المقاصد وأهمها، إذ هو الغاية الصحيحة من علوم الحديث: تمييز الصحيح من الضعيف للاستدلال والاحتجاج، ثم الاتباع والعمل. ثالثها: أن الترمذي يُعنى كُلَّ العناية في كتابه بتعليل الأحاديث، فيذكر درجته من الصحة أو الضعف، ويُفَصِّلُ القولَ في التعليل والرجال تفصيلًا جيدًا، وعن ذلك صار كتابُه هذا كأنه تطبيق عملي لقواعدِ علوم الحديث خصوصًا علم العِلَلِ، وصار أنفعَ كتابٍ للعالم والمتعلم، وللمستفيد والباحث في علوم الحديث. وقال صاحب "كشف النقاب" (١): ويجدرُ بنا أن نذكر ملخَّصَ ما كتبه شيخنا العلامة المرحوم [يعني الشيخ المحدث محمد يوسف البِنَّوري] في مقال نشر في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (٣٢ - ٣٠٨) فقال ما معناه: إن لِكُل كتابٍ من الأمهات الست مزيةً لا تُوجَدُ في غيره، وبها تقع المزيةُ، ولا تكاد تُوجد مزيةٌ مطلقة لِكل كتاب مِن كل جهة، وفيما يلي ذِكْرُ خصائصِ الترمذي في كتابه: _________ (١) هو الدكتور محمد حبيب الله مختار ١/ ١٢٠.

стр. 77

الأول: أنه جَمَعَ في كتابه ثماني أنواعِ من السُّننِ النبوية من: ١ - العقائد وأصول الدِّيانة. ٢ - الأحكام الشرعية مِن العبادات والمعاملات، وحقوق الناس. ٣ - تفسير القرآن الكريم. ٤ - الآداب والأخلاق. ٥ - السيرة النبوية وشمائل الرسول ﷺ . ٦ - مناقب أصحاب رسول الله ﷺ . ٧ - أبواب التذكير والموعظة من "الترغيب والترهيب"، أي: الرقائق وكتابه من أحسن ما أُلِّف في هذا الباب. ٨ - أشراط الساعة وعلاماتها. وإن كتاب الترمذي، وإن شاركه في ذلك كُلِّه كتابُ البخاري، لكن تشدده في شروط الصحة حالَ دونَ توسُّعه في جميعِ الروايات، وسَرْدِ كل ما له صلةٌ بالموضوع. وبذلك قد ضاق عليه نِطاقُ موضوعه الواسع. الثاني: أنه جَعَلَ كتابه نافعًا بحكمه على الأحاديث بالصحة والحسن والغرابة والضعف، وبذلك قد تدارك أيضًا عدمَ التزامه الشروطَ الخاصة في التخريج. الثالث: أنه تَصَدَّى لبيانِ مذاهبِ الأئمة، وتعاملِ الأمة، وببيان هذا الاختلاف يكادُ يُغني عن الكتبِ المؤلَّفَةِ الخاصةِ في الخلاف، وبه يُعْلمُ حالُ تلقي الأمة لتلك الروايات الحديثية، وكذلك يُعثِرنا

стр. 78

على المذاهب المهجورة كمذهب الأوزاعي والثوري وإسحاق المروزي [وهو ابن راهويه]. الرابع: أنه جعل الأحاديثَ المتعارضة في بابِ الأحكام في بابين، وقسم مذاهبَ فقهاء الأمة قسمين، وخصَّ كل قسم ببابٍ مفرد، وذكر فيه الحديثَ المحتَج به للمسألة، وربما يُؤيِّدُ أحد القِسمين، ويرجح تفقهًا أو تحديثًا أو تعاملًا، أو يجمعُ بينهما. الخامس: أنه يذكر أسماءَ مَنْ ذكر في الإسناد بالكُنى، وتارة عكس ذلك. السادس: أنه زادَ باب الجرح والتعديل بعد تخريج الروايات، وبذلك تدارك عدم التزامه ما التزمه الشيخانِ والنسائي وأبو داود. السابع: أنَّه ربما يعرض لأبحاثِ الوصل والإرسال، والوقف والرفع، وما إلى ذلك مِن علوم عِلَلِ الحديث، والفوائد الإسنادية، وبهذا كافأ ما عندَ غيره مِن الاعتبارات والشهادات مِن علوم المحدثين وآدابهم في مصنفاتهم. الثامن: أنه يكتفي في غالبِ الأبوابِ بحديثٍ واحدٍ بطريق واحدة، وخصوصًا في أحاديث الأحكام، ولذا قلَّت عنده مادةُ أحاديث الأحكام، وقد تَداركَه بالإشارة إلى أسماءِ مَنْ روى مِن الصحابةِ حديثًا في ذلك الموضوعِ، أو ما يُلائمُ ذلك المتن، ويُعلَم بذلك عَدَدُ الرواة مِن الصحابة لذلك الحديث، وهذه مِيزة بديعة لكتابهِ ترتاحُ لها الأذواقُ القديمة والأفكارُ الحديثة جميعًا في وقت واحد.

стр. 79

التاسع: أنه ربما يأتي بتأويل وتفسير للأحاديث المشكلةِ مِنِ عند نفسه، أو مِن كلام غيره من أئمة الفن. العاشر: أنه يسرُد في الأبوابِ الأحاديثَ الغريبةَ، ويترك الأحاديث الصحيحة السائرة بينَ الناس ثم يُشير إليها بما في الباب، ويفعلُ ذلك لِبيان العلل، كما فعل النسائي حيث يبدأ بما هو غلط، ثم يذكر الصوابَ المخالفَ له. قلنا: وهذه المزيةُ الأخيرة التي ذكرها الشيخ البِنَّوري قد نصَّ عليها قبلَه الحافظُ ابنُ رجب الحنبلي في "شرح العلل" (١) فقد قال: وقد اعتُرِض على الترمذي ﵀ بأنه في غالبِ الأبواب يبدأ بالأحاديثِ الغريبة الإسنادِ غالبًا؟! وليس ذلك بعيبٍ، فإنه ﵀ يُبيِّنُ ما فيها مِن العلل، ثم يُبين الصحيحَ في الإسناد، وكان قصدُه ﵀ ذكرَ العِلَلِ، ولهذا تجدُ النسائي إذا استوعب طُرُقَ الحديثِ بدأ بما هو غلطٌ، ثم يذكر بَعْدَ ذلك الصوابَ المخالِفَ له. ومع كل هذه النقولِ التي فيها بيانٌ لمكانة الترمذي، وثناء الأئمة عليه، وأنه مِن العلماء الذين يُرجع إليهم، ويُعْتَمدُ عليهم، وأن أحكامَه التي يُصْدِرُها، وهو موافق فيها لأئمة الجرحِ والتعديل كالإمام البخاري، والإمام أبي زرعة، والإمامِ عبد الله الدارمي هي أحكامٌ صحيحة سديدة في الأعمِّ الأغلب، وأن كتابه فرْدٌ في _________ (١) ١/ ٤١١.

стр. 80

مَوضُوعه وطريقة تصنيفه واشتماله على علومٍ عدة، فإنه ﵀ لم يَسْلَمْ مِن توجيه النقدِ إلى كتابه واتهامٍ له بعدم الاعتماد على ما ينتهي إليه مِن تصحيح وتحسين للأحاديث التي أدرجها في كتابه "الجامع"، فقد انتقده الإمامُ الذهبي في كتابه "ميزان الاعتدال" (١) في ترجمة كثير بنِ عبد الله المُزَني، فقال بعد أن نقل أقوالَ أهلِ العلم في تضعيفه ضعفًا شديدًا: وأما الترمذي فروى من حديثهِ "الصلحُ جائِزٌ بَيْنَ المسلمين" وصححه، فلهذا لا يعتمِدُ العلماءُ على تصحيح الترمذي!، وقال في ترجمة يحيى بن يمان: قال البخاري: فيه نظر، عن حجاج بن أرطاة، عن عطاء، عن ابن عباس أن النبي ﷺ دخل قبْرًا ليلًا، فأُسرج له سِراجٌ. حسَّنه الترمذي مع ضعف ثلاثة فيه، فلا يُغترَّ بتحسين الترمذي!، فعند المحاققة غالبُها ضعافٌ. وهذا الطَّعْنُ الذي انتهى إليه الذهبي ﵀ غير مُسلَّم له على إطلاقه، وفيه ما فيه، فإن الإمام الترمذي إمام كبير في فقه الحديث والعلل والرجال، وقوله حُجَّة في علم الحديث، والذهبي نفسُه يَعُدُّهُ ممن يُعتمد قولهُ في الجرح والتعديل (٢). وهذه النقَداتُ القليلةُ التي وقعت له، وهي غير مسلَّمة في أغلبِها، لا تحطُّ مِن قدره، ولا تَغُضُّ من علمه، ولا تُنزِله عن رُتبته فما مِن حافظ من الحفاظ يُنَزَّهُ عما وقع فيه الإمامُ الترمذي، وهذه مؤلفاتهم بين _________ (١) ٣/ ٤٠٧. (٢) في كتابه "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" ضمن أربع رسائل في الطبقة السادسة.

стр. 81

أيدينا، فيها أحاديث توثَّقوا مِن صحتها، وانتُقِدَت عليهم، ولم نسمع لأحد منهم أصدر في حقِّهم هذا التعميمَ القاسي الذي انتهى إليه الإمام الذهبيُّ. قال العلامة ابن الوزير (١): هذا خطأ نادِرٌ، والعِصمةُ مرتفعة من الأئمة والحفاظ والعلماء. وقال العلامة أحمد الغماري: لم يقل أحد إن تصحيح الترمذي لا يقبل هكذا على الإطلاق، بل تصحيحُه مقبولٌ إلا في أحاديث معدودة ضعف فيها رأيُه، كما وقع للبخاري ومسلم والحاكم والنسائي وغيرهم (٢). وقد انتَقَد مقالة الذهبي هذه الحافظُ العراقي (٣)، فقال تعليقًا على حديث "الصلح جائز بين المسلمين … " (٤) ما نصّه: وقد تكلَّم صاحبُ "الميزان" في تصحيح الترمذي هذا الحديث، فذكر تصحيحَ الترمذي له، ثم قال: فلهذا لا يَعْتَمِدُ العلماء على تصحيح الترمذي. قلت: (القائل هو الحافظ العراقي): وما نَقَلَهُ عن العلماء من أنهم لا يعتمدون على تصحيحه لَيْس بجيد، وما زال الناسُ يعتمدون تصحيحَه، والمصنِّف قد أخذ على البخاري قبولَ كثير بن _________ (١) في "تنقيح الأنظار" ١/ ١٧١. (٢) "الفتاوى والرسائل الصغرى" ص ٦٠. (٣) في "شرح الترمذي، المجلد الخامس ورقة ١١٥ وجه ثانٍ. (٤) الترمذي (١٣٥٢).

стр. 82

عبد الله، فإنه سأله عن حديث كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جَدِّه في الساعة التي تُرجى يومَ الجمعة (١) قال: حديث حسن إلا أن أحمَدَ بن حنبل كان يَحْمِلُ على كثير يُضعفه، قال: وقد روى يحيى بنُ سعيد، عن كثير، وقد سأل الترمذيُّ البخاريَّ عن حديثه في التكبير في صلاة العيدين (٢)، فقال: ليس شيءٌ في هذا الباب أصح مِن هذا (وبه أقول) (٣)، وقد حسن الترمذيُّ له أربعة أحاديث: هذين الحديثين، وحديث "من أحيا سنتي"، وحديثَ "إن الإيمانَ ليأرِزُ إلى المدينة" وصحح له حديثَ الباب، وأخرج له ابنُ خزيمة في "صحيحه"، ومِن عادة الترمذي أن الحديث الحسن إذا يُروى مِن غير وجه ارتفعَ إلى درجةِ الصحة، وقد صرَّح بذلك عند ذكر حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمَرْتُهُمْ بالَسِّواكِ عندَ كُلَّ صلاةٍ" فصحَّحه ثم قال: وحديث أبي هريرة إنما صحَّ، لأنه قد رُوي مِن غير وجه، وعادةُ البخاري تحسينُ أفراد محمد بن عمرو، وصَحَّحَ هذا، وعلل ذلك، فإنه رُوي مِن غير وجه، وقرر ابنُ الصلاح هذه القاعدة في "علوم الحديث" (٤). فحديث كثير بن عبد الله في الصلح قد اعتَضَد بحديث أبي هريرة، ولذلك صححه الترمذي، والله أعلم. _________ (١) الترمذي (٤٩٠). (٢) الترمذي (٥٣٦)، وانظر "العلل الكبير" ١/ ٢٨٧ (٨٧). (٣) ما بين القوسين زيادة من "العلل" للترمذي ١/ ٢٨٨. (٤) ص ١٠٤.

стр. 83

وقال أيضًا عند شرحه حديث الساعة التي تُرجى يومَ الجمعة (١) ما نصه: قال صاحب "الميزان": فلهذا لا يَعْتَمِدُ العلماءُ على تصحيح الترمذي. قلت: لا يُقبل هذا الطعنُ منه في حقِّ الترمذي … فهو إمامٌ مُعتمَد عليه، ولا يمتنع أن يختلِفَ اجتهادُه مع اجتهادِ غيره في بعض الرجال، وكأنَّ المصنف رأى ما رآه البخاريُّ، فإن المصنف نقل عن البخاريِّ أنه قال في حديثِ كثير، عن أبيه، عن جَدِّه في تكبيرِ العيدين: إنَّه حديث حسن، وإنما حكم عليه بالحُسْن باعتبارِ الشواهد، فإنه بمعنى حديث أبي موسى المتقدم (يريد حديثه الذي في "صحيح مسلم" ٨٥٣) فارتفع بوجود حديثٍ شاهدٍ له إلى درجة الحَسَنِ. وقال الحافظ ابنُ رجب (٢): والترمذي ﵀ يُخرج حديثَ الثقةِ الضابطِ، ومن يَهِمُ قليلًا، ومن يهم كثيرًا، ومن يَغْلِبُ عليه الوهم يُخرّج حديثه نادرًا ويُبيِّن ذلك ولا يَسكتُ عنه. وقد أخرج حديث كثير بن عبد الله المُزَني، ولم يجمع على ترك حديثه، بل قد قوَّاه قومٌ، وقدَّم بَعْضُهُمْ حديثَه على مرسلَ ابنِ المسيب، … وقد حكى الترمذي في "العلل" عن البخاريِّ: أنه قال في حديثه في تكبير العيدينِ: هو أصحُّ حديث في هذا البابِ، قال: وأنا أذهبُ إليه. _________ (١) ١/ الورقة: ١٦٤، والحديث عد الترمذي (١٣٥٢). (٢) "شرح العلل الصغير" ١/ ٣٩٧ - ٣٩٨.

стр. 84

وقال الدكتور نور الدين عتر (١): ونحنُ وقد عرفنا مكانةَ أبي عيسى وإمامَته، نجدُ هذا الطعنَ مِن الذهبي يتعارضُ مع ما تقرر مِن إمامة الترمذي في الحديثِ وفي علومه، ومِنَ الاتفاقِ على أخذ الصحيحِ والحَسَنِ من كتابه. وإذا ما بحثنا عن الحقيقةِ نَجِدُ ضعفَ ادعاءِ الذهبي عدمَ التعويل على تصحيح أبي عيسى وتحسينه ونجدُ بطلانَه ظاهرًا، كما أننا نجد الخطأ يُحالِفُ انتقادَهُم للترمذي في الأحاديث التي اعترضوا عليه في تصحيحها أو تحسينِها، إلا ما كان قليلًا جدًا، وذلك الخطأُ القليلُ هو حكم البشرية، فإنَّ عَمَل البشر مهما سما وكَمُلَ لا يخلو مِن نقدٍ، فهذا مالك انتُقِدَ، وكذلك البخاري ومسلم، ولم يخلُ أحدٌ مِنَ الأعلامِ مِنْ نقدٍ، ثم لم يضرَّ ذلك في الاحتجاجِ بهم، والأخذِ عنهم، والاعتمادِ عليهم. وإذا ما بحثنا في هذه الشبهة التي أثارها الذهبي، وحققنا فيها بمعرفة أسبابها نجدُ الغلوَّ والإسرافَ الشديد فيما قاله الذهبي، ونتبين صحة ما أثبتناه مِن حجية أحكامِ الترمذي على الأحاديث. ونثبتُ ذلك مِن وجهين: الأول إجمالي، والثاني تفصيلي. أما رَدُّنا الإجماليُّ على الذهبي، فذلك أننا بالبحث نرى عَمَلَ الترمذي في "الجامع" عَمَلَ الأئمة الكبار، تحتج الأُمةُ بحكمه على الأحاديثِ، بإجماعِ علمائها في القديم والحديث. _________ (١) في كتابه "الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين" ص ٢٤٠ - ٢٤١

стр. 85

توضيح ذلك ودليله: ١ - أن أحدًا لا يَشُكُّ في رسوخِ الإمامِ البخاري، وتَقَدُّمِهِ على علماء عصره، والترمذي تلميذُه وخريجُه في الحديث، وقد صرَّحَ في آخر الجامع باعتماده على شيِخه البخاري، فقال: وما كان فيه - يعني الجامع - من ذِكر العللِ في الأحاديث والرجالِ والتاريخِ، فهو ما استخرجته مِنْ كُتُبِ التاريخ، وأكثرُ ذلك ما ناظرتُ به محمدَ بن إسماعيل، ومنه ما ناظرتُ فيه عبدَ الله بن عبد الرحمن (الدارمي)، وأبا زرعة (الرازي)، وأكثر ذلك عن محمد، وأقلُ شيء فيه عن عبد الله وأبي زرعة. وإذا كان ما أتى به في "الجامع" مِن علل الأحاديث نتيجةَ مناظرته مع البخاري، ثم بعضه مع صنويه الدارمي وأبي زرعة، فكيف يصحُّ القولُ بأنه لا يُعتمد عليه؟! ٢ - إن إمام الفن - غيرَ منازعَ - أبا عمرو بن الصلاح وغيرَه مِن علماء دِراية الحديث قد جعلوا تصحيحَ الترمذي في "الجامع" مِن مصادر الصحةِ المعتمدةِ للصحيح الزائدِ على ما في "الصحيحين" … وهذا يردُّ ادَّعاء الذهبي عدمَ تعويلِ العلماء على تصحيحه. ٣ - التطبيق العملي في كتب أئمةِ الحديث يُبْطِلُ ادعاءَ الذهبي، ويدلُّنا على اعتمادهم تصحيحَ الترمذي وتحسينه، فالكتبُ الحديثية ملأى بالنقلِ عنِ الترمذي والاحتجاج بتصحيحهِ

стр. 86

وتحسينه، وهذا الإمامُ المنذري في اختصاره لِسنن أبي داود يَنْقُلُ أحكام الترمذي فيما اتفق عليه الكتابان، ولو كان تصحيحُه غيرَ معتمد، لم يذكرها المنذري (١)، وإلا لكان مجرَّد تعبٍ وتطويل للكتاب دون طائل. قلنا: ثم ذكر الدكتور عتر الرَّدَّ التفصيلي، وبين أن الانتقاداتِ الموجَّهة إلى الإمام الترمذي ترجع إلى ثلاثة أمور: ١ - اختلاف نسخ الجامع. ٢ - الغفلة عن اصطلاح الترمذي. ٣ - اختلاف الاجتهاد في رواة الحديث ومرتبته. وانظر تمام كلامه فيه، فإنه مفيد. الحديثُ الحَسَنُ لِذَاتِهِ، أو الحَسَنُ لِغَيرِهِ عِند التِّرمِذِيِّ: إن الحديثَ الحسنَ لذاته: هو الحديثُ المتصلُ الإسناد برواة معروفين بالصدق، وفي ضبطهم قصورٌ عن رتبة رواةِ الصحيح، ولا يكون معَلًّا ولا شاذًا، وهو والصحيحُ سواء إلا في تفاوتِ الضبطِ، فراوي الصحيحِ يُشترطُ فيه أن يكونَ موصوفًا بأعلى درجات الضبط، وراوي الحَسَنِ لا يشترط فيه أن يَبْلُغَ تلك الدرجةَ، وإن كان ليس عريًّا عن الضبط في الجملة. _________ (١) ولا ابن حجر في "فتح الباري" و"تخريج أحاديث الأذكار" وغيرها من كتبه، ولا النووي في "رياضه" وغيره، ولا المزي في "تحفة الأشراف" وغيرهم من العلماء والحفاظ.

стр. 87

وهذا النوعُ قد اتفقوا على الاحتجاجِ به، وأنه إذا وَرَدَ مِن طُرُقٍ، أو كان في الباب ما يشهدُ له ارتقى إلى درجةِ الصحيح لغيرِه، وقد أدرجه غيرُ واحدٍ مِن المحدثين الذين التزموا الصِّحَّةَ في تواليفهم مع قولهم: إنه دونَ الصحيحِ، كالإمامِ البخاري والإمامِ مسلم، فإنهما رحمهما الله لم يلتزما في أحاديثِ كتابيهما أن تكون كُلُّها في أعلى درجات الصحةِ، وكذا الإمامانِ ابنُ خزيمة وابنُ حبان، وهذا النوعُ مِن الحديث الحسنِ - وهو الحسنُ لذاته - موجود في "الجامع"، لكنه ﵀ يُميزه بقوله: حسن غريب أو نحو ذلك، مثالُه: حديث إسرائيل (١) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن يوسف بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا خَرَجَ مِن الخَلاءِ، قال: "غُفرانك" قال الترمذي: حسنٌ غريب لا نعرفه إلا مِن حديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، ولا يُعرف هذا إلا في حديث عائشة. وأما الحسنُ لغيره، فأصلهُ ضعيف، كأن يكونَ في سنده مستورٌ أو سيئُ الحِفظ، أو موصوفٌ بالاختلاطِ، أو التدليسِ، أو مختلف في جرحه وتعديله اختلافًا يَتَعَذَّرُ الترجيحُ فيه، وإنما طرأ عليه الحسن بالعاضدِ الذي عضده، فاحْتُمِل لوجودِ العاضد، ولولا العاضدُ لاستمرت صفةُ الضعف فيه. _________ (١) الحديث (٧).

стр. 88

وقد اعتنى الإمامُ الترمذي بالحديث الحسن لغيره في كتابه "الجامع" أتمَّ عناية، وحَظِيَ صنيعُه بالتقدير الوافي عندَ علماء الحديث، وعدُّوه أصلًا علميًا يُرجَع إليه في هذا النوع، فقد قال ابنُ الصلاح في "علوم الحديث" (١): كتابُ أبي عيسى ﵀ أصلٌ في معرفة الحديثِ الحسنِ، وهو الذي نوَّه باسمه، وأكثر من ذكره في "جامعه". وقد أفصحَ الإمام الترمذي عن مصطلحه في الحديث الحسن عندَه، فقال في "العلل الصغير" (٢): وما ذكرنا في هذا الكتابِ حديث حسن، فإنما أردنا به حسنَ إسناده عندنا: كل حديثٍ يُروى لا يكونُ في إسناده متهمٌ بالكذبِ، ويُروى مِن غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن، وزاد ابنُ الصلاح في "علوم الحديث" (٣): وأن لا يكونَ مِن رواية مغفَّلٍ كثير الخطأ، وهذه الزيادة، وإن كان لا يَدُلُّ عليها كلامُ الترمذي هنا تُؤخذ من قوله في "العلل" قبل هذا: أن من كان مغفلًا كثيرَ الخطأ لا يُحتَجُّ بحديثه، ولا يُشتغَلُ بالرواية عنه عندَ الأكثرين. ومن أمثلة الحسنِ لغيره عندَ الترمذي: ١ - حديثٌ وصفه بالحَسَنِ، وهو مِن رواية الضعيف السيئ الحفظ رواه برقم (١١١٣) من طريق شعبة، عن عاصم بن عُبيد الله، _________ (١) ص ١٠٩. (٢) ٦/ ٢٥١. (٣) ص ١٠٤.

стр. 89

عن عبد الله بنِ عامر بنِ ربيعة، عن أبيه قال: إن امرأةً من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسولُ الله ﷺ : أرضيتِ مِن نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم … قال الترمذيُّ: هذا حديث حسن، وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة وأبي حدرد … وعاصم بن عُبيد الله قد ضعفه الجمهورُ، ووصفوه بسوء الحفظ، وعاب ابنُ عيينة على شعبة الروايةَ عنه، وقد حسن الترمذي حديثه هذا لمجيئه من غير وجه كما شرط. ٢ - حديث حسنه، وهو من رواية الضعيف الموصوف بالخطأ والغلط برقم (١٢٦٣) من طريق عيسى بن يونس، عن مجالد، عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت سورةُ المائدة … فقال: هذا حديث حسن، ومجالد ضعفه جماعة، ووصفوه بالغلط والخطأ، وإنما وصفه بالحسن لِمجيئه من غير وجه عن النبي ﷺ من حديثِ أنس وغيره. ٣ - ومن أمثلة ما وصفه بالحسن وهو مِن رواية مَنْ سَمِعَ مِن مختلطٍ بعدَ اختلاطه ما رواه برقم (٣٦٥) من طريق يزيد بن هارون، عن المسعودي، عن زياد بن عِلاقة قال: صلَّى بنا المغيرةُ بنُ شعبة، فلما صلى ركعتين، قام، فلم يجلس، فسبَّح به من خلفه … قال: هذا حديث حسن. والمسعوديُّ - واسمه عبدُ الرحمن - ممن وُصِفَ بالاختلاط، وكان سماعُ يزيد منه بعد أن اختلط، وإنما وصفه بالحُسن لِمجيئه من أوجه أُخَر بعضُها عند المصنِّف أيضًا.

стр. 90

٤ - ومن أمثلة ما وصفه بالحسن وهو من رواية مُدَلِّسٍ، وقد عنعن، ما رواه (٩٨٢) من طريق يحيى بن سعيد، عن المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن بُريدة عن أبيه مرفوعًا: "المؤمنُ يموتُ بِعَرَقِ الجَبينِ" قال: هذا حديث حسن، ووصفه بالحسن، لأن له شواهدَ من حديث عبد الله بن مسعود وغيره. ٥ - ومنه ما وصفه بالحسن وهو منقطعُ الإسناد، ما رواه (٣٧٦٠) من طريق عمرو بن مُرة، عن أبي البختري، عن علي أن النبيَّ ﷺ قال لِعُمر في العباس: "إنَّ عمَّ الرجُلِ صِنْوُ أبيه"، وكان عمر تكلم في صدقته، وقال: هذا حديث حسن. وأبو البختري - واسمه سعيد بن فيروز - لم يسمع مِن علي ﵁ فالإسناد منقطع ووصفه بالحسن، لأن له شواهد مشهورة من حديثِ بُريدة وغيره. إطلاقُ لَفْظَةِ الحَسَن على بَعْضِ الأحاديثِ عندَ الأئمة قَبْلَ التِّرمِذي: إن أئمةَ الحديث قبلَ الإمام الترمذي قد أطلقوا الحسنَ بالمعنى الاصطلاحي للنوعين: الحسن لذاته والحسن لغيره على جملة من الأحاديث، وعن بعض هؤلاء أخذ الترمذيُّ واستمدَّ، قال الحافظ ابن حجر: أكْثَرَ علي ابنُ المديني مِن وصف الأحاديث بالصحة والحسن في مسنده وفي علله، وظاهر عبارته أنه قصد المعنى الاصطلاحي، وكأنه الإمامُ السابق بهذا الاصطلاح، وعنه أخذ البخاريُّ ويعقوب بنُ شيبة وغيرُ واحد، وعن البخاري أخذ الترمذيُّ

стр. 91

وقد نقل الحافظ ابن كثير في مسند عمر قول علي بن المديني في جملةِ أحاديث: حديث حسن، أو إسناد حسن، أو صالح الإسناد، أو إسناد جيد انظرها في "مسند عمر" ١/ ١١١ و ١٣٢ و ٢٧٧ و ٢٨٨ و ٣٠٧ و ٣٣٣ و ٣٥٧ و ٥١٢ و ٣٢٦ و ٥٤٤ و ٦٠٥. لكن الترمذي لما أكثر من تطبيقِ هذا الاصطلاح في "جامعه" ونوَّه به، صار أشهر بهِ من غيره، فمن ذلك ما ذكره الترمذي في "علله الكبير" ١/ ١٧٥ - ١٧٦: أنه سأل البخاريَّ عن أحاديث التوقيت في المسح على الخفين، فقال: حديثُ صفوان بن عسّال (٩٦) صحيح، وحديث أبي بكرة حسن (١). وفي "العلل الكبير" و"الجامع" أحاديثُ غيرُ قليلة نقل عن البخاري أنه حسنها (٢) وذكر السخاوي أن ابن المديني أطلق الحسن على ما يُعتبر حسنًا لذاته، وأطلقه البخاري على ما يُعتبر حسنًا لغيره، ثم ذكر أن الترمذي هو الذي أكثر من التعبير عنه، ونوّه بذكره، ثم ذكر مثالًا لما حسنه البخاريُّ، وصححه الترمذي وغيره. فهو عند الترمذي كثيرٌ، قليلٌ عمن تقدمه، لا سيما على المصطلح عليه عنده (٣). _________ (١) أما حديث صفوان الذي أشار إليه فهو موجود فيه شرائط الصحة، وأما حديث أبي بكرة فقد رواه ابن ماجه (٥٥٦) من رواية المهاجر أبي مخلد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه ﵁، والمهاجر قال فيه وهيب: إنه كان غير حافظ، وقال ابن معين صالح، وقال الساجي: صدوق، وقال أبو حاتم: ليّن الحديث يُكتب حديثه، فهذا على شرط الحسن لذاته. (٢) "العلل الكبير" حديث (١٣) و (١٥) و (١٦) و (٢٤٥) و (٢٩٧) و (٣٢٢). (٣) "فتح المغيث شرح ألفية الحديث" لشمس الدين السخاوي ١/ ٧٢.

стр. 92

ما يقولُ فيه التِّرمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. قد اختلفت الأقوالُ في مرادِ الترمذي من هذا الجمع ومقصوده، والذي ارتضاه الحافظ ابنُ حجر مِن بين تلك الأقوال: أن الحديثَ إذا كان متعددَ الإسنادِ، فالوصفُ راجعٌ إلى الحديث باعتبار الإسنادين أو الأسانيد، كأنه قيل: حسنٌ بالإسناد الفلاني، صحيح بالإسنادِ الفلاني. وإن كان الحديثُ فردًا بعدَ البحث الشديد، والمراجعة التامة، فالوصفُ وقع بحسب اختلافِ النقاد في راويه، فيرى المجتهدُ فيهم - كالترمذي - بعضَهم يقول: صدوقٌ مثلًا وبعضهم يقول: ثِقةٌ، ولا يترجَّحُ عنده قولُ واحد منهما، أو يترجح، ولكنه أراد أن يُشير إلى كلام الناس فيه، فيقول: حسن صحيح، أي: حسنٌ عندَ قوم، لأن راويَه عندهم صدوق، وصحيحٌ عند آخرين، لأن راويَه عندهم ثقة، وهو نظير قول الفقيه: في المسألة قولان، أو بحسب تَرَدُّدِ المجتهد نفسه في الراوي، فتارة يُؤديه اجتهادُه باعتبارِ حديثه وعرضِه على حديث الحفاظ ونحو ذلك إلى قصورِ ضبطه، وتارةً إلى تمامه، فكأنه حينئذٍ قال: حسنٌ أو صحيح، وغايته أنه حَذَفَ كلمة "أو" وحذفها شائع في كلامهم (١). _________ (١) "نزهة النظر شرخ نخبة الفكر" ص ٤٦ - ٤٧.

стр. 93

رَأْيُ الإمَامِ التِّرمِذِي في زِيَادَةِ الثِّقَةِ: اختلفت أقوالُ الأئمة في قبولِ الزيادة التي يرويها الثقةُ على عِدَّة أقوال، والذي انتهى إليه الإمامُ الترمذيُّ ﵀ أنه لا تُقبَلُ زيادةَ الراوي لمجرد كونه ثقةً، ولكنه يُضيف إليه أن يكونَ مع توثيقه مِن الحفاظ الموصوفين بزيادة التثبت والإتقان، وقد صرَّح بذلك في كتابه "العلل الصغير" بعد أن ذكر حديثَ مالك، عن نافع، عن ابن عمر في زكاة الفطر، وزيادة مالك في الحديث: من المسلمين، فقال: فإذا زاد حافظ ممن يُعتمد على حفظه قُبِلَ ذلك منه. وقد ناصَرَ هذا القولَ الذي انتهى إليه في الزيادة الإمامُ مسلم في كتابه "التمييز" فيما نقله عنه ابن رجب في شرح العلل ١/ ٤٣٥ فقال: إن الزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يُعْثَرْ (١) عليهم الوَهْمُ في حفظهم. وقال الخطيب في"الكفاية" ص ٤٢٤ بعد أن ذكر أقاويلَ أهلِ العلمِ في حكم الزيادة: والذي نختارُه مِن هذه الأقوال أن الزيادةَ الواردة مقبولةٌ على كل الوجوه، ومعمولٌ بها إذا كان راويها عدلًا حافظًا، ومتقنًا ضابطًا. وكذلك قال الإمامُ أبنُ عبد البر في "التمهيد" ٣/ ٢٠٦: إنما تُقبل الزيادة من الحافظ إذا ثبتت عنه، وكان أحفظَ وأتقنَ ممن قصَّر، أو مثَله في الحفظ، لأنه كأنه حديث آخر مستأنف، وأما إذا كانت الزيادة مِن غير حافظ ولا متقن، فإنه لا يُلتَفت إليها. _________ (١) كذا في "التمييز" ص ١٨٩، وفي شرح العلل لابن رجب: يكثر.

стр. 94

أما الذي انتهى إليه الحافظانِ ابنُ الصلاح والنوويُّ، ورجحه الحافظانِ ابنُ حجر والسيوطي أن الزيادة على ثلاثة أنواع: النوعُ الأول: أن لا تكونَ منافيةً لما ليست هي فيه، وحينئذٍ، فهي مقبولةٌ بالاتفاق، لأنها في حكم الحديثِ المستقل الذي ينفردُ به الثقة، ولا يرويه عن شيخه غيره. والنوع الثاني: أن تكونَ الزيادةُ مخالفةً لما ليست هي فيه، لكن مخالفتها بتقييدِ المطلق ونحوه، وهذا النوع يترجح قبولُه. والنوع الثالث: أن تكونَ الزيادة منافيةً لما ليست هي فيه، وهذا النوع مردود غيرُ مقبول. قال الحافظ ابن حجر في "نزهة النظر" ص ١٩: وزيادة راوي الصحيح والحسنِ مقبولةٌ ما لم تقع منافية لرواية مَن هو أوثقُ منه ممن لم يذكر تلك الزيادة، لأن الزيادة إما أن تكونَ لا تَنافيَ بينها وبينَ رواية من لم يذكُرْها، فهذه تُقْبَلُ مطلقًا، لأنها في حكم الحديث المستقلِ الذي ينفردُ به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره، وإما أن تكونَ منافية بحيث يلزم مِن قبولها ردُّ الرواية الأولى، فهذه التي يقعُ الترجيح بينها وبين معارضها، فيُقبل الراجح ويُرد المرجوح. واشتهر عن جمعٍ مِن العلماءِ القولُ بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكونَ شاذًا، ثم يُفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والعجبُ ممن غَفَلَ عن ذلك مع اعترافه باشتراطِ انتفاءِ الشذوذ في حدِّ الصحيح وكذا الحسن.

стр. 95

والمنقولُ عن أئمة الحديث المتقدمين كعبدِ الرحمن بن مهدي، ويحيى بنِ القطان، وأحمدَ بنِ حنبل، ويحيى بنِ معين، وعليَّ بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم (والترمذي) والنسائي والدارقطني وغيرهم اعتبارُ الترجيح فيما يتعلَّقُ بالزيادة وغيرها، ولا يُعرف عن أحدٍ منهم إطلاقُ قبول الزيادة، وأعجبُ من ذلك إطلاقُ كثير من الشافعية القولُ بقبول زيادة الثقة مع أن نصّ الشافعي يدل على غير ذلك. وقال ابنُ دقيق العيد: مَنْ حكى عن أهلِ الحديث أو أكثرِهم: أنه إذا تعارض رواية مسندٍ ومرسل، أو رافعٍ وواقفٍ، أو ناقصٍ وزائدٍ: أن الحكم للزائد، لم يُصِبْ في هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانونًا مطّردًا، وبمراجعةِ أحكامهم الجزئية تَعرِفُ صوابَ ما نقول، وبهذا جزم الحافظُ العلائيُّ في "جامع التحصيل" فقال: كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفنِ كعبدِ الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وأمثالهم، أنه لا يُحكم في هذه المسألة بِحُكْمٍ كُلِّي، بل عملُهم في ذلك دائرٌ على الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عندَ أحدهم في حديث. وقول البخاري: "الزيادة من الثقة مقبولة" إنما قاله حين سُئِلَ عن حديث "لا نكاحَ إلا بولي" وقد أرسله شعبة وسفيان - وهما جبلانِ فىِ الحفظ، وأسنده إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي في آخرين، فقال البخاري "الزيادة من الثقة مقبولة" وحَكَم لِمَنْ وَصَلَه.

стр. 96

فالبخاري ﵀ لم يَحْكُمْ فيه بالاتصال مِن أجلِ كون الوصل زيادة، وإنما حَكَم للاتصال لمعانٍ أخرى رَجَّحَتْ عنده حُكْمَ الموصولِ، منها أن يونسَ بنَ أبي إسحاق وابنه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولًا، ولا شَكَّ أن آل الرجل أخصُّ به مِن غيرهم، وقد وافقهم على ذلك أبو عَوانة، وشريك النخعي، وزهير بن أميّة، وتمامُ العشرة من أصحاب أبي إسحاق مع اختلاف مجالسهم في الأخذ عنه، وسماعهم إياه من لفظه. وأما رواية من أرسله - وهما شعبةُ وسفيانُ - فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد … ولا يخفى رجحانُ ما أخذ من لفظ المحدث في مجالِسَ متعددة على ما أُخذ عنه عرضًا في محل واحد. هذا إذا قلنا: حفظ سفيانُ وشعبة في مقابل عدد الآخرين مع أن الشافعي يقول: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد. فتبين أن ترجيحَ البخاري وَصْلَ هذا الحديثِ على إرساله لم يكن لِمُجَرَّدِ أن الواصلَ معه زيادة ليست مع المرسل، بل بما ظهر مِن قرائنِ الترجيح. ويزيد ذلك ظهورًا تقديمُه للإرسال في مواضع أخرى، مثاله: ما رواه الثوري عن محمد بن أبي بكر بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أم سلمة، قالت إن النبي ﷺ قال لها: "إن شئتِ سبَّعتُ لك" ورواه مالك عن عبيد الله بن أبي بكر بن الحارث أن النبي ﷺ قالَ لأم سلمة … قال البخاري في "تاريخه": الصواب قول مالك مع إرساله. فصوَّب الإرسال هنا

стр. 97

لقرينة ظهرت له، وصوَّب الوصل هناك لقرينة ظهرت له، فتبين أنه ليس له عملٌ مطرد في ذلك (١). وبهذا تعلم خطأ مَنْ قوَّى القولَ الأولَ على إطلاقه ممن يتعاطى صناعةَ الحديث في عصرنا هذا، واتخذه قاعدةً مطردة في كل حديثٍ اختلف ثقتان في وصله وإرساله. ولابن حبان صاحب الصحيح في زيادة الثقةِ رأيٌ له أهميتُه، ذكره في مقدمة "صحيحه" ١/ ١٥٩ وهاكه بنصه: وأما زيادةُ الألفاظِ في الروايات، فإنا لا نَقْبَلُ شيئًا منها إلا عَنْ مَنْ كان الغالبُ عليه الفقهَ حتى يُعْلَمَ أنه كان يروي الشيءَ ويَعْلَمُه، حتى لا يُشَكَّ فيه أنه أزاله عن سننه، أو غيَّره عن معناه أم لا، لأن أصحابَ الحديث الغالبُ عليهم حفظُ الأسامي والأسانيد دونَ المتونِ، والفقهاءُ الغالبُ عليهم حفظُ المتون وإحكامها وأداؤها بالمعنى دونَ حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين، فإذا رفع محدِّث خبرًا، وكان الغالبُ عليه الفِقْهَ، لم أقبل رفعه إلا مِن كتابه، لأنه لا يعْلَمُ المسندَ مِن المرسَل، ولا الموقوفَ مِن المنقطع، وإنما هِمّته إحكامُ المتن فقط. وكذلك لا أقبلُ عن صاحب حديثٍ حافظ متقن أتى بزيادةِ لفظةٍ في الخبر، لأن الغالبَ عليه إحكامُ الإسناد وحفظُ الأسامي، والإغضاءُ عن المتونِ وما فيها من الألفاظ إلا من كتابه، هذا هو الاحتياطُ في قبولِ الزياداتِ في الألفاظ. فتأمل كلام هذا الإمام، فإنه نفيس جدًا. _________ (١) "شرح الألفية" ١/ ١٦٥، و"شرح علل الترمذي" ١/ ٤٢٦.

стр. 98

في مَعْنَى قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ: وفي البابِ عَنْ فُلانٍ، وفائدةُ ذلك: إن أهم ما تميز به كتاب الجامع من بين الأمهات السِّت إشاراتُه في آخر كل باب إلى مَنْ روى الحديث عن النبي ﷺ في الموضوع، ويرشد الناظر بذلك في أول نظرته إلى أن متن الحديث مروي عن كذا من الصحابة، وبذلك يظهر له أن الحديث من أخبار الآحاد أو المشهور أو المتواتر، فيزداد به ثقة وطمأنينة، وهذه ميزةٌ بديعة لم يُشاركه فيها أحدٌ ممن ألَّف في هذا الموضوعِ وصنف، وجَمَعَ الأحاديث ورتب (١). وقد قال الحافظ محمد بن طاهر المقدسي: وكان من طريقته - يعني الإمام الترمذي - رحمة الله عليه أن يترجم البابَ الذي فيه حديثٌ مشهور عن صحابي قد صحَّ الطريق إليه، وأخرجه من حديثه في الكتب الصحاح، فيورد في الباب ذلك الحكمَ مِن حديثِ صحابي آخر لم يخرجوه من حديثه، ولا تكونُ الطرقُ إليه كالطريق الأول وإن كان الحكمُ صحيحًا، ثم يتبعه بأن يقول: "وفي الباب عن فلانٍ وفلانٍ" ويَعُدُّ جماعةً فيهم ذلك الصحابي المشهور وأكثر. وقلما يَسْلُكُ هذه الطريقة إلا في أبوابٍ معدودة (٢). وقال الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس اليعمَرِي: ومما تضمنه "جامعُ" أبي عيسى الترمذي ﵀ مِن الاختصار في _________ (١) كشف النقاب: ص ١٧. (٢) "شروط الأئمة الستة" ص ٢١.

стр. 99

التصنيف: أنه يَذْكُرُ الحديثَ في الباب بسنده، عن صحابيه، ثم يُتبعه قوله: "وفي الباب عن فلان وفلان" حتى يأتي على ما يوجد في ذلك الباب، أو أكثره، فلوا استوعبَ أسانيدَ ذلك، لطالَ الكتابُ جدًا، ولو تركه بالكلية، لفاته تقويةُ حديثه المسند، بإضافة ما أضاف إليه، والتنبيه على تلك الأحاديث، ليتتبع مظانَّها مَنْ له غَرَضٌ في التتبع، غير أنه ينبغي أن يكونَ ما أسند في ذلك الباب أقوى مما لم يذكر سنده، وذلك هو الأكثر من عمله (١). وقال الحافظ العراقي: وهكذا يفعلُ الترمذي حيث يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، فكثيرًا ما يُريد بذلك أحاديثَ غيرَ الحديث الذي يُسنده في أَوَّلِ الباب، ولكن بشرط كونها تَصْلُحُ أن تُورَدَ في ذلك الباب، وهو عملٌ صحيح إلا أن أكثرَ الناسِ إنما يفهمون إرادة ذلك الحديث المعين، والله أعلم (٢). وقد يكون تعلق بعض هذه الأحاديث بالمسألة تعلقًا يسيرًا، ولكنها جميعًا تؤيد حُكْمَ الباب. عِنايةُ أَهْلِ العِلْمِ بالجَامِعِ بالشَّرْحِ والتَّخْرِيجِ والاختصَارِ والاسْتِخراجِ: ولا زالت عنايةُ العلماء والمحدثين قديمًا وحديثًا تُعنى بهذا السِّفْرِ العظيمِ الذي سارت بذكره الركبانُ، وعَرَفَ فضلَه القاصي والداني، وأنه واحدٌ في بابه، تقاصرت هِمَمُ اللاحقينَ عن مثل _________ (١) "النفح الشذي في شرح جامع الترمذي" ١/ ٣١٥ - ٣١٧. (٢) "طرق التثريب في شرح التقريب" ٢/ ٥.

стр. 100

نسجهِ حِياكة، وعن مثل أسلوبه محاكاةً، فاقتصرت جهودُ العلماءِ على الاعتناءِ به شرحًا وتعليقًا، وتحقيقًا وضبطًا، واختصارًا واستخراجًا، وتخريجًا لأحاديثه المسندة وأحاديث الباب التي يشير إليها المصنف ﵀ إشارةً. وَمِنْ أَهَمِّ شُروحِه: ١ - شرحُ القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن أحمد المعروف بابنِ العربي المعافري الأندلسي الإشبيلي الحافظ، المتوفى سنة (٥٤٣) هـ، سماه "عارضة الأحوذي" وهو مِن أشهر شروح الترمذي، نقل منه الحافظُ ابنُ حجر وغيره من الأئمة الأعلام في تصانيفهم كلماتٍ مفيدة، وفوائد جمة، طُبع في ثلاثة عشر جزءًا في سبع مجلدات طبعة رديئة يفشو التصحيف والتحريف فيها. ٢ - شرحُ الحافظ أبي الفتح محمد بن محمد بن محمد ابن سيد الناس اليَعْمَرِيّ المتوفى سنة (٧٣٤ هـ) سماه "النفح الشذي" لكنه لم يُكْمِلْهُ، فقد اخترمته المنية قبل إتمامه، انتهى شرحه إلى الحديث الثامن من باب ما جاء أن الأرضَ كُلَّها مسجد إلا المقبرةَ والحمام، وقد اطّلع الإمامُ الشوكاني على شرح ابنِ سيدِ الناسِ بخطه، فقال: وهو مُمْتِعٌ في جميع ما تكلَّم عليه مِن فنِّ الحديث وغيره مع التزامه لإخراجِ الأحاديثِ التي يشير إليها بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان. وقد باشر بتحقيق هذا

стр. 101

المجلدِ صاحبنا الدكتور أحمد معبد سدد الله على الحق خطاه، وصدر منه مجلدان تضمنا أَحَدَ عَشَرَ حديثًا غير المقدمة في سنة (١٤٠٩) هـ. ٣ - شرح الحافظ الكبير أبي الفضلِ عبدِ الرحيم بن الحسين زين الدين الكردي الأصل المصري المنشأ والإقامة، وهو تكملةُ شرح ابنِ سيد الناس، بدأ فيه مِنْ حيثُ انتهى ابن سيد الناس، ويُمكن تحديدُ ما أنجزه الحافظ العراقي مِن هذا الشرح بالاعتماد على قول الحافظ ابن حجر تلميذه: وبيَّض من تكملة شرح الترمذي كثيرًا، وكان أكمله في المُسوَّدَةِ أو كاد، كتبتُ عنه منه قَدْرَ مجلدٍ، وقرأتُ أكثرَه عليه (١). قال الدكتورُ أحمدُ معبد في مقدمة "النفح الشذي" (٢): فهذا التقديرُ مِن الحافظ ابن حجر معتمدٌ على صلته المباشرة بالكتاب، واطلاعهِ على أكثره، ولذا يترجَّحُ على تقدير غيرِه، كما أنه قد حَدَّدَ أيضًا ما بيَّضه، فقال: والذي بيَّض منه إلى آخر كتاب اللباس (٣). وهذا الكتابُ هو الثاني والعشرون من كتب "جامع الترمذي" البالغِ عَدَدُها (٤٧) كتابًا، آخرها كتاب العلل، وهو آخر "الجامع"، فيكون مجموعُ ما شرحه مبيَّضًا من الأحاديث (١٤٧٠). وقد قال الشوكاني صاحبُ "نيل الأوطار" - وقد وقف على _________ (١) "المجمع المؤسس" ٢/ ١٨٢. (٢) ١/ ٧٣. (٣) "المعجم المفهرس" ص ٣٩٩.

стр. 102

المجلدِ الأولِ مِن شرح العراقي -: هو شرحٌ حافلٌ ممتع فيه فوائدُ لا توجَدُ في غيره، ولا سيما في الكلامِ على أحاديثِ الترمذي، وجميعِ ما يُشير إليه في الباب، وفي نقل المذاهبِ على نمطٍ غريبٍ وأسلوب عجيب (١). ٤ - شرحُ الإمام الحافظ الفقيه زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين البغدادي، ثم الدمشقي الشهير بابنِ رجب الحنبلي المتوفَّى سنة (٧٩٥ هـ)، وقد قالوا: إنه في نحوِ عشرين مجلدًا، وقد فُقِدَ في جملة ما فقد مِن كتب التراث في فتنة التتر سنةَ (٨٠٣) هـ، ولم يبق منه سوى قطعةٍ من كتاب اللباس تقع في عشرِ ورقاتٍ موجودة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وقد سلم مِن هذا الكتاب أيضًا "شرحُ العلل" الذي في آخر الكتاب، وقد طبع في مجلدين بتحقيق الدكتور نور الدين عتر في دار الملّاح بدمشق سنة (١٣٩٨) هـ. ولو سَلِمَ شرحُ ابنِ رجب هذا مِن الضَّياعِ، لكان فيه غناءٌ أيُّ غَناءٍ عن الشروح التي انتهت إلينا. ٥ - شرح المحدِّث الشهير الفقيه الكبير أبي العُلا محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري المتوفى سنة (١٣٥٣) هـ، سَماه "تحفة الأحوذيّ" وهو مطبوع مع مقدمته الحافِلَةِ في الهند، وله _________ (١) "البدر الطالع" ١/ ٣٥٥.

стр. 103

ترجمة مطولةٌ في آخر الطبعة الهندية بقلم تلميذه وابن أخيه عبد السميع المباركفوري مؤرخة بيوم الأربعاء في العاشر من جُمادى الآخرة سنة (١٣٥٣) هـ، وعن هذه الطبعة المتقنة نُشِرَ الكتاب نشرةً غيرَ محققة في البلاد العربية مصر ولبنان في عشرة مجلدات مع المقدمة. ٦ - شرحُ الإمام الفقيه الحافظ عمر بن علي بن أحمد بن محمد الأنصاري الشافعي، المشهور بابن المُلَقِّن، وبابنِ النحوي، كان أعجوبةَ عصرِه في كثرةِ التصانيف المتنوعة، المتوفَى سنة (٨٠٤) هـ. وقد اقتصر في شرحه هذا على الأحاديث الزوائد على "الصحيحين" وأبي داود، كَتَبَ منه قطعةً، ولم يتم. وقد نقل السخاوي (١) عنه أنه كتب منه قطعة صالحةً، وهذا الشرحُ اسمه: "إنجازُ الوعد الوفي بشرح جامع الترمذي"، موجود منه نسخة في مكتبة تشستربيتي تحت رقم (٥١٨٧)، عَدَدُ أوراقِها (١٥٣) ورقة. ٧ - شرح الحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن حَجَرٍ العسقلاني، المتوفى سنة (٨٥٢) هـ في مجلد، ولا يُوجَدُ، أشارَ إليه في "فتح الباري" (٢) عند حديث: أتى رسول الله ﷺ سُباطةَ قومٍ، فبالَ قائمًا فقال: ولم يثبت عن النبيَّ ﷺ في النهي عن البول _________ (١) في كتابه "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع" ٦/ ١٠٠. (٢) ١/ ٣٣٠.

стр. 104

قائمًا كما بينتُه في أوائلِ شرحِ الترمذي. ٨ - شرحُ شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان البُلقِيني المتوفى سنة (٨٠٥) هـ، المسمى بـ "العَرْف الشذي" شرح قطعة منه. ٩ - شرح الحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة (٩١١) هـ، واسم هذا الشرح: "قوتُ المغتذي على جامع الترمذي"، طبع في كوامبور (١٢٩٩) هـ. ١٠ - شرح سيد علي بن سليمان المالكي الدمنتي، المتوفى سنة (١٣٠٦) هـ، طبع بالقاهرة (١٢٩٨) هـ، واسم هذا الشرح: "نفع قوت المغتذي". ١١ - شرح أبي الطيب محمد بن عبد القادر السِّندي، المتوفى سنة (١١٠٩) هـ، وقد طبع قطعة منه. ١٢ - "العَرف الشذي"، وهو أمالي على "جامع الترمذي" للشيخِ المُحَدِّثِ المفسرِ الفقيه محمد أنور شاه الكشميري، المتوفى سنة (١٣٥٣) هـ، جمعها في مجلد تلميذُه محمدُ جراغ الفنجابي، طبع في الهند سنة (١٣٤٤) هـ. ١٣ - "الكوكب الدرّي"، وهو أمالي للشيخ رشيد أحمد الكنكوهي المتوفى سنة (١٣٢٣) هـ، وقد طُبِعَ في مجلدين لأوَّلِ مرةٍ في الهند مع تعليقاتٍ نفيسة للشيخ المُحَدِّثِ محمد زكريا الكاندهلوي. ١٤ - "الجامعُ الصحيح" للترمذي مع هامش الشيخ أحمد علي

стр. 105

السهارنفوري، طبع بالهند سنة (١٣٦٥) هـ. ١٥ - "الطِّيب الشَّذِي في شرح الترمذي" للشيخ إشفاقِ الرحمن أحمد الكاندهلوي، طُبِعَ منه المجلد الأول سنة (١٣٤٣) هـ في دهلي. ١٦ - "هدية المجتبي للحَبْر المدني" أمالي شيخ الإسلام العلامة حسين أحمد المدني المتوفى سنة (١٣٧٧) هـ، طبع منه جزء. ١٧ - "معارفُ السنن شرح جامع الترمذي" للعلامة محدّث العصر الشيخ محمد يوسف بن السيد محمد زكريا البِنَّوري الحسيني (١٣٩٧) هـ، وهذا الشرح في ستة أجزاء وصل فيه إلى آخر أبواب الحج، ولو كَمُلَ هذا الشرحُ، لكان فردًا في بابه وأساسًا ومرجعًا للعلماء والمحدثين، فإنه ﵀ أتى فيه بنفائسَ ولُباب أقوال فحول العلماء، وأغنى عن مطالعة الأسفارِ. ١٨ - شرح عبد القادر بن إسماعيل الحسني القادري، المتوفى سنة (١١٨٧) هـ، منه نسخة في القاهرة ثان ١، ١٢٥، ١٣١، المجلدات (٢) و (٣) و (٤). وَمِنْ أَهَمِّ مُخْتَصَرَاتِهِ: ١ - مختصرُ الجامع لنجم الدين محمدِ بنِ عقيل البالِسِي الشافعي المتوفى سنة (٧٢٩) هـ مخطوط في باريس (٧١٠ - ٧١١) في مجلدين، الأول فيه (١٦٤) ورقة، والثاني فيه (١٨٣) ورقة،

стр. 106

والنسخة مؤرخة سنة (٧٤٧) هـ. ٢ - "مختصر الجامع" لنجم الدين سليمان بن عبد القوي الطُّوفي الحنبلي المتوفى سنة (٧١٠) هـ مخطوط في القاهرة ثانٍ ١/ ١٤٤ حديث (٤٨٧). ٣ - "مئة حديث منتقاة منه عوالي"، للحافظ صلاحِ الدين بن كيكلدي العَلائي، المتوفى سنة (٧٦١) هـ. ٤ - "الكوكب المُضي المنتزع مِن جامع سنن الترمذي"، ليحيى بنِ حسن بن أحمد بن عثمان المتوفى سنة (٧٦٩) هـ، منه نسخة خطية بقلم المؤلف موجودة في جامع صنعاء الكبير برقم (٣٩٩) في (١٢٣) ورقة. ٥ - مختصر، لأبي الفضل محمد تاج الدين عبد المحسن القلعي، ألّف سنة (١١٤٧) هـ، موجودٌ في القاهرة، ثانٍ ١/ ٩٤، حديث (٣٦٠ - ٣٦١). وَمِنْ أَهَمِّ كُتُبِ تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ البابِ المَذْكُورَةِ فيه: ١ - "اللبابُ فيما يقول فيه الترمذي: وفي الباب" للحافظ ابنِ حجر العسقلاني، ولم يُوقَفْ عليه. ٢ - "كشفُ النقاب عما يقوله الترمذي: وفي الباب" تأليف الدكتور محمد حبيب الله مختار مطبوع منه خمس مجلدات، آخِرُها: باب ما جاء في كثرة الركوع والسجود، طبع في كراتشي

стр. 107

باكستان، نشر مجلس الدعوة والتحقيق الإسلامي سنة (١٤٠٧) هـ وقد ذكر في مقدمته أنه قسم كل باب على ثلاثة فصول: في الأولِ الأحاديث التي أشار إليها الترمذي بقوله: وفي الباب. وفي الثاني ذكر فيه الأحاديث التىِ اطلعَ عليها أثناءَ البحث ولم يُشِرْ إليها الترمذي، والثالث ذكر فيه الآثار الموقوفة التي لها صِلةٌ بالباب ولعل الله سبحانه يُيَسِّرُ من يُتمم هذا الكتابَ العظيمَ الذي لا نظيرَ له في بابه. ٣ - وقد قام كُلُّ من الحافظين ابن سيد الناس والعراقي في شرحيهما للجامع بتخريجِ أحاديثِ الباب، وعزوِها إلى مظانها والكلام على أسانيدها، وبيان درجة كل حديث منها. المُسْتَخْرَجَاتُ: ومن أهمِّ كُتُبِ المستخرجات التي موضوعُها كما قال الحافظ العراقي: أن يأتي المصنفُ إلى الكتاب، فيخرج الأحاديثَ بأسانيدَ لِنفسه مِن غير طريق صاحبِ الكتاب، فيجتمع معه في شيخه، أو من فوقه. ١ - مستخرج أبي بكر أحمد بن علي ابن منجويه النيسابوري المتوفى سنة (٤٢٨) هـ. ٢ - مستخرج أبي علي الحسن بن علي الخراساني الطُّوسِي المتوفَّى سنة (٣١٢) هـ. وهو مطبوعٌ في أربعة مجلدات باسم "مختصر الأحكام: مستخرج الطوسي على جامع الترمذي" طبع في

стр. 108

المدينة المنورة، بمكتبة الغُرباء الأثرية سنة (١٩٩٤) م. وقد اعتنى بعضُ العلماء بجمع غرائب الجامع، فقد صنف الإمامُ أحمدُ بنُ العلائي الشافعي في القرن الثامن الهجري كتابًا سماه: "الأحاديث المستغربة في الجامع الصحيح للترمذي"، قال صاحب "تاريخ التراث": توجدُ منه نسخة خطية في شهيد علي برقم (٣٥٣)، وتقع في (١٥٠) ورقة، نسخت سنة (٩٠٤) هـ. كما أُلِّف في بيان فضل كتاب الجامع، فقد صنف الإمام الحافظُ أبو القاسم عُبيد بن محمدٍ الإسْعَرْدِي (١) (٦٩٢ هـ) كتابًا سماه: "فضائل الكتاب الجامع"، حققه الشيخ صبحي السامرّائي، طبع عالم الكتب في بيروت سنة (١٤٠٩) هـ. الطبعاتُ السَّابِقَةُ لِهذا الكِتَابِ: طبع كتاب الترمذي عدة طبعات، وتولى نشره عددٌ من أهلِ العلم، ومن هذه الطبعات: ١ - طبعة في الهند بدهلي سنة (١٢٦٩) و (١٢٧٠) هـ و (١٣٢٨) هـ، وفي لكنو سنة (١٣١٠) هـ و (١٣١٧) هـ. _________ (١) كذا ضبطه الحافظان ابن ناصر الدين الدمشقي وابن حجر العسقلاني في كتابيهما "توضيح المشتبه" و"تبصير المنتبه"، وهي نسبة إلى إسعرد أو سعرد أو سعرت أو إسعرت، مدينة من أعمال أرمنية، على رافد من روافد دجلة العليا، وصفها المستوفي بقوله: مدينة عظيمة مشهورة بآنية النُّحاسِ الفاخرة، وبأقداح الشرب التي تُجْلَبُ منها، وقال الدكتور بشار عواد: واشتهر أهلها في العصور المتأخرة بختان الأطفال لا سيما في العراق، فيقال للختان في العراق حتى اليوم: "زعرتي" وهو "السعردي". انظر "بلدان الخلافة الشرقية" ص ١٤٥ - ١٤٦، و"التكملة لوفيات النقلة" ٢/ (١٤٣٥).

стр. 109

٢ - طبعة في دمشق بتحقيق الأستاذ عزت عبيد دعَّاس. ٣ - طبعة في مصر ببولاق سنة (١٢٩٢) هـ في مجلدين. ٤ - طبعة في القاهرة بمطبعة مصطفى البابي الحلبي في خمسة مجلدات، حقق الأول والثاني منها المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر، والثالث: الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، والرابع والخامس الشيخ إبراهيم عطوة عوض. ٥ - طبعة في دار الغرب الإسلامي ببيروت في ستة أجزاء سنة (١٩٩٦) م حققه الدكتور بشار عواد. وهذه الطبعات كُلُّها لم تنل حظها من التحقيق المطلوب في هذا الكتاب النفيس الذي هو من كتب السنة الأصول، وقد آثرنا أن لا نفصل القول في بيان ما فيها من مؤاخذات، لأن ما قمنا به من التحقيق والتوثيق والتخريج والضبط في طبعتنا هذه فيه غَناء وأيُّ غناء.

стр. 110

وصفُ الأصولِ الخَطِّيَّةِ لقد توافرت لنا بحمد الله وتوفيقه حين الشروع في تحقيق "الجامع" عدة نسخ نفيسة، مصورة عن الأصول الخطية الموجودة في مكتبات العالم، وهاك وصفها: أولًا: نُسْخَةٌ بِخَطِّ المُحَدِّثِ الكروخي ورمزُها (أ) وهي نسخة مصورة عن الأصل الخطي المحفوظ بالمكتبة الوطنية بباريس تحت رقم (٧٠٩) وهي نسخة تامة جيدة الضبط واضحة الخط، كتبت بخط نسخي معتاد، يَنْدُرُ وقوعُ الخطأ فيها، وعددُ أوراقها (٢٧٣) ورقة، كل لوحة فيها (٣١) سطرًا، وكل سطر فيه (٢٣) كلمة تقريبًا. وقد حُلِّيت هوامشها بفوائد مهمة ذات قيمة علمية، وهي النسخة الأم التي كان الاعتماد عليها. وقد تولَّى نسخَها أبو الفتح عبدُ الملك بنُ أبي القاسم عبد الله بن أبي سهل بنِ أبي القاسم بن أبي منصور بن تاج الكَرُوخي الهروي البزار كما صَرَّح هو نفسه بذلك في لوحة العنوان منها، وفي الورقة (٢٧١)، وقد انتهى مِنْ نسخها يومَ الأحدِ الرابع من ذي القعدة سنة سبع وأربعين وخمس مئة. وصاحبُ هذه النسخة هو أبو العباسِ أحمدُ بنُ محمد بنِ كوثر المحاربيُّ صرح بذلك شيخُه الكروخي في لوحةِ العنوان، فكأن الكروخي نسخها بيده، ثم ملّكها لتلميذه أبي العباس، الذي سمعها
следующие страницы →